فهؤلاء عطَّلوا حمده في الحقيقة، وأثبتوا له مُلْكًا بلا حمد، مع أنهم في الحقيقة لم يثبتوا له ملكًا؛ فإنهم جعلوه مُعطّلًا في الأزل والأبد، لا يقوم به فعل البتّة، وكثير منهم عطّله عن صفات الكمال التي لا يتحقق كونه مَلِكًا وربًّا وإلهًا إلا بها، فلا مُلْك أثبتوا ولا حمد!
الفرقة الثالثة: أثبتوا له نوعًا من الحمد، وعطلوا كمال مُلْكه، وهم القدرية الذين أثبتوا نوعًا من الحكمة، ونفوا لأجلها كمال قدرته، فحافظوا على نوع من الحمد عطّلوا له كمال المُلْك، وفي الحقيقة لم يثبتوا لا هذا ولا هذا؛ فإن الحكمة التي أثبتوها جعلوها راجعة إلى المخلوق، لا يعود إليه سبحانه حكمها، والمُلْك الذي أثبتوه فإنهم في الحقيقة إنما قرّروا نفيه بنفي قيام الصفات التي لا يكون مَلِكًا حقًّا إلا بها، ونفي قيام الأفعال الاختيارية، فلم يقم به عندهم وصف ولا فعل، وهذا غاية النفي لمُلْكه وحمده؛ فإن من لا تقوم به قدرة (١) ولا إرادة ولا كلام ولا سمع ولا بصر ولا فعل (٢)، ولا له حب ولا بغض= معطّل عن حقيقة المُلْك والحمد.
والمقصود أن عموم مُلْكه يستلزم إثبات القدر، وأن لا يكون في مُلْكه شيء بغير مشيئته، فالله أكبر من ذلك وأجلُّ، وعموم حمده يستلزم أن لا يكون في خلقه وأمره ما لا حكمة فيه، ولا غاية محمودة يفعل لأجلها، ويأمر لأجلها، فالله أكبر وأكمل (٣) من ذلك.
стр. 737
يوضحه الوجه الخامس عشر: أنّ مجرد الفعل من غير قصد ولا حكمة ولا مصلحة يقصده الفاعل لأجلها لا يكون متعلَّقًا للحمد، فلا يُحمد عليه، حتى لو حصلت به مصلحة من غير قصد الفاعل لحصولها لم يستحق الحمد عليها، كما تقدم تقريره.
بل الذي يقصد الفعل لمصلحة وحكمة وغاية محمودة وهو عاجز عن تنفيذ مراده أحق بالحمد مِنْ قادر لا يفعل لحكمة ولا لمصلحة ولا لقصد الإحسان، هذا المستقر في فِطَر الخلق.
والربّ سبحانه حمده قد ملأ السماوات والأرض وما بينهما وما بعد ذلك، فملأ العالم العلوي والسفلي والدنيا والآخرة، ووسع حمده ما وسع علمه، فله الحمد التام على جميع ما خلقه، وعلى جميع ما حكم به كونًا ودينًا.
فلم يوجد مخلوق إلا بحمده (١)، ولا حُكِم بحكم إلا بحمده، ولا قامت السماوات والأرض إلا بحمده، ولا تحركت ذرة فما فوقها إلا بحمده، ولا نزلت قطرة إلا بحمده (٢)، ولا تحوّل شيء في العالم العلوي والسفلي من حال إلى حال إلا بحمده، ولا تحركت الأفلاك إلا بحمده، ولا أطيع إلا بحمده، ولا عُصِي إلا بحمده، ولا دخل أهلُ الجنةِ الجنةَ وأهلُ النارِ النارَ إلا بحمده، كما قال الحسن رحمة الله عليه: «لقد دخل أهل النار النار وإنّ حمده لفي قلوبهم، ما وجدوا عليه سبيلًا» (٣).
стр. 738
وهو سبحانه إنما أنزل الكتاب بحمده، وأرسل الرسل بحمده، وأمات خلقه بحمده، ويحييهم بحمده، ولهذا حمد نفسه على ربوبيته الشاملة لذلك كله فـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، وحمد نفسه على إنزال كتابه فـ ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ﴾ [الكهف: ١]، وحمد نفسه على خلق السماوات والأرض ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]، وحمد نفسه على كمال ملكه ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهْوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سبأ: ١].
فحَمْدُهُ ملأ الزمان والمكان والأعيان، وعَمَّ الأحوال (١) كلها ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧ - ١٨].
وكيف لا يُحمد على خلقه كله وهو ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ [السجدة: ٧]، وعلى صُنْعه وقد أتقنه ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨]، وعلى أمره وكلُّه حكمة ورحمة وعدل ومصلحة، وعلى نهيه وكلُّ ما نهى عنه شرٌّ وفساد، وعلى ثوابه وكلُّه رحمة وإحسان، وعلى عقابه وكلُّه عدل وحق، فلله الحمد كله، وله الملك كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله.
والمقصود أنه كلما كان الفاعل أعظم حكمة كان أعظم حمدًا، وإذا عَدِم الحكمة ولم يقصدها بفعله وأمره عَدِم الحمد.
الوجه السادس عشر: أنه سبحانه يحب أن يُشكر، ويجب أن يُشكر عقلًا
стр. 739
وشرعًا وفطرةً، فوجوب شكره أظهر من وجوب كل واجب.
وكيف لا يجب على العباد حمده وتوحيده ومحبته وذكر آلائه وإحسانه وتعظيمه وتكبيره والخضوع له والتحدّث بنعمه والإقرار بها بجميع طرق الوجوب!
فالشكر أحب شيء إليه وأعظم ثوابًا، وله خَلَق الخلق، وأَنزَل الكتب، وشَرَع الشرائع.
وذلك يستلزم خلق الأسباب التي يكون الشكر بها أكمل، ومن جملتها أن فاوت بين عباده في صفاتهم الظاهرة والباطنة في خلقهم وأخلاقهم وأديانهم وأرزاقهم ومعايشهم وآجالهم، فإذا رأى المعافى المُبْتَلَى، والغنيُّ الفقيرَ، والمؤمنُ الكافرَ= عظم شكرُه لله، وعرف قدر نعمته عليه، وما خصَّه به وفضَّله به على غيره؛ فازداد شكرًا وخضوعًا واعترافًا بالنعمة.
وفي أثرٍ ذَكَره الإمام أحمد في «الزهد» أن موسى ﵇ قال: «يا ربّ، هلّا سوّيتَ بين عبادك؟ قال: إني أحببت أن أُشْكر» (١).
فإن قيل: فقد كان في المُمْكِن أن يسوّي بينهم في النعم، ويسوّي بينهم في الشكر، كما فعل بالملائكة!
قيل: لو فعل ذلك لكان الحاصل من الشكر نوع آخر، غير النوع الحاصل منه على هذا الوجه، والشكر الواقع على التفضيل والتخصيص أعلى وأفضل من غيره.
стр. 740
ولهذا كان شُكْرُ الملائكة وخضوعُهُم وذلُّهم لعظمته وجلاله بعد أن شاهدوا من إبليس ما جرى له، ومن هاروت وماروت ما شاهدوه= أعلى وأكمل مما كان قبله، وهذه حكمة الربّ تعالى.
وكذلك شُكْر الأنبياء ﵈ وأتباعِهِم كان بعد أن عاينوا هلاك أعدائهم، وانتقام الرب منهم، وما أنزل بهم من بأسه.
وكذلك شُكْر أهل الجنة في الجنة وهم يشاهدون أعداءه المكذبين لرسله، المشركين به في ذلك العذاب العظيم، فلا ريب أن شكرهم حينئذ ورضاهم ومحبتهم لربهم أكمل وأعظم مما لو قَدّر اشتراكَ جميعِ الخلق في النعيم، فالمحبة الحاصلة من أوليائه له، والرضا والشكر وهم يشاهدون بني جنسهم في ضد ذلك من كل وجه= أكمل وأتم.
فالضدُّ يُظهر حُسْنَهُ الضّدُّ (١)
وبضدِّها تتبيَّن الأشياءُ (٢)
ولولا خَلْقُ القبيح لما عُرِفت فضيلةُ الجمال والحُسْن، ولولا خَلْقُ
стр. 741
الظلام لما عُرِفت فضيلةُ النور، ولولا خَلْقُ أنواع البلاء لما عُرِف قَدْرُ العافية، ولولا الجحيمُ لما عُرِف قدرُ الجنة، ولو جَعَل الله سبحانه النهار سَرْمدًا لما عُرِف قدْرُهُ، ولو جَعَل الليل سَرْمدًا لما عُرِف قدْرُهُ.
وأعرف الناس بقدر النعمة من ذاق البلاء، وأعرفهم بقدر الغنى من قاسى مرائر الفقر والحاجة، ولو كان الناس كلهم علماء لما عُرِفت فضيلةُ العلم وقدرُهُ، ولو كانوا كلهم (١) أغنياء لما عُرِفت فضيلةُ الغنى، ولو كانوا كلهم على صورة واحدة من الجمال لما عُرِف قدرُ الجمال، وكذلك لو كانوا كلهم مؤمنين لما عُرِف قدرُ الإيمان والنعمة به.
فتبارك مَنْ له في خلقه وأمره الحِكَمُ البوالغ، والنِّعَمُ السوابغ.
يوضحه الوجه السابع عشر: أنه سبحانه يحب أن يُعبد بأنواع العبودية، ومن أعلاها وأجلها عبودية الموالاة فيه والمعاداة فيه، والحب فيه والبغض فيه، والجهاد في سبيله، وبذْلُ مُهَج النفوس في مرضاته ومغاضبة أعدائه.
وهذا النوع هو ذروة سنام العبودية وأعلى مراتبها، وهو أحب أنواعها إليه، وهو موقوف على ما لا يحصل بدونه مِنْ خَلْق الأرواح التي تواليه وتشكره وتؤمن به، والأرواح التي تعاديه وتكفر به، وتسليط بعضها على بعض؛ لتحصل بذلك محابُّه على أتم الوجوه، وتُقرِّب أولياءه إليه بجهاد أعدائه ومغاضبتهم فيه وإذلالهم وكبْتهم ومخالفة سبيلهم، فتعلو كلمته ودعوته على كلمة الباطل ودعوته، ويتبين بذلك شرف علوها وظهورها.
стр. 742
ولو لم يكن للباطل والكفر والشرك وجود فعلى أي شيء كانت كلمته ودعوته تعلو؟ فإن العلو أمر نسبي يستلزم عاليًا وما يُعلى عليه، وعلو الشيء على نفسه محال، والموقوف على الشيء لا يحصل بدونه.
يوضحه الوجه الثامن عشر: أن من عبوديته: العتق والصدقة والإيثار والمواساة والعفو والصفح والصبر وكظم الغيظ واحتمال المكاره، ونحو ذلك مما لا يتم إلا بوجود متعلَّقه وأسبابه، فلولا الرقّ لم تحصل عبودية العتق، والرقّ من أثر الكفر، ولولا الظلم والإساءة والعدوان لم تحصل عبودية الصبر والعفو والمغفرة وكظم الغيظ، ولولا الفقر والحاجة لم تحصل عبودية الصدقة والإيثار والمواساة، فلو ساوى بين خلقه جميعهم لتعطّلت هذه العبوديات التي هي أحب شيء إليه، ولأجلها خَلَق الجن والإنس، ولأجلها شرع الشرائع، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل، وخلق الدنيا والآخرة.
كما أن ذلك من صفات كماله، فلو لم يقدّر الأسباب التي يحصل بها ذلك لفات هذا الكمال، وتعطّلت أحكام تلك الصفات كما مرّ.
يوضحه الوجه التاسع عشر: أنه سبحانه يفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه أعظم فرح يُقدَّر، أو يخطر ببال، أو يدور في خَلَد، وحصول هذا الفرح موقوف على التوبة، الموقوفة على وجود ما يتاب منه، وما يتوقف عليه الشيء لا يوجد بدونه؛ فإن وجود الملزوم بدون لازمه محال، ولا ريب أن وجود هذا الفرح أكمل من عدمه، فمن تمام الحكمة تقدير أسبابه ولوازمه.
وقد نَبَّه أعلم الخلق بالله على هذا المعنى بعينه، حيث يقول في الحديث الصحيح: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، ثم يستغفرون؛
стр. 743
فيغفر لهم» (١).
فلو لم يُقدِّر الذنوب والمعاصي فلمَنْ يغفر، وعلى مَنْ يتوب، وعمّن يعفو، ولمن يسامح ويعتق، ويُسقِط حقّه، ويُظهِر فضله وحلمه وجوده وكرمه، وهو واسع المغفرة، فكيف يعطّل هذه الصفة؟
أم كيف تتحقق بدون ما يُغْفَر، ومَنْ يغفر له، ومَنْ يتوب، وما يتاب منه؟
فلو لم يكن في تقدير الذنوب والمعاصي والمخالفات إلا هذا وحده لكفى به حكمة وغاية محمودة، فكيف والحِكَم والمصالح والغايات المحمودة التي في ضمن هذا التقدير فوق ما يخطر بالبال.
وكان بعض العُبَّاد يدعو في طوافه: اللهم اعصمني من المعاصي. ويُكْثِرُ من ذلك، فقيل له في المنام: أنت تسألني العصمة، وعبادي يسألوني العصمة، فإذا عصمتكم مِنَ الذنوب فلمَنْ أغفر، وعلى مَنْ أتوب، وعمَّنْ أعفو؟!
ولو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه.
يوضحه الوجه العشرون: أنه قد ترتّب على خَلْق من يكفر به ويشرك به ويعاديه من الحِكَم الباهرة والآيات الظاهرة ما لم يكن يحصل بدون ذلك.
فلولا كُفْرُ قوم نوح لما ظهرت آية الطوفان، وبقيت آية يتحدث بها الناس على ممر الزمان، ولولا كُفْرُ عاد لما ظهرت آية الريح العقيم التي دمّرت ما مرّت عليه، ولولا كُفْرُ قوم صالح لما ظهرت آية إهلاكهم بالصيحة، ولولا كُفْرُ فرعون لما ظهرت تلك الآيات والعجائب التي تتحدث
стр. 744
بها الأمم أمة بعد أمة، واهتدى بها من شاء الله، فهلك بها من هلك عن بيّنة، وحَيَّ بها من حَيَّ عن بيّنة، وظهر بها فضل الله وعدله وحكمته وآيات رسله وصدقهم.
فمعارضة الرسل، وكسر حججهم ودحضها، والجواب عنها، وإهلاك الله لهم من أعظم أدلة صدقهم وبراهينه.
ولولا مجيء المشركين بالحَدّ والحديد والعُدد والشوكة يوم بدر؛ لما حصلت تلك الآية العظيمة التي ترتب عليها من الإيمان والهدى والخير ما لم يكن حاصلًا مع عدمها.
وقد بيّنا أن الموقوف على الشيء لا يوجد بدونه، ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع.
فلله كم عَمرتْ قصةُ بدر من رَبْعٍ أصبح آهلًا بالإيمان، وقد فَتَحَتْ لأولي النُّهى من باب وصلوا منه إلى الهدى والإيقان، وكم حصل بها من محبوب للرحمن، وغيظ للشيطان، وتلك المفسدة التي حصلت في ضمنها للكفار مغمورة جدًّا بالنسبة إلى مصالحها وحِكَمها، وهي كمفسدة المطر إذا قَطَعَ المسافر، وبَلّ الثياب، وخرّب بعض البيوت؛ بالنسبة إلى مصلحته العامة.
وتأمّل ما حصل بالطوفان وغرق آل فرعون للأمم من الهدى والإيمان، الذي غمر مفسدة من هلك به، حتى تلاشت في جنب مصلحته وحكمته.
فكم لله من حكمة في آياته التي ابتلى بها أعداءه، وأكرم فيها أولياءه، وكم له فيها من آية وحجة وتبصرة وتذكرة.
стр. 745
ولهذا أمر سبحانه رسوله أن يذكّر بها أمته، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٥ - ٦]، فذكَّرهم بأيامه وإنعامه، ونجاتهم من عدوهم، وإهلاكهم وهم ينظرون، فحصل بذلك من ذكره وشكره ومحبته وتعظيمه وإجلاله ما تلاشت فيه مفسدة إهلاك الأبناء وذبحهم واضمحلت، فإنهم صاروا إلى النعيم، وخلصوا من مفسدة العبودية لفرعون إذا كبروا، وسَوْمِهِ لهم سوء العذاب، وكان الألم الذي ذاقه الأبوان عند الذبح أيسر من الآلام التي كانوا تجرعوها باستعباد فرعون وقومه لهم بكثير، فحظي بذلك الآباء والأبناء.
وأراد سبحانه أن يري عباده ما هو من أعظم آياته، وهو أن يُرَبَّى هذا المولود ـ الذي ذبح فرعون ما شاء الله من الأولاد في طلبه ـ في حِجْر فرعون، وفي بيته، وعلى فراشه.
فكم في ضمن هذه الآية من حكمة ومصلحة ورحمة وهداية وتبصرة، وهي موقوفة على لوازمها وأسبابها، ولم تكن لتوجد بدونها؛ فإنه ممتنع، فمصلحة تلك الآية وحكمتها غمرت مفسدةَ ذبح الأبناء، وجعلتها كأن لم تكن.
وكذلك الآيات التي أظهرها سبحانه على يد الكريم ابن الكريم ابن الكريم، والعجائب والحِكَم والمصالح والفوائد التي في تلك القصة التي تزيد على الألف= لم تكن لتحصل بدون ذلك السبب، الذي كان فيه مفسدة
стр. 746
جزئية في حق يعقوب ويوسف، ثم انقلبت تلك المفسدة مصالح اضمحلّت في جنبها تلك المفسدة بالكلية، وصارت سببًا لأعظم المصالح في حقه، وحق يوسف، وحق الإخوة، وحق امرأة العزيز، وحق أهل مصر، وحق المؤمنين إلى يوم القيامة.
فكم جنى أهل المعرفة بالله وأسمائه وصفاته ورسله من هذه القصة من ثمرة، وكم استفادوا بها من علم وحكمة وتبصرة.
وكذلك المفسدة التي حصلت لأيوب من مسّ الشيطان له بنُصْب وعذاب، اضمحلّت وتلاشت في جنب المصلحة والمنفعة التي حصلت له ولغيره عند مفارقة البلاء، وتبدّله بالنعماء، بل كان ذلك السبب المكروه هو الطريق الموصل إليها، والشجرة التي جُنِيت منها ثمار تلك النعم.
وكذلك الأسباب التي أوصلت خليل الرحمن إلى أن صارت النار عليه بردًا وسلامًا؛ مِنْ كفر قومه وشركهم، وتكسيره أصنامهم، وغضبهم لها، وإيقاد النار العظيمة له، وإلقائه فيها بالمَنْجَنيق، حتى وقع في روضة خضراء (١) في وسط النار، وصارت آية وحجة وعبرة ودلالة للأمم قرنًا بعد قرن.
فكم لله سبحانه في ضمن هذه الآية من حكمة بالغة، ونعمة سابغة، ورحمة وحجة وبيّنة، لو تعطّلت تلك الأسباب لتعطّلت هذه الحكم والمصالح والآيات، وحكمته وكماله المقدس يأبى ذلك، وحصول الشيء بدون لازمه ممتنع، وكم بين ما وقع من المفاسد الجزئية في هذه القصة، وبين
стр. 747
جَعْل صاحبها إمامًا للحنفاء إلى يوم القيامة، وهل تلك المفاسد الجزئية إلا دون مفسدة الحر والبرد والمطر والثلج بالنسبة إلى مصالحها بكثير.
ولكنّ الإنسان ــ كما قال الله ــ ظلومٌ جهولٌ، ظلومٌ لنفسه، جهولٌ بربّه وبعظمته وجلاله وحكمته وإتقان صنعه.
وكم بين إخراج رسول الله ﷺ من مكة على تلك الحال، ودخوله إليها ذلك الدخول الذي لم يفرح به بشر سواه، جنودُ الله قد اكتنفته من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، والمهاجرون والأنصار قد أحدقوا به، والملائكة من فوقهم، والوحي من الله ينزل عليه، وقد أدخله حَرَمه ذلك الدخول، فأين مفسدة ذلك الإخراج الذي كان (١) كأن لم يكن.
ولولا معارضة السحرة لموسى بإلقاء العصي والحبال حتى أخذوا أعين الناس واسترهبوهم= لما ظهرت آية عصا موسى حتى ابتلعت عصيهم وحبالهم، ولهذا أمرهم موسى ﵇ أن يُلقوا أولًا، ثم يلقي هو بعدهم.
ومن تمام ظهور آيات الرب تعالى وكمال اقتداره وحكمته أن يخلق مثل جبريل صلوات الله وسلامه عليه، الذي هو أطيب الأرواح العلوية وأزكاها وأطهرها وأشرفها، وهو السفير في كل خير وهدى وإيمان وصلاح، ويخلق مقابله مثل روح اللعين إبليس، الذي هو أخبث الأرواح وأنجسها وشرها، وهو الداعي إلى كل شر وأصله ومادته.
وكذلك من تمام قدرته وحكمته أن خلق الضياء والظلام، والأرض
стр. 748
والسماء، والجنة والنار، وسدرة المنتهى وشجرة الزقوم، وليلة القدر وليلة الوباء، والملائكة والشياطين، والمؤمنين والكفار، والأبرار والفجار، والحَرّ والبرد، والداء والدواء، والآلام واللذات، والأحزان والمسرات، واستخرج سبحانه من بين ذلك ما هو من أحب الأشياء إليه من أنواع العبوديات، والتعرف إلى خلقه بأنواع الدلالات.
ولولا خَلْق الشياطين والهوى (١) والنفس الأمارة لما حصلت عبوديةُ الصبر ومجاهدة النفس والشيطان ومخالفتهما، وتَرْكُ ما يهواه العبد ويحبه لله، فإن لهذه العبودية شأنًا ليس لغيرها، ولولا وجود الكفار لما حصلت عبودية الجهاد، ولما نال أهلُهُ درجةَ الشهادة، ولما نَهَز مَن يقدّم محبة فاطره وخالقه على نفسه وأهله وولده، ومَن يقدم أدنى حظ من الحظوظ عليه.
فأين صبر الرسل وأتباعهم وجهادهم وتحمّلهم لله أنواع المكاره والمشاق، وأنواع العبودية المتعلّقة بالدعوة وإظهارها لولا وجود الكفار، وتلك العبودية تقتضي درجة لا تُنال إلا بها، والرب تعالى يحب أن يُبَلِّغها رسله وأتباعهم، ويُشْهِدهم نعمته عليهم وفضله وحكمته، ويستخرج منهم حمده وشكره ومحبته والرضا عنه.
يوضحه الوجه الحادي والعشرون: أنه قد استقرت حكمته سبحانه أن السعادة والنعيم والراحة لا يوصل إليها إلا على جسر المشقة والتعب، ولا يُدخَل إليها إلا من باب المكاره والصبر وتحمل المشاق، ولذلك حَفّ الجنة بالمكاره، والنار بالشهوات، ولذلك أَخْرَجَ صفيّه آدم من الجنة وقد خلقها
стр. 749
له، واقتضت حكمته أنه لا يدخلها دخول استقرار إلا بعد التعب والنصب، فما أخرجه منها إلا ليُدخله إليها أتم دخول.
فلله كم بين الدخول الأول والدخول الثاني من التفاوت، وكم بين دخول رسول الله ﷺ مكة في جوار المُطْعِم بن عَدِيّ ودخوله إليها يوم الفتح، وكم بين راحة المؤمنين ولذتهم في الجنة بعد مقاساة ما قبلها وبين لذتهم لو خُلِقوا فيها، وكم بين فرحة من عافاه بعد ابتلائه، وأغناه بعد فقره، وهداه بعد ضلاله، وجَمَع قلبه عليه بعد شتاته، وفرحة من لم يذق تلك المرارات.
وقد سبقت الحكمة الإلهية أن المكاره أسباب اللذات والخيرات، كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهْوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهْوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهْوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦].
وربما كان مكروه النفوس إلى ... محبوبها سببًا ما مثله سببُ (١)
يوضحه الوجه الثاني والعشرون: أن العقلاء قاطبة متفقون على استحسان إتعاب النفوس في تحصيل كمالاتها، من العلم النافع والعمل الصالح والأخلاق الفاضلة، وطلب محمدة مَن ينفعهم حمده، وكل من كان أتعب في تحصيل ذلك كان أحسن حالًا وأرفع قدرًا، وكذلك يستحسنون إتعاب النفوس في تحصيل الغنى والعزّ والشرف، ويذمون القاعد عن ذلك، وينسبونه إلى دناءة الهمة، وخِسّة النفس، وضِعَة القَدْر، كما قيل:
стр. 750
دعِ المكارمَ لا تنهض لبُغْيَتها ... واقعد فإنك أنت الطاعمُ الكاسي (١)
وهذا التعب والكد يستلزم آلامًا وحصول مكاره ومشاقّ هي الطريق إلى تلك الكمالات، ولم يقدحوا بتحمل تلك في حكمة مَن تحملها، ولا يعدونه عابثًا، بل هذا عندهم هو العقل الوافر، ومَن أَمَر غيره به فهو حكيم في أمره، ومَن نهاه عن ذلك فهو سفيه عدوٌّ له، هذا في مصالح المعاش، فكيف بمصالح الحياة الأبدية الدائمة والنعيم المقيم؟!
كيف لا يكون الآمر بالتعب القليل في الزمن اليسير، الموصِل إلى الخير الدائم؛ حكيمًا رحيمًا محسنًا ناصحًا لمن يأمره بذلك، وينهاه عن ضده من الراحة واللذة التي تقطعه عن كماله ولذته ومسرته الدائمة، هذا إلى ما في أمره ونهيه من مصالحه العاجلة التي بها سعادته وفلاحه وصلاحه، ونهيه عما فيه مضرته وعطبه وشقاوته.
فأوامر الرب تعالى رحمة وإحسان وشفاء ودواء وغذاء للقلوب، وزينة للظاهر والباطن، وحياة للقلب والبدن، وكم في ضمنه من مسرة وفرحة ولذة وبهجة، ونعيم وقرة عين، فما يسميه هؤلاء تكاليف، إنما هو قرة العيون، وبهجة النفوس، وحياة القلوب، ونور العقول، وتكميل للفطر، وإحسان تام إلى النوع الإنساني، أعظم من إحسانه إليه بالصحة والعافية والطعام والشراب واللباس.
فنعمته على عباده بإرسال رسله إليهم، وإنزال كتبه عليهم، وتعريفهم أمره ونهيه، وما يحبه ويبغضه؛ أعظم النعم وأجلها وأعلاها وأفضلها، بل لا
стр. 751
نسبة لرحمتهم بالشمس والقمر والغيث والنبات إلى رحمتهم بالعلم والإيمان والشرائع والحلال والحرام.
فكيف يقال: أي حكمة في ذلك، وإنما هو مجرد مشقة ونصب بغير فائدة؟!
فوالله؛ إن من زعم ذلك وظنّه في أحكم الحاكمين لأضل من الأنعام، وأسوأ حالًا من الحمير، ونعوذ بالله من الخذلان، والجهل بالرحمن وأسمائه وصفاته.
وهل قامت مصالح الوجود إلا بالأمر والنهي، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب؟! ولولا ذلك لكان الناس بمنزلة البهائم يَتَهارجون في الطرقات، ويَتَسافدون تَسَافُد الحيوانات، لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا، ولا يمتنعون من قبيح، ولا يهتدون إلى صواب.
وأنت ترى الأمكنة والأزمنة التي خَفِيَتْ فيها آثار النبوة كيف حال أهلها، وما دَخَل عليهم من الجهل والظلم، والكفر بالخالق، والشرك بالمخلوق، واستحسان القبائح، وفساد العقائد والأعمال؛ فإن الشرائع بتنزيل الحكيم العليم، أنزلها وشرعها الذي يعلم ما في ضمنها من مصالح العباد في المعاش والمعاد، وأسباب سعادتهم الدنيوية والأخروية، فجعلها غذاء ودواء وشفاء وعصمة وحصنًا وملجأً وجُنّة ووقاية.
وكانت بالقياس إلى مصالح الأبدان بمنزلة حكيم عالِمٍ ركّبَ للناس أمرًا يصلح لكل مرض ولكل ألم، وجعله مع ذلك غذاء للأصحّاء، فمن تغذّى به من الأصحاء غَذّاه، ومن تداوى به من المرضى شفاه، وشرائع الربّ تعالى فوق ذلك وأجلّ منه، وإنما هو تمثيل وتقريب.
стр. 752
فلا أحسن من أمره ونهيه، وتحليله وتحريمه، أَمْرُهُ قوتٌ وغذاءٌ وشفاءٌ، ونَهْيُهُ حِمْيةٌ وصيانةٌ، فلم يأمر عباده بما أمرهم به حاجة منه إليهم ولا عبثًا، بل رحمة وإحسانًا ومصلحة، ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلًا منه عليهم، بل حماية وصيانة عما يؤذيهم ويعود عليهم بالضرر إن تناولوه.
فكيف يتوهّم مَنْ له مِسْكة مِنْ عقل خلوّها من الحِكَم والغايات المحمودة المطلوبة لأجلها؟!
ولقد استدل كثيرٌ من العقلاء على النبوة بنفس الشريعة، واستغنوا بها عن طلب المعجزة، وهذا من أحسن الاستدلال؛ فإن دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم من أكبر شواهد صدقهم، وكل مَن له خبرة بنوع من أنواع العلوم إذا رأى حاذقًا قد صنّف فيه كتابًا جليلًا عرف أنه من أهل ذلك العلم بنظره في كتابه، وهكذا كل مَن له عقل وفطرة سليمة وخبرة بأقوال الرسل ودعوتهم إذا نظر في هذه الشريعة قَطَع قَطْعًا ــ نظير القَطْع بالمحسوسات ــ أنّ الذي جاء بهذه الشريعة رسولٌ صادق، وأنّ الذي شرعها أحكم الحاكمين.
ولقد شهد لها عقلاء الفلاسفة بالكمال والتمام، وأنه لم يطرق العالمَ ناموسٌ أكمل منها ولا أحكم، هذه شهادة الأعداء، وشهد لها مَن زعم أنه مِن الأولياء بأنها لم تُشْرع لحكمة ولا لمصلحة، وقالوا: أي حكمة في الإلزام بهذه التكاليف الشاقة المتعبة، وأي مصلحة للمكلَّف في ذلك، وأي غرض للمكلِّف؟ وما هو إلا محض المشيئة المجردة من قصدِ غايةٍ أو حكمةٍ.
ولو استحيا هؤلاء من العقلاء لمنعهم الحياء من تسويد القلوب والأوراق بمثل ذلك.
وهل تركت الشريعة خيرًا ومصلحة إلا جاءت به، وأمرت به، وندبت
стр. 753
إليه؟! وهل تركت شرًّا ومفسدة إلا نهت عنه؟! وهل تركت لمُقْتَرِحٍ اقتراحًا، أو لمُتَعَنِّت تعنّتًا، أو لسائلٍ مطلبًا؟! ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].
وعند نفاة الحِكَم أنه يجوز عليه ضد ذلك الحُكْم من كل وجه، وأنه لا فرق بينه وبين ضدّه في نفس الأمر إلا بمجرّد (١) الحُكْم والمشيئة.
فلو اجتمعت حكمة جميع الحكماء من أول الدهر إلى آخره، ثم قيست إلى حكمة هذه الشريعة الكاملة الحكيمة الفاضلة لكانت كقطرة من بحر.
وإنما نعني بذلك الشريعة التي أنزلها الله على رسوله، وشرعها للأمة، ودعاهم إليها، لا الشريعة المبدَّلة ولا المؤوَّلة، ولا ما غلط فيه الغالطون، وتأوّله المتأوِّلون؛ فإن هذين النوعين قد يشتملان على فساد وشر، بل الشر والفساد الواقع بين الأمة من هاتين الشريعتين اللتين نُسِبتا إلى الشريعة المنزَّلة من عند الله عمدًا أو خطأ، وإلا فالشريعة على وجهها خير محضٌ، ومصلحة من كل وجه، ورحمة وحكمة ولُطف بالمكلَّفين، وقيام مصالحهم بها فوق قيام مصالح أبدانهم بالطعام والشراب، فهي مكمِّلة للفطر والعقول، مُرْشِدةٌ إلى ما يحبه الله ويرضاه، ناهيةٌ عما يبغضه ويسخطه، مُسْتَعْمِلةٌ لكل قوة وعضو وحركة في كماله الذي لا كمال له سواه، آمرةٌ بمكارم الأخلاق ومعاليها، ناهيةٌ عن دنيئها وسَفْسافها.
واختصار ذلك: أنه شَرَعَ استعمال كل قوة وكل عضو وكل حركة في كمالها، ولا سبيل إلى معرفة كمالها على الحقيقة إلا بالوحي، فكانت
стр. 754
الشرائع ضرورية في مصالح الخلق، وضرورتهم إليها (١) فوق كل ضرورة تُقَدَّر، فهي أسباب موصلة إلى سعادة الدارين، ورأس الأسباب الموصلة إلى حفظ صحة البدن وقوته، واستفراغ أخلاطه، ومن لم يتصور الشريعة على هذه الصورة فهو من أبعد الناس عنها.
وقد جعل الحكيم العليم لكل قوة من القوى، ولكل حاسة من الحواس، ولكل عضو من الأعضاء؛ كمالًا حسّيًا وكمالًا معنويًا، وفَقْدُ كماله المعنوي شرٌّ من فَقْدِ كماله الحسّي، فكماله المعنوي بمنزلة الروح، والحسّي بمنزلة الجسم، فأعطاه كمالَه الحسّي خَلْقًا وقَدَرًا، وأعطاه كماله المعنوي شرعًا وأمرًا، فبلغ بذلك غاية السعادة والانتفاع بنفسه، فلم يدع للإحسان إليه والاعتناء بمصالحه وإرشاده إليها وإعانته على تحصيلها اقتراحًا يقترحه، ولا شيئًا يطلبه، بل أعطاه من ذلك ما لم يصل إليه اقتراحُهُ، ولا تدركه معرفتُهُ.
ويكفي العاقلَ البصيرَ الحيَّ القلبِ فكْرُهُ في فرع واحد من فروع الأمر والنهي وهو الصلاة، وما اشتملت عليه من الحِكَم الباهرة، والمصالح الباطنة والظاهرة، والمنافع المتصلة بالقلب والروح والبدن والقوى، التي لو اجتمع حكماء العالم قاطبة، واستفرغوا قواهم وأذهانهم لما أحاطوا بتفاصيل حِكَمها وأسرارها وغاياتها المحمودة، بل انقطعوا كلهم دون أسرار الفاتحة وما فيها من المعارف الإلهية، والحِكَم الربانية، والعلوم النافعة، والتوحيد التام، والثناء على الله تعالى بأصول أسمائه وصفاته، وذكْرِ أقسام الخليقة، باعتبار غاياتهم ووسائلهم، وما في مقدماتها وشروطها من الحِكَم العجيبة: من تطهير الأعضاء والثياب والمكان، وأخْذ الزينة، واستقبال بيته
стр. 755
الذي جعله إمامًا للناس، وتفريغ القلب لله، وإخلاص النية، وافتتاحها بكلمة جامعةٍ لمعاني العبودية، دالّةٍ على أصول الثناء وفروعه، مُخْرِجةٍ من القلب الالتفاتَ إلى ما سواه (١)، والإقبال على غيره.
فيقوم بقلبه الوقوفُ بين يدي عظيم جليل كبير، أكبر من كل شيء، وأجلّ من كل شيء، وأعظم من كل شيء، تلاشت في كبريائه السماوات وما أظلّت، والأرض وما أَقلّت، والعوالم كلها، عَنَت له الوجوه، وخضعت له الرقاب، وذلّت له الجبابرة، قاهرٌ فوق عباده، ناظرٌ إليهم، عالمٌ بما تُكِنّ صدورهم، يسمع كلامهم، ويرى مكانهم، ولا تخفى عليه خافية من أمرهم.
ثم أخذ في تسبيحه وحمده وذكره تبارك اسمه، وتعالى جدّه، وتفرُّدِه بالإلهية.
ثم أخذ في الثناء عليه بأفضل ما يُثْنَى عليه به من حمده وذكْر ربوبيته للعالَم، وإحسانه إليهم، ورحمته بهم، وتمجيده بالمُلك الأعظم في اليوم الذي لا يكون فيه مَلِك سواه، حين يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، ويدينهم بأعمالهم.
ثم إفراده بنوعي التوحيد: توحيدِ ربوبيته استعانةً به، وتوحيدِ إلهيته عبوديةً له.
ثم سؤاله أفضل مسؤول، وأجل مطلوب على الإطلاق، وهو هداية الصراط المستقيم الذي نَصَبه لأنبيائه ورسله وأتباعهم، وجعله صراطًا موصلًا لمن سلكه إليه وإلى جنته، وأنه صراط من اختصّهم بنعمته بأنْ
стр. 756
عرفهم الحق، وجعلهم مُتّبعِين له، دون صراط أمة الغضب الذين عرفوا الحق ولم يتبعوه، وأهل الضلال الذين ضلوا عن معرفته واتباعه.
فتضمّنت تعريفَ الربّ، والطريقَ الموصل إليه، والغايةَ بعد الوصول.
وتضمّنت الثناءَ والدعاءَ، وأشرفَ الغايات وهي العبودية، وأقربَ الوسائل إليها وهي الاستعانة، مقدِّمًا فيها الغاية على الوسيلة، والمعبود المستعان على الفعل؛ إيذانًا بالاختصاص، وأن ذلك لا يصلح إلا له سبحانه.
وتضمّنت ذِكْرَ الإلهية والربوبية والرحمة، فيُثْنَى عليه ويُعبد بإلهيته، ويَخْلق ويَرْزق، ويميت ويحيي، ويدبر الملك، ويضلّ من يستحق الإضلال، ويغضب على من يستحق الغضب؛ بربوبيته وحكمته، ويُنْعِم ويَرْحم، ويجود ويعفو ويغفر، ويهدي ويتوب؛ برحمته.
فلله؛ كم في هذه السورة من أنواع المعارف والعلوم والتوحيد وحقائق الإيمان.
ثم يأخذ بعد ذلك في تلاوة ربيع القلوب، وشفاء الصدور، ونور البصائر، وحياة الأرواح، وهو كلام ربّ العالمين، فيحلّ به في ما شاء من روضات مُونِقات، وحدائق مُعْجِبات، زاهية أزهارها، مُونِقة ثمارها، قد ذُلِّلت قطوفها تذليلًا، وسُهِّلت لمتناولها تسهيلًا، فهو يجتني من تلك الثمار خيرًا يُؤمر به، وشرًّا يُنهى عنه، وحكمة وموعظة، وتبصرة وتذكرة وعبرة، وتقريرًا لحق، ودحضًا لباطل، وإزالة لشبهة، وجوابًا عن مسألة، وإيضاحًا لمُشكِل، وترغيبًا في أسبابِ فلاحٍ وسعادة، وتحذيرًا من أسبابِ خسرانٍ وشقاوة، ودعوة إلى هدى، ورَدّ عن ردى، فينزل على القلوب نزول الغيث
стр. 757
على الأرض التي لا حياة لها بدونه، ويحل منها محل الأرواح من أبدانها.
فأي نعيم، وقرّة عين، ولذة قلب، وابتهاج وسرور؛ لا يحصل له في هذه المناجاة، والربّ تعالى يستمع لكلامه جاريًا على لسان عبده، ويقول: «حَمِدني عبدي، أثنى عليَّ عبدي، مجَّدَني عبدي» (١).
ثم يعود إلى تكبير ربّه ، فيجدد به عهد التذكرة، كونه أكبر من كل شيء بحق عبوديته، وما ينبغي أن يُعامَل به.
ثم يركع حانيًا له ظهره؛ خضوعًا لعظمته، وتذلُّلًا لعزّته، واستكانةً لجبروته، مسبّحًا له بذكر اسمه العظيم، فنَزَّهَ عظمته عن حال العبد وذلّه وخضوعه، وقابَلَ تلك العظمة بهذا الذل والانحناء والخضوع، قد تطامن وطأطأ رأسه، وطوى ظهره، وربّه فوقه يشاهده، ويرى خضوعه وذله، ويسمع كلامه، فهو ركن تعظيم وإجلال، كما قال ﷺ : «أما الركوع فعظّموا فيه الرب» (٢).
ثم عاد إلى حاله من القيام حامدًا لربّه، مثنيًا عليه بأكمل محامده وأجمعها وأعمِّها، مثنيًا عليه بأنه أهل الثناء والمجد، ومعترفًا بعبوديته، شاهدًا له بتوحيده، وأنه لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، وأنه لا ينفع أصحابَ الجُدُودِ والأموالِ والحظوظِ جُدُودُهم عنه ولو عظمت.
ثم يعود إلى تكبيره، ويخرّ له ساجدًا على أشرف ما فيه وهو الوجه، فيعفِّره في التراب ذُلًّا بين يديه ومسكنةً وانكسارًا، وقد أخذ كل عضو من
стр. 758
البدن حظّه من هذا الخضوع، حتى أطراف الأنامل ورؤوس الأصابع، ونُدِبَ له أن يسجد معه ثيابه وشعره فلا يكفّه، وأن لا يكون بعضه محمولًا على (١) بعض، وأن يباشرَ التراب بجبهته، وينالَ ثِقْلُ وجهِهِ المُصَلَّى (٢)، ويكون رأسه أسفل ما فيه تكميلًا للخضوع والتذلل لمن له العزّ كله والعظمة كلها، وهذا أيسر اليسير من حقه على عبده، فلو دام كذلك من حين خُلِق إلى أن يموت لما أدّى حق ربّه عليه.
ثم أُمِرَ أن يسبّح ربَّه الأعلى، فيذكر علوّه سبحانه في حال سفوله هو، وينزّهه عن مثل هذه الحال، وأنّ من هو فوق كل شيء، وعالٍ على كل شيء يُنَزَّه عن السفول بكل معنى، بل هو الأعلى بكل معنى من معاني العلو.
ولما كان هذا غاية ذلّ العبد وخضوعه وانكساره؛ كان أقرب ما يكون الربّ منه في هذه الحال، فأُمِر أن يجتهد في الدعاء لقربه من القريب المجيب، وقد قال تعالى: ﴿تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩].
وكان الركوع كالمقدمة بين يدي السجود والتوطئة له، فينتقل من خضوع إلى خضوع أكمل وأتم منه، وأرفع شأنًا.
وفُصِل بينهما بركن مقصود في نفسه، يجتهد فيه في الحمد والثناء والتمجيد، وجُعِل بين خضوعين: خضوعٍ قبله، وخضوعٍ بعده، وجُعِل خضوع السجود بعد الحمد والثناء والمجد، كما جُعِل خضوع الركوع بعد ذلك.
стр. 759
فتأمل هذا الترتيب العجيب، وهذا التنقّل في مراتب العبودية، كيف ينتقل من مقام الثناء على الربّ بأحسن أوصافه وأسمائه وأكمل محامده إلى منزلة خضوعه وتذلّله لمن له هذا الثناء، ويستصحب في مقام خضوعه ثناءً يناسب ذلك المقام، ويليق به، فيذكر عظمة الرب في حال خضوعه، وعلوّه في حال سفوله.
ولما كان أشرف أذكار الصلاة القرآن شُرِع في أشرف أحوال الإنسان، وهي هيئة القيام التي قد انتصب فيها قائمًا على أحسن هيئة، ولما كان أفضل أركانها الفعلية السجود شُرِع فيها بوصف التكرار، وجُعِل خاتمة الركعة وغايتها التي انتهت إليها، فطابق (١) افتتاحُ الركعة بالقرآن واختتامُها بالسجود أولَ سورةٍ افْتُتِح بها الوحي، فإنها بُدِئت بالقراءة، وخُتِمت بالسجود.
وشُرِع له بين هذين الخضوعين أن يجلس جلسة العبيد، ويسأل ربّه أن يغفر له ويرحمه ويرزقه ويهديه ويعافيه، وهذه الدعوات تجمع له خير دنياه وآخرته.
ثم شُرِع له تكرارُ هذه الركعة مرة بعد مرة، كما شُرِع تكرارُ الأذكار والدعوات مرة بعد مرة؛ ليستعد بالأول لتكميل ما بعده، ويجبر بما بعده ما قبله، وليشبع القلب من هذا الغذاء، وليأخذ داؤُهُ نصيبَهُ وافرًا من الدواء ليقاومه؛ فإن منزلة الصلاة من القلب منزلة الغذاء والدواء، فإذا تناول الجائع الشديد الجوع من الغذاء لقمة أو لقمتين كان غناؤها عنه وسدها من جوعه يسيرًا جدًّا، وكذلك المرض الذي يحتاج إلى قدر معين من الدواء، إذا أخذ منه المريض قيراطًا من ذلك لم يزل مرضه بالكلية، وأزال بحسبه، فما حصل
стр. 760
الغذاءُ أو الشفاءُ للقلب بمثل الصلاة، وهي لصحته ودوائه بمنزلة غذاء البدن ودوائه (١).
ثم لما أكمل صلاته شُرِع له أن يقعد قِعْدَة العبد الذليل المسكين لسيده، ويثني عليه بأفضل التحيات، ويسلّم على من جاء بهذا الحظ الجزيل، ومن نالته الأمة على يديه، ثم يسلم على نفسه وعلى سائر عباد الله المشاركين له في هذه العبودية، ثم يتشهد شهادة الحق، ثم يعود فيصلي على من علّم الأمة هذا الخير ودلّهم عليه، ثم شُرِع له أن يسأل حوائجه، ويدعو بما أحب ما دام بين يدي ربّه مقبلًا عليه، فإذا قضى ذلك أذن له في الخروج منها بالتسليم على المشاركين له في الصلاة.
هذا إلى ما تضمنته من الأحوال والمعارف من أول المقامات إلى آخرها، فلا تجد منزلة من منازل السير إلى الله تعالى، ولا مقامًا من مقامات العارفين إلا وهو في ضمن الصلاة.
وهذا الذي ذكرناه من شأنها كقطرة من بحر، فكيف يقال: إنها تكليف محض، لم يُشرَع لحكمة ولا لغاية قصَدها الشارع، بل هي تعب محض، وكلفة ومشقة مستندة إلى محض المشيئة، لا لغرض ولا لفائدة البتّة، بل مجرد قهر وتكليف، وليست سببًا لشيء من مصالح الدنيا ولا الآخرة؟!
ثم تأمّل أبواب الشريعة ووسائلها وغاياتها، كيف تجدها مشحونة بالحِكَم المقصودة، والغايات الحميدة التي شُرِعَت لأجلها، التي لولاها لكان الناس كالبهائم، بل أسوأ حالًا.
стр. 761
فكم في الطهارة من حكمة ومنفعة للقلب والبدن، وتفريح للقلب، وتنشيط للجوارح، وتخفيف من أحمالِ ما أوجبته الطبيعة، وإلقاء عن النفس من دَرَنِ المخالفات، فهي منظفة للقلب والروح والبدن.
وفي غسل الجنابة من زيادة التقوية، والإخلاف على البدن نظير ما تحلّل منه بالجنابة ما هو من أنفع الأمور.
وتأمّل كون الوضوء في الأطراف التي هي محل الكسب والعمل، فجُعِل في الوجه الذي فيه السمع والبصر والكلام والشم والذوق، وهذه الأبواب هي أبواب المعاصي والذنوب كلها، فمنها يُدخَل إليها، ثم جُعِل في اليدين وهما طرفاه وجناحاه اللذان بهما يبطش ويأخذ ويعطي، ثم في الرجلين اللتين بهما يمشي ويسعى.
ولما كان غسْلُ الرأس بماءٍ فيه (١) أعظم حرج ومشقة جُعِل مكانه المسح، وجُعِل ذلك مخرجًا للخطايا من هذه المواضع حتى يخرج مع قطر الماء من شعره وبشره، كما ثبت عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة قال: «إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقيًا من الذنوب» رواه مسلم (٢).
стр. 762
وفي «صحيح مسلم» (١) أيضًا عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ﷺ : «من توضّأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه حتى تخرج من تحت أظفاره» فهذا من أجلّ حِكَم الوضوء وفوائده.
وقال نفاة الحكمة: إنه تكليف محض، ومشقة وعناء (٢)، لا مصلحة فيه، ولا حكمة شُرِع لأجلها!
ولو لم يكن في مصلحته وحكمته إلا أنه سِيْماء هذه الأمة وعلامتهم في وجوههم وأطرافهم يوم القيامة بين الأمم ليست لأحد غيرهم، ولو لم يكن فيه من المصلحة والحكمة إلا أن المتوضّئ يطهّر بدنه بالماء، وقلبه بالتوبة، ليستعد بذلك للدخول على ربه ومناجاته، والوقوف بين يديه طاهر البدن والثوب والقلب، فأي حكمة ورحمة ومصلحة فوق هذا؟!
ولما كانت الشهوة تجري في جميع البدن، حتى إن تحت كل شعرة شهوة؛ سرى غسل الجنابة إلى حيث سرت الشهوة، كما قال ﷺ : «إن تحت كل شعرة جنابة» (٣)، فأمر أن يوصِل الماء إلى أصل كل شعرة، فتبرد حرارة الشهوة، فتسكن النفس وتطمئن إلى ذكر الله وتلاوة كلامه، والوقوف بين يديه.
стр. 763
فوالله؛ لو أن أبُقْراط ودونه أوصوا بمثل هذا لخضع أتباعهم لهم فيه، وعظّموهم عليه غاية التعظيم، وأبدوا له من الحِكَم والفوائد ما قدروا عليه.
ثم لما كان العبد خارج الصلاة مهملَ جوارِحِه (١)، قد أسامها في مراتع الشهوات والحظوظ= أُمِر بعبوديةٍ تَجْمعُ جوارحه (٢) كلّها على ربه، وتأخذُ بحظّها من عبوديته، فيسلّم قلبه وبدنه وجوارحه وحواسّه وقواه لربّه ، واقفًا بين يديه، مُقبِلًا بكلّه عليه، معرضًا عمّا سواه، متنصِّلًا إليه من إعراضه عنه، وجنايته على حقّه.
ولما كان هذا طبعه ودأبه أُمِر أن يجدّد هذا الرجوع إليه والإقبال عليه وقتًا بعد وقت؛ لئلا يطول عليه الأمد فينسى ربَّه، وينقطع عنه بالكلية، فكانت الصلاة من أعظم نعم الله عليه، وأفضل هداياه التي ساقها إليه، فأبى نفاة الحكمة إلا جَعْلها كلفة وعناء وتعبًا، لا لحكمة ولا لمصلحة البتَّة إلا مجرد القهر والمشيئة!
وقد فُتِحَ لك البابُ فسُق الشريعة كلَّها من أولها إلى آخرها هذا المساق، واستدِلّ بما ظهر لك على ما خفي عنك، ولعل الحكمة فيما لم تعلمه أعظم منها فيما علمته؛ فإن الذي علمته على قدر عقلك وفهمك، وما خفي عنك فهو فوق عقلك وفهمك، ولو تتبعنا تفصيل ذلك لجاء عدّة أسفار، فيُكتَفى منه بأدنى تنبيه، والله المستعان.
стр. 764
الوجه الثالث والعشرون: أن هذه الجمادات والحيوانات المختلفة الأشكال والمقادير والصفات والمنافع والقوى والأغذية، والنباتات التي هي كذلك= فيها من الحِكَم والمنافع ما قد أكثرت الأمم في وصفه وتجربته على ممر الدهور، ومع ذلك فلم يصلوا منه إلا إلى أيسر شيء وأقله، بل لو اتفق جميع الأمم لم يحيطوا علمًا بجميع ما أُودِع واحدٌ من ذلك النوع من الحِكَم والمصالح.
هذا إلى ما في ضمن ذلك من الاعتبار والدلالة الظاهرة على وجود الخالق ومشيئته وإرادته واختياره وعلمه وقدرته وحكمته، فإن المادة الواحدة لا تحتمل بنفسها هذه الصور الغريبة والأشكال المتنوعة والمنافع والصفات ولو تركبت مع غيرها، فليس حدوث هذه الأنواع والصور بنفس التركيب أيضًا، ولا هو مقتضٍ له، فحصول هذا التنوع والتفاوت والاختلاف في الحيوان والنبات من أعظم آيات الرب تعالى، ودلائل ربوبيته وقدرته وحكمته وعلمه، وأنه فَعَّال لما يريد اختيارًا ومشيئةً، فتنويع مخلوقاته وحدوثها شيئًا بعد شيء من أظهر الدلالات.
وتأمل كيف أرشد القرآن إلى ذلك في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤].
стр. 765
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ (١)﴾ [الروم: ٢٢].
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً (٢) لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٠ - ١١].
وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النور: ٤٥].
فتأمّل كيف نبّه سبحانه باختلاف الحيوانات في آلة المشي مع اشتراكها في المادة على الاختلاف فيما وراء ذلك من أعضائها وأشكالها وقواها وأفعالها وأغذيتها ومساكنها، فنبّه على الاشتراك والاختلاف، فنشير إلى يسير منه.
فالطير كلها تشترك في الريش والجناح، وتتفاوت فيما وراء ذلك أعظم تفاوت، واشتراك ذوات الحوافر في الحافر كالفرس والحمار والبغل، وتفاوتها فيما وراء ذلك، واشتراك ذوات الأظلاف في الظِّلْف وتفاوتها في غير ذلك، واشتراك ذوات القرون فيها وتفاوتها في الخلق والمنافع والأشكال، واشتراك حيوانات الماء في كونها سابحة تأوي فيه وتتكون فيه (٣) وتفاوتها
стр. 766
أعظم تفاوت، عجز البشر إلى الآن عن حصره، واشتراك الوحوش في البعد عن الناس، والنِّفَار عنهم وعن مساكنهم، وتفاوتها في صفاتها وأشكالها وطبائعها وأفعالها أعظم تفاوت، يعجز البشر عن حصره، واشتراك الماشي منها على بطنه في ذلك وتفاوت نوعه، واشتراك الماشي على رجلين في ذلك وتفاوت نوعه أعظم تفاوت.
وكل من هذه الأنواع له علم وإدراك وتحَيُّل على جلب مصالحه ودفع مضاره، يعجز عن كثير منها نوع الإنسان، فمِن أعظم الحِكَم الدلالةُ الظاهرة على معرفة الخالق الواحد المستولي بقوته وقدرته وحكمته على ذلك كله، بحيث جاءت كلها مطيعة منقادة منساقة إلى ما خلقها له على وفق مشيئته وحكمته، وذلك أدلّ شيء على قوته القاهرة وحكمته البالغة وعلمه الشامل، فتُعلم إحاطة قدرة واحدة، وعلم واحد، وحكمة واحدة ــ أعني بالنوع ــ من قادر واحد، عالِم واحد، حكيم واحد، بجميع هذه الأنواع وأضعافها مما لا تعلمه العقول البشرية، كما قال تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨]، وقال: ﴿(٣٧) فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا﴾ [الحاقة: ٣٨ - ٣٩].
فتجتمع غايات فعله وحكمة خلقه وأمره إلى غاية واحدة هي منتهى الغايات، وهي إلهيته الحق التي كل إلهية سواها باطل ومحال، فهي غاية الغايات، ثم يُنزَل منها إلى غايات أُخَر، هي وسائل بالنسبة إليها، وغايات بالنسبة إلى ما دونها، ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ٤٢].
فليس وراءه معلوم ولا مطلوب ولا مذكور إلا العدم المحض، وليس في الوجود إلا الله ومفعولاته وهي آثار أفعاله، وأفعاله آثار صفاته، وصفاته قائمة به من لوازم ذاته.
стр. 767
والمقصود أن من الغايات المطلوبة (١) العلم بإحاطة عِلم واحد من عالِم واحد، وفِعْل واحد من فاعل واحد، وقدرة واحدة من قادر واحد، وحكمة واحدة من حكيم واحد، بجميع العالم على اختلاف ما فيه. واجتمعت غايات فعله وأمره إلى غاية واحدة، وذلك من أظهر أدلة توحيد الإلهية، كما ابتدأت كلها من خالق واحد، وقادر واحد، ورب واحد.
ودلَّ على الأمرين ــ أعني توحيد الربوبية والإلهية ــ النظام الواحد والحكمة الجامعة للأنواع المختلفة مع كثرتها وتعددها، ودلّ افتقار بعضها إلى بعض، وتشبّك بعضها ببعض، ومعاونة بعضها لبعض، وارتباطه به= على أنها صنع فاعل واحد، وربّ واحد.
فلو كان معه آلهة وأرباب غيره لذهب كل إله بخلقه واستبدّ به، ولم يرضَ لنفسه أن يحتاج خلقُه إلى خَلْقِ غيره، كما لا ترضى ملوك الدنيا أن يحتاج مملوكُ أحدِهم إلى مملوكِ غيرِه (٢)؛ لما في ذلك من النقص والعيب المنافي لكمال الاقتدار والغنى، ودلَّ انتظامها في الوجود، ووقوعها مع تباينها، واختلافها على أكمل الوجوه وأحسنها، على انتهائها إلى غاية واحدة ومطلوب واحد هو إلهها الحق، ومعبودها الأعلى، الذي لا إله لها غيره، ولا معبود لها سواه.
فتأمل كيف دلّ اختلاف الموجودات وتباينها، واجتماعها فيما اجتمعت فيه، وافتراقها فيما افترقت فيه على إله واحد، وربّ واحد، ودلت على صفات كماله ونعوت جلاله.
стр. 768
فالموجودات بأسرها كعسكر واحد، له مَلِك واحد، وسلطان واحد، يحفظ بعضه ببعض، وينظم مصالح بعضه ببعض، ويسد خلل بعضه ببعض، فيمد هذا بهذا، ويقوي هذا بهذا، وينقص من هذا فيزيده في الآخر، ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ اَلْمَيْتِ وَتُخْرِجُ اُلْمَيْتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [آل عمران: ٢٧]، ويبيد هذا فينشئ مكانه من جنسه ما يقوم مقامه، ويسدّ مسده، فيشهد حدوث الثاني أن الذي أحدثه وأوجده هو الذي أحدث الأول لا غيره، وأن حكمته لم تتغير، وعلمه لم ينقص، وقدرته لم تضعف، وأنه لا يتغير بتغير ما تغير منها، ولا يضمحل باضمحلاله، ولا يتلاشى بتلاشيه، بل هو الحي القيوم، العزيز الحكيم.
هذا إلى ما في لوازم مكثها وانتظام بعضها ببعض، وما يصدر عنها من الأفعال والآثار من حِكَم وأفعال أخرى وغايات أُخَر حُكْمها حُكْم موادها وحواملها، كما نشاهده في أشخاصها وأعيانها.
فتأمل (١) ذلك في جزئية واحدة: أنك ترى المعدة تشتاق الغذاء وتجتذبه إليها، فانظر لوازم ذلك قبل تناوله، ولوازمه بعد تناوله، وما يترتب على تلك اللوازم من عمارة الدنيا، فإذا جذبَتْه إليها أنضجتْه وطبختْه، كما تُنْضِج القدرُ ما فيها، فتنضجه الإنضاج الذي تعده لتغذي جميع أجزاء البدن وقواه وأرواحه به، وهي وإن أنضجته لأجل نصيبها الذي ينالها منه فهو قليل من كثير بالنسبة إلى انتفاع غيرها به، فتدفع ما فضل عن غذائها عنها إلى من هو شديد الحاجة إليه على قدر حاجته، من غير أن يقصد ذلك أو يشعر به،
стр. 769
ولكن قد قَصَده وأحكمه مَن هو بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، بحكمته ولطفه، وساقه في المجاري التي لا تنفذ فيها الإبر لدقة مسالكها، حتى أوصله إلى المحتاج إليه، الذي لا صلاح له إلا بوصوله إليه.
وكانت طبيعة الكبد ومزاجها في ذلك تلي طبيعة المعدة، وفعلها يلي فعلها.
وكذلك الأمعاء وباقي الأعضاء كالكبد للقلب في إعداد الغذاء، والقلب للرئة، والرئة للقلب في إعداد الهواء وإصلاحه.
فالأعضاء الموجودة في الشخص إذا تأملتها وتأملت أفعالها ومنافعها، وما تضمنه كل واحد منها من حكمة اختصت به، كشكله ووصفه ومزاجه ووضعه من الشخص بذلك الموضع المعين= علمت علمًا يقينيًا أن ذلك صادر عن خالق واحد، ومدبّر واحد، وحكيم واحد.
فانتقِلْ من هذا إلى أشخاص العالم شخصًا شخصًا من النوع الإنساني؛ تجد الحكمة الواحدة الظاهرة في تلك الأفراد الكثيرة قد نفعت بعضهم ببعض، وأعانت بعضهم ببعض، حَرّاثًا لزَرّاع، وزَرّاعًا لحاصد، وحائكًا لخياط، وخياطًا لنجار، ونجارًا لبنّاء، فهذا يعين هذا بيده، وهذا برجله، وهذا بعينه، وهذا بأذنه، وهذا بلسانه، وهذا بماله (١)، إذ لا يقدر أحدهم على جميع مصالحه، ولا يقوم بحاجاته، ولا توجد في كل واحد واحد (٢) منهم جميع خواص نوعه.
стр. 770
فهم بأشخاصهم الكثيرة كإنسان واحد يقوم بعضه بمصالح بعض، قد كَمَّل خواص الإنسانية في صفاته وأفعاله وصنائعه وما يراد منه، فإن الواحد منهم لا يفي بأن يجمع جميع الفضائل العلمية والعملية والقوة والبقاء، فجُعِل ذلك في النوع الإنساني بجملته.
والله سبحانه قد فرّق كمالات النوع في أشخاصه، وجعل لكل شخص منها ما هو مستعد قابل له، بحيث لو قبل أكثر من ذلك لأُعْطِيَه؛ فإنه جواد لذاته قد فاض جوده وخيره على العالم كله، وفضُل عنه أضعاف ما فاض عليه، فهو يفيضه على تعاقب الآنات أبدًا، ولذلك يَفضُل في الجنة فَضْلٌ عن أهلها فينشئ الله لها خلقًا يسكنهم فَضْلها.
وإنما يتخصص فضله بحسب استعداد القوابل والمُعَدّات، وذلك بمشيئته وحكمته، فهو الذي أوجدها، وهو الذي أعدها، وهو الذي أمدها.
ولمّا كان جوده وفضله أوسع من حاجة الخلق لم يكن بُدّ من بقاء كثير منه مبذولًا في الوجود مهملًا، وهذا كضوء الشمس مثلًا، فإن مصالح الحيوان لا تتم إلا به، وهو مشرق على مواضعَ فَضْلة عن حوائج الحيوان (١)، وكذلك المطر والنبات وسائر النِّعَم، ومع ذلك فلم يعطل وجودها عن حِكَم ومصالح وعبر ودلالات، وعطاء الربّ ونعمه أوسع من حوائج خلقه، فلابُدّ أن يبقى في المياه والأقوات والنبات وغير ذلك أجزاء مهملة.
ولا يقال: ما الحكمة في خلقها؟ فإن هذا سؤال جاهل ظالم؛ فإن
стр. 771
الحكمة في خلق الأرض وما عليها ظاهرة لكل بصير، والمعمور منها بعضها لا كلّها، والرب تعالى واسع الجود دائمه، فجوده وخيره عام دائم فلا يكون إلا كذلك، فإن ذلك من لوازم علمه وقدرته وحكمته، ولعلمه وقدرته وحكمته العموم والشمول والكمال المطلق بكل اعتبار.
فيُعلم من استقراء العالَم وأحواله انتهاؤه إلى عالِم واحد، وقادر واحد، وحكيم واحد، قد أتقن نظامه أحسن الإتقان، وأوجده على أتم الوجوه، وهو سبحانه ناظمُ أفعال الفاعلين مع كثرتها، ورابطُ بعضها ببعض، ومعينُ بعضها ببعض، وجاعلُ بعضها سببًا لبعض، وغايةً لبعض، وهذا من أدلّ الدليل على أنه خالق واحد، وربّ واحد، وقادر واحد.
دلَّ على قدرته كثرةُ أفعاله وتنوعها في الوقت الواحد، وتعاقبها على تتالي الآنات، وتفنّن تصرفاته في مخلوقاته على كثرتها.
ودلَّ على علمه وحكمته كون كل صغير وكبير، ودقيق وجليل داخلًا في النظام الحِكَمِي، ليس فيها شيء سُدى، حتى مسام الشعر في الجلد، ومَراشح اللعاب في الفم، ومجاري الشُّعَب الدقيقة من العروق في أصغر الحيوانات، التي تعجز عنها أبصارنا، ولا تنالها قدرتنا، وهذا فيما دقّ لصغره.
وفيما جَلّ لعظمه، كالرياح الحاملة للسحب إلى الأرض الجُرُز التي لا نبات بها، فيمطرها عليها، فيُخْرِجُ بها نباتًا، ويُحْيي بها حيوانًا، ويجعل فيها خزائن من الطعام والشراب والأقوات والأدوية.
دع ما فوق ذلك (١) من تسخير الشمس والقمر والنجوم، واختلاف
стр. 772
مطالعها ومغاربها لإقامة دولة الليل والنهار، وفصول العام التي بها نظام مصالح مَن عليها.
فإذا تأملت العالم وجدته كالبيت المبني المُعَدّ فيه جميع عتاده، فالسماء سقفه، والأرض بساطه، والنجوم زينته، والشمس سراجه، والعقلاء سكّانه (١)، والليل سَكَنهم، والنهار معاشهم، والمطر سقياهم، والنبات غذاؤهم ودواؤهم وفاكهتهم، والحيوان خدمهم، ومنه قوتهم ولباسهم، والجواهر كنوزهم وذخائرهم، كل شيء منها لما يصلح له، فضروب النبات مهيَّأة لجميع حاجاتهم، وصنوف الحيوانات معدّة لجميع مصالحهم، وذلك أدلّ دليل على وحدانية خالقه وعلمه وحكمته وقدرته (٢).
فلم يكن لون السماء أزرق اتفاقًا، بل لحكمة باهرة؛ فإن هذا اللون أشدّ الألوان موافقة للبصر، حتى إن مِنْ وَصْف الأطباء لمن أصابه ما أضرّ ببصره أو كَلّ بصره (٣)؛ إدمان النظر إلى الخُضْرة وما قرب منها إلى السواد، فجعل أحكم الحاكمين أديم السماء بهذا اللون ليمسك الأبصار الراجعة فيه، فلا يَنْكَأ فيها، فهذا الذي أدركه الناس بعد الفكر والتجربة قد وُجِد مفروغًا منه في الخِلْقة.
ولم يكن طلوع الشمس وغروبها على هذا النظام لغير علة ولا حكمة
стр. 773
مطلوبة، فكم من حكمة ومصلحة في ذلك، من إقامة الليل والسكن فيه، والنهار والمعاش فيه، فلو جعل الله عليهم الليل سرمدًا أو النهار سرمدًا لتعطلت مصالحهم وأكثر معايشهم، والحكمة في طلوعها أظهر من أن تُنْكَر.
ولكن تأمل الحكمة في غروبها، إذ لولا ذلك لم يكن للناس هدوء ولا قرار ولا راحة، وكان الكدّ الدائم يَنْكَأ في أبدانهم ويسرع فسادها، وكان ما على الأرض يحترق بدوام شروق الشمس من حيوان ونبات، فصار النور والظلمة على تضادهما متعاونين متظاهرين على ما فيه صلاح العالم وقوامه ونظامه.
وكذلك الحكمة في ارتفاع الشمس وانحطاطها لإقامة هذه الأزمنة الأربعة، وما في ذلك من الحكمة.
فإن في الشتاء تغور الحرارة في الشجر والنبات فتتولد من ذلك مواد الثمار، ويكثف الهواء فينشأ منه السحاب، ويحدث المطر الذي به حياة الأرض والحيوان، وتشتد أفعال الحيوان، وتقوى الأفعال الطبيعية.
وفي الربيع تتحرك الطبائع، وتظهر المواد الكامنة في الشتاء.
وفي الصيف يسخن الهواء فتنضج الثمار، وتتحلّل فضول الأبدان، ويجفّ وجه الأرض، فيتهيأ للبناء وغيره.
وفي الخريف يصفو الهواء ويعتدل، فيذهب بسَوْرة حر الصيف (١) وسمومه، إلى أضعاف أضعاف ذلك من الحكم.
стр. 774
وكذلك الحكمة في تنقّل الشمس، فإنها لو كانت واقفة في موضع واحد لفاتت مصالح العالم، ولما وصل شعاعها إلى كثير من الجهات؛ لأن الجبال والجدران تحجبها عنها، فاقتضت الحكمة الباهرة أن جعلت مطلع أول النهار من المشرق، فتشرق على ما قابلها من وجه الغرب، ثم لا تزال تغشى وجهًا بعد وجه حتى تنتهي إلى المغرب (١)، فتشرق على ما استتر عنها أول النهار، فتأخذ جميع الجهات منها قسطًا من النفع.
وكذلك الحكمة الباهرة في انتهاء مقدار الليل والنهار إلى هذا الحد، فلو زاد مقدار أحدهما زيادة عظيمة لتعطلت المصالح والمنافع، وفسد النظام.
وكذلك الحكمة في ابتداء القمر دقيقًا، ثم أخْذه في الزيادة حتى يكمل، ثم يأخذ في النقصان حتى يعود إلى حالته الأولى، فكم في ذلك من حكمة ومصلحة ومنفعة للخلق؛ فإنه (٢) بذلك يعرفون الشهور والسنين والآجال وأشهر الحج والتاريخ ومقادير الأعمار ومدد الإجارات وغيرها، وهذا وإن كان يحصل بالشمس إلا أن معرفته بالقمر وزيادته ونقصانه أمر يشترك فيه الناس كلهم.
وكذلك الحكمة في إنارة القمر والكواكب في ظلمة الليل، فإنه مع الحاجة إلى الليل وظلمته لهدوء الحيوان وبرد الهواء عليه وعلى النبات؛ لم يجعل الليل ظلامًا محضًا لا ضياء فيه، فلا يمكن فيه سفر ولا عمل، وربما احتاج الناس إلى العمل بالليل لضيق الوقت عليهم في النهار ولشدة الحر، فيتمكنون في ضوء القمر من أعمال كثيرة، وجُعِل نوره باردًا ليقاوم حرارة نور
стр. 775
الشمس فيه (١) وسمومه، فيبرد سمومه فيعتدل الأمر، ويكسر كيفية كل منهما كيفية الآخر، ويزيل ضررها.
وكذلك الحكمة في خلق النجوم، فإن فيها من الهداية في البر والبحر، والاستدلال على الأوقات، وزينة السماء وغير ذلك ما لم يكن حاصلًا بمجرد الاتفاق، كما يقوله نفاة الحكمة.
واقتضت هذه الحكمة أن جُعِلت نوعين: نوعًا منها يظهر وقتًا ويحتجب آخر، ونوعًا آخر لا يزال ظاهرًا غير مُحْتَجِب، بل جُعِل ظاهرًا بمنزلة الأعلام التي يهتدي بها الناس في الطرقات المجهولة، فهم ينظرون إليها متى أرادوا، ويهتدون بها إلى حيث شاؤوا، وجُعِلت الحكمة في النوع الأول الاستدلال بظهوره على أمور تقارنه، متى طلع في وقت معيّن دلّ على تلك الأمور، فقامت المصلحة والحكمة بالنوعين، مع ما في خلقها من حكم أخرى ومصالح لا يهتدي إليها العباد، فما خلق الله شيئًا سدى.
وقد نظم الله سبحانه الحوادث الأرضية بالأرواح والأجرام العلوية أكمل نظام، تعجز عقول البشر عن الإحاطة ببعضه، وقد استفرغت الأمم السالفة قوى أذهانها في إدراك ذلك فلم تصل منه إلا إلى ما لا نسبة له إلى ما خفي عليها بوجه ما.
وقد جعل الخلّاق العليم سبحانه النجوم فرقتين: فرقة منها لا تَرِيمُ مراكزها (٢) من الفَلَك ولا تسير إلا بسيره، وفرقة أخرى مطلقه تتنقّل في