← Акыда

Акыда · id 205

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 033 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص: ٤١]، فهذا جَعْل كوني قدري، أي: قدّرنا ذلك وقضيناه، وجَعْل العبدِ إمامًا يدعو إلى النار أبلغ من جَعْله يزني ويسرق ويقتل. وجَعْله أيضًا كذلك لفظ مجمل يراد به: أنه جبره على ذلك، وأكرهه عليه، واضطره إليه، وهذا محال في حق الربّ تعالى، وكمالُهُ المقدّس يأبى ذلك، وصفاتُ كماله تمنع منه كما تقدم. ويراد به: أنه مكّنه من ذلك، وأقدره عليه من غير أن يضطره إليه، ولا أكرهه، ولا أجبره؛ فهذا حق. فإن قيل: هذا كله عدول عن المقصود، فمَن أحدث معصيته (١)، وأوجدها وأبرزها من العدم إلى الوجود؟ قيل: الفاعل لها هو الذي أوجدها وأحدثها، وأبرزها من العدم إلى الوجود بإقدار الله له على ذلك، وتمكينه منه من غير إلجاء له، ولا اضطرار منه له إلى فعلها. فإن قيل: فمن الذي خلقها إذًا؟ قيل لكم: ومن الذي فعلها؟ فإن قلتم: الربّ تعالى هو الفاعل للفسوق والعصيان؛ أكذبكم العقل والفطرة، وكُتُب الله المنزّلة، وإجماع رسله، وإثبات حمده، وصفات كماله؛ فإنّ فعْله سبحانه كله خير، وتعالى أن يفعل شرًّا بوجه من الوجوه، فالشر ليس إليه (٢)، والخير هو الذي إليه، فلا يفعل إلا خيرًا، ولا يريد إلا خيرًا، ولا

стр. 492

يشاء إلا خيرًا، ولو شاء لفعل غير ذلك، ولكنه تعالى منزّه عن فعل ما لا ينبغي وإرادته ومشيئته، كما هو منزّه عن الوصف به، والتسمية باسمه (١). وإن قلتم: العبد هو الذي فعلها بما خلق فيه من الإرادة والمشيئة (٢). قيل: فالله سبحانه خالق أفعال العباد كلها بهذا الاعتبار. ولو سلك الجبري مع القدري هذا المسلك لاستراح معه وأراحه، وكذلك القدري معه، ولكن انحرف الفريقان عن سواء السبيل. سارت مُشرِّقة وسرتُ مغرّبًا ... شتّان بين مُشرِّق ومُغرِّب (٣) فإن قيل: فهل يمكنه الامتناع منها، وقد خُلِقت فيه نفسُها أو أسبابُها الموجِبة لها، وخَلْق السبب الموجِب خَلْق لمُسبَّبه وموجَبه؟ قيل: هذا السؤال يورد على وجهين: أحدهما: أن يراد به أنه يصير مضطرًّا إليها، مُلْجَأً إلى فعلها بخَلْقها أو خَلْق أسبابها فيه، بحيث لا يبقى له اختيار في نفسه ولا إرادة، وتبقى حركته

стр. 493

قسرية لا إرادية. والثاني: أنه هل لاختياره وإرادته وقدرته تأثير فيها، أو التأثير لقدرة الربِّ ومشيئته فقط، وذلك هو السبب الموجِب للفعل؟ فإن أوردتموه على الوجه الأول فجوابه: أنه يمكنه أن يفعل، وأن لا يفعل، ولا يصير مضطرًّا مُلْجَأً بخَلْقها فيه، ولا بخَلْق أسبابها ودواعيها؛ فإنها إنما خُلِقت فيه على وجه يمكنه فعلها وتركها، فلو لم يمكنه الترك لزم اجتماع النقيضين، وأن يكون مريدًا غير مريد، فاعلًا غير فاعل، مُلْجَأً غير مُلْجَأ. وإن أوردتموه على الوجه الثاني فجوابه: أن لإرادته واختياره وقدرته أثرًا فيها، وهي السبب الذي خلقها الله به في العبد، فقولكم: "إنه لا يمكنه الترك" مع الاعتراف بكونه متمكّنًا من الفعل= جمع بين النقيضين؛ فإنه إذا تمكّن من الفعل كان الفعل اختياريًّا: إن شاء فعله، وإن شاء لم يفعله، فكيف يصح أن يقال: لا يمكنه ترك الفعل الاختياري الممكِن، هذا خُلْف من القول، وحقيقة الأمر أنه يمكنه الترك لو أراده، لكنه لا يريده، فصار لازمًا بالإرادة الجازمة. فإن قيل: فهذا يكفي في كونه مجبورًا عليه. قيل: بل هذا من أدلّ شيء على بطلان الجَبْر؛ فإنه إنما لزم بإرادته المنافية للجبر، ولو كان وجوب الفعل بالإرادة يقتضي الجَبْر لكان الربُّ تعالى وتقدّس مجبورًا على أفعاله؛ لوجوبها بإرادته ومشيئته، وذلك محال. فإن قيل: الفرق أن إرادة الربّ تعالى من نفسه، لم يَجْعلْهُ غيرُهُ مريدًا،

стр. 494

والعبد إرادته من ربّه، إذ هي مخلوقة له، فإنه هو الذي جعله مريدًا. قيل: هذا موضع اضطرب فيه الناس، فسلكت فيه القدرية واديًا، وسلكت الجبرية واديًا. فقالت القدرية: العبد هو الذي يُحدِث إرادته، وليست مخلوقة لله، والله مكّنه من إحداث إرادته بأن خلقه كذلك. وقالت الجبرية: بل الله تعالى هو الذي يُحدِث إرادات العبد شيئًا بعد شيء، وإحداث الإرادات فيه كإحداث لونه وطوله وقصره وسواده وبياضه، مما لا صنع له فيه البتّة، فلو أراد أن لا يريد لمَا أمكنه ذلك، وكان كما لو أراد أن يكون طوله وقصره ولونه على غير ما هو عليه، فهو مضطر إلى الإرادة، وكل إرادة من إراداته فهي متوقفة على مشيئة الربّ تعالى لها بخصوصها، فهي مرادة له سبحانه، كما هي معلومة مقدورة، فلزمهم القول بالجبر من هذه الجهة، ومن جهة نفيهم (١) أن يكون لإرادة العبد وقدرته أثر في الفعل. فإن قيل: فأي وادٍ تسلكونه غير هذين الواديين، وأي طريق تمرون فيها (٢) سوى هذين الطريقين؟ قيل: نعم، ههنا طريق ثالثة لم يسلكها الفريقان، ولم تهتدِ إليها الطائفتان، ولو حكّمتْ كل طائفة ما معها من الحق، والتزمت لوازمه وطردته؛ لساقها إلى هذه الطريق، ولأوقعها على المحجّة المستقيمة. فنقول وبالله التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة

стр. 495

إلا بالله: العبد بجملته مخلوق لله جسمه وروحه وصفاته وأفعاله وأحواله، فهو مخلوق من جميع الوجوه، وخُلِق على نشأة وصفة يتمكّن بها من إحداث إراداته وأفعاله، وتلك النشأة بمشيئة الله وقدرته وتكوينه، فهو الذي خلقه وكوّنه كذلك، وهو لم يجعل نفسه كذلك، بل خالقه وبارئه جعله مُحدِثًا لإراداته وأفعاله، وبذلك أمره ونهاه، وأقام عليه حجته، وعرَّضه للثواب والعقاب، فأمَرَه بما هو متمكّن من إحداثه، ونهاه عما هو متمكّن من تركه، ورتّب ثوابه وعقابه على هذه الأفعال والتروك التي مكّنه منها، وأقدره عليها، وناطها به، وفطر خلقه على مدحه وذمّه عليها، مؤمنهم وكافرهم، المقرّ بالشرائع منهم والجاحد بها، فكان مريدًا شائيًا بمشيئة الله له، ولولا مشيئة الله أن يكون شائيًا لكان أعجز وأضعف من أن يجعل نفسه شائيًا (١). فالربُّ تعالى أعطاه مشيئة وقدرة وإرادة، وعَرَّفه ما ينفعه وما يضره، وأمره أن يجري مشيئته وإرادته وقدرته في الطريق التي يصل بها إلى غاية صلاحه، فأجراها في طريق هلاكه، بمنزلة من أعطى عبده فرسًا يركبها، وأوقفه على طريقي نجاة وهلكة، وقال: أَجْرِها في هذه الطريق. فعدل بها إلى الطريق الأخرى، وأجراها فيها، فغلبته بقوة رأسها، وشدة سيرها، وعزّ عليه ردّها عن جهة جريها، وحيل بينه وبين إدارتها إلى ورائها، مع اختيارها وإرادتها. فلو قلت: كان ردّها عن طريقها ممكنًا له مقدورًا؛ أصبت.

стр. 496

وإن قلت: لم يبقَ في هذه الحال بيده من أمرها شيء، ولا هو متمكن منه؛ أصبت، بل قد حال بينه وبين ردها مَنْ يحول بين المرء وقلبه، ومن يقلب أفئدة المعاندين وأبصارهم. وإذا أردت فهم هذا على الحقيقة فتأمل حال من عرضت له صورة بارعة الجمال، فدعاه حسنُها إلى محبتها، فنهاه عقله، وذكّره ما في ذلك من التلف والعطب، وأراه مصارع العشاق عن يمينه وعن شماله، ومن بين يديه ومن خلفه، فعاد يعاود النظر مرة بعد مرة، ويحث نفسه على التعلق وقوة الإرادة، ويحرض على أسباب المحبة، ويدني الوقود من النار، حتى إذا اشتعلت، وشبّ ضرامها، ورمت بشررها، وقد أحاطت به= طلب الخلاص، قال له القلب: هيهات لات حين مناص، وأنشده: تولَّعَ بالعشق حتى عشقْ ... فلما استقلّ به لم يطِقْ رأى لجّةً، ظنَّها موجة ... فلما تمكّن منها غرِقْ (١) فكان الترك أولًا مقدورًا له، لمّا لم يوجد السبب التام والإرادة الجازمة الموجِبة للفعل، فلمّا تمكّن الداعي، واستحكمت الإرادة، قال المحب لعاذله: يا عاذلي والأمر في يده ... هلّا عذلتَ وفي يدي الأمر (٢) فكان أول الأمر إرادة واختيارًا ومحبّة، ووسطه اضطرارًا، وآخره عقوبة

стр. 497

وبلاء. ومُثِّلَ هذا برجل ركب فرسًا لا يملكه راكبه، ولا يتمكّن من رده، وأجراه في طريق ينتهي به إلى موضع هلاك، فكان الأمر إليه قبل ركوبها، فلما توسطت به الميدان خرج الأمر عن يده، فلما وصلت به إلى الغاية حصل على الهلاك. ويشبه هذا حال السكران الذي قد زال عقله إذا جَنَى في حال سكره؛ لم يكن معذورًا؛ لتعاطيه السبب اختيارًا، فلم يكن معذورًا بما ترتب عليه اضطرارًا. وهذا مأخذ من أوقع طلاقه من الأئمة، ولهذا قالوا: إذا زال عقله بسبب يعذر فيه لم يقع طلاقه، فجعلوا وقوع الطلاق عليه من تمام عقوبته. والذين لم يوقعوا الطلاق قولهم أفقه، كما أفتى به عثمان بن عفان (١)، ولم يعلم له في الصحابة مخالف. ورجع إليه الإمام أحمد، واستقر عليه قوله (٢). فإن الطلاق ما كان عن وَطَر، والسكران لا وَطَر له في الطلاق. وقد حكم النبي ﷺ بعدم وقوع الطلاق في حال الغَلْق (٣)، والسُّكْر من

стр. 498

الغَلْق كما أن الإكراه والجنون من الغَلْق. بل قد نصَّ الإمام أحمد (١) وأبو عبيد (٢) وأبو داود (٣) على أن الغضب إغلاق، وفسَّرَ به الإمام أحمد الحديث في رواية أبي طالب (٤)، وهذا يدل على أن مذهبه أن طلاق الغضبان لا يقع. وهذا هو الصحيح الذي يُفْتَى به إذا كان الغضب شديدًا، قد أَغْلَق عليه قصده، فإنه يصير بمنزلة السكران والمكره، بل قد يكونان أحسن حالًا منه؛ فإن العبد في حال شدة غضبه يصدر منه ما لا يصدر من السكران من الأقوال والأفعال، وقد أخبر الله سبحانه أنه لا يجيب دعاءه على نفسه وولده في هذه الحال، ولو أجابه لقضي إليه أجله. وقد عذر سبحانه من اشتد به الفرح بوجود راحلته في الأرض المهلكة

стр. 499

بعدما يئس منها، فقال من شدة الفرح: "اللهم أنت عبدي وأنا ربك" (١)، ولم يجعله بذلك كافرًا؛ لأنه أخطأ بهذا القول من شدة الفرح. فكمال رحمته وإحسانه وجوده يقتضي أن لا يؤاخذ من اشتد غضبه بدعائه على نفسه وأهله وولده، ولا بطلاقه لزوجته. وأما إذا زال عقله بالغضب فلم يعقل ما يقول؛ فإن الأمة متفقة على أنه لا يقع طلاقه ولا عتقه، ولا يكفر بما يجري على لسانه من كلمة الكفر. * * * *

стр. 500

الباب التاسع عشر في ذِكْر مناظرة جرت بين جبريّ وسنّي جمعهما مجلس مذاكرة قال الجبري: القول بالجبر لازم لصحة التوحيد، ولا يستقيم التوحيد إلا به؛ لأنا إن لم نقل بالجبر أثبتنا فاعلًا للحوادث مع الله، إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، وهذا شرك ظاهر لا يُخلّص منه إلا القول بالجبر. قال السني: بل القول بالجبر منافٍ للتوحيد، ومع منافاته للتوحيد فهو مناف للشرائع، ودعوة الرسل، والثواب والعقاب، فلو صحّ الجَبْر لبطلت الشرائع، وبطل الأمر والنهي، ويلزم من بطلان ذلك بطلان الثواب والعقاب. قال الجبري: ليس العجب دعواك منافاة الجَبْر للأمر والنهي، والثواب والعقاب؛ فإن هذا لم يزل يُقال، وإنما العجب دعواك منافاته للتوحيد، وهو من أقوى أدلة التوحيد، فكيف يكون المُقرِّر للشيء، المُقوّي له منافيًا له؟! قال السني: منافاته للتوحيد من أظهر الأمور، ولعلها أظهر من منافاته للأمر والنهي، وبيان ذلك أن أصل عقد التوحيد وأساسه هو شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، والجبر ينافي الكلمتين؛ فإن الإله هو المستحق لصفات الكمال، المنعوت بنعوت الجلال، وهو الذي تألهه القلوب، وتصمد إليه بالحب والخوف والرجاء، فالتوحيد الذي جاءت به الرسل هو إفراد الربّ بالتألّه، الذي هو كمال الذلّ والخضوع والانقياد له، مع كمال المحبة والإنابة، وبذل الجهد في طاعته ومرضاته، وإيثار محابّه ومراده الديني على محبة العبد ومراده، فهذا أصل دعوة الرسل، وإليه دعوا

стр. 501

الأمم، وهو التوحيد الذي لا يقبل الله من أحد دينًا سواه، لا من الأولين ولا من الآخرين، وهو الذي أمر به رسله، وأنزل به كتبه، ودعا إليه عباده، ووضع لهم دار الثواب والعقاب لأجله، وشرع الشرائع لتكميله وتحصيله. وكان من قولك أيها الجبري: إن العبد لا قدرة له على هذا البتّة، ولا أثر له فيه، ولا هو فعله، وأمْره بهذا أمْر له بما لا يطيق، بل أمْر له بإيجاد فعل الربِّ، وأن الربّ تعالى أَمَرَه بذلك، وأجبره على ضده، وحال بينه وبين ما أَمَرَه به، ومنعه منه، وصدّه عنه، ولم يجعل له إليه سبيلًا بوجه من الوجوه. مع قولك: إنه لا يُحِبّ، ولا يُحَبّ، فلا تتألّهه القلوب بالمحبّة والودّ والشوق والطلب وإرادة وجهه، والتوحيد معنى ينتظم من إثبات الإلهية وإثبات العبودية، فرفَعْتَ معنى الإلهية بإنكار كونه محبوبًا مودودًا، تتنافس القلوب في محبته وإرادة وجهه، والشوق إلى لقائه، ورفَعْتَ حقيقة العبودية بإنكارك كون العبد فاعلًا وعابدًا ومحِبًّا، فإن هذا كله مجاز لا حقيقة له عندك. فضاع التوحيد بين الجَبْر وإنكار محبته وإرادة وجهه، لاسيما والوصف الذي وصفتَه به منفّرٌ للقلوب عنه، حائل بينها وبين محبته؛ فإنك وصفته بأنه يأمر عبده بما لا قدرة له على فعله، وينهاه عما لا يقدر على تركه، بل يأمره بفعله هو سبحانه، وينهاه عن فعله هو، ثم يعاقبه أشد العقوبة على ما لم يفعله البتّة، بل يعاقبه على أفعاله هو سبحانه. وصرّحتَ بأن عقوبته على ترك ما أمره، وفعل ما نهاه بمنزلة عقوبته له على ترك طيرانه إلى السماء، وترك تحويله الجبال عن أماكنها، ونقله مياه البحار عن مواضعها، وبمنزلة عقوبته له على ما لا صنع له فيه من لونه

стр. 502

وطوله وقصره. وصرّحتَ بأنه يجوز عليه أن يعذب أشدّ العذاب من (١) لم يعصه طرفة عين، وأن حكمته ورحمته لا تمنع ذلك، بل هو جائز عليه، ولولا خبره عن نفسه بأنه لا يفعل ذلك لم تنزّهه عنه. وقلتَ: إنّ تكليفه عبادَه بما كلفهم به بمنزلة تكليف الأعمى للكتابة، والزَّمِن للطيران! فبغّضتَ الربَّ إلى من دعوته إلى هذا الاعتقاد، ونفّرتَه عنه، وزعمتَ أنك تقرر بذلك توحيده، وقد قلعتَ شجرة التوحيد من أصلها. وأما منافاة الجَبْر للشرائع فأمر ظاهر لا خفاء به؛ فإنّ مبنى الشرائع على الأمر والنهي، وأمر الآمر لغيره بفعل نفسه لا بفعل المأمور، ونهيه عن فعله لا فعل المنهي= عبثٌ ظاهر؛ فإن متعلّق الأمر والنهي فعل العبد وطاعته ومعصيته، فمن لا فعل له كيف يتصور أن يوصف بطاعة أو معصية؟! وإذا ارتفعت حقيقة الطاعة والمعصية ارتفعت حقيقة الثواب والعقاب، وكان ما يفعله الله بعباده يوم القيامة من النعيم والعذاب أحكامًا جارية عليهم بمحض المشيئة والقدرة، لا أنها بأسباب طاعاتهم ومعاصيهم. بل ههنا أمر آخر، وهو أن الجَبْر منافٍ للخَلْق كما هو مناف للأمر؛ فإن الله سبحانه له الخَلْق والأمر، وما قامت السماوات والأرض إلا بعدله، فالخَلْق قام بعدله، وبعدله ظهر، كما أن الأمر بعدله، وبعدله وُجِد، فالعدل سبب وجود الخَلْق، والأمر غايته، فهو علّته الفاعلية والغائية، والجبر لا

стр. 503

يجامع العدل كما لا يجامع الشرع والتوحيد. قال الجبري: لقد نطقتَ أيها السني بعظيم، وفهْتَ بكبير، وناقضتَ بين متوافقَيْن، وخالفتَ بين متلازمَيْن؛ فإن أدلة العقول، والشرع المنقول، قائمة على الجَبْر، وما دلّ عليه العقل والنقل كيف ينافي موجب الشرع والعقل؟! فاسمع الآن الدليل الباهر، والبرهان القاهر على الجَبْر، ثم نتبعه بأمثاله (١)، فنقول: صدور الفعل عند حصول القدرة والداعي: إما أن يكون واجبًا أو لا يكون واجبًا، فإن كان واجبًا كان فعل العبد اضطراريًا، وذلك عين الجَبْر؛ لأن حصول القدرة والداعي ليس للعبد (٢)، وإلا لزم التسلسل، وهو ظاهر. وإذا كان كذلك فعند حصولهما يكون الفعل واجبًا، وعند عدم حصولهما يكون الفعل ممتنعًا، فكان (٣) الجَبْر لازمًا لا محالة. وأما إن لم يكن حصول الفعل عند حصول القدرة والداعي واجبًا: فإما أن يتوقف رجحان الفعل على رجحان الترك على مرجِّح، أو لا يتوقف، فإن توقف كان حصول ذلك الفعل عند حصول المرجِّح واجبًا، وإلا عاد الكلام، ولزم التسلسل، وإذا كان واجبًا كان اضطراريًا، وهو عين الجَبْر، وإن لم يتوقف على مرجِّح كان جائز الوقوع وجائز العدم، فوقوعه بغير مرجِّح يستلزم حصول الأثر بلا مؤثِّر، وذلك محال.

стр. 504

فإن قلتَ: المرجِّح هو إرادة العبد. قلتُ لك: إرادة العبد حادثة، والكلام في حدوثها كالكلام في حدوث المراد بها، ويلزم التسلسل. قال السني: هذا أحدّ سهم في كنانتك، وهو بحمد الله سهم لا ريش له ولا نصل مع عوجه، وعدم استقامته، وأنا أستفسرك عما في هذه الحجة من الألفاظ المجملة المشتملة على حق وباطل، وأبين لك فسادها. فما تعني بقولك: إن كان الفعل عند القدرة والداعي واجبًا كان فعل العبد اضطراريًا، وهو عين الجَبْر؟ أتعني به: أنه يكون مع القدرة والداعي بمنزلة حركة المرتعش، وحركة من نفضته الحمّى، وحركة من رُمِي به من مكان عالٍ، فهو يتحرك في نزوله اضطرارًا منه؟ أم تعني به: أن الفعل عند اجتماع القدرة والداعي يكون لازم الوقوع بالقدرة والداعي؟ فإن أردتَ بكونه اضطراريًا المعنى الأول: كذبتك العقول والفطر والحسّ والعيان؛ فإن الله فطر عباده على التفريق بين حركة مَن رُمِي به من شاهق، فهو يتحرك إلى أسفل، وبين حركة مَن يرقى في الجبل إلى علوه، وبين حركة المرتعش، وحركة المصفّق، وبين حركة الزاني والسارق والمجاهد والمصلي، وحركة المكتوف الذي قد أوثق رباطًا وجُرّ على الأرض. فمن سوَّى بين الحركتين فقد خلع ربقة العقل والفطرة والشِّرْعة من عنقه. وإن أردتَ المعنى الثاني، وهو كون الفعل لازم الوجود عند وجود

стр. 505

القدرة والداعي: فهذا المعنى حق، ويكون حقيقة قولك: إن كان لازم الوجود عند القدرة والداعي كان لازم الوجود، وهذا لا فائدة فيه، وكونه لازمًا وواجبًا بهذا المعنى لا ينافي كونه مختارًا للعبد، مرادًا له، مقدورًا له، غير مُكْرَه عليه ولا مجبور، فهذا الوجوب واللزوم لا ينافي الاختيار. ثم نقول: لو صحَّت هذه الحجة لزم أن يكون الربّ سبحانه مضطرًا على أفعاله، مجبورًا عليها بعين ما ذكرتَ من مقدماتها؛ فإنه سبحانه يفعل بقدرته ومشيئته، وما ذكرتَ من وجوب الفعل عند القدرة والداعي، وامتناعه عند عدمهما؛ ثابت في حقه سبحانه. وقد اعترف أصحابك بهذا الإلزام، وأجابوا عنه بما لا يجدي شيئًا. قال ابن الخطيب (١) عقيب ذكر هذه الشبهة: فإن قلتَ: هذا ينفي كونه فاعلًا مختارًا؟ قلتُ: الفرق أن إرادة العبد مُحْدَثة، فافتقرت إلى إرادة يحدثها الله؛ دفعًا للتسلسل، وإرادة البارئ قديمة، فلم تفتقر إلى إرادة أخرى (٢). وردَّ هذا الفرق صاحب "التحصيل" (٣)، فقال: ولقائل أن يقول: هذا لا

стр. 506

يدفع التقسيم المذكور. قلت: فإن التقسيم متردّد بين لزوم الفعل عند الداعي وامتناعه عند عدمه، وهذا التقسيم ثابت في حق الغائب والشاهد، وكون إرادة الربِّ تعالى قديمة من لوازم ذاته لا فاعل لها= لا يمنع هذا الترديد والتقسيم؛ فإن عند تعلقها بالمراد يلزم وقوعه، وعند عدم تعلقها به يمتنع وقوعه، وهذا اللزوم والامتناع لا يخرجه سبحانه عن كونه فاعلًا مختارًا (١). ثم نقول: هذا المعنى لا يسمّى جبرًا ولا اضطرارًا؛ فإن حقيقة الجَبْر ما حصل بإكراه غير الفاعل له على الفعل، وحمله على إيقاعه بغير رضاه واختياره، والربّ تعالى هو الخالق للإرادة والمحبة والرضا في قلب العبد، فلا يسمّى ذلك جبرًا، لا لغة ولا عقلًا ولا شرعًا. ومن العجب احتجاجك بالقدرة المُحْدَثة والداعي على أن الفعل الواقع بهما اضطراري من العبد، والفعل عندك لم يقع بهما، ولا هو فِعْل للعبد بوجه، وإنما هو عين فعل الله، وذلك لا يتوقف على قدرة من العبد ولا داع منه، ولا هناك ترجيح له عند وجودهما، ولا عدم ترجيح عند عدمهما، بل نسبة الفعل إلى القدرة والداعي كنسبته إلى عدمهما، فالفعل عندك عين (٢) فعل الله، فلا ترجيح هناك من العبد ولا مرجِّح، ولا تأثير ولا أثر، فالفعل للربِّ حقيقة عندك، فإذا كان واجبًا بقدرته ومشيئته ـ وذلك عين الجَبْر ـ لزمك أن يكون الربّ تعالى مجبورًا على أفعاله، وهذا مما لا محيد

стр. 507

لك عنه، ولا مفرّ لك منه. قال السني: وقد أجابك إخوانك من القدرية عن هذه الحجة بأجوبة أخرى. فقال أبو هاشم وأصحابه: لا يتوقف فعل القادر على الداعي، بل يكفي في فعله مجرد قدرته. قالوا: فقولك: عند حصول الداعي: إما أن يجب الفعل أو لا يجب؟ عندنا لا يجب الفعل بالداعي، ولا يتوقف عليه (١). ولا يمكنك ــ أيها الجبري ــ الرد على هؤلاء؛ فإن الداعي عندك لا تأثير له في الفعل البتّة، ولا هو متوقف عليه، ولا على القدرة؛ فإن القدرة الحادثة عندك لا تؤثر في مقدورها، فكيف يؤثر الداعي في الفعل، فهذه الحجة لا تتوجه على أصولك البتّة، وغايتها إلزام خصومك بها على أصولهم. وقال أبو الحسين البصري وأصحابه: يتوقف الفعل على الداعي. ثم قال أبو الحسين: إذا تجرد الداعي وجب وقوع الفعل، ولا يخرج بهذا الوجوب عن كونه اختياريًا. وقال محمود الخوارزمي صاحبه: لا ينتهي بهذا الداعي إلى حَدِّ الوجوب، بل يكون وجوده أولى (٢). ه

стр. 508

قالوا: فنجيبك عن هذه الشبهة على الرأيين جميعًا. أما على رأي أبي هاشم فنقول: صدور إحدى الحركتين عنه دون الأخرى لا يحتاج إلى مرجِّح، بل من شأن القادر أن يوقع الفعل من غير مرجِّح لجانب وجود على عدمه. قالوا: ولا استبعاد في العقل في وجود مخلوق يتمكن من الفعل بدلًا عن الترك، وبالضدّ من غير مرجِّح، كما أن النائم والساهي يتحركان من غير داع وإرادة. فإن قلتم: بل هناك داعٍ وإرادة لا يذكرها النائم والناسي؛ كان ذلك مكابرة. قلت: وأصحاب هذا القول يقولون: إن القادر هو الذي يفعل مع جواز أن لا يفعل، وأصحاب القول الأول يقولون: بل يفعل مع وجوب أن يفعل، ومحمود الخوارزمي توسط بين المذهبين، وقال: بل يفعل مع أولوية أن يفعل، ولا ينتهي الترجيح إلى حَدّ الوجوب، فالأقوال خمسة: أحدها: أن الفعل موقوف على الداعي، فإذا انضمت القدرة إليه وجب الفعل بمجموع الأمرين، وهذا قول جمهور العقلاء، ولم يصنع ابن الخطيب شيئًا في نسبته له إلى الفلاسفة وأبي الحسين البصري من المعتزلة (١). الثاني: أن الفعل يجب بقدرة الله، وقدرة العبد، وهذا قول

стр. 509

من يقول: إن قدرة العبد مؤثرة في مقدوره مع قدرة الله على عين مقدور العبد، وهذا قول أبي إسحاق (١)، واختيار الجويني في "النظامية" (٢). الثالث: قول من يقول: يجب بقدرة الله فقط، وهذا قول الأشعري، والقاضي أبي بكر، ثم اختلفا (٣). فقال القاضي: كونه فعلًا واقع بقدرة الله، وكونه صلاة أو حجًا أو زنًا أو سرقة واقع بقدرة العبد، فتأثير قدرة الله في ذات الفعل، وتأثير قدرة العبد في صفة الفعل. وقال الأشعري: أصل الفعل ووصفه واقعان بقدرة الله، ولا تأثير لقدرة العبد في هذا ولا هذا. الرابع: قول مَن يقول: لا يجب الفعل من القادر البتّة، بل القادر هو الذي يفعل مع جواز أن لا يفعل، فلا ينتهي فعل القادر المختار إلى الوجوب أصلًا، وهذا قول أبي هاشم وأصحابه. الخامس: أنه يكون عند الداعي أولى بالوقوع، ولا ينتهي إلى حدّ الوجوب، وهذا قول الخوارزمي. وقد سلّم أبو الحسين أن الفعل يجب مع الداعي، وسلّم أن الداعي مخلوق لله، وقال: إن العبد مستقل بإيجاد فعله، قال: والعلم بذلك ضروري.

стр. 510

قال ابن الخطيب: "وهذا غلو منه في القدر. وقوله: "إنه يتوقف على الداعي، والداعي خلق لله" غلو في الجَبْر، فجمع بين القدر والجبر مع غلوه فيهما" (١). ولم ينصفه؛ فليس ما ذهب إليه غلوًا في قدر ولا جبر؛ فإنّ توقف الفعل على الداعي ووجوبه عنده بقدرة العبد ليس جبرًا، فضلًا أن يكون غلوًا فيه، وكون العبد مُحْدِثًا لفعله ضرورة بما خلقه الله فيه من القدرة والاختيار ليس قولًا بمذهب القدرية، فضلًا عن كونه غلوًا فيه. فصل قال الجبري: إذا كان الداعي ليس من أفعالنا، وهو عِلْم القادر أن في ذلك الفعل مصلحة له، وذلك أمر مركوز في طبيعته التي خُلِق عليها، وذلك مفعول لله فيه، والفعل واجب عنده= فلا معنى للجبر إلا هذا. قال له السني: أخوك القدري يجيبك عن هذا: بأن ذلك الداعي قد يكون علمًا، وقد يكون اعتقادًا، وقد يكون ظنًّا، وقد يكون جهلًا وغلطًا، وهذه أمور يحدثها الإنسان في نفسه، فيفعل على حسب ما يَتوهّم أن فيه مصلحته: صادفها أو لم يصادفها، فالداعي لا ينحصر في العلم خاصة. قال الجبري: لا يساوي هذا الجواب شيئًا؛ فإن العطشان مثلًا يدعوه الداعي إلى شرب الماء لعلمه بنفعه، وشهوته وميله إلى شربه، وذلك العلم وتلك الشهوة والميل إلى الشرب من فعل الله فيه، فيجب على القدري أن يترك مذهبه صاغرًا داخرًا، ويعترف بأن ذلك الفعل مضاف إلى من خَلَق فيه

стр. 511

الداعي المقتضي. قال القدري: ذلك الداعي وإن كان من فعل الله تعالى إلا أنه جار مجرى فعل المكلَّف؛ لأنه قادر على أن يبطل أثره بأن يستحضر صارفًا عن الشرب، مثل أن يحجم عن الشرب تجربة هل يقدر على مخالفة الداعي أم لا، فإحجامه لأجل التجربة أثرُ داعٍ ثان هو الصارف (١)؛ يعارض الداعي، فالحي قادر على تحصيله، وقادر على إبقاء الداعي الأول بحاله (٢)، فإبقاؤه الداعي الأول بحاله، وإعراضه عن إحضار المعارض له؛ أمر لولاه ما حصل الشرب، فمن هذا الوجه كان الشرب فعلًا له؛ لأنه قادر على تحصيل الأسباب المختلفة التي تصدر عنها الآثار. ويصير هذا كمن شاهد إنسانًا في نار متأجّجة، وهو قادر على إطفائها عنه من غير مشقة ولا مانع، فإنه إن لم يطفئها استحق الذم، وإن كان الإحراق من أثر النار. وقد أجاب ابن أبي الحديد بجواب آخر، فقال: ويمكن أن يقال: إذا تجرد الداعي كما ذكرتم في صورة العطشان، فإن التكليف بالفعل والترك يسقط؛ لأنه يصير أسوأ حالًا من المُلجَأ. وهذا من أفسد الأجوبة على أصول جميع الفرق؛ فإن مقتضى التكليف قائم، فكيف يسقط مع حضور العقل (٣) والقدرة؟

стр. 512

وهذا قسم رابع من الذين رُفِع عنهم التكليف أثبته هذا القدري زائدًا على الثلاثة الذين رُفِع عنهم القلم، وهذا خرق منه لإجماع الأمة المعلوم بالضرورة، ولو سقط التكليف عند تجرد الداعي لكان كل من تجرد داعيه إلى فعل ما أُمِر به؛ قد سقط عنه التكليف. وهذا القول أقبح من القول بتكليف ما لا يطاق، ولهذا كان القائلون به (١) أكثر من هذا القائل، وقولهم يُحكى، ويناظر عليه. قال الجبري: إذا كان الداعي من الله، وهو سبب الفعل، والفعل واجب عنده، كان خالق الفعل هو خالق الداعي؛ لأنّ خَلْقَ السبب خَلْقُ المُسَبَّب. قال السني: هذا حق، فإن الداعي مخلوق لله في العبد، وهو سبب الفعل، فالفعل مضاف إلى الفاعل؛ لأنه صدر منه، ووقع بقدرته ومشيئته واختياره، وذلك لا يمنع إضافته بطريق العموم إلى من هو خالق كل شيء، وهو على كل شيء قدير. وأيضًا: فالداعي ليس هو المؤثِّر، بل هو شرط في تأثير القادر في مقدوره، وكون الشرط ليس من العبد لا يخرجه عن كونه فاعلًا، وغاية قدرة العبد وإرادته الجازمة أن تكون شرطًا، أو جزء سبب، والفعل موقوف على شروط وأسباب لا صنع للعبد فيها البتّة. وأسهل الأفعال فتح العين لرؤية الشيء، فهب أن فتح العين فعل العبد إلا أنه لا يستقل بالإدراك، فإن تمام الإدراك موقوف على خلق الدرك، وكونه قابلًا للرؤية، وخلق آلة الإدراك وسلامتها، وصرف الموانع عنها، فما

стр. 513

تتوقف عليه الرؤية من الأسباب والشروط التي لا تدخل تحت مقدور العبد أضعاف أضعاف ما يقدر عليه، من تقليب حدقته نحو المرئي، فكيف يقول عاقل: إن جزء السبب أو الشرط موجِب مستقل لوجود الفعل؟! وهذا الموضع مما ضَلَّ فيه الفريقان، حيث زعمت القدرية أنه موجِب للفعل، وزعمت الجبرية أنه لا أثر له فيه، فخالفت الطائفتان صريح المعقول والمنقول، وخرجت عن السمع والعقل. والتحقيق أن قدرة العبد وإرادته ودواعيه جزء من أجزاء السبب التام الذي يجب به الفعل، فمن زعم أن العبد مستقل بالفعل مع أن أكثر أسبابه ليست إليه فقد خرج عن موجِب العقل والشرع. فهب أن داعي حركة الضرب منك مستقل بها، فهل سلامة الآلة منك؟ وهل وجود المحل المُنفَعِل، وقبوله منك؟ وهل خَلْق الفضاء بينك وبين المضروب، وخلوه عن المانع منك؟ وهل إمساك قدرته عن مُقارِنك (١)، وغَلَبك منك؟ وهل خَلْق الآلة التي بها تضرب منك؟ وهل خَلْق الألم فيه بعد الضرب منك؟ وهل القوة التي في اليد، والرباطات والاتصالات التي بين عظامها، وشدّ أسرها منك؟ ومن زعم أنه لا أثر للعبد بوجه ما في الفعل، وأن وجود قدرته وإرادته وعدمهما بالنسبة إلى الفعل على السواء؛ فقد كابر العقل والحس.

стр. 514

قال الجبري: إن انتهت سلسلة المرجِّحات إلى مرجِّح من الله يجب عنده الفعل لزم الجَبْر، وإن انتهت إلى مرجِّح من العبد فذلك المرجِّح ممكن لا محالة، فإن ترجّح بلا مرجِّح انسدّ عليكم باب إثبات الصانع؛ إذ جوّزتم رجحان أحد طرفي الممكن بلا مرجِّح، وإنْ توقف على مرجِّح آخر لزم التسلسل، فلا بدّ من انتهائه إلى مرجِّح من الله لا صنع للعبد فيه. قال السني: أما إخوانك القدرية فإنهم يقولون: القادر المختار يُحْدِث إرادته وداعيه بلا مرجِّح من غيره. قالوا: والفطرة شاهدة بذلك؛ فإنا لا نفعل ما لم نرد، ولا نريد ما لم نعلم أن في الفعل منفعة لنا أو دفع مضرة، ولا نجد لهذه الإرادة إرادة أحدثتها، ولا لعِلْمنا بأنّ ذلك نافعٌ علمًا آخر أحدثه، فالمرجِّح هو ما خُلِق عليه العبد، وفُطِر عليه من صفاته القائمة به، فالله سبحانه أنشأ العبد نشأة يتحرك فيها بالطبع، فحركته بالإرادة والمشيئة من لوازم نشأته وكونه حيوانًا، فإراداته وميوله من لوازم كونه حيًّا، فأفعال العبد الخاصة به هي الدواعي والإرادات لا غير، وما يقع بها من الأفعال شبيه بالفعل المتولّد من حيث كان المتولّد مُسَبّبًا، وهذه الأفعال صادرة عن الدواعي التي يُحْدِثها (١) العبد ابتداء من غير واسطة، فاشتراكهما في أنّ كل واحد منهما مستند إلى فعل خاص بالعبد، فهما متماثلان من هذه الجهة. قال السني: وهذا جواب باطل بأبطل منه، ورد فاسد بأفسد منه، ومعاذ

стр. 515

الله، والله أكبر وأجل وأعظم وأعز (١) أن يكون في عبده شيء غير مخلوق له، ولا هو داخل تحت قدرته ومشيئته، فما قَدَر الله (٢) حقّ قَدْره من زعم ذلك، ولا عرفه حقّ معرفته، ولا عظّمه حقّ تعظيمه، بل العبد جسمه وروحه وصفاته وأفعاله ودواعيه وكل ذرة فيه مخلوق لله خلقًا تصرّف به في عبده. وقد بيّنا أن قدرته وإرادته ودواعيه جزء من أجزاء سبب الفعل غير مُسْتَقِل بإيجاده، ومع ذلك فهذا الجزء مخلوق لله فيه، فهو عبده مخلوق من كل وجه، وبكل اعتبار، وفقره إلى خالقه وبارئه من لوازم ذاته، وقلبه بيد خالقه، وبين أصبعين من أصابعه يقلبه كيف يشاء، فيجعله مريدًا لما شاء وقوعه منه، كارهًا لما لم يشأ وقوعه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. ونعم والله، سلسلة المرجِّحات تنتهي إلى أمر الله الكوني، ومشيئته النافذة التي لا سبيل لمخلوق إلى الخروج عنها، ولكن "الجَبْر" لفظ مجمل يراد به حق وباطل كما تقدم. فإن أردتم به أن العبد مضطر في أفعاله، وحركته في الصعود في السلّم كحركته في وقوعه منه؛ فهذا مكابرة للعقول والفطر. وإن أردتم به أنه لا حول له ولا قوة إلا بربه وفاطره؛ فنعم لا حول ولا قوة إلا بالله، وهي كلمة عامة لا تخصيص فيها بوجه ما، فالقوة القدرة، والحول الفعل، فلا قدرة له ولا فعل إلا بالله، فلا ننكر هذا ولا نجحده لتسمية القدري له "جبرًا"، فليس الشأن في الأسماء، ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ

стр. 516

سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣]، فلا نترك لهذه الأسماء مُقْتَضى العقل والإيمان. والمحذور كل المحذور أن نقول: إن الله يعذب عبده على ما لا صنع له فيه، ولا قدرة له عليه، ولا تأثير له في فعله بوجه ما، بل يعذبه على فعله هو سبحانه به، وعلى حركته إذا سقط من علو إلى سفل. نعم لا يمتنع أن يعذبه على ذلك إذا كان قد تعاطى أسبابه بإرادته ومحبته، كما يعاقَب السكران على ما جناه في حال سكره لتفريطه وعدوانه بارتكاب السبب، وكما يعاقَب العاشق الذي غلب على صبره وعقله، وخرج الأمر عن يده لتفريطه السابق بتعاطي أسباب العشق، وكما يعاقَب الذي آل به إعراضه وبغضه للحق إلى أن صار طبعًا وقَفْلًا ورَيْنًا على قلبه، فخرج الأمر عن يده، وحِيل بينه وبين الهدى، فيعاقبه على ما لم يبق له قدرة عليه ولا إرادة، بل هو ممنوع منه، وعقوبته عليه عدلٌ محض، لا ظلم فيه بوجه ما. فإن قيل: فهل يصير في هذه الحال مكلَّفًا، وقد حِيل بينه وبين ما أُمِر به، وصُدَّ عنه، ومُنِع منه، أم يزول التكليف؟ قيل: ستقف على الجواب الشافي إن شاء الله عن هذا السؤال في باب القول في تكليف ما لا يطاق قريبًا (١)، فإنه سؤال جيد، إذ المقصود ههنا الكلام في الجَبْر، وما في لفظه من الإجمال، وما في معناه من الهدى والضلال.

стр. 517

فصل قال الجبري: إذا صدر من العبد حركة معينة: فإما أن تكون مقدورة للرب وحده، أو للعبد وحده، أو للرب وللعبد، أو لا للرب ولا للعبد، وهذا القسم الأخير باطل قطعًا، والأقسام الثلاثة قد قال بكل واحد منها طائفة. فإن كانت مقدورة للرب وحده فهو الذي نقوله، وذلك عين الجَبْر. وإن كانت مقدورة للعبد وحده فذلك إخراج لبعض الأشياء عن قدرة الرب تعالى، فلا يكون على كل شيء قدير، ويكون العبد المخلوق الضعيف قادرًا على ما لم يقدر عليه خالقه وفاطره، وهذا هو الذي فارقت به القدرية للتوحيد (١)، وضاهت به المجوس. وإن كانت مقدورة للربِّ وللعبد لزمت الشركة، ووقوع مفعول بين فاعلَيْن، ومقدور بين قادرَيْن، وأثر بين مؤثِّرَيْن، وذلك محال؛ لأن المؤثِّرَيْن إذا اجتمعا استقلالًا على أثر واحد فهو غني عن كل منهما بكل منهما، فيكون محتاجًا إليهما، مستغنيًا عنهما. قال السني: قد افترق الناس في هذا المقام فرقًا شتّى. ففرقة قالت: إنما تقع الحركة بقدرة الله وحده لا بقدرة العبد، وتأثير قدرة العبد في كونها طاعة أو معصية، فقدرة الربّ وحده اقتضت وجودها، وقدرة العبد اقتضت صفتها، وهذا قول القاضي أبي بكر ومن اتبعه. ولعمر الله؛ إنه لغير شافٍ ولا كافٍ؛ فإن صفة الحركة إن كان أمرًا (٢) وجوديًا فقد أثرت قدرته في أمر موجود، فلا يمتنع تأثيرها في نفس الحركة،

стр. 518

وإن كان صفتها أمرًا عدميًا كان متعلق قدرته عدمًا لا وجودًا، وذلك ممتنع؛ إذ أثر القدرة لا يكون عدمًا صِرفًا. وفرقة أخرى قالت: بل الفعل وصفته واقع بمحض قدرة الله وحده، ولا تأثير لقدرة العبد في هذا ولا في هذا، وهذا قول الأشعري ومن اتبعه. وفرقة قالت: بل المؤثِّر قدرة العبد وحده دون قدرة الربّ، ثم انقسمت هذه الفرقة إلى فرقتين: فرقة قالت: إن قدرة العبد هي المؤثِّرة مع كون الربّ تعالى قادرًا على الحركة، وقالت: إن مقدورات العباد مقدورة لله ، وهذا قول أبي الحسين البصري وأتباعه الحسينية. وفرقة قالت: إن قدرة العبد هي المؤثرة، والله سبحانه غير قادر على مقدور العبد، وهذا قول المشايخية أتباع أبي علي وأبي هاشم. وليس عند ابن الخطيب وجمهور المتكلمين غير هذه الأقوال التي لا تشفي عليلًا ولا تروي غليلًا، وليس عند أربابها إلا مناقضة بعضهم بعضًا (١). وقد أجاب بعض أصحاب أبي الحسين عن هذا السؤال بأن قال: إنه وإن كان يقول بمقدور بين قادرَيْن، فله أن يقول في هذا المقام: إن كان الدليل الذي ذكرته دليلًا صحيحًا على استحالة اجتماعهما على فعل واحد، فإنما يدل على استحالته على فعلهما على سبيل الجمع، ولا يستحيل أن يفعلاه على سبيل البدل، كما يستحيل حصول جوهرين في مكان واحد، ولا يستحيل حصولهما فيه على البدل.

стр. 519

وهذا جواب باطل قطعًا؛ فإن مضمونه أن أحدهما لا يقدر عليه إلا إذا تركه الآخر، فحال تلبس العبد بالفعل بقدرته وإرادته إن كان مقدورًا لله فهو القول بمقدور بين قادرَيْن، وإن لم يكن مقدورًا له سبحانه لزم إخراج بعض الممكنات عن قدرته. فإن قلت: هو قادر عليه بشرط أن لا يقدر عليه العبد. قيل لك: فهذا تصريح منك بأنه في حال قدرة العبد عليه لا يقدر عليه الربّ، فلا ينفعك القول بأنه قادر عليه على البدل. وأيضًا: فإن قدر عليه عندك بشرط أن لا يقدر (١) عليه العبد، فإذا قدر العبد عليه انتفت قدرة الرب لانتفاء شرطها. وهذا مما صاح به عليكم أهل التوحيد من أقطار الأرض، ورموكم به عن قوس واحدة، وإنما صانعتم به أهل السنة مصانعة، وإلا فحقيقة هذا القول أن العبد يقدر على ما لا يقدر عليه الربّ، وحكاية هذا الرأي الباطل كافية في فساده. فإن قلت: كما لا يمتنع معلوم واحد بين عالمَيْن، ومراد واحد بين مريدَيْن، فلا يمتنع مقدور واحد بين قادرَيْن. قيل: هذا من أفسد القياس؛ لأن المعلوم (٢) لا يتأثر بالعالم، والمراد لا يتأثر بالمريد، فيصح الاشتراك في المعلوم والمراد، كما يصح الاشتراك في المرئي والمسموع، وأما المقدور فيجوز اشتراك القادرَيْن فيه بالقدرة

стр. 520

المصحِّحة، وهي صحة وقوعه من كل واحد منهما، فصحة التأثير من أحدهما لا تنافي صحته من الآخر، وأما اشتراكهما فيه بالقدرة الموجِبة المقارِنة لمقدورها فهو عين المحال، إلا أن يراد الاشتراك على البدل، فيكون ترك تأثير أحدهما فيه شرطًا في تأثير الآخر. ولما تفطّن أبو الحسين لهذا قال: لست أقول: إن إضافته إلى أحدهما هي إضافته إلى الآخر، كما أن الشيء الواحد يكون معلومًا لعالمَيْن، ويمتنع أن يكون علم أحدهما به هو علم الآخر، فهكذا أقول في المقدور بين قادرَيْن، ليست قدرة أحدهما عليه هي قدرة الآخر، والمفعول بين فاعلَيْن ليس فعل أحدهما فيه هو فعل الآخر، وإنما معنى قولي: إنه فِعْل لهذا وتأثير له، أنه لقدرته وداعيه وُجِد، وليس معنى كونه وُجِد لقدرة هذا وداعيه هو معنى كونه وُجِد لقدرة الآخر وداعيه. قال: وليس يمتنع في العقل إضافة شيء واحد إلى شيئين، لكنه يمتنع أن يكون إضافته إلى أحدهما هي عين إضافته إلى الآخر. وهذا لا يجدي عنه شيئًا؛ فإن التقسيم المذكور دائر فيه. ونحن نقول: قد دلّ الدليل على شمول قدرة الرب ﵎ لكل ممكن من الذوات والصفات والأفعال، وأنه لا يخرج شيء عن مقدوره البتّة. ودلّ الدليل أيضًا على أن العبد فاعل لفعله بقدرته وإرادته، وأنه فِعْل له حقيقة يُمدح ويُذم به عقلًا وعرفًا وشرعًا، وفطرة فطر الله عليها العباد حتى الحيوان البهيم.

стр. 521

ودلّ الدليل على استحالة مفعول واحد بالعين بين فاعلَيْن مستقلَّيْن، وأثر واحد بين مؤثِّرَيْن فيه على سبيل الاستقلال. ودلّ الدليل أيضًا على استحالة وقوع حادث لا مُحدِث له، ورجحان راجح لا مُرجِّح له. وهذه أمور ركّبها الله سبحانه في العقول، وحجج العقل لا تتناقض ولا تتعارض، ولا يجوز أن يضرب بعضها ببعض، بل يقال بها كلّها، ويُذهب إلى موجَبها؛ فإنها يصدّق بعضها بعضًا، وإنما يعارض بينها (١) من ضعفت بصيرته، وإن كثر كلامه، وكثرت شكوكه، فالعلم أمر آخر وراء الشكوك والإشكالات، وإبداء (٢) تناقض الخصوم، وهذا رأس مال المتكلمين. والقول الحق لم ينحصر في هذه الأقوال التي حكوها في المسألة. والصواب أن يقال: تقع الحركة بقدرة العبد وإرادته التي جعلها الله فيه، فالله سبحانه إذا أراد فِعْل العبد خَلَق له القدرة والداعي إلى فعله، فيضاف الفِعْل إلى قدرة العبد إضافة المسبَّب إلى سبَبه (٣)، ويضاف إلى قدرة الرب إضافة المخلوق إلى الخالق، فلا يمتنع وقوع مقدور بين قادرَيْن قدرة أحدهما أثر لقدرة الآخر، وهي جزء سبب، وقدرة القادر الآخر مستقلة بالتأثير. والتعبير عن هذا المعنى بمقدور بين قادرَيْن تعبير فاسد وتلبيس؛ فإنه

стр. 522

يوهم أنهما متكافئان في القدرة، كما تقول: هذا الثوب بين هذين الرجلين، وهذه الدار بين هذين الشريكين. وإنما المقدور واقع بالقدرة الحادثة وقوع المسبَّب بسببه، والسبب والمسبَّب والفاعل والآلة كله أثر القدرة القديمة، فلا نعطل قدرة الربّ تعالى عن شمولها وكمالها، وتناولها لكل ممكن، ولا نعطل قدرة العبد التي هي سبب عما جعلها الله سببًا له ومؤثّرة فيه. وليس في الوجود شيء مستقل بالتأثير سوى مشيئة الربّ تعالى وقدرته، وكل ما سواه مخلوق له، وهو أثر قدرته ومشيئته، ومن أنكر ذلك لزمه إثبات خالق سوى الله، أو القول بوجود مخلوق لا خالق له؛ فإن فعل العبد إن لم يكن مخلوقًا لله كان مخلوقًا للعبد: إما استقلالًا، وإما على سبيل الشركة، وإما أن يقع بغير خالق، ولا مخلص عن هذه الأقسام لمنكر دخول الأفعال تحت قدرة الرب تعالى ومشيئته وخلقه. وإذا عُرِف هذا فنقول: الفعل وقع بقدرة الربّ خلقًا وتكوينًا، كما وقعت سائر المخلوقات بقدرته وتكوينه، وبقدرة العبد سببًا ومباشرة، فالله خلق الفعل، والعبد فَعَله وباشره، فالقدرة الحادثة وأثرها واقعان بقدرة الرب ومشيئته. فصل قال الجبري: لو كان العبد فاعلًا لأفعاله لكان عالمًا بتفاصيلها؛ لأنه يمكن أن يكون الفعل أزيد مما فعله أو أنقص، فوقوعه على ذلك الوجه مشروط بالعلم بتفصيله، ومعلوم أن النائم والغافل قد يفعل الفعل ولا يشعر بكيفيّته ولا قَدْره، وأيضًا فالمتحرك يقطع المسافة ولا شعور له بتفاصيل الحركة ولا أجزاء المسافة، ومحرّك أصبعه محرّكٌ لأجزائها ولا يشعر بعدد

стр. 523

أجزائها ولا بعدد أحيازها، والمتنفّس يتنفّس باختياره ولا يشعر في الغالب بنَفَسه، فضلًا عن أن يشعر بكمّيته وكيفيته ومبدئه ونهايته. والعاقل قد يتكلم بالكلمة ويفعل الفعل باختياره، ثم بعد فراغه منه يعلم أنه لم يكن قاصدًا له، فنحن نعلم علمًا ضروريًا من أنفسنا عدم علمنا بوجود أكثر حركاتنا وسكناتنا في حالة المشي والقيام والقعود، ولو أردنا فصل كل جزء من أجزاء حركاتنا في حالة إسراعنا بالمشي والحركة والإحاطة به لم يُمْكنّا ذلك، بل ونعلم ذلك من حال أكمل العقلاء، فما الظن بالحيوانات العجم في مشيها وطيرانها وسباحتها، حتى الذر والبعوض. وهذا مشاهد في السكران، ومن اشتدّ به الغضب، ولهذا قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، فدلَّ على أن السكران يصدر منه أقوال لا يعلم بها، فكيف يكون هو المُحْدِث لتلك الأقوال وهي لا يُشْعَرُ بها، والإرادة فرع الشعور. ولهذا أفتى الصحابة بأنه لا يقع طلاق السكران، نَزَّلوا حركة لسانه منزلة تحريك غيره له بغير إرادته. ولهذا قال النبي ﷺ : "لا طلاق في إغلاق" (١)؛ لأن الإغلاق يمنع العلم والإرادة، فكيف يكون التطليق فعله وهو غير عالم به، ولا مريد له. وأيضًا فقد قال جمهور الفقهاء: إن الناسي غير مكلَّف؛ لأن فعله لا يدخل تحت الاختيار، ففعْله غير مضاف إليه مع أنه وقع باختياره، وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا المعنى بعينه في قوله: "من أكل أو شرب ناسيًا فليُتِم

стр. 524

صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه" (١)، فأضاف فعله إلى الله سبحانه لا إليه، فلم يكن له فعل في الأكل والشرب، فلم يفطر به. قال السني: هذا موضع تفصيل لا يليق به الإجمال، فنقول: ما يصدر عن العبد من الأفعال ينقسم أقسامًا متعددة، بحسب قدرته وعلمه وداعيه وإرادته: فتارة يكون مُلجَأ إلى الفعل لا إرادة له فيه بوجه ما، كمن أَمْسَكْتَ يده وضرب بها غيره، أو أَمْسَكْتَ أصبعه وقلع بها عين غيره، فهذا فعله بمنزلة حركات الأشجار بالريح، ولهذا لا يترتب عليه حكم البتّة، ولا يُمدح عليه ولا يُذم، ولا يُثاب ولا يُعاقَب، وهذا لا يُسَمّى فاعلًا عقلًا ولا شرعًا ولا عرفًا. وتارة يكون مُكْرَهًا على أن يفعل، فهذا فعله يضاف إليه، وليس كالمُلجَأ الذي لا فعل له. واختلف الناس هل يقال: إنه فعل باختياره، وإنه مختار في فعله، أو لا يطلق عليه ذلك؟ على قولين، والتحقيق: أن النزاع لفظي؛ فإنه فعل بإرادة هو محمول عليها، مُكرَه عليها، فهو مُكرَه مختار: مُكرَه على أن يفعل بإرادته، مريد لفعل ما أُكرِه عليه، فإن أريد بالمختار من يختار من نفسه أن يفعل من غير أن يحمله غيره على الإرادة فليس المُكرَه بمختار، وإن أريد بالمختار من يفعل بإرادته وإن كان كارهًا للفعل فالمُكرَه مختار، وأيضًا فهو مختار لفعل ما أُكرِه عليه لتخلّصه به مما هو أَكرَهُ إليه من الفعل، فلما عرض له مكروهان: أحدهما أَكرَهُ إليه من الآخر اختار أيسرهما؛ دفعًا لأشقّهما، ولهذا يُقتَل

стр. 525

قصاصًا إذا قَتَل عند الجمهور، والمُلجَأ لا يُقتَل باتفاق الناس. ومما يوضح هذا أن المُكرَه على التكلم لا يتأتّى منه التكلم إلا باختياره وإرادته، ولهذا أوقع طلاقه وعتاقه بعض العلماء، والجمهور قالوا: لا يقع؛ لأن الله سبحانه جعل كلام المُكرَه على كلمة الكفر لغوًا لا يترتب عليه أثره؛ لأنه وإن قصد التكلم باللفظ دفعًا عن نفسه فلم يقصد معناه وموجَبه، حتى قال بعض الفقهاء لو قصد الطلاق بقلبه مع الإكراه لم يقع طلاقه؛ لأن قوله هدر ولغو عند الشارع، فوجوده كعدمه في حكمه، فبقي مجرد القصد، وهو غير موجِب للطلاق، وهذا ضعيف؛ فإن الشارع إنما ألغى قول المُكرَه إذا تجرّد عن القصد، وكان قلبه مطمئنًّا بضده، فأما إذا قارن اللفظَ القصدُ، واطمأنّ القلبُ بموجَبه؛ فإنه لا يُعذَر. فإن قيل: فما تقولون فيمن ظن أن الإكراه لا يمنع وقوع الطلاق، فقَصَده جاهلًا بأن الإكراه مانع من وقوعه؟ قيل: هذا لا يقع طلاقه؛ لأن اللفظ موجِب لوقوعه؛ لأنه لما ظن أن الإكراه على الطلاق يوجب وقوعه إذا تكلم به؛ كان حكمُ قَصْده حكمَ لفظه، فإنه إنما قصده دفعًا عن نفسه لمّا علم أنه لا يتخلّص إلا به، ولم يظن أن الكلمة بدون القصد لغو، أو دهش عن ذلك، ولا وَطَر له في الطلاق، فهذا لا يقع، بخلاف الأول؛ فإنه لمّا أُكرِه على الطلاق نشأ له قَصْد طلاقها؛ إذ لا غرض له أن يقيم مع امرأة أُكرِه على طلاقها، وإن كان لو لم يُكرَه لم يبتدئ طلاقها. والمقصود أن المُكرَه مريد لفعله غير مُلجَأ إليه.

стр. 526

فصل (١) وأما أفعال النائم فلا ريب في وقوع الفعل القليل منه، والكلام المفيد، واختلف الناس هل تلك الأفعال مقدورة له أو مكتسبة أو ضرورية، بعد اتفاقهم على أنها غير داخلة تحت التكليف. فقالت المعتزلة وبعض الأشعرية: هي مقدورة له، والنوم لا يضاد القدرة، وإن كان يضاد العلم وغيره من الإدراكات. وذهب أبو إسحاق وغيره إلى أن ذلك الفعل غير مقدور له، وأن النوم يضاد القدرة، كما يضاد العلم. وذهب القاضي أبو بكر وكثير من الأشعرية إلى أن فعل النائم لا يُقطع بكونه مكتسَبًا ولا بكونه ضروريًا، وكلّ من الأمرين ممكن. قال أصحاب القدرة: كان النائم قادرًا في يقظته، وقدرته باقية، والنوم لا ينافيها؛ فوجب استصحاب حكمها. قالوا: وأيضًا فالنائم إذا انتبه فهو على ما كان عليه في نومه، ولم يتجدد أمر وراء زوال النوم، وهو قادر بعد الانتباه، وزوال النوم غير موجِب للاقتدار، ولا وجوده نافيًا للقدرة. قالوا: وأيضًا قد يوجد من النائم ما لو وُجِد منه في حال اليقظة لكان واقعًا على حسب الداعي والاختيار، والنوم وإن نافى القصد فلا ينافي القدرة. قال النافون للقدرة: قولكم: "النوم لا ينافي القدرة" دعوى كاذبة؛ فإن

стр. 527

النائم مُنفعِل محض، متأثّر غير مؤثِّر، ولهذا لا يمتنع ممن يؤثِّر فيه، وقولكم: "لم يتجدد له أمر غير زوال النوم" فالمتجدّد زوال النوم المانع من القدرة، فعاد إلى ما كان عليه، كمن أوثق غيره رباطًا ومنعه من الحركة، فإذا حلّ رباطه تجدد زوال المانع. قالوا: نجد تفرقة ضرورية بين حركة النائم وبين حركة المُرْتَعِش والمَفْلُوج، وما ذاك إلا لأن حركته مقدورة له، وحركة المُرْتَعِش غير مقدورة له. والتحقيق أن حركة النائم ضرورية له غير مكتسَبة، وكما فرقنا في حق المستيقظ بين حركة ارتعاشه وحركة تصفيقه؛ كذلك نجد تفرقة ضرورية بين حركة النائم وحركة المستيقظ. فصل وأما زائل العقل بجنون أو سكر فليست أفعاله اضطرارية كأفعال المُلْجَأ، ولا اختيارية بمنزلة أفعال العاقل العالم بما يفعله، بل هي قسم آخر بين الاضطرارية والاختيارية، وهي جارية مجرى أفعال الحيوان، وفعل الصبي الذي لا تمييز له، بل لكل واحد من هؤلاء داعيةٌ إلى الفعل يتصورها، وله إرادة يقصد بها، وقدرة ينفذ بها، وإن كان داعيه نوع آخر غير داع العاقل (١) العالم بما يفعله، فلابدّ أن يَتصوّر ما في الفعل من الغرض، ثم يريده ويفعله، فهذه أفعال طبيعية واقعة بالداعي والإرادة والقدرة، والدواعي والإرادات تختلف، ولهذا لا يُكلَّف أحد هؤلاء بالفعل، فأفعاله لا تدخل

стр. 528

تحت التكليف، وليست كأفعال المُلجَأ ولا المُكرَه، وهي مضافة إليهم مباشرة، وإلى خالق ذواتهم وصفاتهم خَلْقًا، فهي مفعولة له وأفعال لهم. فصل وأما الغافل والساهي الذي يفعل الفعل مع غفلته وذهوله فهو إنما يفعله بقدرته؛ إذ لو كان عاجزًا لما تأتّى منه الفعل، وله إرادة لكنه غافل عنها. فالإرادة شيء والشعور بها شيء آخر. فالعبد قد تكون له إرادة وهو ذاهل عن شعوره بها؛ لاشتغال محل التصوّر منه بأمر آخر منعه من الشعور بالإرادة، فعملتْ عملها وهي غير مشعور بها، وإن كان لابد من الشعور بأصلها، فلا يلزم من صحة وقوع الفعل استمرار ذلك الشعور عند كل جزء من أجزائه. وبالله التوفيق. وبالجملة: فالفعل الاختياري يستلزم الشعور بالفعل في الجملة، وأما الشعور به على التفصيل من كل وجه فلا يستلزمه. فصل قال الجبري: ضلال الكافر وجهله عند القدري مخلوق له، موجود بإيجاده اختيارًا، وهذا ممتنع؛ فإنه لو كان كذلك لكان قاصدًا له، إذ القصد من لوازم الفعل اختيارًا، واللازم ممتنع؛ فإن عاقلًا لا يريد لنفسه الضلال والجهل، فلا يكون فاعلًا له اختيارًا. قال السني: عجبًا لك أيها الجبري، تُنزّه العبد أن يكون فاعلًا للكفر والجهل والظلم، ثم تجعل ذلك كله فعل الله سبحانه، ومن العجب قولك: "إن العاقل لا يقصد لنفسه الكفر والجهل" وأنت ترى كثيرًا من الناس يقصد

стр. 529

لنفسه ذلك عنادًا وبغيًا وحسدًا، مع علمه بأن الرشد والحق في خلافه، فيطيع داعي هواه وغيّه وجهله، ويخالف داعي رشده وهداه، ويسلك طريق الضلال، ويتنكّب عن طريق الهدى، وهو يراهما جميعًا. قال أصدق القائلين: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٦]، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]، وقال تعالى عن قوم فرعون: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٣ - ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وقال: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنزِلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [البقرة: ٩٠]، وقال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٠ - ٧١]. وقال: ﴿الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا﴾ [آل عمران: ٩٩]. وهذا في القرآن كثير، يبين سبحانه فيه اختيارهم الضلال والكفر عمدًا على علم. هذا، وكم من قاصد أمرًا يظن أنه رشد، وهو ضلال وغيّ.

стр. 530

فصل قال الجبري: لو جاز تأثير قدرة العبد في الفعل بالإيجاد لجاز تأثيرها في إيجاد كل موجود؛ لأن الوجود قضية واحدة مشتركة بين الموجودات الممكنة، وإن اختلفت محالّه وجهاته، ويلزم من صحة تأثير القدرة في بعضه صحة تأثيرها في جميعه؛ لاتحاد المتعلَّق، وأن ما ثبت لأحد المثلين يثبت للآخر، وأيضًا فالمصحِّح للتأثير هو الإمكان، ويلزم من الاشتراك في المصحِّح للتأثير الاشتراك في الصحة، ومعلوم قطعًا أن قدرة العبد لا تتعلق بإيجاد الأجسام وأكثر الأعراض، وإنما تتعلق ببعض الأعراض القائمة بمحل قدرته. قال السني: لقد كشف الله عوار مذهب يكون إثباته مُسْتنِدًا (١) إلى مثل هذه الخرافات التي حاصلها: أنه يلزم من صحة قدرة العبد على قلع حصاة من الأرض صحة قدرته على قلع الجبل! ومن إمكان حمله لرطل إمكان حمله لمائة ألف رطل! ومن إيجاده للفعل القائم به من الأكل والشرب والصلاة وغيرها صحة إيجاده لخلق السماوات والأرض وما بينهما! فهل سُمِع في الهذيان بأسمج من هذا، وأغث منه؟! (٢). واشتراك الموجودات في مسمى الوجود الكلي العام لا يلزم منه أن ما جاز على موجود ما (٣) جاز على كل موجود، وهذا أسمج من الأول وأبين
следующие страницы →