← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ذكره الثعلبيُّ والبغويُّ عن عطاءٍ كالمؤلف، وذكره الواحديُّ في "البسيط" عن عطاءٍ عن ابن عباس. - وفي قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِم﴾ [الأعراف: ١٥٧] قال المؤلِّف: وقال عطاءٌ: كانت بنو إسرائيلَ إذا قامتْ تصلِّي للَّهِ لبِسوا المُسوحَ، وغَلُّوا أيديَهم إلى أعناقهم؛ تواضُعًا للَّه، وخوفًا من عذابه، وطمعًا في ثوابه، فرفَعها اللَّه تعالى عن هذه الأمة. ذكره الواحدي في "البسيط" عن عطاء عن ابن عباس. - وفي قوله تعالى: ﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٥] قال: وقال عطاء: يعني: يومَ بدر وأحد. ذكره الواحديُّ في "البسيط" عن ابن عباس ﵄. - وكذا: وقال عطاءٌ: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩]: بلا إلهَ إلا اللَّه. ذكره عن عطاءٍ الثعلبيُّ والبغويُّ، وذكره الواحديُّ في "البسيط" من طريقِ عطاء عن ابن عباس. - وفي قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] قال: قال عطاءٌ: وإما يَعْرِضنَّك من الشيطان عارضٌ. ذكره الواحديُّ في "البسيط" من طريق عطاءٍ عن ابن عباس. - وفي قوله تعالى: ﴿يَلمِزُك﴾ [التوبة: ٥٨] قال: قال عطاءٌ: أي: يغتابُك. ذكره الثعلبيُّ عن عطاء، والواحديُّ في "البسيط" عن عطاءٍ عن ابن عباس. - وفي قوله: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٤] قال المؤلف: وقال عطاءٌ: هم سبعون رجلًا أنزل اللَّه تعالى أسماءَهم وأسماء آبائهم، ثم رُفعت مرحمةً على العباد، ولأنَّ أولادهم أَسلموا وأَخلصوا.

стр. 107

ذكره الواحدي في "البسيط" عن عطاء عن ابن عباس، والبغوي في "تفسيره" عن ابن عباس. - وفي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] ذكر عن عطاء أنها في سهل بن رافع. ذكره الواحديُّ في "البسيط" من طريق عطاءٍ عن ابن عباس. - وفي قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة: ١٠٠] قال: وقال عطاءٌ: يريد: الذين يذكُرون المهاجرين والأنصارَ بالخير والرحمة والدعاء. ذكره الثعلبيُّ عن عطاءٍ، وذكره الواحديُّ في "البسيط" من طريقِ عطاءٍ عن ابنِ عباس. والأمثلةُ كثيرةٌ جدًّا، لكنَّ الملاحظَ أن هذه الروايات مقتصرةٌ تقريبًا على الثعلبيِّ والواحديِّ والبغويِّ، وقد يوردُها مَن يأخذُ عنهم كالرازي وابن الجوزيِّ والقرطبي. ويوضح هذا الأمرَ معرفةُ أن الواحديَّ تلميذُ الثعلبي، وقد نقل في تفاسيرِه كثيرًا مما أورده الثعلبيُّ في "تفسيره"، كما أن البغويَّ تلميذُ الواحديِّ، وقد أكثرَ في "تفسيره" من نقلِ ما جاء عند شيخه الواحديِّ وشيخِ شيخِه الثعلبيِّ. واللَّه تعالى أعلم. أمَّا الملاحظةُ الثالثةُ: فتتعلَّق بما ينقلُ عن مقاتل، وهاهنا علَمان أيضًا بهذا الاسم: مقاتلُ بن حيَّان، ومقاتلُ بن سليمان، والبَون بينهما شاسعٌ أيضًا: فالأول قال عنه الحافظ في "التقريب": صدوقٌ فاضلٌ، أخطأ الأزديُّ في زَعْمِه أن وكيعًا كذَّبه، وإنما كَذَّب الذي بعده. ويعني بالذي بعده مقاتل بن سليمان فإنه أعقبه به وقال: كذَّبوه وهَجَروه ورُمِيَ بالتجسيم.

стр. 108

قلتُ: لكن بعضَهم استحسَن تفسيرَه، فقد قال الحافظ نفسُه في "التهذيب": ورُوي عن الشافعي من وجوه: الناس عيالٌ على مقاتلٍ في التفسير. وقال نعيمُ بن حمَّاد: رأيتُ عند ابنِ عيينةَ كتابًا لمقاتلٍ فقلتُ: يا أبا محمدٍ تروي لمقاتلٍ في التفسير؟! قال: لا، ولكنْ أستدلُّ به وأستعين. وقال ابن المبارك لمَّا نظر إلى شيءٍ من تفسيره: يا له مِن علَم لو كان له إسناد. وقال مكيُّ بن إبراهيم عن يحيى بن شبلٍ: قال لي عبَّادُ بن كثيرٍ: ما يمنعُك من مقاتلٍ؟ قلتُ: إن أهل بلادنا كرهوه، فقال: لا تكرهْه، فما بقي أحدٌ أعلمَ بكتاب اللَّه تعالى منه. وبعضُهم لم يقبل تفسيرَه كإبراهيمَ الحربيِّ، فقد ذكر عنه الحافظ في "التهذيب" قوله: وإنما جمع مقاتلٌ تفسيرَ الناس وفسَّر عليه من غيرِ سماع، قال إبراهيم: ولم أُدخلْ في تفسيري عنه شيئًا، وقال إبراهيم: تفسيرُ الكلبي مثلُ تفسيرِ مقاتلٍ سواءٌ. قلت: وكلَا المقاتلَين قد رُوي عنه أقوالٌ في التفسير أوردها المفسِّرون في كتبهم، وقد رأيتُ من خلال العمل في هذا التفسير وقوعَ خلطٍ أيضًا بينهما، فما ينسبُه بعضهم للأول ينسبه غيرُه للثاني، كما أن كثيرًا مما يُنسب لابن حيانَ وجدتُه مذكورًا في التفسير المنسوبِ لابن سليمان، وهذه بعض الأمثلة على ذلك: - ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] قال المؤلف: وقال مقاتل بن سليمان ﵀: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: على المعرفة ولم يرتدُّوا. وهو في "تفسير مقاتل بن سليمان"، وذكره عنه الواحديُّ في "البسيط" والبغويُّ في "تفسيره"، أما الثعلبيُّ فعزاه في "تفسيره" لمقاتل بن حيان.

стр. 109

ثم ذكر المؤلِّف بعده عن مقاتل بن حيَّان: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: على أنَّ اللَّهَ ربُّهم. وهذا على العكسِ مما قبله ذكره الثعلبيُّ في "تفسيره" عن مقاتل بن سليمان. - وفي قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ قال: وقال مقاتل بن حيَّان: وحمل نوحٌ في السَّفينة معه ثمانين نفسًا؛ أربعين رجلًا، وأربعين امرأةً، وفيهم أولادُه الثَّلاثة. وهذا ورد في "تفسير مقاتل بن سليمان". - وفي موضعٍ آخر قال المؤلِّف: وقال مقاتل بن حيَّان: لَمَّا نزل قوله: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ﴾ [الفتح: ٥]، قال عبد اللَّه بن أُبَيٍّ: ما نحن وهم -يعني: الصَّحابةَ- إلا في منزلةٍ واحدةٍ، فأنزل اللَّه: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾ [الفتح: ٦]. وهذا أيضًا ورد في "تفسير مقاتل بن سليمان"، وذكره عنه ابن الجوزيِّ في "زاد المسير". - وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [التكوير: ٢٥] قال المؤلف: وقال مقاتل بن حيَّان: رأى رسول اللَّه ﷺ جبريلَ من قِبَلِ المشرقِ بأجياد وهو بمكَّةَ قد ملأ الأفقَ بكَلْكَله، رجلاه في الأرض، ورأسُه في السَّماء، جناحٌ له بالمشرق، وجناحٌ له بالمغرب، فغُشِيَ عليه فتحوَّل جبريل في صورة بني آدم، فقيل لرسول اللَّه ﷺ لَمَّا رجع: ما رأيناك منذ بُعِثْتَ أحسنَ منك اليوم، فقال: "جاءني جبريل في صورته، فعَلِقني هذا من حسنه". وهذا ورد في "تفسير مقاتل بن سليمان". - وفي موضع آخر قال المؤلف: وقال مقاتل بن حيَّان: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٩]؛ أي: مكتوبٌ لهم في ساق العرش، ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢١]؛ يعني: يشهدُ ذلك

стр. 110

الكتابَ سبعةُ أملاك من مقرَّبي أهلِ كلِّ سماءٍ حتَّى يُصعَد به إلى السَّماء، من كرامةِ المؤمن على اللَّه تعالى. وهو في "تفسير مقاتل بن سليمان". - وفي قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] ذكر المؤلِّفُ عن مقاتلٍ دون تعيينٍ: نزلتْ في ثلاثة نفَرٍ، وذلك أنَّ النبيَّ ﷺ بعَثَ سَرِيَّةً وأمَّرَ عليهم المنذرَ بن عمرٍو، فخرج بنو عامر بن صَعْصَعَةَ عند بئرِ مَعُونةَ، فرَصَدُوهم على الطريق وقتَلوهم، فرجعَ ثلاثة منهم، فلمَّا دنَوا إلى المدينة خرَجَ رجلان مِن بني سُلَيمٍ صالَحا رسولَ اللَّهِ ﷺ ، وقد كان أعطاهما وكسَاهما، فقالا: نحن مِن بني عامر؛ لأنَّ بني عامرٍ كانوا أقربَ إلى المدينة، فقتلوهما وأخذوا ثيابَهما، وجاؤوا إلى رسول اللَّه ﷺ ، فنزلت هذه الآيةُ. وهذا الخبر ورد في "تفسير مقاتل بن سليمان"، وذكره عنه السمرقندي في "تفسيره". لكن رواه البيهقي في "شعب الإيمان" (١٤٣٠) عن مقاتل بن حيَّان. وغيرُ هذا كثير، وإنما ذكرنا ما ذكرنا لتوضيحِ المسألة. وتبقى هنا ملاحظةٌ أخيرة: وهي أنه يجب التفريقُ بين ما يرويه الضعفاءُ ممن ذكرنا كمقاتلٍ والكلبيِّ وبين ما يقولونه من التفسير، فبابُ التفسيرِ واسعٌ، وما دامت أقوالُهم لا تخرجُ عن الأصولِ فلا ضيرَ فيها واللَّهُ أعلم، بل كثيرٌ مما يذهبون إليه هو في الحقيقةِ من الوجوهِ المقبولة أو المستحسَنة، حتى رجَّح الماتريديُّ مرةً قول الكلبيِّ على قولِ سعيد بن جبيرٍ. قال الماتريديُّ: قال سعيد بن جُبير ﵀: يُجمع بين أرواح الأحياء وبين

стр. 111

أرواح الموتى، يتعارفُ منها ما شاء اللَّه أنْ يتعارف، ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى﴾ إلى أجسادها (١). قال: وبهذا لم يُفْهَمْ شيءٌ مِن تأويل الآية. قال: وقال الكلبيُّ: النائم مُتوفًّى حتى يرُدَّ اللَّه إليه نفْسَه، وأمَّا التي يتوفاها حين موتها فإنه يقبِض الرُّوح والنَّفْس معًا، ويُرسل التي يتوفاها في منامها حتى تبلغَ أجلَها المُسمَّى، وهو الموت. ويقول: إنما يقبِض اللَّه مِن النائم النَّفْس لا الرُّوح. ثم قال الماتريدي: وهذا الذي ذكره الكلبي أقربُ إلى تأويل الآية مِن الذي ذكرَه سعيدٌ. . .، إلى آخر كلامه. فهذه بعضُ الملاحظات التي عرَضتْ لي خلالَ العمل في هذا التفسير، وقد كان البعضُ منها في البالِ قبلًا، لكنْ لم يتسنَّ لي التحقيقُ فيه، حتى يسَّره اللَّه في هذا التفسير، الذي وقع فيه الإكثارُ من نقلِ أقوالِ السَّلف، فكان من ضمنِ ذلك أقوالُ الأعلامِ المتقدِّم ذكرُهم، وهو ما يسَّر الأمر عليَّ، واللَّهُ وليُّ التوفيق. ٤ - ردودُه على المذاهب الفاسدة والفرقِ الضالَّة . من المعروفِ عن المؤلِّف ﵀ التزامُه بعقيدةِ أهلِ السُّنَّة والجماعةِ ودفاعُه عنها، وإبطالُ أقوال أصحابِ المذاهبِ الفاسدة، والفرقِ الضالة، وتفنيدُها بالحجة والبرهان. وهو في تفسيرِه هذا لم يَدَعْ آيةً فيها ردٌّ على أهل الباطل، أو إبطالٌ لتأويلهم الفاسد، إلا بيَّن ذلك، مُثْبِتًا مذهبَ أهلِ الحقِّ فيها وأنه هو الصَّواب، وما عدَاه من _________ (١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ٢١٥).

стр. 112

تلك التأويلاتِ الفاسدةِ فضلالٌ وانحرافٌ عن الصَّواب، فهو يردُّ على الجهميَّةِ والجَبْريَّة والكرَّاميَّة والمعتزلةِ وغيرهم. فمن ردِّه على الكرَّامية: ما جاء عند قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٨] قال المؤلفُ: أخبرَ عنهم أنهم يدَّعون ذلك، ثم قال: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: ليسوا بمؤمنين، فنَفَى الإيمانَ عنهم لأنه لم يكن في قلوبهم، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]، وقال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ [الحجرات: ١٤]، وبَطَل بهذا قولُ الكرَّامية: إنه مجرَّد الإقرار، فإن المنافقين أقرُّوا بذلك واللَّه تعالى نفَى عنهم ذلك. وردَّ مذهب الجبرية والقدرية: وذلك في قوله: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥]. فقال: في الآيةِ دليلُ أهل السُّنَّة والجماعة، فإنه قال: ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾، وهو إثباتُ فعلِ نفسِه، وقال: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، وهو إثباتُ فعلِ العبد، فدلَّ على أنَّ العبدَ فاعلٌ، واللَّهَ تعالى لفعل العبد خالقٌ، وبطَل قولُ الجبرية أنْ لا فعلَ للعبد، وقولُ القدريَّة أنْ لا صنعَ للَّه في فعل العبد. وعلى الإباحية من جهلة الصوفية: في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٩] فقال: ثم إنَّ أهلَ الإباحة مِن المتصوِّفة الجَهَلةِ حملوا اللامَ في قوله: ﴿لَكُمْ﴾ على الإطلاق، والإباحةَ على الإطلاق، وقالوا: لا حَجْر ولا حَظْر، ولا نهيَ ولا أَمْرَ، وإذا تحقَّقت المعرفةُ وتأكَّدت المحبَّةُ، سقطت الخدمةُ وزالت الحرمةُ، فالحبيبُ لا يُكلِّف حبيبَه ما يُتعبه، ولا يَمنعه ما يُريده ويَطلبه، وهذا منهم كفرٌ صُراح، وخروجٌ مِن الإيمان بإفصاح، فقد نهى اللَّهُ تعالى وأَمَر، وأباح وحظر،

стр. 113

ووعد وأَوعد، وبشَّر وهدَّد، والنصوصُ ظاهرة، والدلائلُ متظاهرة، فمَن حَمل هذه الآيةَ على الإباحة المطلَقة، فقد انسلخَ مِن الدِّين بالكليَّة، فالمحملُ الصحيحُ ما قاله ابنُ عباس رضي اللَّه تعالى عنهما: خَلَق لمنافعكم ومصالحكم. وردَّ مذهب الجهميَّة بأبسطِ طريق: وذلك عند قوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٨ - ٣٩] فقال: وفي الآيتين نقضُ قولِ الجهميَّة: أنَّ الجنَّة والنَّار يَفنيان ويَنقطع ما فيهما، فإنَّ اللَّه تعالى نفى الخوف والحزنَ عنهم، ولو كانتا تَفْنيَان لكان لأهل الجنَّة أشدُّ الخوف والحزن. وردَّ على الرافضة بالدليلِ الذي لا مَدْفعَ له: وذلك في قوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] فقال: وتعلَّقت الروافضُ بظاهرها لإباحةِ الجمع بين تسعِ نسوةٍ، فإنَّه ذُكر بالواو لا بـ (أو)، وذلك للجمع. لكنَّا نقول: هذا على البدلِ دون الجمع في حالةٍ واحدةٍ؛ أي: فانكحوا مثنى، وانكحوا ثُلاثَ، بدل مثنَى، وانكحوا رُباع، بدل مثنَى وثلاثَ. والدَّليل على أنَّ المراد هذا لا غيره: أنَّه لو قيل هذا في الأمر بشيءِ آخرَ لم يكنْ إلَّا على هذا الوجه، فإنَّه إذا قيل لقوم: ادخلوا الدَّار مثنَى وثُلاثَ ورُباعَ، لم يكن أمرًا بدخول تسعةٍ منهم جملةً في حالةٍ، بل هو أمرٌ لهم أن يدخلوا اثنين اثنين، ولهم أن يدخلوا بدلَ ذلك ثلاثةً ثلاثةً، ولهم أن يدخلوا بدلَ ذلك أربعةً أربعةً، وكذا في كلِّ موضعِ، هذا هو قضيَّة اللُّغة. وفي موضع آخر: وقالت الروافضُ في قوله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾: لا

стр. 114

يخلو إما أن يكون حزنُ أبي بكر طاعةً أو معصيةً، فإن كان معصيةً ففيه نقصانه لا فضلُه، وإن كان طاعةً فلمَ نهاه رسول اللَّه ﷺ ؟ قلنا: لم يكن حزنُه سوءَ الظنِّ بربِّه تعالى، ولا استبطاءً لنصره، لكنْ شفقةً على رسول اللَّه ﷺ وحبيبه، وكان ذلك شيئًا نشأ عن طبعه ولا نقصَ في مثله. ثم نعارضُهم بخوفِ موسى وهارونَ ﵉، وقال اللَّه تعالى لهما: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ [طه: ٤٦] إلى آخر السؤال حَذْوَ القُذَّة بالقُذَّة، على أنهما قالا: ﴿إِنَّنَا نَخَافُ﴾ [طه: ٤٥]، وليس في القرآن أن أبا بكر ﵁ قال: إني أحزنُ. أما ردودُه على المعتزلة فكثيرةٌ جدًّا، فهو لا يَدَعُ آيةً لهم فيها تأويلٌ منحرفٌ لإثباتِ مذهبهم الفاسد إلا رد عليهم: - فمن ذلك قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤] قال: أي: هُيِّئت وخُلقت. . . والآيةُ ردٌّ على المعتزلة، فإنهم قالوا: النار والجنةُ لم يُخلقا بعد، وإنما يُخلَقان يوم القيامة عند حضور أهلهما، وقولُهم باطلٌ مردودٌ بهذه الآية، ولقوله تعالى في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ونحوِهما من الآيات. - وفي قوله تعالى: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٧] قال: وقيل: أي: لم يُخرجهم منه، كما يقال: تركَه في الدار؛ أي: لم يُخرجْه منها، وهذا تأويل المعتزلة؛ فإنهم لا يقولون بخلقِ أفعال البشر من اللَّه تعالى، والصحيحُ من التأويل عند أهل السُّنَّة والجماعة: ﴿وَتَرَكَهُمْ﴾؛ أي: جعَلهم في الظلمات، وهو كقوله: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ [البقرة: ٢٦٤]؛ أي: جعَله صلدًا. - وردَّ مذهب الجبرية والمعتزلة بكلماتٍ بسيطةٍ واضحةٍ لا لبس فيها لمريدِ الحقِّ والساعي إليه، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فقال: ثم في مجموعِ الكلمتين تحقيقُ مذهب أهل السُّنة والجماعة، وهو إثباتُ الفعل من

стр. 115

العبدِ والتوفيقِ من اللَّه تعالى، وفيه ردٌّ على الجبريَّة والمعتزلةِ: فالجبريةُ يَنْفون الفعلَ من العبد، وقولُه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ يردُّ عليهم ذلك. والمعتزلةُ لا يَرون التوفيقَ من اللَّه، وقولُه: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يردُّ ذلك عليهم. وأهلُ السنَّة والجماعةِ يقولون: من العبد الفعلُ واختيار الفعل، ومن اللَّه تعالى خلقُ ذلك الفعلِ ومشيئةُ ذلك الفعلِ، والآيةُ تدلُّ على ذلك كلِّه. - وفي قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ [البقرة: ٣] قال: ثم الرِّزقُ يكون هو التغذيةَ عندنا، وهو عند المعتزلة: التمليكُ، فالحرامُ عندهم ليس برزقٍ؛ لأنه ليس بمِلكٍ، وهذا في غايةِ الفُحش منهم، وهو نهايةُ الضَّلال؛ فإنه ردُّ كتاب اللَّه تعالى، قال عزَّ وعلا: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]. والحيواناتُ عندهم ليست تأكلُ من رزقِ اللَّه تعالى، لأنها لا تملك، وآكِلُ الحرام عندهم وكاسبُه في جميع عمره لم يأكلْ من رزقِ اللَّه شيئًا، ولم يَرزقه اللَّهُ شيئًا. والأمثلةُ لا تحصى، وإنما أوردنا منها ما فيه كفايةٌ لبيان المراد. ٥ - منهجه في النحو: وملخَّص منهج المؤلِّف في النحو الذي انتحاهُ في تفسيره: أنه يُعنَى بالإعراب، لكنه لا يستقصِي كما هي طريقةُ أبي حيَّان والسَّمين الحلبي، ويتابعُ مذهبَ الكوفيين في بعضِ المسائل وخصوصًا الفراء، كما يُعنَى أيضًا بالفوائد النحوية: فمن أمثلة عنايته بالإعراب وشرحه وتوضيحه: - قوله تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ [طه: ١٢٨] قال: ﴿كَمْ﴾ في موضع الرفع، وتقديره: كثرةُ مَن أهلكنا من القرون، وهو فاعلُ ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ﴾، والمفعول مضمَرٌ؛ أي:

стр. 116

أفلم يبيِّن للمشركين كثرةُ القرون المهلَكين بمخالفة الأمر أن حالهم كذلك. ويجوز أن يكون الفاعل هو القرآن، و ﴿كَمْ﴾ في موضع النصب لأنه مفعولٌ؛ أي: أفلم يبيِّن القرآنُ للمشركين كثرةَ مَن أهلكنا. ومن ذلك العناية بالتقديرات عند القول بأن في الكلام حذفًا: - ففي قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [الرعد: ٣٥] قال: قيل: جوابُه محذوفٌ في آخرِه، وهو: أَجَلُّ مَثَلٍ. وقيل: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾؛ أي: صفةُ الجنَّة، كقوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [الروم: ٢٧]، وعلى هذا فيه مُضْمَرٌ أيضًا، تقديرُه: صفةُ الجنَّة التي وُعِدَ المتَّقون [أنها] تجري مِن تحتِها الأنهارُ. وقيل: الإضمار في أوَّلِه: وفيما يُتْلَى عليك مثلُ الجنَّةِ. وقيل: إضمارُه: هذا مثلُ الجنَّة، ذكر وعدَ الأولياءِ بعدَ ذكرِ وعيدِ الأعداءِ. - وفي قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف: ١٠] قال: وجوابُه محذوفٌ ها هنا؛ قال الزجَّاج: هو: أتؤمنون؟ وقيل: أفلا تكونون ظالمين؟! يدلُّ عليه ما بعده: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: أي: ما داموا على ظُلْمهم. - وفي قوله: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ [القصص: ٦٤] قال: قيل: هاهنا مضمر: فوَدُّوا لو كانوا مهتدين إلى الإسلام في الدنيا. وقيل: الإضمارُ في آخره: لو أنهم كانوا يهتدونَ لخرَجوا من العذاب الذي رَأَوا.

стр. 117

وقيل: بل المضمَرُ في آخره: لو كانوا يهتدون لَمَا رأوا ذلكَ العذاب. ومن أمثلةِ عدم استقصائه: - ما جاء عند قوله تعالى: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٥] قال: قيل: هو نصبٌ على التفسير؛ كقولك: هذا لك هبةً منِّي. وقيل: هو مصدرُ فعلٍ مدلولٍ عليه أو مضمرٍ، لأن قوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ﴾ (ولأدخلن) بمعنى: لأُثِيبنَّ بهذا، والإضمارُ: يثابون بذلك ثوابًا. فهذا ما ذكره من إعراب واقتصر عليه، وله عند الاستقصاء وجوهٌ أُخرُ، فقيل: هو حال من ﴿جَنَّاتٍ﴾ لوصفها؛ أي: مُثابًا بها، أو من ضمير المفعول في ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ﴾؛ أي: مُثابين، وقيل: إنه بدل من ﴿جَنَّاتٍ﴾ على تضمين ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ﴾ معنى: ولأعطينَّهم، وقال الكسائيُّ: إنه منصوب على القطع. وفسَّر بعضهم القطعَ بالنصب على الحال (١). ومن متابعته للكوفيين والفرَّاء: قوله بكون الألف واللام بدلًا عن الإضافة: - كما في قوله تعالى: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد: ٤] قال: أي: فشُدُّوا وَثاقَهم، والألفُ واللامُ بدلٌ عن الإضافة ها هنا. - وفي قوله تعالى: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: ٤٠] قال: أي: منعَ نفسَه من اتِّباع هواها ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١] قال: أي: مأواه، والألفُ واللَّام بدل الإضافة في ﴿الْمَأْوَى﴾، ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾. - وفي قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١] قال: ﴿الْفُؤَادُ﴾: أي: _________ (١) انظر: "البحر المحيط" (٦/ ٣٦٨).

стр. 118

فؤادُه، بالألف واللَّامِ بدلٌ عن الإضافة؛ كقوله: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١]؛ أي: مأواه. قلت: وهذا مذهبٌ كوفيٌّ، قال الفراء: والعربُ تجعل الألف واللام خَلفًا من الإضافة فيقولون: مررتُ عَلَى رجلٍ حَسَنَةٍ العَيْنُ قَبِيحٍ الأنفُ، والمعنى: حسنةٍ عَيْنُه قَبِيحٍ أنفهُ، ومنه قوله: ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (١). هذا قول الفراء، وأما البصريون فالتقدير عندهم: هي المأوى له (٢). ومن ذلك أخذُه بمذهب الكوفيين في مسألةِ النصب على الصَّرف: - كما في قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢] قال: هو نصبٌ على الصرف كما في قول الشاعر: لا تنهَ عن خلقٍ وتأتيَ مثلَه... عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيم قال: ومعنى الصرفِ: أنه مصروفٌ عن معنَى مطلقِ العطف، فإنه ليس معناه النهيَ عن إتيان مثله قصدًا كالنهي عن النهي عن خُلُق، بل معناه النهيُ عن الجمع بينهما، وكذا معنى الصرف في هذه الآية ليس هو مطلقَ نفي علمِ الصابرين كنفيِ علمِ المجاهدين، بل معناه نفيُ اجتماعهما. قلتُ: وهذا أيضًا مذهبٌ كوفيٌّ، قال ابن الأنباريِّ: ذهب الكوفيُّون إلى أن الفعل المضارعَ في نحوِ قولكَ: (لا تأكلِ السمكَ وتَشْرَبَ اللبنَ) منصوبٌ على الصرف. وذهب البصريون إلى أنه منصوب بتقدير (أنْ)، وذهب أبو عُمَرَ الجَرْمِيُّ _________ (١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٤٠٨). (٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٥/ ٢٨١).

стр. 119

من البصريين إلى أن الواو هي الناصبة بنفسها؛ لأنها خرجت عن باب العطف (١). ومن ذلك القول بزيادة الواو: - ففي قوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٤] قال المؤلف: قال الفراء وغيره: الواو مُقحَمةٌ زائدةٌ، ومعناه: ناديناه، جوابًا لقوله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ وهو كقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧١]، وكقوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ١٥]. فذكر قول الفراء ولم يذكر غيره، وهو مذهبٌ كوفي، ومذهبُ البصريين أن يقدَّر في هذه الآيات محذوفٌ يُعرفُ مِن سياق الكلام، وتكونُ الواوُ عاطفةً عليه كما هو الأصلُ فيها، فقدَّروا في هذه الآية جوابَ "لما": سُعِدَا وأَجزلَ لهما الثواب، ونحوَه من التأويلات، قالوا: والقول بالتقدير خيرٌ من الحكم بالزيادة، لا سيما في كتاب اللَّه تعالى (٢). أمَّا الفوائدُ النحويةُ عند المؤلِّف فأكثرُ من أن تُحصى: - فمن ذلك كلامُه في أولِ سورةِ البقرة عن (الذين) حيث قال: وأصلُه: (اللذِينَ) بلامينِ؛ إحداهما: لامُ التعريف، والثانية: لامُ (لذ)، وإنما اكتُفي في الكتابة بواحدةٍ تخفيفًا لكثرة الاستعمال، ولهذا تُكتب في التَّثنية في (اللذانِ) بلامين؛ لأنه لم يَكثر استعمالُه. ثم قال: وإنما لم يُعرب لأنه موصولٌ لا يَتمُّ إلا بصلته، فصار لفظُه كأنه بعضُ الكلمة، ولا إعرابَ إلا لتمامِ الكلمة في آخرها، فأمَّا (اللَّذانِ) في التثنية فإنما أُعرب - _________ (١) انظر: "الإنصاف في مسائل الخلاف" لابن الأنباري (٢/ ٤٥٢). (٢) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (٣/ ٢٩٢)، و"الدر المصون" للسمين الحلبي (٩/ ٣٢٤).

стр. 120

فكان رفعُه بالألف، ونصبُه وخفضُه بالياء- لأن منعَ الإعراب كان لإلحاقه بالحروف، ولا تثنيةَ للحروف فلم تُلحق بها، بل تحقَّق فيه معنى الاسمِ فأُعرب لذلك. - ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٣] قال: قُرئ فيه بالرَّفع على الاستئناف، وبالنصب على المدح، وهذا شاذٌّ، وبالخفض على البَدَل، وهو قراءة الزهريِّ، وهو كما قال كُثَيِّر به: وكنتُ كذي رِجلَيْن رِجْلٌ صحيحةٌ... ورجلٌ رَمَى فيها الزمانُ فَشُلَّتِ يُنشَد بالرَّفع والجرِّ معًا. ولو قلتَ: مررتُ بثلاثةٍ: صريعٌ وجريحٌ، واقتصرتَ عليهما، لم يجزْ بالجرِّ؛ لأنَّك لم تَستوفِ العددَ، ويَجوز بالرَّفع، وتقديره: منهم صريعٌ، ومنهم جريحٌ، وإذا قلتَ: مررتُ بثلاثةٍ؛ صريع وجريح وسليم، جاز فيه الرَّفع والجرُّ، فإنْ زدتَ فيه: اقتَتَلوا، جاز فيه الرَّفعُ والجرُّ والنصبُ. فانظر إلى هذا التفصيل والتمثيل الذي لا تجده عند غيره. - وفي قوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] قال: منصوباتٌ بالترجمة عن ﴿مَا﴾، ولا تنوينَ فيهنَّ لأنَّها غيرُ منصرفة، فإنَّها معدولةٌ عن اثنين وثلاثٍ وأربعٍ، ومعناه: اثنين اثنين وثلاثًا ثلاثًا وأربعًا أربعًا، ومع العدل فيها معنًى آخرُ، وهو وهمُ الألف والَّلام؛ لأنَّها كالمعارف، ولهذا لا إضافة فيها، فامتنَع صرفُها لذلك. - وفي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٣] قال: حُذف النون من (يكن) تخفيفًا لكثرة الاستعمال؛ لأن (كان) و (يكون) أمَّ الأفعال؛ لأن (ضرَب) في معنى: كان ضرَب، و (يضرب) في

стр. 121

معنى: يكون يضربُ، فلما كانت أمَّ الأفعالِ وكثُر استعمالُها للحاجةِ إليها احتَمَلتْ هذا الحذفَ، ولم يَحتمِلْه نظائرُها مِن: لم يَصُن ولم يَخُن. - وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨] قال: يُقرأ بالياء والتاء (١)، فمَن أنَّث فلأنَّ الشفاعةَ مؤنَّثةٌ لفظًا، وأمَّا التذكيرُ فلأنَّ تأنيثَ ما ليس بذي روحٍ غيرُ حقيقيٍّ، ولأنَّ الفعلَ مقدَّمٌ على الاسم، ولأنَّ بينهما حائلًا. وفي القرآن: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧]، وفي آيةٍ أخرى: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٩٤]، ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ﴾ [الممتحنة: ٤] ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] وقال تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَة﴾ [الأنعام: ١٥٧] وقال: ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٧]. والحاصل: أنَّ ما كان تأنيثه ليس بحقيقيٍّ فتأنيثُه وتذكيره جائزٌ إنْ تقدَّم أو تأخَّر، وكان بينهما حائلٌ أو لم يكن، وفي الحقيقيِّ يجوز تأنيثُها بكلِّ حالٍ، وتذكيرُها إذا تقدَّم الفعلُ وبينهما حائلٌ، ولا يَحْسُنُ بغير حائلٍ. - ومن أجمل فوائده: ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا﴾ [الحجر: ٣] قال: جُزِمَ ﴿يَأْكُلُوا﴾ لأنَّه جوابُ الأمرِ، وكذا ما بعدَه، وفي قولِه: ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُون﴾ [الأنعام: ٩١] لم يُجزَمْ لأنَّه حالٌ لا خبرُ، وتقول العربُ: دَعْ زيدًا يَنَمْ، ودَعْ زيدًا ينامُ، فإذا كانَ غيرَ نائمٍ نقولُ: دَعْ زيدًا يَنَامْ جوابًا للأمر، وإذا كان نائمًا تقولُ: دَعْ زيدًا ينامُ، أي: قَرِّرْهُ على حالةِ النَّوم. - وفي قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ _________ (١) قرأ بالياء ابن كثير وأبو عمرو، وقرأ باقي السبعة بالتاء.

стр. 122

بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [الأحقاف: ٣٣] قال: الباءُ زائدةٌ، وإنما أُدْخِلَتْ لأنَّ معنى قولِه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾: أوَليسَ، وذاك تدخُلُ فيه الباء. - وفي قوله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] قال: اختُلِفَ فى جواب هذا القسَمِ، وأصلُه: أنَّ جوابَه بأحدِ خمسةِ أشياءَ: (إنَّ) المُشَدَّدة؛ كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤]. و (ما) النَّافية: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣]. واللَّامُ المفتوحةُ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢]. و (إنْ) الخفيفةُ بمعنى (ما): ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٩٧]. و (لا): ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى﴾ [النحل: ٣٨]. قال: وزاد البَعْلِيُّ على هذا: (قد)؛ كقوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا. . . قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾. و (بل)؛ كما في قوله في هذه السورة: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ. . . بَلْ عَجِبُوا﴾. - وفي قوله تعالى: ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ١١٢] قال: وفي زيادة الواو أقاويلُ: قيل: الواو تدخل للمبالغة في المدح للمنعوت واحدًا كان أو جماعةً، قال تعالى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا﴾ [آل عمران: ٣٩]. وقيل: لأن الأمر والنهيَ متقابلان، والمعروفَ والمنكرَ كذلك، فكانا كالمتعاندَين (١)، فأَدخل بينهما حرفَ العطف كما في قوله تعالى: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥]. _________ (١) في نسخة: "كالمتغايرين".

стр. 123

وقيل: هي واو الثمانية؛ لأنها الصفةُ الثامنة، والعربُ تخصُّ ذلك بالواو، كما في قوله تعالى: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، وقوله: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]؛ لأن أبواب الجنة ثمانيةٌ. ولا أصل لهذا القول عند المحققين، فليس في هذا العدد ما يوجب ذلك ولا استعمالَ على الاطِّراد كذلك، قال اللَّه تعالى: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣] بغير واو، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ الآيةَ بغيرِ واوٍ في الثامن. ومن فوائده جمع المعاني أو الاستعمالات لكلمةٍ أو حرفٍ: - من ذلك: الكلامُ على (أم) في أول سورة البقرة، حيث قال: وقوله تعالى: ﴿أَمْ﴾: هذه الكلمةُ في القرآنِ على أربعة أوجُهٍ: أحدها: عطفٌ على ما دخله ألفُ استفهامٍ كما في قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦] ثم قال: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٧]. والثاني: ابتداءُ استفهامٍ كالألف: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾ [النساء: ٥٣]؛ أي: ألهم؟ والثالث: بمعنى (بل): ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ [الزخرف: ٥٢]؛ أي: بل أنا خير. والرابع: بمعنى (أو) من غير استفهامٍ كما في هذه الآية: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا﴾ [يس: ١٠]؛ أي: أو لم تنذرهم، فلا استفهامَ في هذه الآية. - ومن فوائدِه تعديدُ استعمالات الفعل (كان)، فقال: وكلمةُ (كان) قد تَجيءُ للماضي، كما في قوله: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨]. وقد تجيءُ للمستقبل، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦].

стр. 124

وقد تجيءُ للحال، كما في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩]. وقد تجيءُ جامعًا لذلك كلِّه، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] أي: لم يَزَلْ رحيمًا بهم في الأزلِ وفي الحالِ وفي الأبد. وقد تَجيءُ بمعنى: صار، كما في قوله: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣]. وقد تجيء بمعنى: وقع، كما في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]. - ومن ذلك ذكر معاني (أو) في القرآن، فقال في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ [البقرة: ١٩]: (أو) جاءت في القرآن لثلاثةَ عشَر معنًى: أحدها: للشكِّ، قال تعالى: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩]. وللتشكيك: قال تعالى: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] وهذا غيرُ الأول، هذا إخفاء الحال على السامع من غير شكٍّ من القائل. وللتخيير: قال تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]. وللإباحة: قال اللَّه تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] وهذا غير التخيير، ذاك بيانٌ أن الواجب أحدُها لا الكلُّ وله الخيارُ، وفي الإباحةِ له أن يفعلَهما وله أن يفعل أحدهما. قلت: وهذا من أحسن ما رأيتُ في التفريق بين الشكِّ والتشكيك، والإباحةِ والتخيير. ثم قال: وللتفصيل: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية [المائدة: ٣٣]، كلُّ عقوبةٍ منها لجنايةٍ غيرِ الأخرى.

стр. 125

وبمعنى الواو: قال تعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]. وبمعنى: بل، قال تعالى: ﴿كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل: ٧٧]. وبمعنى: ولا، قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]. وبمعنى: حتى، قال تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨]. إلى آخر المعاني الثلاثة عشر. ومثله كثير، وفيما ذكرنا كفاية. ٦ - الفقه في تفسير "التيسير ": لم يقفِ المؤلِّفُ عند الأحكام الفقهيةِ كثيرًا، بل كان منهجُه الإشارةَ إليها دونَ التوسُّع فيها، ثم الإحالةَ إلى كتب الفقه بشكلٍ عامٍّ لمن أراد التوسُّع، أو يخصص بعضَ كتبه التي ألَّفها في الفقه، وهو في الغالبِ يكتفي بعرضِ أقوال أئمَّةِ مذهبه أبي حنيفةَ وأبي يوسفَ ومحمد بن الحسن وزُفَرَ، مع الإشارةِ لاختلافهم إن كان: - ففي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] قال: اختلفَ العلماءُ فيمَنْ بلغَ مبذِّرًا سفيهًا؛ هل يُحجَر عليه؟ وأراد بالعلماءِ علماءَ مذهبه، فإنه لم يذكر عَقِبه سواهم، ثم إنه اكتفَى بذكر أقوالهم مختصرةً جدًّا، حيث قال: فأبو حنيفة ﵀ لا يرى الحجرَ عليه في تصرُّفاته، وأبو يوسف ﵀ يقول: لا يَنحجِر بذلك، لكن يستحقُّ حجرَ القاضي عليه، وقال محمَّد ﵀: يَنحجِر بسفهه. ثم ختم كلامه في المسألة بقوله: ويُعرف ذلك في الفقهيَّات، وقد أوضحناه في "حصائل المسائل".

стр. 126

- وفي قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَة﴾ [النساء: ٢٣] قال بعد ذكرِ بعضِ ما يتعلَّق بالآية: والرَّضاعُ في الكبر لا يحرِّم عندنا؛ لقوله ﵇: "الرضاعُ ما أنبتَ اللَّحمَ، وأنشزَ العظمَ" (١)، وذلك في الصَّغير، وذاك في سنتين عند أبي يوسفَ ومحمَّد رحمهما اللَّه، وسنتين ونصفٍ عند أبي حنيفة ﵁، وثلاثِ سنين عند زُفَرَ ﵀، ويُعرف ذلك في الفقهيَّات. - وفي قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]: قال: وهؤلاء مصارفُ هذا المال بصفةِ الحاجة، فلا يَحلُّ للغنيِّ منهم، ويجوز الصرفُ إلى صنفٍ واحدٍ منهم، وهو بيانُ الصرف دون الاستحقاق كما عُرف في مصارف الصدقات، وهذا عندنا. وأربعة أخماسه يُقسم بين الغزاة: للفارسِ سهمان وللراجل سهمٌ عند أبي حنيفة، وهو قولُ أكثرِ الصحابة ﵃، وفيه أكثرُ الأحاديث، وعند أبي يوسف ومحمدٍ ﵏: للفارس ثلاثةُ أسهم سهمٌ له وسهمان لفرسه، وهو قولُ بعض الصحابة، وفيه بعض الأحاديث. ثم فيمَن شهد الأمر مَن لا يستحِقُّ السهم ويُرضَخُ له، ومنهم مَن لا يُرضخ، وفي موضع الرَّضخ ومقدارِ الرضخ والمالِ الذي منه الرضخُ كلامٌ، وشرحُه في الفقهيات، وقد أشبَعْنا الكلام فيه على التهذيب والترتيب في "حصائل مسائل الفقه". فهذا منهجُه ﵀ في آيات الأحكام، وهو كما يَظهرُ من الأمثلة التي ذكرناها _________ (١) رواه أبو داود (٢٠٥٩) و (٢٠٦٠) من حديث ابن مسعود ﵁. قوله: أنشز العظم؛ أي: رفعه وأعلاه وأكبر حجمه، ويروى بالراء؛ أي: شده وقواه.

стр. 127

ومن غيرِها قائمٌ على الاختصار، والاقتصارِ على أقوالِ أئمةِ المذهب، والإحالةِ في التفاصيل على كتبِ الفقه، ومنها كتبُه التي ألَّفها، وخصوصًا "حصائل المسائل"، وهو -واللَّه أعلم- قد تناول فيه بسطَ مسائل الفروع وتفصيلَها. ٧ - منهجه في القراءات: أمَّا القراءاتُ فالمؤلفُ ﵀ له عنايةٌ كبيرة بها، وهو قد انتهَج فيها طريقةً ثابتةً من أولِ الكتاب إلى آخره، وهي ذكرُ القراءاتِ السبعةِ في الغالب، وفي أحيانٍ قليلةٍ يضيفُ باقي العشرة، لكنه لا يكتفِي بالإشارة إلى القراءةِ بل إنَّ له عنايةً خاصةً بتوجيهها وبيانِ ما أشكلَ، مع الدقَّة في عزوِ القراءة لقائليها من السبعة، أمَّا القراءاتُ الشاذةُ فقليلًا ما يتعرَّض لها، ومن أمثلة العناية بالقراءات عنده: - قوله تعالى: ﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ [النمل: ٢٤ - ٢٥] قال: قرأ الكسائي وأبو جعفر ورويسٌ عن يعقوب بالتخفيف (١)، ومعناه: (ألَا) كلمة تنبيهٍ، و ﴿يَسْجُدُوا﴾ بمعنى: يا اسجدوا، (يا) نداءٌ والمنادى مضمرٌ أي: يا هؤلاءِ اسجُدوا للَّهِ، قال ذو الرُّمَّة: ألَا يا اسْلَمي يا دارَ مَيٍّ على البِلَى... ولا زالَ مُنْهَلًّا بجَرْعائكِ القَطْرُ وقرأ الباقون بالتشديد، وله وجوهٌ: أحدها: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ ألَّا يَسجدوا. والثاني: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ أعمالَهم لئلَّا يَسجدوا. والثالث: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ لئلَّا يَسجدوا. _________ (١) ويقف هؤلاء على (يا)، ويبتدئون: (اسجدوا) على الأمر.

стр. 128

والرابع: ﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ أنْ لا يَسجدوا، ومعناه: أنْ يسجدوا، و (لا) زائدة، كما في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]؛ أي: أن تسجد. والخامس: ﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ لقُبْحِ أنْ لا يسجدوا للَّه، كما قالوا في قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] أي: كراهةَ أن تضلُّوا، على الإضمار. - وفي قوله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً﴾ [الأنفال: ١١] قال: قرأ عاصمٌ وابنُ عامر وحمزةُ والكسائيُّ بضمِّ الياء وتشديدِ الشين ونصبِ سينِ ﴿النُّعَاسَ﴾ من التغشيةِ وهي تعديةُ الغِشْيان. وقرأ نافع بضمِّ الياء وتخفيفِ الشين من الإغشاء، وهو للتعدية أيضًا، ولذلك نصَب هو ﴿النُّعَاسَ﴾ أيضًا. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿يغشاكم﴾ بفتح الياء والتخفيف وضمِّ سِين ﴿النعاسُ﴾ من الغِشْيان وهو لازمٌ، و ﴿النعاسُ﴾ فاعل. ويجدرُ التنبيه هنا على أن قولَه في آخر النصِّ: (وهو لازم) فيه نظر، فإن الفعل هنا متعدٍّ، ومفعولُه مذكورٌ معه، وهو الكافُ في (يغشاكم)، لكن الفرقَ عن القراءتين الأُخريين أنه فيهما متعدٍّ لاثنينِ، وهنا في (يغشاكم) تعدَّى الفعلُ لواحدٍ، ولعل هذا مرادُ المؤلِّف باللزوم؛ أي: التعدِّي لواحدٍ في هذه القراءة في مقابلةِ التعدِّي لاثنينِ في القراءتين الأُخريين. والمؤلِّفُ ﵀ دقيق في عزو القراءاتِ السبعةِ لأصحابها مما يتوافَقُ مع المراجع الأساسية لهذه القراءات كـ "السبعة في القراءات" لابن مجاهد، و"التيسير في القراءات السبع" لأبي عمرٍو الدَّاني، لكن لا يخلو الأمرُ من بعضِ السهو -وهو نادرٌ- كما في قوله: ﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ [الكهف: ٩٨] قال: على قراءة المد: مستويةً على

стр. 129

الأرض، من قولهم: ناقةٌ دكاءُ؛ أي: لا سنام لها، وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر، والتأنيثُ راجع إلى مؤنَّثٍ مضمَر؛ كأنه قال: جعله أرضًا دكَّاء، وقرأ الباقون غيرَ ممدودة بالتنوين. كذا قال في نسبتها والصوابُ العكس، فقد قرأ ابنُ كثير ونافعٌ وأبو عمرو وابن عامر بغير مدٍّ، وقرأ باقي السبعة -وهم حمزةُ والكسائيُّ وعاصم- بالمد؛ كما في "السبعة" و"التيسير". وله تحقيقٌ في القراءات، ففي قوله تعالى: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] قال: ومَن تكَلَّفَ وقرأ؟ (عَبَاقِرِيّ) بالياء (١) -لِيَصِحَّ وَصْفُها بالحِسان جَمْعًا- لم يَنْفَعْه ذلك؛ لأنَّ المكانَ يَصيرُ جَمْعًا، فأمَّا المنسوبُ إليه فيبقى واحدًا كـ "الجَوَالِقِيِّ"، إلَّا أنْ يُقْرَأَ: (عَبَاقِر) بدون الياء، فيصيرُ جَمْعًا، ولا ضَرورةَ إليه، فإنا قلنا: إنَّ العَبْقَرِيَّ جَمْعٌ، وواحدتُها: عَبْقَرِيَّةٌ. وهناك قراءاتٌ من الشواذِّ ذكرها المؤلِّف ولم أجدها فيما توفَّر لديَّ من المصادر، ومنها عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ﴾ [المطففين: ٣] قال: وفي مصحف حفصةَ ﵂: (وإذا كالوا لهم). وفيما أوردناه كفايةٌ لبيان المراد، واللَّه تعالى أعلم. ٨ - الإسرائيليات في هذا التفسير: الإسرائيليات: جمعُ إسرائيليةٍ، نسبةً إلى بني إسرائيل، وهي معارفُ اليهودِ وثقافتُهم المتمثِّلةُ بالتوراةِ وشروحها، والأسفارِ وما اشتَملت عليه، والتلمودِ - _________ (١) وهي قراءة شاذة نسبت لجمع من السلف، كما نسبت للنبي ﷺ في خبر، لكنه لم يصح، وسيأتي تفصيل ذلك في مكانه.

стр. 130

وهي التوراةُ الشفهيةُ، وهو مجموعةُ قواعدَ ووصايا وشرائعَ دينيةٍ وأدبيةٍ ومدنيةٍ، وشروحٍ وتفاسيرَ وتعاليمَ ورواياتٍ كانت تُتناقَل وتُدرَّس شفهيًّا من حينٍ إلى آخر - وشروحِه، والأساطيرِ والخرافات، والأباطيلِ التي افترَوها أو تناقلوها عن غيرهم، وهذه كلُّها كانت المنابعَ الأصلية للإسرائيليات التي زخرت بها بعضُ كتبِ التفسيرِ والتاريخ والقصص والمواعظ، وهذه المنابعُ إن كان فيها حقٌّ ففيها باطل كثير، وإن كان فيها صدقٌ ففيها كذبٌ صُرَاح، وإن كان فيها سمينٌ ففيها غثٌّ كثير، فمِن ثَم انجرَّ ذلك إلى الإسرائيليات. وقد يتوسَّع بعضُ الباحثين في الإسرائيليات، فيجعلُها شاملةً لِمَا كان من معارف اليهود، وما كان من معارفِ النصارى التي تدور حولَ الأناجيل وشروحها، والرسلِ وسيَرهم، ونحوِ ذلك؛ وإنما سمِّيت إسرائيلياتٍ لأن الغالبَ والكثيرَ منها إنما هو من ثقافةِ بني إسرائيل، أو من كتبهم ومعارفهم، أو من أساطيرهم وأباطيلهم. والحق: أن ما في كتب التفسيرِ من المسيحيَّات أو من النصرانيَّات هو شيءٌ قليلٌ بالنسبةِ إلى ما فيها من الإسرائيليات؛ ولا يكادُ يُذكر بجانبها، وليس لها من الآثارِ السيئة ما للإسرائيليات؛ إذ معظمُها في الأخلاق، والمواعظِ، وتهذيبِ النفوس، وترقيق القلوب (١). قلتُ: وأخبثُ الإسرائيلياتِ وأكثرُها خطرًا هو تلك التي يُخلط فيها بعضُ آيات القرآن، فلا شكَّ أنها مِن وضعِ كذابٍ خبيثٍ؛ لأنه أراد بتضمينه إياها آياتٍ من القرآن إيهامَ رفعها، ودفعَ الشكِّ عنها، وهذا أسلوبٌ لجأ إليه بعضُ الوضَّاعين بأنْ خلطوا مع الإسرائيلياتِ بعضَ ما ورد في القرآن والسنَّة، ليلبِّسوا على العامَّة أنها ليست من الإسرائيليات، وليست مما يقال بالرأي، وبالتالي فهي من المرفوع، _________ (١) انظر: "الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير" لمحمد أبو شهبة (ص: ١٢ - ١٤).

стр. 131

فينفِّقوا بذلك أكاذيبَهم وأباطيلهم، ويدسُّوا من خلاله شُبَههم، وسيأتي بعض الأمثلة على هذا ضمن هذا الفصل. وقد كثُر في كتب التفسير إيرادُ الإسرائيليات، وأكثرُها كما تقدَّم طامَّاتٌ لم ينبِّه ناقلوها على أصله، ولم يُوْقَف على قائله، فكانت مثارًا للشكِّ والطعن والتقوُّلِ على الإسلام ونبيِّه ﷺ . لكن قد نبَّه أبو شهبة ﵀ هنا إلى مسألةٍ مهمةٍ فقال: وأحبُّ أن أنبِّهَ أنه ليس معنى أنَّ هذه الإسرائيلياتِ المكذوباتِ والباطلاتِ مرويةٌ عن كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد اللَّه بن سلام، وأمثالِهم، أنها مِن وضعِهم واختلاقِهم، كما زعم ذلك بعضُ الناسِ اليومَ، وإنما معنى ذلك: أنهم هم الذين روَوْها، ونقلوها لبعضِ الصحابة والتابعين من كتبِ أهل الكتاب ومعارِفهم، وليسوا هم الذين اختلقوها، وإنما اختلَقَها وافْتَجَرها أسلافُهم القدماء. ولم يقلْ أحدٌ من أئمةِ الجرح والتعديلِ على حصافتهم وبُعد نظرهم: إن كعبًا ووهبًا وعبد اللَّه بنَ سلامٍ وتميمًا الداريَّ وأمثالَهم كانوا وضَّاعين، يتعمَّدون الكذب والاختلاقَ من عند أنفسِهم، وإنما الذي قالوه عنهم: إنهم كانوا هم الواسطةَ في حمل ونقلِ معارفِ أهل الكتاب إلى المسلمين، وإن البعضَ رواها عنهم، فليس الذنبُ ذنبَهم، وإنما الذَّنبُ ذنبُ مَن نقلها ورواها عنهم من غيرِ بيانٍ لكذبها وبُطلانها (١). ووهبٌ هو عالمُ أهلِ اليمن، روَى عن ابن عُمرَ وابن عباسٍ وجابرٍ وغيرِهم، وكان ثقةً، توفِّي سنةَ أربعَ عشرةَ ومئةٍ، وقد رُوي عنه في التفسير روايات كثيرةٌ جدًّا، مما في كتب أهل الكتاب. _________ (١) انظر: "الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير" لمحمد أبو شهبة (ص: ٩٦ - ٩٧).

стр. 132

وكعبُ الأحبار روَى عن النبيِّ ﷺ ، ولكنه مرسل؛ لأنه لم يلقَ النبيَّ ولم يَسمع منه، وعن عمرَ، وصهيبٍ، والسيدةِ عائشةَ، وروَى عنه من الصحابةِ معاويةُ وأبو هريرةَ وابنُ عباسٍ، وعطاءُ بن أبي رباحٍ وغيرُه من التابعين. وقد أثنى عليه العلماءُ، وكان قبلَ إسلامه يهوديًّا عالمًا بكتبهم وثقافتِهم، حتى قيل له: كعبٌ الحبرُ، وكعبُ الأحبارِ. ويمكن تقسيمُ الإسرائيلياتِ إلى ثلاثةِ أقسامٍ لا حجةَ في ذكرِ أيٍّ منها: فمنها: ما علِمنا صحته بشرعنا، فما جاء به شرعُنا أولَى بالذكر. ومنها: ما علِمنا كذبَه لكونه خالفَ ما عندنا، فلا يجوزُ ذكره. ومنها: ما هو مسكوت عنه، فلا نكذِّبه ولا نصدِّقه، وتَجوزُ حكايتُه، لكنْ لا فائدةَ فيه تعودُ على الدِّين، وإنما لجأ إليه كثير من المفسِّرين لملءِ الفراغاتِ التي يتركُها القرآنُ في القصص بأسلوبِه المعجِز المترفِّع عن إيرادِ التفصيلات التي لا لزومَ لها، بل قد تشتِّت الذهنَ وتصرفُ عن العبرة التي سِيقت القصة لأجلها. وينبغي الاعترافُ أنَّ هذا التفسيرَ من التفاسيرِ التي وقع فيها ذكرُ الكثير من الإسرائيليات، وغالبُه نسبه المؤلِّف ﵀ لوهبِ بن منبِّهٍ، وبعضُه عن كعبِ الأحبار. ويجب التنبيهُ هنا إلى ملاحظة مهمة أشار إليها أبو شهبة ﵀، وهي أن مَن أورد الإسرائيليات وعزاها لكعبِ الأحبارِ أو وهبِ بن منبِّهٍ أو عبدِ اللَّه بن سلام وأضرابهم، فإنه قد دلَّ بعزوِها إليهم أنها مما حملوه وتلقَّوه عن كتبِهم ورؤسائهم قبل إسلامهم، ثم لم يَزالوا يذكرونه بعد إسلامهم، وأنها ليستْ مما تلقَّوه عن النبيِّ

стр. 133

أو الصحابةِ، فكانت نسبتُها إليهم تشير إلى مصدرها، ومن أين جاءت، وأن الرواية الإسلامية بريئة منها (١). قلتُ: ولعل هذا يفسِّرُ كونَ بعضِ هذه الأخبار قد رُويت في كتبٍ تُنسبُ لأئمةٍ كبارٍ من أهل الحديث عُرف عنهم التحرِّي في الأخبار، ككتاب "الزهد" للإمام أحمد، و"تفسير الطبري"، و"تفسير ابن أبي حاتم"، فقد رُوي فيها بعضُ أخبارِ وهبٍ التي لا غبارَ على أنها مما أخذه عن الإسرائيليات، كقصةِ أيوبَ التي وردت عند الطبريِّ في أكثرِ من عشر صفحات، ولم يتعقَّبها بشيءٍ، وكقصةِ موسى التي وردت أيضًا مطوَّلةً في "الزهد" للإمام أحمدَ، وسيأتي العزوُ لهذين المصدرينِ في الكتاب في مواضعه إن شاء اللَّه، فما أورده المؤلف كذلك منسوبًا لمَن ذكرْنا لا يَحطُّ من قيمةِ الكتاب كما لم يحطَّ ذلك من تلك الكتب، نعم قد يكونُ في الإكثار منها ما يؤخذ عليه. وتبقى الطامَّة في الكثيرِ من الإسرائيليَّاتِ الذي جاء موقوفًا على الصَّحابة، ومنسوبًا إليهم ﵃، فيظنُّ مَن لا يعلمُ حقيقةَ الأمر، ومَن ليس مِن أهل العلمِ بالحديث، أنها متلقَّاةٌ عن النبيِّ ﷺ ، لأنَّها من الأمورِ التي لا مجالَ للرأي فيها. وأمَّا الطامَّةُ الأكبرُ والأعظمُ والأخطرُ فهي أن بعض الزنادقة والوضَّاعين وضعفاءِ الإيمانِ قد رفَعوا هذه الإسرائيلياتِ إلى المعصومِ ﷺ ، ونَسبوها إليه صراحةً، وهنا يكون الضررُ الفاحشُ والجنايةُ الكبرى على الإسلام، والتجنِّي الآثمُ على النبيِّ ﷺ ؛ فإنَّ نسبة الغلط أو الخطأ أو الكذبِ إلى الراوي أيًّا كان أهونُ بكثيرٍ من نسبة ذلك إلى النبيِّ ﷺ (٢). _________ (١) أنظر: "الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير" لمحمد أبو شهبة (ص: ٩٤). (٢) انظر: "الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير" لمحمد أبو شهبة (ص: ٩٤ - ٩٥).

стр. 134

فهذه مقدِّمةٌ لا بدَّ منها قبلَ الخوضِ فيما ورد في هذا الكتابِ من الأخبارِ التي لا شكَّ أن كثيرًا منها هو من خرافاتِ بني إسرائيلَ وأباطيلِهم، فالمؤلِّفُ ﵀ مثلُ عامَّةِ المفسِّرين لم يتوانَ عن إيراد الإسرائيليات التي يراها مناسبةً للموضع، ولو كان واضحًا أنها كذلك؛ كما في إيراده قصةَ خلقِ آدمَ وأكلهِ من الشجرةِ نقلًا عن وهبِ بن منبِّهٍ، وقد صرَّح مكيٌّ بأن ذلك الخبرَ مما أخذَه وهبٌ عن أهلِ الكتاب. ومن ذلك ممَّا يوازي الإسرائيلياتِ في الخرافة بل يفوقُها قصةُ النمرودِ التي رواها المؤلِّفُ بالسند المتَّصل إلى الراوي، وهو دِهقانٌ أسلمَ على زمنِ عُمر، وهي قصةٌ طويلةٌ مليئةٌ بالعجائب والغرائبِ والأساطيرِ التي لا تقبلُها العقول. - ومن أمثلةِ ما نقله المؤلفُ من الإسرائيليات: ما جاء عندَ قوله تعالى: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧]، فقد ذكر خبرًا عجيبًا غريبًا لا تقبلُه عقولٌ ولا تتَّسعُ له الأفهام، فقال: وقال وَهْبٌ: صار أعظمَ ثعبانٍ نظرَ إليه الناظرون، أسودَ مدلهمًّا يدبُّ على قوائمَ غلاظٍ قِصَارٍ شدادٍ في مثلِ بدنِ البُختيِّ العظيم، إلا أنه أطولُ منه بدنًا وعنقًا ومشفرًا، وإن له ذنَبًا طويلًا غليظًا يقوم عليه فيُشرف على حيطان المدينة برأسه وعُنقه، ثم يقع على الأرض فلا يأتي على شيءٍ إلا حطَمه، وخدَش بقوائمه الصخرَ والرُّخامَ والحيطانَ والبيوت، حتى يرمي بعضَها على بعضٍ، يتنفَّسُ في البيوت والخزائن فيَشتعِلُ كلُّ شيءٍ منها نارًا، وله عينان تتوقَّدان نارًا، ومَنْخِران يخرج منهما الدُّخان، وقد صار له المحجَن عُرفًا على ظهره، وشعورًا سودًا غلاظًا مثلَ الرِّماح الطِّوال لا يُصيب منها شيئًا إلا قطَعه، وقد جُعلت الشعبتانِ له فمًا مثلَ القَليب الواسع يخرجُ منه رياحُ السَّموم لا يُصيب أحدًا منه نفخةٌ إلا صار أسودَ مثلَ الليل المظلِم، في فيه أضراسٌ وأنيابٌ، في أعلى شدقِه اثنانِ وسبعون ضرسًا، وفي أسفلهِ مثلُ ذلك، له صريرٌ يَصمُّ مَن سمعه، ما يسمعُ الرجل كلامَ جليسه إذا ضربَ

стр. 135

أضراسَه بعضَها على بعضٍ، وإنه ليَهدر مثلَ البعير يتزبَّد شدقاه زبَدًا أبيضَ، يَتطاير لعابه فلا يقع منه قطرةٌ على أحدٍ إلا اشتعل برَصًا، فأدخلَ الثعبانُ أحدَ شدقيهِ تحت سريرِ فرعونَ والآخَرَ فوقه وفرعونُ -لعنه اللَّه- على سريره، فسَلَح في ثيابه، فلمَّا عاين الناسُ ذلك من أمر الثعبان -وكان قد اجتمع أهلُ المدينة بأسرهم- انهزموا وولَّوا ذاهبين، وتزاحَموا في الأبواب، وتضاغَطوا ووطئَ بعضهم بعضًا، فمات يومئذ خمسٌ وعشرون ألفًا، فقام فرعونُ اللعينُ فوقع عن سريره، وكان اللَّه تعالى قد أملَى له حتى كان يمكثُ أربعينَ يومًا لا يَخرجُ من بطنه شيءٌ، ولا يُحدِث إلا في كلِّ أربعين يومًا مرةً، فلمَّا كان يومئذٍ أحدَثَ في ثيابه حتى علِم به جلساؤه، وكان يأكلُ ويشرب جاهدًا، ولا يَبصقُ ولا يَتمخَّط لا يتنخَّعُ ولا تَذرُف عيناه، ولا يمرضُ ولا يصدعُ ولا يَسقمُ ولا يَهرمُ ولا يَفتقِر، شابَّ السنِّ، فكان على هذا أربعَ مئة سنةٍ، فلمَّا كان يومئذٍ أحدثَ وبصق وامتخَط وأخذَه المرضُ والصُّداع واختلف بطنُه أربعين مرةً، فلم يزل بعد ذلك يختلفُ حتى مات عليه. هذا الخبرُ رواه ابنُ عساكرَ في "تاريخه"، وهو مع ما فيه من المبالغاتِ التي لا يقبلُها العقل، فيه مخالفةٌ لِمَا جاء به الشرعُ، فهذا الحيوان بوصفه المذكورِ في هذه القصةِ يخالفُ نصَّ القرآن الذي جاء فيه أنه حيةٌ تسعى، وأنه ثعبانٌ مُبين، وهذا المذكور لا يُشبه الحيةَ ولا الثعبانَ، ولا حتى غيرَهما من الحيوانات التي نعرفُها أو نتخيَّلُها، ثم مَن الذي استطاعَ أن يَثبُتَ في ذلك الموقفِ الرهيبِ الغريبِ العجيبِ ليَعدَّ أضراسَه التي في شِدقهِ الأعلى أنَّها اثنان وسبعون، وإن تسنَّى له ذلك واستطاعَه فكيف عرَف عددَ تلك التي في شِدقه الأسفلِ؟! وكيف هي الوسيلةُ التي عرَف بها جلساءُ فرعون أنه أحدَث؟ أو مَن هو الذي كان بينَ جلسائهِ ونقَل لنا هذا الحدثَ؟

стр. 136

أم كيف عُرف كم اختلف بطنُ فرعون إذ ذاك؟ ومَن الذي كان يراقبه ويعدُّ ذلك الحدثَ عليه؟ فلا شكَّ أن هذا الخبر من أباطيل بني إسرائيل. - ثم ذكر بعدَه المؤلفُ عن الحسن أنه قال: ولمَّا عاينَ ذلك قال: يا موسى، ارجع يومَك هذا وكفَّ ثعبانَك هذا، قاله سرًّا دون أصحابه، وقال لأصحابه: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٠٩]، وقال له: يا موسى، ألَا رَفَقْتَ بالأمر، قتلتَ خمسة وعشرين ألفًا، بهذا أمرك ربُّك الذي بعثك؟ قال: يا فرعونُ، أنت فعلتَ هذا، يا فرعونُ أسألُك واحدةً وأعطيك أربعًا، قال: وما الَّذي تسألني؟ قال: أسألُك أن تعبدَ اللَّه وحده ولا تشركَ به شيئًا، وأعطيك الشبابَ لا تهرم، والملكَ لا ينازعك فيه أحد، والصحةَ لا تَسقم، والجنةَ خالدًا، فخضع له فرعون وقال: حتى أستأمرَ آسيَةَ بنتَ مزاحمٍ، فدخل عليها فقال لها: يا آسيةُ، ألَا ترَيْن إلى موسى إلى ما يَدْعوني وما يعطيني؟ قالت: وما هو؟ قال: يدعوني إلى أنْ أعبدَ اللَّه ولا أشركَ به شيئًا، وأنَّ لي الشبابَ لا أهرمُ، والملكَ لا ينازعُني فيه أحد، والصحةَ لا أسقمُ، والجنةَ خالدًا، قالت: يا فرعون، وهل رأيتَ أحدًا يصيب هذا فيَدعَه؟ قال: فخرج فدعا هامانَ -قال الحسن ﵀: وكان لا يُعرف له نسبٌ- فذكر له ذلك واستشاره، فقال له هامان: اتعبدُ بعد إذ كنتَ تُعبد؟! فبدا له وذكرَ أمرَ الشيب، فقال: أنا أردُّك شابًّا، فخضَبه بالسواد، وهو أولُ مَن خضب بالسَّواد، فدخل على آسية، وقال: يا آسية، ألَا تَرَيني صرتُ شابًا؟ قالت: مَن فعل هذا بك؟ قال: هامان، قالت: ذاك إن لم يَنْصَلُ. وهذا أيضًا رواه ابنُ عساكر في "تاريخه"، وليس هذا بأحسنَ من سابِقِه، ولا شكَّ أنه مكذوبٌ على الحسن، ومَن وضعه كذابٌ خبيث، فقد رواه ابن عساكر من طريق إسحاقَ بنِ بشرٍ عن يزيدَ بنِ إبراهيمَ عنه، وإسحاقُ بن بشرٍ هو صاحب كتاب

стр. 137

"المبتدأ" كذَّبه عليُّ بنُ المدينيِّ، وقال الدارقطنيُّ: كذَّابٌ متروك. وقال ابن حبَّان: لا يحلُّ كَتْبُ حديثه إلا على جهةِ التعجُّب (١). كما أن قولَ فرعون: قتلتَ خمسةً وعشرين ألفًا، ظاهر أنه مبنيٌّ على الخبر السابق وتابعٌ له، والسابق رواه ابن عساكر من طريق إسحاق عن إدريس عن وهب، ولعله مكذوب على وهب أيضًا، فإسحاقُ هو ابنُ بشرٍ، وقد ذكرنا حاله، وإدريسُ هو ابنُ سنانٍ سبطُ وهبِ بن منبِّه، قال عنه الدارقطني: متروك (٢). ثم كيف يُتصوَّر أن يدعوَ موسى فرعونَ إلى الإيمان باللَّه على أساسِ تلك المرغِّبات التي يخالفُ بعضُها سنةَ اللَّه في عباده، فمَن ذا الذي يعطَى الشبابَ بلا هرَم، والصحةَ بلا سقم؟! وأيُّ إيمان هذا الذي يُبْنى على زهرةِ الحياة الدنيا التي هي فتنةٌ للكفار وليست طريقًا للإيمان باللَّه سبحانه؟ كما قال: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه: ١٣١]، فأيُّ ميزةٍ لفرعون حتى يكونَ ما جُعل فتنةً لغيرِه سبيلًا له إلى الإيمان؟ علمًا أن هذا التمتيعَ الذي في الآيةِ هو أقلُّ بكثيرٍ مما وعَد به موسى فرعونَ في هذا الخبر. وإنما قلتُ: إن واضعَها كذابٌ خبيث؛ لأنه ضمَّن الخبر آيةً من القرآن لإيهام رفعِها، وقد تقدَّم بيان ذلك، ومن الأمثلةِ عليه أيضًا ما ذكره المؤلفُ في الآية نفسها عن قتادةَ، حيث قال: وقال قتادةُ: لمَّا أخذ موسى الألواحَ قال: يا ربّ، إنِّي أجدُ في التوراة -أي: الألواح- أمَّةً هي خيرُ الأمم، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، _________ (١) انظر: "ميزان الاعتدال" (١/ ١٩٢). (٢) انظر: "ميزان الاعتدال" (١/ ١٨٠).

стр. 138

فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمةُ محمدٍ ﷺ ، فقال: يا ربّ، إنِّي أجد في التوراة أمةً سمَّيتَهم المتقين وسمَّيتهم عابدين وصالحين؟ قال: هم أمة محمد، قال: يا ربّ، إنِّي أجد في التوراة أمةً هم الآخِرون السابقون يومَ القيامة؟ قال: هم أمة محمد، قال: يا ربّ، إنِّي أجدُ في التوراة أمةً يأخذون صدقاتها فيأكلونها في بطونهم فيؤجَرون عليها؟ قال: هم أمة محمد، قال يا ربّ، إني أجد في التوراة أمةً هم المستجيبون والمستجابُ لهم؟ قال: هم أمة محمد، قال: يا رب، إني أجد في التوراة أمةً يقاتلون أهل الضلالة حتى يقاتِلوا الدجَّال؟ قال: هم أمة محمد، قال: يا ربّ، إني أجد في التوراة أمةً أناجيلُهم في صدورهم؟ فقال: هم أمة محمد، قال: إني أجد في التوراة أمةً الجنةُ محرَّمة على الأنبياء حتى يدخلَها نبيُّهم، وعلى الأمم حتى تدخلها أمَّتُه؟ قال: هم أمة محمد، قال: إني أجد في التوراة أمةً غَفرْتَ لهم قبل أن يَستغفروك، وأعطيتَهم قبل أن يسألوك؟ قال: هم أمة محمد، قال: إني أجد في التوراة أمةً رضُوا عنك باليسير من الرزق ورضيتَ عنهم باليسير من العمل؟ قال: هم أمة محمد، قال: إني أجدُ في التوراة أمةً هم الشافعون والمشفوعُ لهم؟ قال: هم أمة محمد، قال: فاجعلهم أمتي، قال: إنك لن تدركهم، فقال موسى: الوفدُ وفدي والحياءُ لأمة محمد، فاجعلني من أمة محمد، فقال اللَّه تعالى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ الآية، فرضي، وزِيدَ: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩]. قال أبو شهبةَ: إن آثارَ الوضعِ والاختلاقِ باديةٌ عليه، والسندُ مطعونٌ فيه، وهي أمور مأخوذٌ من القرآن والأحاديث، ثم صِيغت هذه الصياغةَ الدقيقة، وجُعلتْ على لسانِ موسى ﵇.

стр. 139

ثم نقَل عن ابن كثيرٍ قوله: وروَى ابن جرير عن قتادةَ في هذا قولًا غريبًا لا يصحُّ إسناده إلى حكاية قتادة، وقد ردَّه ابنُ عطية وغيرُ واحدٍ من العلماء، وهو جديرٌ بالرَّدِّ، وكأنه تلقَّاه قتادةُ عن بعضِ أهل الكتاب، وفيهم كذَّابون ووضَّاعون، وأفَّاكون وزنادقةٌ. قال: وصدَق ابنُ كثير فيما قال، وأرجِّحُ أن يكون من وضعِ زنادقتهم كي يُظهِروا الأنبياء بمظهَر المتحاسدِينَ، لا بمظهرِ الإخوان المتحابِّين. . . قال: ومما يؤيِّد أنه من وضع الإسرائيليين الدُّهاة أن نحوًا من هذا المرويِّ عن قتادة قد رواه الثعلبيُّ وتلميذُه البغويُّ عن كعبِ الأحبار، ولا خلافَ إلا في تقديم بعض الفضائل وتأخيرِ البعض الآخر (١). فهذا مجملُ ما لاحَ لنا في استبيانِ منهجِ المؤلِّفِ في هذا السِّفرِ الكبيرِ، وهو بحاجةٍ إلى إفرادِ دراساتٍ أكاديميَّةٍ علميَّةٍ عنه، لعلَّ اللَّهَ ييسِّرُ -بعدَ أن منَّ علينا بإخراجهِ للنُّورِ- مَن يقومُ عليهِ من الطلبةِ والباحثينَ بالدراساتِ اللائقةِ به في قادمِ الأيامِ. واللَّه الموفِّق. * * * _________ (١) انظر: "الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير" (ص: ٢٠٥).

стр. 140

سادسًا: وصف النسخ الخطية تمَّ الاعتمادُ في تحقيق هذا الكتابِ على ثلاثِ نسخٍ خطيةٍ، تكامَلت مع بعضها لإخراج النصِّ على أقربِ صورةٍ أرادها مؤلِّفُها إن شاء اللَّه تعالى. النسخة الأولى: نسخة مكتبة (أيا صوفيا) التابعة إلى المكتبة السليمانية في إسطنبول، وهي مكوَّنة من مجلدين برقم (٩٦) (٩٦)، يقع المجلد الأول منها في (٣٧٩) ورقة، والمجلد الثاني في (٣٩٢) ورقة، وفي كلِّ ورقةٍ وجهان، وفي الوجه (٣١) سطرًا تقريبًا، تمَّ الفراغُ من نسخِ المجلَّدِ الأولِ عامَ (٩٦٩ هـ)، والثاني عام (٩٧٣ هـ)، وهي أتقنُ النسخ وأدقُّها، تميَّزت بوضوحِ الخط، وقلةِ التصحيفات والسُّقوط، ولُوِّنت الآياتُ فيها بالمداد الأحمر. وتم الرمز لهذه النسخة بالرمز (أ). النسخة الثانية: نسخةُ مكتبةِ (فيض اللَّه أفندي) في إسطنبول برقم (٨٨)، تقعُ في مجلدٍ واحد في (٤١٧) ورقة، في كلِّ ورقةٍ وجهان من القَطْع الكبير، وفي الوجه (٦٣) سطرًا تقريبًا، وهي نسخةٌ جيدةٌ واضحةُ الخط، اختصَّت بترجمةِ العبارات الفارسيةِ التي أوردها المصنِّف إلى العربية، وبضبطِ بعض الكلمات المشكِلة، إلا أنه كثُر فيها السقوط، وفي آخرِها نظمٌ للإمام نجم الدين النسفي بعد فراغه من تصنيفه، كُتبت النسخة في الثاني والعشرين من جمادى الآخر سنة (٨٦٠ هـ). وتم الرمز لهذه النسخة بالرمز (ف).

стр. 141

النسخة الثالثة: نسخةُ مكتبة (راغب باشا) التابعةِ إلى المكتبةِ السليمانيَّة في إسطنبول، برقم (٩٩)، تقعُ في مجلدٍ واحدٍ في (٦٠٩) ورقات، وفي كلِّ ورقةٍ وجهان، وفي الوجه (٤٤) سطرًا تقريبًا، ليس فيها ذكرٌ لاسمِ الناسخ أو تاريخِ النسخ، وهي نسخةٌ جيدة فيها بعضُ التصحيفات، وفي آخرها النظمُ نفسُه الذي تقدَّم في النسخة السابقة. وتم الرمز لهذه النسخة بالرمز (ر). * * *

стр. 142

سابعًا: عملنا في الكتاب وأخيرًا فإننا لم ندَّخر وسعًا في تحقيقِ هذا الكتابِ وإخراجِه على الوجهِ اللائق به، ونسألُ اللَّه سبحانه أن نكونَ قد وفِّقنا في مسعانا، وقد تلخَّص عملُنا فيه بما يلي: ١ - تمَّ تحقيقُ الكتابِ على عددٍ من النسخِ الخطيةِ النفيسة التي تقدَّم وصفُها آنفًا، وقد قمنا بنسخه من النسخة الخطية لمكتبة راغب باشا المرموز لها بـ (ر) وقابلنا الكتاب عليها، ثم قمنا بمقابلته على النسختين الأخريين لمكتبتي أيا صوفيا (أ) وفيض اللَّه أفندي (ف)، وقد حرصنا على إثباتِ الصوابِ أو الأنسبِ بسياقِ الكلام، مع الإشارةِ إلى فروق النسخ الخطية، وإهمالِ الفروق التي التحريفُ فيها ظاهرٌ ولا فائدةَ في إثباتها بل تُثقل الحواشيَ بلا داعٍ. ولا يستغربنَّ مُطالعُ هذا التفسير كثرة فروق النُّسخ الخطية التي فيه فقد كانت أضعافَ ما هي عليه في ثوبها الأخير، وبذلنا جهدنا في الاقتصار والاقتصاد في إثبات الفروق. ٢ - ضبطُ النصِّ وتفصيلُه وترقيمُه بعلاماتِ الترقيم المناسبة التي تُساعد على فهمه، مع العنايةِ بضبط المُشْكِل. ٣ - الحرصُ على أن يكونَ النصُّ صحيحًا سالمًا من الأخطاء والتحريفات والسُّقوطات، ومن ذلك مقابلتُه على المراجع التي اعتادَ المؤلفُ النقلَ منها، والاستفادةُ من ذلك في تصحيحِ التحريف، واستدراكِ الساقط بين معكوفتين، وشرحِ المبهَم، والتنبيهِ على الخطأ، وغير ذلك. ٤ - تخريجُ جميع الأحاديث المرفوعةِ من مصادر التخريج مقتصِرين على الصحيحين أو أحدِهما إن وجد فيه الحديث، وإلا فمِن باقي الكتبِ السِّتة و"مسند

стр. 143

الإمام أحمد"، فإنْ لم يُوجد الحديثُ فيها فمِن باقي كتب التخريج، مع شرحِ ما فيها من غريبٍ، وبيانِ علةٍ إن وُجدت. ٥ - تخريجُ الأخبار والآثار وأسبابِ النزول الواردةِ فيه من كتبِ التخريج والتفسير وأسباب النزول. ٦ - تخريجُ الشواهد الشعرية وغيرِها من كتب دواوين الشعر، فإن تعذَّر فمِن باقي كتب الأدب المعتمَدة، مع شرح الغريب إنْ وُجد. ٧ - توثيقُ ما ينقله المصنفُ من مصادره مع مقابلته على ما جاء في تلك المصادر لضمان صحة النص، وبيان الاختلاف إنْ وجد وكان وجيهًا. ٨ - تعقُّبُ المصنف إنْ وقع خطأٌ أو سهوٌ أو سبقُ قلم، والتعليقُ في المواضع التي تحتاج إلى تعليق. ٩ - كتابةُ مقدمةٍ للكتاب تتضمنُ بيانَ موقعِ هذا التفسير وأهمَّ المراجع التي نهل منها، مع ترجمة المؤلف ترجمةً وافية، كما قُمنا بدراسةٍ مستفيضة لخصائص هذا التفسير ولمنهج المؤلف فيه. ١٠ - تذييل الكتاب بالفهارس العلمية المناسبة. والحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين * * *

стр. 144

صور المخطوطات

стр. 145

صورة اللوحة الأولى من النسخة الخطية لمكتبة أيا صوفيا والمرموز لها بـ (أ)
следующие страницы →