فصل (١)
وأما أفعال النائم فلا ريب في وقوع الفعل القليل منه، والكلام المفيد، واختلف الناس هل تلك الأفعال مقدورة له أو مكتسبة أو ضرورية، بعد اتفاقهم على أنها غير داخلة تحت التكليف.
فقالت المعتزلة وبعض الأشعرية: هي مقدورة له، والنوم لا يضاد القدرة، وإن كان يضاد العلم وغيره من الإدراكات.
وذهب أبو إسحاق وغيره إلى أن ذلك الفعل غير مقدور له، وأن النوم يضاد القدرة، كما يضاد العلم.
وذهب القاضي أبو بكر وكثير من الأشعرية إلى أن فعل النائم لا يُقطع بكونه مكتسَبًا ولا بكونه ضروريًا، وكلّ من الأمرين ممكن.
قال أصحاب القدرة: كان النائم قادرًا في يقظته، وقدرته باقية، والنوم لا ينافيها؛ فوجب استصحاب حكمها.
قالوا: وأيضًا فالنائم إذا انتبه فهو على ما كان عليه في نومه، ولم يتجدد أمر وراء زوال النوم، وهو قادر بعد الانتباه، وزوال النوم غير موجِب للاقتدار، ولا وجوده نافيًا للقدرة.
قالوا: وأيضًا قد يوجد من النائم ما لو وُجِد منه في حال اليقظة لكان واقعًا على حسب الداعي والاختيار، والنوم وإن نافى القصد فلا ينافي القدرة.
قال النافون للقدرة: قولكم: "النوم لا ينافي القدرة" دعوى كاذبة؛ فإن
стр. 527
النائم مُنفعِل محض، متأثّر غير مؤثِّر، ولهذا لا يمتنع ممن يؤثِّر فيه، وقولكم: "لم يتجدد له أمر غير زوال النوم" فالمتجدّد زوال النوم المانع من القدرة، فعاد إلى ما كان عليه، كمن أوثق غيره رباطًا ومنعه من الحركة، فإذا حلّ رباطه تجدد زوال المانع.
قالوا: نجد تفرقة ضرورية بين حركة النائم وبين حركة المُرْتَعِش والمَفْلُوج، وما ذاك إلا لأن حركته مقدورة له، وحركة المُرْتَعِش غير مقدورة له.
والتحقيق أن حركة النائم ضرورية له غير مكتسَبة، وكما فرقنا في حق المستيقظ بين حركة ارتعاشه وحركة تصفيقه؛ كذلك نجد تفرقة ضرورية بين حركة النائم وحركة المستيقظ.
فصل
وأما زائل العقل بجنون أو سكر فليست أفعاله اضطرارية كأفعال المُلْجَأ، ولا اختيارية بمنزلة أفعال العاقل العالم بما يفعله، بل هي قسم آخر بين الاضطرارية والاختيارية، وهي جارية مجرى أفعال الحيوان، وفعل الصبي الذي لا تمييز له، بل لكل واحد من هؤلاء داعيةٌ إلى الفعل يتصورها، وله إرادة يقصد بها، وقدرة ينفذ بها، وإن كان داعيه نوع آخر غير داع العاقل (١) العالم بما يفعله، فلابدّ أن يَتصوّر ما في الفعل من الغرض، ثم يريده ويفعله، فهذه أفعال طبيعية واقعة بالداعي والإرادة والقدرة، والدواعي والإرادات تختلف، ولهذا لا يُكلَّف أحد هؤلاء بالفعل، فأفعاله لا تدخل
стр. 528
تحت التكليف، وليست كأفعال المُلجَأ ولا المُكرَه، وهي مضافة إليهم مباشرة، وإلى خالق ذواتهم وصفاتهم خَلْقًا، فهي مفعولة له وأفعال لهم.
فصل
وأما الغافل والساهي الذي يفعل الفعل مع غفلته وذهوله فهو إنما يفعله بقدرته؛ إذ لو كان عاجزًا لما تأتّى منه الفعل، وله إرادة لكنه غافل عنها. فالإرادة شيء والشعور بها شيء آخر. فالعبد قد تكون له إرادة وهو ذاهل عن شعوره بها؛ لاشتغال محل التصوّر منه بأمر آخر منعه من الشعور بالإرادة، فعملتْ عملها وهي غير مشعور بها، وإن كان لابد من الشعور بأصلها، فلا يلزم من صحة وقوع الفعل استمرار ذلك الشعور عند كل جزء من أجزائه. وبالله التوفيق.
وبالجملة: فالفعل الاختياري يستلزم الشعور بالفعل في الجملة، وأما الشعور به على التفصيل من كل وجه فلا يستلزمه.
فصل
قال الجبري: ضلال الكافر وجهله عند القدري مخلوق له، موجود بإيجاده اختيارًا، وهذا ممتنع؛ فإنه لو كان كذلك لكان قاصدًا له، إذ القصد من لوازم الفعل اختيارًا، واللازم ممتنع؛ فإن عاقلًا لا يريد لنفسه الضلال والجهل، فلا يكون فاعلًا له اختيارًا.
قال السني: عجبًا لك أيها الجبري، تُنزّه العبد أن يكون فاعلًا للكفر والجهل والظلم، ثم تجعل ذلك كله فعل الله سبحانه، ومن العجب قولك: "إن العاقل لا يقصد لنفسه الكفر والجهل" وأنت ترى كثيرًا من الناس يقصد
стр. 529
لنفسه ذلك عنادًا وبغيًا وحسدًا، مع علمه بأن الرشد والحق في خلافه، فيطيع داعي هواه وغيّه وجهله، ويخالف داعي رشده وهداه، ويسلك طريق الضلال، ويتنكّب عن طريق الهدى، وهو يراهما جميعًا.
قال أصدق القائلين: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٦]، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]، وقال تعالى عن قوم فرعون: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٣ - ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وقال: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنزِلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [البقرة: ٩٠]، وقال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٠ - ٧١]. وقال: ﴿الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا﴾ [آل عمران: ٩٩].
وهذا في القرآن كثير، يبين سبحانه فيه اختيارهم الضلال والكفر عمدًا على علم.
هذا، وكم من قاصد أمرًا يظن أنه رشد، وهو ضلال وغيّ.
стр. 530
فصل
قال الجبري: لو جاز تأثير قدرة العبد في الفعل بالإيجاد لجاز تأثيرها في إيجاد كل موجود؛ لأن الوجود قضية واحدة مشتركة بين الموجودات الممكنة، وإن اختلفت محالّه وجهاته، ويلزم من صحة تأثير القدرة في بعضه صحة تأثيرها في جميعه؛ لاتحاد المتعلَّق، وأن ما ثبت لأحد المثلين يثبت للآخر، وأيضًا فالمصحِّح للتأثير هو الإمكان، ويلزم من الاشتراك في المصحِّح للتأثير الاشتراك في الصحة، ومعلوم قطعًا أن قدرة العبد لا تتعلق بإيجاد الأجسام وأكثر الأعراض، وإنما تتعلق ببعض الأعراض القائمة بمحل قدرته.
قال السني: لقد كشف الله عوار مذهب يكون إثباته مُسْتنِدًا (١) إلى مثل هذه الخرافات التي حاصلها: أنه يلزم من صحة قدرة العبد على قلع حصاة من الأرض صحة قدرته على قلع الجبل! ومن إمكان حمله لرطل إمكان حمله لمائة ألف رطل! ومن إيجاده للفعل القائم به من الأكل والشرب والصلاة وغيرها صحة إيجاده لخلق السماوات والأرض وما بينهما! فهل سُمِع في الهذيان بأسمج من هذا، وأغث منه؟! (٢).
واشتراك الموجودات في مسمى الوجود الكلي العام لا يلزم منه أن ما جاز على موجود ما (٣) جاز على كل موجود، وهذا أسمج من الأول وأبين
стр. 531
فسادًا، ولا يلزم من ذلك تماثل البعوضة والفيل، وتماثل الأجسام والأعراض، ومن يجعل من الجبرية للقدرة الحادثة تعلّقًا ما بفعل العبد يعترف بالفرق ويقول: قدرته تتعلق ببعض الأعراض ولا تتعلق بالأجسام، ولا بكل الأعراض، فإن احتج على إبطال التأثير بهذه الشبهة الغثّة أُلْزِم بها بعينها في عموم تعلق قدرته بكل موجود.
فصل
قال الجبري: دليل التوحيد ينفي كون العبد فاعلًا، وأن يكون لقدرته تأثير في فعله، وتقريره بدليل التمانع.
قال السني: دليل التوحيد إنما ينفي وجود ربّ ثان، ويدل على أنه لا ربّ إلا هو سبحانه، ولا يدل على امتناع وجود مخلوق له قدرة وإرادة مخلوقة يُحدِث بها، وهو وقدرته وإرادته وفعله مخلوق لله. فهو بعد طول مقدماته، واعتراف فضلائكم بالعجز عن تقريره، وذِكْر ما في مقدماته من منع ومعارضة= إنما ينفي وجود قادرَيْن متكافئيْن، قدرة كل واحد منهما من لوازم ذاته، ليست مستفادة من الآخر، وهو دليل صحيح في نفسه، وإن عجزتم عن تقريره، ولكن ليس فيه ما ينفي أن تكون قدرة العبد وإرادته سببًا لوجود مقدوره، وتأثيرها فيه تأثير الأسباب في مسبباتها، فلا للتوحيد قررتم بدليل التمانع، ولا للجبر، وقد كفانا أفضل متأخريكم بيان ما في هذا الدليل من المُنُوع (١) والمعارضات.
стр. 532
قال الجبري: دعنا من هذا كله، أليس في القول بتأثير قدرة العبد في مقدوره مع الاعتراف بأن الله سبحانه قادر على مقدور العبد= إلزام وقوع المقدور الواحد بين القادرَيْن، والدليل ينفيه.
قال السني: ما تعني بقولك: "يلزم وقوع مقدور بين قادرَيْن"؟
أتعني به قادرَيْن مستقلَّيْن متكافئيْن؟ أم تعني به قادرَيْن تكون قدرة أحدهما مستفادة من الآخر؟ فإن عنيتَ الأول مُنِعت الملازمةُ، وإن عنيتَ الثاني مُنِع انتفاءُ اللازم.
ومثبتو الكَسْب يجيبون عن هذا بأنه لا يمتنع وقوع مقدور بين قادرَيْن لقدرة أحدهما تأثير في إيجاده، ولقدرة الآخر تأثير في صفته، كما يقوله القاضي أبو بكر ومن تبعه، والأشعري يجيب عنه على أصله، بأن الفعل وقع بين قادرَيْن لا تأثير لقدرة أحدهما في المقدور، بل تَعلُّق قدرته بمقدورها كتَعلُّق العلم بمعلومه، وإنما الممتنع عنده وقوع مقدور بين قادرَيْن مؤثِّرَيْن، وهذا الاعتذار لا يُخرِج عن الجَبْر، وإن زُخْرِفت له العبارات.
وأجاب عنه الحسينية (١) بما حكيناه: أنه لا يمتنع مقدور بين قادرَيْن على سبيل البدل، ويمتنع على سبيل الجمع، وقد تقدم فساده.
وأجاب عنه المشايخية: بأنه مقدور للعبد، وليس مقدورًا للربِّ. وهذا أبطل الأجوبة وأفسدها، والقائلون به يقولون: إن الله ــ سبحانه عن أقاويلهم ــ يريد الشيء فلا يكون، ويكون الشيء بغير إرادته ومشيئته، فيريد ما لا يكون، ويكون ما لا يريد، وكفى بهذا بطلانًا وفسادًا.
стр. 533
قال الجبري: الفعل عند المرجِّح التام واجب، والمرجِّح ليس من العبد، وإلا لزم التسلسل، فهو من الربّ تعالى، فإذا وجب الفعل عنده فهو الجَبْر بعينه.
قال السني: قد تقدم هذا الدليل وبيان ما فيه، وحيث أعدتموه بهذه العبارة الوجيزة المختصرة، فنحن نذكر الأجوبة عنه كذلك.
قولكم: "لابد من مرجِّح للفعل على الترك، أو بالعكس" مسلَّم، قولكم: "المرجِّح إن كان من العبد لزم التسلسل، وإن كان من الرب لزم الجَبْر" جوابه: ما المانع أن يكون من فعل العبد ولا يلزم التسلسل، بأن يكون مِن فعله على وجه لا يكون الترك ممكنًا له حينئذ، ولا يلزم من سَلْب الاختيار عنه في فعل (١) المرجِّح سَلْبه عنه مطلقًا.
ثم ما المانع أن يكون المرجِّح مِن فعل الله ولا يلزم الجَبْر، فإنكم إن عنيتم بالجبر أنه غير مختار للفعل، ولا مريد له؛ لم يلزم الجَبْر بهذا الاعتبار؛ لأن الرب تعالى جعل المرجِّح اختيار العبد ومشيئته، فانتفى الجَبْر، وإن عنيتم بالجبر أنه وُجِد لا بإيجاد العبد؛ لم يلزم الجَبْر أيضًا بهذا الاعتبار (٢)، وإن عنيتم أنه يجب عند وجود المرجِّح، وأنه لابدّ منه؛ فنحن لا ننفي الجَبْر بهذا الاعتبار، وتسمية ذلك "جبرًا" اصطلاح محض، وهو اصطلاح فاسد؛ فإن فعل الربّ سبحانه يجب عند وجود مرجِّحه التام، ولا يكون ذلك جبرًا بالنسبة إليه سبحانه.
стр. 534
ثم هذا لازم على من أثبت الكَسْب منكم، فنقول له في الكَسْب ما قاله في أصل الفعل سواء، ومن لم يثبت الكَسْب لزمه ذلك في فعل الربّ كما تقدم.
فإن قلتم: الفرق أن صدور الفعل عن القادر موقوف عن الإرادة، وإرادة العبد مُحْدَثة، فافتقرت إلى مُحْدِث، فإن كان ذلك المُحْدِث هو العبد لزم التسلسل، فوجب انتهاء جميع الإرادات إلى إرادة ضرورية يخلقها الله في القلب ابتداء، ويلزم منه الجَبْر، بخلاف إرادة الرب تعالى؛ فإنها قديمة مستغنية عن إرادة أخرى، فلا تسلسل.
قيل لكم: لا يجدي هذا عليكم في دفع الإلزام؛ فإن الإرادة القديمة إما أن يصح معها الفعل بدلًا عن الترك، وبالعكس، أو لا، فإن كان الأول فلابد لأحد الطرفين من مرجِّح، والكلام في ذلك المرجِّح كالكلام في الأول، ويلزم التسلسل، وإن كان الثاني لزم الجَبْر.
قال الجبري: معتمدي في الجَبْر على حرف لا خلاص لكم منه إلا بالتزام الجَبْر، وهو أن العبد لو كان فاعلًا لفعله لكان مُحْدِثًا له، ولو كان مُحْدِثًا له لكان خالقًا له، والشرع والعقل ينفيه، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر: ٣].
قال السني: قد دلّ العقل والشرع والحسّ على أن العبد فاعل لفعله، وأنه يستحق عليه الذم واللعن، كما ثبت عن النبي ﷺ أنه رأى حمارًا قد وُسِم في وجهه: فقال: "ألم أنْهَ عن هذا؟! لعن الله من فعل هذا" (١).
стр. 535
وقال تعالى: ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأنبياء: ٧٤]، وقال: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠]، وقال: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ [الزمر: ٧٠].
وهذا في القرآن أكثر من أن يُذْكر، والحسُّ شاهد به، فلا تُقبل شبهة تقام على خلافه، ويكون حكم تلك الشبهة حكم القدح في الضروريات، فلا يُلتفت إليه، ولا يجب على العالِم حلّ كلّ شبهة تعرض لكل أحد؛ فإن هذا لا آخر له.
فقولكم: "لو كان فاعلًا لفِعْله لكان مُحْدِثًا له"، إن أردتم بكونه مُحْدِثًا صدور الفعل منه، اتحد اللازم والملزوم، وصار حقيقة قولكم: لو كان فاعلًا لكان فاعلًا. وإن أردتم بكونه مُحْدِثًا كونه خالقًا سألناكم: ما تعنون بكونه خالقًا؟ هل تعنون به كونه فاعلًا، أو تعنون به أمرًا آخر، فإن أردتم الأول كان اللازم فيه عين الملزوم، وإن أردتم أمرًا آخر غير كونه فاعلًا فبيّنوه.
فإن قلتم: نعني به كونه موجِدًا للفعل من العدم إلى الوجود.
قيل: هذا معنى كونه فاعلًا، فما الدليل على إحالة هذا المعنى، فسمّوه ما شئتم: إحداثًا أو إيجادًا أو خلقًا، فليس الشأن في التسميات، وليس الممتنع إلا أن يكون مستقلًّا بالإيجاد، وهذا غير لازم لكونه فاعلًا؛ فإنا قد بيّنا أن غاية قدرة العبد وإرادته وداعيه وحركته أن تكون جزء سبب، وما يتوقف عليه الفعل من الأسباب التي لا تدخل تحت قدرته وكسبه أكثر من الجزء الذي إليه بأضعاف مضاعفة، والفعل لا يتم إلا بها.
فإن قيل: فهذا الجَبْر بعينه.
стр. 536
قيل: ذاك السبب الذي أعني به من القدرة والإرادة، هو الذي أخرجه من الجَبْر، وأدخله في الاختيار، وكون ذلك السبب من خالقه وفاطره ومنشئه هو الذي أخرجه من الشرك والتعطيل، وأدخله في باب التوحيد، فالأول أدخله في باب العدل، والثاني أدخله في باب التوحيد، ولم يكن ممن نقض التوحيد بالعدل، ولا ممن نقض العدل بالتوحيد، فهؤلاء جنوا على التوحيد، وهؤلاء جنوا على العدل، وهدى الله أهل السنة للتوحيد والعدل، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
* * * *
стр. 537
الباب العشرون
في ذِكْر مناظرة بين قدري وسُنّي
قال القدري: قد أضاف الله سبحانه الأعمال إلى العباد بأنواع الإضافة العامة والخاصة، فأضافها إليهم بالاستطاعة تارة، كقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، وبالمشيئة تارة، كقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨]، وبالإرادة تارة، كقول الخضر: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: ٧٩]، وبالفعل، والعمل، والكسب، والصنع، كقوله: ﴿يَفْعَلُونَ﴾، ﴿يَعْمَلُونَ﴾، ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٣٩]، ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ٦٣].
وأما بالإضافة الخاصة فكإضافة الصلاة والصيام والحج والطهارة والزنا والسرقة والقتل والكذب والكفر والفسوق، وسائر أفعالهم إليهم، وهذه الإضافة تمنع إضافتها إليه، كما أن إضافة أفعاله إليه سبحانه تمنع إضافتها إليهم، فلا تجوز إضافة أفعالهم إليه سبحانه دونهم، ولا إليه معهم، فهي إذًا مضافة إليهم دونه.
قال السني: هذا الكلام مشتمل على حق وباطل، أما قولك: «إنه أضاف الأفعال إليهم» فحق لا ريب فيه، وهذا حجة لك على خصومك من الجبرية، وهم يجيبونك عن ذلك بأن هذا الإسناد لا حقيقة له، وإنما هو نسبة مجازية صححها قيام الأفعال بهم، كما يقال: جرى الماء، وبرد، وسخن، ومات زيد، ونحن نساعدك على بطلان هذا الجواب، ومنافاته للعقول والشرائع والفطر.
стр. 538
ولكن قوله (١): «هذه الإضافة تمنع إضافتها إليه سبحانه»، كلام فيه إجمال وتلبيس، فإن أردتَ بمنع الإضافة إليه منع قيامها به، ووصفه بها، وجريان أحكامها عليه، واشتقاق الأسماء منها له= فنعم، هي غير مضافة إليه بشيء من هذه الاعتبارات والوجوه.
وإن أردتَ بعدم إضافتها إليه عدم إضافتها إلى علمه بها، وقدرته عليها، ومشيئته العامة وخلقه= فهذا باطل؛ فإنها معلومة له سبحانه، مقدورة له، مخلوقة له، وإضافتها إليهم لا تمنع هذه الإضافة، كالأموال؛ فإنها مخلوقة له سبحانه وهي ملكه حقيقة وقد أضافها إليهم، فالأعمال والأموال خَلْقه ومُلْكه وهو سبحانه يضيفها إلى عبيده، وهو الذي جعلهم مالكيها وعامليها، فصحّت النسبتان، وحصول الأموال بكسبهم وإرادتهم كحصول الأعمال، وهو الذي خلق الأموال وكاسبيها، والأعمال وعامليها، فأموالهم وأعمالهم ملكه وبيده.
كما أن أسماعهم وأبصارهم وأنفسهم ملكه وبيده، فهو الذي جعلهم يسمعون ويبصرون ويعملون، فأعطاهم حاسة السمع والبصر، وقوة السمع والبصر، وفعل (٢) الإبصار والاستماع، وأعطاهم آلة العمل، وقوة العمل، ونفس العمل، فنسبة قوة العمل إلى اليد، والكلام إلى اللسان، كنسبة قوة السمع إلى الأذن، والبصر إلى العين، ونسبة الرؤية والاستماع اختيارًا إلى محلهما كنسبة الكلام والبطش إلى محلهما، فإن كانوا هم الذين خلقوا لأنفسهم الرؤية والسمع فهل خلقوا محلهما، وقوى المحل، والأسباب
стр. 539
الكثيرة التي تصح معها الرؤية والسمع، أمِ الكل خَلْق مَنْ هو خالق كل شيء، وهو الواحد القهار؟
قال القدري: لو كان الله سبحانه هو الفاعل لأفعالهم لاشتُقَّت له منها الأسماء، وكان أولى بأسمائها منهم؛ إذ لا يَعقل الناس على اختلاف لغاتهم وعاداتهم ودياناتهم قائمًا إلا من فعل القيام، وآكلًا إلا من فعل الأكل، وسارقًا إلا من فعل السرقة، وهكذا جميع الأفعال لازمها ومتعدّيها، فعكستم أنتم الأمر وقلبتم الحقائق، فقلتم: مَن فَعل هذه الأفعال حقيقة لا يُشتقّ له منها اسم، وإنما تُشتقّ منها الأسماء لمن لم يفعلها ولم يحدثها، وهذا خلاف العقول واللغات وما تتعارفه الأمم.
قال السني: هذا إنما يلزم إخوانك وخصومك الجبرية، القائلين بأن العبد لم يفعل شيئًا البتّة، وأما من قال: العبد فاعل لفعله حقيقة، والله خالقه وخالق آلات فعله الظاهرة والباطنة= فإنه إنما تُشتقّ الأسماء لمن فعل تلك الأفعال، فهو القائم والقاعد والمصلي والسارق والزاني حقيقة، فإن الفعل إذا قام بالفاعل عاد حكمه إليه، ولم يعد إلى غيره، واشتُقّ له منه اسم ولم يُشتقّ لمن لم يقم به.
فههنا أربعة أمور: أمران معنويان في النفي والإثبات، وأمران لفظيان فيهما، فلما قام الأكل والشرب والزنا والسرقة بالعبد؛ عادت أحكام هذه الأفعال إليه، واشتُقّت له منها الأسماء، وامتنع عود أحكامها إلى الرب، واشتقاق أسمائها له، ولكن من أين يَمْنع هذا أن تكون معلومة للرب تعالى، مقدورة له، مكوّنة له، واقعة من العباد بقدرة ربهم وتكوينه؟!
стр. 540
قال القدري (١): لو كان خالقًا لها لزمته هذه الأمور.
قال السني: هذا باطل ودعوى كاذبة؛ فإنه سبحانه لا يُشتقّ له اسم مما خلقه في غيره، ولا يعود حكمه عليه، وإنما يُشتقّ الاسم لمن قام به ذلك، فإنه سبحانه خلق الألوان والطعوم والروائح والحركات في محالها، ولم يُشتقّ له منها اسم، ولا عادت أحكامها إليه، ومعنى عود الحكم إلى المحل الإخبار عنه بأنه يقوم ويقعد ويأكل ويشرب.
قال السني: ومن ههنا عُلِم ضلال المعتزلة الذين يقولون: القرآن مخلوق، خلقه الله في محل، ثم اشتُقّ له اسم المتكلم باعتبار خلقه له، وعاد حكمه إليه، فأخبر عنه أنه تكلم به. ومعلوم أن الله سبحانه خالق صفات الأجسام وأعراضها وقواها، فكيف جاز أن يُشتقّ له اسم مما خلقه من الكلام في غيره، ولم يُشتقّ له اسم مما خلقه من الصفات والأعراض في غيره؟!
فأنت أيها القدري نقضت أصولك بعضها ببعض، وأفسدت قولك في مسألة الكلام بقولك في مسألة القدر، وقولك في القدر بقولك في الكلام، فجعلتَه متكلمًا بكلام قائم بغيره، وأبطلت أن يكون فاعلًا بفعل قائم بغيره، فإن كنت أصبتَ في مسألة الكلام فقد نقضتَ أصلك في القدر، وإن أصبتَ في هذا الأصل لزم خطؤك في مسألة الكلام، فأنت مخطئ على التقديرين.
стр. 541
قال القدري (١): فما تقول أنت في هذا المقام؟
قال السني: أنا لا أتناقض في هذا ولا في هذا، بل أصفه سبحانه بما قام به، وأمتنع مِن وصفه بما لم يقم به.
قال القدري (٢): فالآن حمي الوطيس، فأنت والمسلمون وسائر الخلق تسمونه تعالى خالقًا ورازقًا ومميتًا، والخلق والرزق والموت قائم بالمخلوق المرزوق الميت، إذ لو قام ذلك بالربّ سبحانه فالخلق إما قديم وإما حادث، فإن كان قديمًا لزم قدم المخلوق؛ لأنه نِسْبة بين الخالق والمخلوق، ويلزم من كونها قديمة قدم المصحِّح لها، وإن كان حادثًا لزم قيام الحوادث به، وافتقر ذلك الخلق إلى خلق آخر، ولزم التسلسل، فثبت أن الخلق غير قائم به سبحانه، وقد اشتُقّ له منه اسم.
قال السني: أي لازم من هذه اللوازم التزمه المرء كان خيرًا من أن ينفي صفة الخالقية عن الرب تعالى؛ فإن حقيقة هذا القول أنه غير خالق، فإن إثباتَ خالق بلا خلق إثباتُ اسم لا معنى له، وهو كإثبات سميع لا سمع له، وبصير لا بصر له، ومتكلم وقادر لا كلام له ولا قدرة، فتعطيل الرب تعالى عن فعله القائم به كتعطيله عن صفاته القائمة به، والتعطيل أنواع:
تعطيل المصنوع عن الصانع، وهو تعطيل الدهرية والزنادقة.
وتعطيل الصانع عن صفات كماله ونعوت جلاله، وهو تعطيل الجهمية نفاة الصفات.
стр. 542
وتعطيله عن أفعاله، وهو أيضًا تعطيل الجهمية، وهم أساسه، ودَبّ فيمن عداهم من الطوائف، فقالوا: لا يقوم بذاته فعل؛ لأن الفعل حادث، وليس محلًّا للحوادث، كما قال إخوانهم: لا تقوم بذاته صفة؛ لأن الصفة عرض، وليس محلًّا للأعراض.
فلو التزم الملتزم أي قول التزمه كان خيرًا من تعطيل صفات الربّ وأفعاله، فالمشبّهة على ضلالهم وبدعتهم خير من المعطلة، ومعطلة الصفات خير من معطلة الذات، وإن كان التعطيلان متلازمين؛ لاستحالة وجود ذات قائمة بنفسها لا توصف بصفة، فوجود هذه محال في الذهن وفي الخارج، ومعطلة الأفعال خير من معطلة الصفات؛ فإن هؤلاء نفوا صفة الفعل، وإخوانهم نفوا صفات الذات.
وأهل السمع والعقل حزب الرسول والفرقة الناجية برآء من تعطيل هؤلاء كلهم؛ فإنهم أثبتوا الذات والصفات والأفعال وحقائق الأسماء الحسنى، إذ جعلها المعطلة مجازًا لا حقيقة له، فشرّ هذه الفرق لخيرها الفداء.
والمقصود أنه أي قول التزمه الملتزم كان خيرًا من نفي الخلق ، وتعطيل هذه الصفة عن الله. وإذا عُرِض على العقل السليم مفعول لا فاعل له، أو مفعول لا فعل لفاعله؛ لم يجد بين الأمرين فرقًا في الإحالة، فمفعول بلا فعل كمفعول بلا فاعل، لا فرق بينهما البتّة.
فليعرض العاقل على نفسه القول بتسلسل الحوادث، والقول بقيام الأفعال بذات الربّ سبحانه، والقول بوجود مخلوق حادث عن خلق قديم
стр. 543
قائم بذات الرب سبحانه، والقول بوجود (١) مفعول بلا فعل، ولينظر أي هذه الأقوال أبعد عن العقل والسمع، وأيها أقرب إليهما، ونحن نذكر أجوبة الطوائف عن هذا السؤال.
فقالت طائفة: نختار من هذا التقسيم والترديد كون الخلق والتكوين قديمًا قائمًا بذات الربّ تعالى، ولا يلزمنا قدم المخلوق المكوَّن، كما نقول نحن وأنتم: إن الإرادة قديمة، ولا يلزم من قدمها قدم المراد، وكل ما أجبتم به في صورة الإلزام فهو جوابنا بعينه في مسألة التكوين.
وهذا جواب سديد، وهو جواب جمهور الحنفية والصوفية وأتباع الأئمة.
فإن قلتم: إنما لم يلزم من قدم الإرادة قدم المراد؛ لأنها تتعلق بوجود المراد في وقته، فهو يريد كون الشيء في ذلك الوقت، وأما تكوينه وخلقه قبل وجوده فمحال.
قيل لكم: لسنا نقول: إنه كوّنه قبل وقت كونه، بل التكوين القديم اقتضى كونه في وقته، كما اقتضت الإرادة القديمة كونه في وقته.
فإن قلتم: كيف يُعْقَل تكوين ولا مكوَّن؟
قيل: كما عقلتم إرادة ولا مراد.
فإن قلتم: المريد قد يريد الشيء قبل كونه، ولا يكونه قبل كونه.
قيل: كلامنا في الإرادة المستلزمة لوجوده، لا في الإرادة التي لا تستلزم
стр. 544
المراد، وإرادة الربّ تعالى ومشيئته تستلزم وجود مراده، وكذلك التكوين، يوضحه: أن التكوين هو اجتماع القدرة والإرادة وكلمة التكوين، وذلك كله قديم، ولم يلزم منه قدم المكوَّن.
قالوا: وإذا عرضنا هذا على العقول السليمة، وعرضنا عليها مفعولًا بلا فعل؛ بادرت إلى قبول ذاك وإنكار هذا.
فهذا جواب هؤلاء.
وقالت الكرّامية: بل نختار من هذا الترديد كون التكوين حادثًا، وقولكم: «يلزم من ذلك قيام الحوادث بذات الربِّ، فالتكوين هو فعله، وهو قائم به»، فكأنكم قلتم: يلزم من قيام فعله به قيامه به، وسميتم أفعاله حوادث، وتوسلتم بهذه التسمية إلى تعطيلها، كما سمّى إخوانكم صفاته: أعراضًا، وتوسلوا بهذه التسمية إلى نفيها عنه. وكما سمّوا علوّه على مخلوقاته واستواءه على عرشه: تحيّزًا، وتوسلوا بهذه التسمية إلى نفيه. وكما سمّوا وجهه الأعلى (١) ويديه: جوارح، وتوسلوا بذلك إلى نفيها.
قالوا: ونحن لا ننكر أفعال خالق السماوات والأرض وما بينهما، وكلامه وتكليمه، ونزوله إلى السماء، واستواءه على عرشه، ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده، ونداءه لأنبيائه ورسله وملائكته، وفعله ما شاء= بتسميتكم لهذا كله حوادث، ومن أنكر ذلك فقد أنكر كونه ربّ العالمين؛ فإنه لا يتقرر في العقول والفطر كونه ربًّا للعالمين إلا بأن يثبت له الأفعال الاختيارية، وذات لا تفعل ليست مستحقة للربوبية ولا للإلهية،
стр. 545
فالإجلال عن هذا الإجلال (١) واجب، والتنزيه عن هذا التنزيه متعين (٢)، فتنزيه الربّ تعالى عن قيام الأفعال به تنزيه له عن ربوبيته وملكه.
قالوا: ولنا على صحة هذه المسألة أكثر من ألف دليل من القرآن والسنة والمعقول.
وقد اعترف أفضل متأخريكم (٣) بفساد شبهكم كلها على إنكار هذه المسألة، وذَكَرَها شبهة شبهة وأفسدها، وألزم بها جميع الطوائف.
حتى الفلاسفة الذين هم أبعد الطوائف من إثبات الصفات والأفعال قالوا: ولا يمكن إثبات حدوث العالم وكون الربّ خالقًا ومتكلمًا وسامعًا ومبصرًا، ومجيبًا للدعوات، ومدبرًا للمخلوقات، وقادرًا ومريدًا؛ إلا بالقول بأنه فعَّال، وأن أفعاله قائمة به، فإذا بطل أن يكون له فعل، وأن تقوم بذاته الأمور المتجددة بطل هذا كله.
فصل
وقد أجاب عن هذا عبد العزيز بن يحيى الكناني في «حيدته» (٤) فقال في سؤاله للمَرِيسي: بأي شيء حدثت الأشياء؟
فقال له: أحدثها الله بقدرته التي لم تزل.
فقلت له: أحدثها بقدرته كما ذكرت، أفليس تقول: إنه لم يزل قادرًا؟
стр. 546
قال: بلى.
قلت: فتقول: إنه لم يزل يفعل؟
قال: لا أقول هذا.
قلت: فلابدّ أن يلزمك أن تقول: إنه خلق بالفعل الذي كان بالقدرة؛ لأن القدرة صفة (١).
ثم قال عبد العزيز: لم أقل: لم يزل الخالق يخلق، ولم يزل الفاعل يفعل، وإنما الفعل صفة والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع.
فأثبت عبد العزيز فعلًا مقدورًا لله هو صفة له ليس من المخلوقات، وأنه به خلق المخلوقات، وهذا صريح في أن مذهبه كمذهب السلف وأهل الحديث: أن الخلق غير المخلوق، والفعل غير المفعول، كما حكاه البغوي إجماعًا لأهل السنة (٢).
وقد صرّح عبد العزيز أن فعله سبحانه القائم به مقدور له، وأنه خلق به المخلوقات، كما صرح به البخاري في آخر «صحيحه»، وفي كتاب «خلق الأفعال»، فقال في «صحيحه»: «باب ما جاء في تخليق السماوات والأرض وغيرها من الخلائق، وهو فعل الربّ وأمره، فالرب سبحانه بصفاته وفعله وأمره وكلامه هو الخالق المكوِّن غير مخلوق، وما كان بفعله وأمره وتخليقه
стр. 547
وتكوينه فهو مفعول مخلوق مكوَّن» (١)، فصرَّح إمام السنة أن صفة التخليق هي (٢) فعل الربّ وأمره، وأنه خالق بفعله وكلامه.
وجميع يَزَك الرسول وحزبه مع محمد بن إسماعيل في هذا.
والقرآن مملوء من الدلالة عليه، كما دلّ عليه العقل والفطرة، قال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١]، ثم أجاب نفسه بقوله: ﴿بَلَى وَهْوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾، فأخبر أنه قادر على نفس فعله، وهو أن يخلق، فنفس ﴿أن يخلق﴾ فعل له، وهو قادر عليه.
ومَن يقول: لا فعل له، وأن الفعل هو عين المفعول، يقول: لا يقدر على فعل يقوم به البتّة، بل لا يقدر إلا على المفعول المباين له، الحادث بغير فعل منه سبحانه. وهذا أبلغ في الإحالة من حدوثه بغير قدرة، بل هو في الإحالة كحدوثه بغير فاعل؛ فإن المفعول يدل على قدرة الفاعل باللزوم العقلي، ويدل على فعله الذي وُجِد به بالتضمّن، فإذا سُلِبتْ دلالته التضمّنية كان سَلْب دلالته اللزومية أسهل، ودلالة المفعول على فاعله وفعله دلالة واحدة، وهي أظهر بكثير من دلالته على قدرته وإرادته.
وذكر قدرة الرب تعالى على أفعاله وتكوينه في القرآن كثير، كقوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥]، فـ ﴿أن يبعث﴾ هو نفس فعله، والعذاب هو مفعوله المباين له. وكذلك قوله: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠]، فإحياء الموتى نفس فعله، وحياتهم مفعوله
стр. 548
المباين له، وكلاهما مقدور له. وقال تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: ٤]، فتسوية البنان فعله، واستواؤها مفعوله.
ومنكرو الأفعال يقولون: الربّ تعالى يقدر على المفعولات المباينة له، ولا يقدر على فعل يقوم بنفسه، لا لازم (١) ولا متعدّ.
وأهل السنة يقولون: الربّ تعالى يقدر على هذا وعلى هذا، وهو سبحانه له الخلق والأمر، فالجهمية أنكرت خلقه وأمره، وقالوا: خلقه نفس مخلوقه، وأمره مخلوق من مخلوقاته، فلا خلق ولا أمر. ومن أثبت له الكلام القائم بذاته ونفى أن يكون له فعل؛ فقد أثبت الأمر دون الخلق، ولم يقل أحد بقيام أفعاله به، ونفي صفة الكلام عنه، فيثبت الأمر دون الخلق. وأهل السنة يثبتون له سبحانه ما أثبته لنفسه من الخلق والأمر، فالخلق فعله، والأمر قوله، وهو سبحانه يقول ويفعل.
وأجابت طائفة أخرى من أهل السنة والحديث عن هذا بالتزام التسلسل، وقالوا: ليس في العقل ولا في الشرع ما ينفي دوام فاعلية الربّ تعالى، وتعاقب أفعاله شيئًا قبل شيء إلى غير غاية، كما تتعاقب شيئًا بعد شيء إلى غير غاية، فلم يزل فعّالًا.
قالوا: والفعل صفة كمال، ومن يفعل أكمل ممن لا يفعل.
قالوا: ولا يقتضي صريح العقل إلا هذا، ومن زعم أن الفعل كان ممتنعًا عليه سبحانه في مُدَد غير مقدّرة (٢) لا نهاية لها، ولا يقدر أن يفعل، ثم انقلب
стр. 549
الفعل من الاستحالة الذاتية إلى الإمكان الذاتي من غير حدوث سبب ولا تغير في الفاعل= فقد نادى على عقله بين الأنام.
قالوا: وإذا جاز هذا في العقول (١) جاز أن ينقلب العالم من العدم إلى الوجود من غير فاعل، وإن امتنع هذا في بدائه العقول، فكذلك تجدُّد إمكان الفعل وانقلابه من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي بلا سبب، وأما أن يكون هذا ممكنًا، وذاك ممتنعًا، فليس في العقول ما يقتضي ذلك (٢).
قالوا: والتسلسل لفظ مجمل لم يرد بنفيه ولا إثباته كتاب ناطق، ولا سنة متّبعة، فيجب مراعاة لفظه، وهو ينقسم إلى: واجب، وممتنع، وممكن.
فالتسلسل في المؤثِّرين محال ممتنع لذاته، وهو أن يكون بين مؤثِّرَيْن كل واحد منهما استفاد تأثيره ممن قبله لا إلى غاية.
والتسلسل الواجب ما دلّ عليه العقل والشرع من دوام أفعال الربّ تعالى في الأبد، وأنه كلما انقضى لأهل الجنة نعيم أحدث لهم نعيمًا آخر لا نفاد له، وكذلك التسلسل في أفعاله سبحانه من طرف (٣) الأزل، وأن كل فعل مسبوق بفعل آخر، فهذا واجب في كلامه؛ فإنه لم يزل متكلمًا إذا شاء، ولم تحدث له صفة الكلام في وقت.
وهكذا أفعاله التي هي من لوازم حياته، فإن كل حي فعّال، والفرق بين
стр. 550
الحي والميت بالفعل، ولهذا قال غير واحد من السلف: الحيُّ الفعّال. وقال عثمان بن سعيد: كل حيّ فَعَّال (١).
ولم يكن ربُّنا ﵎ قط في وقت من الأوقات المحققة أو المقدّرة معطّلًا عن كماله من الكلام والإرادة والفعل.
وأما التسلسل الممكن فالتسلسل في مفعولاته من هذا الطرف، كما يتسلسل في طرف الأبد، فإنه إذا لم يزل حيًّا قادرًا مريدًا متكلمًا ـ وذلك من لوازم ذاته ـ فالفعل ممكن له بوجوب هذه الصفات له، وأن يفعل أكمل من أن لا يفعل، ولا يلزم من هذا أنه لم يزل الخلق معه؛ فإنه سبحانه متقدّم على كل فردٍ فردٍ (٢) من مخلوقاته تقدّمًا لا أول له، فلكل مخلوق أول، والخالق سبحانه لا أول له، فهو وحده الخالق، وكل ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن.
قالوا: وكل قول سوى هذا فصريح العقل يرده، ويقضي ببطلانه، وكل من اعترف بأن الربّ تعالى لم يزل قادرًا على الفعل لزمه أحد أمرين لابد له منهما: إما بأن يقول: إن الفعل لم يزل ممكنًا، وإما أن يقول: لم يزل واقعًا، وإلا تناقض تناقضًا بيّنًا؛ حيث زعم أن الربّ تعالى لم يزل قادرًا على الفعل، والفعل محال ممتنع لذاته، لو أراده لم يمكن وجوده، بل فَرْض إرادته عنده محال، وهو مقدور له، وهذا قول يناقض بعضه بعضًا.
стр. 551
وأجابت طائفة أخرى بالجواب المركّب على جميع التقادير، فقالوا: تسلسل الآثار إما أن يكون ممكنًا أو ممتنعًا، فإن كان ممكنًا فلا محذور في التزامه، وإن كان ممتنعًا لم يلزم من بطلانه بطلان الفعل الذي لا يكون المخلوق إلا به؛ فإنا نعلم أن المفعول المنفصل لا يكون إلا بفعل، والمخلوق لا يكون إلا بخلق، قبل العلم بجواز التسلسل وبطلانه.
ولهذا كثير من الطوائف يقولون: الخلق غير المخلوق، والفعل غير المفعول، مع قولهم ببطلان التسلسل، مثل كثير من أتباع الأئمة الأربعة، وكثير من أهل الحديث والصوفية والمتكلمين.
ثم من هؤلاء من يقول: الخلق ـ الذي هو التكوين ـ صفة قديمة، كالإرادة.
ومنهم من يقول: بل هي حادثة بعد أن لم تكن، كالكلام والإرادة، وهي قائمة بذاته سبحانه، وهم الكرّامية ومن وافقهم، أثبتوا حدوثها وقيامها بذاته، وأبطلوا دوامها؛ فرارًا من القول بحوادث لا أول لها، وكلا الفريقين لا يقول: إن ذلك التكوين والخلق مخلوق، بل يقول: إن المخلوق وُجِد به كما وُجِد بالقدرة.
قالوا: فإذا كان القول بالتسلسل لازمًا لكل من قال: إن الربّ تعالى لم يزل قادرًا على الخلق، يمكنه أن يفعل بلا ممانع= فهو لازم لك، كما ألزمتَه لخصومك، فلا ينفردون بجوابه دونك. وأما ما ألزموك به من وجود مفعول بلا فعل، ومخلوق بلا خلق، فهو لازم لك وحدك.
قالوا: ونحن إنما قلنا: الفعل صفة قائمة به سبحانه، وهو قادر عليه لا يمنعه منه مانع، والفعل القائم به ليس هو المخلوق المنفصل عنه، فلا يلزم
стр. 552
أن يكون معه مخلوق في الأزل، إلا إذا ثبت أن الفعل اللازم يستلزم الفعل المتعدي، وأن المتعدي يستلزم دوام نوع المفعولات، ودوام نوعها يستلزم أن يكون معه سبحانه في الأزل شيء منها، وهذه الأمور لا سبيل لك ولا لغيرك إلى الاستدلال على ثبوتها كلها.
وحينئذ فنقول: أي لازم لزم من إثبات فعله سبحانه كان القول به خيرًا من نفي الفعل، وتعطيله عنه.
فإن ثبت قيام فعله به من غير قيام الحوادث به ـ كما يقوله كثير من الناس ـ بطل قولكم. وإن لزم من إثبات فعله قيام الأمور الاختيارية به، والقول بأنها مُفتتَحة ولها أول؛ فهو خير من قولكم، كما تقوله الكرّامية. وإن لزم تسلسلها وعدم أوليتها في الأفعال اللازمة؛ فهو خير من قولكم. وإن لزم تسلسل الآثار (١)، وكونه سبحانه لم يزل خالقًا كما دلّ عليه النص والعقل؛ فهو خير من قولكم. ولو قُدِّر أنه يلزم أن الخلق لم يزل مع الله قديمًا بقدمه؛ كان خيرًا من قولكم، مع أن هذا لا يلزم، ولم يقل به أحد من أهل الإسلام، بل ولا أهل الملل، فكلهم متفقون على أن الله سبحانه وحده الخالق، وكل ما سواه مخلوق موجود بعد عدمه، وليس معه غيره من المخلوقات يكون وجوده مساويًا لوجوده.
فما لزم بعد هذا من إثبات خلقه وأمره وصفات كماله ونعوت جلاله، وكونه ربّ العالمين، وأن كماله المقدس من لوازم ذاته= فإنا به قائلون، وله ملتزمون.
стр. 553
كما أنا ملتزمون لكل ما لزم من كونه حيًّا عليمًا قديرًا سميعًا بصيرًا متكلّمًا آمرًا ناهيًا، فوق عرشه، بائن من خلقه، يراه المؤمنون بأبصارهم عيانًا في الجنة، وفي عرصات القيامة، ويكلمهم ويكلمونه، فإن هذا حق، ولازم الحق مثله، وما لم يلزم (١) من إثبات ذلك من الباطل الذي تتخيله خفافيش العقول فنحن له منكرون، وعن القول به عادلون، وبالله التوفيق.
قال القدري: كون العبد موجِدًا لأفعاله وهو الفاعل لها من أجلى الضروريات والبديهيات؛ فإن كل عاقل يعلم من نفسه أنه فاعل (٢) لما يصدر عنه من الأفعال الواقعة على وفق قصده وداعيته، بخلاف حركة المرتعش والمجرور على وجهه، وهذا لا يتمارى فيه العاقل، ولا يقبل التشكيك والقدح في ذلك، والاستدلال على خلافه استدلال على بطلان ما عُلِمت صحته بالضرورة، فلا يكون مقبولًا.
قال السني: قد أجابك خصومك من الجبرية عن هذا بأن العاقل يعلم من نفسه وقوع الفعل مقارنًا لقدرته، ولا يعلم من نفسه أنه واقع بقدرته، والفرق بين الأمرين ظاهر، ولو كان وقوعه بقدرته هو المعلوم بالضرورة لما خالف فيه جمع عظيم من العقلاء، يستحيل عليهم الإطباق على جحد الضروريات.
وهذا الجواب مما لا يشفي عليلًا، ولا يروي غليلًا، وهو عبارات لا حاصل تحتها؛ فإن كل عاقل يجد من نفسه وقوع الفعل بقدرته وإرادته وداعيته، وأن ذلك هو المؤثِّر في الفعل، ويجد تفرقة ضرورية بين مقارنة
стр. 554
القدرة والداعية للفعل، ومقارنة طوله ولونه وشمّه وغير ذلك من صفاته للفعل، ونسبة ذلك كله عند الجبري إلى الفعل نسبة واحدة، والله سبحانه أجرى العادة بخلق الفعل عند القدرة والداعي لا بهما، وإنما اقترن الداعي والقدرة بالفعل اقترانًا مجرّدًا. ومعلوم أن هذا قدح في الضروريات.
ولا ريب أن من نظر إلى تصرفات العقلاء ومعاملاتهم مع بعضهم بعضًا؛ وجدهم يطلبون الفعل من غيرهم طلب عالم بالاضطرار أن المطلوب منه الفعل هو المحصِّل له، الواقع بقدرته وإرادته، ولذلك يتلطفون لوقوع الفعل منه بكل لطيفة، ويحتالون عليه بكل حيلة، فيعطونه تارة، ويزجرونه تارة، ويوبّخونه تارة، ويتوصلون إلى إخراج الفعل منه بأنواع الرغبة والرهبة، ويقولون: قد فعل فلان كذا (١)، فما لك لا تفعل كما فعل؟ وهذا أمر مشاهد بالحسِّ والضرورة.
فالعقلاء ساكنو الأنفس إلى أن الفعل من العبد يقع، وبه يحصل، ولو حرك أحدُهم أصبعه، فشتمْتَ المحرِّك لها، لغضب وشتمك، وقال: كيف تشتمني؟ ولم يقل: لِمَ تشتم ربّي؟
وهذا أوضح من أن يُضرب له الأمثال، أو يُبسط فيه المقال، وما يعرض في ذلك من الشُّبه جارٍ مجرى السَّفْسَطة.
وقد فطر الله سبحانه العقلاء على ذمِّ فاعل الإساءة، ومَدْح فاعل الإحسان، وهذا يدل على أنهم مفطورون على العلم بأنه فاعل؛ لأن الذم فرع عليه، ويستحيل أن يكون الفرع معلومًا باضطرار، والأصل ليس كذلك.
стр. 555
والعقلاء قاطبة يعلمون أن الكاتب مثلًا يكتب إذا أراد، ويمسك إذا أراد، وكذلك الباني (١) والصانع، وأنه إذا عجزت قدرته، أو عدمت إرادته بطل فعله، فإن عادت إليه القدرة والإرادة عاد الفعل.
وقولك: «لو كان ذلك أمرًا ضروريًا لاشترك العقلاء فيه»، جوابك: أنه لا يجب الاشتراك في الضروريات، فكثير من العقلاء يخالفون كثيرًا من الضروريات لدخول شبهة عليهم، ولا سيما إذا تواطؤوا عليها وتناقلوها، كمخالفة الفلاسفة في الإثبات لكثير من الضروريات، وهم جمع كثير من العقلاء.
وهؤلاء النصارى مذهبهم مما يُعلم فساده بضرورة العقل، وهم يناظرون عليه ويَنْصرونه.
وهؤلاء الرافضة يزعمون أن أبا بكر وعمر ﵄ لم يؤمنا بالله ورسوله طرفة عين، ولم يزالا عدوَّيْن لرسول الله ﷺ ، مترصّدَيْن لقتله، وأن رسول الله ﷺ أقام عليًا على رؤوس جميع الصحابة وهم ينظرون إليه جهرة، وقال: هذا وصيي وولي العهد بعدي، فكلكم له تسمعون، فأطبقوا كلهم على كتمان هذا النص وعصيانه.
وهؤلاء الجهمية ــ ومَن قال بقولهم ــ يقولون ما يخالف صريح المعقول؛ من وجود مفعول بلا فعل، ومخلوق بلا خلق.
стр. 556
وهؤلاء الفلاسفة ــ وهم المُدِلّون بعقولهم ــ يثبتون ذواتًا قائمة بأنفسها خارج الذهن، ليست في العالم، ولا خارجة عن العالم، ولا متصلة به، ولا منفصلة عنه، ولا مباينة له، ولا محايثة، وهو مما يُعلم بصريح العقل فساده.
وهؤلاء طائفة الاتحادية تزعم أن الله هو هذا الوجود المشهود، وأن التعدد والتكثير فيه وهم محض.
وهؤلاء منكرو الأسباب يزعمون أنه لا حرارة في النار تحرق بها، ولا رطوبة في الماء يروي بها، وليس في الأجسام أصلًا قوى ولا طبائع، ولا في العالم شيء يكون سببًا لشيء آخر البتّة.
وإن لم تكن هذه الأمور جحدًا للضروريات فليس في العالم مَنْ جَحَد الضروريات، وإن كانت جحدًا للضروريات بطل قولكم: إن جمعًا من العقلاء لا يتفقون على ذلك.
والأقوال التي جحد بها المتكلمون الضروريات أضعاف أضعاف ما ذكرناه، فهم أجحد الناس لما يُعلم بضرورة العقل.
وكيف يصح في عقل سليم: سميعٌ لا سمع له، بصيرٌ لا بصر له، حيٌّ لا حياة له؟!
أم كيف يصح عند ذي عقل: مرئيٌّ يُرى بالأبصار عيانًا لا فوق الرائي، ولا تحته، ولا عن يمينه، ولا عن يساره، ولا خلفه، ولا أمامه؟!
أم كيف يصح عند ذي عقل: إثباتُ كلام قديم أزلي، لو كان البحر يمده من بعده سبعة أبحر، وجميع أشجار الأرض على اختلافها وكبرها وصغرها أقلام يُكتب بها= لنفدت البحار، وفنيت الأقلام، ولم يفنَ ذلك الكلام. ومع
стр. 557
هذا فهو معنى واحد لا جزء له، ولا ينقسم، والنهي (١) فيه عين الأمر، والنفي فيه عين الإثبات، والخبر فيه عين الاستخبار، والتوراة فيه عين الإنجيل وعين القرآن، وذلك كله أمر واحد إنما يختلف بمسمياته ونسبته. وقد أطبق على هذا جمع عظيم من العقلاء، وكفّروا من خالفهم فيه، واستحلّوا منهم ما حرّمه الله.
وهؤلاء الجهمية يقولون: إن للعالم صانعًا قائمًا بذاته، ليس في العالم، ولا هو خارج العالم، ولا فوق العالم، ولا تحته، ولا خلفه، ولا أمامه، ولا عن يمينه، ولا عن يَسْرَته، ولا هو مباين له، ولا مُحَايِث له. فوصفوا واجب الوجود بصفة ممتنع الوجود، وكفّروا من خالفهم في ذلك، واستحلّوا دمه، وقالوا ما يُعلم فساده بصريح العقل.
ولو ذهبنا نذكر كل ما جحد فيه أكثر الطوائف الضروريات لطال الكتاب جدًّا.
وهؤلاء النصارى أمة قد طبقت شرق الأرض وغربها، وهم من أعظم الناس جحدًا للضروريات.
وهؤلاء الفلاسفة هم أهل المعقولات، وهم من أكثر الناس جحدًا للضروريات.
فاتفاق طائفة من الطوائف على المقالة لا يدل على [عدم] (٢) مخالفتها لصريح العقل، وبالله التوفيق.
стр. 558
فصل (١)
قال القدري: قال الله : ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، وعند الجبري: أن الكل فعل الله، وليس من العبد شيء.
قال الجبري: في الكلام استفهام مقدَّر، تقديره: أفمن نفسك؟ فهو إنكار لا إثبات، وقرأها بعضهم: ﴿فَمَنْ نَفْسُك﴾؟ بفتح الميم ورفع نفسك (٢)، أي: مَن أنت حتى تفعلها؟
قال: ولابد من تأويل الآية وإلا ناقض قوله في الآية التي قبلها: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨]، فأخبر أن الحسنات والسيئات جميعًا من عنده، لا من عند العبد (٣).
قال السني: أخطأتما جميعًا في فهم الآية أقبح خطأ، ومنشأ غلطكما ظنكما أن الحسنات والسيئات في الآية المراد بها الطاعات والمعاصي التي هي فعل العبد الاختياري، وهذا وهم محض في هذه الآية، وإنما المراد بها النعم والمصائب.
ولفظ الحسنات والسيئات في كتاب الله يراد به هذا تارة، وهذا تارة،
стр. 559
فقوله تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ [آل عمران: ١٢٠]، وقوله تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة: ٥٠]، وقوله: ﴿ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٨]، وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ﴾ [الشورى: ٤٨]، وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١]، وقوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، المراد في هذا كله النعم والمصائب.
وأما قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]، المراد به في هذا كله الأعمال المأمور بها والمنهي عنها.
وهو سبحانه إنما قال: ﴿مَا أَصَابَكَ﴾، ولم يقل: «ما أصبت، وما كسبت»، فما يفعله العبد يقال فيه: ما أصبت وكسبت وعملت، كقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ [طه: ١١٢]، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]، ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا﴾ [النساء: ١١٢]، وقول المذنب التائب: يا رسول الله، أصبتُ ذنبًا فأقم عليَّ كتاب الله (١)، ولا يقال في هذا: أصابك ذنب، وأصابتك سيئة.
стр. 560
وما يفعل به بغير اختياره يقال فيه: أصابك كقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة: ٥٠]، وقوله: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ [آل عمران: ١٦٥]، فجمع الله في الآية بين ما أصابوه بفعلهم وكسبهم، وما أصابهم مما ليس فعلًا لهم، وقوله: ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [التوبة: ٥٢]، وقوله: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ [الرعد: ٣١]، وقوله: ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة: ١٠٦].
فقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ [النساء: ٧٩] هو من هذا القسم، لا من القسم الذي يصيبه العبد باختياره، وهذا إجماع من السلف في تفسير هذه الآية.
قال أبو العالية: «﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾: هذا في السراء، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾: هذا في الضراء» (١).
وقال السُّدِّي: «الحسنة الخصب، تنتج مواشيهم وأنعامهم، ويحسن حالهم، وتلد نساؤهم الغلمان، قالوا: هذا من عند الله، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾، قال: الضرّ في أموالهم، تشاءموا بمحمد ﷺ وقالوا: هذا من عنده، يقولون: بتركنا ديننا واتباعنا محمدًا ﷺ أصابنا ما أصابنا، فأنزل الله تعالى ردًّا عليهم: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨]: الحسنة والسيئة» (٢).
стр. 561
وقال الوالبي: عن ابن عباس: «﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، قال: ما فتح الله عليك يوم بدر. وقال أيضًا: هو الغنيمة والفتح. والسيئة: ما أصابه يوم أحد: شُجَّ في وجهه، وكُسِرت رَباعِيته» (١).
وقال أيضًا: «أما الحسنة فأنعم الله بها عليك، وأما السيئة فابتلاك بها».
وقال أيضًا: «ما أصابك من نكبة فبذنبك، وأنا قدّرت ذلك عليك» (٢).
ذكر ذلك كله ابن أبي حاتم.
وفي تفسير أبي صالح: عن ابن عباس: «﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾: الخصب، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ الجدب والبلاء» (٣).
وقال ابن قتيبة في هذه الآية: «الحسنة النعمة، والسيئة البلية» (٤).
فإن قيل: فقد حكى أبو الفرج ابن الجوزي (٥): عن أبي العالية أنه فسّر الحسنة والسيئة في هذه الآية بالطاعة والمعصية، وهو من أعلم التابعين؟
فالجواب: إنه لم يذكر بذلك إسنادًا، ولا نعلم صحته عن أبي العالية، وقد ذكر ابن أبي حاتم بإسناده عن أبي العالية ما تقدم حكايته، أن ذلك في السراء والضراء، وهذا هو المعروف عن أبي العالية، ولم يذكر ابن أبي حاتم
стр. 562
عنه غيره، وهو الذي حكاه ابن قتيبة عنه (١).
وقد يقال: إن المعنيين جميعًا مرادان، باعتبار أن ما يوفقه الله له من الطاعات فهو نعمة في حقه أصابته من الله، كما قال تعالى: ﴿بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ﴾ [النحل: ٥٣]، فهذا يدخل فيه نعم الدين والدنيا، وما يقع منه من المعصية فهو مصيبة أصابته من الله، وإن كان سببها منه.
والذي يوضح ذلك أن الله سبحانه إذا جعل السيئة التي هي الجزاء على المعصية من نفس العبد بقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، فالعمل الذي أوجب الجزاء أولى أن يكون من نفسه، فلا منافاة بين أن تكون سيئة العمل من نفسه، وسيئة الجزاء من نفسه، ولا ينفي ذلك أن يكون الجميع من الله قضاءً وقدرًا، ولكن هو من الله عدل وحكمة ومصلحة وحَسَن، ومن العبد سيئة وقبيح.
وقد روي عن ابن عباس أنه كان يقرؤها: (وما أصابك من سيئة فمن نفسك، وأنا قدّرتها عليك) (٢)، وهذه القراءة زيادة بيان، وإلا فقد دلّ قوله قبل ذلك: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨] على القضاء السابق، والقدر النافذ.
стр. 563
والمعاصي قد تكون بعضها عقوبة بعض، فيكون لله (١) على المعصية عقوبتان: عقوبة بمعصية تتولد منها، وتكون الأولى سببًا فيها، وعقوبة بمؤلم يكون جزاءها، كما في الحديث المتفق على صحته عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ : «عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البرِّ، والبرّ يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرّى الصدق، حتى يكتب عند الله صديقًا، وإيَّاكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرّى الكذب، حتى يكتب عند الله كذابًا» (٢).
وقد ذكر الله سبحانه في غير موضع من كتابه أن الحسنة الثانية قد تكون من ثواب الحسنة الأولى، وأن المعصية قد تكون عقوبة للمعصية الأولى، فالأول كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ٦٦ - ٦٨]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبْلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وقال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٦].
وأما قوله: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ [محمد: ٤]، فيحتمل أن لا يكون من هذا، وتكون الهداية في الآخرة إلى طريق الجنة؛ فإنه رتّب هذا الجزاء على قَتْلهم، ويحتمل أن يكون منه، ويكون قوله:
стр. 564
﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ إخبارًا منه سبحانه عما يفعله بهؤلاء الذين قُتِلوا في سبيله قبل أن قُتِلوا، وأتى به بصيغة المستقبل إعلامًا منه بأنه يجدّد له كل وقت من أنواع الهداية وإصلاح البال شيئًا بعد شيء.
فإن قلت: فكيف يكون ذلك المستقبل خبرًا عن الذين قُتِلوا؟
قلت: الخبر قوله: ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾، أي أنه لا يبطلها عليهم، ولا يَتِرَهم إيّاها، هذا بعد أن قُتِلوا، ثم أخبر سبحانه خبرًا مستأنفًا عنهم: أنه سيهديهم ويصلح بالهم، لمّا علم أنهم يُقتلون في سبيله، وأنهم بذلوا أنفسهم له، فلهم جزاءان: جزاء في الدنيا بالهداية على الجهاد، وجزاء في الآخرة بدخول الجنة، فيرد السامع كل جملة إلى وقتها؛ لظهور المعنى، وعدم التباسه، وهو كثير في القرآن، والله أعلم.
وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا اَلْمُخْلِصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]، فجازاه على إخلاصه بصرف السوء والفحشاء عنه، وقال: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]، وقال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ [الأنعام: ١٥٤]، فضمَّن التمام معنى الإنعام، فعدّاه بعلى، أي: إنعامًا منا على الذي أحسن، فهذا جزاء على الطاعات بالطاعات.
وأما الجزاء على المعاصي بالمعاصي فكقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، وقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ
стр. 565
أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، وقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٥]، وقوله: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ رَحُبَت ثُّمَّ رَحُبَتْ ثُمَّ﴾ [التوبة: ٢٥]، وهو كثير في القرآن.
وعلى هذا فيكون النوعان من السيئات ــ أعني: المصائب والمعايب ــ من نفس الإنسان، وكلاهما بقدر الله، فشر النفس هو الذي أوجب هذا وهذا.
وكان النبي ﷺ يقول في خطبته المعروفة: «ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا» (١)، فشر النفس نوعان: صفة وعمل، والعمل ينشأ عن الصفة، والصفة تتأكد وتقوى بالعمل، فكل منهما يمدّ الآخر.
وسيئات الأعمال نوعان قد فُسّر بهما الحديث:
أحدهما: مساوئها وقبائحها، فتكون الإضافة فيه من إضافة النوع إلى جنسه، وهي إضافة بمعنى «من»، أي السيئات من أعمالنا.
والثاني: أنها ما يسوء العامل مما يعود عليه من عقوبة عمله، فيكون من إضافة المسبَّب إلى سببه، وتكون الإضافة على معنى اللام.
وقد يرجّح الأول بأنه يكون قد استعاذ من الصفة والعمل الناشئ عنها، وذلك يتضمن الاستعاذة من الجزاء السيئ المترتب على ذلك، فتضمنت