قيل: ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾؛ أي: المخلوقَ من الماء ثم يعيده من التراب.
وقيل: إلى التراب، وكان خلقه من التراب.
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾: أي: يَقنط المشركون من رحمة اللَّه ومن شفاعة الشفعاء.
وقال سعيد بن جبير: ﴿يُبْلِسُ﴾: يُبْهَتُ (١). وقال الأخفش: يَنْدم (٢). وقيل: يَدْهَشُ.
* * *
(١٣ - ١٤) - ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (١٣) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾: أي: ولا يكون لهم من أصنامهم التي جعلوها شركاءَ للَّه شفعاءَ يشفعون لهم إلى اللَّه.
﴿وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾: أي: فيكونون عن أصنامهم متبرِّئين حين رأوها لا تشفع (٣).
وقيل: أي: الملائكة والجن والشياطين يتبرؤون من المشركين، وهو كقوله: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [العنكبوت: ٢٥]؛ أي: يتبرأ بعضكم من بعضٍ.
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾: قيل: فريق في الجنة وفريق في السعير.
وقيل: يتفرقون في آلهتهم، فلا يجتمعون فيتناصرون، وهو تأكيدٌ للآية التي قبلها.
стр. 5812
وقيل: يتفرقون في الأحوال والمحالِّ على ما فسَّره (١) بعدها.
* * *
(١٥) - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ﴾: أي: يُصار بهم إلى الجنة فيكونون فيها (٢) في رياضٍ ﴿يُحْبَرُون﴾؛ أي: يُسرُّون، والحَبْرةُ: السرور.
وقيل: أي: ينعَّمون.
وقال وكيع: هو بالسماع (٣)، والحِبَار والحَبَر: الأثر، والحُبور: سرورٌ يظهر أثره في الوجه.
وقال أبو بكر بن عياش: أي: يتوَّجون على رؤوسهم (٤)، من قولهم: ذهب حَبْرُه وسَبْرُه؛ أي: هيئتُه (٥) وجماله.
وقال ابن كيسان: أي يزيَّنون ويحلَّون (٦)، والمحبَّر: المزيَّن.
* * *
стр. 5813
(١٦ - ١٧) - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦) فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾: أي: أُحضروا جهنم ليعذَّبوا فيها.
وقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾: أي (١): صلُّوا للَّه، مصدر بمعنى الأمر، كقوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]، والتسبيح: الصلاة؛ قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣]؛ أي: المصلين، وهي رأس الأعمال الصالحة التي ذُكرت في الآية المتقدمة.
﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾: أي: مساءً، وهي صلاة المغرب. وقيل: صلاة المغرب والعشاء.
﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾: أي: صلاة الفجر.
﴿وَعَشِيًّا﴾: هي صلاة العصر ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾: هي صلاة الظهر، وقد (٢) أَظهَرَ؛ أي: دخل في وقت الظهيرة، قال امرؤ القيس:
تُقطِّعُ غِيْطانًا كأنَّ متونَها... إذا أَظْهَرتْ تُكْسَى مُلاءً منشَّرا (٣)
* * *
стр. 5814
(١٨ - ١٩) - ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: وهو المحمود عند جميع خلقه من سكان سماواته وأرضه، يحمدونه على نعمه ويثنون عليه بصفاته.
وقيل: تحمده الملائكة في السماوات والمؤمنون في الأرض.
وقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾: أي: البشَرَ من النطفة، والطيرَ من البيضة، والشجرة من الحبة، والمؤمن من الكافر، والعالم من الجاهل.
قوله تعالى: ﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾: النطفةَ من البشر، والبيضةَ من الطير، والحبَّ من الشجرة، والكافر من المؤمن، والجاهل من العالم.
﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ﴾ الميتة اليابسة (١) ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ بالنبات في الربيع.
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾: أي: يخرجكم اللَّه من قبوركم، دلَّ بها على البعث بعد الموت.
* * *
(٢٠) - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾: عدَّد في هذه الآيات بعضَ الآيات المنبِّهةِ على كمال قدرته، الدالةِ على وحدانيته، المبطِلةِ قولَ مَن أشرك به شيئًا من خليقته، فقال:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾؛ أي: ومن علامات ربوبيته ووحدانيته ﴿أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾؛
стр. 5815
أي: خلق آباءكم؛ كما قال: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢]؛ أي: قتل آباؤكم، ولأن الولد فرعُ الوالد فكان مخلوقًا مما خلق أصله.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾: أي: آدميون عقلاءُ ناطقون تتصرَّفون فيما فيه قِوامُ معاشكم، فلم يكن اللَّه ليخلقكم هكذا عبثًا، بل يتعبَّدكم بشكره ثم يجزي المحسنَ بإحسانه والمسيء على إساءته، فإذا تفرَّد بخلقكم فهو المنفردُ باستحقاق العبادة له.
* * *
(٢١) - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾: أي: نساء تَزْدوِجون (١) معًا ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾؛ أي: لتكون نساؤكم سكَنًا لكم تطمئنون إلى معاشرتهنَّ وقضاء اللذات منهن.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً﴾: أي: في الشباب (٢) وحالَ قيام الشهوة.
﴿وَرَحْمَةً﴾: أي: في حالة الكبر وقِدَم الصحبة يودُّ كلُّ واحدٍ من الزوجين صاحبَه حالَ شبابهما، ويرحمه ويعطف عليه حالَ كبرهما.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾؛ أي: من نطفة الرجال.
وقيل: أي: حواء خلقت من نفس آدم، والأولاد راجعون إلى الأصل.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾: لأنه إذا تفكَّر بالعقل السليم
стр. 5816
تبيَّن (١) له بذلك أنه لم يكن كذلك إلا لقِوام الدنيا بوقوع التناسل فيها إلى الأجل المعلوم، وذلك إنما هو لأن الدنيا دارُ عمل وامتحان، ولا بد بعدها من دارِ حسابٍ وجزاء، وفي ذلك إثباتُ البعث، ويتدرَّج بذلك إلى إثبات الأنبياء والشرائع.
* * *
(٢٢) - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: وكانت العرب مقرِّين بأنَّ اللَّه تعالى هو المنفرد بخلقهما، ومَن قدر على خلقهما على ما فيهما من عجائب الصَّنعة وبدائع الخِلقة لم يُعجزه البدث بعد الموت، ولم يجز أن يشرَك به مَن لا يمكِنه خلقُ مثلهما.
ثم في ذلك دلالة أن لهما صانعًا ومدبِّرًا؛ لِمَا فيهما من آثار الصنعة وعلامات الحدوث، وإذا استحال أن يكون خلَقَهما أحدٌ من البشر، واستحال أن يكونا بأنفسهما من غيرِ صانع، دل على أن لهما خالقًا، وهو حجة على كلِّ ملحد ومشرك.
وقوله تعالى: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾: والألسنة: اللغات والأصوات، والألوان: الصور والهيئات، وذلك أبينُ الدلالات، فإن الأصل واحد وهو التراب والماء، وفي الحال لحم ودم وعظم وعصب وعرق وجلد، وتختلف النغمات واللغات، وتتفاوت الألوان والكيفيات، بحيث لا يُشبه وجهٌ وجهًا على اتحاد الصورة، ولا تُشبه نغمةٌ نغمةً على اتحاد الآلة، فدل ذلك على كمال قدرته ونفاذ مشيئته، وفيه إثبات خلق الأفعال والأقوال.
стр. 5817
والحكمة في إثبات هذا الاختلاف: وقوعُ التعارف، وتميُّز الأشخاص؛ لتَتِمَّ أسباب التعامل في الدنيا.
وقوله تعالى: ﴿فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾: قرأ عاصم في رواية حفصٍ بكسر اللام؛ أي: فيه حجج لقوم يعلمون؛ أي: يرجعون إلى علمِ وإدراكِ حقائق الأمور، ولا يقصُرون همهم على علم الظاهر من الحياة الدنيا، وقرأ الباقون بفتح اللام (١)؛ أي: فيه حُججٌ وأعلام على الحق للخلق كلِّهم جنِّهم وإنسهم، وملائكتهم وشياطينهم؛ لأن (٢) كلًّا منهم متعبَّد.
* * *
(٢٣) - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُون﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾: أي: ومن أعلام (٣) وحدانيته وكمالِ قدرته ومُجازاتِه العبادَ في آخرته: نومُكم الذي هو راحةٌ لأبدانكم، وجمامٌ (٤) من أشغالكم، ليدوم لكم البقاء في الدنيا إلى آجالكم، ﴿بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار﴾ أيضًا على حسَب الحاجة، فإذا تنبَّهتم (٥) من منامكم انتشرتُم لمعاشكم تطلبون من فضل اللَّه، وهو القوتُ وغيره الذي به قِوامُ (٦) الحياة.
стр. 5818
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾: أي: يُصْغون إلى هذا التذكير ويتدبَّرون فيه.
* * *
(٢٤) - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: يعني: أنْ يريَكم، يقول: ومِن أعلامه ما يُنزِّل من المطر من السحاب (١) ليُخرج به النباتَ من الأرض متاعًا لكم ولأنعامكم؛ لحاجتكم إلى ذلك في ظَعْنكم وإقامتكم (٢) ويقدِّم قبل المطر البرقَ بشارةً به، وفيه طمع في الغيث وخوفٌ من الصواعق.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُون﴾: يتفكَّرون بعقولهم في جميع ما ذكرنا من وجوه الدلالة بهذه الآيات (٣).
* * *
(٢٥) - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾: قال الفراء: أي: تدومان قائمتين بأمره بلا عَمَدٍ (٤)، ثابتَتين تمامًا لمنافع الخلق.
стр. 5819
وقيل: ﴿تَقُومَ﴾؛ أي: تقف وتسكن بإقامته.
وقيل: ﴿بِأَمْرِهِ﴾؛ أي: أمرهما اللَّه بذلك، وقيل: أي: بأمره بالعدل، وفي الخبر: بالعدل قامت السماوات والأرض (١).
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾: أي: وهو القادر على أن يُخرجكم من الأرض أحياءً للحساب بعد الموت، لا تمتنعون عليه إذا دعاكم كما لا (٢) تمتنع السماوات والأرض من القيام بأمره.
وقيل: معناه: إذا دعاكم دعوةً وأنتم في الأرض أموات إذا أنتم تخرجون أحياءً، كما يقول الرجل لآخر: دعوتُك من البستان فلم تخرج؛ أي: وأنت في البستان.
وقيل: هو مؤخَّر، وتقديره: إذا أنتم تخرجون من الأرض.
وقيل: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ﴾ توسُّعٌ، ومعناه: إذا أخرجكم؛ لأنَّهم ليسوا هناك بمحلٍّ يُدعون ويُؤمرون ويُنهون.
وقيل: هي النفخة الأخرى، قال تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق: ٤١ - ٤٢].
* * *
(٢٦) - ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾: أي: مطيعون.
قال ابن عباس ﵄: مطيعون في الحياة والنشور والموت، عاصون في العبادة (٣)، ويتصل بقوله: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾.
стр. 5820
وقيل: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾؛ أي: مطيعون بإقرارهم بأنه ربُّهم وخالقهم؛ قاله قتادة (١).
وهذا في مشركي العرب، فأما مَن أنكر الصانع فقُنوته للَّه شهادةُ خلقته على أن اللَّه خلَقه.
وقيل: هو في حق أهل السماء على العموم، وفي حق أهل الأرض على الخصوص.
وقيل: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ يومَ القيامة، فقد ذكره بعد قوله: ﴿إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾.
وقال مقاتل بن حيان: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً﴾ يعني: نفخةَ إسرافيل بالبعث، يقول في الصور: أيتها الأجساد البالية، والعظام النَّخِرة، والعروق المتمزِّقة، واللحوم المتشتِّتة (٢)، قوموا إلى محاسبةِ ربِّ العزة.
* * *
(٢٧) - ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾: أي: هيِّنٌ عليه، أي (٣): يسير. قال الشاعر:
تمنَّى رجالٌ أنْ أموتَ وإنْ أَمُتْ... فتلك سبيل لستُ فيها بأوحَدِ (٤)
стр. 5821
أي: بواحد. وقال الفرزدق:
إن الذي سمَك السماء بنى لنا... بيتًا دعائمُه أعزُّ وأطولُ (١)
أي: عزيزة طويلة.
وقيل: الإعادة أيسرُ من البداية (٢) في تَعارُفكم فيما تبتدِئون فعلَه وتعيدونه.
وقيل: أي: فيما تصوِّرون في أنفسكم من ابتداء الشيء من غيرِ شيء ثم إعادتهِ بعد أن بَلِيَ وتفرَّقت أجزاؤه.
وقيل (٣): أهونُ عليه بما يتوهَّمون؛ كقولك للرجل تريد أن تصف له سهولة الأمر وخفَّته: هو أهونُ عليَّ من ذلك، ثم تحذف (من ذلك).
وقيل: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾؛ أي: على المخلوق من الابتداء؛ لأنَّه في الابتداء يخلقُ (٤) نطفةً ثم علقةً، ثم تمر عليه (٥) التارات، ثم يولد ويكون (٦) طفلًا ثم رضيعًا، ثم بعد الفِطام (٧) غلامًا، ثم شابًّا ثم كهلًا ثم شيخًا، فأما الإعادةُ فإنه يُبعث بشرًا عاقلًا، فهذا أهونُ عليه في المتعارف.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: الوصفُ الأرفعُ؛ قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ (٨) [الرعد: ٣٥]؛ أي: صفتُها.
стр. 5822
قال قتادة: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قول: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له (١).
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: في انتقامه من أعدائه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبيره لخلقه.
* * *
(٢٨) - ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾: أي: بيَّن اللَّه لكم معاشرَ المشركين مَثَلًا من أنفسكم لتقريبِ الأمر من أفهامكم.
﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ﴾: أي: هل لكم معاشرَ الأحرار من عبيدكم شركاء ﴿فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ من الأموال ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾؛ أي: فأنتم معاشرَ المالكين والمملوكين في ذلك الرزقِ سواءٌ يَحكم مماليكُكم في أموالكم كحُكْمِكم ويتصرَّفون فيه تصرُّفَكم.
﴿تَخَافُونَهُمْ﴾: وتخافون أنتم معاشرَ السادة عبيدَكم فيه، فتشفِقون عن (٢) أن تأمروا فيه بأمرٍ دون أمرهم، فلا تُمضون فيه حكمًا دون إمضائهم (٣)؛ خوفًا من لائمةٍ تلحقُكم من جهتهم.
стр. 5823
﴿كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾: أي: كما يخاف بعضُ الأحرارِ بعضًا أن ينفرِد بأمرٍ (١) مشتركٍ بينهم.
وقيل: تخافونهم أن يرثوكم بعد موتكم.
وهو استفهامٌ بمعنى التقرير؛ أي: فإذ لم يكن هذا هكذا فيما بينكم، بل لا يستحقُّ العبد شركةً مع سيده فيما يملكه، فكيف استجَزْتُم هذا المعنى في حقِّ اللَّه تعالى فأشركتُم به عبيده؟ وكيف رضيتُم له بما لا ترضونه لأنفسكم؟ وفي ذلك تسفيهٌ لأحلامهم وتعجيبٌ من فعلهم (٢).
قال قتادة: كما لا يرضى الإنسان أن يكون عبده مشاركًا له في فراشه وزوجه، كذلك لا يرضَى ربُّه أن يُعدَل به أحدٌ من خلقه (٣).
وقال أبو مِجْلَزٍ: تخافونهم في المال أن يقاسموكم إياه كما تخافون الشريك من نظرائكم (٤).
وقيل: معناه: هل تنبسط أيديهم في أموالكم وتخافون منهم إتلافَها كما تنبسط أيديكم فيما تملكون وتخافون من جهتكم إتلافها وإنفاقها.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: أي: كما بيَّنَّا لكم هذا المثلَ وفصَّلنا لكم الحججَ، كذلك نفصِّل الآيات لقوم يرجعون إلى عقلٍ فيتدبَّرون فيها.
стр. 5824
(٢٩) - ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: ﴿بَلِ﴾ لردِّ ما قبله، وتقديره: ليس إصرار هؤلاء المشركين لانقطاع الحجج وتأخُّرِ الإرشاد، بل يتَّبعون ما تميلُ إليهم نفوسهم اتِّباعًا لسلَفهم بغيرِ علمٍ أتاهم من اللَّه، وبغيرِ معرفةٍ منهم بصوابِ ما هم عليه.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾: استفهامٌ بمعنى النفي؛ أي: فلا هاديَ لمن أضله اللَّه.
﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾: جمعَ لأن (مَن) للجنس، فبَدأ بالتوحيد للَفْظه وجمَعَ في آخره لمعناه، ومعناه: فلا مانع لهم من العذاب يوم القيامة كما لا هاديَ لهم في الدنيا.
* * *
(٣٠) - ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾: الخطاب للنبيِّ ﷺ والمعنى لأمته؛ أي: قد بان لكم بطلانُ الشرك بما أوضحنا لكم من الآيات، فلا تلتفتوا إلى أهله وأقيموا وجوهكم للدِّين الحقِّ مستقيمين عليه؛ أي: أقبِلوا بقلوبكم على (١) ذلك، وانحرفوا عن غيره من الأديان؛ كمَن قصد موضعًا يقيم (٢) وجهه إلى سَمْته عالمًا أنه لو انحرف عنه ضلَّ عن مقصده.
стр. 5825
وقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾: أي: خلقةَ اللَّه، نصبٌ على الإغراء؛ أي: الزَموا هذا الدِّين الحقَّ فإنه فطرةُ اللَّه ﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾؛ أي: خلَقها عليها؛ أي: على خلقةٍ تَشهد أن لها صانعًا وتدل على التوحيد.
وقيل: أي: فطر الناس لها، وهو قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، واللام و (على) متعاقبان، يقال: ما على هذا بعثتُك، وما لهذا بعثتُك.
وقوله تعالى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾: أي: لا يتهيَّأ لأحد تبديلُ هذه الخلقة وتغييرُها عن هذه الدلالة بإقامةِ حجةٍ على ضدها، إنما يُورد الناس الشُّبَهَ على الحجج ليستزلُّوا بها الناس، فمَن تأمَّلها بان له بطلانُها.
وقيل: معناه: خلق اللَّه العباد ليأمرهم بالإسلام، فلا يمكنُ تبديل ذلك وجعلُهم بغيرِ ذلك الدِّين.
﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾: أي: المستقيم، وهو ما ذكر: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: ولكن الجهل غالب على كثير من الناس لتقليدهم الأسلافَ وتركِهم التأمُّلَ.
وقيل: أي: ولكنَّ قريشًا (١) لا علم لهم (٢) فلذلك ضلُّوا عن هذا الدين، ولو كانوا علماء لم يَدينوا (٣) بغيره.
* * *
стр. 5826
(٣١) - ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾: أي: أقمْ وجهك للدِّين أنت وأمتُك راجعينَ إلى اللَّه بآمالكم مقبِلين عليه بقلوبكم وأعمالكم، وهو كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]؛ لأن أمر النبيِّ ﵇ أمرٌ لأمته.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوهُ﴾: أي: اتَّقوا اللَّه واحذروه، يعني: مخالفتَه في (١) الأمر والنهي.
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: أي: أديموها لأوقاتها.
﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: أي: اتَّقوه وحده، وأنيبوا إليه وحده، وأقيموا الصلاة له وحده، ولا تكونوا ممن يشرك به غيره في العبادة.
وقيل: هذا يتصل بما قبله: وأقيموا الصلاة ولا تتركوها فشؤمُ تركها قد يفضي إلى الكفر.
قال محمد بنُ أسلمَ الطوسيُّ (٢): بلغني عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَن ترك صلاة متعمِّدًا فقد كفر" (٣)، وكان بلغني عن النبيِّ ﵇ أنه قال: "إذا رُوي لكم عنِّي
стр. 5827
حديث فاعْرِضوه على كتاب اللَّه تعالى، فإنْ وافقَ كتابَ اللَّه فاقبَلوه، وإن خالفه فردُّوه" (١)، فطلبتُ صحةَ الحديث الأول في القرآن ثلاثين سنة حتى وجدتُه في هذه الآية.
* * *
(٣٢) - ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾.
ثم وصف هؤلاء المشركين فقال: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾: أي: عبدوا أصنامًا متفرقةً، كلُّ قوم يعبدون صنمًا غيرَ صنم الآخرِين، واختار قوم اليهودية، وقومٌ النصرانيةَ، وقومٌ المجوسيةَ، وكذا وكذا.
وقرئ: ﴿فارَقوا دينهم﴾ (٢)؛ أي: جانَبوا الدِّين الذي فطرهم اللَّه تعالى عليه وشهدتْ خلقتُهم به، فلمَّا فارقوا دينهم اتَّبعوا الأهواء على غيرِ علمٍ فاختلفوا.
﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾: أي: صاروا فرقًا كلُّ فرقةٍ تشايع (٣) مَن وافَقها على هواها.
وقوله تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾: مسرورون لتوهُّمهم أنهم على حقٍّ وأنَّ مَن خالفه باطلٌ، وليس كذلك بل كلُّهم على باطل.
وقال أبو العالية ومقاتل: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ يعني: أخَذ الميثاق عليهم حين أخرجهم من صُلب أبيهم آدم ﵇ وقال لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] (٤).
стр. 5828
وروى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "كلُّ مولودٍ يولد على الفطرة فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه كما تُنتَجُ البهيمةُ [بهيمةً جمعاء] هل تُحسون فيها من جدعاء؟ " ثم قال أبو هريرة ﵁: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (١).
* * *
(٣٣) - ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾: أي: وإذا أصاب هؤلاء المشركين بلاءٌ من مرض ونحوِه استغاثوا باللَّه في كشفِ ما نزل بهم مقبِلين بالدعاء إليه وحده دون الأصنام؛ لعلمهم أنه لا فرج عندها.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً﴾: أي: ثم إذا أعطاهم من ذلك الضرِّ عافيةً ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾؛ أي: إذًا وجدتَ فريقًا منهم يشركون (٢) به في العبادة.
* * *
(٣٤ - ٣٥) - ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾: أي: يفعلون ذلك ليكونوا كفارًا بما أنعم اللَّه عليهم من كشفِ الضرِّ وإبداله بالعافية فيجحدون ذلك.
стр. 5829
﴿فَتَمَتَّعُوا﴾: أي: يا معاشر المشركين ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقبةَ أمركم من عقوبة اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾؛ أي: ما (١) أنزلنا، استفهامٌ بمعنى النفي، أو قدر هاهنا ألفُ الاستفهام ثم عطف عليه بـ ﴿أَمْ﴾، يقول: أيفعلون هذا بحجةٍ جاءتهم من السماء أنزلناها عليهم فهم لذلك معذورون في الشرك في الرخاء مع إخلاصهم في الشدة؛ أي: فليس كذلك، إنما الشركُ هوًى لا حجة عليه.
والسلطان: الحجة، وذاك قد يكون بكتاب من السماء وقد يكون برسول وقد يكون بغيرهما.
وقوله تعالى: ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾: أي: فهذا السلطانُ يوضِّح عذرَهم في الإشراك باللَّه ويأمرهم بذلك، فإن كان السلطان رسولًا فكلامه حقيقةٌ، وإن كان كتابًا فكلامه ذكر على وجه التوسُّع والمجاز؛ لأنَّه للإبانة كالكلام، قال أبو العتاهية:
وعَظَتْكَ أجداثٌ صُمُتْ... ونَعَتْكَ أزمنةٌ خُفُتْ
وتكلَّمتْ عن أوجهٍ... تَبْلى وعن صورٍ سَبَتْ
وأَرَتْكَ قبرَكَ في القُبو... رِ وأنت حيٌّ لم تَمُتْ (٢)
* * *
(٣٦) - ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾.
стр. 5830
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً﴾: خصبًا وسعة برحمة منا ﴿فَرِحُوا بِهَا﴾؛ أي: أظهروا بها سرورًا.
﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾: أي: أمرٌ يَسُوءهم من قحطٍ ومجاعة ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾؛ أي: بسبب معاصيهم، وقيد باليد لأن أكثر العمل وأظهرَه باليدين.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾: أي: وجدتَهم يجزعون فعلَ الذين عن رحمة اللَّه ييأسون، ولم تدخل الفاء في قوله: ﴿إِذَا هُمْ﴾ لِمَا قلنا: إنَّ تقديره: وجدتَهم، وإذا كان الجواب بالفعل لم يَحتجْ إلى الفاء.
* * *
(٣٧) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾: أي: قد رأى هؤلاء أن اللَّه يوسِّع الرزقَ ابتداءً ﴿لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾؛ أي: يضيِّق، فليس يجب أن يدعوَهم التضييق في الرزق إلى القنوط من رحمة اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: أي: لعلاماتٍ لأهل الإيمان على أن التضييق في الرزق والتوسعةَ فيه على ما سبق من علمه وإرادته.
* * *
(٣٨) - ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ﴾: أي: فأعطِ قريبك حقَّه من البِرِّ والصلة والمواساة، وأعطِ الفقير والغريب حقوقَهم، فليس فقرُهم وغناك إلا لأن اللَّه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر؛ أي: وليس فقرُ الفقير لهوانه على اللَّه ولا
стр. 5831
غنَى الغنيِّ لكرامته على اللَّه، لكن امتحَن عباده بالفقر والغنى، وآتِهم حقوقَهم من مال اللَّه (١) قِبَلك (٢)، فإنه وإن كان فتَّر عليهم فقد (٣) أوجب مقدارَ كفايتهم عليك.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾: وهو إيتاءُ هؤلاء حقوقهم ﴿خَيْرٌ﴾ لك من بُخلك بمالك.
﴿لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾: أي: يطلبون به التقرُّب إلى اللَّه ونيلَ ثوابه.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: أي: الفائزون ببقاء الأبد ودَركِ الطلب.
* * *
(٣٩) - ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي: وما أعطيتُم أحدًا من شيء طلبَ الازدياد به لتَزيدوا من أموالهم في أموالكم -وهو أن يكون العطاء طلبًا للمكافأة في الدنيا والاستكثار- فإنه لا يزداد عند اللَّه؛ أي: لا يضاعَف لكم أجره؛ لأنكم قد نلتُم أجرَ ذلك في الدنيا بإعطائكم إياه، فلا مكافأة لكم عند اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ﴾: أي: وما أَعطيتم من شيء تلتمِسون به الطُّهرة من الذنوب، والجزاءَ في الآخرة لا في الدنيا، وهو قوله: ﴿تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾؛ أي: التقرُّبَ إلى اللَّه.
стр. 5832
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾: أي: الواجدون الضِّعفَ؛ أي: الإضعافَ بالواحدة العشرةَ إلى سبعِ مئةِ ضعفٍ.
وقال ابن عباس ﵄: هي هبةُ الرجل يَهَب الشيءَ يريد أن يثاب أفضلَ منه، فذلك الذي لا يربو عند اللَّه؛ أي: لا يؤجَرُ فيه صاحبه ولا إثم عليه، قوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ﴾ قال: هي (١) الصدقة ﴿تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (٢).
* * *
(٤٠) - ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾: رجع الكلام إلى محاجَّة المشركين، يقول: هذه قدرة اللَّه لا يُعجزه شيء، فهو الخالق وحده والرازق وحده والمميت وحده والمحيي وحده.
وقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾: أي: هل ممن جعلتُموهم شركاء للَّه مَن يفعل شيئًا من ذلك؛ أي: فإذا كانوا لا يفعلون شيئًا من ذلك فكيف أشركتموهم بي؟
وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: أي: تقدَّس اللَّه وتنزَّه عن أن يكون له شريك، وهو أمر بتنزيهه سبحانه.
* * *
стр. 5833
(٤١) - ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: قال الفراء: أي: أجدبَ البرُّ وانقطعت مادةُ البحر بذنوبهم، كل ذلك ليذوقوا الشدةَ بذنوبهم في العاجل (١).
ويتصل هذا بقوله تعالى: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ وبقوله: ﴿ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾، وضِيقُ الرزق بشؤم المعصية، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ الآية [الأعراف: ١٣٠]، وسعةُ الرزق بالإيمان والطاعة؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]، وعلى هذا الفسادُ بمعنى عقوبة الفساد؛ كجزاء السيئة يُسمى سيئةً.
وقيل: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ﴾؛ أي: غلب أهلُ الفساد؛ كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]؛ أي: أهلَ القرية ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أ﴾ [الأعراف: ٤]؛ أي: أهلِ قرية، ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾؛ أي: بسبب معاصي الناس، وهو كقول النبي ﷺ : "إذا غضب اللَّه على قومٍ سلَّط اللَّه عليهم شرارَهم في البر والبحر" (٢).
قيل: هما على ظاهرهما؛ البرُّ: المفازة، والبحر: موضع (٣) الماء الكثير.
وقال مجاهد: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾: ما في البر فهو قتلُ ابنِ آدم أخاه، وما في البحر فهو جُلندَى الملك الذي كان يأخذ كل سفينة غصبًا (٤).
стр. 5834
وقيل: البرُّ بلادٌ ليس فيها (١) ماءٌ جارٍ، والبحر بلاد فيها ماء جارٍ (٢).
وقوله تعالى: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾؛ أي: يعاقبهم في الدنيا على بعض (٣) ما عملوا فيها من انتهاك المحارم، وكمالُ الجزاء يكون في الدار الآخرة.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾؛ أي: ليرجع مَن سوى هؤلاء المعذَّبين اتِّعاظًا بمن عذِّب مِن جنسهم.
وقيل: أي: ﴿ظَهَرَ﴾ أثرُ الفساد وهو عقوبةُ أهل الفساد ﴿فِي الْبَرِّ﴾ بإهلاك القرى ﴿وَالْبَحْرِ﴾ بتغريق فرعون وقومه، ولذلك قال بعده:
* * *
(٤٣ - ٤٤) - ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾.
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾: أي: قل لأهل مكة: سافروا فانظروا في بلاد عادٍ وثمودَ وقومِ لوطٍ ونحوها كيف أهلكناهم وخرَّبنا ديارهم.
وقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾: يقول: قد بلغ الإعذار مبلغَه فلا تهتمَّنَّ بإعراض هؤلاء واقصِدْ أنت الطريقَ الذي يُسلك بك إلى الدِّين المستقيم، وهو ما تقدم ذكره: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾.
стр. 5835
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾: أي: لا يردُّه اللَّه وإذا لم يردَّه هو لم يستطِعْ أحدٌ ردَّه، فهو آت لا محالةَ وهو يوم القيامة فاستعِدُّوا له.
﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾: أي: يتفرَّقون، وأصله: يتصدَّعون، وهو كقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ الآية [الزلزلة: ٦] وبيَّنه هاهنا أيضًا فقال:
* * *
(٤٤ - ٤٥) - ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾: أي: ضررُ كفره وعقوبةُ كفره في دار الجزاء.
﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾: أي: يوطِّئون مقارَّ (١) أنفسهم في القبور، وقيل (٢): في الجنة.
وقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ﴾: متصلٌ بقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ. . . لِيَجْزِيَ﴾؛ كما قال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦] يقول: إنهم يتفرقون في المنازل ليتميَّز الكافر من المؤمن ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ باللَّه وحده ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ له وحده ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ أي: بفضله.
﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾: فيسويهم بالمؤمنين، بل يُبغضهم فيميِّز بينهم ويبنهم، فيعاقب الكافرين عذابًا غيرَ منقطعٍ وذلك عدل منه، ويثيب المؤمنين ثوابًا غيرَ منقطعٍ وذلك فضل منه.
* * *
стр. 5836
(٤٦) - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: ثم عاد الكلام إلى ذكر الآيات، يقول: ومن الأعلام الدالة على قدرته إرسالُ الرياح ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾؛ أي: بالمطر لأنها تتقدمه وتُطمع فيه على العادة، يُرسلها ليبشِّر بها ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾؛ أي: يرزقكم من نعمته التي يرحمُكم بها ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ﴾ في البحار ﴿بِأَمْرِهِ﴾ بهذه الرياح، ولتطلبوا ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ بالتجارة في البحار والجهادِ فيها واصَلَ لكم هذه النعمة لتشكروا له عليها فتستحِقُّوا نِعَم الآخرة بشكركم على نعم الدنيا، وإذا كان فعَل ذلك ليستأديَهم شكرَه فلا بد من التمييز بين مَن أطاعه بذلك وبين مَن عصاه، وإذا لم يميز في الدنيا وقع ذلك في دار الآخرة (١)، وفي ذلك إثباتُ البعث.
* * *
(٤٧) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾: للدعاء إلى الإيمان وشكر النعم.
﴿فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بالحجج الواضحات، فآمن بهم البعضُ وكفر بهم البعض.
وقوله تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾: أي: كفروا، بالإهلاك في الدنيا.
﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: ونصَرْنا المؤمنين بهم، فأنجيناهم من
стр. 5837
العذاب ومنعناهم من الكفار إذ كنا وعدناهم ذلك، وكان حقًّا علينا بوعدنا الذي لا خُلف فيه أن ننصرَ المؤمنين، فعَلْنا ذلك بالأوَّلين وكذلك نفعلُ بالآخِرين، وفيه تسليةٌ للنبيِّ ﷺ والمؤمنين.
* * *
(٤٨) - ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾: عاد الكلام إلى ذكر آياته بقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ فيبعث الرياح سحابًا؛ أي: فينشأ عند مجيء الريحِ السحابُ، أضاف الفعلَ إليها بطريق التسبيب (١).
وقوله تعالى: ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾: أي: يبسطه اللَّه في السماء في أيِّ موضع يشاء، وعلى أيِّ قَدْرٍ يشاء، فيكون المطر في ذلك الموضعِ على ذلك القَدْر.
وقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾: أي: ويجعل اللَّه السحابَ قطعًا يركَب بعضُه على بعضٍ حتى يَكْثف.
قرأ ابن عامر: ﴿كِسَفًا﴾ (٢) ساكن السين، وقرأ الباقون بفتحها (٣)، والواحدة: كِسْفةٌ، والجمع: كِسَف، بفتح السين وتسكينها.
стр. 5838
وقوله تعالى: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾: أي: المطرَ ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾؛ أي: وسطِ السحاب مع كثافتة وغلظته.
وقيل: فيبسطه في السماء مرةً ويجعلُه كسَفًا مرة؛ أي: يجعله منبسطًا يأخذُ وجهَ السماء مرةً، ويجعله قطعًا متفرقةً غيرَ منبسطةٍ مرةً.
وقيل: فيه تقديم وتأخير: يجعله كسفًا -أي: قطعًا متراكمةً- ثم يبسطه في السماء كيف يشاء.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾: أي: فإذا أصاب بالودق مَن يشاء من عباده أن يصيبه به استبشروا (١) به؛ أي: فرحوا فرحًا يظهر ذلك في بشرات وجوههم طمعًا في الخصب، ثم مع هذا الموقع إنهم (٢) يشركون به غيره ممن لا يقدر على ذلك.
* * *
(٤٩ - ٥٠) - ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾: أي: وما كانوا من قبلِ أن ينزَّل عليهم الودَقُ من قبلِ ظهور السحاب إلا مُكتئبين (٣) باحتباسه عنهم اكتئابَ الآيس من الشيء، حتى يظهرُ ذلك في وجوههم.
وقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾: قرأ حمزة والكسائي وعاصم في
стр. 5839
رواية حفص (١): ﴿إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ على الجمع (٢)، وقرأ الباقون: ﴿إِلَى أَثَرِ﴾ على التوحيد، والمعنى واحد؛ لأن المراد: ما (٣) أثَّر المطر، وهو يؤدي معنى الجمع، فانظر إلى آثار رحمة اللَّه.
﴿كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: أي: فانظروا بعقولكم إلى ما أثَّره المطر من إنبات العشب (٤) وأصناف النبات كيف أحييتُ الأرض بذلك بعد أن كانت ميتة؛ أي: كيف اهتزَّت بعد أن كانت هامدةً، فاستدِلُّوا بذلك على أن الذي قدر على إحيائها يقدر على إحياء الموتى أيضًا لأنه قادرٌ على كل شيء.
* * *
(٥١) - ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾: أي: ولئن أرسلنا ريحًا على ذلك مُفسدةً، فرأوا ما أثَّر المطر من الزرع قد اصفرَّ بتلك الريح المفسِدة، لظلُّوا من بعد استبشارهم يكفرون بربهم، وهو تعجيبٌ من جهلهم وخفَّةِ عقولهم في عبادتهم للَّه تعالى على شكٍّ؛ كما قال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ الآية [الحج: ١١].
وقيل: كانوا إذا استبطؤوا المطر سألوا اللَّه، فإذا حُبس عنهم كفروا باللَّه تعالى.
стр. 5840
(٥٢ - ٥٣) - ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾: يقول بعدما أقام الحجج وامتنع المشركون عن الإيمان: فإنك يا محمد لا يمكنك أن تُسمع مَن لا روح فيه من الأموات، وهؤلاء الكفار بمنزلةِ الأموات كما قال تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل: ٢١]، ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ [النمل: ٨٠]؛ أي: ولا يتهيأ لك إسماعُ الصم ما تدعوهم إليه إذا أعرضوا عنك وتباعَدوا عن السمع منك، وهؤلاء الكفار كذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾: أي: ولا يتهيَّأ لك يا محمد أن تهدي الأعمى إلى طريقٍ قد ضلَّ عنه بإشارةٍ منك له إليه مع ذهاب بصره.
﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾: أي: ما يَسمع مواعظَ اللَّه إلا المؤمنون الذين فتح اللَّه تعالى على (١) أسماعهم المصدِّقون بآيات اللَّه.
﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾: أي: خاضعون منقادون لأحكام اللَّه.
* * *
(٥٤) - ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾: قرأ عاصم وحمزة بفتح (٢) الضاد في جميعهن، والباقون بالضم،
стр. 5841
وهو اختيار خلف وحفص (١)، وعن عاصم (٢) في رواية ضمُّ الأُوليين وفتح الثالثة (٣).
وقيل: الضُّعف بالضم: ما كان أصلًا وبالفتح ما كان عارضًا (٤).
يقول: اللَّه الذي خلقكم من نطفةٍ ضعيفةٍ كما قال تعالى: ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨].
وقيل: أي: ﴿خَلَقَكُمْ﴾ على صفةِ (٥) ﴿ضَعْفٍ﴾ في الأوَّل وهي حالة الصغر والطفولية، ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾؛ أي: حالةَ الشباب وبلوغِ الأشُدِّ، ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ وهي حالة الهرم، وقوله تعالى: ﴿وَشَيْبَةً﴾؛ أي: بياضَ شعر، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ [يس: ٦٨] فيعود في ضعفه وانقطاعه عن التصرُّف إلى مثل (٦) ما كان عليه في حال طفوليته، فمَن قدِر على هذا (٧) قدِر على إحياء الموتى، وكما يَردُّ الحيَّ في آخر حياته إلى أولِ (٨) خلقه فغيرُ بعيدٍ أن يردَّه بعد موته إلى ما كان عليه في أول أمره.
стр. 5842
وقوله تعالى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾: من صِغَرٍ وكِبَرٍ، وضَعفٍ وقوةٍ، وشبابٍ وشَيبة ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ﴾ بمصالح خلقه وبلوغِ مَن بلغ منهم الشبابَ والكهولةَ والهرمَ ومَن انقطع منهم قبل ذلك، والعليم بوقت البعث ﴿الْقَدِيرُ﴾ على كل شيء.
* * *
(٥٥) - ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾: أي: يحلف هؤلاء المشركون المنكرون للبعث أنهم ما لبثوا في الدينا إلا ساعةً من نهار.
وقيل: أي: ما لبثوا في قبورهم إلا ساعة؛ أي: يستقلُّون مدةَ كونهم في القبور أو كونهم في الدنيا؛ لهول يوم القيامة وطولِ مقامهم في الآخرة وشدةِ العذاب فيها.
قال الإمام أبو منصور ﵀: يقولون: لم نلبث في الدنيا إلا ساعةً كيف عملنا فيها المعاصيَ؟! وهذا إنكارٌ منهم للذنوب (١).
﴿كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾: أي: يُصْرَفون في الدنيا عن الصِّدق إلى الكذب، وكانوا يحلفون على الكذب ويقولون: ما هي إلا حياتُنا الدنيا، ولا بعثَ ولا حسابَ ولا جزاء، فكذلك قالوا في الآخرة: ما لبثنا في الدنيا -أو: في قبورنا- إلا ساعة.
وقيل: أقسموا عليه لأنه كان عندهم كذلك، وكانوا عند أنفسهم صادقين، وذلك أنهم في الآخرة لا يتعمَّدون الكذب، ومعنى قوله: ﴿كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾؛ أي: يُصْرَفون عن الصواب فيقولون يوم القيامة ما لا يعلمون كما كانوا يقولون في الدنيا ما لا يعلمون، والتشبيه من هذا الوجه لا في تعمُّد الكذب.
* * *
стр. 5843
(٥٦) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾: أي: قال المؤمنون بالبعث العالمون به للكفار: لقد لبثتُم إلى يوم البعث كما أخبر اللَّه تعالى في كتابه بقوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] فقد لبثتُم مدةً طويلة إلى أن حضَر يومُ البعث ﴿فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ كما أخبر اللَّه تعالى ﴿وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾: أي: لا تَرجعون إلى العلم ولا تتدبَّرون فكنتُم تُكذِّبون بالبعث كذلك.
وقيل: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾؛ أي: في حُكم اللَّه.
* * *
(٥٧ - ٥٨) - ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧) وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: أي: كفرُوا ﴿مَعْذِرَتُهُمْ﴾: أي: عذرُهم.
﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾: أي: لا يُطلب منهم الإعتابُ وهو الإرضاء؛ لأنَّه لا يُقبل فلا يطلب (١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾: أي: في التنبيه (٢) على التوحيد وعلى البعث وغير ذلك.
стр. 5844
﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ﴾: أي: بمعجزةٍ، أو آيةٍ من القرآن ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾: آتون بالباطل، لا يزيدون على الدعوى بعد إقامة البرهان منكم.
* * *
(٥٩ - ٦٠) - ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾.
﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: فسَّرنا الطبع والختم في أول سورة البقرة، ومعناها هاهنا: كذلك يخذل اللَّه الذين لم ينظروا في أسباب العلم فلم يعلموا، وهذا في حق مَن علم اللَّه منهم اختيارَ الضلال، ودل ذلك على خلقِ الأفعال.
وقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: أي: ﴿فَاصْبِرْ﴾ على أذاهم ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بنصرك ﴿حَقٌّ﴾.
﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾: أي: ولا يَحملنَّك هؤلاء الذين لا يوقنون بالآخرة على الخفَّة والعجلة في الدعاء عليهم بالعذاب.
وقيل: أي: ولا يستفزَّنَّك هؤلاء ولا يُغضبُنَّك فتمتنعَ عن تبليغ الرسالة لذلك.
والحمدُ للَّه علَّامِ الغيوب، الذي ستَر علينا قبائحَ الذنوب، وأَسْبَلَ علينا ذيلَ فضله، ولم يفضحنا بين خلقِه، بسبب المعاصي والعيوب (١).
* * *
стр. 5845
سورة لقمان
стр. 5846
سورة لقمان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بسم الذي آتى لقمان الحكمة، الرحمنِ الذي أسبغَ علينا النعمة، الرحيمِ الذي ينزل الغيث ويكشفُ الغمة.
وروَى أبي بن كعب ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة لقمان كان لقمانُ له يومَ القيامة رفيقًا، وأُعطي عشرَ حسنات بعددِ مَن عمِل بالمعروف ونهى عن المنكر" (١).
وهذه السورةُ مكية إلا آيتينِ نزلتا بالمدينة: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ إلى قوله: ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.
وهي ثلاث وثلاثون آية، وكلماتها خمسُ مئة وسبعٌ وأربعون، وحروفُها ألفان ومئة وعشرون حرفًا (٢).
وانتظام أول هذه السورة بآخر تلك السورة: أنَّ ختمَ تلك بذمِّ الكفار لأنهم لا يوقنون وافتتاح هذه السورة بمدحِ المؤمنين أنهم بالآخرة هم (٣) يوقنون.
стр. 5847
وانتظام السورتين: أنهما مكيتان، وكلُّ واحدةٍ منهما في بيانِ وحدانية اللَّه وبيانِ حقِّيَّة الكتاب والرسولِ، ومدحِ المؤمنين وبيانِ حُسن عاقبتهم، وذمِّ الكافرين وبيانِ سوءِ خاتمتهم.
* * *
(١ - ٢) - ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الم﴾: قد بينَّا الأقاويل فيه.
﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾: أي: هذه آياتُ القرآن المحكَم، من قوله تعالى: ﴿أُحْكِمَتْ﴾ [هود: ١].
وقيل: أي: ذي الحكمة.
وقيل: أي: الحاكمِ، ومعناه: أنَّ فيه بيانَ الأحكام.
* * *
(٣ - ٤) - ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾: قرأ حمزة بالرفع على الاستئناف؛ أي: هو هدًى ورحمةٌ، وقرأ الباقون بالنصب على القطع (١)؛ لأنَّه نكرة جُعل نعتًا للمعرفة، ومعناه: هذه الآيات يُهتدَى بها إلى سبيل (٢) الحق، ورحِم اللَّه بها عباده بأنْ أودعها ما بهم إليه حاجةٌ في دينهم ومصالح دنياهم، فصاروا بذلك محسنين؛ أي: يُحسنون العمل للَّه تعالى، وخصَّهم بالإضافة لاختصاصهم بالانتفاع بها.
стр. 5848
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾: صفات المحسنين.
* * *
(٥ - ٦) - ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.
﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: وعدٌ لهم؛ أي: هم على الرشاد في الدنيا ولهم الفوزُ في العقبى.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾: أي: ومن الناس مَن يختارُ على هذا الكتاب الذي مرت صفتُه ومدحُ متَّبعيه ووعدُهم عليه في الدارين (١) حديثًا يُلهيه؛ أي: يَلِذُّه في غير دينه، كأحاديثِ ملوك فارسَ والروم، فيقطع الزمانَ بمثله ويدعو نظراءَه إلى التلهِّي به.
وقوله تعالى: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: عن دِينه الحقِّ.
وقيل: سبيلُ اللَّه ها هنا هو القرآن وذكرُ اللَّه، وهذا عن ابن عباس ﵄ (٢).
﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: أي: جهلًا منه وقلةَ تمييز بين ما يُفيد نفعًا في مصالح الدارين وبين ما يفيد وِزرًا وخُسرانًا (٣) في الدارين.
وقيل: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾؛ أي: جهلًا منه بما عليه من الوزر به في الآخرة.
стр. 5849
وقيل: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ صفة المفعول بالإضلال؛ أي: يضلُّ به مَن قلده توهُّمًا أنه على علم.
وقوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾: عطف على ﴿لِيُضِلَّ﴾؛ أي: وليتَّخذ سبيلَ اللَّه هُزوًا؛ أي: سخريةً يسخر منه وممن اعتقده، ويقول: هؤلاء يضيِّعون أيامهم، ويتحمَّلون أثقالَ شرائعَ على أمرٍ (١) مظنونٍ مشكوك فيه، لا ثمرة له على نَصَبه.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾: أي: هذه الطائفةُ لهم السبي والقتل في الدنيا.
وقيل: لهم العذاب المذِلُّ المخزي في الآخرة.
* * *
(٧) - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا﴾: أي: القرآنُ ﴿وَلَّى﴾؛ أي: أعرضَ (٢) عن الاستماع إليه.
﴿مُسْتَكْبِرًا﴾؛ أي: متعظِّمًا مترفِّعًا عن استماعه واتِّباعه.
﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾: أي: يعرض عنها كإعراضِ مَن لم يسمعها.
﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾: وكإعراض مَن في أذنيه ثقلٌ أو (٣) صمم.
стр. 5850
وقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١): أي: وجيع، وجَمع في ختم الآيتين (٢) لأنه من جنسٍ أُريد به الجمع، فوحَّد في الابتداء للَفظه وجمعَ في الآخر لمعناه.
وقيل: المراد بالبشرى هو البشرى المعروف.
وقيل: المذكور في الآيتين هو النضر بن الحارث بن علقمة من بني عبد الدار، وهو الذي قُتل ببدر، وكان يتَّجر ويخرج إلى فارس، فيرجعُ بكتب الأعاجم ويقول لقريش: إن محمدًا يحدِّثكم بحديث عاد وثمود فأنا أحدثكم بحديث كسرى وبهرام (٣).
وقال مقاتل: كان يحدث قريشًا بحديث رستم وإسفنديار وكانوا يستملحون حديثه فيصدُّهم بذلك عن النبي ﷺ (٤).
وقيل: اللهو في هذه الآية: الغناءُ وما يتصل به من الملاهي، وكان منهم مَن يشتري القَينةَ تُلهيه وتغنِّيه، فيقطعُ بذلك أيامه ويُحسن الاستماع (٥) إليه، ويستكبر عن استماع مواعظ اللَّه تعالى، وهو قول ابن عباس ومجاهد (٦).
وروى أبو أمامة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يحلُّ بيعُ المغنيات ولا التجارةُ فيهن، وثمنهنَّ حرام، وإنما أنزلت هذه الآية في هذا ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي