← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وإعطاءُ الإيمانِ برحمتِه، قال تعالى: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الشورى: ٨]. والعصمةُ مِن الهوى والبِدْعةِ والتَّثبُّتُ على السُّنَّة والجماعة برحمته، قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩]. وصلاحُ العبدِ وورعُه برحمته، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور: ٢١]. ومخالفةُ الهوى والنفسِ (١) برحمته، قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: ٥٣]. ومخالفةُ الشيطانِ برحمتِه، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣]. والتوبةُ بعد الوقوعِ في المخالفةِ برحمتِه، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٠]. وكلُّ شيءِ نَناله بسعة رحمتِه (٢)، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. والخصوصُ مِن هذا العمومِ برحمتِه، قال تعالى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٧٤]. ومِن أهلِ الخصوصِ المحسنون، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦].

стр. 212

والمطيعون أطاعوا اللَّه برحمته، قال تعالى (١): ﴿وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٧١]. والمتَّقون اتَّقَوا اللَّهَ برحمتِه (٢)، قال تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]. والمجاهدون مفضَّلون على القاعدينَ رحمته (٣) قال تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ [النساء: ٩٥ - ٩٦]. وجوازُ العفوِ عن القاتلِ وأَخذِ الدِّيَةِ بالصلحِ برحمتِه، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]. وإمهالُ مَن يُؤذي (٤) المسلمينَ بلسانِه عن المؤاخَذةِ في الحالِ (٥) برحمتِه، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٤]. وإمهالُ الكفَّار برحمتِه، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ الآية [الكهف: ٥٨]. فلا ينبغي للعبدِ أنْ يقنطَ مِن رحمة اللَّه (٦)، قال تعالى: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] فالكافرُ هو الذي يَيأسُ مِن رحمته، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ

стр. 213

رَحْمَتِي﴾ [العنكبوت: ٢٣] والمؤمنُ راجي رحمتِه، قال تعالى: ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٨]، وقد ضلَّ مَن قنطَ مِن رحمتِه (١)، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦]. ويختصُّ المؤمنَ يومَ القيامةِ برحمتِه، قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]. والجمعُ يومَ القيامة برحمتِه، قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ الآية [الأنعام: ٥٤]. ومغفرةُ الذنوبِ برحمتِه، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف: ٥٨]. وشفاعةُ النبيِّ ﷺ للأمَّة برحمته، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. وصرفُ العقوبةِ برحمتِه، قال تعالى: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ [الأنعام: ١٦]. ودخولُ الجنَّة برحمتِه، قال تعالى: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٧]. وإعطاءُ الشهواتِ فيها برحمتِه، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣١ - ٣٢]. والبِشارةُ برحمتِه، قال تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ﴾ [التوبة: ٢١]. والسلامُ والرؤيةُ برحمتِه، قال تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨].

стр. 214

ثم التسميةُ عند مالكٍ آية مِن رأسِ كلِّ سورةٍ، وعند الشافعيِّ آيةٌ مِن رأسِ (١) الفاتحة، وعن محمد بنِ الحسن: أنَّها آيةٌ أُنزلت للفَصْل بين السُّورِ. وظاهرُ مذهبِ أصحابِنا أنَّها ذِكْرٌ تُبدأ به القراءةُ تيمُّنًا وليست بآيةٍ، وفي سورة النمل هي ما دونَ آيةٍ. وقالوا: اللطف في أنها ليست (٢) بآيةٍ تامَّهٍ في القرآن، أن لا يكون (٣) الجُنُبُ والحائضُ والنُّفساءُ ممنوعِين عنها (٤) عند كلِّ أمرٍ ذي بالٍ، كالشهادتَيْن لم يُجمعا في القرآنِ في موضعٍ واحدٍ لئلَّا تتمَّ آية، وربَّما يُحتَضَر الجُنُبُ ونحوُه، فلا يُمكنه التكلُّمُ بهما عند ختمِ عمرِه. وباللَّهِ التوفيقُ وعليه توكُّلي، وهو حسبي ونعْمَ الوكيلُ، وصلى اللَّه على سيِّدنا محمدٍ وصحبهِ أجمعين، والحمدُ للَّه ربِّ العالمين، تمَّ القولُ على البسملة. * * *

стр. 215

سورة الفاتحة

стр. 216

سورة الفاتحة (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه ثقتي (٢) (٢) - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وانتظامُ قولِه تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ بالتسميَة ما مرَّ: أنَّ الأشياءَ وجودُها باللَّهِ وله ملكُها. وله وجهٌ آخَر: بَدَأتُ بسمِ اللَّهِ بعونِ اللَّهِ، فالحمدُ للَّه. ووجهٌ آخَر: بسمِ اللَّهِ الموصوفِ بالرحمةِ، وهي أجلُّ نعمة، فله الحمدُ على نِعَمه جملة. ثم هذه السُّورة ثماني آياتٍ في قول الحسنِ البصريِّ ﵀، وستُّ آياتٍ في قول الحسين الجُعفيِّ (٣)، وسبعُ آياتٍ في قولِ الجمهور مِن أهل العلم؛ فالحسنُ عدَّ التسمية ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ آيتين، وتَرَكهما الجعفيُّ، والباقون اتَّفقوا على أنَّها سبعُ آياتٍ.

стр. 217

لكنَّ أصحابَنا ﵏ عَدُّوا ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ آيةً، وقالوا: ليست التسميةُ مِن الفاتحة، والشافعيُّ ﵀ جَعَلها مِن الفاتحة، ولم يَجعل ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ آيةً. وهي خمسٌ وعشرونَ كلمةً، ومئةٌ وثلاثةٌ وعشرونَ حرفًا: اثنان وعشرونَ أَلِفًا، وثلاثُ باءات، وثلاثُ تاءات، وثلاثُ حاءات، وأربعُ دالات، وذالٌ واحدةٌ، وسبعَ (١) عشرةَ لامًا، وثلاثُ كافاتٍ، وغينانِ، وستُّ راءاتٍ، وسينانِ، وصادانِ، وضادانِ، وطاءانِ، وستُّ عَيناتٍ، وقافٌ واحدةٌ، واثنا عشر ميمًا، وعشرُ نونات، وأربعُ واواتٍ، وأربعُ هاءات، ولامُ ألفٍ واحدة، وثلاثَ عَشرةَ ياءً. فمِن الحروفِ المعجمة فيها اثنانِ وعشرون، وأعوامُ النبيِّ ﷺ بعد الوحي اثنانِ وعشرون، وهذه السورةُ مشتملةٌ على جميعِ معاني ما أوحَى اللَّهُ تعالى إليه فيها، وليست فيها سبعة أحرف: الثاءُ والجيمُ والخاءُ والزايُ والشينُ والظاءُ والفاءُ (٢). وفي بعضِ الآثار: أنَّ الحكمةَ فيها: أنَّ الثاءَ مِن الثبور، والجيمَ مِن الجحيم، والخاءَ مِن الخوف، والزايَ مِن الزَّقُّوم، والشينَ مِن الشَّقاوة، والظاءَ مِن الظُّلْمة، والفاءَ مِن الفراق، ومُعتَقِدُ هذه السُّورةِ وقارئُها على التعظيمِ والحرمة آمِنٌ مِن هذه الأشياء السَّبعة. ثم هذه السُّورة التي آياتُها سبعٌ تشتمِل على أعدادٍ مِن الواحدِ إلى السبع: هي سُورةٌ واحدةٌ، وهي نصفان، وفي نزولها ثلاثةُ أقوالٍ (٣)، وأقسامُها أربعة، وأسماءُ اللَّه

стр. 218

تعالى فيها خمسةٌ، والأشياءُ التي يُظهِر العبدُ فيها مِن نفسِه (١) ستَّةٌ، وأَساميها سبعةٌ. أمَّا الأول: فهذه السورةُ واحدةٌ، وإلهُنا واحدٌ، وهذه الأمَّةُ أمَّةٌ واحدةٌ، ورسولُ اللَّه ﷺ يَعظُنا بواحدةٍ، وما خَلْقكم ولا بَعْثكم (٢) إلَّا كنفسٍ واحدةٍ، وآياتُها ظاهرةٌ. وأمَّا قولنا: نصفان؛ فنصفها ثناءٌ، ونصفها دعاءٌ، وذلك فيما روي عن أبي هريرة (٣) رضي اللَّه تعالى عنه عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "يقول اللَّهُ تعالى: قَسمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفَيْن؛ فإذا قال العبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال اللَّهُ تعالى: حَمِدني عبدي، وإذا قال العبدُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال اللَّهُ تعالى: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال العبدُ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال اللَّهُ تعالى: مجَّدني عبدي، وإذا قال العبدُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال اللَّهُ تعالى: هذا بيني وبين عبدي نصفان، وإذا قال العبدُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال اللَّهُ تعالى: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" (٤). (جون بنده همه سورة أول خواند خداي سورة كويد نبده مَنْ مَنْ انم كه تومي كويني وجون همه أخواين سورة خواند خداي كويد نبده مَنْ مَنْ دهم كه تومي خُوِي) (٥).

стр. 219

وأمَّا قولنا: في نزولها ثلاثةُ أقاويل: فقد قال عليٌّ وابنُ عباس وأُبَيُّ بنُ كعبٍ ومقاتل وقتادةُ والضحَّاك بنُ مزاحمٍ ومحمد ابنُ الحنفية وأبو العالية والرَّبيع بنُ أنس وعَمرو بنُ شُرَحْبيل وعطاءٌ الخراسانيُّ وعليُّ بنُ الحسين بنِ واقد وجماعة: إنَّها مكيَّةٌ، ودليلُ ذلك قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧] وهي الفاتحة، وهي في سورة الحِجْر وهي مكيَّةٌ. وروى الواحديُّ -وهو عليُّ بنُ أحمد المفسِّر- في "تفسيره" بإسناده عن أبي مَيْسَرةَ قال: إنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان إذا بَرَزَ سمعَ مناديًا يُناديه (١): يا محمَّد، فإذا سمعَ الصَّوتَ انطلق هاربًا، فقال له وَرَقة بنُ نَوفل: إذا سمعتَ النداءَ فاثْبُت حتى تسمعَ ما يقولُ لك، قال (٢): فلمَّا برز سمعَ النداء (٣): يا محمَّد، قال: لبَّيكَ، قال: قُلْ: أَشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وأَشهدُ أنَّ محمدًا رسول اللَّه (٤)، ثم قال: قُلْ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ حتى فَرغَ مِن فاتحة الكتاب (٥).

стр. 220

فدلَّ الحديثُ (١) على أنَّ الفاتحةَ مكيَّة، وأنَّها أوَّلُ ما أُنزل، وأنَّ التسميةَ ليست بآيةٍ منها. وقال مجاهدٌ وحده: هي مدنيَّةٌ (٢). وقالوا: هذه هفوةٌ منه، ولا يُظَنُّ أنَّ النبيَّ ﷺ مَكَثَ بمكَّة ثلاثَ عشرةَ سنةً يُصلِّي فيها بغير فاتحةِ الكتاب، هذا ممَّا لا تَقبله العقول. وقال جماعةٌ -وفيه تلفيقٌ بين هذين القولَين-: هي مكيَّة مدنيَّة؛ أي: نزلت بمكَّة مرَّةً وبالمدينة مرَّةً؛ تفضيلًا لهذه السُّورة على غيرها، ولهذا سمِّيت مثانيَ؛ لتثنية نزولها. وأمَّا قولنا: وأقسامُها أربعةٌ (٣): فهي ذِكْر اللَّهِ تعالى فيها بأسمائه الحسنى، وفيه إظهارُ العبدِ مِن نفسه العبادةَ والاستعانةَ، ومدحُ الموافقين، وذمُّ المخالفين. وأمَّا قولنا: أسماءُ اللَّه تعالى فيها خمسة: فهي: اللَّهُ والرَّبُّ والرَّحمنُ والرَّحيمُ والمالكُ. وأمَّا قولنا: الأشياءُ التي يُظهِر العبدُ فيها مِن نفسِه ستَّةٌ: فهي: إخلاصُ العبادة،

стр. 221

وسؤالُ المعونة، واستدامةُ الهداية، وموافقةُ أهلِ الرسالة، ومخالفةُ أهلِ اليهوديَّة والنصرانيَّة، ومفارقةُ أهلِ البِدْعة والضلالة. وأمَّا قولنا: أساميها سبعةٌ: فهي: الفاتحةُ، وأمُّ الكتاب، والسَّبعُ المثاني، وسورةُ الحمد، وأساسُ القرآن، وسورةُ الشفاء، وسورةُ الصَّلاة: أمَّا (١) الفاتحة: فلأنَّ الافتتاحَ هو الابتداءُ، وبها يُبتدأ كتابةُ المصاحف، وبها يُفتتح قراءةُ القرآن في الصلاة، وبها افتُتح الوحيُ إلى النبيِّ ﷺ على ما روِّينا، وكذا كُتب في اللوح المحفوظ، ولأنَّها فاتحةُ أبوابِ الفتوحِ في الدنيا، وفاتحةُ أبوابِ الجِنانِ في العقبى، ولأنَّ الفتحَ هو النَّصر (٢)، والاستفتاحَ الاستنصارُ، ولقارئِ هذه السُّورةِ الظَّفَر والنُّصرة والاستنصار. وأمَّا أمُّ الكتاب: فالأمُّ هي الأصل، والوالدة أمُّ الوَلَد؛ أي: أصلُه، ومكَّةُ أمُّ القرى؛ أي: أصلُ سائرِ البِقاع، لانها أوَّل ما خُلقت، ومنها دُحيت البلادُ، واللوحُ المحفوظُ أمُّ الكتابِ، وهو أصل كُتب فيه الكائناتُ إلى يوم القيامة، وهذه السُّورةُ أمُّ الكتاب، وأمُّ القرآن، وهي أصلُ المذكوراتِ في سائرِ السُّور والمشتمِلةُ عليها: فإنَّ جميعَ ما ذُكر في القرآن مِن التحميد والتمجيدِ والتسبيح والتقديسِ والتهليلِ والتكبير والذِّكرِ والثناء والشُّكرِ والدعاءِ، فهو تحت كلمة: ﴿الْحَمْدُ﴾. وجميعَ ما ذُكر فيه مِن أسماءِ اللَّهِ تعالى الحسنى وصفاتِه العُلَا، وما ذُكِر مِن ربوبيتِه وإلهيتِه ووحدانيتِه وفَرْدانيته، فهو تحتَ كلمة؛ ﴿لِلَّهِ رَبِّ﴾.

стр. 222

وجميعَ ما فيه مِن ذِكْر السماءِ والأرضِ، والإنسِ والجنِّ، والنَّبيين (١) والمرسلينَ، والمؤمنينَ والكافرينَ، والملائكةِ (٢) المقرَّبين، وأهلِ الملكوتِ أجمعينَ، والجنِّ والشياطين، وطيورِ الهواءِ، وحيواناتِ الماءِ، ووحوشِ الصَّحراء، وحشراتِ الأرضِ، وذِكْر سائرِ المخلوقاتِ والموجوداتِ والمكوَّناتِ والمُحْدَثات، فهو تحت كلمة: ﴿الْعَالَمِينَ﴾. وجميعَ ما فيه مِن ذِكْر الترزيقِ والإنعام، والتربيةِ والإكرام، والإنظارِ والإمهال، والإحسانِ والإجمال، فهو تحت كلمة: ﴿الرَّحْمَنِ﴾. وجميعَ ما فيه مِن ذِكْر عفوِ الإجرام، ومحوِ الآثام، وغفرانِ العصيان، والتجاوزِ عن الطغيان، وإعتاق العصاة، والرحمةِ على الجُناة، فهو تحت كلمة: ﴿الرَّحِيمِ﴾. وجميعَ ما فيه مِن ذِكْر القيامةِ، وأسمائِها وصفاتِها، ومواقِفها ومقاماتِها، وعقباتِها وعقوباتِها، وشدائدِها وصعوباتِها، وأفزاعِها وأهوالِها، وحسابِها وسؤالِها، واختلافِ أحوالِها، والنارِ ودَرَكاتها، والجنَّةِ ودرجاتِها، والصِّراطِ وخَطَره، واللَّهب وشررِه، فهو تحت قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. وجميعَ ما فيه مِن ذِكْر الطاعةِ والخدمةِ، والعملِ والعبادةِ، والخضوعِ والخشوعِ، والقيامِ والركوعِ، والسجودِ والقعودِ، والصلاةِ والزكاة، والصيامِ والقيامِ، والحجِّ والغزوِ، والائتمارِ والانْزِجارِ، فهو تحت قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾. وجميعَ ما فيه مِن سؤالِ المعونةِ، وطلبِ النُّصرة، والتماسِ التوفيقِ والعصمةِ،

стр. 223

وإرادةِ اللُّطف، وابتغاءِ الفَضْل، ورجاءِ الكفاية، وأملِ الحماية، فهو تحت قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وجميعَ ما فيه مِن سؤالِ الهدايةِ، وخوفِ الخاتمة، واغتنامِ المعرفة، ومدحِ الإسلام والشريعة، وبيانِ السُّنَّة والجماعة، فهو تحت قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. وجميعَ ما فيه مِن ذِكْر الأنبياءِ والأولياء، والملائكةِ والأصفياء، والصديقينَ والشهداء، والعُبَّاد والزُّهَّاد والأتقياء، فهو تحت قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. وجميعَ ما فيه مِن ذِكْر المشركين والكافرينَ (١)، واليهودِ والنَّصارى والصَّابئين، والمجوسِ والوَثنيين، والضالِّين (٢) والمُبتَدِعين، فهو تحت قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. وقيل: إنَّما سُمِّيت بذلك لأنَّها تَجمعُ أقسامَ كلِّ القرآن؛ فإنَّ أقسامَ القرآنِ كلَّها هذا الأمرُ والنَّهيُ، والوَعدُ والوَعيد، والقَصَصُ والأَمثال، والنَّاسخُ والمَنْسوخ، وهذه السُّورة تشتمل (٣) على ذلك كلِّه: فإنَّ قولَه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: معناه: قولوا: الحمدُ للَّه، وهذا أمرٌ بالحمد، ونهيٌ عن تركه. وقولَه ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: قَصَصٌ عن إيجادِ الخَلْق (٤) أجمعينَ.

стр. 224

وقولَه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فيه وعدٌ ووعيدٌ وتنبيهٌ (١). وتسميَةَ الدِّين صراطًا مَثَلٌ. وقولَه: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾: هم هذه الأمَّة، وشريعتُهم ناسخةٌ. وقولَه: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾: هم اليهود والنصارى، وشريعتُهم منسوخةٌ. وقيل: معنى أمِّ الكتاب: أنَّ الأمَّ هي الرَّايةُ يَنصبها العسكرُ؛ قال البَعِيثُ: أُمُّنا مَعْقلٌ إليه الْتجاءُ الـ... قومِ في البأسِ حين حَرِّ القتال (٢) فأمُّ الكتابِ إليها مَفزعُ البشر، كالرَّاية إليها مَفزعُ العسكر. وقيل: الأمُّ: الإمامُ؛ فالسورةُ إمامُ أهلِ الإسلام، وأمُّ القرى مقصدُ الأَنام، وجهنَّم قيل لها: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٩]؛ لأنَّ الكافرَ له إليها المرجعُ والمقام، والدِّماغُ أمُّ الرأس وللرأسِ به القيام؛ فأمُّ القراَنِ تقوم بهذه (٣) المعاني العظام. وأمَّا السّبْعُ المثاني: فهي السبعُ الآياتِ، وتُثنَّى قراءتُها في كل صلاة. وقيل: هي مِن الثناء، وفيها أَثنيةٌ على (٤) اللَّهِ تعالى. وقال ابنُ عبَّاس ﵄: سُمِّيت مثانيَ لأنَّ اللَّهَ تعالى استثناها لهذه الأمَّة وذَخرها لهم فلم يُعطها غيرَهم (٥).

стр. 225

وقيل: لأَنَّها نزلت مرَّتين؛ مرةً بمكَّة ومرَّةً بالمدينة، شيَّعها (١) سبعون ألفَ مَلَكٍ (٢). وقيل: لأنَّ أهلَ السماء يُصلُّون بها، وأهلَ الأرضِ كذلك. وقيل: لأنَّ نصفَها ثناءُ الرَّبِّ تعالى ونصفَها سؤالُ العبدِ. وقيل: لأَنَّها اشتملت على حقَّين: حقِّ اللَّهِ تعالى وحقِّ العبد. وقيل: لأَنَّها تتضمَّن معانيَ علم (٣) المثاني؛ ذِكْرِ الربوبيَّة والعبوديَّة، والخالِق والمَخلوق، والعَمل والتوفيق، والهدى والضلال، والوليِّ والعدوّ. وقيل: تتضمَّن (٤) كلماتٍ مثانيَ في معنًى واحدٍ؛ ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥)، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، الصراط صراط، عليهم عليهم، غير (٦) المغضوب عليهم ولا الضالين (٧).

стр. 226

وقيل: سُمِّيت بذلك (١)؛ لأنَّ أسماءَ اللَّهِ ﷻ وصفاتِه على قسمين: قسمٌ يدلُّ على العَظَمة والجبروت والكِبرياء والسلطان. وقسمٌ يدلُّ على الرحمة وَالرأفة واللُّطفِ والعطف والإحسان. وقد اشتمل ذِكْرُ اللَّهِ تعالى والرَّحمنِ والرَّحيمِ على القسمَين. والحمدُ على قسمين (٢): حمدٌ على ذاته وصفاته، وحمدٌ على آلائه ونعمائه، وقد اشتملَ قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على الوجهين. والعالَمُ يتنوَّع نوعين: عَالم الفَناء، وعَالَم البقاء (٣)، وقد اشتمل قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ على النوعين. والرحمةُ على ضَربين: رحمةٌ في الدنيا، ورحمةٌ في الآخرة، أو يقال: رحمةٌ عامةٌ ورحمةٌ خاصةٌ، وكذلك ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يعمُّ (٤) الضَّربين. والدِّين: الجزاء، وهو على شيئين: على الطاعة بالثواب، وعلى المعصية بالعقاب، ودلَّ قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ على الشيئين. والطاعةُ نوعان (٥): عبادةٌ وعبوديةٌ (٦)، ودلَّ قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على النوعين (٧).

стр. 227

والاستعانةُ تكون على أمرَيْن: على تحصيل الخير، وعلى تَرْك الشَّرِّ، ودلَّ قوله تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على الأمرَيْن. والفِرَق الضالَّة فرقتان (١): جَبْريَّةٌ وقدَريَّةٌ، ودلَّ قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على ردِّ الفرقتَيْن. والهدى: بيانٌ وإرشادٌ، ودلَّ قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ على الوصفين. والمهديُّون قومان: الأنبياءُ، والأولياءُ، ودلَّ قوله: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ على القومَيْن. والمخالفونَ حِزبان: كفارٌ ومُبتدِعون، ودلَّ قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ على الحزبين. وبالفارسية: (نامش مثاني أزيهر دويه معاني حمد دونه صفات سذا وبر آلاء ونعماء، وعالم ذو عالم فناء وعالم بقاء، وآثر رحمت ذو بدنيا وبعقبا ومراد وبدونا وبرجفا وعبادت ذو يشيده وبيدا واستعانت برد ومراداه أمر وتحمل قضاء وهدايت ذو ثبات واتبداء وصراط دو راه سعداه وراه أشقياء وأشقياء دو يهود ونصارى) (٢). وقال رسولُ اللَّهِ ﷺ (٣) لأُبيِّ بنِ كعب: "إنِّي لأرجو أنْ لا تخرجَ مِن بابِ

стр. 228

المسجدِ حتى تَعلم سورةً ما أُنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآنِ مثلُها"، قال أُبَيٌّ: فجعلتُ أُبطئ في المشي رجاءَ ذلك، ثم قلتُ: يا رسولَ اللَّه! السورةَ التي (١) وعَدْتني، قال: "كيف تقرأ إذا افتتحتَ الصَّلاةَ"، فقرأتُ عليه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فقال النبيُّ ﷺ : "هي هذه السورة؛ وهي السَّبعُ المثاني والقرآنُ العظيم الذي أُعطيتُ" (٢). ورُوي: أنَّ عيرًا قَدمت مِن الشام لأَبي جهلٍ بمالٍ عظيمٍ، وهي سَبْع فرقٍ، ورسولُ اللَّه ﷺ وأصحابه يَنظرون إليها، وأكثرُ الصحابة بهم جوعٌ وعريٌ، فخطر ببالِ النبيِّ ﷺ شيءٌ لحاجة أصحابه (٣)، فنزلَ قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾؛ أي: مكانَ سبعِ قوافلَ لأبي جهلٍ، ﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ﴾؛ أي: هذا أبو جهلٍ لا يَنظرُ إلى ما أعطيناكَ مع جلالةِ هذه العطيَّةِ، فلمَ تَنظر إلى ما أَعطيناه (٤) وهو متاعُ الدنيا الدنيَّة؟ وعَلِمَ اللَّهُ تعالى أنَّ تمنّيَه لم يكن لنفسِه بل لأصحابه، فقال: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ وأَمَره بما يزيدُ نفعُه على نفعِ المال، فقال: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٧ - ٨٨]، فإنَّ تواضعَك أطيبُ لقلوبهم مِن ظَفَرهم بمحبوبِهم. وأمَّا سورةُ الحمد: فلأنَّها (٥) افتُتحت بالحمد، وفيها أمرٌ بالحمد، وتعليمُ كيفيَّةِ

стр. 229

الحمد، وبيانُ أنَّ اللَّهَ تعالى مستحقُّ الحمد، وبدايةُ القرآن بالحمد، وخَتْمُ كلام أهلِ الجنَّة بالحمد. والحمدُ المذكور في القرآن على سبعةٍ في الدنيا، وعلى سبعةٍ في العقبى: أمَّا التي في الدنيا: فالحمد على الدِّين والهداية: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٢ - ٣]. وعلى البيان والدلالة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١]. وعلى الوحي والرسالة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: ١]. وعلى المصالح والنِّعمة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ١]. وعلى النُّقصان والزيادة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١]. وعلى إهلاكِ ظَلَمة الأمَّة: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥]. وعلى حِفْظ العالَم والمملَكَة: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية: ٣٦]. وأما في الآخرة: فإنَّ أهلَ القبور إذا بُعثوا وبَقُوا قيامًا في القبر ثلاثَ مئةِ سنةٍ قد أَلجمهم العَرَق، ثم دُعوا إلى الحساب حَمدوا، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ [سبأ: ١]. والثاني: إذا فَرغوا مِن الحساب حمدوا، قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥].

стр. 230

والثالث: إذا مُيِّز عند الطريقين أهلُ السَّعادة من أهلِ الشقاوة حمدوا، فقالوا: ﴿فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٨]. والرابع: إذا مرُّوا على الصِّراط ووجدوا رائحةَ الجنَّة ونَظروا إليها، قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]. والخامس: إذا دخلوا الجنَّة قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤]. والسادس: إذا صَعدوا على الدَّرجات فأَمِنوا (١) الحَزَن قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤]. والسابع: إذا رأَوا (٢) ربَّهم بغيرِ كيفٍ حمدوا، قال اللَّه تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]. وأمَّا أساسُ القرآن: فقد رويَ: أنَّ رجلًا أَتَى الشعبيَّ فشكا إليه وَجَعَ الخاصرةِ، فقال: عليك بأساسِ القرآن، قال: وما أساسُ القرآن؟ قال: فاتحةُ الكتاب، سمعتُ عبدَ اللَّه بنَ عباس ﵄ غيرَ مرَّةٍ يقول: إنَّ لكلِّ شيءٍ أساسًا؛ فأساسُ الدنيا مكَّةُ، لأنَّ (٣) منها دُحِيت الأرضُ، وأساسُ السماوات غريبٌ وهي السماءُ السابعةُ العليا، وأساسُ الأرض عجيبٌ (٤) وهي الأرضُ السابعةُ السفلى، وأساسُ الجِنان جنَّةُ عَدْنٍ وهي سُرَّةُ (٥) الجِنان، عليها أُسِّست الجِنانُ، وأساسُ النار (٦) جهنَّم وهي

стр. 231

الدَّرَكةُ السابعةُ السفلى؛ عليها أُسِّست الدَّرَكات، وأساسُ الخَلْقِ آدمُ ﵇، وأساسُ الأنبياءِ نوحٌ، وأساسُ بني إسرائيل يعقوبُ ﵇، وأساسُ الكتبِ القرآنُ، وأساسُ القرآنِ فاتحةُ الكتاب (١)، وأساسُ الفاتحةِ بسم اللَّه الرَّحمن الرَّحيم، فإذا اعتَلَلتَ أو اشتَكَيتَ فعليكَ بالأساسِ تشفى بإذنِ اللَّهِ تعالى (٢). وأمَّا (٣) سورةُ الشفاء: فلهذا قال النبيُّ ﷺ "إنَّ في سورةِ الفاتحة (٤) سبعين شفاءً" (٥). وروى أبو سعيدٍ الخُدْريُّ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "فاتحةُ الكتاب شفاءٌ مِن كلِّ سُمٍّ" (٦)، وفي روايةٍ: "شفاءٌ (٧) مِن كلِّ داءٍ إلَّا السَّامَ" (٨) وهو الموتُ. وحديثُ قراءةِ النبيِّ ﷺ الفاتحةَ على مقطوع اليد وبُرء يده مشهورٌ (٩).

стр. 232

وحديثُ قراءة جماعةٍ مِن الصحابة على مجنونٍ هذه السورةَ وإفاقتِه مأثورٌ (١)، وهِبَةُ قومِه لهم غنمًا كثيرةً معروفٌ (٢). وأمَّا (٣) سورةُ الصلاة: فلقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "يقولُ اللَّه تعالى: قَسمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفين" وقد روَيناه. وتسميتُها صلاةً لوجوهٍ: أحدها: أنَّ الصلاةَ هي القراءةُ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]، فمعنى قوله: "قسمتُ الصلاةَ"؛ أي: قراءةَ هذه السورة. والثاني: أنَّ الصلاةَ هي الثناءُ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] وهي الدُّعاءُ أيضًا، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] وهذه السورة ثناءٌ ودعاءٌ. والثالث: أنَّ كمالَ الصلاةِ وجَمَالَها بهذه السورة، فسُمِّيت هذه السورةُ صلاةً؛ فإنَّها كلَّها هي تعظيمٌ لها (٤). وفي فَضْل هذه السورةِ أحاديثُ كثيرةٌ: منها: قوله ﷺ : "هذه السورةُ لو كانت في التوراة لَمَا تهوَّد قومُ موسى، ولو

стр. 233

كانت في الإنجيل لما تنصَّر قوم عيسى، ولو كانت في الزَّبور لما مُسخَ قومُ داود، وأيُّما مسلمٍ قَرَأها أعطاهُ اللَّهُ ﷻ مِن الأجر كأنَّما قَرأَ القرآنَ كلَّه، وكأنَّما تصدَّق على كلِّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ" (١). ثم هذه السورة سبعُ آياتٍ، وأبوابُ جهنَّم سبعةٌ، مَن قرأها أُغلقتْ عنه أبوابُها السبعةُ، وكلُّ بابٍ منها عَرْضُه كعَرْض السماءِ والأرض سبعَ مرَّاتٍ (٢)، وبساطُ هذا البناء الأرضونَ السبعُ، وأهلُها بنو آدم وتاراتُهم (٣) سبعٌ؛ أي (٤): خُلِقوا مِن سلالةٍ مِن طينٍ، ثم من (٥) نُطفةٍ، ثم عَلَقةٍ، ثم مُضغةٍ، ثم عظامٍ، ثم لحمٍ، ثم يُنشَأ خلقًا آخَرَ، هاذأ وُلد الإنسانُ فهو طفلٌ، ثم صبيٌّ، ثم مراهقٌ، ثم بالغٌ، ثم شابٌّ، ثم كهلٌ، ثم شيخٌ. ورِزْقه في هذه الأحوال مِن سبعٍ: قال اللَّه تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ إلى قوله: ﴿حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا﴾ الآية [عبس: ٢٤ - ٢٨]. وهو مأمورٌ أنْ يقولَ كلماتِ الشهادة، وهي سبعٌ: لا إلهَ إلَّا اللَّهُ محمدٌ رسول اللَّه، وهي إقرارٌ بربوبيَّةِ مَن (٦) أَوجد الأشياءَ وأَخبر عن وجودِها بسبعةِ أحرفٍ: كُن، فيَكون.

стр. 234

وجعلَ مُضيَّ عمرِهم في (١) سبعةِ أيَّامٍ وهي أيَّام الجمعة، وجعل مدَّة أيام الدنيا سبعةَ آلافِ سنةٍ (٢). فمَن قَرأ معتقِدًا معظِّمًا هذه الآياتِ السبعَ، أَعتق جوارحَه السبعَ عن عقوباتِ الدَّرَكات السبعِ، وأُعطي حسناتٍ مِلءَ السماواتِ السبعِ والأرضينَ السبعِ، ووصلت بركتُه إلى أهلِ الأقاليمِ السبعةِ، وبُوركَ له في أرزاقِه السبعةِ (٣)، وحُفظَ في أحوالِه السبعِ، وثبَّته (٤) اللَّهُ تعالى على كلماتِه السبعِ، ووصلَ إلى السعادةِ الأبديَّة عند مضيِّ هذه الأدوارِ السبعةِ، وأَمِنَ مِن الأخطارِ السبعةِ، وهي بالفارسية: (خطر عافيب كه بر كفر بود بأمر مسلماني، وخطر كوركه نوراني بود با ظالماني، وخطر سؤال كه جواب صواب كفتن تواني بان تواني، وخطر بعد كه رويت بالسياهي نود نانار حشاني، وخطر حساب كه سلامت نابي نادر مالي، وخطر وزن أعمال كه بكه طاعات يا سكي موديا يا كو لك، وخطر دوراه كه جهنمي سوى يا حباني جون ابن آيات نا تعظيم برخواني خونشتر وأرين أخطاء تفصيل ورحمت ولي برهاني) (٥).

стр. 235

وقالوا: خيارُ المسلمين سبعةُ أصنافٍ: الحامدونَ، والراجون، والخائفونَ، والمخلِصون، والمتوكِّلونَ، والمستقيمون، والعارفونَ. وفي هذه السورة نصيبٌ لكلِّهم؛ فقولُه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ على نصيبِ الحامدين، وقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ على نصيبِ الراجين (١)، وقولُه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ نصيبِ الخائفين، وقولُه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على نصيبِ المُخلِصين، وقولُه: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على نصيبِ المتوكِّلين، وقولُه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ على نصيبِ المستقيمين. وبقيَّةُ السورة على نصيبِ العارفين. وقولُه تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال ابنُ عبَّاس ﵄؛ أي: الشُّكر للَّهِ بما صَنَعَ إلى خَلْقه (٢). وفي روايةٍ قال: أي: الشكرُ للَّه الذي (٣) جادَ على العبادِ بسوابغ النِّعم ومواهبِ القِسَم. وقال أُبيُّ بنُ كعبٍ: أي: الشكرُ للَّهِ على الأشياءِ كلِّها. وقال مجاهد: أي: الشكرُ للَّهِ على جميع نَعْمائه دينًا ودُنيَا. وقال عطاء: أي: على نعمائه ظاهرةً وباطنةً. وقال أبو عبيدةَ: الحمد للَّه؛ أي: الثناءُ للَّه.

стр. 236

وقال ابنُ الأنباري: الحمدُ مقلوبُ المدح (١). وقيل: الحمدُ: الثناءُ بالجميل والاعترافُ للمُنعِم. وقيل: الحمدُ معرفةُ الإحسانِ ونشرُه. والكلامُ الجامعُ فيه: أنَّ الحمدَ يُذكَر لمعانٍ أربعةٍ: أحدها: الثناءُ بالأفعالِ الحسنةِ، يقال: حَمدتُه على فعلِ كذا، فمعنى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على هذا؛ أي: الثناءُ عليه في كلِّ ما فعلَ؛ أماتَ أو أحيى، أَفقر أو أَغنى، أَعزَّ أو أَذلَّ، أَكثَرَ أو أقلَّ، أَبلى أو ابتلى، أَبهج أو أَشجنَ (٢)، وكذا غيرُه (٣)، فإنَّ جميعَ ما يفعله عدلٌ وحكمةٌ وعاقبتُه حميدةٌ. والثاني: الحمدُ بمعنى الشكر، يقال: حَمدتُه على إنعامِه، فمعنى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على هذا؛ أي: الشكرُ للَّهِ على نِعَمه التي لا تُحصى ومِنَنه التي لا تُنسى، فقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]، فكلُّ النِّعَم منه، فقد قال: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]. والثالث: الحمدُ بمعنى الرضى، يقال: حمدتُ سيرةَ فلانٍ ومذهبَه، فمعنى الحمدِ على هذا؛ أي: رضيتُ بحُكمه وقضيَّتِه وتقديرِه وقسمتِه، فلا اعتراضَ على فِعْله، ولا إعراضَ عن حُكمه، وكيف (٤) وقد قال: "مَن لم يرضَ بقضائي،

стр. 237

ولم يَصبر على بلائي، ولم يَشكر على (١) نعمائي، فليَطلب ربًّا سوائي" (٢). والرابع: الحمدُ بمعنى المدحِ بالصِّفات الحسنى، يقال: حَمدتُ فلانًا على فَضْله وعلمِه، ووقاره وحلمِه، وجُودِه وسماحتِه، وبأسِه وشجاعتِه، ومعنى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على هذا؛ أي: المدحُ للَّهِ على صفاته الحسنى، فهو اللَّهُ الرَّحمنُ الرَّحيمُ، العليُّ العظيمُ، العزيزُ الحكيمُ، القديرُ القديمُ، الغنيُّ الكريمُ، السَّتَّارُ الحليمُ. . إلى تمامِ أسمائِه الحسنى. والألفُ واللامُ في ﴿الْحَمْدُ﴾ لاستغراق الجنس، فيصيرُ على مجموعِ المعاني الأربعةِ كأنَّ العبدَ يقول: أُثني على اللَّهِ بكلِّ أفعاله فهي جميلةٌ، والشُكر (٣) له على كلِّ نَعمائه فهي جزيلةٌ، وأرضَى بكلِّ أقضيته فهي حميدةٌ، وأَحمدُه بكلِّ صفاته فهي جليلةٌ. (سنا خداي راسزدكه جرهه كند حكمت آست شكر ورا واجب شودكه أروى في سما ونعمة آست رضا بقائي ناي ورآست اي نا ورا مالي) (٤).

стр. 238

وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: احتمَل أن يكون اللَّهُ تعالى حَمدَ نفسَه ليُعلِمَ الخَلْقَ استحقاقَه (١) الحمدَ بذاتِه فيَحمدوه، ويحتمِل أن يكون على إضمارِ الأمرِ؛ أي: قولوا: الحمدُ للَّهِ، وهو أمرٌ بتوجيه الشُّكر إليه؛ لأنَّ النِّعَم منه، وذلك يتضمَّن الأمرَ أيضًا بكلِّ المُمكن مِن الطَّاعات، على ما روي عن النبيِّ ﷺ : أنَّه صلَّى حتى تورَّمت قَدماهُ، فقيل له: قد غَفرَ اللَّهُ لكَ ما تقدَّم مِن ذنبك وما تأخَّر؟! قال: "أَفَلا أكونَ عبدًا شكورًا" (٢)، فصيَّر أنواعَ الطاعات شكرًا له (٣). وتكلَّموا في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أنَّه على الأمرِ به، أو على الإخبارِ، أو على الابتداءِ: قال بعضهم: هو على الأمرِ؛ أي: قولوا: الحمدُ للَّه، وإضمارُ القولِ ثابتٌ في كثيرٍ مِن الآيات؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ﴾ [البقرة: ١٢٧]؛ أي: قالا ربَّنا. وقال: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤]؛ أي: يقولون: سلامٌ عليكم. وقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦]؛ أي: يقال لهم: أَكَفرتم بعد إيمانِكم. ويدلُّ على هذا الإضمارِ قولُه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ولا بدَّ هاهنا مِن إضمارِ: قولوا.

стр. 239

وقد أُظهر ذلك في قوله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الإسراء: ١١١]، وهذا تعليمٌ مِن اللَّه عزَّ وعلا لعباده كيفيةَ حمدِه وثنائِه. وقال بعضُهم: هو على الإخبارِ، ومعناه: أنَّ حمدَ جميعِ الحامدين ومدحَ جميعِ المادحين وشكرَ جميعِ الشاكرين وذِكْرَ جميعِ الذاكرين للَّهِ ، وبالفارسية: (حمد خداي داما نداي راشيد وخداي راسد ها وجن وردل نشود). وذلك لأنَّ المُنعِم هو اللَّهُ تعالى، فالشكر له، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ ومَن أَنعمَ عليكَ مِن خَلْقه فبتوفيقِه وعونِه، وأمَّا الابتداءُ فحمدٌ (١) مِن اللَّه تعالى لنفسِه لأنه يحبُّ الحمد. قال النبيُّ ﷺ : "لا أحدَ أحبُّ للمدح مِن اللَّه تعالى، فلذلك مَدَح نفسَه فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ " (٢). وقال أصحابُ المعاني: حَمدَ اللَّهُ تعالى نفسَه فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، واستَحمَدَ مِن خَلْقه فقال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل: ٥٩]، ونزَّه نفسَه فقال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ [المؤمنون: ٩١] واستَنْزه مِن خَلْقه فقال: ﴿وَسَبِّحُوُه﴾ [الأحزاب: ٤٢]، وشَهدَ بوحدانيتِه فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]، واستَشْهَد مِن خَلْقه فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، وأَظهر بذلك محبّتَه الحمدَ (٣) والتنزيهَ والشهادةَ. ولأنَّه لمَّا خَلَقَ الخلقَ وربَّاهم، وفهَّمهم وهداهم، وجبَ عليهم شكرُه بذلك

стр. 240

وبسائر نِعَمه، وعَلِمَ عجزَهم عن شكرِه على الكمال، أتمَّ الإفضال؛ بأنْ حمدَ نفسَه بنفسِه، وناب عنهم في شُكره بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. وهذا كما يصلِّي على النبيِّ ﷺ بسؤالنا عنَّا: اللَّهمَّ صلِّ على محمَّدٍ، مع أنَّه أَمَرَنا بالصلاةِ عليه، لعَجْزنا (١) عن الصلاةِ على ما يستحقُّه. وهذا كما يُخاطِب الملوكَ المنازِعينَ له في ملكِه بعد فناءِ خَلْقه: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾؛ تقريعًا لهم، ويَعلم أنَّ أولياءَه لو كانوا أحياءً لأَجابوا، فينوبُ عنهم بقوله: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾. ولأنَّه أَظهر لخَلْقه (٢) أنَّ الحمدَ الذي هو له على الكمالِ، هو الحمدُ الذي حمدَ به نفسَه لا حَمْدُهم إيَّاه، فإنَّهم مُحدَثون عاجزون؛ لم يكونوا فكانوا، ولا يكونون بعد أنْ كانوا، فكيف يكون حمدهم كفاءً لحقِّه (٣)؟ ولأنَّ حمدَهم معلولٌ، فإنَّهم (٤) يَطلبون به (٥) إدامةَ الموجود ووجودَ المفقود، فلا يَخلُصُ (٦) لهم (٧)، واللَّهُ تعالى حمدَ نفسَه في الأَزَل، وهو حقٌّ، وحمدُه حقٌّ، وأَمَرَ عبادَه أن يَحمدوه، ليصير حمدُهم الحادثُ المَجازيُّ (٨) بالحمد الأزليِّ الحقيقيِّ صالحًا مرضيًّا مقبولًا.

стр. 241

وهذا كما شَهدَ بوحدانيَّته في الأَزَل وأَمَرَ عبادَه بأن يَشهدوا له بالوحدانيَّة، وجعل شهادتَهم الحادثةَ الموقَّتةَ بشهادته الأزليَّةِ الدائمةِ صالحةً مرضيَّةً مقبولةً، ووَعَدهم عليها ثوابَ الأَبَد مع أنَّها منهم موقَّتةٌ؛ لأنَّها شهادةٌ للَّه بما شهد هو بها (١) لنفسه، وهي أزليَّةٌ دائمةٌ على الأَبَد، فلذلك وَعَدهم عليها ثوابَ الأبدِ. وعلى الوجوه الثلاثة؛ لا وجهَ لامتناعِكَ عن الحمد بحالٍ، فإنَّه إنْ حُمل على الأمر فعليكَ الائتمارُ، وإن حُمل على الإخبار عن استحقاقه الحمدَ فعليكَ الدَّوامُ عليه والاستكثار، وإنْ حُمل على الابتداء -وهو حمدُه (٢) نفسَه- فلا وجهَ للمخالفةِ والاستكبارِ (٣). وكيف (٤) تُخْلي ساعةً مِن عُمرك عن حمدِه وشكرِه، ولا تَخلو لحظةٌ عن إنعامِه وبرِّه؟! فإن قيل: لم حَمد اللَّهُ تعالى نفسَه، ومِثْلُه في الخَلْق غيرُ محمودٍ؟ فجوابه ما قاله (٥) الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: له وجهان: أحدهما: أنه استحقَّ الحمدَ بذاتِه لا بأحدٍ، فيكونُ (٦) في ذلك تعريفُ الخَلْق ما

стр. 242

يُزلفُهم لديه، ليُثنوا (١) عليه بما أَثنى هو (٢) على نفسِه، وغيرُه إنَّما يكون له ذلك باللَّه تعالى، فعليه توجيهُ الحمدِ إليه لا إلى نفسِه. والثاني: أنَّ اللَّهَ تعالى حقيقٌ لذلك؛ إذ لا عيبَ يمسُّه ولا آفةَ تَحلُّ به فيَدخلَ نقصانٌ في ذلك، ولا هو مأمورٌ بشيءٍ، والعبدُ لا يَخلو عن عيوبٍ وآفاتٍ، ويُمدح بالائتمار، ويُذمُّ بالترك، ويتمكَّن به (٣) فيه النقصانُ، وحُقَّ لمثلِه الفَزَعُ إلى اللَّهِ تعالى ليتغمَّده برحمته. وعلى ذلك: التكبُّرُ يُحمَد به اللَّهُ تعالى ولا يُحمَد به غيرُه؛ إذ ليس للعبد معنًى يَستقيم لذلك تكبُّره (٤)، إذ هم جميعًا أكفاءُ مِن طريق الخِلْقة والمحنة (٥)، وما أَدرك واحدٌ منهم مِن فضيلةٍ أو رِفعةٍ، فباللَّه (٦) أَدركه لا بنفسِه، فعليه تنزيهُ الرَّبِّ تعالى، والفَزَعُ إليه بالشُّكر، لا بالتكبُّر على أمثاله، واللَّهُ -تعالى- عن هذا الوصف مُتعالٍ (٧). وتكلَّموا في الفَرْق بين الحمدِ والشُّكرِ (٨):

стр. 243

فقيل: الحمدُ بالقولِ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الإسراء: ١١١] والشُّكرُ بالعملِ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣]. وقيل: الحمدُ باللسان، والشكرُ بالجَنان، وتحقيقُ الشكر بالأركان. وقيل: الحمدُ للَّه (١) على وجودِه، والشُّكرُ له على جُودِه. وقيل: الحمدُ: الثناءُ عليه بما (٢) هو به، والشكرُ: الثناءُ عليه لِمَا (٣) هو منه. وقيل: الحمدُ على الجلالِ والجمالِ، والشكرُ على الإنعامِ والإفضال. وقيل: الحمدُ على ما حَبَا وهو النعماء، والشكرُ على ما زَوَى وهو الآلاء. وقيل: الحمدُ على النِّعم الظاهرة، والشكرُ على النعم الباطنة. وقيل: الحمدُ ابتداءً، والشكرُ جزاءً. وقيل: الحمدُ بصفاتِه الحسنى، والشكرُ بصنائِعه الكُبرى. وقيل: الحمدُ مقلوبُ المدح، والشكرُ مقلوبُ الكَشْر، وهو انفتاحُ الشَّفتَيْن بالضَّحك حتى تبدوَ الأسنانُ، فالشكرُ (٤) انكشافُ الغطاءِ عن القلب حتى يعرفَ المنَّة مِن المنَّان. وقيل: الحمدُ هو الثناءُ بعموم النِّعمة، والشكرُ هو الثناءُ بخصوص النِّعمة. وقيل: الحمدُ أخصُّ مِن الشكرِ لفظًا وأعمُّ معنًى، والشكرُ أعمُّ منه لفظًا وأخصُّ معنًى، فإنَّك تقول: الحمدُ للَّه، ولا تقول: الحمدُ لفلانٍ، فهذا خصوصُ

стр. 244

اللفظ، وتقول: الشكرُ للَّهِ والشكرُ لفلانٍ، فهذا عمومُ اللفظ، ثم الحمدُ يُوضَع موضعَ الشكرِ، فيقالُ: حَمدتُه على صفاتِه الجليلة، وحَمدتُه أيضًا على صنائعِه الجزيلةِ، والشكرُ لا يُوضَع موضعَ الحمدِ، فيقالُ: شكرتُ له على آلائِه ونعمائِه، ولا يقالُ: شكرتُ له على علائه وكبريائه، فكان كلُّ شكرٍ حمدًا، ولم يكن كلُّ حمدٍ شكرًا. وبالفارسية: (الحمد للَّه استايش همه استانيد كان وراي منتهي، والشكر للَّه ساس همه دارند كان ورابد همة منتهي) (١). وقال قتادةُ: إنَّ اللَّه تعالى افتتحَ بالحمدِ (٢) حين خَلَقَ السماواتِ والأرضَ، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١] وختمَ بالحمد فقال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥] (٣)، فجعل ابتداءَ العالَم وانتهاءَه بالحمد. ثم قراءةُ العامَّة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على الابتداء، واللامُ بالكسر على الأصل. وقرأ هارونُ بنُ موسى العَتكيُّ الأعورُ ورؤبةُ بنُ العجَّاج بنصبِ الدَّالِ على المصدر (٤)، وهو على الأَمْرِ بطريقِ الإغراء. وقرأ الحسنُ البصريُّ ﵀: (الحمدِ للَّه) بخفض الدَّالِ (٥)؛ إِتباعًا لكسرة اللام.

стр. 245

وقرأ إبراهيم بنُ أبي عَبْلة الشاميُّ برفع الدَّال وضمِّ اللام إتباعًا للدَّال (١). ويجوز في الوقف على "الحمد للَّه" القَصْرُ؛ وهو حذفُ الأَلِف التي بينَ اللَّامين والهاء، قال الشاعر: أقبلَ سَيْلٌ جاءَ مِن أَمْرِ اللَّه... يَحْرِدْ حَرْدَ الجنَّة المُغِلَّهْ (٢) وإثباتُ الألف أصحُّ وأفصحُ. وقوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال ابنُ عباسٍ ﵄: أي: سيِّدِ العالَمين (٣). وهو كقوله: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾؛ أي: سيِّدِك. وقيل: معناه: المالك، كما يقال: ربُّ الدار؛ أي: مالكُها. وقال النبيُّ ﷺ لرجلٍ: "أربُّ إبلٍ أنت أم ربُّ مالٍ وغنمٍ"، قال: من كلٍّ آتانيَ اللَّهُ تعالى (٤). وقيل: هو المُصلِح المدبِّر، ومنه: ربَّةُ البيت، ومنه: الرَّبَّانيُّون؛ وهم

стр. 246

العلماءُ المصلحون أمورَ الناس بعلمهم، والمُدبِّرون لأمورهم، قال (١) الشاعر: كانوا كسالئةٍ حَمْقاءَ إذ حَقَنَتْ... سِلاءها (٢) في أديمٍ غيرِ مَرْبُوبِ (٣) أي: غير مُصلَحٍ. وقيل: هو مربِّي الخَلْق، ومنه قولُه: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾، وقولُه: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ [الشعراء: ١٨]. وقد رَبَّه يَرُبُّهُ، ورَبَّاه يُرَبِّيه، فمنهم مَن يقول: رَبَّاه أصله: رَبَّبَه، جُعلت إحدى الباءات ياءً، كما في قوله: ﴿يَتَمَطَّى﴾ أصله: تمطَّطَ؛ أي: تمدَّد، ومنهم مَن يقول: هو فَعَّله من رَبَا يربو؛ أي: ازداد، فالتربية: إثباتُ الزِّيادة في المُربَّى. وقال الحسين بن الفضل البَجَليُّ: الرَّبُّ: الثابتُ الدائم، من قولهم: ربَّ بالمكان وأربَّ؛ أي: أقام، وكذلك لَبَّ وأَلَبَّ. قال ﵇: "أعوذ باللَّه من فقرٍ مُرِبٍّ -ورُوي: مُلِبِّ- وضَرَعٍ إلى غير محبٍّ" (٤).

стр. 247

وقال الإمام أبو منصور ﵀: التوجيه (١) إلى المالك أقربُ منه إلى السيد، إذ يستقيمُ أنْ يقال: ربُّ السماوات والأرض، ومالكُ السماوات والأرض، ولا يستقيم: سيدُ السماوات والأرض، ولا يقال: هو سيدُه، إلا في بني آدم خاصةً (٢). فاللَّه تعالى ربُّ العالمين؛ أي: مالك الخلائق أجمعين، له المُلك والمِلك والخَلْقُ والأمر، وهو سيدُهم؛ أي: مالكُهم الواجبُ عليهم طاعته، وسيدُ العبد مالكُه، وعليه طاعتُه. ولا يقال: سيدُ الدار؛ لأنه لا يمكن تحقيقُ معنى وجوب (٣) الطاعة فيها. وهو مصلِح أمورهم، ومهيِّئُ معاشهم ومَعادهم، أصلح قلوبَ المؤمنين بالمعرفة، وألسنتَهم بالشهادة، وأنفسَهم بالخِدْمة، وأصلح طاعاتِهم على كثرة تقصيرهم فيها بالقَبُول، وأصلح معاصيَهم على كثرتها بالعَفْو، قال اللَّه تعالى: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٧١]. وهو مُربِّي الظواهر بالنعمة، وهي النفوس، ومُربِّي البواطن بالرحمة، وهي القلوب.

стр. 248

والرَّبُّ على الإطلاق للَّه تعالى على الخصوص، ويُطلَق (١) على المخلوق بالإضافة، فيقال: ربُّ الدار. وعن أبي الدرداء وابن عباسٍ رضي اللَّه تعالى عنهما أنهما قالا: هو اسمُ اللَّه الأعظمُ (٢). وقالوا (٣): دلالةُ ذلك: أنَّ كلَّ اسمٍ قلبتَه بطلَ معناه إلا الربُّ؛ فإنَّ مقلوبَه البَرُّ، وهو اسمُ اللَّه الأعظم (٤) أيضًا. وأشار إليه الخَضرُ ﵇ في المسجد الحرام في حكايةٍ، فإنه قال: اسمُ اللَّه الأعظمُ هو ما دعا به كلُّ نبيٍّ وكلُّ وليٍّ وكلُّ عدوٍّ. وأشار إلى دعوات الأنبياء: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣]، ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي﴾ [نوح: ٥]، ﴿رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي﴾ [نوح: ٢١]، ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح: ٢٨]، ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥]، ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾ [إبراهيم: ٣٨]، ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٤٠]، ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح: ٢٨]، ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾ [يوسف: ٣٣]، ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ [يوسف: ١٠١]، ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [النمل: ٤٤]، ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥]، ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي﴾ [الأعراف: ١٥١]، ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾ [ص: ٣٥]، ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ

стр. 249

نِعْمَتَكَ﴾ [النمل: ١٩]، ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ [الأنبياء: ٨٩]، ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: ٤]، ﴿رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٤]، ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ إلى آخر السورة. وقالت الصحابةُ الأربعةُ: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١]، ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ [آل عمران: ١٩٣]، ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤]. وقالت الأعداء: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر: ٣٦]، ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا﴾ (١)، ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾، ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾. ثم إن اللَّه ﷻ أضاف هذا الاسمَ إلى ﴿الْعَالَمِينَ﴾ على العموم، فقال: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ثم خصَّ السماوات والأرض وما بينهما فقال: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [مريم: ٦٥]، ثم خصَّ السماء والأرض فقال: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الذاريات: ٢٣]، ثم خصَّ المشارقَ والمغاربَ فقال: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠]، ثم خصَّ المشرقين والمغربين فقال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧]، ثم خصَّ المشرقَ والمغربَ فقال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [الشعراء: ٢٨]، ثم خصَّ من الأرض (٢) بيتَه فقال: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ [قريش: ٣]. وأضاف هذا الاسمَ أيضًا إلى كلِّ الناس فقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ثم خصَّ رسولَه فقال: ﴿فَوَرَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٢]، ثم (٣) خصَّ أمَّتَه أيضًا فقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].

стр. 250

وأما قوله: ﴿الْعَالَمِينَ﴾؛ فقد قال ابنُ عباسٍ ﵄ في رواية الكلبيِّ: هم كلُّ ذي روحٍ يدبُّ على وجه الأرض (١)؛ لأنهم هم الذين يقبَلون التربية. وروى سعيد بن جُبيرٍ عن ابن عباس ﵄ أنه قال: هم الجنُّ والإنسُ (٢)، من قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]. وقال قتادةُ: هم الجنُّ والإنسُ والملائكةُ والشياطينُ، وهم المخاطبون (٣). وقال الحسن البصري ﵀: هم الخلائق أجمعون (٤). وقال الحسين بن الفضل البَجَليُّ: هُمُ الإنسُ، من قوله: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥] (٥). وقال جعفر بن محمدٍ الصَّادقُ: هم أهل الجنة والنار (٦). وقال مُقاتل بن سليمان: لو فسَّرتُ ﴿الْعَالَمِينَ﴾ لاحتجتُ إلى ألفِ مجلَّدٍ، كلُّ مجلدٍ (٧) ألفُ ورقةٍ (٨). وقال أبو حذيفةَ: العالَمون ستةٌ: الملائكة عالمٌ، والإنس عالمٌ، والجنُّ من
следующие страницы →