← Книги сунны

Книги сунны · id 20638

الجمع بين الصحيحين لعبد الحق

عبد الحق الإشبيلي

Полный текст (2 643 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الجمع بين الصحيحين تأليف الإمام الحافظ أبي محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الإشبيلي (المتوفى سنة ٥٨٢ هـ) اعتنى به حمد بن محمد الغماس تقديم الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رئيس مجمع الفقه الإسلامي وعضو هيئة كبار العلماء دار المحقق

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم فضيلة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رئيس مجمع الفقه الإسلامي، وعضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد، وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فنشهد أن سنَّة النبي ﷺ وهذا الكتاب من معينها: وحْيٌ من الله، وتنزيل من الله، دين يدان به الله ، بلَّغها النبي ﷺ أمته بلسان عربي معصوم لم يعرف إلا الأفصح من لسان العرب -بله الفصيح- لسان مبارك ينطق عروبة غضة طرية في حروفها، وكلماتها، وجملها، على وجهٍ لم تداخله أنفاس العجم -وحاشاه-، مُسْنَدًا لم يدب إليه ضعف فما دونه من نفثات "رَتَنٍ" ومن والاه. فهي بحق لأمة الإجابة صحائف دين، ولغة، وبيان، وفصاحة، وبلاغة، فَشَرَفٌ عظيم لهذه الأمة، احتضان علمائها الهداة لهذا الرصيد العظيم، والسند المتين لها فِي دينها في حياتها، والذخيرة النافعة لها بعد مماتها. لذا تعددت مسالك علمائها في خدمتها، وتقريبها. وكان من وجوه التأليف فيها، الجمع بين أحاديث ذروة سنامها من

стр. 3

صحيحي العَلَمَين المباركين: البخاري، ومسلم -رحمهما الله تعالى-، بداية من الجوزقي المتوفي سنة ٣٨٨ هـ -رحمه الله تعالى- في كتابه "الجمع بين الصحيحين"، ثم ابن عبيد الدمشقي المتوفي سنة ٤٠١ هـ، ثم ابن الفرات المتوفي سنة ٤١٤ هـ، والقرَّاب المتوفي سنة ٤١٤ هـ، ثم البرقاني المتوفي سنة ٤٢٥ هـ، ثم الحميدي المتوفي سنة ٤٨٨ هـ، وهكذا في آخرين من المشرق والمغرب، حتى وصلت النوبة إلى حافظ المغرب في زمانه عبد الحق الإشبيلي المتوفي سنة ٥٨٢ هـ -رحم الله الجميع- إذ تعرض هذا الحافظ إلى الصحيحين، فجمع نَفْسَهُ، وأَحْضَر آليات الجمع والترتيب، على ما بسط في مقدمته، مما يدل على أنه لَقِيَ الألاقي، والعنَاءَ الْمُعَنِّي، مُنْبِئَةً عَن علم متين، وحِسٍّ رقيق، واحتساب عظيم، وكأنما لسان حاله يقول: وفي سبيل الله ما لاقيت ولهذا ظَفرَ بثناء مَن بعده من الْحُفاظ عليه، شرقًا، وغربًا، شامًا، وعراقًا، ومصرًا، منهم: العراقي، والذهبي، وابن ناصر الدين، وغيرهم، ممن جرى ذكر كلمات بعضهم في مقدمة التحقيق. وقد اتخذ -رحمه الله تعالى- صحيح مسلم أصلًا، يضم إليه روايات البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه؛ لأسباب ذكرها في مقدمته، لا للمذهب السائد لدى المغاربة من تفضيل "صحيح مسلم" على "صحيح البخاري". والآن هذا طالب علم من الأزد، من أرض القصيم، أرض الغَضَى

стр. 4

والقيصوم، قال الفيروز آبادي المتوفي سنة ٨١٧ هـ. -رحمه الله تعالى- في فاتحة قاموسه: "الحمد لله منطق البلغاء باللُّغى في البوادي، ومودع اللسان أَلْسَنَ اللُّسن الهوادي، ومخصص عروق القيصوم، وغَضَى القصيم بما لم يَنَلْهُ العَبْهَرُ والجادي ... ". فجمع هذا الشيخ الموفق بين طِيبِ المنبت نسبًا، وأرضًا، وحسن الاختيار في إخراج هذا الكتاب: "الجمع بين الصحيحين" للحافظ الإشبيلي، من ضيق المخطوطات إلى سعة المطبوعات، إسهامًا في نشر هذا الدين، وتعليمًا للمسلمين، فأحيا الله به هذا الأثر النفيس، وأعاد -أحسن الله إليه- التحقيق إلى خُطَّته التي اختطّها شيوخ هذا الشأن. فمقدمة التحقيق مع إيجازها، مسبوكة بطريقة تُوقف الناظر فيها على هذا الكتاب، فيحيط به علمًا. وتثبيت النص، وتبيان الفروق، هو عمدته في التحقيق والإخراج، وهو المقصد الأساس من التحقيق. وتحشيته بتعليقات تُرْشِد الناظر فيه إلى مواطن الحديث عند من خرّجه، وشرح غريبه بكلمات هي "برقيات" توضح المراد من غير إسهاب ولا إثقال، وهكذا. وختامًا، فهذا العِلْقُ النفيس جدير بحفاوة أهل العلم، وطلابه، والخاصة والعامة، وأن يكون للمسلم سميرًا وهجيرًا، يعاهد نفسه. بما فيه من أنوار الوحي ومشكاة النبوة، حتى يمتلئ قلبه بالعلم والإيمان وجوارحه بالعمل.

стр. 5

وليكون أساسًا أمام المتخصص بعلم الحديث للإضافة والاستدراك. غفر الله لمؤلفه، ونفع الله المسلمين بكتابه، وشكر الله لأخينا في الله الشيخ / حمد بن محمد الغَمَّاس إخراج هذا الكتاب، وإِنَّ الدَّالَّ على الخير كفَاعِلِه، وندعو الله لنا وله بالعلم النافع والعمل الصالح. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى صحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. بقلم بكر بن عبد الله أبو زيد في صيف ١/ ٥ / ١٤١٩ بالطائف

стр. 6

مقدمة التحقيق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله حمدًا طيبًا كثبرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضاه، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته واهتدى بهداه، وبعد: فإن "تقريب السنة بين يدي الأمة"، وربط المسلمين بالصحيح الثابت من حديث رسول الله ﷺ ، وتيسير تناوله لهم من أعظم أسباب الاستقامة على أقوم سنن، والعصمة من مضلات الفتن، وسلامة التدين من شوائب البدع وعوارض الزيغ. وإن أعظم تحصين لعقول المسلمين ضد الموضوعات والخرافات هو ملؤُها بالأحاديث الصحاح الثابتات؛ فإن أنوار النبوة كاشفة لظلمة الجهالة، مبينةٌ لَبْس الباطل واشتباهه. ولا ترى موفقًا إلى إدمان النظر في صحيح السنة إلا أَنِست منه نُفْرة من الباطل والموضوع، وبصيرة في التمييز بين الصحاح الثابتة والموضوعات المختلقة، ولذا عظمت الرغبة في إخراج كتاب جامع للأحاديث الصحيحة الثابتة التي حكم بصحتها أئمة هذا الشأن، علماء السنة وحملة ميراث النبوة. وكان التفكير منحصرًا فِي إخراج كتاب في الجمع بين الصحيحين اللذَين هما أصح الكتب بعد كتاب الله ، فالكلام فِي صحة أحاديثهما

стр. 7

أمر قد فرغ منه. ثم هي مع ذلك تمتاز بالشمولية في مواضيعها؛ لأن صاحبي الصحيح عملا كتابيهما على الأبواب، فجاءت أحاديثها شاملة للعقائد، والعبادات، والمعاملات، والأخلاق، والآداب، والأذكار، والدعوات، والمغازي، والعسير، وأخبار الأنبياء، ونبأ اليوم الآخر والبعث والمعاد .... ، وغير ذلك. فضميمتها حصيلة متكاملة للمسلم يكون فيها تصحيح للاعتقاد، وتفقه في العبادة، وتهذيب للسلوك، وتزكية للنفوس، وترغيب في الفضائل. فمن تضلع منها فقد قَبَس نورًا من أنوار النبوة، وأخذ بحظ وافر من هدى الرسالة، فاقتدى على هدى، واتبع عدى بصيرة، وسلك إلى الله على أَثَر أعلم الخلق به، وأخشاهم له، وأحبهم إليه -صلوات الله وسلامه عليه-. ولما كان أحسن كتاب جمع أحاديثهما مع التقصي والتحرير وحسن الترتيب هو: كتاب (الجمع بين الصحيحين) لأبي محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الإشبيلي، قمت بخدمة الكتاب والعناية به، وقدمت له بمقدمة موجزة عن: - مكانة الصحيحين والجمع بينهما. - التعريف بالمؤلف. - التعريف بالكتاب.

стр. 8

- وصف النسخ الخطية. - العمل في الكتاب. فإلى كل محب لرسول الله ﷺ ، معظم لسنته، متبع لهديه، أقدم هذا الكتاب سائلًا الله للجميع الهدى والسداد.

стр. 9

الصحيحان والجمع بينهما حسب هذين الكتابين -صحيح البخاري (١) وصحيح مسلم (٢) - سموًا ورفعةً وإمامةً وجلالةً أن يقال عنهما: إنهما أصح كتابين بعد كتاب الله جل وعلا، وأن تتواطأ السنة ورثة النبوة وعلماء الأمة على تعظمهما وتقديمهما، والثناء عليهما، وأنهما في أعلى درجات الصحة. قال النووي: "اتفق العلماء ﵏ على أن أصح الكتب -بعد القرآن العزيز- الصحيحان: البخاري ومسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول" (٣) ا. هـ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الذي اتفق عليه أهل العلم أنه ليس بعد القرآن أصح من كتاب البخاري ومسلم" (٤). قال العلائي: "إن الأئمة اتفقت على أن كل ما أسنده البخاري أو مسلم في كتابيهما الصحيحين فهو صحيح لا ينظر فيه" (٥).

стр. 10

وقال الطيبي: "أول من صنف في الصحيح المجرد الإمام البخاري، ثم مسلم، وكتاباهما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز" (١). وقال العيني: "اتفق علماء الشرق والغرب على أنه ليس بعد كتاب الله تعالى أصح من صحيحي البخاري ومسلم" (٢). وقال الفصيح الهروي: "أول من صنف في الصحيح المجرد الإمام البخاري ثم مسلم وكتاباهما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى" (٣). ليس بعجيب أن يقال في الصحيحين ذلك فهما كذلك، ولكن العجب أنهما أول تأليف في الصحيح المجرد، والمعتاد في البدايات النقص ووجود الخلل، ثم يستكمل ذلك من يأتي بعد، إلا الصحيحين فقد أدركا الأولية والأفضلية، فهما أول ما ألف في الصحيح، ثم توالت بعد المؤلفات والمستخرجات، فلم تدرك تلك الرتبة ولا قاربت تلك المنزلة، والله يختص برحمته من يشاء والله واسع عليم. لقد تحرى الإمامان البخاري ومسلم -رحمهما الله- الصدق في كتابيهما وبالغا في التحري، وقد قال ﷺ (ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا) (٤)، فأبقى الله ذكرهما في العالمين، وجعل لهما لسان صدق في الآخرين، وذلك فضل الله يؤتيه من

стр. 11

يشاء، والله ذو الفضل العظيم. ولما كان الصحيحان بهذه المثابة، فقد نفر إلى خدمتهما وتقريبهما علماء السنة، وحفاظ الحديث، وتنوعت هذه الخدمة؛ كاختصارهما، أو الانتخاب منهما، أو جمع المتفق عليه بينهما، أو شرحهما، أو بيان غريبهما، أو عمل أطراف لهما، أو إفراد رجاطما، أو الصحابة الذي رووا لهما ... ، وهكذا. وكان من جهود العلماء في تقريب الصحيحين وتيسيرهما للناس: الجمع بينهما، وأُلفت في ذلك كتب كثيرة منها: ١ - الجمع بين الصحيحين لأبي عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح بن حميد بن يصل الأزدي الحميدي المتوفي سنة ثمان وثمانين وأربعمائة. ويلاحظ: أ- أن الحميدي ﵀ خالف طريقة صاحبي الصحيح في ترتيبه، فإنهما رتبا كتابيهما على الأبواب، أما هو فرتب الجمع بينهما على المسانيد، وذلك يُفَوِّتُ ما قصده الشيخان من جعل كتابيهما على الأبواب، فإن لهما في ذلك فقهًا دقيقًا. ب- أن الحميدي أضاف إلى أحاديث الصحيحين زيادات من المستخرجات عليهما، وربما لم يميز الزيادة عن أصل الحديث عند صاحبي الصحيح. قال السخاوي: "ربما يسوق الحديث الطويل ناقلًا له من مستخرج البرقاني أو غيره، ثم يقول: اختصره البخاري فأخرج طرفًا منه، ولا يبين

стр. 12

القدر المقتصر عليه، فيلتبس على الواقف عليه، ولا يميزه إلا بالنظر في أصله، ولكنه في الكثير يميز بأن يقول بعد سياق الحديث بطوله: اقتصر البخاري على كذا، وزاد فيه البرقاني كذا" (١). ولذا قال ابن الصلاح: "غير أن الجمع بين الصحيحين للحميدي الأندلسي يشتمل زيادة تتمات لبعض الأحاديث، فربما نقل من لا يميز بعض ما يجده في الصحيحين أو أحدهما وهو مخطئ؛ لكونه من تلك الزيادات التي لا وجود لها في واحد من الصحيحين". (٢) وقال العراقي في التبصرة والتذكرة (وليت إذ زاد الحميدي ميزا) (٣). ٢ - الجمع بين الصحيحين للحسن بن محمد الصاغاني المتوفي سنة ٦٥٠ هـ. والمسمى (مشارق الأنوار النبوية من صحاح الأخبار المصطفوية). ويلاحظ: أ- أنه رتبه ترتيبًا لم يسبق إليه، ولم يتابع عليه، فلم يرتبه على الأبواب، ولا على المسانيد، ولا على حروف المعجم، وإنما رتبه على الكلمات الأُوَل على أبواب النحو؛ مبتدئًا بمَنْ الموصولة، ثم مَنْ الاستفهامية، ثم إن، ثم إذا ... ، وهكذا. وهذا يجعل الاستفادة منه في غاية العسر. ب -كما أنه اقتصر فيه على الأحاديث القولية فقط.

стр. 13

ج- ثم إنه أضاف إلى أحاديث الصحيحين أحاديث من مسند الشهاب للقضاعي، وكتاب النجم للإقليشي؛ رأى أنهما مما صح من كتابيهما، فمزج أحاديث الصحيحين بغيرهما. وقد شرح الكتاب غبر واحد، وطبعت الكتاب مؤسسة الكتب الثقافية. ٣ - الجمع بين الصحيحين مع حذف السند والمكرر من البين. لأبي حفص عمر بن بدر بن سعيد ضياء الدين الكردي الحنفي المتوفي سنة (٦٢٢ هـ). وقد طبع بتحقيق الدكتور علي البواب، والكتاب استله مؤلفه من جامع الأصول لابن الأثير، ولم يرجع إلى كتاب البخاري ومسلم، وابن الأثير لم يأخذ من الصحيحين أيضًا، وإنما أخذ من الجمع بين الصحيحين للحميدي، وقد نتج عن ذلك أخطاء في نسبة ألفاظ إلى الصحيحين وليست فيها، بل مما زاده الحميدي من بعض المستخرجات، أو ذكر لفظ الحديث على أنه لصاحبي الصحيح مع أنه لأحد أصحاب السنن الذين أخرجوا الحديث بسياق أتم، وقد ذكر محقق الكتاب أمثلة لهذه الأخطاء في مقدمة تحقيقه ١٠ - ١٤. وكما أن الموصلي استل كتابه من جامع الأصول، فقد اقتفاه في طريقة الترتيب وهي ترتيب الكتب على حروف المعجم. ٤ - ولأبي عبد الله محمد بن حسين بن أحمد بن محمد الأنصاري الْمَرِيّ

стр. 14

- بوزن غَنِيّ -نسبة إلى المرية المتوفى سنة (٥٨٢ هـ) (١). ٥ - وللإمام أبي محمد حسين بن مسعود الفراء البغوي المتوفى سنة (٥١٦ هـ). ٦ - وللإمام أبي بكر محمد بن عبد الله بن محمد الجوزقي النيسابوري المتوفى سنة (٣٨٨ هـ). ٧ - ولأبي محمد إسماعيل بن أحمد المعروف بابن الفرات السرخسي الهروي المتوفى سنة (٤١٤ هـ). ٨ - ولأبي جعفر أحمد بن محمد القرطبي المعروف بابن حجة المتوفى سنة (٦٤٢ هـ). ٩ - ولأبي بكر أحمد بن محمد البرقاني المتوفى سنة (٤٢٥ هـ). ١٠ - ولأبي مسعود إبراهيم بن محمد بن عبيد الدمشقي (٢) المتوفى سنة (٤٠١ هـ). ١١ - الجمع بين الصحيحين بأسانيده لأبي محمد إسماعيل بن إبراهيم السرخسي القراب المتوفى سنة (٤١٤ هـ) (٣). ١٢ - الجامع بين الصحيحين بحذف المعاد والطرق، لأبي نعيم عبيد الله بن

стр. 15

الحسن بن حمد بن أحمد بن الحداد الأصبهاني المتوفى سنة (٥١٧ هـ) (١). ١٣ - الجمع بين الصحيحين لزكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري المتوفى سنة (٦٥٦ هـ) (٢). ١٤ - الجمع بين الصحيحين على الأبواب للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة (٨٥٢ هـ) (٣). ١٥ - مسند الصحيحين، وسنن الصحيحين لعبد الحق بن عبد الواحد الهاشمي المتوفى سنة (١٣٩٤ هـ). وقد قسمه إلى قسمين: القسم الأول: مسند الصحيحين ورتبه على مسانيد الصحابة، ورتب أسماءهم على حروف المعجم، وهو بهذا قريب من صنيع الحميدي. القسم الثاني: مسند الصحيحين، أو مصنف الصحيحين، ورتبه على الأبواب على ترتيب صحيح مسلم وهو في هذا قريب من صنيع عبد الحق الإشبيلي. على أنه في كلا القسمين يسوق الحديث بإسناده، ويعزوه إلى الكتاب والباب في أصله، معتمدًا تبويب النووي بالنسبة لصحيح مسلم، والكتاب مصدر عن أصل بخط مؤلفه ﵀. ١٦ - الجامع بين الصحيحين، جمع وترتيب صالح بن أحمد الشامي (من المعاصرين) طبع دار القلم سنة (١٤١٥).

стр. 16

ولكن أوفى هذه الكتب جمعًا، وأحسنها ترتيبًا، وأتقنها ضبطًا وتحريرًا هو كتاب الحافظ الإمام أبي محمد عبد الحق، ويأتي في التعريف بالكتاب كلام العلماء عنه وثناؤهم بذلك عليه.

стр. 17

التعريف بالمؤلف (١) نسبه ونسبته: هو الحافظ أبو محمد عبد الحق بن عبد الله بن الحسين بن سعيد بن إبراهيم الأزدي الإشْبِيلي البِجَائِي. ويعرف في زمانه بابن الخراط -والخراط نسبةً إلى خرط الخشب، فلعل أباه أو أحد أجداده احترف هذه المهنة-. حياته: ولد عبد الحق سنة ٥١٠ هـ وهذا قول جمهور المؤرخين لحياته (٢). وقال أبو جعفر بن الزبير: ولد سنة ٥١٤ هـ (٣) وقال أبو العباس بن قنفذ: ولد سنة ٤١٦ هـ (٤). ويفهم من نصوص المترجمين أن مولده بإشبيلية (٥)؛ لأنهم نصوا على أنه من أهل إشبيلية، وأنه بها نشأ (٦).

стр. 18

وفي إشبيلية سمع من آخر تلامذة ابن حزم بالإجازة القاضي شريح المتوفى سنة (٥٣٩ هـ). ثم تحول من إشبيلية إلى لبلة (١)، ولازم بها أبا الحسن خليل بن إسماعيل السكوني، وقرأ عليه، وتفقه به وتأدب (٢). ثم ارتحل من لبلة إلى بجاية (٣) فسكنها وقت الفتنة التي زالت بها الدولة اللمتونية بدولة الموحدين (٤). وكان استيلاء الموحدين عليها سنة (٥٤٧ هـ). وسكن عبد الحق بجاية، واتخذها وطنًا، فنشر بها علمه، وصنف تصانيفه، وبها اشتهر اسمه، وبعد صيته، وكمل خبره (٥)، ودعى بها إلى خطتي القضاء والخطابة للموحدين فامتنع عن ذلك وأبى. ثم دعي إلى ذلك حين دخلها ابن غانية الميورقي فأجاب؛ حيث ولي قضاء بجاية مدة قليلة، وكذلك الخطابة (٦). وقد كان دخول ابن غانية بجاية في ٦/ ٨ / ٥٨٠ هـ. واستعادها منه الموحدون في ١٩/ ٢/ ٥٨١ هـ. وكان

стр. 19

ذلك سببًا لحقد أبي يوسف يعقوب أمير الموحدين على الإمام عبد الحق. قال المراكشي: ورام سفك دمه، فعصمه الله منه، وتوفاه الله حتف أنفه وفوق فراشه (١). شيوخه وتلاميذه: أخذ أبو محمد العلم عن طائفة، منهم: أبو الحسن طارق بن موسى بن يعيش المنصفي (٢) (٥٤٩ هـ)، وأبو الحكم عبد السلام بن برَّجان اللخمي (٣) (٥٣٦ هـ)، وأبو بكر عبد العزيز بن خلف بن مدير الأزدي (٥٤٤ هـ)، وأبو الإصبع عبد العزيز بن علي الطحان (٤) (٥٥٩ هـ)، والمحدث أبو محمد طاهر بن عطية الحجاري (٥) (٥٣٧ هـ)، والقاضي أبو بكر بن العربي (٦) (٥٤٣ هـ). وممن روى عن الحافظ عبد الحق: أبو جعفر أحمد بن علي بن عون الله الأنصاري (٧) (٦٠٩ هـ)، وأبو الحسن علي بن محمد بن جميل المعافري (٨) (٦٠٥ هـ)، وأبو الفضل

стр. 20

جعفر بن محمد بن طاهر القيسي (١) (٥٩٨ هـ)، وأبو محمد عبد الله بن سليمان بن حوط الله (٢) (٦١٢ هـ)، وأبو الحسن ابن أبي نصر الزاهد (٣) (٦٥٢ هـ)، وأبو محمد عبد الله بن أحمد بن التميمي (٤) (٦٢٠ هـ)، وغيرهم كثير. مناقبه وثناء العلماء عليه: ذكره تلميذه الضبي فقال: الفقيه المحدث الحافظ، كان متواضعًا متقللًا من الدنيا، وكان إذا صلى الصبح في الجامع أقرأ إلى وقت الضحى، ثم قام فركع ثماني ركعات، ونهض إلى منزله واشتغل بالتأليف إلى صلاة الظهر. فإذا صلى الظهر وأدى الشهادات قرئ عليه في أثناء ذلك إلى العصر، فإذا صلى العصر مشى في حوائج الناس. وكان لا يدخل بجاية أحد من الطلاب إلا سأل عنه ومشى إليه وآنسه بما يقدر عليه (٥). وقال اليافعي: كان مع جلالته لا العلم قانعًا متعففًا موصوفًا بالصلاح والورع ولزوم السنة (٦). وقال ابن الأبار: كان فقيهًا حافظًا عالمًا بالحديث وعلله، عارفًا

стр. 21

بالرجال، موصوفًا بالخير والصلاح والزهد والورع ولزوم السنة والتقلل من الدنيا، مشاركًا في الأدب وقول الشعر (١). وقال الغبريني: الإمام الشيخ الفقيه الجليل المحدث الحافظ المتقن المجيد العابد الزاهد القاضي الخطب، له ﵁ تآليف جليلة نبل قدرها، واشتهر أمرها، وتداولها الناس رواية وقراءة وشرحًا وتبينًا. قال: وسمعت أنه ﵀ كان يقسم ليله أثلاثًا، ثلثًا للقراءة، وثلثًا للعبادة، وثلثًا للنوم، وكان مع ذلك متقللًا من الدنيا، مقتصرًا على أقل الكافي منها، وكانت له أخلاق حسنة فاضلة (٢). وقال ابن ناصر الدين: كان بالحفظ ومعرفة الحديث وعلله ورجاله موصوفًا، وبالصلاح والزهد ولزوم السنة معروفًا (٣). وقال الذهبي: الإمام البارع المجود العلامة الحجة (٤). وفال الورثلاني: كان ﵁ لوذعيًّا فاضلًا كريمًا لا نظير له، وكانت تأتيه أمَتُهُ مرارًا في يوم واحد لمجلس درسه تطلب منه دراهم فلم يخيبها قط، ثم قال بعض تلامذته: هذا شيء كثير يا شيخ! فقال: أستحي أن تجتمع فيَّ ثلاث شينات: شيخ وشحيح وإشبيلي (٥).

стр. 22

وكما ترى فإن مترجميه قد أخلصوا الثناء عليه، وتواردوا على وصفه بالعلم والإتقان، والصلاح والعبادة، والقناعة والزهادة. مؤلفاته: ١ - الأحكام الوسطى طبع بتحقيق حمدي السلفي، وصبحي السامرائي سنة ١٤١٦ هـ. ٢ - الأحكام الصغرى طبع في مجلدين من إخراج مكتبة ابن تيمية بالقاهرة سنة ١٤١٣ هـ وقد قام الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل بعمل مقدمة حافلة لكتب الأحكام وأخرج قطعة يسيرة من أوله هي أول شيء من تراث عبد الحق تسفر عنه المطابع. سنة ١٤٠٣ هـ. ٣ - العاقبة طبع بتحقيق خضر محمد خضر سنة ١٤٠٦ هـ. ٤ - الأحكام الشرعية الكبرى. ٥ - بيان الحديث المعتل ذكره الأنصاري وقال: هو قدر صحيح مسلم وذكر أنه نهب منه في الفتنة. ٦ - تلقين الولد. ٧ - جامع الكتب الستة جمع فيه بين الصحيحين والسنن الأربع. ٨ - الجمع بين الصحيحين. ٩٠ - كتاب الرقاق. ١٠ - كتاب الصلاة والتهجد. ١١ - الواعي في اللغة. وله غير ذلك فقد أوصلها أبو عبد الرحمن بن عقيل إلى (٢٨) مؤلفًا،

стр. 23

فانظر عَدَّها وتوثيقها وأماكن نسخها في مقدمة الشروح والتعليقات على كتب الأحكام (١١٧ - ١٥٤)، فإنه قد جمع فأوعب في الجمع، واستقصى فبالغ في الاستقصاء، فشكر الله سعيه ونفع بعلمه. وفاته: توفي في بجاية في أواخر ربيع الآخر سنة (٥٨٢ هـ) (١)، وقيل: توفي في ربيع الآخر سنة (٥٨١ هـ) (٢).

стр. 24

التعريف بالكتاب منهج الكتاب وميزاته لم يكن عمل الإمام أبي محمد مجرد الحذف والاختصار، أو الجمع والإضافة، ولكنه قصد إلى خُطةٍ تدل على براعة وإتقان، كما تدل على حفظ وتيقظ واستحضار، وذلك أنه راعى الجمع المستقصى، والتحرير البالغ، والترتيب الحسن، والتعليق المختصر المفيد. ١ - أما الجمع المستقصى فإن الإمام أبا محمد يسوق أتم ألفاظ الحديث وأوفاها، ثم يتبعها بزوائد الروايات المتفرقة، ولئن كان هذا ميسورًا في صحيح مسلم، فإن التقاط الروايات من أماكنها المتفرقة في صحيح البخاري أمر في غاية العسر، لولا ما أنعم الله به على الإمام عبد الحق من حفظ واستحضار عجيبين. ولذلك فإن القارئ يجد الحديث مزبورًا أمامه في صعيد واحد بكل رواياته المتفرقة في الصحيحين، مع التفصيل الواضح لما اتفق عليه الشيخان من ألفاظ الحديث وما انفرد به كل منهما. * ومن استقصائه في الجمع: ذكره ما انفرد به مسلم استطرادًا حتى لا يفوت على قارئ الكتاب شيء مما في الصحيح. مثال ذلك: أن الإمام مسلمًا أورد في كتاب الصلاة قول يحيى بن أبي كثير: (لا يستطاع العلم براحة الجسم)، فساقها أبو محمد في موضعها.

стр. 25

* ومن استقصائه: أنه ألحق في آخر كتابه جميع ما في صحيح البخاري من المعلقات، بحيث إن من قرأ كتابه علم أنه ما ترك شاذة رلا فاذة من روايات الصحيحين إلا اكتنزها في كتابه هذا. * ومن استقصائه في الجمع: أنه أنعم النظر في تراجم البخاري ﵀ والتي أودعها فقهه، فاختار منها ما كانت للبخاري فقاهة في صياغته، ثم اتبع الحديث بها بحيث يقول بعده: وبوب عليه البخاري فقال: باب كذا، وباب كذا، ونحو ذلك؛ ليبين شفوف نظر البخاري في استخراج هذه المعاني من الحديث، وتضمينها في تراجم أبوابه، ويتحف بها قارئ كتابه فلا تفوته فوائدها. مثال ذلك: أنه ذكر حديث عائشة ﵂ قالت: أعتم رسول الله ﷺ ليلة من الليالي بصلاة العشاء -وهي التي تدعى العتمة-، فلم يخرج حتى قال عمر بن الخطاب: نام النساء والصبيان ... ثم قال: خرجه في باب خروج النساء إلى المساجد بالليل والغلس، وفي باب النوم قبل العشاء لمن غلب، وخرجه في باب وضوء الصبيان وحضورهم الجماعة. ٢ - أما تحريره البالغ فيظهر ذلك في: دقته في بيان الفررق بين الروايات داخل الصحيح، وإن بدا أن هذا الفرق طفيف لا يستدعي الإشارة إليه. مثال ذلك: * ذكر حديث عائشة قالت: أعتم رسول الله ﷺ ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل، وحتى نام أهل المسجد، ثم خرج فصلى فقال: (إنه

стр. 26

لوقتها لولا أن أشق على أمتي). وفي رواية (لولا أن يشق). فانظر إلى دقة الفرق بين هذين اللفظين ومع ذلك لم يفوت الإمام عبد الحق الإشارة إليه. * ومن تحريره: دقته أيضًا في بيان الفروق بين روايات الشيخين. مثال ذلك: - أنه ذكر ما أخرجه مسلم عن أنس؛ أن النبي ﷺ قال له: (اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه)، ثم قال: وقال البخاري: (وبارك له فيما أعطيته). خرجه في الأدعية. وهذا من الإمام عبد الحق غاية الدقة والتحرير. * ومن تحريره: أن الحديث إذا كان عند أحد صاحبي الصحيح عن صحابي، وعند الآخر عن صحابي غيره بين ذلك في موضعه. مثال ذلك: - ذكر حديث مسلم عن أبي سعيد الخدري أنه دخل على رسول الله ﷺ فوجده يصلي على حصير يسجد عليه. ثم قال: خرج البخاري الصلاة على الحصير من حديث أنس وميمونة، ولم يخرج عن أبي سعيد فيه شيئًا. وهذا من الإمام عبد الحق كاشف للبس الذي يقع فيه البعض من ذكر الحديث متفقًا عليه، في حين أنه عند كلٍّ من صاحبي الصحيح عن صحابي غير الصحابي الذي عند الآخر. ومن تحريره عنايته ببيان الاختلاف بين رواة الصحيح، وهي فروق دقيقة، لكنها دالة على أن الإمام عبد الحق عند تأليفه لكتابه هذا كان

стр. 27

مستحضرًا رواياته لكتابي البخاري ومسلم، معتنيًا بصحة الرواية وبيان الفروق بين رواة كتابي الشيخين. مثال ذلك: - ذكر حديث مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: (نحن أحق بالشك من إبراهيم)، ثم قال: خرجه البخاري في باب قول الله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ من كتاب الأنبياء، وفي تفسير سورة البقرة، وفي كليهما قال: (نحن أحق من إبراهيم)، ولم يقل: بالشك، وكذلك في تفسير سورة يوسف ﵇. هكذا فيما رأيت من النسخ المروية عن أبي ذر، إلا في رواية الأصيلي عن أبي زيد المروزي، فإنه وقع له في كتاب التفسير كما وقع لمسلم (نحن أحق بالشك من إبراهيم). * ومن تحريره تتبعه لنسخ الصحيح. مثاله: - ما ذكره عند حديث عائشة في الكشوف فإنه أورده من رواية مسلم، ثم قال: وقال البخاري: فخسفت الشمس فركع ضحى. وقال: وانصرف فقال ما شاء الله أن يقول، ثم أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر، ولم يذكر قول مسلم بن الحجاج "إني قد رأيتكم ... " إلى آخره. ووقع عنده هذا الحديث الذي فيه ذكر اليهودية ناقصًا، وذلك أنه ذكر أن النبي ﷺ قام، ثم ركع، ثم قام، ثم ركع، ثم سجد، ثم قام، ثم ركع، ثم قام، ثم سجد، وكذلك رأيته في غير نسخة. ا. هـ. فانظر إلى قوله: وكذلك رأيته في غير نسخة، فإنه لم يكتف بالوقوف على نسخة منه حتى تتبع ذلك في غير نسخة. وعلى هذا فنسخة من كتاب الجمع بين الصحيحين للحافظ عبد الحق

стр. 28

هي في الواقع نسخة محررة موثقة لمتون الصحيحين، تولى حافظ متقن محقق مدقق تفلية كلماتها، وتوثق من جملها، وروى أصولها عن مؤلفيها بحدثنا وأخبرنا، ثم انتظمها في كتابه هذا كما تنتظم درر الجواهر في أسلاك الذهب. ٣ - أما ترتيبه فقد سدد فيه هذا الإمام غاية التسديد؛ حيث قَفَى فيه إمام هذا الشأن أبا الحسين مسلم بن الحجاج الذي عُدَّ ترتيبه لصحيحه من أعظم ميزاته كما قال الإمام النووي عن الإمام مسلم: ومن أكبر الدلائل على جلالته وإمامته وورعه وحذقه وقعوده في علوم الحديث واضطلاعه منها وتفننه فيها: كتاب الصحيح الذي لم يوجد في كتاب قبله ولا بعده من حسن الترتيب وتلخيص طرق الحديث .... ، فلا نظير لكتابه في هذه الدقائق وصنعة الإسناد، وهذا عندنا من المحققات (١). وقال الحافظ ابن حجر: حصل لمسلم في كتابه حظ عظيم مفرط لم يحصل لأحد مثله، بحيث إن بعض الناس كان يفضله على صحيح محمد بن إسماعيل؛ ذلك لما اختص به من جمع الطرق وجودة السياق .... (٢). ولذا فقد بقيت ميزة صحيح مسلم هذه مضمنة في كتاب عبد الحق لأنه سار على سِيَاقة مسلم وترتيبه. ثم إنه عمد إلى روايات البخاري فألحقها بمواضعها المناسبة لها من أبواب مسلم، وقد أحسن في إلحاق أفراد البخاري في مواضعها من كتابه

стр. 29

غاية الإحسان، إذ وضعها مع الأحاديث المتسقة مع معناها، وألحقها بأولى الأبواب بها، فما ظنك بعد بكتاب يتواطأ على ترتيبه حافظا المشرق والمغرب مسلم بن الحجاج النيسابوري، وعبد الحق بن عبد الرحمن الإشبيلي رحمهما الله تعالى؟ ! ٤ - وأما التعليق على الأحاديث فهي تعليقات الأئمة الحفاظ، مختصرة محررة، قليلة مباركة، كاشفة على وجازتها عن علم غزير، وحفظ متين، ويمكن تصنيفها على النحو الآتي: - ١ - الإشارة إلى روايات للحديث خارج الصحيحين تتضمن زيادة فائدة لم يذكرها صاحبا الصحيح. مثاله: * ذكر حديث ابن مسعود قال: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين، والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: (هذا ركس). ثم قال: ذكره الدارقطني في "سننه" وقال فيه: "فألقى الروثة وقال: (إنها رجس، إيتني بحجر). ا. هـ. فذكر رواية الدارقطني لتضمنها الأمر بالإتيان بحجر ثالث حتى لا يفهم من الرواية الأولى الاكتفاء بحجرين. * ذكر حديث مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : (عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار،

стр. 30

وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتفاص الماء). قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة. ثم قال عبد الحق: وروى هذا الحديث عمار بن ياسر عن النبي ﷺ وذكر فيه: المضمضة، وزاد فيه "الختان"، ولم يذكر إعفاء اللحية. وحديثه أخرجه أبو داود ﵀. ا. هـ. فذكر عبد الحق رواية أبي داود ليقوي ما ذكره مصعب احتمالًا أن العاشرة هي: المضمضة. * ذكر ما أخرجه البخاري معلقًا عن جابر بن عبد الله، عن عبد الله بن أنيس، سمعت رسول ﷺ يقول: (يحشر الله العباد، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من فرب: أنا الملك أنا الديان)، ثم قال: "كذا قال: "ويذكر عن جابر"، ولم يسنده. وقد روي مسندًا متصلًا من حديث جابر ... "، فذكر الحديث مطولًا، ثم قال: "رويته من طريق الحارث بن أبي أسامة، ومن مسنده نقلته. وقد خرجه علي بن عبد العزيز الجرجاني وغيره". ا. هـ. فأفاد عبد الحق ذكر الحديث مطولًا تامًّا، ووصل هذا الحديث المعلق ببيان من أسنده. * ذكر حديث مسلم عن عمر في سؤال جبريل النبَّيَّ ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان، فساقه بطوله، ثم قال: لم يخرج البخاري عن عمر في هذا شيئًا، وخرَّج أبو داود حديث عمر هذا بكماله، وخرَّج طرفًا منه في موضع آخر من كتابه، وقال فيه: فما الإسلام؟ قال: (إقام الصلاة،

стр. 31

وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان، والاغتسال من الجنابة)، زاد ذكر الاغتسال من الجنابة، وزاد أبو الحسن علي بن عمر الحافظ الدارقطني: (وتعتمر وتتم الوضوء)، وقال في آخره: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم فخذوا عنه، فوالذي نفسي بيده! ما شُبِّه عليّ منذ أتاني قبل مرتي هذه، وما عرفته حتى وَلَّى). خرَّجه في كتابه "كتاب السنة". * ذكر حديث مسلم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (أُتِيتُ، فانطُلِقَ بي إلى زمزم، فشرح عن صدري، ثم غسل بماء زمزم، ثم أُنزلت)، ثم قال: قال الحميدي: لم يزد مسلم بن الحجاج على هذا فيما رأينا من نسخ كتابه، وتمامه في كتاب البرقاني: قال: (ثم أُنزِلت طست من ذهب ممتلئة حكمة وإيمانًا، فحُشي بها صدري ... ) الخ. فعبد الحق هنا نقل رواية البرقاني لهذا الحديث لأنها تبين المراد بقوله في حديث مسلم: "ثم أُنزِلت"، وأن هذه التي "أنزلت طست من ذهب". وأنت عليم أن خير ما فسر به الحديث جمع رواياته بعضها إلى بعض، وهكذا صنع هذا الإمام. ٢ - تعقيب الحديث ببيان بعض الألفاظ المنتقدة فيه وإن كان قد أورده أحد صاحبي الصحيح، وهذا قليل جدًّا. مثاله: * ذكر حديث البخاري من طريق شريك بن أبي نمر، عن أنس في قصة الإسراء بطوله، ثم قال: هذا الحديث بهذا اللفظ من رواية شريك بن أبي نمر عن أنس، وقد زاد فيه زيادة مجهولة، وأتى فيه بألفاظ غير معروفة، وقد روى حديث الإسراء جماعة من الحفاظ المتقنين والأئمة

стр. 32

المشهورين، كمثل ابن شهاب، وثابت البناني، وقتادة، فلم يأت أحد منهم بما أتى به شريك، وشريك ليس بالحافظ عند أهل الحديث، والأحاديث التي تقدمت قبل هذا هي الأحاديث المعوَّل عليها، وقد أتى مسلم بإسناد شريك وأول حديثه، وأحال على حديث ثابت البناني، قال: نحو حديث ثابت. وانظر أمثلة أخرى (١/ ١٥٨، ١٣٢) من هذا الكتاب. ٣ - التعليق ببيان أن أحد صاحبي الصحيح لم يخرج عن هذا الصحابي شيئًا في كتابه. مثاله: * ذكر حديث مسلم عن قبيصة بن المخارق، وزهير بن عمرو في قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، ثم قال: لم يخرج البخاري هذا الحديث، ولا أخرج عن قبيصة ولا عن زهير في كتابه شيئًا. * ذكر حديث مسلم عن أبي مالك الأشعري: (الطهور شطر الإيمان)، فقال: لم يخرج البخاري هذا الحديث، ولا أخرج عن أبي مالك في كتابه شيئًا. * ذكر حديث مسلم عن وائل بن حجر في قصة الحضرمي والكندي وتداعيهما بين يدي النبي ﷺ ، ثم قال: لم يخرج البخاري عن وائل في كتابه شيئًا. ٤ - التعليق ببيان أن أحد صاحبي الصحيح لم يخرج عن هذا الصحابي شيئًا في هذا الباب. مثاله: * ذكر ما أخرجه البخاري معلقا عن أبي سعيد: أن رسول الله ﷺ -

стр. 33

قال: (إذا أسلم العبد فحسن إسلامه يكفر الله عنه كل سيئة كان زلفها ... )، ثم قال: لم يخرج مسلم بن الحجاج عن أبي سعيد في هذا الباب شيئًا. ٥ - التعليق ببيان أن أحد صاحبي الصحيح لم يخرج عن هذا الصحابي غير هذا الحديث. مثاله: - ذكر حديث البخاري عن واثلة بن الماسقع: (إن من أعظم الفِرَى أن يدعي الرجل إلى غير أبيه). قال: لم يخرج البخاري له في كتابه غبر هذا. ٦ - التعليق ببيان أن أحد صاحبي الصحيح قد أخرج معنى الحديث عن صحابي آخر. مثاله: * ذكر حديث مسلم عن سلمان، وقيل له: قد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة؟ قال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم. ثم قال: لم يخرج البخاري حديث سلمان هذا، وقد خَرَّج معناه من حديث أبي أيوب وأبي قتادة وأبي هريرة، إلا النهي عن الاستنجاء بدون ثلاثة أحجار فإنه خرج الفعل من حديث ابن مسعود، ولم يذكر قول المشركين لسلمان. ٧ - التعليق بتعريفه ببعض الأعلام. مثاله: * ذكر حديث ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال في الدجال: (أقرب

стр. 34

الناس به شبهًا ابن قطن)، ثم قال: ابن قطن اسمه عبد العزى بن قطن، وهو من خزاعة من بني المصطلق، وذكر البخاري عن الزهري أن ابن قطن هلك في الجاهلية. ٨ - التعليق بتحريره روايات الصحيح. مثاله: * ذكر ما في البخاري عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (رأيت عيسى وموسى وإبراهيم .. )، فقال: لم يخرج مسلم بن الحجاج هذا الحديث عن ابن عمر ولا أخرج هذا اللفظ، اخرجه عن ابن عباس ... ، وقد قال أبو ذر [يعني الهروي]: الصحيح في هذا الحديث -والله أعلم-: عن ابن عباس، لا عن ابن عمر، ولكن هكذا وقع في النسخ المروية عن الفربري. ٩ - التعليق بتخريج بعض المعلقات في الصحيح. مثاله: * ذكر ما أخرجه البخاري معلقًا عن أبي سعيد، أن رسول الله ﷺ قال: (إذا أسلم العبد فحسن إسلامه يكفر الله عنه كل سيئة كان زلفها). ثم قال: لم يصل سند هذا الحديث ووصله النسائي. وأما في القسم الأخير من الكتاب والذي أفرده لذكر ما أورده البخاري من المعلقات وأقوال الصحابة والتابعين فإنه أكثر من عزو المعلقات المرفوعة إلى من أخرجها خارج الصحيح، وما كان البخاري قد وصله في موضع آخر أشار إليه. ولأهمية هذه التعليقات على وجازتها اعتمدها العلماء بعده ونقلوها، وانظر عناية الحافظ ابن حجر بنقل ذلك عن عبد الحق في "الفتح" (٢/ ١٢ و ٤٢٣، ١٠/ ٤٢٠، ٥/ ١٣، ٧٣/ ٤٢٩ و ٤٨٤).

стр. 35

ومن خلال ما سبق يتبين لك أن الإمام أبا محمد قد جمع ميزات الصحيحين، فإن البخاري قد ظهرت براعته وفقهه في تبويبه، ومسلم ظهرت براعته وفقهه في حسن ترتيبه، فجاء أبو محمد فالتقط نفائس تراجم البخاري فألحقها بأحاديثها على سياقة وترتيب الإمام مسلم، فحاز الفضيلتين، وجمع بين الحسنيين، ثم أتبع ذلك عند الحاجة بغرر من تعليقاته المتضمنة فرائد الفوائد. فكان حقيقًا بعد ذلك أن يوصف بأنه أحسن من جمع بين الصحيحين، وأن يتوارد ثناء العلماء عليه وتفضيله وتقديمه على غيره في بابه. فقد ذكر ابن ناصر الدين: أن عبد الحق أحسن من جمع بين الصحيحين (١). وقال الذهبي: عمل "الجمع بين الصحيحين" بلا إسناد على ترتيب مسلم وأتقنه وجوده (٢). وقال العراقي: أما الجمع بين الصحيحين لعبد الحق وكذلك مختصرات البخاري ومسلم فلك أن تنقل منها وتعزو ذلك للصحيح ولو باللفظ لأنهم أتوا بألفاظ الصحيح (٣).

стр. 36

التعريف بنسخ الكتاب لهذا الكتاب نسخ كثيرة منها التام والناقص وبعد تأمل ما تحصلنا عليه منها اخترنا ثلاث نسخ هي الغاية في التحرير والضبط وتركنا ما سواها. أ- نسخة تامة مكتوبة بخط نسخي جميل ومضبوط وتقع في جزأين. الجزء الأول ويقع في (٢٥١ ل) يبدأ من أول الكتاب وينتهي بباب في النفل والغنيمة وما جاء في سلب القتيل. وجاء في آخره: (تم المجلد الأول من الجمع بين الصحيحين بحمد الله ومنه وكرمه، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، وهذه المجلدة تشتمل على نصف الكتاب تخمينًا، ويتلوها في أول الثاني باب فكاك الأسير إن شاء الله تعالى، فيه: عن سلمة بن الأكوع قال: غزونا فزارة وعلينا أبو بكر أمّره رسول الله ﷺ . ووقع الفراغ منها في سلخ شوال سنة سبع وستين وستمائة بالمدرسة النجمية الإمامية البادراءية (١)، تغمد الله منشئها برحمته، وأسكنه بحبوحة جنته. بمحمد وآله وصحبه وعترته (٢). وكتبت هذه النسخة المباركة ابتغاء الثواب، وطلبًا لنشر العلم

стр. 37

وإحراز أجره في المآب، فرحم الله من نظر فيها ودعا لكاتبها وقارئها بالتوبة والمغفرة وقضاء الحوائج ولجميع المسلمين). وهذه النسخة مكتوبة بخط نسخي جميل مشكول مقابلة بالأصل، يكثر على حواشيها توثيق المقابلة والقراءة بحيث يشير صاحبها إلى ذلك في الهامش بقوله: بلغ مقابلة بأصله ولله الحمد، وقوله: بلغ في المجلس الثالث والخمسين على الشيخ ضياء الدين ﵁ والحمد لله. وقد بدأ تقييد هذه المجالس من المجلس السادس عشر ورقة (١٤)، وانتهت بالمجلس الحادي والتسعين ورقة (٨٣). ولم يتبين لي إلى الآن من هو الشيخ ضياء الدين الذي قرئ عليه هذا الجزء. الجزء الثاني ويقع في (٣٤٦ ل) ويبدأ من كتاب الجهاد والسير إلى آخر الكتاب. وجاء في آخره: (تم الجمع بين كتابي مسلم والبخاري، ووافق الفراغ منه يوم الخميس سادس شهر رجب الفرد سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة ختمها الله بالخيرات، كتبه محمد بن عرفة بن المظفر بن أبي محمد بن نصر الله الأنصاري، حامدًا لله على نعمه، ومصليًا على نبي الرحمة محمد وآله

стр. 38

وصحبه ومسلمًا، والحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد وسلامه، وهو حسبي ونعم الوكيل. بلغ مقابلة بحسب الطاقة ولله الحمد والمنة). وعلى يمين ما سبق كتب: (بلغ مقابلة بخط المصنف ﵀ ورضي عنه في مجالس آخرها يوم الخميس الثاني والعشرين من جمادى الأولى سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة، كتبه محمد بن أحمد الشافعي غفر الله له ولوالديه ولصاحبه ولوالديه ولجميع المسلمين). وهي موجودة في مكتبة نور عثمانية برقم (٧٦٩، ٧٧٠). ورمزنا لهذه النسخة بالرمز (أ). ٢ - نسخة عليها تملك شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ثم تملك أحد أبنائه ﵏. تقع في (٢٤٩) ورقة، وتنتهي بباب (في الضيافة والواساة). وهي كذلك نسخة محررة تظهر على هوامشها آثار المقابلة والتصحيح، ولكنها ناقصة الآخر، ولذا لم نتمكن من معرفة اسم ناسخها، ولا تاريخ النسخ، ورمزنا لها بالحرف (ج). وقد أثبتنا فروق هاتين النسختين مهما كانت طفيفة، لأنا رأينا أن كلا منهما في غاية التحرير، وقد رأينا مواضع كثيرة نجد الاختلاف بينهما في العبارة هوفي الأصل اختلاف في رواية كتابي البخاري ومسلم، فأثبتنا كل فروقهما. وأصل هذه المخطوطة موجود في مكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

стр. 39

٣ - نسخة تامة تقع في (٢٦٦ ل) كتبها بقلم نسخ مضبوط يوسف بن عمر بن محمد الأصفهاني المعروف بابن العماد الكاتب في سنة ٧٣٦ هـ. قوبلت بنسخة الأصل للشيخ علم الدين البرزالي، وفي هوامشها علامة المقابلة والتصحيح، وجاء في آخرها: (تم جميع ما في كتاب البخاري ومسلم من كلام صاحب أو تابع أو غيرهما، أو حديث معلق بالترجمة، أو تفسير لغة، بتمامه تم الجمع بين كتابي مسلم والبخاري، وافق الفراغ منه يوم الجمعة العشرين من شهر رمضان المعظم سنة ست وثلاثين وسبعمائة -ختمها الله بالخيرات- على يد العبد الفقير إلى الله تعالى يوسف بن عمر بن محمد بن محمد القرشي الأصفهاني عرف بابن العماد الكاتب). وفي الهامش بعده: (الله الموفق، قوبل هذا الكتاب وهو مجلد واحد بالأصل المنسوخ من نصفه، وهي نسخة أم هذا المجلد للشيخ العلامة علم الدين البرزالي أحسن الله إليه، وقوبل هذا المجلد ولله الحمد والمن بحسب الإمكان، وأسأل الله الكريم أن ينفع به كاتبه ومالكه ومن قرأ فيه أو طالع فيه أو نسخ منه ودعا لكاتبه بالمغفرة، ودعا لمالكه ولجميع المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، وقوبل في مجالس آخرها في العشر الأوسط من شهر ذي الحجة سنة ست وثلاثين وتسعمائة، أحسن الله عامه). وهي موجودة في مكتبة أحمد الثالث برقم (٢٠٠). ورمزنا لها بحرف (ك).

стр. 40

وللكتاب نسخ أخرى انظرها في فهرس جامعة الإمام قسم الحديث (١/ ٣٣٢)، تاريخ التراث العربي لسزكين (١/ ٢٢١)، تاريخ الأدب العربي (٦/ ٢٧٩).
следующие страницы →