صفات كمال وأضدادها نقص، فوجب تنزيهه عنها لمنافاتها لكماله، وأما حصول ما يحبّه الرب تعالى في الوقت الذي يحبّه، فإنما يكون كمالًا إذا حصل على الوجه الذي يحبّه، فعدمه قبل ذلك ليس نقصًا؛ إذ كان لا يحب وجوده قبل ذلك.
الجواب الثامن: أن يقال: الكمال الذي يستحقه هو الكمال الممكن أو الممتنع؟ فالأول مُسَلّم، والثاني باطل قطعًا، فلِمَ قلت: إن وجود الحادث في غير وقته الذي وُجِد فيه ممكن؟ بل وجود الحادث في الأزل ممتنع، فعدمه لا يكون نقصًا.
الجواب التاسع: أن عدم الممتنع لا يكون كمالًا؛ فإن الممتنع ليس بشيء في الخارج، وما ليس بشيء لا يكون عدمه نقصًا؛ فإنه إن كان في المقدور ما لا يحدث إلا شيئًا بعد شيء كان وجوده في الأزل ممتنعًا، فلا يكون عدمه نقصًا، وإنما يكون الكمال وجوده حين يمكن وجوده.
الجواب العاشر: أن يقال: لا ريب أنه تعالى أحدث أشياء بعد أن لم يكن محدِثًا لها، كالحوادث المشهودة، حتى إن القائلين بكون الفَلَك قديمًا عن علّة موجِبة يقرّون بذلك، ويقولون: إنه يُحدِث الحوادث بواسطة، وحينئذ فنقول: هذا الإحداث إما أن يكون صفة كمال، وإما أن لا يكون؟ فإن كان صفة كمال فقد كان فاقدًا لها قبل ذلك، وإن لم يكن صفة كمال فقد اتصف بالنقص.
فإن قلت: نحن نقول: بأنه ليس صفة كمال ولا نقص.
قيل: فهلّا قلتم ذلك في التعليل؟
стр. 702
وأيضًا: فهذا محال في حق الربّ تعالى؛ فإن كل ما يفعله يستحق عليه الحمد، وكل ما يقوم به من صفاته فهو صفة كمال، وضده نقص.
وقد ينازِع النظّار في الفاعلية: هل هي صفة كمال أم لا؟
وجمهور المسلمين من جميع الفرق يقولون: هي صفة كمال.
وقالت طائفة: ليست صفة كمال ولا نقص، وهو قول أكثر الأشعرية.
فإذا التزم هذا القول، قيل له: الجواب من وجهين:
أحدهما: أنّ من المعلوم بصريح العقل أنّ من يخلق أكمل ممن لا يخلق، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَّكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧]، وهذا استفهام إنكار، يتضمن الإنكار على من سَوَّى بين أمرين يعلم (١) أن أحدهما أكمل من الآخر قطعًا، ولا ريب أن تفضيل مَن يخلق على من لا يخلق في الفِطَر والعقول كتفضيل مَن يعلم على مَن لا يعلم، ومَن يقدر على مَن لا يقدر، ومَن يسمع ويبصر على مَن ليس كذلك.
ولمّا كان هذا مستقرًا في فِطَر بني آدم جعله الله تعالى من أدلة توحيده وحججه على عباده، قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهْوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهْوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ وَهْوَ وَهُوَ عَلَى﴾ [النحل: ٧٥ - ٧٦]، وقال تعالى:
стр. 703
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر: ١٩ - ٢٢]، وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَّكَّرُونَ﴾ [هود: ٢٤].
فمن سوَّى بين صفة الخالقية وعدمها، فلم يجعل وجودها كمالًا، ولا عدمها نقصًا؛ فقد أبطل حجج الله وأدلة توحيده، وسوّى بين ما جعل الله بينهما أعظم التفاوت.
وحينئذ فنقول في الجواب الحادي عشر: إذا كان الأمر كما ذكرتم؛ فلمَ لا يجوز أن يفعل لحكمة يكون وجودها وعدمها بالنسبة إليه سواء، كما أنه عندكم (١) لم يُحْدِث ما يُحْدِثه مع كون الإحداث والخلق وعدمه بالنسبة إليه سواء، فإنكم إذا جعلتموه فاعلًا بالإرادة، ووجود المراد وعدمه بالنسبة إليه سواء (٢)، مع أن هذه إرادة لا تُعقَل في الشاهد؛ فقولوا مثل ذلك في الحكمة، وأن ذلك (٣) لا يُعقَل، لاسيما والفعل عندكم هو المفعول المنفصل، فجَوِّزوا أيضًا أن يفعل لحكمة منفصلة، وأنتم إنما قلتم ذلك فرارًا من قيام الحوادث به، ومن التسلسل، فكذلك قولوا بنظير ذلك في الحكمة، والذي يلزم أولئك فهو نظير ما يلزمكم سواء.
الجواب الثاني عشر: أن يقال: العقل الصريح يقضي بأن من لا حكمة
стр. 704
لفعله ولا غاية يقصدها به، أولى بالنقص ممن يفعل لحكمة كانت معدومة ثم صارت موجودة في الوقت الذي اقتضت حكمته إحداث الفعل فيه، فكيف يسوغ لعاقل أن يقول: فِعْله للحكمة يستلزم النقص، وفِعْله لا لحكمة لا نقص فيه!
الجواب الثالث عشر: أن هؤلاء النفاة يقولون: إنه سبحانه يفعل ما يشاء من غير اعتبار حكمة، فيُجَوِّزون عليه كل ممكن، حتى الأمر بالشرك والكذب والظلم والفواحش، والنهي عن التوحيد والصدق والعدل والعقاب.
وحينئذ فنقول: إذا جازت عليه هذه المرادات، وليس في إرادتها نقص لو أرادها؛ استحال أن يكون في شيء من المرادات نقص، وهذا مراد فلا نقص فيه، فقولهم: «مَنْ فَعَل شيئًا لشيء كان ناقصًا بدونه» قضية كلية ممنوعة العموم، وعمومها أولى بالمنع من قول القائل: مَنْ أكرم أهل الجهل والظلم والفساد، وأهان أهل العلم والعدل والبر؛ كان سفيهًا جائرًا، وهذا عند النفاة جائز على الله، ولم يكن به سفيهًا جائرًا.
وكذلك قول القائل: «مَنْ أرسل عبيدَه وإماءه يفجر بعضهم ببعض، ويقتل بعضهم بعضًا، وهو قادر على أن يكفّهم؛ كان سفيهًا»، والله عندهم قد فعل ذلك، ولم يدخل في عموم هذه القضية، فهكذا القضية الكلية التي ادعوا ثبوتها في محل النزاع؛ أولى أن تكون باطلة منتقضة.
الجواب الرابع عشر: أنه لو سُلّم لهم أنه مستكمل بأمر حادث لكان هذا من الحوادث المرادات، وكل ما هو حادث مراد عندهم فليس بقبيح؛ فإن القبح عندهم ليس إلا مخالفة الأمر والنهي، والله ليس فوقه آمر ولا ناهٍ، فلا
стр. 705
يُنزّه عندهم عن شيء من الممكنات البتّة، إلا ما أخبر بأنه لا يكون، فإنهم ينزهونه عن كونه لمخالفة خبره، لا لمخالفة حكمته، والقبيح عندهم هو الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة، وما دخل تحت القدرة لم يكن قبيحًا، ولا مستلزمًا نقصًا عندهم.
وجماع ذلك ب الجواب الخامس عشر: أنّه ما من محذور يلزم من تجويز فِعْله لحكمة إلا والمحاذير التي يلزم من كونه يفعل لا لحكمة أعظم امتناعًا، فإن كانت تلك المحاذير غير ممتنعة كانت محاذير إثبات الحكمة أولى بعدم الامتناع، وإن كانت محاذير إثبات الحكمة ممتنعة فمحاذير نفيها أولى بالامتناع.
الجواب السادس عشر: أنّ فِعْل الحيِّ العالم الاختياري لا لغاية ولا لغرض يدعوه إلى فعله لا يُعقل، بل هو من الممتنعات، ولهذا لا يصدر إلا من مجنون أو نائم أو زائل العقل؛ فإن الحكمة والعلة الغائية هي التي تجعل المريد مريدًا، فإنه إذا علم بمصلحة الفعل ونفعه وغايته انبعثت إرادته إليه، فإذا لم يَعلم في الفعل مصلحة، ولا كان له فيه غرض صحيح، ولا داعٍ يدعوه إليه البتّة؛ فلا يقع منه إلا على سبيل العبث، هذا الذي لا يعقل العقلاء سواه.
وحينئذ فنفي الحكمة والعلة الغائية عن فعل أحكم الحاكمين نفي لفعله الاختياري في الحقيقة، وذلك أنقص النقص، وقد تقدم تقرير ذلك، وبالله التوفيق.
فصل
قال نفاة الحكمة: هب أن هذه الحجة بطلت، فلا يلزم من بطلان دليل معيّن بطلان الحكم، فنحن نذكر حجة غيرها فنقول: لو كان فعله تعالى
стр. 706
معلّلًا بعلّة، فتلك العلة إن كانت قديمة لزم من قدمها قدم الفعل، وهو محال، وإن كانت محدثة افتقر كونه موجدًا لتلك العلة إلى علة أخرى، وهو محال، وهذا معنى قول القائل: علّة كل شيء صنعه، ولا علّة لصنعه.
قالوا: ونحن نقرر هذه الحجة تقريرًا أبسط من هذا فنقول: لو كان فعله تعالى لحكمة فتلك الحكمة إما قديمة أو محدثة، فإن كانت قديمة فإما أن يلزم من قدمها قدم الفعل أو لا يلزم، فإن لزم فهو محال؛ لأن القدم والفعل متنافيان، وإن لم يلزم من قدمها قدم الفعل كانت موجودة بدون الفعل، والفعل موجود بدونها، فالحكمة غير حاصلة من ذلك الفعل لحصوله دونها، وما لا تكون الحكمة متوقفة على حصوله لم يكن حصوله متوقفًا عليها، وهو المطلوب.
وإن كانت الحكمة حادثة بحدوث الفعل، فإما أن تفتقر إلى فاعل أو لا تفتقر إلى فاعل، فإن لم تفتقر لزم حدوث حادث من غير فاعل، وهو محال، وإن افتقرت إلى فاعل فذلك الفاعل إما أن يكون هو الله أو غيره، لا يجوز أن يكون غيره؛ لأنه لا خالق إلا الله، وإن كان هو الله فإما أن يكون له في فعله غرض، أو لا غرض له فيه، فإن كان الأول فالكلام فيه كالكلام في الأول، ويلزم التسلسل، وإن كان الثاني فقد خلا فعله عن الغرض، وهو المطلوب.
فإن قلت: فِعْله لذلك الغرض لغرض هو نفسه، فما خلا عن غرض، ولم يلزم التسلسل.
قلنا: فيلزم مثله في كل مفعول مخلوق، وهو أن يكون الغرض منه هو نفسه، من غير حاجة إلى غرض آخر، وهو المطلوب، فهذه حجة باهرة وافية بالغرض.
стр. 707
قال أهل الحكمة: بل هي حجة داحضة باطلة، والجواب عنها من وجوه:
الجواب الأول: أن نقول: لا يخلو إما أن يمكن أن يكون الفعل قديم العين أو قديم النوع، أو لا يمكن واحد منهما، فإن أمكن أن يكون قديم العين أو النوع أمكن في الحكمة التي يكون الفعل لأجلها أن تكون كذلك، وإن لم يمكن أن يكون الفعل قديم العين ولا النوع، فيقال: إذا كان فعله حادث العين أو النوع كانت الحكمة كذلك، فالحكمة يُحذى بها حذو الفعل، فما جاز عليه جاز عليها، وما امتنع عليه امتنع عليها.
الجواب الثاني: أنّ من قال: إنه خالق مكوِّن في الأزل لِمَا لم يكن بعد، قال: قولي هذا كقول من قال: هو مريد في الأزل لِمَا لم يكن بعد، فقولي (١) بقدم كونه فاعلًا كقول هؤلاء بقدم كونه مريدًا، وعلى هذا فيمكنني أن أقول بقدم الحكمة التي يخلق ويريد لأجلها، ولا يلزم من قدم الحكمة قدم الفعل، كما لم يلزم من قدم الإرادة قدم المراد، وكما لم يلزم من قدم صفة التكوين قدم المكوَّن، فقولي في قدم الحكمة مع حدوث الفعل الذي فُعِل (٢) لأجلها، كقولكم في قدم الإرادة والتكوين سواء، وما لزمني لزمكم مثله، وجوابكم هو جوابي بعينه.
ولا يمتنع ذلك على أصول طائفة من الطوائف، فإن مَن قال مِن الفلاسفة: إن فعله قديم للمفعول المعّين، يقول: إن الحكمة قديمة، ومن قال
стр. 708
بحدوث أعيان الفعل ودوام نوعه يقول ذلك في الحكمة سواء، ومَن قال بحدوث نوع الفعل وقيامه بالربّ، قال ذلك في الحكمة أيضًا، كما يقوله الكَرّامية، ومَن قال بحدوث نوع الفعل وعدم قيامه بالربّ يقول ذلك في الحكمة أيضًا (١)، كما يقوله كثير من النظار، فلا يمتنع على أصل طائفة من الطوائف إثبات الحكمة في فعله سبحانه.
الجواب الثالث: قولك: «يفتقر كونه مُحْدِثًا لتلك العلّة إلى علة أخرى» ممنوع؛ فإن هذا إنما يلزم أن لو قيل: كل حادث فلا بدّ له من علّة، ونحن لا نقول هذا، بل نقول: يفعل لحكمة، ومعلوم أن المفعول لأجله مراد للفاعل محبوب له، والمراد المحبوب تارة يكون مرادًا لنفسه، وتارة يكون مرادًا لغيره، والمراد لغيره لابدّ أن ينتهي إلى المراد لنفسه قطعًا للتسلسل، وهذا كما نقول في خَلْقه بالأسباب: إنه يخلق كذا بسبب كذا، وكذا بسبب كذا، حتى ينتهي الأمر إلى أسباب لا سبب لها سوى مشيئة الربّ، فكذلك يخلق لحكمة، وتلك الحكمة لحكمة، حتى ينتهي الأمر إلى حكمة لا حكمة فوقها.
الجواب الرابع: أن النفاة يقولون: كل مخلوق فهو مراد لنفسه لا لغيره، وحينئذ فلا يمتنع أن يكون بعض المخلوقات مرادًا لغيره، وينتهي الأمر إلى مراد لنفسه، بل هذا أولى بالجواز من جَعْل كل مخلوق مرادًا لنفسه، وكذلك في الأمر يكون مرادًا لغيره حتى ينتهي إلى أمر مراد لنفسه، وكذلك المحبوبات، يكون المحبوب محبوبًا لغيره حتى ينتهي إلى محبوب لنفسه.
стр. 709
الجواب الخامس: أن يقال: غاية ما ذكرتم أنه يستلزم التسلسل، ولكن أي نوعي التسلسل هو اللازم، التسلسل الممتنع أو الجائز؟ فإن عنيتم الأول مُنِع اللزوم، وإن عنيتم الثاني مُنِع انتفاء اللازم؛ فإن التسلسل في الآثار المستقبلة ممكن، بل واجب، والتسلسل في الآثار الماضية فيه قولان للناس، والتسلسل في العلل والفاعلين محال باتفاق العقلاء، بأن يكون لهذا الفاعل فاعل قبله وكذلك إلى غير نهاية، وأما أن يكون الفاعل الواحد القديم الأبدي لم يزل يفعل ولا يزال، فهذا غير ممتنع.
إذا عُرِف هذا، فالحكمة التي لأجلها يفعل الفعل تكون حاصلة بعده، فإذا كان بعدها حكمة أخرى فغاية ذلك أن يلزم حوادث لا نهاية لها، وهذا جائز، بل واجب باتفاق المسلمين، ولم ينازع فيه إلا بعض أهل البدع من الجهمية والمعتزلة.
فإن قيل: فيلزم من هذا أن لا تحصل الغاية المطلوبة أبدًا.
قيل: بل اللازم أن لا تزال الغاية المطلوبة حاصلة دائمًا، وهذا أمر معقول في الشاهد، فإن الواحد من الناس يفعل الشيء لحكمة يحصل بها محبوبه، ثم يلزم من حصول ذلك المحبوب محبوب آخر يفعل لأجله وهلمّ جرَّا، حتى لو تُصوِّر دوامه أبدًا لكانت هذه حاله وكماله، فلم تزل محبوباته تحصل شيئًا بعد شيء، وهذا هو الكمال الذي لا ينبغي إلا لله سبحانه، فإنه لا تزال مراداته ومحابّه حاصلة على الوجه الذي يريده، مع غناه التام الكامل عن كل ما سواه، وفقر ما سواه إليه من جميع الوجوه، وهل الكمال إلا ذلك، وفواته هو النقص.
وهو سبحانه كتب على نفسه الرحمة والإحسان، فرحمته وإحسانه من
стр. 710
لوازم ذاته، فلا يكون إلا رحيمًا محسنًا، وهو سبحانه إنما أمر العباد بما يحبّه ويرضاه، وأراد لهم من إحسانه ورحمته ما يحبّه ويرضاه، لكن فَرْقٌ بين ما يريد هو سبحانه أن يخلقه ويفعله لما يحصل به من الحكمة التي يحبها، فهذا يفعله سبحانه ولا بدّ من وجوده، وبين ما يريد من العباد أن يفعلوه ويأمرهم بفعله ويحب أن يقع منهم، ولا يشاء خَلْقه وتكوينه، فَفَرْقٌ بين ما يريد خَلْقه وما يأمر به وقد لا يريد خَلْقه (١)، فإن الفرق بين ما يريد الفاعل أن يفعله، وما يريد من المأمور أن يفعله فرق واضح.
والله سبحانه له الخلق والأمر، فالخلق فعْله، والأمر قوله، ومتعلّقه فعل عباده، وهو سبحانه قد يأمر عبده ويريد من نفسه أن يعينه (٢) على فعل ما أمره به؛ لتحصل حِكَمُه (٣) ومحابّه من ذلك المأمور به، وقد يأمره ولا يريد من نفسه إعانته على فعل المأمور؛ لمَا له من الحكمة التامة في هذا الأمر وهذا الترك، يأمره لئلا يكون له عليه حجة، ولئلا يقول: ما جاءني من نذير، ولو أمرتني لبادرتُ إلى طاعتك، ولم يرد من نفسه إعانته؛ لأن محلّه غير قابل لهذه النعمة.
والحكمة التامة تقتضي أن لا توضع النعم عند غير أهلها، وأن لا تُمنَع من أهلها، قال تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح: ٢٦]، وقال: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]، وقال: ﴿(٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣].
стр. 711
ولا يقال: فهلّا سوّى بين خلقه في جَعْلهم كلهم أهلًا لذلك؛ فإن هذا بمنزلة أن يقال: هلّا سوّى بين صورهم وأشكالهم وأعمارهم وأرزاقهم ومعاشهم، وهذا وإن كان ممكنًا؛ فالذي وقع من التفاوت بينهم هو مقتضى حكمته البالغة، وملكه التام وربوبيته، فاقتضت حكمته أنْ سوّى بينهم في الأمر، وفاوت بينهم في الإعانة عليه، كما فاوت بينهم في العلوم والقُدَرِ والغنى والحُسْن والفصاحة وغير ذلك.
والتخصيصات الواقعة في ملكه لا تناقض حكمته، بل هي من أدلّ شيء على كمال حكمته، ولولاها لم يُعرف فضلُه ومَنّه.
قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات: ٧ - ٨]، عليم بمن يصلح لهذه النعمة، حكيم في وضعها عند أهلها، ومنعها غير أهلها.
وقال تعالى: ﴿آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾ [الحديد: ٢٨ - ٢٩]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهْوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٢ - ٤]، وقال تعالى: ﴿(٥٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ
стр. 712
يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ [المائدة: ٥٤]، وقالت الرسل لقومهم: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ الآية [الزخرف: ٣١ - ٣٢].
وفي حديث «مَثَل المسلمين واليهود والنصارى»، قال تعالى لأهل الكتاب: «هل ظلمتكم من حقكم من شيء؟ قالوا: لا. قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء» (١).
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠]، أي يعلم أين يضع فضله، ومن يصلح له ممن لا يصلح، فلا يمنعه أهله، ولا يضعه عند غير أهله.
وهذا كثير في القرآن، يذكر أن تخصيصه هو فضله ورحمته، فلو ساوى بين الخلائق لم يُعرف قدر فضله ونعمته ورحمته.
فهذا بعض ما في تخصيصه من الحكمة.
وفي «الزهد» للإمام أحمد: أن موسى ﵇ قال: «يا رب، هلّا سوّيت بين عبادك؟ قال: إني أحببتُ أن أُشْكَر» (٢).
стр. 713
فمواضع التخصيص (١) ومواقع (٢) الفضل هي التي يقدح بها نفاة الحكمة فيها، وهي من أدل شيء على كمال حكمته سبحانه، ووَضْعه للفضل مواضعه، وجَعْله عند أهله الذين هم أحق به، وأولى من غيرهم، وهو الذي جعلهم كذلك بحكمته وعلمه وعزته وملكه، فتبارك الله رب العالمين وأحكم الحاكمين.
ولا يجب بل لا يمكن المشاركة في حكمته، بل ما حصل للخلائق كلهم من العلم بها كنقرة عصفور من البحر المحيط، وأي نقص في دوام حكمته شيئًا بعد شيء، كما تدوم إرادته وكلامه وأفعاله وإحسانه وجوده وإنعامه، وهل الكمال إلا في هذا التسلسل، فماذا نَفَّرَ النفاة منه! أنفَّرَهم أن يقال: لَمْ يزل ولا يزال حيًّا، عليمًا، قديرًا، حكيمًا، متكلمًا، محسنًا، جوادًا، ملكًا، موصوفًا بكل كمال، غنيًا عن كلّ ما سواه، لا تنفد كلماته، ولا تتناهى حكمته، ولا تعجز قدرته، ولا يبيد ملكه، ولا تنقطع إرادته ومشيئته، بل لم يزل ولا يزال له الخلق والأمر، والحكمة والحكم، وهل النقص إلا سلب ذلك عنه، والله الموفق بفضله وإعانته.
الجواب السادس: أن الرب ﵎ إذا خلق شيئًا فلا بُدَّ من وجود لوازمه، ولا بدَّ من عدم أضداده، فوجود الملزوم بدون لازمه محال، ووجود الضد مع ضده ممتنع، والمحال الممتنع ليس بشيء، ولا يتصور العقل وجوده في الخارج، وإذا كان هذا التسلسل الجائز من لوازم خلقه وحكمته لم يكن في القول به محذور، بل كان المحذور في نفيه.
стр. 714
توضيحه الجواب السابع: أنه لم يقم دليل عقلي ولا سمعي على امتناع دوام أفعال الرب في الماضي والمستقبل أصلًا، وكل أدلة النفاة من أولها إلى آخرها باطلة، وقد كفى مؤنة إبطالها الرازي والآمدي في أكثر كتبهما وغيرهما.
وأما إثبات الحكمة فقد قام على صحته العقل والسمع والفطرة وسائر أنواع الأدلة كما تقدمت الإشارة إلى بعض ذلك، فكيف يُقدح في هذا المعلوم الصحيح بذلك النفي الذي لم يقم على صحته دليل صحيح البتَّة!
الجواب الثامن: أن التسلسل إما أن يكون ممكنًا أو ممتنعًا، فإن كان ممكنًا بطل استدلالكم، وإن كان ممتنعًا أمكن أن يقال في دفعه: تنتهي المرادات إلى مراد لنفسه لا لغيره، وينقطع التسلسل.
الجواب التاسع: أن يقال: ما المانع أن تكون الفاعلية مُعلَّلة بعلة قديمة؟ قولكم: يلزم من قدمها قدم المعلول؛ ينتقض عليكم بالإرادة فإنها قديمة، ولم يلزم من قدمها قدم المراد.
فإن قلتم: الإرادة القديمة تعلقت بالمراد الحادث في وقت حدوثه، واقتضت وجوده حينئذ؛ فهلا قلتم: إن الحكمة القديمة تعلقت بالمراد وقت حدوثه، كما قلتم في الإرادة.
فإن قلتم: شأن الإرادة التخصيص، قيل لكم: وكذلك الحكمة شأنها تخصيص الشيء بزمانه ومكانه وصفته، فالتخصيص مصدره الحكمة والإرادة والعلم والقدرة، فإن لزم من قدم الحكمة قدم الفعل، لزم من قدم الإرادة قدمه، وإن لم يلزم ذاك لم يلزم هذا.
стр. 715
الجواب العاشر: أن يقال: لو لم يكن فعله لحكمة وغاية مطلوبة لم يكن مريدًا؛ فإن المريد لا يُعقَل كونه مريدًا إلا إذا كان يريد لغرض وحكمة، فإذا انتفت الحكمة والغرض انتفت الإرادة، ويلزم من انتفاء الإرادة أن يكون موجِبًا بالذات، وهو علة تامة في الأزل لمعلوله، فيلزم أن يقارنه جميع معلوله ولا يتأخر، فيلزم من ذلك قدم الحوادث المشهودة، وإنما لزم ذلك من انتفاء الحكمة والغرض المستلزم لنفي الإرادة، المستلزم للإيجاب الذاتي، المستلزم لقدم الحوادث، وتقرير هذا وبسطه في غير هذا الموضع.
فصل
قال نفاة الحكمة: جميع الأغراض يرجع حاصلها إلى شيئين: تحصيل اللذة والسرور، ودفع الألم والحزن والغم، والله سبحانه قادر على تحصيل هذين المطلوبين ابتداءً من غير شيء من الوسائط، ومَن كان قادرًا على تحصيل المطلوب ابتداءً بغير واسطة كان توسُّله إلى تحصيله بالوسائط عبثًا، وهو على الله محال.
قال أصحاب الحكمة: عن هذه الشبهة أجوبة:
الجواب الأول: أن يقال: لا ريب أن الله على كل شيء قدير، لكن لا يلزم إذا كان الشيء مقدورًا ممكنًا أن تكون الحكمة المطلوبة بوجوده يمكن تحصيلها مع عدمه؛ فالموقوف على الشيء يمتنع حصوله بدونه، كما يمتنع حصول الابن بكونه ابنًا بدون الأب، فإن وجود الملزوم بدون لازمه محال، والجمع بين الضدين محال.
ولا يقال: فيلزم العجز؛ لأن المحال ليس بشيء، فلا تتعلق به القدرة، والله على كل شيء قدير، فلا يَخرج ممكنٌ عن قدرته البتّة.
стр. 716
الجواب الثاني: أن دعوى كون توسّط أحد الأمرين إذا كان شرطًا في الآخر أو سببًا له عبث= دعوى كاذبة باطلة؛ فإنّ العبث هو الذي لا فائدة فيه، وأما توسّط الشرط أو السبب أو المادة التي يُحدِثُ فيها ما يُحدِثُه فليس بعبث.
يوضحه الجواب الثالث: أن حصول الأعراض والصفات التي يُحدِثُها الله سبحانه في موادّها مشروط بحصول تلك المواد، ولا يُتصوَّر وجودها بدونها، فتوسّطها أمر ضروري لابدّ منه، فنقلب عليكم دليلكم، ونقول: هل يقدر سبحانه على إيجاد تلك الحوادث بدون توسّط موادّها الحاملة لها أو لا يمكن؟
فإن قلتم: يمكن ذلك، كان توسّطها عبثًا، وإن قلتم: لا يقدر، كان تعجيزًا.
فإن قلتم: هذا فرض مستحيل، والمحال ليس بشيء.
قيل: صدقتم، وهذا جوابكم بعينه؛ فإن الموقوف على الشيء يمتنع حصوله بدونه، فلا يكون توسّطه عبثًا.
الجواب الرابع: أن يقال: إذا كان في خلق تلك الوسائط حِكَم أخرى تحصل بخلقها للفاعل، وفي خلقها مصالح ومنافع لتلك الوسائط= لم يكن توسّطها عبثًا، ولم تكن الحكمة الحاصلة بوجودها مساوية للحكمة الحاصلة (١) بعدمها.
стр. 717
كما أنه سبحانه إذا جعل رزق بعض خلقه في التجارات مثلًا، فاقتضى ذلك أن يجلبوا البضائع إلى مَن يحتاج إليها، فينتفع هؤلاء بالبضائع وهؤلاء بالثمن= كان في ذلك مصلحة هؤلاء وهؤلاء.
وإذا تأملت الوجود رأيته قائمًا بذلك شاهدًا به على منكري الحكمة، فكم لله سبحانه في إحداث تلك الوسائط من حِكَم ومصالح ومنافع للعباد، لو بطلت تلك الوسائط لفاتت تلك الحِكَم والمصالح.
الجواب الخامس: قولك: «يلزم العبث وهو على الله محال»، فيقال: إن كان العبث عليه محالًا لزم أن لا يفعل ولا يأمر إلا لمصلحة وحكمة، فبطل قولك بقولك، وإن لم يكن العبث عليه محالًا بطلت هذه الحجة، فيتحقق بطلانها على التقديرين.
الجواب السادس: أن يقال: ما المانع أن يفعل سبحانه أشياء معلَّلة، وأشياء غير معلَّلة، بل مرادة لذاتها؟
وإذا جاز هذا جاز أن يقال: إن هذه الوسائط غير معلَّلة، ولا يمكنك نفي هذا القسم إلا بأن تقول: إن شيئًا من أفعاله غير معلَّل البتّة، وأنت إنما نفيت هذا بلزوم العبث في توسّط تلك الأمور، ولا يلزم من انتفاء التعليل في بعض الأفعال انتفاؤه في الجميع؛ فإنه لا يجب أن يكون كل شيء لعلة، فأنت نفيت جواز التعليل.
وغاية هذه الحجة ــ لو صحّت ــ أن تدل على أنه لا يجب في كل شيء أن يكون لعلة، فلمْ يلتقِ الحكم والدليل، وهذا كما يقول الفقهاء ــ مع قولهم بالتعليل ــ: إن من الأحكام ما هو تعبُّد غير معلَّل، فهلّا قلت في الخلق كقولهم في الأمر، وهذا إنما هو بطريق الإلزام، وإلا فالحق أن جميع أفعاله
стр. 718
وشرعه لها حِكَم وغايات لأجلها فَعَل وشَرَع، وإن لم يَعْلمها الخلق على التفصيل، فلا يلزم من عدم علمهم بها انتفاؤها في نفسها.
الجواب السابع (١): أن يقال: غاية هذه الشبهة أن يكون سبحانه قادرًا على تحصيل تلك الحِكَم بدون تلك الوسائط، كما هو قادر على تحصيلها بها، وإذا كان الأمران مقدوران له لم يكن العدول عن أحد المقدورَيْن إلى الآخر عبثًا، إلا إذا كان المقدور الآخر مساويًا لهذا من كل وجه.
ولا يمكن عاقلًا أن يقول: إن تعطيل تلك الوسائط وعدمها مساوٍ من كل وجه لوجودها. وهذا من أعظم البهت وأبطل الباطل، وهو يتضمن القدح في الحسّ والعقل والشرع، كما هو قدح في الحكمة؛ فإنّ مَنْ جعل وجود الرسل وعدمهم سواء، ووجود الشمس والقمر والنجوم والمطر والنبات والحيوان وعدمه سواء، ووجود هذه الوسائط جميعها وعدمها سواء= فلم يدع للمكابرة موضعًا.
الجواب الثامن: قولك: «جميع الأغراض يرجع حاصلها إلى شيئين: تحصيل اللذة، ودفع الهم والحزن»، أتريد به الغرض الذي يفعل لأجله الحيوان، أو الحكمة التي يفعل الله سبحانه لأجلها، أم تريد به ما هو أعم من ذلك؟
فإن أردت الأول لم يفدك شيئًا، وإن أردت الثاني أو الثالث كانت دعوى مجردة لا برهان عليها؛ فإن حكمة الربّ تعالى فوق تحصيل اللذة ودفع الغم والحزن، فإنه يتعالى عن ذلك، بل ليس كمثل حكمته شيء.
стр. 719
كما أنه موصوف بالإرادة وليست كإرادة الحيوان؛ فإن الحيوان يريد ما يريده ليجلب له به منفعة أو يدفع به عنه مضرة، وكذلك غضبه سبحانه ليس مشابهًا لغضب خلقه؛ فإن غضب المخلوق هو غليان دم قلبه طلبًا للانتقام، والله يتعالى عن ذلك، وكذلك سائر صفاته.
فكما أنه ليس كمثله شيء في إرادته ورضاه وغضبه ورحمته وسائر صفاته؛ فهكذا حكمته سبحانه لا تماثل حكمة المخلوق، بل هي أجلّ وأعلى من أن يقال: إنها تحصيل لذة أو دفع حزن، فالمخلوق لنقصه يحتاج أن يفعل ذلك؛ لأن مصالحه لا تتم إلا به، والله سبحانه غني بذاته عن كل ما سواه، لا يستفيد من خلقه كمالًا، بل خلقه يستفيدون كمالهم منه.
الجواب التاسع: أن يقال: قد دلّ الوحي مع العقل على أنه سبحانه يحب ويبغض.
أما الوحي فالقرآن مملوء من ذلك، وأما العقل فما نشاهد في العالم من إكرام أوليائه وأهل طاعته، وإهانة أعدائه وأهل معصيته؛ شاهد لمحبته لهؤلاء ورضاه عنهم، وبغضه لهؤلاء وسخطه عليهم.
ومعلوم قطعًا أن من يحب ويبغض أكمل محبة وبغضًا، وهو قادر على تحصيل محابه، فإن حكمته فيما يفعله ويتركه أتم حكمة وأكملها، فهو يفعل ما يفعله لأنه يوصل إلى محابه، ويترك ما يتركه لأنه لا يحبه، وإذا فعل ما يكرهه لم يفعله إلا لإفضائه إلى ما يحب، وإن كان مكروهًا في نفسه.
فإن أردت باللذة والسرور والهم والحزن: الحبَّ والبغضَ فالربُّ تعالى يحب ويبغض، ولا يُطلَق عليه لذة ولا غم ولا حزن، تعالى الله عن ذلك.
стр. 720
وإن أردت حقائق تلك الألفاظ لم يلزم من كونه يفعل لحكمة أن يتصف بذلك.
الجواب العاشر: أنه سبحانه إذا كان قادرًا على تحصيل ذلك بدون الوسائط، وهو قادر على تحصيله بها= كان فعْل النوعين أكمل وأبلغ في القدرة، وأعظم في ملكه وربوبيته من كونه لا يفعل إلا أحد النوعين.
والربّ تعالى تتنوّع أفعاله لكمال قدرته وحكمته وربوبيته، فهو سبحانه قادر على تحصيل تلك الحكمة بواسطة إحداث مخلوق منفصل، وبدون إحداثه، بل بما يقوم به من أفعاله اللازمة وكلماته وثنائه على نفسه وحمده لنفسه، فمحبوبه يحصل بهذا وهذا، وذلك أكمل ممن لا يحصل محبوبه إلا بأحد النوعين.
الجواب الحادي عشر: أن الربّ سبحانه كامل في أوصافه وأسمائه وأفعاله، فلا بدّ من ظهور آثارها في العالم، فإنه محسن ويستحيل وجود الإحسان بدون من يحسن إليه، ورازق فلابدّ من وجود من يرزقه، وغفّار وحليم، وجواد وبَرّ، ولطيف بعباده، ومنّان ووهّاب، وقابض وباسط، وخافض ورافع، ومعزّ ومذلّ، وهذه الأسماء والصفات تقتضي متعلقات تتعلق بها، وآثارًا تتحقق بها، فلم يكن بدّ من وجود متعلقاتها، وإلا تعطلت تلك الأوصاف، وبطلت تلك الأسماء.
فتوسّط تلك الآثار لابدّ منه في تحقّق معاني تلك الأسماء والصفات، فكيف يقال: إنه عبث لا فائدة فيه؟! وبالله التوفيق.
فصل
قال نفاة الحكمة: لو وجب أن يكون خلْقه وأمره معلَّلًا بحكمة وغرض
стр. 721
لكان خلْقُ الله العالَمَ في وقت معين دون ما قبله ودون ما بعده معلّلًا برعاية غرض ومصلحة، ثم ذلك الغرض والمصلحة إما أن يقال: كان حاصلًا قبل ذلك الوقت، أو لم يكن حاصلًا قبله.
فإن كان ما لأجله أوجد الله العالم في ذلك الوقت حاصلًا قبل أن أوجده؛ فيلزم أن يقال: إنه كان موجِدًا له قبل أن لم يكن موجِدًا له، وذلك محال.
وإن قلنا: إن ذلك الغرض والمصلحة لم يكن حاصلًا قبل ذلك الوقت، وإنما حدث في ذلك الوقت، فنقول: حصول ذلك الغرض في ذلك الوقت إما أن يكون مفتقرًا إلى المحدِث أو لا يفتقر، فإن لم يفتقر فقد حدث الشيء لا عن موجِد ومحدِث، وهو محال، وإن افتقر إلى محدِث: فإن افتقر تخصيص إحداث ذلك الغرض بذلك الوقت إلى غرض آخر؛ عاد التقسيم الأول فيه، ولزم التسلسل، وإن لم يفتقر إلى رعاية غرض آخر؛ فحينئذ تكون موجِديّة الله سبحانه وخالقيّته غنية عن الأغراض والمصالح، وهذا هو المطلوب.
قالوا: وهذه الحجة كما أنها (١) قائمة في اختصاص العالم بذلك الوقت المعين فهي قائمة في اختصاص كل حادث من الحوادث بوقته المعين.
وملخصها: أنّ إحداث الحادث في وقته إن كان لغرض: فإن كان ذلك الغرض حاصلًا قبله لزم حدوثه قبل حدوثه، وإلا افتقر إلى الإحداث، فإحداثه إن كان لغرض يتسلسل، وإلا ثبت المطلوب.
قال أهل الحكمة: هذه الحجة بعينها مذكورة في ضمن الحجة الثانية
стр. 722
التي تقدمت، وكأنكم يعجبكم التشبّع (١) بكثرة الباطل، وجميع ما أجبناكم به هناك فهو الجواب ههنا بعينه.
فغاية هذا أنه تسلسل في الآثار لا في المؤثِّرات، وتسلسل في الحوادث المستقبَلَة، وذلك جائز، بل واجب باتفاق المسلمين سوى قول الجهم (٢) والعلّاف، وغاية الأمر أن يكون في الحوادث ما يراد لنفسه، وفيها ما يراد لغيره، والحكمة المطلوبة لنفسها لا تفتقر إلى أخرى تراد لأجلها.
وإن هذا الدليل لو صحت مقدماته ــ وهيهات ــ فإنما يدل على أن أفعاله تعالى لا يجب تعليلها، ولا يلزم من ذلك أن لا يجوز تعليلها، فنفي الوجوب شيء، ونفي الجواز شيء. فهب أنّا سلّمنا الأول، فأين دليل الثاني؟ وغايتها أنها تدل على عدم تعليل بعض الحوادث، لا على عدم تعليل جميعها.
وبالجملة فما تقدم هناك مُغْنٍ لنا عن الإطالة في الأجوبة.
وسر المسألة أن دوام فاعلية الربّ تعالى تُبْطِل هذه الشبهة من أصلها، وقد اتفق المسلمون على دوام فاعليته في المستقبل، والسلف على دوامها في الماضي، وإنما خالف في ذلك كثير من أهل الكلام.
فصل
قال نفاة الحكمة: قد قام الدليل على أنه سبحانه خالق كل شيء، فأي
стр. 723
حكمة أو مصلحة في خلق الكفر والفسوق والعصيان؟
وأي حكمة في خلق مَنْ علم أنه يكفر ويفسق ويظلم، ويفسد الدنيا والدين؟
وأي حكمة في خلق كثير من الجمادات التي وجودها وعدمها سواء؟ وكذلك كثير من الأشجار والنبات والمعادن المعطلة، والحيوانات المهملة، بل العادية المؤذية؟
وأي (١) حكمة في خلق السموم والأشياء المضرة؟
وأي حكمة في خلق إبليس والشياطين، وإن كان في خلقهم حكمة فأي حكمة في إبقائه إلى آخر الدهر، وإماتة (٢) الرسل والأنبياء؟
وأي حكمة في إخراج آدم وحواء من الجنة، وتعريض الذرية لهذا البلاء العظيم، وقد أمكن أن يكونوا في أعظم العافية؟
وأي حكمة في إيلام الحيوانات، وإن كان في إيلام المكلَّفين منها حكمة، فما الحكمة في إيلام غير المكلَّف، كالبهائم والأطفال والمجانين؟
وأي حكمة له في خلقه خلقًا يعذبهم بأنواع العذاب الدائم الذي لا ينقطع؟
وأي حكمة في تسليط أعدائه على أوليائه يسومونهم سوء العذاب: قتلًا وأسْرًا وعقوبة واستعبادًا؟
стр. 724
وأي حكمة في تكليف الثقلين، وتعريضهما بالتكليف لأنواع المشاق والعذاب؟
قالوا: ونحن والعقلاء نعلم علمًا ضروريًا أن خلود أهل النار فيها فِعْلٌ لله، ونعلم ضرورة أنه لا فائدة في ذلك تعود إليه، ولا إلى المعذَّبين، ولا إلى غيرهم.
قالوا: ويكفينا في ذلك مناظرة الأشعري لابن هاشم الجبائي (١) حين سأله عن ثلاثة إخوة: مات أحدهم مسلمًا قبل البلوغ، وبلغ الآخران، فمات أحدهما مسلمًا، والآخر كافرًا، فاجتمعوا عند رب العالمين، فبلغ المسلم البالغ الرتبة العلية بعمله وإسلامه.
فقال أخوه: يا ربّ، هلّا رفعتني إلى منزلة أخي المسلم.
فقال: إنه عمل أعمالًا لم تعملها.
فقال: يا رب، فهلّا أحييتني حتى أعمل مثل عمله.
قال: علمتُ أن موتك صغيرًا خير لك؛ إذ لو بلغتَ لكفرت.
فصاح الأخ الثالث من أطباق الجحيم، وقال: يا ربّ، فهلّا أمتني صغيرًا قبل البلوغ كما فعلت بأخي.
فما جوابه؟
стр. 725
قال: فانقطع الشيخ، ولم يذكر جوابًا (١).
قال نفاة الحكمة: وهذا قاطع في المسألة لا غبار عليه، وقد قال تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت: ٢١]، وقال: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، وقال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، فردَّ الأمر إلى محض مشيئته، وأخبر أن صدور الأشياء كلها عنها.
وقالوا: وأصل ضلال الخلق هو طلب تعليل أفعال الربّ، كما قال شيخ الإسلام في «تائيته»:
وأصل ضلال الخلق من كل فرقةٍ ... هو الخوض في فعل الإله بعلّةِ (٢)
فإنهم لما طلبوا علّة أفعاله فأعجزهم العلم بها افترقوا بعد ذلك، فطائفة (٣) ردت الأمر إلى الطبيعة والأفلاك، وطائفة التزمت مكابرة الحس (٤) والعقل، وقالوا: إن خلود أهل النار في النار أنفع لهم وأصلح من كونهم في الجنة، وإن إبقاء إبليس يغوي الخلق ويضلهم أنفع لهم من إماتته، وإن إماتة الأنبياء أصلح للأمم من إبقائهم بينهم، وإن تعذيب الأطفال خير لهم من رحمتهم!
стр. 726
إلى غير ذلك من المحالات التي قادهم إليها الخوض في تعليل أفعال من لا يُسأل عما يفعل.
فلذلك قلنا: إن الصواب القول بعدم التعليل، وتخلصنا من الحبائل والأشراك التي وقعتم فيها.
قال أهل الحكمة: ليست هذه الأسئلة والاعتراضات التي قدحتم بها في حكمة أحكم الحاكمين بأقوى من الأسئلة والاعتراضات التي قدح بها أهل الإلحاد في وجوده سبحانه، وقد أقاموا أربعين شبهة تنفي وجوده. وكذلك اعتراضات المكذبين لرسله، وقد حكيتم أنتم عنهم ثمانين اعتراضًا. وكذلك الاعتراضات التي قدح بها المعطلة في إثبات صفات كماله، قد علمتم شأنها وكثرتها. وكذلك الاعتراضات التي نفي بها الجهمية علوّه على خلقه، واستواءه على عرشه، وتكلّمه بكتبه وتكليمه لعباده. ولقد علمتم الاعتراضات التي اعترض بها أهل الفلسفة على كونه خالقًا للعالَم في ستة أيام، وعلى كونه يقيم الناس من قبورهم ويبعثهم إلى دار السعادة والشقاء، ويبدّل هذا العالم ويأتي بغيره. واعتراضات هؤلاء وأسئلتهم أضعاف اعتراضات نفاة حكمته وغايات أفعاله المقصودة، وكذلك اعتراضات نفاة القدر وأسئلتهم إلى غير ذلك.
وقد اقتضت حكمةُ أحكم الحاكمين أن أقام في هذا العالم لكل حق جاحدًا، ولكل صواب معاندًا، كما أقام لكل نعمة حاسدًا، ولكل شر رائدًا، وهذا من تمام حكمته الباهرة، وقدرته القاهرة؛ ليتم عليهم كلمته، وينفذ فيهم مشيئته، ويُظهر فيهم حكمته، ويقضي بينهم بحكمه، ويفاضل بينهم بعلمه، ويُظهر فيهم آثارَ صفاته العليا وأسمائه الحسنى، ويتبين لأوليائه وأعدائه يوم
стр. 727
لقائه أنه لم يُخِلّ بحكمة، ولم يخلق خلقه عبثًا، ولا تركهم سُدى، وأنه لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلًا، وأن له الحمد التام الكامل على جميع ما خلقه وقدره وقضاه، وعلى ما أمر به ونهى عنه، وعلى ثوابه وعقابه، وأنه لم يضع من ذلك شيئًا إلا في محلّه الذي لا يليق به سواه.
قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا﴾ [النحل: ٣٨ - ٣٩].
وإذا تبين ذلك لأهل الموقف، ونفذ فيهم قضاؤه الفصل، وحكمه العدل؛ نطق الكونُ أجمعُه بحمده، كما قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾ [الزمر: ٧٥].
وجواب هذه الأسئلة من وجوه:
أحدها: أن الحكمة إنما تتعلّق بالحدوث والوجود، والكفر والشرور وأنواع المعاصي راجعة إلى مخالفة نهي الله ورسوله، وترْك ما أمر به، وليس ذلك من متعلَّق الإيجاد في شيء، ونحن إنما التزمنا أن ما فعله الله وأوجده فله فيه حكمة وغاية مطلوبة، وأما ما تركه سبحانه ولم يفعله فإنه وإن كان إنما تركه لحكمة في ذلك فلم يدخل في كلامنا، فلا يرد علينا.
وقد قدمنا: أن الشر ليس إليه بوجه؛ فإنه عدَم الخير وأسبابه، والعدَم ليس بشيء كاسمه.
فإذا قلنا: إن أفعال الرب تعالى واقعة لحكمة وغاية محمودة؛ لم يرد علينا ترْكه.
стр. 728
يوضحه الجواب الثاني: وهو أنه سبحانه قد يترك ما لو خلقه لكان في خلقه له حكمة، فيتركه لعدم محبته لوجوده، أو لكون وجوده يضاد ما هو أحب إليه، أو لاستلزام وجوده فواتَ محبوب له آخر، وعلى هذا فتكون حكمته في عدم خلقه أرجح من حكمته في خلقه، والجمع بين الضدين مستحيل، فيرجِّح سبحانه أعلى الحكمتين بتفويت أدناهما، وهذا غاية الحكمة، فخلْقه وأمْره مبني على تحصيل المصالح الخالصة أو الراجحة بتفويت المرجوحة التي لا يمكن الجمع بينها وبين تلك الراجحة، وعلى دفع المفاسد الخالصة أو الراجحة وإن وُجِدت المفاسد المرجوحة التي لا يمكن الجمع بين عدمها وعدم تلك الراجحة، وخلاف هذا هو خلاف الصواب والحكمة.
الجواب الثالث: أن يقال: غاية ذلك انتفاء الحكمة في هذا النوع من المقدورات، أفيلزم من ذلك انتفاؤها في جميع خلقه وحكمه؟
فهب أن هذا النوع لا حكمة فيه، فمن أين يستلزم ذلك نفي الحكمة والغرض في كل شيء؟ كيف وفيه من الحِكَم والغايات المحمودة ما هو معلوم لأهل البصائر الراسخين في العلم، كما سننبه على اليسير منه إن شاء الله.
الجواب الرابع: أنّا لم نَدّعِ حكمة يجب أو يمكن اطّلاع الخلق على تفاصيلها؛ فإن حكمة الله أعظم وأجل من ذلك، فما المانع من اشتمال ما ذكرتم من الصور وغيرها على حِكَم جمّة ينفرد الله بعلمها، كما قال لملائكته وقد سألوه عن ذلك: ﴿إِنِّيَ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، فمن يقول بلزوم الحكمة لأفعاله وأحكامه مطلقًا لا يوجب مشاركة خلقه له في العلم بها.
стр. 729
الجواب الخامس: أن الله سبحانه ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فله في جميع ما ذكرتم وغيره حكمة ليست من جنس الحكمة التي للمخلوقين، كما أن فعله ليس مماثلًا لفعلهم، ولا قدرته وإرادته ومشيئته ومحبته ورضاه وغضبه مماثلًا لصفات المخلوقين.
الجواب السادس: أن الحكمة تابعة للعلم والقدرة، فمن كان أعلم وأقدر كانت أفعاله أحكم وأكمل، والربُّ تعالى منفرد بكمال العلم والقدرة، فحكمته بحسب علمه وقدرته، كما تقدم تقريره، فحكمته متعلقة بكل ما تعلق به علمه وقدرته.
الجواب السابع: أن الأدلة القاطعة قد قامت على أنه حكيم في أفعاله وأحكامه، فيجب القول بموجِبها، وعدم العلم بحكمته في الصور المذكورة لا يكون مسوّغًا لمخالفة تلك الأدلة القاطعة، لاسيما وعدم العلم بالشيء لا يستلزم العلم بعدمه.
الجواب الثامن: أن كماله المقدس يمنع خلو هذه الصور ــ التي نقضتم بها ــ عن الحكمة، وكماله أيضًا يأبى اطّلاع خلقه على جميع حكمته، فحكمته تمنع اطّلاع خلقه على جميع حكمته، بل الواحد منا لو أَطْلع غيرَه على جميع شأنه وأمْره عُدّ سفيهًا جاهلًا، وشأن الربّ تعالى أعظم من أن يُطْلِع كل واحد من خلقه على تفاصيل حكمته.
الجواب التاسع: أنكم إما أن تعترفوا بأن له حكمة في شيء من خلقه وأمره، أو تنكروا أن يكون له في شيء من خلقه وأمره حكمة، فإن أنكرتم ذلك ــ وما هو من الظالمين ببعيد ــ كذّبتم جميع كتب الله ورسله والعقل والفطرة والحس، وكذّبتم عقولكم قبل تكذيب العقلاء لكم؛ فإنّ جَحْد
стр. 730
حكمة الله الباهرة في خلقه وأمره بمنزلة جَحْد الشمس والقمر والليل والنهار، وغير مستنكر لكثير من طوائف أهل الكلام المكابرة في جَحْد الضروريات.
وإن أقررتم بحكمته في بعض خلقه وأمره قيل لكم: فأي الأمرين (١) أولى به: وجود تلك الحكمة أم عدمها؟
فإن قلتم: عدمها أولى من وجودها؛ كان هذا غاية الكذب والبهت والمحال.
وإن قلتم: وجودها أكمل؛ قيل: فهل هو قادر على تحصيلها في جميع خلقه وأحكامه، أم غير قادر؟
فإن قلتم: غير قادر؛ جئتم بالعظيمة في العقل والدين، وانسلختم من عقولكم وأديانكم.
وإن قلتم: بل هو قادر على ذلك؛ قيل: فإذا كان قادرًا على شيء وهو كمال في نفسه، ووجوده خير من عدمه، وهو أولى به= فكيف يجوز نفيه عنه؟
فإن قلتم: إنما نفيناه لأنا لم نطلع على حقيقته؛ قيل: صدقتم، هذا والله شأنكم في جميع ما تنفونه عن الله، إنما مستندكم في نفيه عدم الاطلاع على حقيقته، ولم تكتفوا بقبول قول الرسل، فصرتم إلى النفي.
الجواب العاشر: أن العقلاء قاطبة متفقون على أن الفاعل منهم إذا فعل
стр. 731
أفعالًا ظهرت فيها حكمته، ووقعت على أتم الوجوه وأوفقها للمصالح المقصودة بها، ثم رأوا أفعاله قد تكرّرت كذلك، ثم جاءهم من أفعاله ما لا يعلمون وجه حكمته فيه= لم يسعهم غير التسليم لِمَا عرفوا من حكمته، واستقرَّ في عقولهم منها، وردّوا متشابه ما جهلوه إلى مُحكَم ما علموه.
هكذا نجد أرباب كل صناعة مع أستاذهم، حتى إن النفاة يسلكون هذا المسلك بعينه مع أئمتهم وشيوخهم، فإذا جاءهم إشكالٌ على قواعد أئمتهم ومذاهبهم، قالوا: هم أعلم منا، وهم فوقنا في كل علم ومعرفة وحكمة، ونحن معهم كالصبي مع معلمه وأستاذه.
فهلّا سلكوا هذا السبيل مع ربهم وخالقهم الذي بهرت حكمته العقول، وكان نسبتها إلى حكمته أقل (١) من نسبة عين الخُفّاش إلى جرم الشمس.
ولو أنّ العالِم الفاضل المبرَّز في علوم كثيرة اعترض على من لم يشاركه في صنعته، ولا هو من أهلها، وقدح في أوضاعها= لخرج (٢) عن موجِب العقل والعلم، وعُدّ ذلك منه نقص وسفه، فكيف بأحكم الحاكمين، وأعلم العالمين، وأقدر القادرين؟!
الجواب الحادي عشر: أن الحكمة إنما تتم بخلْق المتضادّات والمتقابلات، كالليل والنهار، والعلو والسفل، والطيّب والخبيث، والخفيف والثقيل، والحلو والمر، والحرّ والبرد، والألم واللذة، والحياة والموت، والداء والدواء، فخلْق هذه المتقابلات هو محل ظهور الحكمة الباهرة، كما
стр. 732
هو محل ظهور القدرة القاهرة، والمشيئة النافذة، والملك الكامل التام.
فتوهُّم تعطيل خلْق هذه المتضادّات تعطيل لمقتضيات تلك الصفات وأحكامها وآثارها، وذلك عين المحال؛ فإن لكل صفة من الصفات العليا حُكمًا ومقتضى وأثرًا هو مظهر كمالها، وإن كانت كاملة في نفسها، لكن ظهور آثارها وأحكامها من كمالها، فلا يجوز تعطيله؛ فإن صفة القادر تستدعي مقدورًا، وصفة الخالق تستدعي مخلوقًا، وصفة الوهّاب، الرازق، المعطي، المانع، الضار، النافع، المقدِّم، المؤخِّر، المعزّ، المذلّ، العفو، الرؤوف= تستدعي آثارها وأحكامها.
فلو عُطِّلتْ تلك الصفات عن المخلوق المرزوق، المغفور له، المرحوم، المعفو عنه؛ لم يظهر كمالها، وكانت معطَّلة عن مقتضياتها وموجَباتها، فلو كان الخلق كلهم مطيعون عابدون حامدون لتعطل أثر كثير من الصفات العُلى والأسماء الحسنى.
وكيف كان يظهر أثر صفة العفو، والمغفرة، والصفح، والتجاوز، والانتقام، والعز، والقهر، والعدل، والحكمة التي تنزل الأشياء منازلها، وتضعها مواضعها؟
فلو كان الخلق كلهم أمة واحدة لفاتت الحِكَم والآيات، والعبر والغايات المحمودة في خلقهم على هذا الوجه، وفات كمال المُلْك والتصرف؛ فإن المَلِك إذا اقتصر تصرّفه على مقدور واحد من مقدوراته: فإما أن يكون عاجزًا عن غيره؛ فيتركه عجزًا، أو جاهلًا بما في تصرفه في غيره من المصلحة؛ فيتركه جهلًا، وأما أقدر القادرين، وأعلم العالمين، وأحكم الحاكمين؛ فتصرفه في مملكته لا يقف على مقدور واحد؛ لأن ذلك نقص في ملكه.
стр. 733
فالكمال كل الكمال في العطاء والمنع، والخفض والرفع، والثواب والعقاب، والإكرام والإهانة، والإعزاز والإذلال، والتقديم والتأخير، والضر والنفع، وتخصيص هذا على هذا، وإيثار هذا على هذا، ولو فَعَل هذا كله بنوع واحد متماثل الأفراد لكان ذلك منافيًا لحكمته، وحكمته تأباه كل الإباء؛ فإنه لا يفرِّق بين متماثلَيْن، ولا يُسوِّي بين مختلفَيْن.
وقد عاب على من يفعل ذلك، وأنكر على من نسبه إليه، والقرآن مملوء من عيبه على من يفعل ذلك، فكيف يَجْعل له العبيدُ ما يكرهون، ويضربون له مَثَلَ السَّوْء!
وقد فطر الله عباده على إنكار ذلك من بعضهم على بعض، وطَعْنهم على من يفعله، وكيف يعيب الربّ سبحانه من عباده شيئًا ويتصف به! وهو سبحانه إنما عابه لأنه نقص، فهو أولى أن ينزَّه عنه.
وإذا كان لابدّ من ظهور آثار الأسماء والصفات، ولا يمكن ظهور آثارها إلا في المتقابلات والمتضادات= لم يكن بُدّ في الحكمة من إيجادها؛ إذ لو فُقِدت لتعطلت أحكام تلك الصفات، وهو محال.
يوضحه الوجه الثاني عشر: أن من أسمائه الأسماء المزدوجة: كالمعزّ المذل، والخافض الرافع، والقابض الباسط، والمعطي والمانع، ومن صفاته الصفات المتقابلة: كالرضا والسخط، والحب والبغض، والعفو والانتقام، وهذه صفات كمال، وإلا لم يتصف بها، ولم يتسَمَّ بأسمائها.
وإذا كانت صفات كمال: فإما أن يعطل مقتضاها وموجَبها، وذلك يستلزم تعطيلها في أنفسها، وإما أن تتعلق بغير محلها الذي يليق بأحكامها، وذلك نقص وعيب يتعالى عنه، فتعيّن تعلّقها بمحالها التي تليق بها.
стр. 734
وهذا وحده كافٍ في الجواب لمن كان له تفقّه (١) في باب الأسماء والصفات، ولا عبرة بغيره.
يوضحه الوجه الثالث عشر: أن من أسمائه: المَلِك، ومعنى المُلْك الحقيقي ثابت له سبحانه بكل وجه، وهذه الصفة تستلزم سائر صفات الكمال؛ إذ من المحال ثبوت المُلْك الحقيقي التام لمن ليس له حياة، ولا قدرة، ولا إرادة، ولا سمع، ولا بصر، ولا كلام، ولا فعل اختياري يقوم به.
وكيف يوصَف بالمُلْك مَنْ لا يأمر ولا ينهى، ولا يثيب ولا يعاقب، ولا يعطي ولا يمنع، ولا يعز ويذلّ، ويهين ويكرم، وينعم وينتقم، ويخفض ويرفع، ويرسل الرسل إلى أقطار مملكته، ويتقدم إلى عبيده بأوامره ونواهيه؟ فأي مُلْك في الحقيقة لمن عَدِم ذلك.
وبهذا يتبين أن المعطلين لأسمائه وصفاته جعلوا مماليكه أكمل منه، ويأنف أحدهم أن يقال في مُلْكه وأمْره (٢) ما يقوله هو في ربه، فصفة مُلْكه الحق مستلزمة لوجود ما لا يتم التصرف إلا به، والكل منه سبحانه، فلم يتوقف كمال ملكه على غيره؛ فإن كل ما سواه مستند إليه، متوقف في وجوده على مشيئته وخلقه.
يوضحه الوجه الرابع عشر: أن كمال ملكه بأن يكون مقارنًا لحمده، فله المُلْك وله الحمد.
والناس في هذا المقام ثلاث فرق:
стр. 735
فالرسل وأتباعهم أثبتوا له المُلْك والحمد، وهذا مذهب من أثبت له القدر والحكمة وحقائق الأسماء والصفات، ونزّهَه عن النقائص ومشابهة المخلوقات، ويوحشك (١) في هذا المقام جميع الطوائف غير أهل السنة، الذين لم يتحيزوا إلى نحلة ولا مقالة ولا متبوع من أهل الكلام.
الفرقة الثانية: الذين أثبتوا له المُلْك، وعطّلوا حقيقة الحمد، وهم الجبرية نفاة الحكمة والتعليل، القائلين (٢) بأنه يجوز عليه كل ممكن، ولا يُنزَّه عن فعل قبيح، بل كل ممكن فإنه لا يقبح منه، وإنما القبيح المستحيل لذاته، كالجمع بين النقيضين، فيجوز عليه تعذيب ملائكته وأنبيائه ورسله وأهل طاعته، وإكرام إبليس وجنوده، وجعْلهم فوق أوليائه في النعيم المقيم أبدًا. ولا سبيل لنا إلى العلم باستحالة ذلك إلا من نفي الخُلْف في خبره فقط.
فيجوز عندهم أن يأمر بمسبّته ومسبَّة أنبيائه، والسجود للأصنام، وبالكذب والفجور، وسفك الدماء، ونهب الأموال، وينهى عن البر والصدق والإحسان والعفاف.
ولا فرق في نفس الأمر بين ما أمر به ونهى عنه إلا التحكم بمحض المشيئة (٣)، وأنه أَمَر بهذا ونهى عن هذا من غير أن يكون فيما أَمَر به صفةُ حُسْنٍ تقتضي محبته والأمر به، ولا فيما نهى عنه صفةُ قُبْحٍ تقتضي كراهته والنهي عنه.
стр. 736
فهؤلاء عطَّلوا حمده في الحقيقة، وأثبتوا له مُلْكًا بلا حمد، مع أنهم في الحقيقة لم يثبتوا له ملكًا؛ فإنهم جعلوه مُعطّلًا في الأزل والأبد، لا يقوم به فعل البتّة، وكثير منهم عطّله عن صفات الكمال التي لا يتحقق كونه مَلِكًا وربًّا وإلهًا إلا بها، فلا مُلْك أثبتوا ولا حمد!
الفرقة الثالثة: أثبتوا له نوعًا من الحمد، وعطلوا كمال مُلْكه، وهم القدرية الذين أثبتوا نوعًا من الحكمة، ونفوا لأجلها كمال قدرته، فحافظوا على نوع من الحمد عطّلوا له كمال المُلْك، وفي الحقيقة لم يثبتوا لا هذا ولا هذا؛ فإن الحكمة التي أثبتوها جعلوها راجعة إلى المخلوق، لا يعود إليه سبحانه حكمها، والمُلْك الذي أثبتوه فإنهم في الحقيقة إنما قرّروا نفيه بنفي قيام الصفات التي لا يكون مَلِكًا حقًّا إلا بها، ونفي قيام الأفعال الاختيارية، فلم يقم به عندهم وصف ولا فعل، وهذا غاية النفي لمُلْكه وحمده؛ فإن من لا تقوم به قدرة (١) ولا إرادة ولا كلام ولا سمع ولا بصر ولا فعل (٢)، ولا له حب ولا بغض= معطّل عن حقيقة المُلْك والحمد.
والمقصود أن عموم مُلْكه يستلزم إثبات القدر، وأن لا يكون في مُلْكه شيء بغير مشيئته، فالله أكبر من ذلك وأجلُّ، وعموم حمده يستلزم أن لا يكون في خلقه وأمره ما لا حكمة فيه، ولا غاية محمودة يفعل لأجلها، ويأمر لأجلها، فالله أكبر وأكمل (٣) من ذلك.
стр. 737
يوضحه الوجه الخامس عشر: أنّ مجرد الفعل من غير قصد ولا حكمة ولا مصلحة يقصده الفاعل لأجلها لا يكون متعلَّقًا للحمد، فلا يُحمد عليه، حتى لو حصلت به مصلحة من غير قصد الفاعل لحصولها لم يستحق الحمد عليها، كما تقدم تقريره.
بل الذي يقصد الفعل لمصلحة وحكمة وغاية محمودة وهو عاجز عن تنفيذ مراده أحق بالحمد مِنْ قادر لا يفعل لحكمة ولا لمصلحة ولا لقصد الإحسان، هذا المستقر في فِطَر الخلق.
والربّ سبحانه حمده قد ملأ السماوات والأرض وما بينهما وما بعد ذلك، فملأ العالم العلوي والسفلي والدنيا والآخرة، ووسع حمده ما وسع علمه، فله الحمد التام على جميع ما خلقه، وعلى جميع ما حكم به كونًا ودينًا.
فلم يوجد مخلوق إلا بحمده (١)، ولا حُكِم بحكم إلا بحمده، ولا قامت السماوات والأرض إلا بحمده، ولا تحركت ذرة فما فوقها إلا بحمده، ولا نزلت قطرة إلا بحمده (٢)، ولا تحوّل شيء في العالم العلوي والسفلي من حال إلى حال إلا بحمده، ولا تحركت الأفلاك إلا بحمده، ولا أطيع إلا بحمده، ولا عُصِي إلا بحمده، ولا دخل أهلُ الجنةِ الجنةَ وأهلُ النارِ النارَ إلا بحمده، كما قال الحسن رحمة الله عليه: «لقد دخل أهل النار النار وإنّ حمده لفي قلوبهم، ما وجدوا عليه سبيلًا» (٣).
стр. 738
وهو سبحانه إنما أنزل الكتاب بحمده، وأرسل الرسل بحمده، وأمات خلقه بحمده، ويحييهم بحمده، ولهذا حمد نفسه على ربوبيته الشاملة لذلك كله فـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، وحمد نفسه على إنزال كتابه فـ ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ﴾ [الكهف: ١]، وحمد نفسه على خلق السماوات والأرض ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]، وحمد نفسه على كمال ملكه ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهْوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سبأ: ١].
فحَمْدُهُ ملأ الزمان والمكان والأعيان، وعَمَّ الأحوال (١) كلها ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧ - ١٨].
وكيف لا يُحمد على خلقه كله وهو ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ [السجدة: ٧]، وعلى صُنْعه وقد أتقنه ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨]، وعلى أمره وكلُّه حكمة ورحمة وعدل ومصلحة، وعلى نهيه وكلُّ ما نهى عنه شرٌّ وفساد، وعلى ثوابه وكلُّه رحمة وإحسان، وعلى عقابه وكلُّه عدل وحق، فلله الحمد كله، وله الملك كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله.
والمقصود أنه كلما كان الفاعل أعظم حكمة كان أعظم حمدًا، وإذا عَدِم الحكمة ولم يقصدها بفعله وأمره عَدِم الحمد.
الوجه السادس عشر: أنه سبحانه يحب أن يُشكر، ويجب أن يُشكر عقلًا
стр. 739
وشرعًا وفطرةً، فوجوب شكره أظهر من وجوب كل واجب.
وكيف لا يجب على العباد حمده وتوحيده ومحبته وذكر آلائه وإحسانه وتعظيمه وتكبيره والخضوع له والتحدّث بنعمه والإقرار بها بجميع طرق الوجوب!
فالشكر أحب شيء إليه وأعظم ثوابًا، وله خَلَق الخلق، وأَنزَل الكتب، وشَرَع الشرائع.
وذلك يستلزم خلق الأسباب التي يكون الشكر بها أكمل، ومن جملتها أن فاوت بين عباده في صفاتهم الظاهرة والباطنة في خلقهم وأخلاقهم وأديانهم وأرزاقهم ومعايشهم وآجالهم، فإذا رأى المعافى المُبْتَلَى، والغنيُّ الفقيرَ، والمؤمنُ الكافرَ= عظم شكرُه لله، وعرف قدر نعمته عليه، وما خصَّه به وفضَّله به على غيره؛ فازداد شكرًا وخضوعًا واعترافًا بالنعمة.
وفي أثرٍ ذَكَره الإمام أحمد في «الزهد» أن موسى ﵇ قال: «يا ربّ، هلّا سوّيتَ بين عبادك؟ قال: إني أحببت أن أُشْكر» (١).
فإن قيل: فقد كان في المُمْكِن أن يسوّي بينهم في النعم، ويسوّي بينهم في الشكر، كما فعل بالملائكة!
قيل: لو فعل ذلك لكان الحاصل من الشكر نوع آخر، غير النوع الحاصل منه على هذا الوجه، والشكر الواقع على التفضيل والتخصيص أعلى وأفضل من غيره.
стр. 740
ولهذا كان شُكْرُ الملائكة وخضوعُهُم وذلُّهم لعظمته وجلاله بعد أن شاهدوا من إبليس ما جرى له، ومن هاروت وماروت ما شاهدوه= أعلى وأكمل مما كان قبله، وهذه حكمة الربّ تعالى.
وكذلك شُكْر الأنبياء ﵈ وأتباعِهِم كان بعد أن عاينوا هلاك أعدائهم، وانتقام الرب منهم، وما أنزل بهم من بأسه.
وكذلك شُكْر أهل الجنة في الجنة وهم يشاهدون أعداءه المكذبين لرسله، المشركين به في ذلك العذاب العظيم، فلا ريب أن شكرهم حينئذ ورضاهم ومحبتهم لربهم أكمل وأعظم مما لو قَدّر اشتراكَ جميعِ الخلق في النعيم، فالمحبة الحاصلة من أوليائه له، والرضا والشكر وهم يشاهدون بني جنسهم في ضد ذلك من كل وجه= أكمل وأتم.
فالضدُّ يُظهر حُسْنَهُ الضّدُّ (١)
وبضدِّها تتبيَّن الأشياءُ (٢)
ولولا خَلْقُ القبيح لما عُرِفت فضيلةُ الجمال والحُسْن، ولولا خَلْقُ