← Акыда

Акыда · id 205

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 033 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

لكان أشبه بهذا المعنى، مع أن النفخ هو بعد الكتابة. فصل (١) قال أبو عمر (٢): قال محمد بن نصر المروزي (٣): وهذا المذهب شبيه بما حكاه أبو عبيد عن ابن المبارك: أنه سئل عن هذا الحديث، فقال: يفسّره قوله: «الله أعلم بما كانوا عاملين» (٤). قال المروزي: وقد كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا القول، ثم تركه. قال أبو عمر: وما رسمه مالك في «موطئه» (٥)، وذكره (٦) في أبواب القدر؛ فيه من الآثار [ما] (٧) يدلّ على أن مذهبه في ذلك نحو هذا. قال شيخنا: أئمة السنة مقصودهم أن الخلق صائرون إلى ما سبق في علم الله فيهم من إيمان وكفر، كما في الحديث الآخر: أن الغلام الذي قتله الخضر طُبِع يوم طُبِع كافرًا، والطَّبْع: الكتاب، أي: كُتِب كافرًا، كما في الحديث الصحيح: «فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد» (٨).

стр. 947

وليس إذا كان الله كتبه كافرًا يقتضي أنه حين الولادة كافر، بل يقتضي أنه لا بدّ أن يكفر، وذلك الكفر هو التغيير، كما أن البهيمة التي وُلِدت جَمْعاء ــ وقد سبق في علمه أنها تُجْدَع ــ كَتَب أنها مجدوعة بجَدْع يحدث لها بعد الولادة، ولا يجب أن تكون عند الولادة مجدوعة. فصل (١) وكلام أحمد في أجوبة له أخرى يدل على أن الفطرة عنده الإسلام، كما ذكر محمد بن نصر عنه أنه آخر قوليه، فإنه كان يقول: إن صبيان أهل الحرب إذا سُبُوا بدون الأبوين كانوا مسلمين، وإن كانوا معهما فهم على دينهما، فإن سُبُوا مع أحدهما ففيه عنه روايتان، وكان يحتج بالحديث. قال الخلال في «الجامع» (٢): أنا أبو بكر المَرُّوذي: [أنّ] أبا عبد الله قال [في] (٣) سبي أهل الحرب: إنهم مسلمون إذا كانوا صغارًا، وإن كانوا مع أحد الأبوين. وكان يحتج بقول رسول الله ﷺ : «فأبواه يُهَوِّدانه

стр. 948

ويُنَصِّرانه». قال: وأما أهل الثغر فيقولون: إذا كان مع أبويه: أنهم يجبرونه على الإسلام. قال: ونحن لا نذهب إلى هذا، قال النبي ﷺ : «فأبواه يُهَوِّدانه ويُنَصِّرانه». قال الخلال: أنا عبد الملك الميموني، قال: سألت أبا عبد الله قبل الحبس: عن الصغير يخرج من أرض الروم، وليس معه أبواه؟ فقال: إن مات صلّى عليه المسلمون. قلت: يُكْرَه على الإسلام؟ قال: إذا كانوا صغارًا يُصلّون عليهم، أكره عليه (١). قلت: فإن كان معه أبواه؟ قال: إذا كان معه أبواه أو أحدهما لم يُكْرَه، ودينه على دين أبويه. قلت: إلى أي شيء تذهب؟ إلى حديث النبي ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه ... » (٢). قال: نعم، وعمر بن عبد العزيز فَادَى به، فلم يردّه (٣) إلى بلاد الروم إلا وحكمه حكمهم. قلت: في الحديث: كان معه أبواه؟ قال: لا، وليس ينبغي إلا أن يكون معه أبواه (٤).

стр. 949

قال الخلال: ما رواه الميموني قولٌ أولُ لأبي عبد الله. وكذلك نَقَلَ إسحاق بن منصور (١): أن أبا عبد الله قال: إذا لم يكن معه أبواه فهو مسلم. قلت: لا يجبرون على الإسلام إذا كان معه أبواه أو أحدهما؟ قال: نعم. قال الخلال: وقد روى هذه المسألة عن أبي عبد الله خَلْقٌ، كلهم قال: إذا كان مع أحد أبويه فهو مسلم (٢). وهؤلاء النفر سمعوا من أبي عبد الله بعد الحبس، وبعضهم قبل وبعد. والذي أذهب إليه ما رواه الجماعة. قال الخلال (٣): وحدثنا أبو بكر المَرّوذي قال: قلت لأبي عبد الله: إني كنت بواسط، فسألوني عن الذي يموت هو وامرأته ويدعان (٤) طفلين، ولهما عَمٌّ، ما تقول فيهما؟ فإنهم قد كتبوا إليّ بالبصرة فيها. فقال: أكره أن أقول فيهما برأي، دع حتى أنظر؛ لعل فيها عمن تقدم. فلما كان بعد شهر عاودته، قال: نظرتُ فيها فإذا [قول] (٥) النبي ﷺ :

стр. 950

«فأبواه يُهَوِّدانه ويُنَصِّرانه»، وهذا ليس له أبوان. قلت: يُجْبَر على الإسلام؟ قال: نعم، هؤلاء مسلمون لقول النبي ﷺ . وكذلك نقل يعقوب بن بختان، قال: قال أبو عبد الله: الذّمّي إذا مات أبواه وهو صغير أُجْبِر على الإسلام. وذكر الحديث: «فأبواه يُهَوِّدانه ويُنَصِّرانه». ونقل عنه عبد الكريم بن الهيثم العاقولي في المجوسِيَّيْنِ يولد لهما ولد، فيقولان: هذا مسلم، فيمكث خمس سنين ثم يُتوفى؟ قال: ذاك يدفنه المسلمون، قال النبي ﷺ : «فأبواه يُهَوِّدانه ويُنَصِّرانه». وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن قوم يزوجون بناتهم من قوم على أنه ما كان من ذكر فهو للرجل مسلم، وما كان من أنثى فهي مشركة يهودية أو مجوسية أو نصرانية؟ فقال: يُجْبَر هؤلاء مَنْ أبَى منهم على الإسلام؛ لأنّ أباهم مسلم (١)؛ حديث (٢) النبي ﷺ : «فأبواه يُهَوِّدانه ويُنَصِّرانه»، يُردّون كلهم إلى الإسلام. ومثل هذا كثير في أجوبته، يحتج بالحديث على [أن الطفل] (٣) إنما

стр. 951

يصير كافرًا بأبويه، فإذا لم يكن مع أبوين كافرين فهو مسلم، فلو لم تكن الفطرة الإسلام لم يكن بعدم أبويه يصير مسلمًا؛ فإن الحديث إنما دلّ على أنه يولد على الفطرة. ونقل عنه الميموني: أنّ الفطرة هي الدين، وهي الفطرة الأولى. قال الخلال (١): أخبرني الميموني، أنه قال لأبي عبد الله: «كل مولود يولد على الفطرة»، يدخل عليه إذا كان أبواه معه أن يكون حكمه حكم ما كانوا صغارًا؟ فقال لي: نعم، ولكن يدخل عليك في هذا. فتناظرنا بما يدخل عليَّ من هذا القول، وبما يكون بقوله (٢). قلت لأبي عبد الله: فما تقول أنت فيها؟ وإلى أي شيء تذهب؟ قال: [أَيْش] (٣) أقول! أنا ما أدري؟ أخبرك هي مسلمة (٤) كما ترى. ثم قال لي: والذي يقول: «كل مولود يولد» ينظر أيضًا إلى الفطرة الأولى التي فُطِر الناس عليها.

стр. 952

قلت له: فما الفطرة الأولى؟ هي الدين؟ قال: نعم، فمن الناس من يحتج بالفطرة الأولى مع قول النبي ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة». قلت لأبي عبد الله: فما تقول لأعرفَ قولك؟ قال: أقول: إنه على الفطرة الأولى. قال شيخنا: فجواب أحمد أنه على الفطرة الأولى، وقوله: إنها الدين= يوافق القول بأنه على دين الإسلام (١). فصل (٢) وأما جواب أحمد أنه على ما فُطِر عليه من شقاوة وسعادة، الذي ذكر محمد بن نصر أنه كان يقول به، ثم تركه؛ فقال الخلال (٣): أخبرني محمد ابن يحيى الكحال، أنه قال لأبي عبد الله: «كل مولود يولد على الفطرة» ما تفسيرها؟ قال: هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها، شقي أو سعيد. وكذلك نقل عنه الفضل بن زياد وحنبل وأبو الحارث: أنهم سمعوا أبا عبد الله في هذه المسألة قال: الفطرة التي فطر الله العباد عليها من الشقاوة والسعادة.

стр. 953

وكذلك نقل عنه علي بن سعيد أنه سأل أبا عبد [الله] عن «كل مولود يولد على الفطرة» قال: [على] الشقاوة والسعادة، قال: يرجع إلى ما خلق (١). وعن الحسن بن ثواب، قال: سألت أبا عبد الله عن أولاد المشركين، قلت: إن ابن أبي شيبة أبا بكر، قال: هو على الفطرة حتى يهوّده أبواه أو يُنَصِّرانه؟ فلم يعجبه شيء من هذا القول، وقال: كل مولود من أطفال المشركين على الفطرة، يولد على الفطرة التي خُلِق عليها من الشقاء والسعادة التي سبقت في أمّ الكتاب، أَرْفَعُ (٢) ذلك إلى الأصل، هذا معنى: «كل مولود يولد على الفطرة». فمن أصحابه [مَن جعل] هذا قولًا قديمًا له، ثم تركه، ومنهم من جعل المسألة على روايتين وأطلق، ومنهم من حكى عنه فيها ثلاث روايات: الثالثة الوقف. فصل (٣) قال شيخنا: والإجماع والآثار المنقولة عن السلف لا يدل إلا على

стр. 954

القول الذي رجحناه، وهو أنهم [ولدوا] على الفطرة، ثم صاروا إلى ما سبق في علم الله فيهم من سعادة وشقاوة، لا يدل على أنهم حين الولادة لم يكونوا على فطرة سليمة مقتضية للإيمان، ومستلزمة له لولا المعارِض. وروى ابن عبد البر بإسناده عن موسى بن عُبَيدة: سمعت محمد بن كعب القرظي في قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمِ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٢٩ - ٣٠]، قال: من ابتدأ الله خلقه على الهدى صَيَّره إلى الهدى، وإن عمل بعمل أهل الضلالة، ومن ابتدأ خلقه للضلالة صيَّره إلى الضلالة، وإن عمل بعمل أهل الهدى، ابتدأ خلق إبليس على الضلالة، وعمل بعمل أهل السعادة مع الملائكة، ثم ردَّه الله إلى ما ابتدأ خلقه عليه من الضلالة، فقال: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وابتدأ خلق السحرة على الهدى، وعملوا بعمل الضلالة، ثم هداهم الله إلى الهدى والسعادة، وتوفاهم عليها مسلمين (١). فهذا المنقول عن محمد بن كعب يبيّن أن الذي ابتدأهم عليه هو ما كتب أنهم صائرون إليه، وأنهم قد يعملون قبل ذلك غيره، وأن من ابْتُدِئ على الضلالة ــ أي كُتِب أن يموت ضالًّا ــ فقد يكون قبل ذلك عاملًا بعمل أهل الهدى، وحينئذ فمن وُلِد على الفطرة السليمة المقتضية للهدى لا يمنع (٢) أن يعرض لها ما يغيرها، فيصير إلى ما سبق به القدر. كما في الحديث الصحيح: «إنّ أحدكم يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما

стр. 955

يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة» (١). وقال سعيد بن جبير في قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ قال: كما كتب عليكم تكونون. وقال مجاهد: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ شقي وسعيد. وقال أيضًا: يُبْعَث المسلم مسلمًا، والكافر كافرًا. وقال أبو العالية: عادوا إلى علمه فيهم: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ (٢). قلت: هذا المعنى صحيح في نفسه، دلّ عليه القرآن والسنة والآثار السلفية، وإجماع أهل السنة، وأما كونه هو المراد بالآية ففيه ما فيه. والذي يظهر من الآية أن معناها معنى نظرائها وأمثالها من الآيات التي يحتج الله سبحانه فيها على النشأة الثانية بالأولى، [و] (٣) على المعاد بالمبدأ، فجاء باحتجاج في غاية الاختصار والبيان، فقال: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾، كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحج: ٥]، وقوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ الآية [يس: ٧٨]، وقوله:

стр. 956

﴿أَيَحْسِبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ تُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨)﴾ إلى قوله: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٣٦ - ٤٠]، وقوله: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ [الطارق: ٥ - ٨]، أي على رَجْع الإنسان حيًّا بعد موته. هذا هو الصواب في معنى الآية (١). يبقى أن يقال: فكيف يرتبط هذا بقوله: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾؟ فيقال: هذا الذي أوجب لأصحاب ذلك القول ما تأولوا به الآية، ومَن تأمّل الآية علم أن [هذا] القول أولى بها. ووجه الارتباط أنّ الآية تضمّنت قواعد الدين علمًا وعملًا واعتقادًا، فأمر سبحانه فيها بالقسط ــ وهو [العدل]ــ الذي هو حقيقة شرعه ودينه، وهو يتضمّن التوحيد، فإنه أعدل العدل، والعدل في معاملة الخلق، والعدل في العبادة ــ وهو الاقتصاد في السنة ــ ويتضمن الأمر بالإقبال على الله، وإقامة عبوديته في بيوته، ويتضمّن الإخلاص له، وهو عبوديته وحده لا شريك له، فهذا ما فيها من العمل. ثم أخبر بمبدئهم ومعادهم، فتضمّن ذلك حدوث الخلق وإعادته، فذلك الإيمان بالمبدأ والمعاد.

стр. 957

ثم أخبر عن القدر الذي هو نظام التوحيد، فقال: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمِ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠]. فتضمّنت الآية الإيمان بالقدر والشرع، والمبدأ والمعاد، والأمر بالعدل والإخلاص. ثم ختم الآية بذكر حال من لم يصدّق هذا الخبر، ولم يطع هذا الأمر؛ بأنه قد والى الشيطان دون ربّه، وأنه على ضلال وهو يحسب أنه على هدى، والله أعلم. فصل (١) وقال آخرون: معنى قوله: «كل مولود يولد على الفطرة» أنّ الله فطرهم على الإنكار والمعرفة، وعلى الكفر والإيمان، فأخذ من ذرية آدم الميثاق حين خلقهم فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾؟ قالوا جميعًا: ﴿بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، فأما أهل السعادة فقالوا: بلى على معرفة له طوعًا من قلوبهم، وأما أهل الشقاء فقالوا: بلى كرهًا غير طوع. قالوا: ويصدّق ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣]. قالوا: وكذلك قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمِ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٢٩ - ٣٠]. قال محمد بن نصر المروزي: سمعت إسحاق بن راهويه يذهب إلى

стр. 958

هذا المعنى، واحتج بقول أبي هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]. قال إسحاق: يقول لا تبديل للخلقة التي جُبِل عليها ولد آدم كلهم، يعني من الكفر والإيمان، والمعرفة والإنكار. واحتج بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢]. قال إسحاق: أجمع أهل العلم أنها الأرواح قبل الأجساد، استنطقهم وأشهدهم على أنفسهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، قال: انظروا ألا تقولوا: إنا كنّا عن هذا غافلين، أو تقولوا: إنما أشرك آباؤنا من قبل. وذكر حديث أبي بن كعب في قصة الغلام الذي قتله الخضر، قال: وكان الظاهر ما قال موسى: أقتلت نفسًا زاكيةً بغير نفس؟! فأعلم الله الخضر ما كان الغلام عليه في الفطرة التي فطره عليها، وأنه لا تبديل لخلق الله، فأمر بقتله؛ لأنه كان قد طُبِع كافرًا. وفي «صحيح البخاري» (١) أن ابن عباس كان يقرؤها: «وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين». قال إسحاق: فلو ترك النبي ﷺ الناس ولم يبيّن لهم حكم الأطفال لم يعرفوا المؤمنين منهم من الكافرين؛ لأنهم لا يدرون ما جُبِل كل واحد عليه

стр. 959

حتى (١) أخرج من ظهر آدم، فبيّن النبي ﷺ حكم الأطفال في الدنيا (٢): أبواه يُهَوِّدانه ويُنَصِّرانه ويُمَجِّسانه، يقول: أنتم لا تعلمون ما طُبِع عليه في الفطرة الأولى، لكن حكم الطفل في الدنيا حكم أبويه، فاعرفوا ذلك بالأبوين، فمن كان صغيرًا بين أبوين مسلمين أُلْحِق بحكم الإسلام. وأما إيمان ذلك وكفره مما يصير إليه؛ فعِلْم ذلك إلى الله، وبِعِلْم ذلك فَضَّل الله الخضر في علمه بهذا على موسى؛ إذ أطلعه الله عليه في ذلك الغلام، وخَصَّه بذلك. قال: ولقد سئل ابن عباس عن ولدان المسلمين والمشركين، فقال: حسبك ما اختصم فيه موسى والخضر. قال إسحاق: ألا ترى إلى قول عائشة ــ حين مات صبي من الأنصار بين أبوين مسلمين ــ: طوبى له، عصفور من عصافير الجنة. فردَّ عليها النبي ﷺ وقال: «مَهْ يا عائشة، وما يدريك؟ إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلًا، وخلق النار وخلق لها أهلًا» (٣). قال إسحاق: فهذا الأصل الذي يعتمد عليه أهل العلم.

стр. 960

وسئل حماد بن سلمة، عن قول النبي ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة»، فقال: هذا عندنا حيث أخذ العهد عليهم في أصلاب آبائهم (١). قال ابن قتيبة: يريد حين مسح ظهر آدم، فاستخرج منه ذريته إلى يوم القيامة أمثال الذر، وأشهدهم على أنفسهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] (٢). قال شيخنا (٣): أصلُ مقصودِ الأئمة صحيح، وهو منع احتجاج القدرية بهذا الحديث على نفي القدر، لكن لا يُحتاج مع ذلك أن يُفسَّر القرآن والحديث إلا بما هو مراد الله ورسوله، ويجب أن يُتّبع في ذلك ما دلّ عليه الدليل. وما ذكروه أنّ الله فطرهم على الكفر والإيمان والمعرفة والنَّكَرة إن أرادوا به أنّ الله سبق علمُهُ وقدرُهُ بأنهم سيؤمنون ويكفرون ويعرفون وينكرون، وأن ذلك كان بمشيئة الله وقدره وخلقه= فهذا حقٌّ تردّه القدرية، فغلاتُهم ينكرون العلم، وجميعهم ينكرون عموم خلقه ومشيئته وقدرته. وإن أرادوا أن هذه المعرفة والنَّكَرة كانت موجودة حين أخذ الميثاق كما في ظاهر المنقول عن إسحاق= فهذا يتضمن شيئين: أحدهما: أنهم حينئذ كانت المعرفة والإيمان موجودًا فيهم، كما قال ذلك طوائف من السلف، وهو الذي حكى إسحاق الإجماع عليه.

стр. 961

وفي تفسير الآية نزاع بين الأئمة (١)، وكذلك في خلق الأرواح قبل الأجساد قولان معروفان. لكن المقصود هنا أن هذا إن كان حقًّا فهو توكيد لكونهم ولدوا على تلك المعرفة والإقرار، فهذا لا يخالف ما دلت عليه الأحاديث من أنه يولد على الملة، وأن الله خلق خلقه حنفاء، بل هو مؤيد لذلك (٢). وأما قول القائل: إنهم في ذلك الإقرار انقسموا إلى مطيع وكافر، فهذا لم يُنقل عن أحد من السلف فيما أعلم إلا عن السُّدِّي في تفسيره، قال: لما أخرج الله آدم من الجنة ــ قبل أن يهبطه من السماء ــ مسح صفحة ظهره اليمنى، فأخرج منه ذرّية بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذرّ، فقال لهم: ادخلوا الجنة برحمتي. ومسح صفحة ظهره اليسرى، فأخرج منه ذرّية سوداء كهيئة الذرّ، فقال: ادخلوا النار ولا أبالي. ذلك قوله: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧]، ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ [الواقعة: ٤١] ثم أخذ منهم الميثاق، فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ فأعطاه طائفةٌ طائعين، وطائفةٌ كارهين على وجه التَّقِيّة، فقال هو والملائكة: ﴿شَهِدْنَا يَقُولُوا تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا﴾ [الأعراف: ١٧٢]، فليس أحد من ولد آدم إلا وهو يعرف الله بأنه ربّه، وذلك قوله : ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣]، وكذلك (٣) قوله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾

стр. 962

[الأنعام: ١٤٩] يعني يوم أخذ الميثاق (١). قال شيخنا: ومثل (٢) هذا الأثر لا يوثق به؛ فإن في «تفسير السُّدِّي» أشياء قد عُرِف بطلان بعضها، وهو ثقة في نفسه، وأحسن أحوال هذا وأمثاله أن يكون كالمراسيل إن كان مأخوذًا عن النبي ﷺ ، فكيف إذا كان مأخوذًا عن أهل الكتاب؟! ولو لم يكن في هذا إلا معارضة لسائر الآثار التي تتضمن التسوية بين جميع الناس في الإقرار (٣). وأما قوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣]، فإنما هو في الإسلام الموجود منهم بعد خلقهم؛ لم يقل: إنهم حين العهد الأول أسلموا طوعًا وكرهًا. يدل على ذلك أنّ ذلك الإقرار الأول جعله الله حجة عليهم عند مَن يثبته، ولو كان فيهم كاره لقال: لم أقرّ طوعًا بل كرهًا. فلا تقوم به عليه حجة. وأما احتجاج [إسحاق] رحمه [الله] (٤) بقول أبي هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]؛ فهذه الآية فيها قولان: أحدهما: أن معناها النهي، كما تقدم عن ابن جرير أنه فسّرها

стр. 963

[بذلك] (١)، فقال: أي لا تبدّلوا دين الله الذي فطر عليه عباده. وهذا قول غير واحد من المفسرين، لم يذكروا غيره. والثاني: ما قاله إسحاق، وهو أنها خبر على ظاهرها، وأنّ خَلْق الله لا يبدله أحد. وظاهر اللفظ [أنه] (٢) خبر فلا يُجْعل نهيًا بغير حجة، وهذا أصحُّ. وحينئذ فيكون المراد: أنّ ما جَبَلهم عليه من الفطرة لا يُبدَّل، فلا يُجْبلون على غير الفطرة، لا يقع هذا أصلًا. والمعنى: أن الخلق لا يتبدّل، فيُخلقون على غير الفطرة، ولم يرد بذلك أن الفطرة لا تتغيّر بعد الخلق، بل نفس الحديث يبين أنها تتغيّر، ولهذا شبّهها بالبهيمة التي تولد جَمْعاء، ثم تُجْدع، ولا تولد بهيمة مَخْصِيّة ولا مَجْدوعة. وقد قال تعالى عن الشيطان: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]، فاللهُ أَقْدَرَ الخلقَ على أن يغيّروا ما خلقهم عليه بقدرته ومشيئته، وأما (٣) تبديل الخلق بأن يُخلَقوا على غير تلك الفطرة؛ فهذا لا يقدر عليه إلا الله، والله لا يفعله، كما قال: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾، ولم يقل: لا تغيير؛ فإن تبديل الشيء يكون بذهابه وحصول بدله، ولكن إذا غُيِّر بعد وجوده لم يكن الخلق الموجود عند الولادة [قد حصل بدله] (٤). وأما قول القائل: لا تبديل للخلقة التي جُبِل عليها بنو آدم كلهم من كفر

стр. 964

وإيمان؛ فإن عنى به [أن] (١) ما سبق به القدر من الكفر والإيمان لا يقع خلافه؛ فهذا حق، ولكن ذلك لا يقتضي أن تبديل الكفر بالإيمان ــ وبالعكس ــ ممتنع، ولا أنه غير مقدور، بل العبد قادرٌ على ما أمره الله به من الإيمان، وعلى ترك ما نهاه عنه من الكفر، وعلى أن يبدّل حسناته بالسيئات، وسيئاته بالحسنات، كما قال الله: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ [النمل: ١١]. وهذا التبديل كله بقضاء الله وقدره، وهذا بخلاف ما فُطِروا عليه حين الولادة؛ فإن ذلك خَلْق الله الذي لا يقدر على تبديله غيرُه، وهو سبحانه لا يبدّله، بخلاف تبديل الكفر بالإيمان وبالعكس؛ فإنه يبدّله كثيرًا، والعبد قادرٌ على تبديله بإقدار الربّ له على ذلك. ومما يوضح ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، فهذه فطرة محمودة، أَمَرَ الله بها نبيه، فكيف تنقسم إلى كفر وإيمان مع أَمْرِ الله تعالى بها؟! وقد تقدم تفسير السلف: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ أي: لدين الله، أو النهي عن الخِصَاء ونحوه. ولم يقل أحد منهم: إن المعنى: لا تبديل لأحوال العباد من كفر إلى إيمان وعكسه؛ فإن تبديل ذلك موجود، ومهما وقع كان هو الذي سبق به القدر، والرب تعالى عالم بما سيكون، لا يقع خلاف معلومه، فإذا وقع التبديل كان هو الذي علمه.

стр. 965

وأما قوله عن الغلام: «إنه طُبِع يوم طُبِع كافرًا»، فالمراد به أنه كُتِب كذلك وقُدِّر وخُتِم، فهو من طَبْع الكتاب، ولفظ الطَّبْع لما صار يستعمله كثير من الناس في الطبيعة التي هي بمعنى الجِبِلّة والخِلْقة ظَنّ الظانّ أن هذا مراد الحديث. وهذا الغلام الذي قتله الخضر ليس في القرآن ما يبيّن أنه كان غير بالغ ولا مكلّف، بل قراءة ابن عباس تدل على أنه كان كافرًا في الحال، وتسميته غلامًا لا تمنع أن يكون مكلّفًا قريبَ عهدٍ بالصغر، ويدل عليه أن موسى لم ينكر قتله لصغره، بل لكونه زاكيًا، ولم يقتل نفسًا. لكن يقال: في الحديث الصحيح ما يدلّ على أنه كان غير بالغ من وجهين: أحدهما: أنه قال: «فمرّ بصبي يلعب مع الصبيان». الثاني: أنه قال: «ولو أدرك لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا»، وهذا دليل على كونه لم يدرك بعد. فيقال: الكلام على الآية على التقديرين: فإن كان بالغًا وقد كفر؛ فقد قُتِل على كفره الواقع بعد البلوغ، ولا إشكال. وإن كان غير بالغ فلعل تلك الشريعة كان فيها التكليف قبل الاحتلام (١) عند قوة عقل الصبي وكمال تمييزه.

стр. 966

وإن لم يكن التكليف قبل البلوغ بالشرائع واقعًا؛ فلا يمتنع وقوعه بالتوحيد ومعرفة الله، كما قاله طوائف من أهل الكلام والفقه من أصحاب أبي حنيفة وأحمد وغيرهم. وعلى هذا فيمكن أن يكون مكلّفًا بالإيمان قبل البلوغ، وإن لم يكن مكلّفًا بشرائعه، وكُفْر الصبي المميِّز [صحيح] (١) عند أكثر العلماء، فإذا ارتدّ صار مرتدًّا، لكن لا يُقتَل حتى يبلغ. فالغلام الذي قتله الخضر: إما أن يكون كافرًا بعد البلوغ؛ فلا إشكال، وإما أن يكون غير بالغ وهو مكلف في تلك الشريعة؛ فلا إشكال أيضًا، وإما أن يكون مكلفًا بالتوحيد والمعرفة غير مكلف بالشرائع؛ فيجوز قتله في تلك الشريعة، وإما أن لا يكون مكلفًا [أصلًا] (٢)؛ فقُتِل لئلا يفتن أبويه عن دينهما، كما يُقتل الصبي الكافر في ديننا إذا لم يندفع ضرره عن المسلمين إلا بالقتل، [بل الصبي الذي يقاتل المسلمين يقتل، فقتل الصبي الكافر يجوز لدفع صياله الذي لا يندفع إلا بالقتل] (٣). وأما قتلُ صبي لم يكفر بعد، بين أبوين مؤمنين؛ للعلم بأنه إذا بلغ كفَرَ وفَتَن أبويه؛ فقد يُقال: ليس في القرآن ولا في السنة ما يدل عليه. وأيضًا فإن الله لم يأمر أن يُعاقَب أحدٌ بما يُعلم أنه يكون منه قبل أن يكون منه، ولا هو سبحانه يُعاقِب العباد على ما يَعلم أنهم سيفعلونه حتى يفعلوه.

стр. 967

وقائل هذا القول يقول: إنه ليس في قصة الخضر شيء من الاطلاع على الغيب الذي لا يعلمه عموم الناس، وإنما فيها عِلْمه بأسباب لم يكن عَلِم بها موسى، مثل عِلْمه بأنّ السفينة لمساكين يعملون، ووراءهم ملك ظالم، وهذا أمر يعلمه غيره. وكذلك كون الجدار كان لغلامين يتيمين، وأنّ أباهما كان رجلًا صالحًا، وأنّ تحته كنزًا لهما؛ مما يمكن أن يعلمه كثيرٌ من الناس. وكذلك كُفْر الصبي مما يمكن أنه كان يعلمه كثير من الناس حتى أبواه، لكن لمحبتهما له لا ينكران عليه، أو لا يقبل منهما. فإن كان الأمر على ذلك؛ فليس في الآية حُجّة على قولهم أصلًا. وإن [كان] (١) ذلك الغلام لم يكفر بعد، ولكن سبق في العلم أنه إذا بلغ كَفَر؛ فمن يقول هذا يقول: إنّ قَتْله دفعًا لشره (٢)، كما قال نوح: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٦ - ٢٧]. وعلى هذا فلم يكن قبل قيام الكفر به كافرًا. وقراءة ابن عباس: «وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين»؛ ظاهرة أنه كان حينئذٍ كافرًا. فإن قيل: فهذا الغلام كان أبواه مؤمنين؛ فلو كان مولودًا على فطرة الإسلام ــ وهو بين أبوين مسلمين ــ لكان مسلمًا تبعًا لهما، وبحكم الفطرة، فكيف يُقتَل والحالة هذه؟

стр. 968

قيل: إن كان بالغًا فلا إشكال، وإن كان مميِّزًا وقد كفر فيصح كفره وردَّته عند كثيرٌ من العلماء، وإن [كان] (١) لا يُقتَل حتى يبلغ عندهم، فلعل في تلك الشريعة يجوز قتْل المميِّز الكافر، وإن كان صغيرًا غير (٢) مميِّز فيكون قتْله خاصًّا به؛ لأن الله أطلع الخضر على أنه لو بلغ لاختار غير دين الأبوين. وعلى هذا يدل قول ابن عباس لنجدة ــ وقد سأله عن قَتْل صبيان الكفار فقال ــ: «إن علمتَ فيهم ما علمه الخضر من الغلام فاقتلهم» (٣). فإن قيل: إذا كان مولودًا على الفطرة وأبواه مؤمنين؛ فمن أين جاءه الكفر؟ قيل: إنما قال النبي ﷺ ذلك على الغالب، وإلا فالكفر قد يأتيه من قبل غير أبويه، فهذا الغلام إن كان كافرًا في الحال فقد جاءه الكفر من غير جهة أبويه، وإن كان المراد أنه إذا بلغ سيكفر باختياره فلا إشكال. فصل (٤) وأما تفسير قول النبي ﷺ : «فأبواه يُهَوِّدانه ويُنَصِّرانه ويُمَجِّسانه» أنه أراد به مجرّد الإلحاق في أحكام الدنيا دون أن يكون أراد أنهما يغيّران الفطرة= فهذا خلاف ما يدلّ عليه الحديث؛ فإنه شَبّه تكفير الأطفال بجَدْع البهائم تشبيهًا للتغيير بالتغيير.

стр. 969

وأيضًا فإنه ذكر هذا الحديث لمّا قتلوا (١) أولاد المشركين فنهاهم عن قتلهم، وقال: «أليس خياركم أولاد المشركين؟ كل مولود يولد على الفطرة»، فلو أراد أنه تابعٌ لأبويه في الدنيا لكان هذا حجة له، يقولون: هم كفار كآبائهم؛ [فنقْتُلُهم كآبائهم] (٢). وكون الصغير يتبع أبواه (٣) في أحكام الدنيا هو لضرورة بقائه في الدنيا؛ فإنه لابدّ له من مربٍّ يربيه، وإنما يربيه أبواه، فكان تابعًا لهما ضرورة. ولهذا مَن سُبِي منفردًا عنهما صار تابعًا لسابِيهِ عند جمهور العلماء، كأبي حنيفة والشافعي وأحمد والأوزاعي وغيرهم؛ لكونه هو الذي يربّيه. وإذا سُبِي منفردًا عن أحدهما أو معهما ففيه نزاع بين العلماء. واحتجاج الفقهاء كأحمد وغيره بهذا الحديث على أنه متى سُبِي منفردًا عن أبويه يصير مسلمًا؛ لا (٤) يستلزم أن يكون المراد بتكفير الأبوين (٥) مجرد لحاقه بهما (٦) في الدين، ولكن وجه الحجة أنه إذا وُلِد على الملّة فإنما ينقله عنها الأبوان اللذان يغيرانه عن (٧) الفطرة، فمتى سباه المسلمون منفردًا

стр. 970

عنهما لم يكن هناك من يغير دينه، وهو مولود على الملة الحنيفية فيصير مسلمًا بالمُقْتضِي السالم عن المعارض. ولو كان الأبوان يجعلانه كافرًا في نفس الأمر بدون تعليم وتلقين لكان الصبي المَسْبِي بمنزلة البالغ الكافر، ومعلوم أن البالغ الكافر إذا سباه المسلمون لم يصر مسلمًا؛ لأنه صار كافرًا حقيقة، فلو كان الصبي التابع لأبويه كافرًا حقيقة لم ينتقل عن الكفر بالسّباء، فعُلِم أنه كان يجري عليه حكم الكفر في الدنيا تبعًا لأبويه، لا لأنه صار كافرًا في نفس الأمر. يبين ذلك: أنه لو سباه كفار ولم يكن معه أبواه لم يصر مسلمًا، فهو هنا كافر في حكم الدنيا، وإن لم يكن أبواه هوّداه ونصّراه. فعُلِم أن المراد بالحديث: أنّ الأبوين يلقّنانه (١) الكفر ويعلمانه إياه. وذَكَر النبي ﷺ الأبوين لأنهما الأصل العام الغالب في تربية الأطفال؛ فإن كل طفل فلا بدّ له من أبوين، وهما اللذان يربيانه مع بقائهما وقدرتهما. ومما يبين ذلك: قوله في الحديث الآخر: «كل مولود يولد على الفطرة حتى يُعْرِب عنه لسانه: فإما شاكرًا وإما كفورًا» (٢)، فجعله على الفطرة إلى أن يعقل ويميز، فحينئذ يتبين له أحد الأمرين، ولو كان كافرًا في الباطن بكفر

стр. 971

الأبوين لكان ذلك من حين يولد قبل أن يُعْرِب عنه لسانه. وكذلك قوله في الحديث الصحيح: «إني خلقتُ عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين، وحرّمتْ عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرَتْهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا» (١)؛ صريح في أنهم خُلِقوا على الحنيفية، وأن الشياطين اجتالتهم، وحرّمتْ عليهم الحلال، وأمرَتْهم بالشرك. فلو كان الطفل يصير كافرًا في نفس الأمر من حين يولد؛ لكونه يتبع أبويه في الدين قبل أن يعلّمه أحدٌ الكفرَ ويلقّنه إياه= لم يكن الشياطين هم الذين غَيّروهم عن الحنيفية، وأمروهم بالشرك. فصل (٢) ومنشأ الاشتباه في هذه المسألة اشتباه أحكام الكفر في الدنيا بأحكام الكفر في الآخرة؛ فإن أولاد الكفار لمَّا كان يجري عليهم أحكام الكفر في الدنيا، مثل ثبوت الولاية عليهم لآبائهم، وحضانتهم لهم، وتمكينهم من تعليمهم وتأديبهم، والموارثة بينهم وبينهم، واسترقاقهم وغير ذلك= صار يظن من يظن أنهم كفار في نفس الأمر، كالذي تكلم بالكفر وعمل به. ومن ههنا قال محمد بن الحسن: إن هذا الحديث ــ وهو قوله: «كل مولود يولد على الفطرة» ــ كان قبل أن تنزل الأحكام. فإذا عُرِف أنّ كونهم وُلِدوا على الفطرة لا ينافي أن يكونوا تبعًا لآبائهم في أحكام الدنيا زالت الشبهة.

стр. 972

وقد يكون في بلاد الكفر من هو مؤمن يكتم إيمانه، ولا يعلم المسلمون حاله، فلا يُغسَّل ولا يُصلَّى عليه، ويُدفن مع المشركين، وهو في الآخرة من أهل الجنة، كما أن المنافقين في الدنيا تجري عليهم أحكام المسلمين، وهم في الدرك الأسفل من النار، فحكم الدار الآخرة غير حكم الدار الدنيا. وقوله: «كل مولود يولد على الفطرة» إنما أراد به الإخبار بالحقيقة التي خُلِقوا عليها، وعليها (١) الثواب والعقاب في الآخرة إذا عملوا بموجَبها، وسلمت عن المعارِض، ولم يرد به الإخبار بأحكام الدنيا؛ فإنه قد عُلِم بالاضطرار من شَرْع الرسول أنّ أولاد الكفار تبعٌ لآبائهم في أحكام الدنيا، وأنّ أولادهم لا يُنْزَعون منهم إذا كانوا ذمّة، فإن كانوا محاربين استُرِقّوا، ولم يتنازع المسلمون في ذلك. لكن تنازعوا في الطفل إذا مات أبواه أو أحدهما، هل يُحْكَم بإسلامه؟ وعن أحمد في ذلك ثلاث روايات: إحداهن: يُحكم بإسلامه بموت الأبوين أو أحدهما؛ لقوله: «فأبواه يُهَوِّدانه ويُنَصِّرانه»، وهذا ليس معه أبواه، وهو على الفطرة وهي الإسلام لِمَا تقدم؛ فيكون مسلمًا. والثانية: لا يُحكم بإسلامه بذلك، وهذا قول الجمهور. قال شيخنا (٢): وهذا القول هو الصواب، بل هو إجماع قديم من السلف والخلف، بل هو ثابت بالسنة التي لا ريب فيها.

стр. 973

فقد عُلِم أن أهل الذمة كانوا على عهد رسول الله ﷺ بالمدينة، ووادي القرى، وخيبر، ونجران، واليمن، وغير ذلك، وكان فيهم من يموت وله ولد صغير، ولم يحكم النبي ﷺ بإسلام [يتامى] (١) أهل الذمة ولا خلفاؤه. وأهل الذمة كانوا في زمانهم طَبَقَ الأرض بالشام، ومصر، والعراق وخراسان، وفيهم من يتاماهم عدد كثير، ولم يحكموا بإسلام واحد منهم؛ فإنّ عَقْد الذمّة اقتضى أن يتولّى بعضهم بعضًا، فهم يتولّون حضانة يتاماهم، كما كان الأبوان يتولون تربيتهم. وأحمد يقول: إن الذمّي إذا مات ورثه ابنه الطفل، مع قوله في إحدى الروايات: إنه يصير مسلمًا؛ لأن أهل الذمّة ما زال أولادهم يرثونهم؛ لأن الإسلام حصل مع استحقاق الإرث، لم يحصل قبله، ونَصّ على أنه إذا مات الذمّي عن حَمْل منه لم يرثه؛ للحكم بإسلامه قبل وضعه، وكذلك لو كان الحمل من غيره، كما إذا مات وخلّف امرأة ابنه أو أخيه حاملًا فأسلمت أمه قبل وضعه؛ لم يرثه؛ لأنا حكمنا بإسلامه من حين أسلمت أمه، وكذلك هناك حكمنا بإسلامه من حين مات أبوه. وقد وافق الإمام أحمد الجمهورَ على أن الطفل إذا مات أبواه في دار الحرب لا يُحكم بإسلامه، ولو كان موت الأبوين يجعله مسلمًا بحكم الفطرة الأولى لم يفترق الحال بين دار الحرب ودار الإسلام؛ لوجود المقتضِي للإسلام وهو الفطرة، وعدم المانع وهو الأبوان. وقد التزم بعض أصحابه الحكمَ بإسلامه، وهو باطل قطعًا؛ إذ من

стр. 974

المعلوم بالضرورة أن أهل الحرب فيهم من بلغ يتيمًا كغيره، وأحكام الكفار المحاربين جارية عليهم. والرواية الثالثة: إنْ كفله أهل دينه فهو باقٍ في دين أبويه، وإنْ كفله المسلمون فهو مسلم، نَصّ عليه في رواية يعقوب بن بختان، كما ذكره الخلّال في «جامعه» (١) عنه قال: سئل أبو عبد الله عن جارية نصرانية لقوم، فولدت عندهم، ثم ماتت، ما يكون الولد؟ قال: إذا كفله المسلمون ولم يكن له مَن يكفله إلا هم فهم مسلمون (٢). قيل له: فإن مات بعد الأم بقليل؟ قال: يدفنه المسلمون. وقال في رواية أبي الحارث في جارية نصرانية لرجل مسلم، لها زوج نصراني، فولدت عنده، وماتت عند المسلم، وبقي ولدها عنده، ما يكون حكم هذا الصبي؟ قال: إذا كفله المسلمون فهو مسلم. وهذه الرواية وإن لم يذكرها عامة الأصحاب، وهي من «جامع الخلال»؛ فهي أصح الأقوال في هذه المسألة دليلًا، وهي التي نختارها، وبها تجتمع الأدلة.

стр. 975

فإن الطفل يتبع مالكه وسابِيهِ، فكذلك يتبع كافله وحاضنه؛ فإنه لا يستقل بنفسه، بل لا بدّ له ممن يتبعه ويكون معه، فتبعيّته لحاضنه وكافله أولى من جعله كافرًا بكون أبويه كافرين، وقد انقطعت تبعيّته لهما. بخلاف ما إذا كفله أهل دين الأبوين فإنهم يقومون مقامهما، ولا أثر لفقد الأبوين إذا كفله جده وجدته أو غيرهما من أقاربه. فهذا القول أرجح في النظر، والله أعلم. وليس المقصود ذكر هذه المسائل وما يصير به الطفل مسلمًا، فإنا قد استوفيناها في كتابنا في «أحكام أهل الملل» بأدلتها واختلاف العلماء من السلف والخلف فيها، وذِكْر مآخذهم، وإنما المقصود ذِكْر الفطرة، وأنها هي الحنيفية، وأنها لا تنافي القدر السابق بالشقاوة، والله أعلم. فصل (١) قال أبو عمر (٢): وقال آخرون في معنى قول النبي ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة» لم يرد رسول الله ﷺ بذكر الفطرة ههنا كفرًا ولا إيمانًا ولا معرفة ولا إنكارًا، وإنما أراد أنّ كل مولود يولد على السلامة خِلْقة وطَبْعًا وبِنْية ليس معها كفر ولا إيمان، ولا معرفة ولا إنكار، ثم يعتقد الكفر أو الإيمان بعد البلوغ إذا ميّز. واحتجوا بقوله في الحديث: «كما تُنْتَج البهيمة بهيمة جَمْعاء» يعني: سالمة «هل تحسّون فيها من جَدْعاء» يعني: مقطوعة الأذن، فمَثَّل قلوب بني

стр. 976

آدم بالبهائم؛ لأنها تولد كاملة الخلق لا يتبين فيها نقصان، ثم تقطع آذانها بعد وأنوفها، فيقال: هذه السوائب وهذه البحائر. يقول: كذلك قلوب الأطفال في حين ولادتهم، ليس لهم حينئذ كفر ولا إيمان، ولا معرفة ولا إنكار، كالبهائم السالمة، فلما بلغوا استهوتهم الشياطين، فكفر أكثرهم، وعصم الله أقلهم. قالوا: ولو كان الأطفال قد فُطِروا على شيء من الكفر والإيمان في أوليّة أمرهم؛ ما انتقلوا عنه أبدًا، فقد نجدهم يؤمنون، ثم يكفرون، ثم يؤمنون. قالوا: ويستحيل في العقول أن يكون الطفل في حال ولادته يعقل كفرًا أو إيمانًا؛ لأن الله أخرجهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئًا، فمن لم يعلم شيئًا استحال منه كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار. قال أبو عمر: هذا القول أصحّ ما قيل في معنى الفطرة التي يولد الوِلْدان عليها. وذلك أن الفطرة: السلامة والاستقامة، بدليل قوله تعالى في حديث عياض بن حمار: «إني خلقتُ عبادي حنفاء»، يعني: على استقامة وسلامة. وكأنه ــ والله أعلم ــ أراد الذين خلصوا من الآفات كلها، والمعاصي والطاعات، فلا طاعة منهم ولا معصية إذا لم يعملوا بواحدة منهما ومن الحجة أيضًا في هذا قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التحريم: ٧]، و ﴿أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧) كُلُّ نَفْسٍ﴾ [المدثر: ٣٨]، ومن لم يبلغ وقت العمل لم يرتهن بشيء، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].

стр. 977

قال شيخنا (١): هذا القائل إن أراد بهذا القول: أنهم خُلِقوا خاليين من المعرفة والإنكار، من غير أن تكون الفطرة تقتضي واحدًا منهما، بل يكون القلب كاللوح الذي يقبل كتابة الإيمان والكفر، وليس هو لأحدهما أقبل منه للآخر، وهذا هو الذي يُشْعِر به ظاهر الكلام= فهذا قول فاسد؛ لأنه حينئذ لا فرق بالنسبة إلى الفطرة بين المعرفة والإنكار، والتهويد والتنصير والإسلام، وإنما ذلك بحسب الأسباب. فكان ينبغي أن يقال: فأبواه يسلّمانه و يُهَوِّدانه ويُنَصِّرانه ويُمَجِّسانه، فلما ذكر أن أبويه يكفّرانه، وذكر الملل الفاسدة دون الإسلام؛ عُلِم أن حكمه في حصول ذلك بسبب منفصل غير حكم الكفر. وأيضًا: فإنه على هذا التقدير لا يكون في القلب سلامة ولا عَطَب ولا استقامة ولا زيغ؛ إذ نسبته إلى كل منهما نسبة واحدة، وليس هو بأحدهما بأولى منه بالآخر، كما أن اللوح قبل الكتابة لا يثبت له حكم مدح ولا ذم، فما كان قابلًا للممدوح والمذموم على السواء لم يستحق مدحًا ولا ذمًّا. والله تعالى يقول: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، فأمَرَه بلزوم فطرته التي فَطَر الناس عليها، فكيف لا تكون ممدوحة؟! وأيضًا: فإن النبي ﷺ شبّهها بالبهيمة المُجْتَمِعة الخَلْق، وشبَّه ما طرأ عليها من الكفر بجَدْع الأنف والأذن، ومعلوم أن كمالهما محمود، ونقصهما مذموم، فكيف تكون قبل النقص لا محمودة ولا مذمومة؟!

стр. 978

فصل (١) وإن كان المراد بهذا القول ما قاله طائفة من العلماء: إن المراد أنهم وُلِدوا على الفطرة السليمة، التي لو تُرِكت مع صحتها لاختارت المعرفة على الإنكار، والإيمان على الكفر، ولكن بما عَرَض لها من الفساد خرجت عن هذه الفطرة= فهذا القول قد يقال: لا يَرِدُ عليه ما يَرِدُ على القول الذي قبله؛ فإن صاحبه يقول: في الفطرة قوة تميل بها إلى المعرفة والإيمان، كما في البدن السليم قوة يحب بها (٢) الأغذية النافعة، وبهذا كانت محمودة، وذُمّ من أفسدها. لكن يقال: فهذه الفطرة التي فيها هذه القوة والقبول والاستعداد والصلاحية: هل هي كافية في حصول المعرفة، أو تقف المعرفة على أدلة من خارج؟ فإن كانت المعرفة تقف على أدلة من خارج أمكن أن توجد تارة وتعدم أخرى. ثم ذلك السبب الخارج يمتنع أن يكون موجِبًا للمعرفة بنفسه، بل غايته أن يكون مُعَرِّفًا ومُذَكِّرًا، فعند ذلك إن وجب حصول المعرفة كانت واجبة الحصول عند وجود تلك الأسباب، وإلا فلا. وحينئذ فلا يكون فيها إلا قبول المعرفة والإيمان، وحينئذ فلا فرق فيها بين الإيمان والكفر، والمعرفة والإنكار، إنما فيها قوة قابلة لكل منهما واستعداد له، لكن يتوقف على المؤثِّر الفاعل من خارج، وهذا هو القسم

стр. 979

الأول الذي أبطلناه، وبيّنا أنه ليس في ذلك مَدْحٌ للفطرة. وأما إن كان فيها قوة تقتضي المعرفة بنفسها ــ وإن لم يوجد مَن يعلّمها أدلةَ المعرفة ــ[لزم حصول المعرفة] (١) فيها بدون ما تسمعه من الأدلة، سواء قيل: إن المعرفة ضرورية فيها، أو قيل: إنها تحصل بأسباب تنتظم في النفس. وإن لم تَسْمَعْ كلام مُستدِل فإن النفس قد يقوم بها من النظر والاستدلال ما لا يحتاج (٢) معه إلى كلام الناس، فإن كان كل مولود يولد على هذه الفطرة لزم أن يكون المقتضِي للمعرفة حاصلًا لكل مولود، وهو المطلوب، والمقتضِي التام يستلزم مقتضاه، فتبين أنّ أحد الأمرين لازم: إما كون الفطرة مستلزمة للمعرفة، وإما استواء الأمرين بالنسبة إليها، وذلك ينفي مدحها. وتلخيص ذلك أن يقال: المعرفة والإيمان بالنسبة إليها ممكن بلا ريب: فإما أن تكون هي موجِبة مستلزمة لذلك، وإما أن لا تكون مستلزمة له، فلا يكون واجبًا لها، فإن كان الثاني لم يكن فرق بين الكفر والإيمان بالنسبة إليها، أو كلاهما ممكن لها، فثبت أن المعرفة لازمة لها، إلا أن يعارضها معارض. فإن قيل: ليست موجِبة مستلزمة للمعرفة، ولكن هي إليها أَمْيل، مع قبولها للنَّكَرة. قيل: فحينئذ إذا لم تستلزم المعرفة؛ وُجِدت (٣) تارة، وعُدِمت تارة،

стр. 980

وهي وحدها لا تحصّلها، فلا تحصل إلا بشخص آخر كالأبوين، فيكون الإسلام والتهويد والتنصير والتَّمْجِيس. ومعلوم أن هذه أنواعٌ بعضها أبعد عن الفطرة من بعض، كالتَّمْجِيس، فإن لم تكن الفطرة مقتضية للإسلام صار نسبتها إلى ذلك كنسبة التهويد والتنصير إلى التَّمْجِيس، فوجب أن يذكر كما ذكر ذلك. ويكون هذا ككون (١) الفطرة لا تقتضي الرضاع إلا بسبب منفصل، وليس كذلك، بل الطفل يختار مصّ اللبن بنفسه، فإذا مُكِّن من الثدي وجدت الرضاعة لا محالة، فارتضاعه ضروري إذا لم يوجد معارض، وهو مولود على أن يرضع، فكذلك هو مولود على أن يعرف الله، والمعرفة ضرورية لا محالة إذا لم يوجد معارض. وأيضًا فإن حُبَّ النفس لله وخضوعها له وإخلاصها له، مع الكفر به والشرك والإعراض عنه ونسيان ذكره: إما أن يكون نسبتهما إلى الفطرة سواء، أو الفطرة مقتضية للأول دون الثاني؟ فإن كانا سواء لزم انتفاء المدح كما تقدم، ولم (٢) يكن فرق بين دعائها إلى الكفر ودعائها إلى الإيمان، ويكون تَمْجِيسها كتحنيفها، وقد عُرِف بطلان هذا. وإن كان فيها مقتضٍ لهذا: فإما أن يكون المقتضِي مستلزمًا لمقتضاه عند عدم المعارض، وإما أن يكون متوقّفًا على شخص خارج عنها. فإن كان

стр. 981

الأول ثبت [أن] (١) ذلك من لوازمها، وأنها مفطورة عليه، لا يُفْقَد إلا إذا فسدت الفطرة، وإن قُدِّر أنه متوقّف على شخص فذلك الشخص هو الذي يجعلها حنيفية كما يجعلها مجوسية. وحينئذ فلا فرق بين هذا وهذا. وإذا قيل: هي إلى الحنيفية أميل، كان كما يقال: هي إلى غيرها أميل، فتبيّن أن فيها قوة موجِبة لحب (٢) الله، والذلّ له، وإخلاص الدين له، وأنها موجِبة لمقتضاها إذا سلمت من المعارض، كما أن فيها قوة تقتضي شرب اللبن الذي فُطِرت على محبته وطلبه. ومما يبين هذا: أنّ كل حركة إرادية فإن الموجِب لها قوة في المريد، فإذا أمكن في الإنسان أن يحب الله ويعبده ويخلص له الدين؛ كان فيه قوة تقتضي ذلك، إذ الأفعال الإرادية لا يكون سببها إلا من نفس الحيّ المريد الفاعل، ولا يشترط في إرادته إلا مجرّد الشعور بالمراد، فما في النفوس من قوة المحبة له إذا شَعَرت به تقتضي حبّه إذا لم يحصل معارض، وهذا موجود في محبة الأطعمة والأشربة والنكاح والعلم وغيرها. وقد ثبت أن في النفس قوة المحبة لله والإخلاص والذل والخضوع، وأن فيها قوة الشعور به، فيلزم قطعًا وجود المحبة له والتعظيم والخضوع بالفعل؛ لوجود المقتضِي، إذا سلم عن المعارض. وتبين أن المعرفة والمحبة لا يشترط فيهما وجود شخص منفصل، وإن كان وجوده قد يذكِّر ويحرِّك، كما لو خوطب الجائع أو الظمآن بوصف

стр. 982

طعام، أو خوطب المُغْتَلِم بوصف النساء؛ فإن هذا مما يذكّره ويحرّكه ويثير شهوته الكامنة بالقوة في نفسه، لا أنه يُحْدِث له نفس تلك الإرادة والشهوة بعد أن لم تكن فيه، فيجعلها موجودة بعد أن كانت عدمًا. فكذلك الأسباب الخارجة عن الفطرة، لا يتوقف عليها وجود ما في الفطرة من الشعور بالخالق ومحبته وتعظيمه والخضوع له، وإن كان ذلك مذكّرًا ومحرّكًا ومنبّهًا، ومزيلًا للعارض المانع. ولذلك سَمّى الله سبحانه ما كمَّل به موجبات الفطرة: تذكيرًا وذكرى، وجعل رسوله مذكّرًا، فقال: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: ٢١]، وقال: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: ٩]، وقال: ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ﴾ [غافر: ١٣]، وقال: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو﴾ [الزمر: ٩]، وقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]، وقال: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]، وقال: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان: ٥٨]. وهذا كثير في القرآن، يخبر أنّ كتابه ورسوله مذكِّر لهم بما هو مركوز في فِطَرهم من معرفته ومحبته وتعظيمه وإجلاله والخضوع له والإخلاص له، ومحبة شرعه الذي هو العدل المحض، وإيثاره على ما سواه. فالفِطَر مركوز فيها معرفته ومحبته والإخلاص له، والإقرار بشرعه، وإيثاره على غيره، فهي تعرف ذلك وتشعر به مجملًا ومفصّلًا بعض التفصيل، فجاءت الرسل تذكّرها بذلك، وتنبّهها عليه، وتفصّله لها وتبيّنه، وتعرّفها الأسباب المعارضة لموجِب الفطرة، المانعة من اقتضائها أثرها.

стр. 983

وهكذا شأن الشرائع التي جاءت بها الرسل، فإنها أَمْر بمعروف، ونَهْي عن منكر، وإباحة طيّب، وتحريم خبيث، وأَمْر بعدل، ونَهْي عن ظلم. وهذا كله مركوز في الفطرة، وكمال تفصيله وتبيينه موقوف على الرسل. وهكذا باب التوحيد وإثبات الصفات، فإن في الفطرة الإقرار بالكمال المطلق الذي لا نقص فيه للخالق سبحانه، ولكن معرفة هذا الكمال على التفصيل مما يتوقف على الرسل، وكذلك تنزيهه عن النقائص والعيوب هو أمر مستقرّ في فِطَر الخلائق، خلافًا لمن قال من المتكلمين: إنه لم يقم دليل عقلي على تنزيهه عن النقائص، وإنما عُلِم بالإجماع. فقُبْحًا لهاتيك العقول فإنها ... عقال على أصحابها ووبالُ (١) فليس في العقول أبين ولا أجلى من معرفتها بكمال خالق هذا العالم، وتنزيهه عن العيوب والنقائص، وجاءت الرسل بالتذكرة بهذه المعرفة وتفصيلها. وكذلك في الفِطَر الإقرار بسعادة النفوس البشرية وشقاوتها، وجزائها بكسبها في غير هذه الدار، وأما تفصيل ذلك الجزاء والسعادة والشقاوة فلا يُعلم إلا بالرسل. وكذلك فيها معرفة العدل ومحبته وإيثاره، وأما تفاصيل العدل الذي هو شرع الربّ تعالى فلا يُعلم إلا بالرسل. فالرسل تذكّر بما في الفِطَر، وتفصّله وتبيّنه.

стр. 984

ولهذا كان العقل الصريح موافقًا للنقل الصحيح، والشِّرْعة مطابقة للفطرة، تتصادقان ولا تتعارضان، خلافًا لمن قال: إذا تعارض العقل والوحي قدّمنا العقل على الوحي. فقُبْحًا (١) لعقل يَنقضُ الوحيَ حكمُهُ ... ويشهد حقًّا أنه هو كاذبُ (٢) والمقصود أنّ الله فطر عباده على فطرة فيها الإقرار به ومحبته والإخلاص له، والإنابة إليه، وإجلاله وتعظيمه، وأنّ الشخص الخارج عنها لا يُحْدِث فيها ذلك، ويجعله فيها بعد أن لم يكن، وإنما يذكّرها بما فيها، وينبّهها عليه، ويحرّكها له، ويفصّله لها ويبيّنه، ويعرّفها الأسباب المقوّية، والأسباب المعارضة له، والمانعة من كماله، كما أنّ الشخص الخارج لا يجعل في الفطرة شهوة اللبن عند الرضاع، والأكل والشرب والنكاح، وإنما يذكّر النفس ويحرّكها لما هو مركوز فيها بالقوة. فصل (٣) ومما يبين ذلك: أنّ الإقرار بالصانع مع خلو القلب عن محبته والخضوع له وإخلاص الدين له؛ لا يكون نافعًا، بل الإقرار به مع الإعراض عنه وعن محبته وتعظيمه والخضوع له؛ أعظم استحقاقًا للعذاب، فلا بدّ أن يكون في الفطرة مقتضٍ للعلم، ومقتضٍ للمحبة، والمحبة مشروطة بالعلم؛ فإن ما لا يشعر به الإنسان لا يحبّه، والحب للمحبوبات لا يكون بسبب من

стр. 985

خارج، بل هو جِبلّي فطري، فإذا كانت المحبة جِبلّية فطرية فشَرْطها ــ وهو المعرفة ــ أيضًا جِبلّي فطري، فلا بُدَّ أن يكون في الفطرة محبة الخالق مع الإقرار به. وهذا أصل الحنيفية التي خلق الله خلقه عليها، وفطرته [التي] (١) فطرهم عليها. فعُلم أن الحنيفية من موجِبات الفطرة ومقتضياتها، والحب لله والخضوع له والإخلاص هو أصل أعمال الحنيفية، وذلك مستلزم للإقرار والمعرفة، ولازم اللازم لازم، وملزوم الملزوم ملزوم، فالفطرة ملزومة لهذه الأحوال، وهذه الأحوال لازمة لها. فصل (٢) فقد تبين دلالة الكتاب والسنة والآثار واتفاق السلف على أنّ الخلق مفطورون على دين الله، الذي هو معرفته والإقرار به ومحبته والخضوع له، وأن ذلك موجِب فطرتهم ومقتضاها، يجب حصوله فيها إن لم يحصل ما يعارضه، ويقتضي حصول ضده، وأن حصول ذلك فيها لا يقف على وجود شرط، بل على انتفاء المانع، فإذا لم يوجد فهو لوجود منافيه لا لعدم مقتضيه. ولهذا لم يذكر النبي ﷺ لوجود الفطرة شرطًا، بل ذكر ما يمنع موجِبها، حيث قال: «فأبواه يُهَوِّدانه ويُنَصِّرانه ويُمَجِّسانه»، فحصول هذا التهويد
следующие страницы →