← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

العلماءُ المصلحون أمورَ الناس بعلمهم، والمُدبِّرون لأمورهم، قال (١) الشاعر: كانوا كسالئةٍ حَمْقاءَ إذ حَقَنَتْ... سِلاءها (٢) في أديمٍ غيرِ مَرْبُوبِ (٣) أي: غير مُصلَحٍ. وقيل: هو مربِّي الخَلْق، ومنه قولُه: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾، وقولُه: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ [الشعراء: ١٨]. وقد رَبَّه يَرُبُّهُ، ورَبَّاه يُرَبِّيه، فمنهم مَن يقول: رَبَّاه أصله: رَبَّبَه، جُعلت إحدى الباءات ياءً، كما في قوله: ﴿يَتَمَطَّى﴾ أصله: تمطَّطَ؛ أي: تمدَّد، ومنهم مَن يقول: هو فَعَّله من رَبَا يربو؛ أي: ازداد، فالتربية: إثباتُ الزِّيادة في المُربَّى. وقال الحسين بن الفضل البَجَليُّ: الرَّبُّ: الثابتُ الدائم، من قولهم: ربَّ بالمكان وأربَّ؛ أي: أقام، وكذلك لَبَّ وأَلَبَّ. قال ﵇: "أعوذ باللَّه من فقرٍ مُرِبٍّ -ورُوي: مُلِبِّ- وضَرَعٍ إلى غير محبٍّ" (٤).

стр. 247

وقال الإمام أبو منصور ﵀: التوجيه (١) إلى المالك أقربُ منه إلى السيد، إذ يستقيمُ أنْ يقال: ربُّ السماوات والأرض، ومالكُ السماوات والأرض، ولا يستقيم: سيدُ السماوات والأرض، ولا يقال: هو سيدُه، إلا في بني آدم خاصةً (٢). فاللَّه تعالى ربُّ العالمين؛ أي: مالك الخلائق أجمعين، له المُلك والمِلك والخَلْقُ والأمر، وهو سيدُهم؛ أي: مالكُهم الواجبُ عليهم طاعته، وسيدُ العبد مالكُه، وعليه طاعتُه. ولا يقال: سيدُ الدار؛ لأنه لا يمكن تحقيقُ معنى وجوب (٣) الطاعة فيها. وهو مصلِح أمورهم، ومهيِّئُ معاشهم ومَعادهم، أصلح قلوبَ المؤمنين بالمعرفة، وألسنتَهم بالشهادة، وأنفسَهم بالخِدْمة، وأصلح طاعاتِهم على كثرة تقصيرهم فيها بالقَبُول، وأصلح معاصيَهم على كثرتها بالعَفْو، قال اللَّه تعالى: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٧١]. وهو مُربِّي الظواهر بالنعمة، وهي النفوس، ومُربِّي البواطن بالرحمة، وهي القلوب.

стр. 248

والرَّبُّ على الإطلاق للَّه تعالى على الخصوص، ويُطلَق (١) على المخلوق بالإضافة، فيقال: ربُّ الدار. وعن أبي الدرداء وابن عباسٍ رضي اللَّه تعالى عنهما أنهما قالا: هو اسمُ اللَّه الأعظمُ (٢). وقالوا (٣): دلالةُ ذلك: أنَّ كلَّ اسمٍ قلبتَه بطلَ معناه إلا الربُّ؛ فإنَّ مقلوبَه البَرُّ، وهو اسمُ اللَّه الأعظم (٤) أيضًا. وأشار إليه الخَضرُ ﵇ في المسجد الحرام في حكايةٍ، فإنه قال: اسمُ اللَّه الأعظمُ هو ما دعا به كلُّ نبيٍّ وكلُّ وليٍّ وكلُّ عدوٍّ. وأشار إلى دعوات الأنبياء: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣]، ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي﴾ [نوح: ٥]، ﴿رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي﴾ [نوح: ٢١]، ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح: ٢٨]، ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥]، ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾ [إبراهيم: ٣٨]، ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٤٠]، ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح: ٢٨]، ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾ [يوسف: ٣٣]، ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ [يوسف: ١٠١]، ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [النمل: ٤٤]، ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥]، ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي﴾ [الأعراف: ١٥١]، ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾ [ص: ٣٥]، ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ

стр. 249

نِعْمَتَكَ﴾ [النمل: ١٩]، ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ [الأنبياء: ٨٩]، ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: ٤]، ﴿رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٤]، ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ إلى آخر السورة. وقالت الصحابةُ الأربعةُ: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١]، ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ [آل عمران: ١٩٣]، ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤]. وقالت الأعداء: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر: ٣٦]، ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا﴾ (١)، ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾، ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾. ثم إن اللَّه ﷻ أضاف هذا الاسمَ إلى ﴿الْعَالَمِينَ﴾ على العموم، فقال: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ثم خصَّ السماوات والأرض وما بينهما فقال: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [مريم: ٦٥]، ثم خصَّ السماء والأرض فقال: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الذاريات: ٢٣]، ثم خصَّ المشارقَ والمغاربَ فقال: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠]، ثم خصَّ المشرقين والمغربين فقال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧]، ثم خصَّ المشرقَ والمغربَ فقال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [الشعراء: ٢٨]، ثم خصَّ من الأرض (٢) بيتَه فقال: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ [قريش: ٣]. وأضاف هذا الاسمَ أيضًا إلى كلِّ الناس فقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ثم خصَّ رسولَه فقال: ﴿فَوَرَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٢]، ثم (٣) خصَّ أمَّتَه أيضًا فقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].

стр. 250

وأما قوله: ﴿الْعَالَمِينَ﴾؛ فقد قال ابنُ عباسٍ ﵄ في رواية الكلبيِّ: هم كلُّ ذي روحٍ يدبُّ على وجه الأرض (١)؛ لأنهم هم الذين يقبَلون التربية. وروى سعيد بن جُبيرٍ عن ابن عباس ﵄ أنه قال: هم الجنُّ والإنسُ (٢)، من قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]. وقال قتادةُ: هم الجنُّ والإنسُ والملائكةُ والشياطينُ، وهم المخاطبون (٣). وقال الحسن البصري ﵀: هم الخلائق أجمعون (٤). وقال الحسين بن الفضل البَجَليُّ: هُمُ الإنسُ، من قوله: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥] (٥). وقال جعفر بن محمدٍ الصَّادقُ: هم أهل الجنة والنار (٦). وقال مُقاتل بن سليمان: لو فسَّرتُ ﴿الْعَالَمِينَ﴾ لاحتجتُ إلى ألفِ مجلَّدٍ، كلُّ مجلدٍ (٧) ألفُ ورقةٍ (٨). وقال أبو حذيفةَ: العالَمون ستةٌ: الملائكة عالمٌ، والإنس عالمٌ، والجنُّ من

стр. 251

بني الجانِّ وذُرِّيتِه عالمٌ، والشيطان إبليس وذريتُه عالمٌ، والبهائمُ والدَّوابُّ ودوابُّ البحر (١) عالمٌ، والطيور عالمٌ، واللَّه ربُّهم خالقُهم ورازقُهم. وقال عطاء بن أبي رَبَاح: العالَمون عشرةُ أصنافٍ: الملائكة، والبَشَر، والجنُّ، والشياطين، والوحوش، والسِّباع، والهوامُّ، والبهائم، ودوابُّ البحر، والطيور. وقال وَهْبٌ: هم ثمانيةَ عشرَ ألفَ عالَمٍ؛ عالَمُ الدنيا واحدٌ (٢) منها، وما العمرانُ في الخرابِ إلا كفسطاطٍ في البحر (٣). وقال الضحَّاك: هم ثلاثُ مئة وستون عالَمًا: ثلاثُ مئةٍ منهم حفاةٌ عراةٌ لا يعرفون خالقَهم، وهم حشوُ جهنم، وستون عالَمًا يلبسُون الثياب مرَّ بهم ذو القرنين وكلَّمَهم (٤). وقال سعيد بن جبير: هم ألف عالَمٍ: ستُّ مئةٍ في البحر، وأربع مئةٍ على وجه الأرض. وقال عليُّ بن الحسين بن واقِدٍ: العالَمون ألفُ أُمَّة، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨]. وقال مقاتل بن حيَّان: العالَمون ثمانونَ ألفَ عالَم: أربعون ألفًا في البرِّ، وأربعون ألفًا في البحر (٥).

стр. 252

وقال كعبُ الأحبار: لا يحصُر عددَ (١) العالَمين أحد من الخلق، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: إن اللَّه تعالى خلق الخَلْق حين خلقهم وهم أربعةُ أصنافٍ: الملائكةُ، والشياطينُ، والجنُّ، والإنس، ثم جعل هؤلاء عشرةَ أجزاءٍ: فتسعةٌ (٣) منهم الملائكة، وجزءٌ واحدٌ (٤) الشياطينُ والجنُّ والإنس، ثم جعل هؤلاء الثلاثَ عشرةَ أجزاءً: فتسعةٌ منهم الشياطين، وجزءٌ واحدٌ الإنسُ والجنُّ، ثم جعل الإنسَ والجنَّ عشرةَ أجزاءٍ: فتسعةٌ منهم الجنُّ، وجزءٌ واحدٌ الإنسُ (٥)، ثم جعل الإنسَ مئةً وخمسةً وعشرين جزءًا: فجعل منهم مئةَ جزءٍ في بلاد الهند، فمنهم ساطوخ: وهم أناسٌ رؤوسُهم مثلُ رؤوس الكلاب، ومالوخ (٦): وهم أناسٌ أعينُهم في صدورهم (٧)، وماسوخ (٨): وهم أناسٌ آذانُهم (٩) مثلُ آذان الفيلة، ومالوق: وهم أناسٌ لا

стр. 253

تطاوعهم أرجلُهم حين يمشون، يُسمَّون دوال باي (١)، ومصيرُهم (٢) كلُّهم إلى النار. وجعل اثني عشرَ جزءًا في بلاد الروم: النسطوريَّة، والملكانيَّة، والإسرائيليَّة، ومصيرُهم جميعًا إلى النار. وجعل ستةَ أجزاءٍ منهم في المشرِق: يأجوجُ ومأجوجُ، وتُركُ خاقانَ، وتُرك خَلج (٣)، وتُرك خَزَرَ، وتُرك خرخيرَ، وكلُّهم من أهل النار. وجعل ستةَ أجزاءٍ منهم في المغرب: الزِّنجُ، والزِّطُّ، والحبشةُ، والنُّوبةُ، والبَربرُ، وسائر كفار العرب (٤)، ومصيرُهم إلى النار. وبقي من الإنس من أهل التوحيد جزءٌ واحدٌ، فجَزَّأهم ثلاثةً وسبعين جزءًا؛ اثنان وسبعون على خطرٍ، وهم أهل البدع والضَّلال (٥)، وفرقةٌ ناجيةٌ وهم أهل السنة والجماعة، وحسابُهم على اللَّه تعالى، يغفر لمَن يشاء ويعذب مَن يشاء. فهذا تفسير ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. والعالَمون في القرآن على عشرةِ أوجهٍ (٦):

стр. 254

أحدها: الإنس والجنُّ، قال اللَّه تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]. والثاني: الناس، قال اللَّه تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١]. والثالث: مَن كان بعد نوحٍ إلى قيام الساعة، قال تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩]. والرابع: مَن كان في زمن موسى من بني إسرائيل، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧]. والخامس: مَن كان في زمن لوطٍ، قال تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥]. والسَّادس: الغُرباء، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [الحجر: ٧٠]. والسَّابع: أهل الكتاب، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ إلى قوله: ﴿غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]. والثامن: المؤمنون، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١]. والتاسع: المنافقون، قال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٠]. والعاشر: كل المخلوقات، قال اللَّه تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أضافَ نفسَه إلى كلِّ المخلوقات مِلْكًا ومُلْكًا، وأضاف هذا الاسمَ إلينا لُطْفًا وعَطْفًا، قال اللَّه تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ﴾ [يونس: ٣٢].

стр. 255

ففي الأول: تعظيمُ نفسه، وفي الثاني: تعظيمُ أحبابه (١)، كأنه قال: ما أعظمني! والعالَمون لي، وما أعظمكم أحبائي (٢)! وأنا لكم. ثم العالمُ جمعٌ لا واحدَ له من لفظه؛ كالأنام والرَّهط والجيش، وهو مأخوذٌ من العَلَم والعلامة، وهو على وزن (فاعَل) بالفتح؛ كالخاتَم والطابَع، والخاتَم: ما يُختَم به، والطابَع: ما يُطبع به، فالعالَم: هو ما يُعلم به؛ أي: يُستدلُّ به على الصَّانع. فوجودُ المخلوقات دليلٌ على وجود الخالق وإيجاده، وحدوثُها دليلٌ على قِدَمه، وبقاؤها على هيئةٍ دليلٌ على وحدانيَّتِه، ووجودُها على هيئةٍ مخصوصةٍ مع جواز غيرها دليلٌ على إرادته، وانتظامُها واتساقُها (٣) دليلٌ على علمه وحكمته. وإجابةُ دعاء (٤) الدَّاعين دليلٌ على سمعه وإجابته. وعجزُ الخلائق عن (٥) ردِّ قضائه دليلٌ على جلاله وعظمته. ونقضُ العزائم وفسخُ الهِمَم دليلٌ على إرادته ومشيئته. وحرمانُ المجتهدين دليلٌ على قبضه وقدرته، وسعةُ العاجزين عن الكسب دليل على بَسْطه ومِنَّته. وإمهالُ المفترِين على اللَّه تعالى دليلٌ على حِلْمه ورحمته.

стр. 256

وافتقارُ الخَلْق دليلٌ على غُنْيته، وعجزُهم دليلٌ على قدرته، وضعفُهم دليلٌ على قوَّته، وانقيادُهم دليلٌ على قهره ومَلَكته (١). ثم إضافةُ الربِّ إلى العالَمين بيانٌ أنه ربُّ الجميع، ليس كأربابِ الأشياء المخصوصة، وإيضاحٌ أنه مستحقٌّ حمدَ الكلِّ؛ إذ هو خالقُهم ومُرَبِّيهم ومالكهم، وليس وجود ربوبيَّته بوجودهم، فقد كان ربَّ العالمين قبل أن يكونوا، ويكون ربَّ العالمين بعد أن يَبِيدوا. وقد كان (٢) خالقًا قبل وجود المخلوقات، صانعًا قبل وجود المصنوعات، قادرًا قبل وجود المقدورات، قاهرًا قبل وجود المقهورات، رازقًا قبل وجود المرزوقين، راحمًا قبل وجود المرحومين، مذكورًا قبل وجود الذَّاكرين، مشكورًا قبل وجود الشَّاكرين، محمودًا قبل وجود الحامدين، معبودًا قبل وجود العابدين، مجيبًا قبل دعوات السَّائلين، غنيًّا قبل وجود السماوات والأرضين، ملكًا قبل وجود المملكة والمملوكين، باقيًا (٣) بعد فناء الخَلْق أجمعين، يقول اللَّه ﷻ بعد موت كلِّ الخَلْق: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾، ويقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، سبحان اللَّه هو العزيز الغفار. ثم قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قراءةُ العامة بخفض الباء على النعت، وقراءةُ (٤) زيد بن عليٍّ بنصبها على المدح أو على النداء (٥)، وقرأ شقيقُ بن سلمة بالرفع على الابتداء (٦).

стр. 257

وكذا ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ على هذه الوجوه (١). * * * (٣) - ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: مرَّ تفسيرُهما في التسمية. فإن قالوا: لِمَ كرَّرَهما مع أنه (٢) في التسمية ذكَرهما؟ قُلنا: عنه أجوبةٌ خمسةٌ: أحدها: ليُعلم أنَّ التسميةَ ليست من الفاتحة، ولو كانت منها لَمَا أعادهما؛ لخُلُوِّ الإعادة عن الإفادة. والثاني: أنه ندبَ العباد إلى كثرة الذِّكر، فإن مِن علامة حبِّ اللَّه حبَّ ذكره، وفي الحديث: "مَن أحبَّ شيئًا أكثرَ من (٣) ذكرِه" (٤). والثالث: أنه ذكر أنه ربُّ العالمين، فبيَّن أنَّ ربَّ العالَمين هو الرحمن (٥) الذي يرزقهم في الدنيا، الرحيمُ الذي يغفر لهم في العُقبى، ولذلك ذكر بعدَه: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾.

стр. 258

الرابع: أنه ذكر الحمدَ، وبالحمد تُنال الرحمةُ، فإنَّ أولَ مَن حمد اللَّه تعالى من البشر آدم، عطس فقال: الحمد للَّه، وأجيب للحال: يرحمك ربُّك، ولذلك خلقتُك، فعلَّم خَلْقَه الحمدَ، وبيَّنَ أنهم ينالون (١) رحمتَه بالحمد. والخامس: أن قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ترهيبٌ، وقولَه: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ترغيبٌ، فجمع بين الرَّغبة والرَّهبة؛ ليكون ذلك أعونَ للناس على طاعته، وأمنعَ من معصيته. ونَزيد في الفائدة هاهنا بذكر (٢) مقالاتٍ لم نذكرها في التسمية في تفسير الاسمين: قال الإمامُ أبو منصورٍ عبدُ الكريم بنُ هوازنَ القشيريُّ (٣): الرحمنُ بما رَوَّح، والرحيم بما لَوَّح، فالترويحُ بالمَبارِّ، والتَّلويح بالأنوار. الرحمن بكشف تجلِّيه، والرحيم بلُطْف تولِّيه. الرحمن بما يُوفِّق، والرحيم بما يُحقِّق، فالتوفيق للمعاملات، والتحقيق للمواصلات، فالمعاملات للقاصدين، والمواصلات للواجدين. الرحمن بما يصنع، والرحيم بما يدفع، فالصُّنع بجميل الرِّعاية، والدَّفع بحُسن العِناية (٤). * * *

стр. 259

(٤) - ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾: قُرئ هذا على سبعة أوجهٍ: ﴿مَالِكِ﴾ بالألف وخفض الكاف. و ﴿مَلِكِ﴾ بغير الألف بكسر اللام وخفض الكاف (١). و (مَلْكِ) بتسكين اللام وخفض الكاف، فهذه ثلاثة أوجهٍ (٢) على النعت. و (مالكَ) بالألف ونصبِ الكاف. و (ملِكَ) بكسر اللام ونصْبِ الكاف، وهذان على النداء. و (مَلَكَ) بفتح الميم واللام ونصب الكاف على الفعل الماضي، و (يومَ الدِّين) بالنصب على المفعول. و (مالكُ يومِ الدِّين) بالألف ورفعِ الكاف (٣). و (مالكْ) بالألف وتسكين الكاف (٤). فأما ﴿مَالِكِ﴾ بالألف وخفض الكاف؛ فقد رُوي ذلك عن النبي ﷺ ، وعن

стр. 260

الخلفاء الراشدين الأربعة، وعن جماعةٍ من الصَّحابة ﵃، والتابعين، وهو اختيار عاصم والكسائي والأعمش وجماعةٍ (١). وأما ﴿مَلِكِ﴾ بكسر اللام وخفض الكاف؛ فعن النبي ﷺ في روايةٍ، وعن عثمان، وعن عليٍّ، وزيد بن ثابتٍ (٢)، وابن عمر، وأبي الدَّرداء، وهو اختيار نافع وابن كثيرٍ وأبي عمرو وحمزة وابن عامرٍ. وأما (مَلْكِ) بسكون اللام وخفض الكاف؛ فعن أبي عمرو، رواه (٣) عبدُ الوارث بن سعيدٍ. وأما (مَالِكَ) بنصب الكاف؛ فعن أبي هريرة ﵁، وعمر بن عبد العزيز، والأعمش. وأما (مَلِكَ) بغير ألفٍ ونصبِ الكاف (٤)؛ فعن أبي حيوةَ شُريح (٥) بن يزيد (٦).

стр. 261

وأما (مَلَكَ) على صيغة الفعل الماضي؛ فعن يحيى بن يَعْمَرَ (١). وأما (مالكُ) بالرفع؛ فعن بعض أهل الشام، ثم عن يحيى بن يَعْمَرَ (٢). وأما (٣) (مالك) بإضجاعٍ بليغٍ، هو قراءة أهل البصرة (٤). وعن أيوب السَّخْتِيانيِّ بإشمام (٥). وتكلَّم المتأخرون في أَولى هذه القراءات، فقيل: أَولاها ﴿مَلِكِ﴾ بالألف؛ لأن فيه زيادةَ حرفٍ، وبه زيادةُ ثوابٍ. يُحكى عن أبي عبد اللَّه الثلجيِّ (٦) أنه قال: كان من عادتي قراءة ﴿مَالِكِ يَوْمِ

стр. 262

الدِّينِ﴾، فذكر لي بعضُ الأدباء أن ﴿مَلِكِ﴾ أبلغُ في المدح وأكثرُ في الثواب، فتركتُ عادتي، فكنت (١) أقرأ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ حتى رأيت في المنام أن قائلًا قال لي: لم نقصْتَ من حسناتك عشرًا، أما سمعتَ قول النبيِّ ﷺ : "من قرأ القرآن كُتب له بكلِّ حرفٍ عشرُ حسناتٍ، ومُحيت عنه عشرُ سيئاتٍ، ورُفعت له عشر درجاتٍ" (٢)، فانتبهْتُ، فلم أترك عادتي حتى رأيتُ ثانيًا في المنام أنه قيل لي: لِمَ لا تترك هذه العادة؟ أمَا سمعتَ قول النبيِّ ﷺ : "اقرؤوا القرآن فَخْمًا مُفخَّمًا"؛ أي: عظيمًا مُعظَّمًا، فأتيتُ قُطْرُبًا وسألتُه عن الفرق بين (المالك) و (الملِك)، فقال: الملِك الذي يملك شيئا من الدنيا (٣)، والمالك الذي يملك الملوك. وقيل: لا ترجيح بزيادة حرفٍ، فقد اختلفت (٤) الصَّحابةُ رضوان اللَّه عليهم في (فَرِهِين) و (فارِهين)، و (حَمِئةً) و (حامِئةً)، و (نَخِرةً) و (ناخِرةً)، فلم يحتجَّ أحدهم

стр. 263

على صاحبه بزيادة الحرف، وإنما رجَّحوا بزيادة المعنى، فبنا (١) أن ننظر أيهما أبلغُ في المعنى. قال أبو عبيدةَ والأصمعيُّ وأبو حاتم والأخفش: (مالك) أبلغ، فإنه يقال: مالكُ كلِّ شيءٍ، ولا يقال: ملك كلِّ شيءٍ، وإنما يقال: ملكُ الناس. ولأنه يُضاف إلى الفعل والذات، يقال: مالكُ العبد، ومالكُ التصرُّف. ولأنه لا يقال: مالكُ الشيء، إلا وهو يملكُه، وقد يكون مَلِكَ (٢) شيءٍ وهو لا يملكه، يقال: فلانٌ ملكُ العرب، وملكُ العجم، وملك الهند، وملك الروم، وملك الترك. ولأن (المالك) من المِلْك، و (المَلِك) من المُلْكِ، والمالك يدلُّ عليهما، يقال: مالكُ المُلْك، ومالكُ المِلْك، والمَلِك لا يدل عليهما، يقال: مَلِكُ المُلك، ولا يقال: مَلكُ المِلْك. ولأنه أضاف إلى ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾، وذكر في آيةٍ: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الانفطار: ١٩]، فنفى المِلك عن الخلق، فثبت ذلك للَّه تعالى. وقال أبو عبيدةَ (٣) وعاصمٌ الجحدريُّ والمبرِّد وأبو عمرٍو والزجَّاج وجماعة: (مَلِك) أبلغ وأوفق للقرآن، قال تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [طه: ١١٤]، وقال تعالى: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾، وقال عزَّ وعلا: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: ٢٣]، وقال في صفة يوم القيامة: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ [الحج: ٥٦]، وقال تعالى: ﴿لِمَنِ

стр. 264

الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦]، وقال ﷻ : ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [المائدة: ١٢٠]، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١]، وقال تعالى: ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ [التغابن: ١]. ولأن المالكَ قد لا يكون مَلِكًا، ولا يكون مَلِكٌ إلا و (١) يكون مالكًا، ولأن المالكَ لا يُذكر إلا مُضافًا، يقال: مالك كذا، والملِكُ يذكر غيرَ مضافٍ، يقال: هو الملِك، ومدحُ الذات بما هو اسمُه من غيرِ إضافةٍ أبلغُ من مدحه بالإضافة إلى غيره (٢). ومأخَذُ الاسم في اللغة من قولهم: مَلَكتُ العجينَ، ومَلَكتُ بالطَّعن اليمين، وأمْلَكتُ بين الزَّوجين، وحاصله: الشَّدُّ والرَّبط والشِّدَّة والقوة، فمعنى الاسم في الحقيقة للَّه، فله القوةُ الكاملة، والولاية النافذة، والتصرُّف الماضي، والحكم الجاري، وهو (٣) للعباد مُجازي، فللّهِ المِلك والمُلك والملكوت، والعزة والجبروت، وهو الحيُّ الذي لا يموت. ومَن مَلَك من العباد (٤)؛ فلِمُلكه بدايةٌ ونهايةٌ، وحدٌّ وغايةٌ، وهو على البعض لا على الكلِّ، وعلى الجسم لا على العَرَض، وعلى النَّفْس لا على النَّفَس، وعلى الظاهر لا على الباطن، وعلى الحاضر لا على الغائب، وعلى الحيِّ لا على الميت. ومُلك اللَّه تعالى بلا (٥) بدايةٍ ولا نهاية، ولا حَدٍّ ولا غاية، وعلى الكلِّ، وعلى

стр. 265

النفوس والأنفاس، وعلى الظواهر والبواطن، وعلى الفِطْرات والفِكْرات، والهيئات والمُهِمَّات (١)، وهو المَلِك الذي لم يَزلْ ولا يَزال (٢)، كلُّ مُلكٍ زائلٌ إلا مُلْكَه، وكلُّ مِلْكٍ باطلٌ إلا مِلكَه، ليس لمُلكه زوالٌ، ولا لمِلْكه انتقالٌ. وقال الإمام أبو منصُور الماتريديُّ رحمة اللَّه عليه: في الآية دلالةُ وصف الربِّ بمُلكِ ما ليس بموجودٍ (٣) وقتَ الوصف بمُلكه، وهو يوم القيامة. ثبت أنَّ اللَّه تعالى بجميع ما يستحقُّ الوصفَ به، يستحقُّه بنفسه لا بغيره، ولذلك قلنا نحن: هو اللَّه خالقٌ لم يزل، ورحيمٌ لم يزل، وجوادٌ لم يزل، وسميعٌ لم يزل، وإنْ كان ما عليه وَقْعُ ذلك لم يكن، وكذلك نقول: هو ربُّ كلِّ شيءٍ وإلهُ كلِّ شيءٍ في الأزل وإنْ كانت الأشياء حادثةً، كما قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وإنْ كان اليومُ بعدُ (٤) غيرَ حادث (٥). ثم قولُه: (مالكَ يومِ الدِّين) كما قُرئ بالنصب، فقد قرأ زيد بن عليٍّ: (رَبَّ العالمين، الرَّحمَنَ الرَّحِيمَ) بالنصب (٦)، وهذا (٧) على المدح، أو على النداء، وقراءةُ العامَّة بالخفض على النَّعت، وقرأ شقيقُ بنُ سلمة بالرفع على الابتداء (٨).

стр. 266

وقولُه تعالى: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ إنما أضاف المُلْكَ والمِلْك إلى يومِ الدين على الخصوص؛ لأنه قد أعطى الخلق اليومَ مُلكًا ومِلكًا، والمُلَّاكُ يبخلون في مِلْكهم، والملوك يجورُون في مُلكهم، فإذا كان يوم الدِّين نُزع المِلك عن (١) كلِّ مالكٍ، والمُلك عن كلِّ مَلِكٍ، فيبقى المِلك والمُلك له على الخصوص، فلا يبقى بُخلٌ ولا جَورٌ، بل يجود في مِلكه، ويعدلُ في مُلكه، وهو وعدٌ ووعيدٌ، يقول للأولياء: أنا المَلك والمالك، أُعزُّكم بمُلكي، وأغنيكم بمِلكي، فلا يمنعُني مانعٌ، ويقول للأعداء: أنا المَلك والمالك، علمتُ ما عامَلْتُموني به، وأقدِرُ على مكافأتكم، فلا فِرار لكم عني، ولا يَدفع العذابَ عنكم دافع. وفي تفسير ﴿الدِّينِ﴾ أقاويلُ سبعةٌ: قال ابن عباس وابن مسعودٍ والحسن البصري والسُّدِّي ومقاتل: هو الحساب، كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [التوبة: ٣٦]؛ أي: الحساب المستقيم (٢)، واللَّهُ تعالى يحاسبُ العبادَ يوم القيامة، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦]. وقال مجاهدٌ والضحاك وقتادة: هو الجزاء (٣)، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦]؛ أي: غير مَجْزِيِّين (٤)، وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾

стр. 267

[النور: ٢٥]؛ أي: جزاءَهم، واللَّه تعالى يجزي العباد يومئذٍ بأعمالهم، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧]. وقال جماعة: هو القضاء، كما في قوله: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦]؛ أي: قضائه، واللَّه تعالى يقضي بين خلقه يومئذٍ، كما قال : ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر: ٦٩]. وقال محمد بن كعبٍ القُرظي: هو التوحيد (١)، كما في قوله: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣]، والعزُّ والكرامةُ يومئذٍ لأهل التوحيد، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ الآية [الحديد: ١٢]. وقيل: الدِّين: الطاعة (٢)، قال زهير: لَئِن حَلَلْتَ بوادٍ (٣) في بني أسَدِ... في دِينِ عمرٍو وحالَتْ بيننا فَدَكُ (٤) أي: هذا (٥) يومٌ لا ينفع فيه إلا الطاعة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [سبأ: ٣٧]. وقال الحسين بن الفضل البَجَلي ﵀: هو الخضوع؛ قال النبيُّ

стр. 268

- ﷺ لأبي طالب: "إني أدعُوكَ إلى كلمةٍ لو قُلْتَها دانتْ لك العرب" (١)؛ أي: خضعَت. ويومُ القيامة: يومُ خضوع الخلق، قال تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١]، وقال: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [طه: ١٠٨]. وقال يمانُ بن رئابٍ: هو القهر والغلبة جميعًا (٢)، تقول العربُ: دِنْتُه فدَان؛ أي: قَهرْتُه فخضع (٣). وقال الأعشى فيهما جميعًا: هو دان الرِّبَابَ إذ كَرهوا الدِّيـ... ن دِرَاكًا بغزوةٍ وصِيَالِ (٤) ويومُ القيامة: يومُ قهر الجبارين وقصْمِ القهَّارين، قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ الآيات [إبراهيم: ٤٢]. وقال الفرَّاء: هو العادة (٥)، قال المثقَّبُ العَبْدي:

стр. 269

تقولُ إذا دَرَأْتُ لها وَضِيني... أهذا دِينُه أبدًا ودِيني أكلَّ الدَّهرِ حِلٌّ وارتحالٌ... أمَا يُبْقِي عَلَيَّ ولا يَقِيني (١) ويومُ القيامة يومٌ يُبعث فيه كلُّ أحد على عادته، فالكافر المنكِرُ يُبعث على إنكاره (٢)، يقول اللَّه تعالى خبرًا عنهم أنهم يقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (٣) [الأنعام: ٢٣]. * * * (٥) - ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وقولُه تعالى: ﴿إِيَّاكَ﴾؛ أي: قولوا: ﴿إِيَّاكَ﴾، ولا بد من هذا الإضمارِ إنْ حُمل قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على الابتداء أو على الإخبار، وإن حُمل على الأمر وأُضمر: (قولوا: الحمد للَّه) هناك، كان هذا عطفًا على ذاك من غيرِ إضمارٍ ثانٍ. و ﴿إِيَّاكَ﴾ فيها كلامٌ من جهة القراءة واللغة والإعراب والمعنى: أما القراءة: فقراءة العامة بكسْر الألف وتشديد الياء، وقراءةُ الفضل الرَّقَاشيِّ

стр. 270

بفتح الألف وتشديد الياء (١)، وقراءةُ عُبيد بن عميرٍ: (آياك) (٢) بمدِّ الألف وتخفيف الياء (٣). وقراءةُ عَمرِو بن فائدٍ: (إِيَاك) بكسرِ الألِف وتخفيفِ الياء (٤). قال ابن مجاهد: ما أدري ما هي ويشبه أن تكون خطأً أو لغةً. قال ﵁ (٥): ووجهُ الغلط أنهم قالوا: إيَاةُ (٦) الشمس عينُها، فكأنه يقول: شمسَكَ نعبُد، واعتقاده كفرٌ، والقراءة به خطأٌ، وهي للصلاة مُفسدةٌ. ووجهُ اللغة: أن تخفيف المشدَّد أيضًا مسموعٌ كما في قوله: (ربَّما)

стр. 271

و (ربَما)، وقد قرئ: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحجر: ٢] بهما جميعًا (١). قالوا: ويجوز: (هَيَّاك) بالهاء بدلًا عن الهمزة (٢)، كما في قولهم: هيهات وأيهات. وأمَّا اللغة: فقد قيل: أصله (إِوْيَاك)، وهي من قولهم: آوى إليه وآواه (٣)، فكأنه يقول: إليك أنقطِعُ بالعبادة والاستعانة، وهذه الكلمة ضميرٌ مكنيٌّ لا يكون إلا في موضع نصبٍ، ولا يضاف إلا إلى كنايةٍ، وقد وردت إضافتُها إلى الصريح شاذًّا: إذا بلغ الرَّجل الستِّين فإيَّاه وإيَّا الشَّوابِّ (٤). وقال الشاعر: دَعْني وإيَّا خالدٍ... فلأَقْطَعنَّ عُرَى نِيَاطهِ (٥) وفي (٦) الكلام الشائع، وفي آياتِ القرآنِ الإضافةُ إلى الكناية: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ [سبأ: ٢٤] ﴿مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء: ٣١]، ﴿مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧].

стр. 272

ولا يؤتَى بها إلا مقدَّمةً على الفعل، ولا تؤخَّر إلا بفاصلٍ بالاستثناء أو العطف أو تكرارِ الكناية بها (١): ما عنيت إلا إياك، ذكرتك وإياه، أدعوك (٢) إياك. وأمَّا الإعراب: فقد قال الخليل بنُ أحمد: (إيَّا) سُلَّمٌ للشأن (٣)، والكافُ نصبٌ؛ أي: هي كنايةٌ مقدَّمةٌ، ولو أخَّرْتَ قلتَ: نعبدُك، فإذا قدَّمْتَ لم يمكِن التلفُّظُ (٤) بحرفٍ واحدٍ، فزادوا (إيَّا) سُلَّمًا للشأن (٥) ليُتمكَّنَ منه، أو لأن الكافَ وحدها إذا تقدَّمت شابهتْ كاف التشبيه، فأزالوا الاشتباه بهذا. وقال الفرَّاء: إنما نُصب لوقوع (٦) الفعل عليه، والكافُ (٧) خُفض بالإضافة، وبيانُه: أن هذا بمنزلةِ قولك: نَفْسَكَ نعبُد. وأما المعنى: ففي زيادة هذه الكلمة معنًى بليغٌ، فإنك لو (٨) قلتَ: نعبدُك ونستعينك، وإن كان أَوجزَ لك، لكن (٩) في هذا النظم فوائدُ زوائدُ: موافقةُ رؤوس الآي، ونفيُ العبادة والاستعانة عن غيرِ اللَّه تعالى، وأجلُّها: البدايةُ بذكر اللَّه دون ذكر (١٠) نفسه، وهو نظرٌ من اللَّه تعالى إلى العبادة لا من العبادة إلى اللَّه تعالى.

стр. 273

وبهذا ظهر (١) علوُّ درجة نبيِّنا محمدٍ ﷺ على موسى ﷺ بقوله (٢): ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، وقال (٣) موسى صلوات اللَّه عليه: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ [الشعراء: ٦٢]، وهو معنًى لطيفٌ وعِلمٌ شريفٌ. فإنْ قيل (٤): لمَ كرَّر ﴿إِيَّاكَ﴾ ولو اكتفى بالأول صحَّ؟ قلنا: لأن (إيا) (٥) في أول الكلام كالكافِ في آخره، ولو قال: نعبدُك ونستعينك، احتِيج إلى تكرار الكاف، فكذلك (٦) (إِيّا)، ولأن تكراره تحقيقٌ لكلِّ واحدٍ منهما مفردًا؛ أي: نعبدك لا غير ونستعين بك لا غير. وقوله تعالى: ﴿نَعْبُدُ﴾: فالعبادةُ في اللغة لمَعَانٍ: أحدها: التذليل (٧) والقهر؛ قال تعالى: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٢٢]؛ أي: ذلَّلتهم وقهَرتهم، ومنه قولهم: طريقٌ معبَّدٌ؛ أي: مذلَّلٌ بكثرةِ الوطء، قال الشاعر: تُباري عِتَاقًا ناجياتٍ وأَتْبعَتْ... وظيفًا وظيفًا فوق مَوْرٍ معبَّد (٨)

стр. 274

وبعيرٌ معبَّد؛ أي: مَطْليٌّ بالقَطِران، قال طَرَفةُ: إلى أنْ تَحامَتْني العشيرةُ كلُّها... وأُفْرِدْتُ إفْرادَ البعيرِ المعبَّدِ (١) فالعبادةُ من التعبُّد، وهي التذلُّلُ للَّه تعالى. والثاني: الإكرام والإعزاز، يقال: بعيرٌ معبَّدٌ؛ أي: مُكْرمٌ، قال حاتم: تقولُ ألَا أَمْسِكْ عليك فإنَّني... أرى المالَ عندَ الباخِلين معبَّدًا (٢) فالعابد (٣) على هذا هو المكرَم بالإذن في الخدمة (٤). والثالث: الأنَفة والاستنكاف؛ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] على قراءةِ حذفِ الألف (٥)، وقال الشاعر: أولئك آبائي فجئني بمثْلِهم... وأَعْبَدُ أنْ يُهْجَى كُليبٌ بدارِمِ (٦)

стр. 275

فالعابدُ على هذا هو الذي يأنَفُ من خدمةِ غير مولاه، ويستنكِف عن (١) التعلُّق بسواه، ولا يعبدُ ولا يستعينُ إلا إياه. والرابع: التكليف بالأمر (٢) والنهي، يقال: تعبَّده واستعبدَه: إذا كلَّفه أمرَه ونهيَه، قال الشاعر: تَعَبَّدني نِمْرُ بنُ سعدٍ وقد أُرَى... ونِمْرُ بنُ سعدٍ لي مُطِيعٌ ومُهْطِعُ (٣) فالعبدُ هو المكلَّف أمرَ اللَّه ونهيَه، والعابدُ هو المؤتمِر والمنتهِي (٤). وأما تفسيرُه: فقد قال ابن عباس ﵄: معناه: إياك نُوحِّد (٥). وقال (٦) عكرمةُ: جميع ما ذُكر في القرآنِ من العبادة فالمرادُ بها التوحيدُ، وجميعُ ما ذُكر فيه من التسبيح فالمرادُ به الصَّلاةُ، وجميعُ ما ذُكر فيه من القُنوت فالمراد به الطاعةُ، وجميعُ ما ذُكر فيه من الأرائك فالمراد به السُّرُر (٧) التي فوقها

стр. 276

الكِلَّة (١)، وجميعُ ما ذُكر فيه من الكأس فهو القدَح مع الشراب، وجميعُ ما ذكر فيه من الرياح فهي رياحُ الرحمة، وجميعُ ما ذُكر فيه من الرِّيح فهي ريحُ العقوبة. وقال سفيانُ بن عُيينة وجماعةٌ: معناه: لك (٢) نخشعُ ونخضعُ؛ أي (٣): بالطاعة. وقال الحسن البصريُّ: معناه: إياك نُطيع. وروَى الضحَّاك عن ابن عباس ﵄: أن جبريل صلواتُ اللَّه عليه قال للنبيِّ ﷺ : قل يا محمد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾؛ أي: إياك نؤمِّلُ ونرجو ربَّنا لا غيرَك (٤). وهذا وجهٌ لو ثبتَ روايتُه لم يُحتَجْ إلى تأويلٍ سواه (٥). وعن الضحَّاك قال: معناه: إياك نرجو ونخافُ، وهو أهلٌ لذلك، قال تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦]. وقال تعالى في مدحِ الأنبياء صلواتُ اللَّه وسلامُه عليهم: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا

стр. 277

وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠]، وقال في حقِّ القانت: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩]، وأَمَر فقال: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: ٥٦]. وقال بعض أهل المعرفة: العبادةُ شَغْلُ كُلِّكَ به، وهو: شَغْلُ القلبِ بمعرفته، وشَغْلُ الروحِ بمشاهَدته، وشَغْلُ النَّفْس بخدمته، وشَغْلُ اللسان بمِدْحته. وقيل: العبادَةُ: إجلالُ الربِّ وإذلالُ النفس. وقيل: هي الرِّضا بالقضاء، والصَّبرُ على البلاء، والشكرُ على النَّعْماء. وقيل (١): تصديقُ اللَّه تعالى فيما أَخبر، والانقيادُ له فيما قدَّر، والطاعةُ له فيما نَهَى وأَمر، والثقةُ بما رغَّب وحذَّر. ثم قوله: ﴿نَعْبُدُ﴾ من العبادة ومن العُبودة. (عبادات تواست بندكي كردن وعبودت بنده بودن، عبادت موقت است مان كردن طاعت وست عبودت بمو بد است وإن ماندن معصيت است واست كفتني عبادت استهمه أوردن نونوي عبودت حوس بودن مردتن مال نفارت وسرقة وثواب أي بيش أز ثواب) (٢). روَى أبو أُمامةَ الباهِليُّ رضي اللَّه تعالى عنه عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "درهمٌ واحدٌ

стр. 278

يأخذه السُّلطان ظلمًا واعتداءً خيرٌ من أن يتصدَّق بثلاثِ مئة ألفِ درهم" (١). وصاحبُ العبادة عابدٌ (٢)، وجمعُه: عُبَّاد، وصاحب العُبودة عبدٌ وجمعُه: عِبَاد، وقد مدح اللَّه تعالى الملائكةَ والنبيِّين والمؤمنين بهما، فقال في حقِّ الملائكة في صفَة العبادة: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] وقال في صفة العبودة: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]. وقال في عبادة الأنبياء: ﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٣]، ﴿وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٤]. وقال في عبودتهم (٣): ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣]، ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ﴾ [التحريم: ١٠]، ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ٨١]، ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا﴾ [ص: ٤٥] ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا﴾ [ص: ١٧] ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ [ص: ٣٠] ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠]، ﴿نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١]، ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ﴾ [النجم: ١٠]، ﴿لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ [الجن: ١٩]. وقال في حقِّ المؤمنين في صفة العبادة: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢]، وقال في صفة العبودة: ﴿يَاعِبَادِيَ﴾ [العنكبوت: ٥٦]. فمِن العبادة: الصَّلاةُ بلا غَفلةٍ، والصومُ بلا غِيبةٍ، والصَّدقةُ بلا مِنَّةٍ، والحجُّ بلا إراءةٍ، والغزوُ بلا سمعةٍ، والعِتقُ بلا أذيَّةٍ، والذِّكرُ بلا ملالةٍ، وسائرُ الطاعات بلا آفةٍ.

стр. 279

ومن العبودة: الرِّضا بلا خُصومةٍ، والصبرُ بلا شكايةٍ، واليقينُ بلا شبهةٍ، والشهود بلا غَيبةٍ، والإقبال بلا رجعةٍ، والاتصال بلا قطيعةٍ. وقيل: حقيقةُ العُبودةِ: تركُ الدعوى، واحتمالُ الأذى، وحبُّ المولى. وقيل: هي أن لا يكونَ عندك للدنيا خطرٌ (١)، ولا للكونَين في قلبك أثر. وقيل: هي حفظُ الحدود، والوفاءُ بالعهود، والرضا بالموجود، وتركُ طلَبِ المفقود. وقال شقيق: هي تركُ الدنيا لأهلها، وطلبُ الآخرة بحقِّها، وأنْ تجعلَ هواك تحت قضاءِ اللَّه تعالى ورضاهُ، والاستعدادُ للموت والقيامة. وقيل: علامتُها: أن لا يزيدَ في رِفعتك إلا زدتَ في التواضع، ولا يزيدَ في مالكَ إلا زدتَ في السَّخاوة، ولا يزيدَ في عمرك إلا زدتَ في الطاعة. وقيل: هي رؤيةُ المنَّةِ، وجهدُ الخدمةِ، وخوفُ الخاتمة. فالأول: للخليل حيث قال: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ الآيات [الشعراء: ٧٨]. والثاني: للحبيب حيث قام حتى تورَّمتْ قدَماهُ. والثالث: ليوسف الصديق حيث قال: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]. ثم العبادةُ أمرٌ خلَق اللَّهُ الجنَّ والإنس ليأمرهم بها، فقال (٢): ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وأَمر بها الناسَ على العموم فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ

стр. 280

اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، وخصَّ بها الأنبياءَ فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وخصَّ من بينهم موسى فقال: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤]. وقال في حقِّ الأمم: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النحل: ٣٦]. وقال في قصةِ كلِّ نبيٍّ: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. وقال في بني إسرائيل: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣]. وقال في حقِّ قوم عيسى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ [مريم: ٣٦]. وقال في حقِّ هذه الأمة: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢]، وقال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، وقال: ﴿وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ [العنكبوت: ١٧]، وقال: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦]. وخصَّ به المصطفى فقال: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وقال: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]، وقال: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ [مريم: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٦]، وأمره أن يقول ذلك باللسان أيضًا فقال: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤]، وأمرنا به أيضًا أن نقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: أي: نطلبُ العونَ ونسألُه، فإنَّ سينَ الاستفعالِ للطَّلب والسؤال. وقال بعضُ أهل المعرفة: هي طلبُ العين؛ أي: نسألُك أن تجعلَنا نعبدُك كأننا

стр. 281

نُعاينُكَ، فقد ثبتَ في الحديثِما أنَّ الإحسان: "أنْ تعبدَ اللَّه كأنك تَراهُ فإنْ لم تكن تراه فإنه يَراك" (١). وقال ابن عباسٍ ﵄: معناه: وإياك نستعينُ على عبادتِك. وقال السُّدِّيُّ: معناه: وإياك نستعينُ على ما لا طاقة لنا به. وقال الحسن ﵀: وإياك نستعينُ على الشيطان الذي يمنعُنا عمَّا خلَقْتنا (٢) له من عبادتك. وقال ابن عُيينةَ: وإياك نستعينُ على محاربةِ الشيطان الذي يمنعُنا عن (٣) عبادتك. وقال مقاتل بن سليمان: أي: بك نستعين في أمورنا على ما يُصْلحنا في دِيننا ودُنيانا. والجامعُ للأقاويل: نسألُكَ أن تُعِيننا على أداءِ الحقوق، وإقامةِ الفروض، وتحمُّلِ المكاره، وطلبِ المصالح. فإن قالوا: المعونةُ إنما تُطلب قبل العمل، فهلَّا قال: ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قبل قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾. فجوابُه من وجوهٍ: أحدها: أن الواو لمطلَقِ الجمع لا للترتيبِ، فمعناه: أنه يأتي بهما ولا يتركُهما (٤).

стр. 282

وآخَرُ (١): أنَّ معناه: إياك نوحِّدُ وإياك نستعينُ على الثبات على التوحيد. وآخَرُ: أن معناه: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على أداء الطاعات بعد التوحيد. وآخَرُ: أن معناه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ في الحال، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على ذلك في الاستقبال (٢). وآخَرُ: أن معناه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بظواهرنا فهي التي في وُسعِنا، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على حفظ بواطنِنا فأنت الذي تقلِّبها كيف تشاء. وآخَرُ: أن معناه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على الرجاء ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على الخوف. وآخَرُ: أن معناه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على الشكر، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ هو على الصبر. وقال أبو بكرٍ الورَّاقُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لأنك خلقْتَنا، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لأنك هدَيْتنا (٣). وقال محمد بن عليٍّ الترمذيُّ (٤): ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فاقْبَلْ عبادتنا وإنْ كانت غيرَ صافيةٍ، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فأَعِنَّا وإنْ كنَّا غيرَ مستحقِّين للإعانة. وقال أبو الحسن القَنَّاد (٥) ﵀: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لأنك الصانعُ، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لأن المصنوعَ لا غنَى به (٦) عن الصانع.

стр. 283

وقيل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لأنَّا عبيدٌ، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لأنك كريمٌ مَجيد. وقيل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لأنك المعبود بالحقيقة ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على لُزوم هذه الطريقة. وقيل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وهذا تذلُّلٌ في الظَّاهر ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على أن تَعلَم قلوبُنا أنه تَعزُّزٌ في الحقيقة والباطن، وقد (١) قال قائلُهم: وإذا تذلَّلتِ الرِّقابُ تقرُّبًا... منَّا إليكَ فعِزُّها في ذُلِّها (٢) وقيل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بقطع العلائق والأعراض (٣) ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على الثبات على هذا الحال فإنه بك لا بنا. وقيل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بالإخلاص ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على المكاشفة لأسرارنا. وقيل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بأمرك ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ عليها بفضلك. وقيل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بالدعاء (٤) ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أن تُسقطَ عنا الدعاوي وتردَّنا إلى رياض الحقائق. وقيل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بالتوفيق ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على شكر ما وفَّقتنا من عبادتك. ثم الجمعُ بين الكلمتين للافتخار والافتقار، فقوله: ﴿نَعْبُدُ﴾ افتخارٌ بكونه

стр. 284

عبدًا له عابدًا له، وقولُه تعالى: ﴿نَسْتَعِينُ﴾ افتقارٌ إلى معونتهِ، واحتياجٌ إلى توفيقِه وعِصمته، كأنه (١) يقول: (بناز وسر يرادكه بيده مني، وبنو روسو فر وداركه مي معونت من برهيج مني) (٢). وقالوا: هما لتعليمِ بذل المجهودِ، وتلقينِ سؤالِ العطاءِ والجُود. ثم تحقيقُ هذين اللفظينِ من العبد: أن لا يَخدمَ غيرَ اللَّه، ولا يسألَ غيرَ اللَّه، بعدما أظهرَ هذا من نفسِه أنه إياه يَعبدُ وإياه يستعين. وقد حُكي عن سفيان الثوريِّ: أنه أَمَّ قومًا في صلاة المغرب، فلما قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ خرَّ مغشيًا عليه، فلما أفاق قيل له في ذلك، فقال: خفتُ أن يُقالَ لي: فلمَ تَذهبُ إلى أبوابِ الأطبَّاء والسَّلاطين؟ ثم في مجموعِ الكلمتين تحقيقُ مذهب أهل السُّنة والجماعة، وهو إثباتُ الفعل من العبدِ والتوفيقِ من اللَّه تعالى، وفيه ردٌّ على (٣) الجبريَّة والمعتزلةِ (٤): فالجبريةُ يَنْفون الفعلَ من العبد، وقولُه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ يردُّ عليهم ذلك. والمعتزلةُ لا يَرون التوفيقَ من اللَّه (٥)، وقولُه: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يردُّ ذلك عليهم.

стр. 285

وأهلُ السنَّة والجماعةِ يقولون: من العبد الفعلُ واختيار الفعل، ومن اللَّه تعالى خلقُ ذلك الفعلِ ومشيئةُ ذلك الفعلِ، والآيةُ تدلُّ على ذلك كلِّه. وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: قولُه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ هو على إضمارِ الأمر، أي: قلْ هذا، ثم لم يَجعلْ له أن يستثنيَ في (١) القول به، بل أَلزمه القولَ به، فيجب أن لا يستثنيَ في التوحيد، فإن مَن استثنَى فيه عن (٢) شكٍّ يُستثنَى، واللَّه تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: ١٥]. وقال النبيُّ ﷺ : "أفضلُ الأعمال إيمانٌ لا شكَّ فيه" (٣). قال: وقولُه: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فيه إبطالُ قولِ المعتزلة؛ لأن الاستعانة لا تصحُّ على قولهم، لأن تلك المعونةَ على أداء ما كلِّف قد (٤) أُعطيَ العبد ذلك، إذ على قولهم لا يجوزُ أن يكون مكلَّفًا وقد بقيَ شيءٌ مما به أداءُ ما كلِّف به عند اللَّه، وطلبُ ما أُعطيَ كتمانُ العطية، وهو كفرانٌ، فيصير كأنَّ اللَّه تعالى أَمر (٥) أن يَكفرَ نعمَه ويكتمَها (٦) ويطلبها منه تعنُّتًا، وظنُّ مِثله باللَّه كفرٌ. ثم لا يخلو من أنْ يكون عند اللَّه تعالى ما يطلب فلمْ يُعْط التمامَ إذًا، أو
следующие страницы →