النسخة الثالثة:
نسخةُ مكتبة (راغب باشا) التابعةِ إلى المكتبةِ السليمانيَّة في إسطنبول، برقم (٩٩)، تقعُ في مجلدٍ واحدٍ في (٦٠٩) ورقات، وفي كلِّ ورقةٍ وجهان، وفي الوجه (٤٤) سطرًا تقريبًا، ليس فيها ذكرٌ لاسمِ الناسخ أو تاريخِ النسخ، وهي نسخةٌ جيدة فيها بعضُ التصحيفات، وفي آخرها النظمُ نفسُه الذي تقدَّم في النسخة السابقة.
وتم الرمز لهذه النسخة بالرمز (ر).
* * *
стр. 142
سابعًا: عملنا في الكتاب
وأخيرًا فإننا لم ندَّخر وسعًا في تحقيقِ هذا الكتابِ وإخراجِه على الوجهِ اللائق به، ونسألُ اللَّه سبحانه أن نكونَ قد وفِّقنا في مسعانا، وقد تلخَّص عملُنا فيه بما يلي:
١ - تمَّ تحقيقُ الكتابِ على عددٍ من النسخِ الخطيةِ النفيسة التي تقدَّم وصفُها آنفًا، وقد قمنا بنسخه من النسخة الخطية لمكتبة راغب باشا المرموز لها بـ (ر) وقابلنا الكتاب عليها، ثم قمنا بمقابلته على النسختين الأخريين لمكتبتي أيا صوفيا (أ) وفيض اللَّه أفندي (ف)، وقد حرصنا على إثباتِ الصوابِ أو الأنسبِ بسياقِ الكلام، مع الإشارةِ إلى فروق النسخ الخطية، وإهمالِ الفروق التي التحريفُ فيها ظاهرٌ ولا فائدةَ في إثباتها بل تُثقل الحواشيَ بلا داعٍ. ولا يستغربنَّ مُطالعُ هذا التفسير كثرة فروق النُّسخ الخطية التي فيه فقد كانت أضعافَ ما هي عليه في ثوبها الأخير، وبذلنا جهدنا في الاقتصار والاقتصاد في إثبات الفروق.
٢ - ضبطُ النصِّ وتفصيلُه وترقيمُه بعلاماتِ الترقيم المناسبة التي تُساعد على فهمه، مع العنايةِ بضبط المُشْكِل.
٣ - الحرصُ على أن يكونَ النصُّ صحيحًا سالمًا من الأخطاء والتحريفات والسُّقوطات، ومن ذلك مقابلتُه على المراجع التي اعتادَ المؤلفُ النقلَ منها، والاستفادةُ من ذلك في تصحيحِ التحريف، واستدراكِ الساقط بين معكوفتين، وشرحِ المبهَم، والتنبيهِ على الخطأ، وغير ذلك.
٤ - تخريجُ جميع الأحاديث المرفوعةِ من مصادر التخريج مقتصِرين على الصحيحين أو أحدِهما إن وجد فيه الحديث، وإلا فمِن باقي الكتبِ السِّتة و"مسند
стр. 143
الإمام أحمد"، فإنْ لم يُوجد الحديثُ فيها فمِن باقي كتب التخريج، مع شرحِ ما فيها من غريبٍ، وبيانِ علةٍ إن وُجدت.
٥ - تخريجُ الأخبار والآثار وأسبابِ النزول الواردةِ فيه من كتبِ التخريج والتفسير وأسباب النزول.
٦ - تخريجُ الشواهد الشعرية وغيرِها من كتب دواوين الشعر، فإن تعذَّر فمِن باقي كتب الأدب المعتمَدة، مع شرح الغريب إنْ وُجد.
٧ - توثيقُ ما ينقله المصنفُ من مصادره مع مقابلته على ما جاء في تلك المصادر لضمان صحة النص، وبيان الاختلاف إنْ وجد وكان وجيهًا.
٨ - تعقُّبُ المصنف إنْ وقع خطأٌ أو سهوٌ أو سبقُ قلم، والتعليقُ في المواضع التي تحتاج إلى تعليق.
٩ - كتابةُ مقدمةٍ للكتاب تتضمنُ بيانَ موقعِ هذا التفسير وأهمَّ المراجع التي نهل منها، مع ترجمة المؤلف ترجمةً وافية، كما قُمنا بدراسةٍ مستفيضة لخصائص هذا التفسير ولمنهج المؤلف فيه.
١٠ - تذييل الكتاب بالفهارس العلمية المناسبة.
والحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
* * *
стр. 144
صور المخطوطات
стр. 145
صورة اللوحة الأولى من النسخة الخطية لمكتبة أيا صوفيا والمرموز لها بـ (أ)
стр. 146
صورة اللوحة الأخيرة من النسخة الخطية لمكتبة أيا صوفيا والمرموز لها بـ (أ)
стр. 147
صورة اللوحة الأولى من النسخة الخطية لمكتبة راغب باشا والمرموز لها بـ (ر)
стр. 148
صورة اللوحة الأخيرة من النسخة الخطية لمكتبة راغب باشا والمرموز لها بـ (ر)
стр. 149
صورة اللوحة الأولى من النسخة الخطية لمكتبة فيض اللَّه والمرموز لها بـ (ف)
стр. 150
صورة اللوحة الأخيرة من النسخة الخطية لمكتبة فيض اللَّه والمرموز لها بـ (ف)
стр. 151
التيسير في التفسير
تأليف الإمام أبي حفص النسفي
نجم الدين عمر بن محمد بن أحمد النسفي الحنفي
(٤٦١ - ٥٣٧ هـ)
يطبع أول مرة محققًا على ثلاث نسخ خطية
تحقيق وتعليق ماهر أديب حبوش
المجلد الأول
دار اللباب
ومُهَيْمنًا، وإمامًا ومتبوعًا (١)، ومعقولًا ومسموعًا، ومباركًا وطيِّبًا، وماءً وصيِّبًا، وغريبًا وعجبًا (٢)، وآياتٍ بيِّنات، ومُبيِّنات ومُبيَّنات (٣)، ومثانيَ وكلمات، وحروفًا مقطعات، مثل ﴿ن﴾ و ﴿ق﴾ و ﴿حم (١) عسق﴾ و ﴿ص﴾ و ﴿المص﴾ و ﴿كهيعص﴾ و ﴿طه﴾ و ﴿المر﴾ و ﴿يس﴾ و ﴿طس﴾ و ﴿طسم﴾ و ﴿حم﴾ و ﴿الم﴾.
فهي (٤) مئةُ اسمٍ للقرآن، لها (٥) فيه الذكرُ والبيان، بها كلِّها سمَّاه (٦)، وإلى عبدِه المصطفَى ورسوله المجتبَى محمدٍ خيرِ الورى ﷺ أوحاه، جمَع له فيه العلوم، وفهَّمه الجليَّ منه والمكتوم، وعلى أسراره أوقَفَه، وببيانه لأمَّته كَشَفه، وأَبرز مودَعاته لهم باستنباطِ أعلام الصَّدْر الأولِ، ويسَّر به إلى الغوصِ في بحار غُرَرِه (٧) واستخراجِ دُرَرِه سبيلَ مَن فَسَّر بعدَهم وأَوَّلَ، فله الحمدُ على (٨) تظاهُرِ نِعَمه علينا في الدُّنيا والدِّين، والصلاةُ على المصطفى محمدٍ وآلهِ وصحبه ونَقَلةِ عِلمِه إلى يوم الدِّين.
قال الشيخُ الإمام الأجلُّ الزاهد الأستاذ الحَجَاج (٩)، نجمُ الدِّين، زينُ
стр. 154
الأئمَّة، جمال الإسلام والمسلمين، أبو حفصٍ عمرُ بن محمدِ بن أحمدَ النسفيُّ (١)، سترَ اللَّه عيبَه ورَحِمَ شَيبه، رحمةُ اللَّه عليه (٢): طال ما سألتُموني معاشرَ أهل العلم -آتاكُم اللَّه سُؤلَكم، وسهَّل إلى المرادات وصولَكم- جمعَ كتابٍ في تفسيرِ القرآن سهلٍ ممتنعٍ، وجيزٍ مستَجمِع، شغَفًا منكم بكلامي، وحبًّا منكم (٣) واستعذابًا لنظامي، وثقةً باختياري، ورضًى بإيرادي وإصداري، فوجدتُم مني تأبِّيًا بأعذار، وتأنِّيًا على حِذَار، واعتلالًا بأنَّ الكلام في كتاب اللَّهِ شديد، والأمدَ في إنهائه بعيد، والذِّهنَ في الكِبَر كليل، والخاطرَ على تَرادُف العلَل عليل، والشُّغلَ بوظائف الخاصَّة وحوادثِ العامة آناءَ الليل والنهار غيرُ قليل، وخَطْبَ تفرُّق القلب بكثرةِ العيال وقلَّةِ المال جليل.
ثم رغباتُ الملتمِسِين في قَدْر ذلك الكتاب وكيفيَّتِه مختلِفة، والشهواتُ على نمطٍ واحدٍ منه غيرُ مؤتلِفة، وإرضاءُ الجميع ممتنِع، ورجاءُ الاجتماع مُنقطِع، وهذا التعليلُ على هذا التطويل لم يَفُلَّ حدَّكم، ولم يُقلَّ جِدَّكم، بل أبَيتُم مني إلا الإجابةَ بَدْءًا وعَودًا، والإيجابَ إرادةً ورَودًا، فاسترسَلْتُ لكم بعد الجِمَاح، واستشعرتُ لكم بخَفْضِ (٤) الجَناح، واستَخَرْتُ اللَّهَ تعالى في إسعافكم بمرادكم، واستَعَنْتُه على مساعدتكم وإسعادِكم، وشَرَعْتُ فيه مستَعِيذًا باللَّه تعالى ومستَجيرًا، وكفَى باللَّه وليًّا وكفَى باللَّه نصيرًا.
стр. 155
فأقولُ وباللَّهِ التوفيقُ، والهدايةُ إلى سواءِ الطريق:
الناس في معنى التفسيرِ والتأويل بين التَّقصير والتَّطويل، ولنا على التوسُّط التعويلُ؛ فنقول:
التفسير: علمُ نزول الآية وشأنِها وقصَّتِها، والأسبابِ (١) التي نزلت فيها، والأقوامِ الذين أُريدوا بها، ولا يُتكلَّم إلا بالسَّماع.
والتأويل: صرفُ الآية إلى معنًى تحتمِلُه موافقٍ لِمَا قَبْلَها وما بعدَها.
فأمَّا مأخذُهما: فقد قال ثعلبٌ: التفسير مأخوذٌ من قول العرب: فسَّرتُ الفرس، إذا ركَضْتَها ليَنْطلقَ حُضْرُها (٢)، فالتفسيرُ: كشفُ ظاهرِ الآية ليَظْهرَ مرادُها.
وقال الدُّريديُّ (٣): أصلُه من التَّفسرةِ، وهي الدليلُ من ماءِ العَليل الذي ينظر فيه
стр. 156
الأطباء (١)، فكما أن الطبيبَ بالنظرِ في الماء يَكشفُ عن حال العلَّة، فكذا المفسِّر بالنظر في الدليل يَكشف عن مراد الآية.
وقال صاحب "المُجْمَل": الفَسْر: البيان، والفَسْرُ: نظرُ الطبيبِ في الماء، والتَّفسرةُ كذلك (٢).
وقيل: هو تفعيلٌ من فسَرَ، وهو مقلوبٌ من سَفَر، وهو كقولهم: جذَبَ وجبَذَ؛ أي: مدَّ، وبَضَّ وضَبَّ الماءُ؛ أي: سال، وقد سَفَرتِ المرأة عن وجهها؛ أي: كَشفت، وأَسفر الصبحُ؛ أي: أضاء، ووجوهٌ (٣) مُسْفِرة؛ أي: مُضيئة، وسَفَر الأرضَ؛ أي: كنَسها (٤) فأظهرَ وجهَها، والسِّفْر: الكتاب المبين (٥)، والسفَرُ يكشفُ عن أخلاقِ الناس، والسُّفرةُ تُكشف ليُتناول ما فيها.
فعلى هذا يكون التفسيرُ هو: كشفُ المنغلِق المستورِ من المراد بالظاهِر المذكور.
стр. 157
والتأويل من الأَوْلِ وهو الرجوع (١)؛ يقال: أوَّلتُه فآل؛ أي: صَرَفْتُه فانْصَرَفَ، فكأنَّ المراد بالتأويل: هو صرفُ الآية إلى ما تحتمِلُه من المعنى بالدليل.
وقال النَّضْر بنُ شُمَيْلٍ (٢): أصله من الإيَالة وهي السياسةُ، يقال: أُلْنا وإِيلَ علينا؛ أي: سُسْنا وساسَنا غيرُنا، فكأنَّ المؤوِّل سائسُ الكلام والقادرُ عليه، وواضعُه مواضعَه.
وعلى هذا يكون (٣) آلَ متعديًا، ويكونُ تشديدُه لترديدِه لا لتعديتهِ بتشديده، ومعناه: أنه تتبَّعَ آيةً بعد آيةٍ وسورةً بعد سورةٍ.
فالتفسير هو علم النزول لا يُتكلَّم فيه إلا بالسماع، والتأويلُ سائغٌ بالاستنباط بشرطِ موافَقةِ النصِّ والإجماع، ولأهل العلم فيهما عبارات:
قيل: التفسير كشفُ ظاهر الكلام، والتأويلُ كشف باطنه، وبالفارسية: (تفسير روشن كردن روى سخن است، وتأويل (٤) بيدا كردن مغز سخن است) (٥).
وقيل: التفسير بيانُ أول الكلام، والتأويل بيانُ آخره، وبالفارسية: (تفسير من كشايش را، وتأويل مر نما يش را).
وقيل: التفسير للمُحْكَمات، والتأويل للمتشابِهات.
وقيل: علم التفسير للخَلْق، وعلم التأويل للحق، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ
стр. 158
تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] وهو فيما يَرجع إلى التأويل (١): الغيبُ الذي أبهمه اللَّه؛ كالساعة متى وقوعُها؟ وأشراطها متى ظهورُها؟
وقيل: التفسير ما لا يُختلف فيه، والتأويل ما اختُلف فيه.
ثم اختَلف الناس في جواز الخوض فيهما:
فقال قومٌ: لا يجوز تفسير القرآن بشيءٍ إلا أن يَرِدَ به نقلٌ صحيح، لرواية ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَن قال في القرآنِ برأيه فلْيَتبوَّأْ مَقعَدَه من النَّار" (٢).
وقال ﵊: "مَن قال في القرآنِ برأيهِ فأصابَ فقد أَخْطأَ" (٣).
وسئل أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضي اللَّه تعالى عنه عن تفسير قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: أيُّ سماءٍ تُظِلُّني وأيُّ أرضٍ تُقِلُّني إذا قلتُ في كتابِ اللَّه تعالى ما (٤) لا علم لي به (٥)؟!
стр. 159
وفي رواية قال (١): إذا قلتُ في آية من كتاب اللَّه تعالى بغيرِ ما أراد اللَّه بها (٢).
وقال أبىُّ بن كعب رضي اللَّه تعالى عنه: ما استبانَ لك فاعْمَلْ به وانتفِعْ به، وما شبِّهَ عليك فآمِنْ به وكِلْهُ إلى عالِمه (٣).
وعامةُ أهل العلم على جوازه؛ لقوله تعالى (٤): ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢]، وهو حثٌّ على التأمُّل فيه والوقوفِ (٥) على معانيه.
وقال تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣].
وقال اللَّه تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
وقال تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩].
وقال النبيُّ ﷺ : "أولُ ما يُرفع من الأرض العلمُ"، قالوا: يا رسول اللَّه! يُرفع (٦) القرآن؟ قال: "لا، ولكنْ يموتُ مَن يَعلم تأويلَه، ويبقَى قومٌ يتأوَّلونه على أهوائهم" (٧).
وقال ابن مسعود ﵁: مَن أراد العلمَ فليُثوِّر القرآن فإنَّ فيه علمَ الأوَّلينَ والآخِرين (٨).
стр. 160
وقال الحسن رضي اللَّه تعالى عنه: ما أَنزل اللَّهُ تعالى آيةً إلا واللَّهُ تعالى يحبُّ أن يَعْلَم العبادُ ما عَنَى بها (١).
وقال عليٌّ رضي اللَّه تعالى عنه: ما من شيءٍ إلا وعِلْمُه في القرآن، ولكنَّ رأيَ الرجال يَعجزُ عنه (٢).
وقال الحسن: أنزل اللَّه تعالى مئةً وأربعةَ كتبٍ من السماء، أَوْدعَ علومَها أربعةً منها: التوراةَ والإنجيلَ والزبورَ والفرقان، ثم أَوْدعَ (٣) علومَ هذه الأربعةِ القرآنَ (٤)، ثم أودع اللَّه علوم القرآنِ (٥) المفصَّلَ، ثم أَوْدعَ اللَّه علومَ المفصَّلِ فاتحةَ الكتاب (٦)، فمَن عَلِمَ تفسيرها كان كمَن عَلِمَ تفسير جميع كتب اللَّه (٧) المنزَلة (٨).
стр. 161
وقال الحسينُ بن الفَضل البَجَليُّ المفسِّر (١) ﵀: قرأتُ كتاب اللَّه تعالى من أوَّله إلى آخِره ثانية وعشرين ألفَ مرةٍ متدبِّرًا متفكِّرًا، ما منها من مرةٍ إلا وعثرتُ على نوعٍ جديد من العلم، ورأيتُ النبيَّ ﷺ في المنام فقال لي: يا أبا علي! إنك تعيشُ مئةً وثلاثين سنة، قال: فعاش مئة وثلاثين سنة (٢).
وروَى ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "القرآنُ ذلولٌ ذو وجوهٍ فاحْمِلوه على أحسنِ وُجوهِه" (٣).
فقوله: "ذلول" له وجهان:
أحدهما: أنه ممكِنُ القراءة يَنطلقُ (٤) به جميعُ الألسنة.
والثاني: أنه واضحُ المعاني حتى لا تَقْصُرُ عنه أفهامُ المجتهدِين فيه.
وقوله: "ذو وجوه" له وجهان:
أحدهما: أن نَظْم كلماته يَحتمِل من التأويل وجوهًا متناسِبةً لإعجازه.
والثاني: أنه يجمع وجوهًا من الأمر والنهي والوعد والوعيد والتحريم والتحليل.
وقوله: "فاحملوه على أحسن وجوهه" له وجهان:
стр. 162
أحدهما: أي (١): احملوا تأويلَه على أحسن معانيهِ.
والثاني: أي (٢): اعمَلوا بأحسنِ ما فيه من العزائم دون الرُّخَص، والعفوِ دون الانتصاف.
وهذا كلُّه دليلُ جواز الاستنباط.
وقال ابنُ عباس ﵄: التفسيرُ على أربعةِ أوجهٍ: وجهٌ تعرفُه العرب بكلامها، وتفسيرٌ لا يُعذر أحدٌ بجهالته، وتفسيرٌ يَعلمُه العلماء، وتفسيرٌ لا يعلمُه إلا اللَّه تعالى (٣).
قالوا: فالأولُ هو حقائقُ اللغة وموضوعُ الكلام، والثاني هو التوحيدُ وأصولُ الشرع (٤)، والثالثُ فروعُ الأحكام وتأويلُ المحتمِلات، والرابعُ الغيوبُ: مِن وقت قيام الساعة، ووقتِ ظهور آياتها.
وما لا يُعذر أحد بجهله فهو فرضُ عينٍ، وما يختصُّ به العلماء فرضُ كفايةٍ.
وأما (٥) الجوابُ عن احتجاجهم بقوله ﷺ : "مَن فسَّر القرآنَ برأيه. . " فمعناه: مَن حملَهُ على ما يتراءَى له بخاطره، ولم يَحمل (٦) على شواهدِ ألفاظه بدلائله، فأصاب الحقَّ، فقد أخطأ الدليلَ.
стр. 163
وقيل الرأي نوعان:
رأيٌ يَتراءَى من هاجسِ نفسٍ، وهو الظنُّ والحِسْبان (١)، وذلك هو المزجورُ (٢) عنه المحجورُ عليه في القرآن.
ورأي ينشأُ من عقلٍ كاملٍ وعلمٍ باهر، وتأييدٍ من اللَّه تعالى ظاهرٍ، وهو الاستنباط المعهود والرأيُ المحمود.
وقال (٣) الإمامُ أبو منصورٍ الماتُرِيديُّ ﵀: أَنكر بعضُ السَّلَف ثبوتَ هذا الخبر، فقد ثبت من الأئمةِ تفسيرُ القرآن والقولُ فيه، وللناس حاجةٌ إلى معرفته، والذين أقرُّوا بصحته اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم:
التفسيرُ بالرأي: هو أن يَحملَه المرء على ما يراه بقلبه (٤)، دون الفحصِ عنه بالعَرْض (٥) على الدليل الذي أُذِنَ له في الحكمِ به في عامَّةِ أمور الدِّين.
قال: وقيل: هذا الوعيدُ في حقِّ مَن يَقطعُ القولَ بصحةِ (٦) ما أدَّاه إليه اجتهادُه، وقد يبدو له فيرجعُ، فأمَّا مَن قال: يَحتمِل هذا، ويقول (٧): إن كان خطأ فمنِّي، وإن كان صوابًا فمن اللَّه تعالى، فهذا لا بأس به.
стр. 164
قال: وقيل: هو أن يَجعل رأيَه عيارًا (١) لِمَا جاء في القرآن يبني عليه مذهبَه.
قال ﵁: وهو كحَمْلِ المعتزلة النظرَ في قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] على انتظار الكرامة دون الرُّؤية، وحملِهم الإضلالَ المذكورَ من اللَّه تعالى على التسمية دون الإيجاد.
قال: وقيل: هو في المتشابهِ الذي ليس للناسِ (٢) حاجةٌ إلى معرفةِ ما فيه.
قال: وقيل: النهيُ عن التفسيرِ دون التأويل، وبينهما فرقٌ:
فالتفسير: هو الإخبارُ عن شأنِ مَن نزل فيه، وعن سببِ نزوله، وذلك علمُ مَن شهد ذلك، فهو يقول فيه بالعلم، وغيرُه بالرأي.
والتأويل: هو تبيين ما يحتمِلُه اللفظ من المعاني، وقد جعَل اللَّه القرآنَ أصلًا لجميع ما تقع به البلوى من النوازل إلى قيام الساعة.
قال: وجميع (٣) ما جاء عن الأئمَّة وبنى الفقهاءُ عليه فهو تأويلٌ لا تفسير.
قال: والتفسير: تبيينُ حقيقة ذلك، والتأويلُ: تبيينُ المقصود منه، فإنه في اللغة: صرفُ الكلام إلى ما يَؤُول إليه.
قال: والتفسير يكون ذا وجهٍ، والتأويلُ ذو (٤) وجوه.
وهذا كلُّه مختصَرُ كلام الإمام أبي منصورٍ ﵀.
стр. 165
قال (١) الإمام نجمُ الدِّين ﵀: ونذكر مثالًا واحدًا لهما، قالوا في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]: هما الأوسُ والخزرج.
وفي قوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الفتح: ١٦]: هم فارسُ و (٢) أهلُ اليمامة.
وفي قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ [البقرة: ٢٠٤]: هو الأخنسُ بن شَرِيقٍ.
وفي قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ٢٠٧]: هو صهيبٌ.
فهذا ونحوُه من التفسير، ولا يُتكلَّم فيه إلا بالسَّماع.
وقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١] قال بعضهم: أي: شبَّانًا (٣) وشيوخًا.
وقال آخرون: أي: فقراءَ وأغنياءَ.
وقال قومٌ: أي: عزابًا ومتأهِّلين.
وقال جماعةٌ: أي: أَصحَّاءَ ومَرضَى.
وقالت طائفة: أي: نِشَاطًا وغير نِشَاط.
فهذا من التأويل، وكلُّه جائزٌ مقبول، ولا بأسَ بالقول به بما وافَقَ الأصول، ولم يخالِف المعقول.
قال ﵁ (٤):
стр. 166
الكلام في قولنا قبل قراءة القرآن العظيم:
أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم
قال أهل المعرفة: هذه الكلمةُ وسيلةُ المتقرِّبين (١)، واعتصامُ الخائفين، وعُتْبَى (٢) المجرمين، ورُجعَى الهاربين، ومباسطةُ المحبِّين، وهو امتثالٌ لقول (٣) ربِّ العالمين: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨].
ونزولُها كان عند إلقاءِ الشيطان في تلاوةِ النبيِّ ﷺ ما (٤) قصَّ اللَّه تعالى في كتابه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] وسيأتيكم بيانه إن شاء اللَّه تعالى في موضعه، وباللَّه العصمة والتوفيق.
ومعنى أعوذ: أَلْتَجِئ، وقيل: أستَعْصِم، وقيل: أستَجِير، وقيل: أستعينُ، وقيل: أستغيثُ.
وفارسيتُه: (مي اندخشم ويناه مي خواهم، ونكاه داشت مي خواهم، وامان مي خواهم، وقاري مي خواهم، وفرياد مي خواهم) (٥).
والعَوذُ والعيَاذُ مصدرانِ: كاللَّوذِ واللِّياذِ، والصَّوم والصيام.
وقيل: هو الاستجارةُ بذي مَنَعةٍ.
стр. 167
وقيل: هو الاستعانة (١) عن خضوعٍ.
وقيل: هو مأخوذٌ من العُوَّذ -بضمِّ العين وتشديدِ الواو-: وهو كلُّ نبتٍ في أصلِ شجرة يَتستَّر بها، قال الشَّاعر:
خَليليَّ خُلْصانَيَّ لم يُبْقِ حبُّها... من القلبِ إلا عُوَّذًا سينالُها (٢)
فعلى هذا: العَوْذُ: هو التستُّرُ بسِتر اللَّه الجميل، والتبوُّءُ في ظلِّ حمايته الظَّليل.
وقيل: هو من العوَّذ بهذه الصيغة، وهو اللحمُ الذي لَصِقَ بالعظم، يقال: أطيبُ اللَّحم عوَّذُه، فعلى هذا: العَوْذُ: هو الانقطاعُ عن غيرِ اللَّه تعالى، والاتِّصالُ باللَّه تعالى.
وقولُ القائل: أعوذ، إخبارٌ عن فِعله، وهو في التقدير: سؤالُ اللَّه تعالى من فضله؟ أي: أعِذْني يا ربّ، كما يقول القائل: أستغفرُ اللَّه؛ أي: اغفرْ لي يا ربّ، وهو احترامٌ واستعظام، لا انبساطٌ واجترام (٣)، ولولا سَبْقُ الأمر به لم يتيسَّر الإقدام (٤).
ثم هذا الأمرُ عند بعض الناس يقتضي وجوبَ الاستعاذة بعد الفراغِ من القراءة، فإنَّ الفاء للتعقيب، وعند عامَّة الناس (٥) هو قبلَ القراءة، ومعنى قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾: فإذا أردتَ قراءةَ القرآن؛ كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وقوله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]،
стр. 168
وهذا إضمارٌ (١) ثابت بالبديهة، فإنَّ الاستعاذة للتحرُّز عن وسوسةِ الشيطان عند قراءةِ القرآن، وذلك بالتقديم لا بالتأخير، وهذا شائعٌ (٢) في اللغة، قال الشاعر:
إذا طحَنْتِ فابْدَئِي بالمَيْمَنةْ (٣)
وذلك مقدَّمٌ لا مؤخَّر.
وقال بعض أهل الإلحاد: إنكم رَوَيتُم عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "إنَّ الشيطان ليَهربُ من البيت الذي يُقرأ فيه القرآن" (٤) فأيُّ حاجةٍ إلى الاستعاذة منه (٥)؟
قلنا: عنه أجوبةٌ:
أحدها: أنَّا تُعُبِّدْنا به فلا عُدولَ عنه بمثلِ هذا.
والثاني: أن هذا الوعدَ في حقِّ مَن قرأه وعَمِلَ به، فقد قال ﷺ : "إذا لم يَنْهَكَ القرآنُ فلستَ بقارئ" (٦)، وفي العمل به خللٌ، فلم يَثِقْ بنيله (٧)، فلا يُستغنى عن سؤاله.
стр. 169
والثالث: أن الشيطان يجتهد (١) في أن يَصرفه عن هذه العزيمة، فيدفعُه (٢) بالاستعاذة، وأسعى ما يكون الشيطانُ في إفسادِ حالِ الإنسان عند قَصْدِه مكالمةَ الرحمن، فيَجتهِد (٣) في دفعِ شرِّه بالاستعاذة الآن.
والرابع: أن الغرض به ما قال جعفرٌ الصادقُ ﵁: التعوُّذ تطهيرُ الفم عن الكذبِ والغيبة والبهتان؛ تعظيمًا لقراءة القرآن، إذ (٤) هو الاستئذانُ لمكالمة اللَّه تعالى بالقرآن.
وقالوا أيضًا: إذا عُذْتُم باللَّه من الشيطان الرجيم عند قراءةِ القرآن، فلِمَ وقوعُ الخطأ والنسيان (٥)، والابتلاءِ بالعصيان؟
وقلنا: حفظُ اللَّهِ عند العياذِ باللَّهِ موعودٌ على التقوى والتذكُّرِ والإبصار، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]، فمَن أخَلَّ بهذه الشروط لم يَنَلْ هذا (٦) الموعود.
ومثالُ مَن استعاذ باللَّه من الشيطان، ثم اتَّبعه إذا دعاه إلى العصيان: مثالُ التاجر يَخرج إلى السفر بمالٍ خطيرٍ كثيرٍ، ويلتجئُ في حفظه بخفيرٍ حقير (٧)، ثم يَستجيشُ (٨) دهاةَ السُّرَّاق من أقاصي الآفاق.
стр. 170
ألا ترى أن الذين وفَوا بالشروط نالُوا ما نالُوا (١) بما قالوا:
قال نوحٌ ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٧].
وقال موسى ﵇: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ [الدخان: ٢٠].
وقال يوسفُ ﵇: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ (٢) [يوسف: ٢٣].
وقالت امرأةُ عمرانَ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦].
وقالت مريم: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ﴾ [مريم: ١٨].
وقال إبراهيم ﵇ حين أُلقي في النار على ما ورد في الأخبار: أعوذ باللَّه الذي (٣) خلَقني فهداني، مِن شرِّ مَن عصاه فآذاني.
وقال نبيُّنا محمدٌ ﷺ : ﴿رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٧ - ٩٨].
وقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ السورةَ، وقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ السورةَ.
وقال ليلة المعراج: "أعوذُ بعَفْوِكَ مِن عُقوبَتِكَ، وأعوذُ برضاكَ مِن سَخَطِكَ، وأعوذُ بكَ منكَ" (٤).
فنال نوحٌ ﵇ السلامةَ، وموسى الكرامةَ، ويوسفُ العِصمةَ، وامرأةُ عمرانَ الإعاذةَ، ومريمُ البشارةَ، وإبراهيمُ الخُلّةَ، والمصطفى الشفاعةَ.
стр. 171
وقالوا أيضًا: في الاستعاذة من الشيطان إظهارُ الخوف من غيرِ اللَّه تعالى، وهو يُخِلُّ بالعبودية!
وقلنا: اتخاذُ العدوِّ عدوًّا تحقيقٌ للمحبَّة، والفِرارُ من غيرِ اللَّه إلى اللَّهِ تتميمٌ للعبودية، والامتثالُ لأمر اللَّه تقديمٌ للطاعة، والخوفُ ممن لا يخافُ اللَّهَ إظهارٌ للمسكَنة، والالتجاءُ باللَّه تأكيدٌ للمباسَطة.
وقيل: التعوُّذ للتبعُّد والتوحُّش، وهي كلمةُ استيحاشٍ عند بعضهم، والتبعُّدُ من المبعَّد لا يكون لخوفه، بل يكونُ وفاقًا لمن بعَّده؛ ألا تَرى أن الإنسان يتباعَدُ عمَّن (١) بعَّده السلطان، لا خوفًا من ذلك الإنسان، بل وفاقًا للسلطان على ما كان.
كأنه يقول: أي إبليسُ الذي بَعُدْتَ من القُربة والرضا فابعُدْ عنا بعيدًا (٢).
ألا تَرى أن السامريَّ لمَّا بعَّده (٣) اللَّه تعالى من رحمته، أمَره موسى أن يدوم على قوله: ﴿لَا مِسَاسَ﴾ [طه: ٩٧] في جميع مدته، يُبعد الناسَ بذلك عن صحبته.
وقيل: هي للتبرِّي من (٤) الحول والقوة؛ كأنه يقول: هلك الشيطانُ بالنظرِ إلى أصله وفِعله، وأنا أتبرأُ إلى اللَّه تعالى مِن مِثله.
وقيل: هو الاستعاذة باللَّه من حالِ إبليس ومآلهِ، لا عن كيدِه وإزلاله وإضلاله.
стр. 172
وقيل: هو تملُّقٌ، واللَّهُ تعالى يحبُّ المتملِّقين، وكما أن الأب يحبُّ من ولده أن يتملَّق به، فاللَّهُ تعالى يحبُّ من عبده أن يتملَّق به.
وقيل: مَثَلُ العبد إذا خطر بباله حالُ إبليس فعاذ منه باللَّه كمثَلِ صَيدٍ قصدَه سبُعٌ ففرَّ إلى الحرم فدخله فأمِن (١)، فرجع السَّبُع خاسرًا.
وكمَثَل عبدٍ هارب من مولاه، فتلقَّاه (٢) لصٌّ فاتكٌ (٣)، فهرب منه إلى مولاه فآواه، فبقي اللصُّ قاصرًا، فالعبدُ (٤) إذا عاذ باللَّه من الشيطان الرجيم خَسَأ الشيطانُ خاسرًا.
وقولنا: (باللَّه) الباءُ صلة؛ وهي لمعانٍ، وهاهنا للإلصاق: وهو: وصلُ الفعل اللازم بالاسم الذي يقع الفعلُ عليه.
و (اللَّه) اسم اللَّه الأعظم، وتفسيره: القادرُ على الاختراع.
وقيل: هو المستحِقُّ لأوصاف العُلُوِّ.
وقيل: هو مَن له الخلقُ والأمر.
وقيل: هو المعبود.
وقيل: هو المستحِقُّ للعبادة.
واختُلف في أنه مشتقٌّ أو غيرُ مشتقٍّ؛ قال الخليل بن أحمد من أهل اللُّغة، والزجَّاجُ من أهل النَّحو، والحسينُ بن الفضل البَجَليُّ من أهل التفسير، ومحمد بن
стр. 173
الحسن من أئمةِ الفقه، والشافعيُّ من أهل الحديث، وجماعةٌ: هو غيرُ مشتقٍّ، وهو اسمٌ تفرَّد اللَّهُ تعالى به، فهو اسمٌ (١) له خاصٌّ، قال اللَّه تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] (٢).
جاء في التفسير أن معناه: هل تعرفُ أحدًا تسمَّى (٣) اللَّه؟!
وقال آخرون: هو مشتقٌّ، ثم منهم (٤) مَن قال: اشتقاقُه من وَلِهَ يَوْلَهُ وَلَهًا: إذا فَزِع ولَجَأ، قال الشاعر:
بَرَزْنا لنَرْدَى والقواضِبُ ركَّعٌ... وقد صيِّرت رأسُ الأسنَّةِ سُجَّدا (٥)
وَلهْتُ إليكم في بلايا تَنوبُني... فألفَيْتكم فيها كريمًا ممجَّدا (٦)
فمعناه: أن الخَلْق يلجَؤون به ويَفزعون إليه في حوائجهم.
стр. 174
ومنهم مَن جعلَه من الوَلَه الذي هو التَّحيُّر، والوالهُ: الحيرانُ لفَقْدِ الولد ونحوِه.
والولهُ: شدَّة الشوقِ أيضًا، قال الشاعر:
ولهَتْ نفسيَ الطَّروبُ إليكمْ... ولهًا حالَ دون (١) طعمِ الطَّعامِ (٢)
ومعنى الاسم: أن الخلق متحيِّرون في عظمته، وَالِهُونَ من شوقٍ (٣) لرؤيته؛ فعلى هذا (٤) أصلُ الاسم: وِلاه، أُبدلت الواوُ همزةً كما قالوا: وِشاح وإشاح، فقيل: إله، ثم دخلتْه الألفُ واللام فقيل: الإله، ثم حذفت الهمزة تخفيفًا فقيل: اللَّه.
ومنهم مَن جعل الاسم من أَلِهَ يَأْلَهُ؛ أي: دام وثبَت، يقال: أَلِهَ بالمكان؛ أي: دام وأقام، قال الشاعر:
أَلِهْنا بدارٍ ما (٥) تَبِينُ رسومُها... كأنَّ بقاياها وشامٌ على اليدِ (٦)
ومعنى الاسم: أنه القديمُ الأزليُّ الدائم الأبديُّ.
ومنهم مَن جعله مِن أَلهَ يَأْلَهُ (٧) إلاهةً؛ أي: عَبَد، وفي قراءة بعضهم:
стр. 175
(ويَذَركَ وإلَاهَتَكَ) (١)؛ أي: وعبادتَك، قال (٢) الشاعر:
وأْلَهْ إلهكَ واحدًا متفرِّدا (٣)
وتألَّه يتألَّه؛ أي: تعبَّد، قال الشاعر:
للَّهِ درُّ الغانياتِ المُدَّهِ (٤) ... سبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مِن تَأَلُّهي (٥)
ومعنى الاسم: أنه يحقُّ له العبادة.
ومنهم مَن جعَله مِن قولهم: أَلِهَ إلى فلانٍ (٦)؛ أي: رَجَع إليه واعتمَد عليه، قال الشاعر:
أَلِهْتُ إليها والرَّكائبُ وُقَّفُ (٧)
стр. 176
ومعنى الاسم: أنَّ رجوع الخلق إليه وتوكُّلَهم عليه.
ومنهم مَن جعله مِن الألَهِ الذي هو التحيُّرُ، قال الشاعر:
وبيداءِ تيهٍ تألَهُ العينُ وَسْطَها... مخفَّقةٍ (١) غَبْراءَ صَرْماءَ سَمَلَقِ (٢)
ومعناه: ما قُلنا في الوَلَه.
ومنهم مَن جعَله مِن قولهم: أَلِهْتُ إليه؛ أي: سكَنْتُ إليه، قال الشاعر:
ألِهْتُ إليها والحوادثُ جمَّةٌ (٣)
ومعنى الاسمِ: أنَّ قلوب الخلقِ تسكنُ بذِكره، قال اللَّه تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨].
ومنهم مَن جعَله من أَلِهَ؛ إذا (٤): ارتَفَع (٥)، والعربُ تسمِّي الشمسَ: إلاهة؛ لرفعتها، قال الشاعر:
стр. 177
تَرَوَّحْنا من الدَّهْناءِ أرضًا... وأَعْجَلْنا الإلَاهةَ أنْ تَؤُوبا (١)
ومعنى الاسمِ: أنه العَلِيُّ العظيم.
فعلى هذه الوجوهَ: (إلهٌ) فِعالٌ على أصلِ الكلمةِ من غيرِ إبدال همزةٍ عن واوٍ، ثم حُذفت الهمزةُ مع الألف واللام لِمَا مرّ.
ومنهم مَن جعَله من لاهَ يَلُوه؛ أي: عَلَا، ومعناه (٢): العَلِيُّ العالي المتعالي.
ومنهم مَن جعَله من لاهَ يَلُوهُ ولاهَ يَلِيهُ؛ أي: احتجَبَ، قال الشَّاعر:
لاحَتْ تُوافق عين الناسِ رؤيتها... ونحنُ نِلْنا المُنَى لمَّا أتَيْناها
لاهَتْ فما عُرِفَتْ يومًا بخارجةٍ... ياليتَها خَرَجتْ حتَّى رَأَيْناها (٣)
ومعناه: أنَّه حَجَب أبصارَ أهل الدنيا عن رؤيته (٤)، ووَعَد المؤمنين لقاءَه وهُم في جَنَّته.
فعلى (٥) هذين الوجهين: قولُنا: اللَّه، هو على الأصلِ من غير حذفٍ، وقد وَرد أيضًا بهذه الصيغة فيما ليس في أوَّله ألفٌ ولام، قال الشاعر:
стр. 178
يَسمعُها لاهُه الكُبَارُ (١)
وقال آخَرُ في النداء:
لاهمَّ إنَّ جُرهمًا عبادُكَ... الناسُ طَرْفٌ وهُمُ تِلادُكَ (٢)
فهذه عشرةُ أوجُهٍ في الاشتقاق.
وبقي وجهٌ لطيف غريب:
قيل: كان أصلُه هاءَ الكناية، وذلك أنهم أشاروا إليه بما وُضع له (٣) في نفوسِهم من دلالة الفطرة، إذ لم يَعلموا له اسمًا مسموعًا، ثم أدخلوا عليه لامَ المُلك فصار: له، يَعْنون: له الخَلْقُ والأمرُ، ثم مدُّوا بها أصواتهم تعظيمًا فقالوا: لاه، ثم وصلُوه بالألف واللَّام للتَّفخيم فصار: اللَّه.
ومن النَّحْويين مَن قال: أُدخلت الألفُ واللام فيه بدلًا من الهمزة المحذوفة
стр. 179
منه (١)، فلَزِمتَا الكلمةَ لزومَ تلك الهمزة، ولهذا لم تسقطَا عند النداء: يا أللَّه (٢)، كما سقطتَا من (٣) غيرِه من الأسماء: يا رحمنُ يا رحيمُ، ونحوِه.
وعن كعبِ الأحبار قال: كان داودُ ﵇ أَلِهًا أَلُوهًا. أي: مُوْلَعًا (٤) بمقالهِ في كلِّ أحواله: إلهي إلهي.
وقال جعفرٌ الصادقُ في هذا الاسم: أَبرزَه اللَّهُ تعالى من غَيبه إلى قولهِ، ومِن قولهِ إلى قلمه، ومِن قلمه إلى لَوحه، ومن لَوحه إلى وحيه، ومن وحيه إلى أنبيائه، سكينةً ووقارًا لقلوب أوليائه.
وقولُنا: (من الشيطان) كلمةُ (مِن) في اللُّغة لأشياء، وهاهنا تكونُ لأحدِ معانٍ ثلاثةٍ:
إمَّا للابتداء: كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩].
وإمَّا للانتقال: كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ٣٧].
وإمَّا للتعديَة: فإن وقوعَ هذا الفعل على الاسم المذكور بعده مختصٌّ بهذه الكلمة لغةً.
وتحقيقُ المعنى الأولِ والثاني: أن العَوْذ يبدأ (٥) بالانفصال من الشيطان ويَتمُّ بالاتصال باللَّه، وهو انتقالٌ من غيرِ اللَّه إلى اللَّه.
стр. 180
والشيطان هو إبليسُ، وفي أشتقاقهِ عشرةُ أقاويلَ:
أحدها: أنه من الشُّطونِ وهو البُعْدُ، قال الشاعرُ:
فأَضْحتْ بعدَما وَصَلتْ (١) بدارٍ... شطُونٍ لا تُعادُ ولا تَعودُ (٢)
ومعناهُ: المُبْعَدُ مِن الرحمة.
والثاني: أنه من قولهم: شاط يَشِيطُ؛ أي: هلك، قال الأعشى:
قد نَطْعَنُ العَيرَ في مَكْنونِ فائلهِ... وقد يَشِيطُ على أرماحِنا البَطَلُ (٣)
ومعناه: الهالِكُ في الدَّارينِ.
والثالثُ: أنه من قولهم: شيَّط الشيءَ، أي (٤): أَحْرقهُ، واسْتشَاطَ غضبًا؛ أي: احْتَرقَ، ومعناه: المحرَق (٥) في الدنيا بنارِ الفُرقة، وغدًا بنارِ الحرقةِ والعقوبة.
والرابعُ: أنه من قولهم: فرسٌ شَطونٌ؛ أي: جَمُوح رَمُوح، ومعناه: العَصِيُّ الأَبِيُّ.
والخامس: أنه من الشَّطَن: وهو الحبلُ الطويل المديد، ومعناه: المتمادي في الطُّغيان، الممتدُّ إلى العصيان.