← Акыда

Акыда · id 205

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 033 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أدري في الثالثة أو في الرابعة قال: "فإن عاد كان حقًّا على الله أن يسقيه من رَدْغة الخبال (١) يوم القيامة". قال: وسمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم مِن نوره، فمَن أصابه مِن نوره يومئذ اهتدى، ومَن أخطأه ضلَّ"، فلذلك أقول: جفَّ القلم على علم الله. وسمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن سليمان بن داود سأل الله ثلاثًا فأعطاه اثنتين، ونحن نرجو أن تكون لنا (٢) الثالثة: سأل الله حُكْمًا يصادف حُكْمه؛ فأعطاه الله إياه، وسأله ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده؛ فأعطاه إياه، وسأله أيما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه، فنحن نرجو أن يكون الله ، يعني: قد أعطانا (٣) إيّاه"، ورواه الحاكم في "صحيحه" (٤)، وقال: "هو على شرط الشيخين، ولا علة له". * * * *

стр. 72

الباب الثاني في تقدير الرب ﵎ شقاوةَ العباد وسعادتَهم وأرزاقَهم وآجالَهم وأعمالَهم قبل خلقهم، وهو تقدير ثانٍ بعد التقدير الأول عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنّا في جنازة في بَقِيع الغَرْقَد، فأتانا رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله، ومعه مِخْصَرة (١)، فنكَّسَ فجعل يَنْكُتُ بمِخْصَرته، ثم قال: "ما منكم من أحد، ما من نفس مَنْفُوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة". قال: فقال رجل: يا رسول الله، أفلا نمكث على كتابنا، وندع العمل؟ فقال: "من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومَن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة"، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ﴾ [الليل:٥ - ١٠]. وفي لفظ: "اعملوا فكل ميسَّر، أما أهل السعادة فيُيَسَّرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فيُيَسَّرون لعمل أهل الشقاوة"، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ﴾ (٢). وعن عمران بن حُصين قال: قيل: يا رسول الله، أَعُلِم أهلُ الجنة من

стр. 73

أهل النار؟ فقال: "نعم"، قيل: ففيم يعمل العاملون؟ قال: "كل ميسَّر لما خُلِق له" متفق عليه (١). وفي بعض طرق البخاري: "كل يعمل لما خُلِق له، أو لما يُسِّر له" (٢). وعن أبي الأسود الدُّؤَلي قال: قال لي عمران بن حصين: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه، أشيء قُضِي عليهم، ومضى عليهم من قَدَرٍ قد سبق، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم، وثبتت الحجة عليهم؟ فقلت: بل شيء قُضِي عليهم، ومضى عليهم. قال: فقال: أفلا يكون ظلمًا؟ قال: ففزعت من ذلك فزعًا شديدًا، وقلت: كل شيء خَلْقُ الله، ومُلْكُ يده، فلا يُسأل عما يفعل وهم يسألون. قال: فقال لي: يرحمك الله، إني لم أرد بما سألتك إلا لأحزر عقلك، إنّ رجلين من مُزَينة أتيا رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله، أرأيت ما يعمل الناس اليوم، ويكدحون فيه، أشيء قُضِي عليهم، ومضى فيهم من قَدَرٍ قد سبق، أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم، وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: "بل شيء قُضِي عليهم، ومضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب الله : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ٨] ". رواه مسلم في "صحيحه" (٣). وعن شُفَي الأصبحي، عن عبد الله بن عمرو قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كتابان، فقال: "أتدرون ما هذان الكتابان؟ " قال: قلنا: لا، إلا أن

стр. 74

تخبرنا يا رسول الله. قال للذي في يده اليمنى: "هذا كتابٌ من ربّ العالمين ﵎ بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أُجْمِل على آخرهم (١)، لا يُزاد فيهم، ولا يُنْقص أبدًا"، ثم قال للذي في يساره: "هذا كتاب أهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أُجْمِل على آخرهم، لا يُزاد فيهم، ولا يُنْقص منهم أبدًا"، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : فلأي شيء نعمل إن كان هذا أمرٌ قد فُرِغ منه؟ قال رسول الله ﷺ : "سدّدوا وقاربوا؛ فإنَّ صاحب الجنة يُخْتم له بعمل الجنة وإنْ عمل أيَّ عمل، وإنَّ صاحب النار يُخْتم له بعمل النار وإنْ عمل أيَّ عمل"، ثم قال بيده فقبضها، ثم قال: "فرغ ربكم من العباد"، ثم قال باليمنى فنبذَ بها، فقال: "فريق في الجنة"، ونبذ باليسرى، فقال: "فريق في السعير". رواه الترمذي عن قتيبة، عن ليث، عن أبي قَبِيل، عن شُفَيّ. وعن قتيبة، عن بكر بن نصر (٢)، عن أبي قَبِيل به، وقال: "حديث حسن صحيح غريب"، ورواه النسائي، والإمام أحمد، وهذا السياق له (٣).

стр. 75

وفي "صحيح الحاكم" (١) وغيره من حديث أبي جعفر الرازي، حدثنا الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبي بن كعب في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ (٢)﴾ قال: "جَمَعهم له يومئذ جمعًا، ما هو كائن إلى يوم القيامة، فجعلهم أرواحًا، ثم صوّرهم واستنطقهم، فتكلموا، وأخذ عليهم العهد والميثاق، ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا يَقُولُوا تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ يَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا (٣) فَعَلَ﴾ [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣]، قال: فإني أُشْهِد عليكم السماوات السبع، والأرضين السبع، وأُشْهِد عليكم أباكم آدم، أن تقولوا يوم القيامة: لم نعلم، أو تقولوا: إنا كنا عن هذا غافلين، فلا تشركوا بي شيئًا، فإني أرسل إليكم رسلي، يذكّرونكم عهدي وميثاقي، وأنزل عليكم كتبي. فقالوا: نشهد أنك ربُّنا وإلهنا، لا ربَّ لنا غيرُك، ورُفِع لهم أبوهم آدم فرأى فيهم الغني والفقير، وحَسَن الصورة وغير ذلك، فقال: ربّ، لو سوَّيتَ بين عبادك؟ فقال: إني أحب أن أُشكر. ورأى فيهم الأنبياء مثل السُرُج" وذكر تمام الحديث.

стр. 76

وفي "صحيحه" و"جامع الترمذي" (١) من حديث هشام بن زيد (٢)، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لما خلق الله آدم مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة أمثال الذر، ثم جعل بين عيني كلِّ إنسان منهم وَبِيصًا (٣) من نور، ثم عرضهم على آدم، فقال: من هؤلاء يا ربِّ؟ قال: هؤلاء ذريتك. فرأى فيهم رجلًا أعجبه وَبِيص ما بين عينيه، فقال: يا ربِّ مَن هذا؟ قال: ابنك داود، يكون في آخر الأمم. قال: كم جعلت له من العمر؟ قال: ستين سنة. قال: يا ربِّ، زده من عمري أربعين سنة. قال الله: إذن يُكتب ويُختم فلا يُبدّل. فلما انقضى عمر آدم جاءه ملك الموت، قال: أَوَ لَم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال له: أولم تجعلها لابنك داود؟! قال: فجحد فجحدت ذريته، ونسي فنسيت ذريته، وخَطِئ فخَطِئت ذريته"، قال: "هذا على شرط مسلم". وفي "الموطأ" (٤): مالك، عن زيد بن أبي أُنَيْسة، أن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره، عن مسلم بن يسار الجهني، أن

стр. 77

عمر بن الخطاب ﵁ سُئل عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ (١)﴾، فقال عمر: سمعت رسول الله ﷺ سُئل عنها، فقال: "إن الله خلق آدم، ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقتُ هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون". فقال رجل: يا رسول الله، ففيم العمل؟ فقال: "إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة، حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار، حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار، فيدخله النار"، قال الحاكم: "هذا الحديث على شرط مسلم" (٢). وليس كما قاله، بل هو حديث منقطع، قال أبو عمر: "هو حديث منقطع؛ فإن مسلم بن يسار هذا لم يلق عمر بن الخطاب، بينهما نعيم بن ربيعة، هذا إن صح؛ لأن (٣) الذي رواه عن زيد بن أبي أُنَيْسة ــ فذكر فيه نعيم بن ربيعة (٤) ــ ليس هو بأحفظ من مالك، ولا ممن يُحتج به إذا خالفه مالك، ومع ذلك فإن نعيم بن ربيعة ومسلم بن يسار جميعًا مجهولان غير معروفين بحمل العلم ونقل الحديث، وليس هو مسلم بن يسار البصري العابد، وإنما هو رجل مدني (٥) مجهول".

стр. 78

ثم ذكر من "تاريخ ابن أبي خيثمة" (١) قال: قرأت على يحيى بن معين حديث مالك هذا، فكتب بيده على مسلم بن يسار: لا يُعرف. قال أبو عمر: "هذا الحديث وإن كان عليل الإسناد فإن معناه عن النبي ﷺ قد روي من وجوه كثيرة، من حديث عمر بن الخطاب وغيره، وممن روى عن النبي ﷺ معناه في القدر: علي بن أبي طالب، وأبيُّ بن كعب، وابن عباس، وابن عمر، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وأبو سَرِيحة الغفاري، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وذو اللحية الكلابي، وعمران بن حصين، وعائشة، وأنس بن مالك، وسراقة بن جُعْشُم، وأبو موسى الأشعري، وعبادة بن الصامت" (٢). قلت: وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، وجابر بن عبد الله، وحذيفة بن أَسِيد (٣)، وأبو ذر، ومعاذ بن جبل، وهشام بن حكيم، وأبو عبد الله رجل من الصحابة، روى عنه أبو نَضْرة، وعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، وأبو الدرداء، وعمرو بن العاص، وعائشة أم المؤمنين، وعبد الله بن الزبير، وأبو أمامة الباهلي، وأبو الطفيل، وعبد الرحمن بن عوف، وبعض أحاديثهم موقوفة، وستمر بك جميعها متفرقة في أبواب الكتاب إن شاء الله .

стр. 79

وقال إسحاق بن راهويه: أخبرنا بقية بن الوليد، قال: أخبرني الزُّبَيْدي محمد (١) بن الوليد، عن راشد بن سعد، عن عبد الرحمن بن أبي قتادة (٢)، عن أبيه، عن هشام بن حكيم بن حزام أن رجلًا قال: يا رسول الله، أَتُبْتَدأ الأعمال أم قد قُضِي القضاء؟ فقال: "إن الله لما أخرج ذرية آدم من ظهره، أشهدهم على أنفسهم، ثم أفاض بهم في كفيه، فقال: هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار، فأهل الجنة ميسَّرون لعمل أهل الجنة، وأهل النار ميسَّرون لعمل أهل النار" (٣). قال إسحاق: وأخبرنا عبد الصمد، حدثنا حماد، حدثنا الجُرَيري، عن أبي نَضْرة أن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ يقال له: أبو عبد الله، دخل عليه أصحابه يعودونه وهو يبكي، فقالوا له: ما يبكيك؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله قبض قبضة بيمينه، وأخرى بيده الأخرى، قال: هذه لهذه،

стр. 80

وهذه لهذه، ولا أبالي"، فلا أدري في أيّ القبضتين أنا (١). أخبرنا عمرو بن محمد، حدثنا إسماعيل بن رافع، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن الله تعالى خلق آدم من تراب، ثم جعله طينًا، ثم تركه، حتى إذا كان صلصالًا كالفخّار كان إبليس يمر به فيقول: خُلِقت لأمر عظيم! ثم نفخ الله فيه من روحه، قال: يا ربِّ، ما ذريتي؟ قال: اختر يا آدم. قال: أختار يمين ربي ــ وكلتا يدي ربي يمين ــ. فبسط الله كفّه، فإذا كلّ من هو كائن من ذرّيته في كفّ الرحمن" (٢). أخبرنا النضر، أخبرنا أبو معشر، عن سعيد المقبري ونافع مولى الزبير، عن أبي هريرة قال: "لما أراد الله أن يخلق آدم ــ فذكر خلق آدم ــ فقال له: يا آدم، أيُّ يديّ أحب إليك أن أريك ذرّيتك فيها؟ قال: يمين ربِّي -وكلتا يدي ربي يمين-، فبسط يمينه، وإذا فيها ذرّيته كلهم ما هو خالق إلى يوم القيامة، الصحيح على هيئته، والمبتلى على هيئته، والأنبياء على هيئاتهم، فقال: ألا أعفيتَهم كلهم؟ فقال: إني أحببتُ أن أشكر" وذكر الحديث (٣).

стр. 81

وقال محمد بن نصر المروزي: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا الليث بن سعد، حدثني ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن عبد الله بن سلام قال: "خلق الله آدم، ثم قال بيده فقبضها، فقال: اختر يا آدم. فقال: اخترت يمين ربي ــ وكلتا يديك يمين ــ. فبسطها فإذا فيها ذريته، فقال: مَن هؤلاء يا رب؟ قال: مَن قضيتُ أن أخلق من ذريتك من أهل الجنة إلى أن تقوم الساعة" (١). قال: وحدثنا إسحاق بن راهويه (٢)، حدثنا جعفر بن عون، أخبرنا هشام ابن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي هريرة (٣)، عن النبي ﷺ قال: "لمّا خلق الله آدم مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة" وذكر الحديث (٤). وقال إسحاق: حدثنا المُلائي، حدثنا المسعودي، عن علي بن بَذِيمة، عن سعيد، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] قال: "إن الله أخذ على آدم ميثاقه أنه ربّه، وكتب أجله ورزقه ومصيباته، ثم أخرج من ظهره ولده كهيئة الذر، فأخذ عليهم

стр. 82

الميثاق أنه ربهم، وكتب أجلهم ورزقهم ومصيباتهم" (١). قال: وثنا وكيع، ثنا الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عباس قال: "مسح الله ظهر آدم، فأخرج كل طيب في يمينه، وفي يده الأخرى كل خبيث" (٢). وقال محمد بن نصر: حدثنا الحسن بن محمد الزَّعْفَراني، وحدثنا (٣) حجاج، عن ابن جريج، عن الزبير بن موسى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "إن الله ضرب منكبه الأيمن، فخرجت كل نفس مخلوقة للجنة بيضاء نقية، فقال: هؤلاء أهل الجنة. ثم ضرب منكبه الأيسر، فخرجت كل نفس مخلوقة للنار سوداء، فقال: هؤلاء أهل النار. ثم أخذ عهده على الإيمان والمعرفة له والتصديق له وبأمره من بني آدم كلهم، وأشهدهم على أنفسهم، فآمنوا وصدقوا وعرفوا وأقرّوا" (٤). حدثنا إسحاق، حدثنا روح بن عبادة، ثنا محمد بن عبد الملك، عن أبيه، عن الزبير بن موسى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس بهذا الحديث،

стр. 83

وزاد: قال ابن جريج: وبلغني أنه أخرجهم على كفّه أمثال الخردل (١). قال إسحاق: وأخبرنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾، قال: "أخذهم كما يؤخذ بالمشط" (٢). وفي "تفسير أسباط": عن السدي، عن أصحابه أبي مالك (٣) وأبي صالح (٤)، عن ابن عباس، وعن مُرّة الهَمْداني، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب النبي ﷺ في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ الآية، قال: "لما أخرج الله آدم من الجنة ــ قبل أن يهبطه من السماء ــ مسح صفحة ظهر آدم اليمنى، فأخرج منه ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ، وكهيئة الذر، فقال لهم: ادخلوا الجنة برحمتي. ومسح صفحة ظهره اليسرى، فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر، فقال: ادخلوا النار ولا أبالي. فذلك حين يقول: ﴿أَصْحَابُ اُلْيَمِينِ﴾ و ﴿أَصْحَابُ اُلشِّمَالِ﴾. ثم أخذ منهم الميثاق، فقال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى. فأعطاه طائفةٌ طائعين، وطائفةٌ كارهين على وجه التَّقِيّة، فقال هو والملائكة: ﴿شَهِدْنَا أَنْ يَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ يَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣]، فلذلك ليس أحد من

стр. 84

ولد آدم إلا وهو يعرف أن ربه الله، ولا مشرك إلا وهو يقول: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]، فذلك قوله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ﴾، وذلك حين يقول: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣]، وذلك حين يقول: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩]، قال: يعني يوم أخذ الميثاق" (١). وقال إسحاق: حدثنا وكيع، حدثنا فِطْر، عن ابن سابط، قال: قال أبو بكر ﵁: "خلق الله الخلق قبضتين، فقال لمن في يمينه: ادخلوا الجنة بسلام. وقال لمن في يده الأخرى: ادخلوا النار ولا أبالي" (٢). وأخبرنا جرير، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن رجل من الأنصار من أصحاب محمد ﷺ قال: "لما خلق الله الخلق قبضتين (٣) بيده، فقال لمن في يمينه: أنتم أصحاب اليمين. وقال لمن في اليد الأخرى: أنتم أصحاب الشمال. فذهبت إلى يوم القيامة" (٤).

стр. 85

وقال عبد الله بن وهب في "كتاب القدر" (١): أخبرني جرير بن حازم، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة قال: "إن الله لما خلق آدم أخرج ذريته، ثم نثرهم في كفه، ثم أفاضهم، فألقى التي في يمينه عن يمينه، والتي في يده الأخرى عن شماله، ثم قال: هؤلاء لهذه ولا أبالي، وهؤلاء لهذه ولا أبالي. وكتب أهل النار وما هم عاملون، وأهل الجنة وما هم عاملون، وطوى الكتاب، ورفع القلم". وقال أبو داود: ثنا مُسَدَّد، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي صالح فذكره (٢). قال ابن وهب: وأخبرني عمرو بن الحارث، وحيوة بن شُرَيح، عن ابن أبي أسيد ــ هكذا قال ــ، عن أبي فراس حدثه، أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول: "إن الله لما خلق آدم نفضه نفض المِزْوَد (٣)، فأخرج من ظهره ذريته أمثال النَّغَف (٤)، فقبضهم قبضتين، ثم ألقاهما، ثم قبضهما، فقال: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] " (٥). قال ابن وهب: وأخبرني يونس بن يزيد، عن الأوزاعي، عن عبد الله بن

стр. 86

عمرو بن العاص قال: "من كان يزعم أن مع الله قاضيًا أو رازقًا، أو يملك لنفسه ضرًّا أو نفعًا، أو موتًا أو حياة أو نشورًا؛ لقي الله فأدحض حجته، وأحرق (١) لسانه، وجعل صلاته وصيامه هباءً (٢)، وقطع به الأسباب، وأكبّه الله على وجهه في النار". وقال: "إن الله خلق الخلق، فأخذ منهم الميثاق، وكان عرشه على الماء" (٣). وذكر أبو داود: ثنا يحيى بن حبيب، ثنا معتمر، ثنا أبي، عن أبي العالية في قوله : ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)﴾ [آل عمران: ١٠٦ - ١٠٧]، قال: صاروا فريقين، وقال لمن سوَّد وجوههم وعَيَّرهم (٤): ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، قال: هو الإيمان الذي كان حيث كانوا أمة واحدة مسلمين" (٥). قال أبو داود: وحدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، ثنا أبو نعامة السعدي قال: كنا عند أبي عثمان النهدي، فحمدنا الله ، فذكرناه

стр. 87

ودعوناه، فقلت: لأنا بأول هذا الأمر أشد فرحًا مني بآخره. فقال أبو عثمان: ثبَّتك الله، كنا عند سلمان، فحمدنا الله وذكرناه ودعوناه، فقلت: لأنا بأول هذا الأمر أشدّ فرحًا مني بآخره. فقال سلمان: ثَبَّتَك الله، إن الله ﵎ لما خلق آدم مسح ظهره، فأخرج من ظهره ما هو ذارئ (١) إلى يوم القيامة، فخلق الذكر والأنثى، والشّقْوَة والسعادة، والأرزاق والآجال والألوان، ومِنْ عَلَم السعادة فِعْلُ الخير ومجالسُ الخير (٢)، ومِنْ عَلَم الشقاوة فِعْلُ الشر ومجالسُ الشر (٣). وقال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، أخبرنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "مسح ربك تعالى ظهر آدم، فأخرج منه ما هو ذارئ (٤) إلى يوم القيامة، أخذ (٥) عهودهم ومواثيقهم". قال سعيد: فيرون أن القلم جَفَّ يومئذ (٦).

стр. 88

وقال الضحاك: خرجوا كأمثال الذر، ثم أعادهم (١). فهذه الآثار (٢) وغيرها تدل على أن الله سبحانه قدَّر أعمال بني آدم وأرزاقهم وآجالهم وسعادتهم وشقاوتهم عقيب خلق أبيهم، وأراهم لأبيهم آدم صورهم وأشكالهم وحلاهم، وهذا ــ والله أعلم ــ أمثالهم وصورهم. وأما تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ الآية به ففيه ما فيه، وحديث عمر ــ لو صح ــ لم يكن تفسيرًا للآية، وبيان أن ذلك هوالمراد بها، فلا يدل الحديث عليه، ولكن الآية دلت على أن هذا الأخذ من بني آدم لا من آدم، وأنه من ظهورهم لا من ظهره، وأنهم ذرياتهم أمة بعد أمة، وأنه إشهاد تقوم به عليهم الحجة له سبحانه، فلا يقول الكافر يوم القيامة: كنت غافلًا عن هذا، ولا يقول الولد المشرك (٣): أشرك أبي وتبعته؛ فإن ما فطرهم الله عليه من الإقرار بربوبيته، وأنه ربهم وخالقهم وفاطرهم؛ حجة عليهم. ثم دلّ حديث عمر وغيره على أمر آخر لم تدل عليه الآية، وهو القدر السابق والميثاق الأول، وهو سبحانه لا يحتج عليهم بذلك، وإنما يحتج عليهم برسله، وهو الذي دلت عليه الآية. فتضمنت الآية والأحاديث إثبات القدر والشرع، وإقامة الحجة، والإيمان بالقدر، فأخبر النبي ﷺ لما سُئل عنها بما يحتاج العبد إلى معرفته والإقرار به معها، وبالله التوفيق.

стр. 89

الباب الثالث في ذكر احتجاج آدم وموسى في ذلك، وحكم النبي ﷺ لآدم صلوات الله وسلامه عليهم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "احتجّ آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم، أنت أبونا خيّبتنا وأخرجتنا من الجنة. فقال له آدم: أنت موسى اصطفاك الله بكلامه، وخطّ لك التوراة بيده، أتلومني على أمر قدَّره الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ ". فقال النبي ﷺ : "فحجّ آدمُ موسى، فحج آدمُ موسى". وفي رواية: "كتب لك التوراة بيده". وفي لفظ آخر: "تحاجَّ آدم وموسى، فحجّ آدمُ موسى، فقال له موسى: أنت آدم الذي أغويت الناس، وأخرجتهم من الجنة. فقال آدم: أنت موسى الذي أعطاه الله علم كل شيء، واصطفاه على الناس برسالته؟ قال: نعم. قال: أفتلومني على أمرٍ قُدِّر عليَّ قبل أن أُخلق". وفي لفظ آخر: "احتجّ آدم وموسى عند ربهما، فحجّ آدمُ موسى، فقال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك في جنته، ثم أهبطتَ الناس بخطيئتك إلى الأرض. قال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء، وقرَّبك نَجِيًّا، فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أُخلق؟

стр. 90

قال موسى: بأربعين عامًا. قال آدم: هل وجدت فيها: "وعصى آدم ربه فغوى"؟ قال: نعم. قال: أفتلومني على أن عملتُ عملًا كَتَبه الله عليَّ أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟! " قال رسول الله ﷺ : "فحجّ آدمُ موسى". وفي لفظ آخر: "احتجّ آدم وموسى، فقال له موسى: أنت آدم الذي أخرَجَتْنا خطيئَتُك من الجنة" وذكر الحديث، متفق على صحته (١). وهذا التقدير بعد التقدير الأول السابق لخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. وقد رَدَّ هذا الحديث مَن لم يفهمه من المعتزلة كأبي علي الجُبّائي (٢)، ومَن وافقه على ذلك، وقال: لو صَحَّ لبطلت نبوات الأنبياء؛ فإن القدر إذا كان حجة للعاصي بطل الأمر والنهي، فإن العاصي بترك الأمر، أو فعل النهي، إذا صحت له الحجة بالقدر السابق ارتفع اللوم عنه. وهذا من ضلال فريق الاعتزال، وجهلهم بالله ورسوله وسنته؛ فإن هذا حديث صحيح متفق على صحته، لم تزل الأمة تتلقاه بالقبول مِن عهد نبيها، قرنًا بعد قرن، وتقابله بالتصديق والتسليم، ورواه أهل الحديث في كتبهم، وشهدوا به على رسول الله ﷺ أنه قاله، وحكموا بصحته، فما لأجهل الناس بالسنة، ومَن عُرف بعداوتها وعداوة حملتها، والشهادة عليهم بأنهم مجسّمة

стр. 91

مشبّهة حشوية نوابت= وهذا الشأن! ولم يزل أهل الكلام الباطل المذموم موكّلين برد أحاديث رسول الله ﷺ التي تخالف قواعدهم الباطلة، وعقائدهم الفاسدة، كما ردوا أحاديث الرؤية، وأحاديث علو الله على خلقه، وأحاديث صفاته القائمة به، وأحاديث الشفاعة، وأحاديث نزوله إلى سمائه، ونزوله إلى الأرض للفصل بين عباده، وأحاديث تكلّمه بالوحي كلامًا يسمعه مَن شاء مِن خلقه حقيقة، إلى أمثال ذلك. وكما ردَّت الخوارج والمعتزلة أحاديث خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة وغيرها، وكما ردَّت الرافضة أحاديث فضائل الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة، وكما ردَّت المعطلة أحاديث الصفات والأفعال الاختيارية، وكما ردَّت القدرية المجوسية أحاديث القضاء والقدر السابق. وكل مَن أصّل أصلًا لم يؤصّله الله ورسوله قاده قسرًا إلى ردِّ السنة أو تحريفها عن مواضعها، فلذلك لم يؤصّل حزب الله ورسوله أصلًا غير ما جاء به الرسول ﷺ ، فهو أصلهم الذي عليه يعوّلون، وآخِيّتهم التي إليها يرجعون. ثم اختلف الناس في فهم هذا الحديث، ووجه الحجة التي توجّهت لآدم على موسى (١).

стр. 92

فقالت فرقة: إنما حَجَّه لأن (١) آدم أبوه، فحجَّه كما يحجُّ الرجلُ ابنَه. وهذا كلام لا تحصيل فيه البتَّة؛ فإن حجة الله يجب المصير إليها مع الأب كانت أو مع الابن أو العبد أو السيد، ولو حجَّ الرجل أباه بحقٍّ وجب المصير إلى الحجة. وقالت فرقة: إنما حَجَّه لأن (٢) الذنب كان في شريعة، واللوم في شريعة. وهذا من جنس ما قبله؛ إذ لا تأثير لهذا في الحجة بوجه، وهذه الأمةُ تلوم الأممَ المخالفة لرسلها المتقدمة عليها، وإن كان لم تجمعهم شريعة واحدة، ويقبل الله شهادتهم عليهم، وإن كانوا من غير أهل شريعتهم. وقالت فرقة أخرى: إنما حَجَّه لأنه كان قد تاب من الذنب، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ولا يجوز لومه. وهذا وإن كان أقرب مما قبله، فلا يصح لثلاثة أوجه: أحدها: أنّ آدم لم يذكر ذلك بوجه، ولا جعله حجَّة على موسى، ولم يقل: أتلومني على ذنب قد تبت منه. الثاني: أنّ موسى أعرف بالله سبحانه وبأمره ودينه من أن يلوم على ذنب قد أخبره الله سبحانه أنه قد تاب على فاعله، واجتباه بعده وهداه؛ فإن هذا لا يجوز لآحاد المؤمنين أن يفعله، فضلًا عن كليم الرحمن. الثالث: أنّ هذا يستلزم إلغاء ما عَلَّق به النبي ﷺ وجه الحجة، واعتبار ما

стр. 93

ألغاه، فلا يُلتفت إليه. وقالت فرقة أخرى: إنما حَجَّه لأنه لامه في غير دار التكليف، ولو لامه في دار التكليف لكانت الحجة لموسى عليه. وهذا أيضًا فاسد من وجهين: أحدهما: أنّ آدم لم يقل له: لُمتني في غير دار التكليف، وإنما قال: أتلومني على أمر قد قُدِّر عليَّ قبل أن أُخلق. فلم يتعرّض للدار، وإنما احتج بالقدر السابق. الثاني: أنّ الله سبحانه يلوم الملومين من عباده في غير دار التكليف، فيلومهم بعد الموت، ويلومهم يوم القيامة. وقالت فرقة أخرى: إنما حَجَّه لأن آدم شهد الحُكْمَ وجريانه على الخليقة، وتفرُّدَ الربّ سبحانه بالربوبية، وأنه لا تتحرك ذرة إلا بمشيئته وعلمه، وأنه لا رادّ لقضائه وقدره، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. قالوا: ومشاهدةُ العبدِ الحُكْمَ لا يدع له استقباح سيئة؛ لأنه يشهد نفسه عدمًا محضًا، والأحكام جارية عليه، مُصَرِّفة له، وهو مقهور مربوب مُدَبَّر، لا حيلة له، ولا قوة له. قالوا: ومَن شهد هذا المشهد سقط عنه اللوم. وهذا المسلك أبطل مسلك سُلِك في هذا الحديث، وهو شرٌّ من مسلك القدرية في رده، وهم إنما ردّوه إبطالًا لهذا القول، وردًّا على قائليه، وأصابوا (١) في

стр. 94

ردهم عليهم وإبطال قولهم، وأخطؤوا في ردّ حديث رسول الله ﷺ ؛ فإن هذا المسلك لو صحّ لبطلت الديانات جملة، وكان القدر حجَّة لكل مشرك وكافر وظالم، ولم يبق للحدود معنى، ولا يُلام جانٍ على جنايته، ولا ظالم على ظلمه، ولا يُنْكَر منكرٌ أبدًا. ولهذا قال شيخ الملحدين ابن سينا في "إشاراته": "العارف لا يُنْكِر منكرًا؛ لاستبصاره بسرِّ الله في القدر" (١). وهذا كلام منسلخ من الملل، ومتابعة الرسل. وأعرف خلق الله به رسلُه وأنبياؤه، وهم أعظم الناس إنكارًا للمنكر، وإنما أُرْسِلوا بإنكار (٢) المنكر، فالعارف أعظم الناس إنكارًا للمنكر؛ لبصيرته بالأمر والقدر، فإن الأمر يوجب عليه الإنكار، والقدر يعينه عليه، ويُنْفِذُه له، فيقوم في مقام: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وفي مقام: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، فيعبده بأمره وقدره، ويتوكلُ عليه في تنفيذ أمره بقدره. فهذا حقيقة المعرفة، وصاحب هذا المقام هو العارف بالله، وعلى هذا أجمعت الرسل من أولهم إلى خاتمهم. وأما مَن يقول: أصبحتُ مُنْفَعِلًا لما يختارهُ ... منِّي ففعلي كلّه طاعات (٣)

стр. 95

ويقول: أنا وإنْ عصيتُ أمرَه فقد أطعتُ إرادتَه ومشيئتَه. ويقول: العارف لا يُنْكِر منكرًا؛ لاستبصاره بسِرِّ الله في القدر. فخارج عما عليه الرسل قاطبة، وليس هو من أتباعهم. وإنما حكى الله سبحانه الاحتجاج بالقدر عن المشركين أعداء الرسل، فقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ (١) الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٨ - ١٤٩]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠]. فهذه أربع مواضع (٢) حكى فيها الاحتجاج بالقدر عن أعدائه، وشيخهم وإمامهم في ذلك عدو الله (٣) الأحقر إبليس، حيث احتجَّ عليه بقضائه فقال:

стр. 96

﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩]. فإن قيل: قد عُلِم بالنصوص والمعقول صحة قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾، و ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا﴾، و ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾، فإنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢]، وقال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣]، فكيف أكذبهم ونفى عنهم العلم، وأثبت لهم الخَرْص فيما هم فيه صادقون؟ وأهل السنة جميعًا يقولون: لو شاء الله ما أشرك به مشرك، ولا كفر به كافر، ولا عصاه أحدٌ من خلقه، فكيف يُنْكِر عليهم ما هم فيه صادقون؟ قيل: بل أنكر سبحانه عليهم ما هم فيه أكذب الكاذبين، وأفجر الفاجرين، ولم ينكر عليهم صدقًا ولا حقًّا، بل أنكر عليهم أبطل الباطل؛ فإنهم لم يذكروا ما ذكروه إثباتًا لقدره وربوبيته ووحدانيته، وافتقارًا إليه، وتوكلًا عليه، واستعانة به، ولو قالوه كذلك لكانوا مصيبين، وإنما قالوه معارضين به لشرعه، ودافعين به لأمره، فعارضوا شرعه وأمره، ودفعوه بقضائه وقدره، ووافقهم على ذلك كل من عارض الأمر ودفعه بالقدر. وأيضًا فإنهم احتجوا بمشيئته العامة وقدره على محبته لما شاءه، ورضاه به، وإذنه فيه، فجمعوا بين أنواع من الضلال: معارضة الأمر بالقدر، ودفعه به، والإخبار عن الله أنه يحب ذلك منهم ويرضاه حيث شاءه وقضاه، وأن لهم الحجة على الرسل بالقضاء والقدر. وقد ورثهم في هذا الضلال وتبعهم عليه طوائف من الناس ممن يدّعي

стр. 97

التحقيق والمعرفة، أو يُدَّعَى فيه ذلك، وقالوا: العارف إذا شاهد الحُكْم سقط عنه اللوم. وقد وقع في كلام شيخ الإسلام أبي إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري ما يوهم ذلك ــ وقد أعاذه الله منه ــ، فإنه قال في باب التوبة من "منازل السائرين" (١): "ولطائفُ أسرار التوبة ثلاثةُ أشياء: أولها: أن تنظر بين الجنايةِ والقَضيَّةِ، فتعرف مُرادَ الله فيها إذ خلَّاك وإتيانَها، فإن الله تعالى إنما يُخلّي العبدَ والذنْبَ لأجل معنيين (٢): أحدهما: أن يعرف عزّته في قضائه، وبرّه في ستره، وحلمه في إمهال راكِبه، وكَرَمَه في قبول العُذر منه، وفضله في مغفرته. والثاني: ليقيم على العبد حجة عدله، فيعاقبه على ذنبه بحجَّته. واللطيفة الثانية: أنْ يعلم أنَّ طلب (٣) البصير الصادق سيّئتَه لم يُبْقِ له حسنة بحال؛ لأنه يسير بين مشاهدة المنّة، وتطلّب عيب النفس والعمل. واللطيفة الثالثة: أنّ مشاهدةَ العبدِ الحُكْمَ لم تدع له استحسانَ حسنةٍ، ولا استقباحَ سيئةٍ؛ لصُعوده من جميع المعاني إلى معنى الحُكْم". فهذا الكلام الأخير ظاهره يبطل استحسان الحسن واستقباح القبيح،

стр. 98

والشرائع كلها مبناها على استحسان هذا، واستقباح هذا، بل مشاهدة الحُكْم تزيد البصير استحسانًا للحسن، واستقباحًا للقبيح، وكلما ازدادت معرفته بالله وأسمائه وصفاته وأمره قوي استحسانه واستقباحه؛ فإنه يوافق في ذلك ربه ورسله، ومقتضى الأسماء الحسنى والصفات العُلى. وقد كان حال شيخ الإسلام في ذلك موافقًا للأمر، وغضبه لله ولحدوده ومحارمه ومقاماته في ذلك شهيرة عند الخاصة والعامة، وكلامه المتقدم بيِّنٌ في رسوخ قدمه في استقباح ما قبَّحه الله، واستحسان ما حسَّنه، وهو كالمُحْكَم فيه؛ وهذا متشابه، فيُرد إلى مُحْكَم كلامه (١). والذي يليق به ما ذكره شيخنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم الواسطي ﵀ في شرحه، فذكر قاعدة في الفناء والاصطلام، فقال: "الفناء: عبارة عن اصطلام العبد لغلبة وجود الحق، وقوة العلم به في العبد، فيزيد بذلك يقينه به، ومعرفته به، وبصفاته سبحانه، فيذهل بذلك كما يذهل الإنسان في أمر عظيم دهمه، فإنه ربما غاب عن شعوره بما دهمه من الأمور المهمة. مثاله: رجل وقف بين يدي سلطان عظيم قاهر من ملوك الأرض، فأذهله عظمة ما يلاحظه من هيبته وسلطانه عن كثير مما يشعر به. وهذا تقريب، والأمر فوق ذلك. فكيف بمن أشهده الله فَرْدانيته، حيث كان ولا شيء معه، فرأى الأشياء مواتًا لا قوام لها إلا بقدرته، فشهدها خيالًا كالهباء بالنسبة إلى وجود الحق تعالى.

стр. 99

وذلك في البصائر القلبية بالكشف الصحيح بعد التصفية، والتدرب في القيام بأعباء الشريعة، وحمل أثقالها، والتخلّق بأخلاقها، يصفِّي الله عبده من درنه، ويكشف لقلبه، فيرى حقائق الأشياء. فمتى تجلّت على العبد أنوار المشاهدة الحقيقية الروحية الدالّة على عظمة الفَرْدانية؛ تلاشى الوجود الذي للعبد واضْمَحَلَّ، كما يتلاشى الليل إذا أسفر عليه الصباح، ويكون العبد في ذلك آكلًا شاربًا، فلا يظهر عليه شيءٌ مغاير لما اعتاده، لكن يزداد إيمانه ويقينه، حتى ربما غطى إيمانُه عن قلبه كلَّ شيء في أوقات سكره، ويبقى وجوده كالخيال، قائمًا بالعبودية في حضرة ذي الجلال. وتعود عليه البصائر الصحيحة في معرفة الأشياء عند صحوه، ثم يزول عنه عدم التمييز، ويقوى على حاله فيتصرف فيه، وذلك هو البقاء، بحيث يتصرف في الأشياء، ولا تحجب (١) عنه ما وجده من الإيمان والإيقان في حال البقاء، بل يعود عليه شعوره الأول بوجود آخر يتولّاه الله ، يُشْهِده فيه (٢) قيامه عليه بتدبيره، ويصل إلى مقام المراد بعد عبوره على (٣) مقام المريد، فيصير به يسمع (٤)، وبه ينطق، كما جاء في الحديث الصحيح (٥).

стр. 100

ووجه آخر: وهو أن الفاني في حال فنائه قبل أن يبلغ إلى مقام البقاء والصحو والتمييز يستتر من قلبه محل الزهد والصبر والورع، لا بمعنى أن تلك المقامات (١) ذهبت وارتفع عنها العبد، لكن بمعنى أن الشهود (٢) ستر محلها من القلب، وانطوت واندرجت في ضمن ما وجده اندراج الحال النازل في الحال العالي، فصارت فيما (٣) وجده الواجد من وجود الحق ضمنًا وتبعًا، وصار القلب مشتغلًا بالحال الأعلى عن الحال الأدنى، بحيث لو فُتش قلبُ العبد لوُجِدَ فيه الزهدُ والورعُ، وحقائقُ الخوف والرجاءِ مستورًا بأمثال الجبال من الأحوال الوجودية التي يضيق القلب عن الاتساع لمجموعها، ثم في حال البقاء والصحو والتمييز تعود عليه تلك المقامات بالله، لا بوجود نفسه. إذا علمت ذلك انحلَّ إشكال قوله: "إنّ مشاهدةَ العبد الحُكْم (٤) لم تدع له استحسان حسنة، ولا استقباح سيئة؛ لصعوده إلى معنى الحُكْم"، أي أن صفة حُكْم الله حَشَأت (٥) بصيرته وملأتها، فشهد قيام الله تعالى على الأشياء

стр. 101

وتصرفه فيها وحكمه عليها، فرأى الأشياء كلها منه (١)، صادرة عن نفاذ حكمه وتقديره وإرادته القدرية، فغاب بما لاحظ من الجمع عن التمييز والفرق، ويُسمى هذا جمعًا؛ لأن العبد اجتمع نظره إلى مولاه في كل حكم وقع في الكون، وفي ملاحظة هذا الحكم الذي صدرت عنه المتفرقات (٢) اجتمع قلبه، ولضعف قلبه حين حضر (٣) هذا الاجتماع (٤) لم يتسع (٥) للتمييز الشرعي بين (٦) الحسن والقبيح، بمعنى أنه انطوى حكم معرفته بالحسن والقبيح في طي هذه المعرفة الساترة له عن التمييز، لا بمعنى أنه ارتفع عن قلبه حكم التحسين والتقبيح، بل اندرج في مشهده وانطوى بحيث لو فُتش لوُجِد حكم التحسين والتقبيح مستورًا في طيّ مشهده ذلك، وبالله التوفيق". وتلخيص ما ذكره شيخنا ﵀ أن للفعل وجهين: وجه هو قائم بالربّ تعالى، وهو قضاؤه، وقدره له، وعلمه به، ومشيئته النافذة فيه الموجدة له، ووجه هو قائم بالعبد، وهو كسبه له، وفعله واختياره.

стр. 102

والعبد له ملاحظتان: ملاحظة للوجه الأول، وملاحظة للوجه الثاني، والكمال أن لا يغيب بإحدى الملاحظتين عن الأخرى، بل يشهد قضاء الربّ تعالى وقدره ومشيئته، ويشهد مع ذلك فعله وجنايته وطاعته ومعصيته. فيشهد الربوبية والعبودية، فيجتمع في قلبه معنى قوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨]، مع قوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا يَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٢٩ - ٣٠]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ (١) تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر: ٥٤ - ٥٦]. فمن الناس من يتسع قلبه لهذين الشهودين، ومنهم من يضيق قلبه عن اجتماعهما بقوة الوارد عليه، وضعف المحل، فيغيب بشهود العبودية والكسب وجهة الطاعة والمعصية عن شهود الحكم القائم بالربّ تعالى من غير إنكار له، فلا يظهر عليه إلا أثر الفعل وحكمه الشرعي، وهذا لا يضره إذا كان الإيمان بالحكم قائمًا في قلبه. ومنهم من يغيب بشهود الحكم وسبقه وأولية الربّ تعالى وسبقه للأشياء عن جهة عبوديته وكسبه وطاعته ومعصيته، فيغيب بشهود الحكم عن شهود المحكوم به، فضلًا عن صفته، فإذا لم يشهد له فعلًا، فكيف يشهد كونه حسنًا أو قبيحًا؟ وهذا أيضًا لا يضره إذا كان علمه بحسن الفعل وقبحه قائمًا في قلبه، وإنما توارى عنه لاستيلاء شهود الحكم على قلبه، وبالله التوفيق.

стр. 103

فأين هذا من احتجاج أعداء الله بمشيئته وقدره على إبطال أمره ونهيه؟ وعُبَّاد هؤلاء الكفرة يشهدون أفعالهم كلها طاعات؛ لموافقتها المشيئة السابقة، ولو أغضبهم غيرُهم وقصَّر في حقوقهم لم يشهدوا فعله طاعة، مع أنه وافق فيه المشيئة، فما احتج بالقدر على إبطال الأمر والنهي إلا مَن هو مِن أجهل الناس وأظلمهم وأتبعهم لهواه. وتأمّل قوله سبحانه بعد حكايته عن أعدائه احتجاجَهم بمشيئته وقدره (١) على إبطال ما أمرهم به رسوله، وأنه لولا محبته ورضاه به لما شاءه منهم: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ٤٩]، فأخبر سبحانه أن الحجة له عليهم برسله وكتبه، وبيان ما ينفعهم ويضرهم، ويمكّنهم من الإيمان بمعرفة أدلته وبراهينه، وإعطائهم الأسماع والأبصار والعقول، فثبتت حجته البالغة عليهم بذلك، واضمحلّت حجتهم الباطلة عليه بمشيئته وقضائه. ثم قرر تمام الحجة بقوله: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾، فإن هذا يتضمن أنه المنفرد بالربوبية والملك والتصرف في خلقه، وأنه لا ربّ غيره، ولا إله سواه، فكيف يعبدون معه إلهًا غيره؟! فإثبات القدر والمشيئة من تمام حجته البالغة عليهم، وأن الأمر كله لله، وأن كل شيء ما خلا الله باطل، فالقضاء والقدر والمشيئة النافذة من أعظم أدلة التوحيد؛ فَجَعَلها الظالمون الجاحدون حجة لهم على الشرك، فكانت حجة الله هي البالغة، وحجتهم هي الداحضة، وبالله التوفيق.

стр. 104

إذا عُرف هذا، فموسى صلوات الله عليه وسلامه أعرف بالله وأسمائه وصفاته من أن يلوم على ذنب قد تاب منه فاعله، واجتباه ربّه بعده وهداه واصطفاه، وآدم صلوات الله عليه وسلامه أعرف بربّه من أن يحتج بقضائه وقدره (١) على معصيته، بل إنما لام موسى آدمَ على المصيبة التي نالت الذرية بخروجهم من الجنّة، ونزولهم إلى دار الابتلاء والمحنة، بسبب خطيئة أبيهم، فَذَكر الخطيئة تنبيهًا على سبب المصيبة والمحنة التي نالت الذرية، ولهذا قال له: "أخرجتنا ونفسك من الجنة"، وفي لفظ: "خيبتنا"، فاحتج آدم بالقدر على المصيبة، وقال: إن هذه المصيبة التي نالت الذرية بسبب خطيئتي كانت مكتوبة مقدّرة قبل خلقي. والقدر يُحتج به في المصائب دون المعائب، أي: أتلومني على مصيبة قُدّرت عليّ وعليكم قبل خلقي بكذا وكذا سنة؟ هذا جواب شيخنا ﵀ (٢). وقد يتوجه جواب آخر: وهو أن الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في موضع، ويضر في موضع، فينفع إذا احتُجَّ به بعد وقوعه والتوبة منه وتَرْك معاودته، كما فعل آدم ﵇، فيكون في ذكر القدر إذ ذاك من التوحيد ومعرفة أسماء الربّ وصفاته وذكرها ما ينتفع به الذاكر والسامع؛ لأنه لا يَدفع بالقدر أمرًا ونهيًا؛ ولا يُبْطِل به شريعة، بل يُخبر بالحق المحض على وجه التوحيد، والبراءة من الحول والقوة.

стр. 105

يوضحه أن آدم ﵇ قال لموسى: "أتلومني على أن عملتُ عملًا كان مكتوبًا عليَّ قبل أن أُخلق؟ "، فإذا أذنب الرجل ذنبًا ثم تاب منه توبة نصوحًا، وزال أثره وموجبه حتى كأن لم يكن، فأنَّبه مؤنِّب عليه ولامه= حَسُنَ منه أن يحتج بالقدر بعد ذلك، ويقول: هذا أمر كان قد قُدِّر عليَّ قبل أن أُخلق، فإنه لم يَدفع بالقدر حقًّا، ولا ذكره حجة له على الباطل، فلا محذور في الاحتجاج به. وأما الموضع الذي يضرّ الاحتجاج به ففي الحال أو المستقبل؛ بأن يرتكب فعلًا محرمًا، أو يترك واجبًا فيلومه عليه لائم، فيحتج بالقدر على إقامته عليه وإصراره، فيُبطل بالاحتجاج به حقًّا، ويرتكب باطلًا، كما احتجَّ به المُصِرّون على شركهم وعبادتهم غير الله فقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، و ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف:٢٠]، فاحتجوا به مُصَوِّبين لما هم عليه، وأنهم لم يندموا على فعله، ولم يعزموا على تركه، ولم يقروا بفساده، فهذا ضدُّ احتجاج مَن تبين له خطأ نفسه، وندم وعزم كل العزم على أن لا يعود، فإذا لامه لائم بعد ذلك قال: كان ما كان بقدر الله. ونكتة المسألة: أن اللوم إذا ارتفع صحَّ الاحتجاج بالقدر، وإذا كان اللوم واقعًا فالاحتجاج بالقدر باطل. فإن قيل: فقد احتجَّ عليٌّ بالقدر في ترك قيام الليل، وأقرَّه النبي ﷺ ، كما في "الصحيح" (١) عن علي: أن رسول الله ﷺ طَرَقه وفاطمة ليلًا، فقال لهم:

стр. 106

"ألا تصلون؟ " قال علي: فقلت: يا رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثها بعثها. فانصرف رسول الله ﷺ حين قلت له ذلك ولم يرجع إليّ شيئًا، ثم سمعته وهو مدبر يضرب فخذه، وهو يقول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف:٥٤]. قيل: علي لم يحتج بالقدر على ترك واجب ولا فعل محرم، وإنما قال: إن نفسه ونفس فاطمة بيد الله، فإذا شاء أن يوقظهما ويبعث أنفسهما بعثها. وهذا موافق لقول النبي ﷺ ليلة باتوا (١) في الوادي: "إن الله قبض أرواحنا حيث شاء، وردها حيث شاء" (٢). وهذا احتجاج صحيح، صاحبه معذور فيه؛ فإن النائم غير مفرّط، واحتجاج غير المفرّط بالقدر صحيح. وقد أرشد النبي ﷺ (٣) إلى الاحتجاج بالقدر في الموضع الذي ينفع العبد الاحتجاج به، فروى مسلم في "صحيحه" (٤) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أنِّي فعلتُ لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدَّر الله وما شاء فعل؛ فإن

стр. 107

لو تفتح عمل الشيطان". فتضمن هذا الحديث الشريف أصولًا عظيمة من أصول الإيمان: أحدها: أن الله سبحانه موصوف بالمحبة، وأنه يحب حقيقة. الثاني: أنه يحب مقتضى أسمائه وصفاته وما يوافقها، فهو القويُّ ويحب المؤمن القويَّ، وهو وِترٌ يحب الوتر، وجميل يحب الجمال، وعليم يحب العلماء، ونظيف يحب النظافة، ومؤمن يحب المؤمنين، ومحسن يحب المحسنين، وصابر يحب الصابرين، وشاكر يحب الشاكرين. ومنها: أن محبته للمؤمنين تتفاضل، فيحب بعضهم أكثر من بعض. ومنها: أن سعادة الإنسان في حرصه على ما ينفعه في معاشه ومعاده، والحرص هو بذل الجهد واستفراغ الوسع، فإذا صادف ما ينتفع به الحريص كان حرصه محمودًا، وكماله كله في مجموع هذين الأمرين: أن يكون حريصًا، وأن يكون حرصه على ما ينتفع به، فإنْ حرص على ما لا ينفعه، أو فعل ما ينفعه بغير حرص؛ فاته من الكمال بحسب ما فاته من ذلك، فالخير كله في الحرص على ما ينفع. ولما كان حرص الإنسان وفعله إنما هو بمعونة الله ومشيئته وتوفيقه، أمره أن يستعين بالله؛ ليجتمع له مقام: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فإنَّ حرصه على ما ينفعه عبادة لله، ولا تتم إلا بمعونته، فَأَمَره بأن يعبده وأن يستعين به. ثم قال: "ولا تعجز" فإن العجز ينافي حرصه على ما ينفعه، وينافي استعانته بالله، فالحريص على ما ينفعه، المستعين بالله: ضدُّ العاجز.

стр. 108

فهذا إرشاد له قبل وقوع المقدور (١) إلى ما هو من أعظم أسباب حصوله، وهو الحرص عليه مع الاستعانة بمن أزِمَّة الأمور بيديه، ومصدرها منه، ومردّها إليه. فإن فاته ما لم يُقدَّر له، فله حالتان: حالة عجز، وهي مفتاح عمل الشيطان، فيلقيه العجز إلى "لو"، ولا فائدة في "لو" ههنا، بل هي مفتاح اللوم والجزع والسخط والأسف والحزن، وذلك كله من عمل الشيطان، فنهاه ﷺ عن افتتاح عمله بهذا المفتاح، وأمره بالحالة الثانية، وهي النظر إلى القدر وملاحظته، وأنه لو قُدِّر له لم يفته، ولم يغلبه عليه أحد، فلم يبق له ههنا أنفع من شهود القدر، ومشيئة الربّ النافذة التي توجب وجود المقدور (٢)، وإذا انتفت امتنع وجوده، فلهذا قال: "فإن غلبك أمرٌ، فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا، ولكن قل: قدَّر الله وما شاء فعل" (٣). فأرشده إلى ما ينفعه في الحالتين: حالة حصول مطلوبه، وحالة فواته. فلهذا كان هذا الحديث مما لا يستغني عنه العبد أبدًا، بل هو أشد شيء إليه ضرورة، وهو يتضمن إثبات القدر والكسب والاختيار، والقيام بالعبودية ظاهرًا وباطنًا في حالتي حصول المطلوب وعدمه، وبالله التوفيق. * * * *

стр. 109

الباب الرابع في ذكر التقدير الثالث والجنين في بطن أمه، وهو تقدير شقاوته وسعادته ورزقه وأجله وعمله وسائر ما يلقاه، وذكر الجمع بين الأحاديث الواردة في ذلك (١) عن عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله ﷺ ــ وهو الصادق المصدوق ــ: "إنَّ أحدكم يُجمَعُ خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله إليه المَلك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكَتْب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره؛ إنَّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكونُ بينه وبينها إلا ذراعٌ، فيسبقُ عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعٌ، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها" متفق عليه (٢). وعن حذيفة بن أَسِيد يبلغ به النبي ﷺ قال: "يدخل المَلَك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة، فيقول: يا ربِّ، أشقي أم سعيد؟ فيكتبان، فيقول: أي ربِّ، أذكر أم أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه، ثم تُطوى الصحيفة فلا يزاد فيها ولا ينقص" رواه

стр. 110

مسلم (١). وعن عامر بن واثلة، أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد مَن وُعِظ بغيره. فأتى رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ يقال له: حذيفة بن أَسِيد الغفاري، فحدَّثه بذلك من قول ابن مسعود فقال: وكيف يشقى رجل بغير عمل؟ فقال له الرجل: أتعجب من ذلك؟ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا مرّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكًا فصوّرها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا ربِّ، أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب المَلَك، ثم يقول: يا ربِّ، أجله؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب المَلَك، ثم يقول: يا ربِّ، رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب المَلَك، ثم يخرج المَلَك بالصحيفة في يده، فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص". وفي لفظ آخر: سمعت رسول الله ﷺ بأذنيَّ هاتين يقول: "إن النطفة تقع في الرَّحم أربعين ليلة، ثم يتسوّر عليها المَلَك" ــ قال زهير بن معاوية: أحسبه قال: "الذي يخلقها" ــ "فيقول: يا ربِّ، أذكر أم أنثى؟ فيجعله الله ذكرًا أو أنثى، ثم يقول: يا ربِّ، سَوِيّ أو غير سَوِيّ؟ فيجعله الله سَويًّا أو غير سَوِيٍّ، ثم يقول: يا ربِّ، ما رزقُه، وما أجَلُه، وما خُلُقُه؟ ثم يجعله الله شقيًا أو سعيدًا". وفي لفظ آخر: "إن ملَكًا موكلًا بالرحم، إذا أراد الله أن يخلق شيئًا بإذن الله، لبضعٍ وأربعين ليلة" ثم ذكر نحوه.
следующие страницы →