وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾: أي: ليعاقبَهم من غيرِ ذنبٍ ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بالمعاصي المنزلةِ بهم الهلاك.
* * *
(٤١) - ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾: أي: مَثَلُ مَن أشركَ باللَّه الأوثانَ وتولَّاها في ضَعْف احتيالهم وسوءِ اختيارهم كمثَل العنكبوت حيث ابتنَتْ لنفسها (١) بيتًا، وإن ذلك البيت لا يكنُّ من حرٍّ ولا بردٍ، ولا يَقي ما تقي البيوتُ، فكذلك أوثانُ هؤلاء لا تنفعُهم ولا تغني عنهم في الدارين.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: أي: واعتمادُهم على الأوثان أضعفُ شيء لو كانوا يرجعون إلى علمٍ.
والعنكبوت مؤنَّثةٌ في الآية، وقد ذكرها بعض الشعراء فقال:
على هَطَّالهم منهم بيوتٌ... كأنَّ العنكبوتَ هو ابْتَناها (٢)
* * *
(٤٢ - ٤٣) - ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾: قرأ أبو عمرو
стр. 5778
وعاصم في رواية (١) بياء المغايبة، والباقون بتاء الخطاب (٢)؛ أي: إن اللَّه يعلم ما يعبدون من دونه من صنمٍ أو ملَكٍ أو جنٍّ أو شيطان.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: المنيع الذي لا شريك له ﴿الْحَكِيمُ﴾: في ترك المعاجلة بالعقوبة.
وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾: أي: هذا المثلُ وسائر الأمثال نبيِّنها للناس ونذكِّر (٣).
﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾: أي: وما يفهمها ويعرف حقائقها إلا أولو العلم الذين يضعون الأشياء مواضعها، فأما مَن ألِفَ الجهل وترَك التدبُّر فما يَنتفِع بها انتفاعَ مَن يَعقِل.
فإن قيل: لِمَ لمْ يقل وما يعلمها إلا العاقلون، والعقل يسبق العلم؟
قلنا: لأن العقل آلةٌ يُستدرك بها معاني الأشياء بالتأمُّل فيها، ولا يمكن التأمُّل فيها والوصول إليها بطريقها إلا بالعلم، ودلَّت الآية على فضل العلم على العقل، ولا عالم منَّا إلا وهو عاقل وأما العاقل فقد يكون غير عالم.
* * *
(٤٤ - ٤٥) - ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤) اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾.
وقوله: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾: أي: لم يخلقها باطلًا ولا جُزافًا، بل بحكمةٍ بالغةٍ وهو الامتحان، ثم ذلك يقتضي دارًا أخرى للحساب والجزاء على الأعمال.
стр. 5779
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾: أي: لدلالةً على قدرة اللَّه تعالى وربوبيَّته وحكمته.
﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: والدلالةُ للكل، لكن انتفَع بها المؤمنون فأُضيفت إليهم.
وقيل: ﴿لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: لحجةً للمؤمنين على الكافرين في التوحيد والإسلام.
وقوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾: تقرُّبًا إلى اللَّه تعالى بقراءةِ كلامه، ولتَقفَ على ما أمر اللَّه تعالى به ونهى عنه فيه (١)، وعلى ما يعامَلُ به الكفار.
وقيل: أي: اتلُ على الكفار وأنذرهم به وادعُهم إليه.
وقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾: أي: إذا فرغْتَ من إنذارهم به.
وقيل: دُمْ على تلاوة الكتاب وإقامةِ الصلوات.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾: أي: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ﴾ تشتمِل على قراءة القرآن، وفيه الوعظُ والوعيد والوعد، وذلك مانعٌ (٢) ﴿عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾؛ أي: الفعلةِ القبيحة ﴿وَالْمُنْكَرِ﴾؛ أي: ما يُنكره العقل والشرع.
والنهيُ يكون بالقول، ولكن هذا مجازٌ عن المنع، ولأن الصلاة تشغلُ المصلي عن ذلك كلِّه، فإن المصليَ يناجي ربه فإذا أراد أن يعطيَ الصلاة حقَّها وجب عليه أن يُقبلَ عليه بقلبه ويُشعرَ قلبه الخشيةَ للَّه والمراقبةَ له، وذلك يمنعه عن المعاصي بعدها.
قال أبو هريرة ﵁: قيل للنبي ﷺ : إن فلانًا يصلي الليلَ كلَّه فإذا أصبح سرق، قال: "سينهاه ما تقول" (٣).
стр. 5780
وقال أبو عون (١): ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى﴾ قال: إذا كنتَ في صلاةٍ فأنت في معروفٍ وطاعةٍ وقد حجزَتْك عن الفحشاء والمنكر (٢).
قال ابن عباس ﵄: إقامةُ الصلاة: إتمام وضوئها وقيامها وركوعها وسجودها وقراءتها، ومراعاةُ السُّنن فيها (٣)، فمَن كان هكذا مواظبًا على هذا يرجو ثوابَها نهتْه ﴿عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾: الزنا والقبيح من الأعمال ﴿و﴾ عن ﴿المنكرِ﴾: البغي والظلم.
وقال ابن مسعود ﵁: قال النبي ﷺ : "لا صلاة لمن لم يُطِع الصلاة، ومَن انتهى عن الفحشاء والمنكر فقد أطاع الصلاة" (٤).
قال أبو هريرة ﵁: أيما (٥) صلاة لا تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر لم تزده من اللَّه إلا بعدًا (٦).
стр. 5781
وقال بعض أهل المعرفة: معناه: إن الصلاة الخالصة للَّه تنهَى عن الرياء والعُجب.
وقوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾: قيل: ولذكرُ اللَّه ﷻ بتلاوةِ القرآن والأذكار في الصلاة أكبرُ من كلِّ شيء.
وقيل: ولذكر اللَّه في الصلاة بالقرآن أفضلُ من ذكره بغيره.
وقال ابن عباس ﵄: هو قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ ولذكر اللَّه إياكم أكبر من ذكركم إياه (١).
وقال عبد اللَّه بن ربيعة: قال لي ابن عباس: أرأيتَ قول اللَّه: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ فقلت: ذكر اللَّه بالقرآن وبالصلاة وبالتسبيح وبالتكبير حسن، وأفضل من ذلك كلِّه إذا ذكر الرجل ربه عند المعصية فانحجز عنها، قال: لقد قلتَ قولًا عجبًا، وما هو كما قلتَ، ولكن ذكرُ اللَّه إياكم أكبر من ذكركم إياه (٢).
وقيل: يتصل هذا بقوله: ﴿تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾؛ أي: ولذكر اللَّه بقلبه عند الهم بالفحشاء والمنكر، والكفُّ عن ذلك أكبرُ من كل عمل.
وقيل: ولذكر اللَّه في الصلاة أكبر من أفعالها.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾: أي: ما تعملون من الصلاة وغير ذلك،
стр. 5782
والتعظيم فيها وترك التعظيم، وهو حثٌّ على الطاعات والإخلاصِ فيها ونهيٌ عن المعاصي والرياء في الصلاة (١).
* * *
(٤٦) - ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: أمره بمحاجَّة المشركين بما مرَّ، وبمجادلة أهل الكتاب بالأحسن (٢)، فقال: ولا تخاصموا أهل الكتاب في الدِّين إلا بالجهة التي هي أحسنُ من غيرها، وهو الدعاء إلى اللَّه تعالى بآياته والتنبيهِ على حججه، على سبيل النصح والرفق وتصويرِ الحق بأحسن الصور على وجهٍ يُرجى به ميلُهم إلى الإسلام.
وقال ابن عباس ﵄: نزلت الآية في وفد نجران: السيدِ والعاقب وذريتِهم (٣)، وقد ذكرنا ذلك في سورة آل عمران (٤).
قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾: أي: الذين أصرُّوا على كفرهم وامتنعوا من إعطاء الجزية، فجادلوهم بالسيف -وهو الجدالُ بغيرِ الأحسن- حتى يُسْلموا أو يعطوا الجزية.
وقيل (٥): يحتاج هؤلاء إلى المغالظة والتشديد، فيكون جدالًا بغير الأحسن.
стр. 5783
وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾: وهو القرآن ﴿وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾: وهو التوراة والإنجيل، وهو بيان مجادلةِ الأحسن؛ أي: قولوا لهم: كتابكم حكَمٌ بيننا وبينكم ككتابنا حكَمٌ علينا، وقد آمنا بالكتابين.
وقوله: ﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: منقادون، فقد اتَّفقنا على اللَّه (١) الذي يستحق أن يُعبد ويطاع، وعلى الكتاب الذي أُنزل إليكم، فقد رضينا بحكمه كرضانا بحكم كتابنا، فلم يبق إلا الرجوع إلى قصة (٢) الكتاب، فهلموا نرجعْ إليه فيما اختلفنا من نبوة نبينا محمدٍ ﷺ ، وهو موصوف في كتابكم بصفاتٍ لا توجد إلا في محمد ﵇، فما بقي بعد هذا إلا العِنادُ، والمجادلةُ على هذا الوجه مجادلةٌ بالأحسن.
وقيل: معناه: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ إلا بالجميل ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾: إلا مَن ظلم رجلًا بحق له قِبَله فأنه يؤخَذُ بذلك الحق ولو بالإغلاظ (٣) له في القول.
وقيل: معناه ما روي في الخبر عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا حدَّثكم أهل الكتاب عن كتابهم فلا تصدِّقوهم ولا تكذِّبوهم، وقولوا: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ " (٤).
* * *
(٤٧) - ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾.
стр. 5784
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾: أي: وكما أنزلنا الكتب على الأنبياء المتقدمين فكذلك أنزلنا إليك القرآن وأمرناك أن تحاجَّهم به.
﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾: أي: والذين آتيناهم الكتاب من قبلك من بني إسرائيل يؤمنون بهذا الكتاب؛ لإيمانهم بالأنبياء الذين بشَّروهم بك وبأمَّتك والكتابِ المنزلِ عليك.
﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾: أي: ومن أهل عصرك مِن بني إسرائيل مَن يؤمن به؛ كعبد اللَّه بن سلَام وأصحابِه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا﴾: أي: القرآنِ ﴿إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ باللَّه وكتبه، فلا يَضيقنَّ صدرُك بكفر هؤلاء، فقد آمَن بك وبكتابك أولئك.
* * *
(٤٨) - ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾.
قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ﴾: يدل على صحة كتابه ويقول: وما كنتَ تقرأ مِن قبل هذا الكتاب المنزل عليك كتابًا من الكتب المتقدمة فتكونَ قد وقفتَ بذلك على قصص الأولين.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾: أي: وكنتَ لا تكتب كتابًا بيمينك (١) فتكونَ قد وجدتَ كتابًا من الكتب المتقدِّمة فنظرتَ فيه وحفظتَ القصص منه، بل كنتَ أميًّا في بلاد الأميين لا تقرأ ولا تكتب.
وقوله تعالى: ﴿إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾: أي: ولو كنتَ تتلو كتابًا أو تخطُّه لشكُّوا إذًا، وإذ لم يكن كذلك فلا وجهَ للارتياب في أنَّ ما تتلوه عليهم هو وحيٌ من السماء.
والمبطِلون: الكفار، وقيل: أهل الكتاب.
стр. 5785
وقيل: معناه: لو كنتَ تقرأ الكتب لقالوا: أخذ القصص منها، ولو كنت تخطُّه بيمينك لقالوا: نظَمْتَه وألَّفْتَه من عندك.
وقيل (١): منعُ الخط والقراءة كان معجزةً له، وهما من الفضل لغيره، وقد أكرمه اللَّه بذلك في آخر عمره، وروى مجالد عن (٢) عون بن عبد اللَّه [عن أبيه] أنه قال: ما مات رسول اللَّه ﷺ حتى كتب وقرأ (٣).
* * *
(٤٩) - ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾: أي: القرآن، و ﴿بَلْ﴾
стр. 5786
لردِّ ما سبق، وتقديره: ليس هذا القرآن كما يقوله المبطلون إنه سحر وشعر وكهانة ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾؛ أي: دلائلُ واضحات وحججٌ نيِّرات، يُعرَف بها دينُ اللَّه وأحكامُه.
وقوله تعالى: ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾: أي: هي كذلك في قلوب أصحابك العلماء يحفظونها ويعتقدونها، فمَن وصَفَه بغير هذه الصفة (١) فهو من أهل الجهل، فلا تبالِ بقوله.
وقيل: ﴿بَلْ هُوَ﴾؛ أي: بل محمدٌ ﷺ ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾؛ أي: رسولُ اللَّه حقٌّ ظاهرُ الدليل، وجمع الآيات لوجوه:
أحدها: أنه عَلَمٌ (٢) على أشياءَ كثيرة من أمور الدِّين (٣)، فهو آيةٌ واحدة لذاته آياتٌ لمدلولاته، وهو كقوله: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧] على قولِ مَن جَعَل ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ تفسيرًا لها وترجمةً عنها.
وقيل: كلُّ صفةٍ كانت آيةً، فكانت صفاتُه آياتٍ.
وقيل: كان (٤) من أولِ ما نشأ (٥) إلى آخر أمره آيات؛ لِمَا ذُكر من النور في وجه أبيه ما دام في صلبه، ثم في وجه أمه إذ وقع في رحمها، ثم من ضياء الليلة التي وُلد فيها، ثم مِن ظِلِّ السحاب الذي أظلَّه، وأمثالها، وهي كثيرةٌ.
﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾؛ أي: أوتوا منافع العلم؛ فهم الذين يعتقدونه ويصدقونه.
стр. 5787
وقيل: الذين أوتوا العلم: أهلُ الكتاب، وجدوه في كتبهم وعلِموه.
﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا﴾: بمحمدٍ ﴿إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ أنفسَهم، وقيل: الواضعون التكذيبَ في غير موضعه.
* * *
(٥٠ - ٥١) - ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: كآيات الأنبياء موسى وعيسى وغيرِهما؛ كفَلق (١) البحر، وإحياءِ الموتى، وإخراجِ الناقة من الصخرة.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي: هو يأتي بها على ما يعلمه صلاحًا لكلِّ نبيٍّ ولكلِّ قومٍ، لا أملك أنا شيئًا منها.
﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: مخوِّف بالقرآن أن يأتيَكم عذابٌ إذا أصرَرْتُم على شرككم وعنادكم.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾: استفهامٌ بمعنى الإثبات؛ أي: لقد كفاهم ﴿أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ وهو معجزة (٢) فهو آيةٌ كافية.
﴿يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾: بلسانهم، ولقد تحدَّاهم (٣) أن يأتوا بسورةٍ مثلِه فعجزوا.
وقرأ ابن كثير، وعاصمٌ في رواية أبي بكرٍ، وحمزةُ والكسائي (٤): ﴿آيةٌ من ربه﴾،
стр. 5788
وقرأ الباقون: ﴿آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ (١) لأنهم كانوا يقترحون آيات كما قال: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] الآيات، ومَن وحَّد فهو للجنس فيؤدِّي معنى الجمع، وهو كقوله: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: أي: إن في ذلك الكتاب المنزل عليك لرحمةً وموعظةً لمن همَّتُه الإيمانُ بما قامت دلالتُه.
وقيل: هو متصلٌ بقوله: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا﴾ على تأويلِ مَن قال: لا تصدِّقوهم ولا تكذِّبوهم بما يُخبرون به من كتابهم، ثم (٢) قال: أولم يكفهم ما في القرآن (٣).
ورُوي أن بعض الصحابة رضوان اللَّه عليهم كان في يده رقٌّ فيه شيءٌ مكتوبٌ (٤) من كتبهم، فقال النبي ﷺ : "ما هذا؟ " قال: كتبتُه من كتبهم (٥) لأزدادَ علمًا على علمي، فتغيَّر وجهُ رسول اللَّه ﷺ وقال: "أمتهوِّكون أنتم كما تهوَّكتِ اليهود والنصارى؟! كفى بقومٍ حُمقًا وضلالًا أن يرغبوا عما أتاهم به نبيهم إلى غيره" فأنزل اللَّه هذه الآية (٦).
стр. 5789
(٥٢) - ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾: أي: شاهدًا بصدقِ ما أدَّعيهِ (١) من الرسالة وإنزالِ القرآن عليَّ.
وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: لا يخفَى عليه شيء مما فيهما، وهذا وعيد لهم بتعريضٍ.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ﴾: بالجبت والطاغوت ﴿وَكَفَرُوا بِاللَّهِ﴾؛ أي أشركوا به.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: قيل: الهالكون، وقيل: المغبونون؛ حُرِموا الجنة واستحقُّوا الخلود في النار.
* * *
(٥٣) - ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾: ولمَّا قال ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾؛ أي: بالعذاب، قالوا: متى هذا الوعد؟ وقال النضر بن الحارث: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا﴾ الآية [الأنفال: ٣٢]، فنزل هذا: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾، ونزل: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١]، ونزل: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ [ص: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ [الرعد: ٦].
стр. 5790
قوله: ﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾: أي: إن لكلِّ عذابٍ يُنزله اللَّه بالعصاة أجلًا معلومًا عنده لا يقدِّمه قبله ولا يؤخِّره بعده.
وقوله تعالى: ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ﴾: أي: العذاب ﴿بَغْتَةً﴾؛ أي: فجأة ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بوقتِ مجيئه.
* * *
(٥٤ - ٥٥) - ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤) يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾: عجبٌ من جهلهم في استعجال العذاب وقد أَعد اللَّه لهم جهنم (١) وهي قد أحاطت بهم؛ أي: هم في المعنى كالمحصور فيها لا يجد مخرجًا.
وقيل: أي: ستحيط بهم في الآخرة لا محالةَ، فلا معنى لاستعجالهم في الدنيا.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾: مُحيطةٌ (٢) بهم في (٣) يومٍ يأتيهم ويغطِّيهم العذاب ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ ومن (٤) كلِّ جهاتهم، وهو كقوله: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦].
وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: قرأ نافع وأهل الكوفة بالياء ردًّا على قوله: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ﴾ ﴿وَكَفَرُوا بِاللَّهِ﴾؛ أي: تقول لهم الملائكة بأمر اللَّه: هذا جزاء عملكم فذوقوه؛ أي: فقا سوه، وقرأ الباقون بالنون ردًّا على قوله: ﴿أَنَّا أَنْزَلْنَا﴾ (٥).
стр. 5791
(٥٦ - ٥٧) - ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾: أي: يا عبادي الذين آمنوا بي وبرسولي، وخالَفوا عشائرهم وقومهم، وخافوا الفتنة منهم وألَّا يصبروا على أذاهم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾: أي: بلادي والمواضعَ التي (١) خلقتُها لمعاشِ خلقي كبيرةٌ لا تَضيق عنكم فهاجِروا إليها.
﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ لا ما يدعوكم إليه المشركون، ولا يَشُقَّنَّ عليكم احتمالُ الغربة لأجلي، فإن حياة الدنيا منقضية، والبلايا منتهية، ومرجعُكم إليَّ، وذلك قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾.
وقيل: ﴿إِنَّ أَرْضِي﴾؛ أي: أرضَ الجنة ﴿وَاسِعَةٌ﴾، ﴿فَاعْبُدُونِ﴾ حتى أُوتيكم ذلك.
* * *
(٥٨) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم﴾: قرأ حمزة والكسائي وخلف (٢). . . . . . . .
стр. 5792
بالثاء المعجمة فوقها بثلاثٍ من الثَّواء، وهو (١) الإقامةُ، والإثواءُ تعديتُه، وقرأ الباقون بالتاء من التَّبْوِئة وهي الإنزال (٢).
﴿مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾: وهي أعالي المنازل بها.
قوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: أي: من تحت أشجارها وقصورها المياه في الأنهار، وهي أنزه ما يكون.
وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: لا يموتون فيها ولا يخرجون منها ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾.
* * *
(٥٩ - ٦٠) - ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
ثم وصفهم فقال: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾: أي: ثبتوا على الإيمان مع الفتنة، وتحمَّلوا أذى الكفار ومفارقة الديار.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: أي: يعتمدون في أرزاقهم وجهادِ أعدائهم وكفايةِ أمورهم على ربهم.
وقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾: أي: وكم من ذاتِ حياةٍ تدبُّ على وجه الأرض ليس معها رزقُها مدَّخرًا يرزقها اللَّه تعالى كما يرزقكم.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾: الذي لا تخفى عليه الأصواتُ ﴿الْعَلِيمُ﴾ الذي أحاط علمُه بالخَفِيَّات.
نزلت في الذين أُمروا بالهجرة من المستضعَفين، فقالوا: كيف نهاجر إلى المدينة
стр. 5793
وليس لنا بها دار ولا عِقار، ولا أحد يؤوينا ويطعمنا ويسقينا؟ فنزلت هذه الآية.
وقال ابن عباس ﵄: لا يخبئ القُوتَ إلا الإنسان والفأرة والنملة.
* * *
(٦١) - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾: أي: ولئن سألتَ هؤلاء المشركين: مَن خالقُ السماوات والأرض على كبرهما وسَعَتهما وكثرةِ عجائبهما، وما علَّق اللَّهُ تعالى بهما من قرارِ هذا العالم على كثرتهم، ومَن الذي صيَّر الشمس والقمر غيرَ ممتنعَين عما خلَقهما له من منافعِ العباد، وما علَّق بهما من أسباب المعاش؟ لأقرُّوا أن فاعل ذلك كلِّه هو اللَّهُ وحده لا شريك له.
وقوله تعالى: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُون﴾: أي: فأين يُصرَفون، وإلى أين يذهبون عن الإخلاص له مع إقرارهم بهذا كلِّه، ومن أين يجوز مع هذا أن يكون مَن عَبَد (١) خالقَ هذه الأشياء يعاقبُه اللَّه تعالى بالتقتير عليه، ومَن أشرك به غيرَه يُثيبه اللَّه تعالى بالتوسيع عليه.
* * *
(٦٢) - ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾: أي: إن اللَّه هو المستحِقُّ العبادة وحده، وهو الموسِّع للرزق على مَن يشاءُ وهو المضيِّق له والمعطي بقَدْر الكفاية.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: هو العليم بمصلحة كلِّ عبدٍ، فيعطي كلًّا ما فيه صلاحُه، قال النبي ﷺ : "يقول اللَّه تعالى: إنَّ مِن عبادي مَن لا يصلحُه إلا
стр. 5794
الفقرُ، ولو أغنيتُه لأفسده ذلك، وإنَّ من عبادي مَن لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقَرْتُه لأفسده ذلك، أدبِّر أمور عبادي بعِلمي" (١).
ثم من تمام معنى الآية: أن اللَّه هو يبسط الرزق ويَقْدِره، فلا يحملنكم خوفُ الفقر والضِّيق في الغربة على ترك الهجرة، فإن اللَّه هو رازقكم أين كُنْتم.
* * *
(٦٣) - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: أي: فإذا كانوا مُقرِّين بأن فاعل ذلك هو اللَّه، وهو القادر عليه وعلى كل شيء، أفلا يقدر على إغناء المؤمنين؟ قل: الحمد للَّه على ما أوضح لنا من الحجة، وبصَّرنا من العَمَاية (٢)، وأنقذَنا من الجهالة.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾: أي: لا يتدبَّرون بما فيهم من العقول فيما يُريهم من الآيات ويُقيم من الدلالات، فصاروا بذلك كمَن لا يعقل ما يقال له ولا ما يقول.
وقيل: لا يعقلون ما يلزمهم بهذا الإقرار.
* * *
(٦٤) - ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
стр. 5795
وقوله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾: أي: ما (١) يعطيه اللَّه تعالى لهؤلاء الأغنياء من السَّعة في دنياهم فليس هو في سرعة انقضائه إلا كاللهو، وهو الشيء الذي يَتلذذ به الإنسان فيُلهيه ويُفرحه ساعةً ثم ينقضي، وكاللعب الذي لا حقيقة له.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾: أي: والدار الآخرة التي هي للثوابِ والعقاب ﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ (٢)؛ أي: فيها الحياةُ الباقية؛ أي: هي الحياةُ في الحقيقة لأنها حياةٌ لا تنتغَّص (٣) بانقضائها بالموت.
﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: أي: لو كان هؤلاء المشركون المفتخرون بالدنيا يعرفون حقائق الأشياء.
* * *
(٦٥) - ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾: أي: لأمرٍ من أمور المعاش، فأصابتهم شدة يخافون منها الغرق والهلاك ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ وحده ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾: لا يَدينون في تلك الحالة أن شيئًا يفرج عنهم ذلك غيرَ اللَّه وحده.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾: فإذا خلَّصهم (٤) من البحر إلى البر وأَمِنوا ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾؛ أي: عادوا إلى الشرك باللَّه.
* * *
(٦٦) - ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.
стр. 5796
وقوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾: قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي (١) بتسكين اللام: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ على الأمر (٢)، وعلى هذا ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ يكون على صيغة الأمر وهو للتهديد؛ كما قال: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، وقال: ﴿وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، فدل على أنه للتهديد.
وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: يعني: في الآخرة إذا عُوقبوا على ذلك.
وقرأ الباقون بكسر اللام، وعلى هذه القراءة يجوز أن يكون على صيغة الأمر وتأويله ما مر، ويجوز أن يكون بمعنى (كي) ويتصل بقوله: ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُون﴾ كي يكفروا نعمتنا ويتمتَّعوا بالدنيا، وسوف يعلمون سوء تدبيرهم عند تعذيبهم وتدميرهم.
* * *
(٦٧) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾: استفهام بمعنى التقرير ﴿أَنَّا جَعَلْنَا﴾؛ أي: لهم ﴿حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾؛ أي: وسائرُ أهل بلاد العرب يُستلبون بالإغارة والسبي، إنعامًا مني على أهل الحرم وقد خلَّصتهم في البر كما خلَّصتهم في البحر، فكيف صاروا يشركون بي في البر ولا يشركون بي في البحر ويدعون لي مخلصين؟
وقوله تعالى: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾: بما يعبدونه من دون اللَّه ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾: وهو الرسول والكتاب، استفهام بمعنى التوبيخ.
стр. 5797
(٦٨ - ٦٩) - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٦٨) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: أي: لا أظلم منه ﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِين﴾ استفهام بمعنى الإثبات.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾: أي: أعدائي، وقيل: الشيطان، وقيل: أنفسَهم.
﴿فِينَا﴾؛ أي: لأجْلنا وفي طلب رضانا.
وقوله تعالى: ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾: أي: لنثبِّتنَّهم على الحق.
وقيل: لنوفِّقنَّهم سُبلَنا، وسبيلُ اللَّه واحد وجُمع لذكر المجاهدين، فصار السبيل جمعًا لاجتماع السالكين.
وقال الداراني: والذين جاهدوا فيما علموا لنهدينَّهم إلى ما لم يعلموا (١).
وقال سهل بن عبد اللَّه: والذين جاهدوا في إقامة السنَّة لنهدينَّهم سبل الجنة (٢).
وقال الواسطي: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم إلينا.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾: أي: حافظُهم وناصرُهم.
والحمد للَّه رب العالمين، اللهمَّ يا مستعان، أسألك الثبات على الإيمان، بحق
стр. 5798
كتابك الفرقان (١)، وآياتك والتبيان، وأياديك والإحسان، على أنبيائك وعلى أهل التوحيد والإيمان، احفظنا يا رحيم يا رحمن، عن المعاصي والطغيان، وعن شر الجن والإنس (٢) والشيطان، وأدخِلْنا بفضلك دار الجنان، وأَمِّنَّا من (٣) درَكات النيران، مع الآباء والأمهات، والمؤمنين والمؤمنات، من الإخوة والأخوات، والأبرار والأصحاب والأقران، من الطغيان والعصيان، بحقِّ نبيِّك وخِيرتك من البَرِيَّة والإنسان (٤).
* * *
стр. 5799
التيسير في التفسير
تأليف الإمام أبي حفص النسفي
نجم الدين عمر بن محمد بن أحمد النسفي الحنفي
(٤٦١ - ٥٣٧ هـ)
يطبع أول مرة محققًا على ثلاث نسخ خطية
تحقيق وتعليق
ماهر أديب حبوش - سارية فايز عجلوني
المجلد الثاني عشر
دار اللباب
стр. 5800
سورة الروم
стр. 5801
سورة الروم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي يفرِّح المؤمنين بنُصرته، الرحمنِ الذي يبسط الرزقَ لمن يشاء ويقدر بقدرته، الرحيمِ الذي يحيي الأرض بعد موتها بآثار رحمته.
روى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة الروم كان له من الأجر عشرُ حسناتٍ بعددِ كلِّ ملكٍ (١) يسبِّح اللَّهَ بين السماء والأرض، وأَدرك ما ضيَّع في يومه وليلته" (٢).
وهذه السورة مكية، وهي ستُّون آية، وقيل: تسعٌ وخمسون، الاختلاف في: ﴿بِضْعِ سِنِينَ﴾ (٣).
وكلماتُها ثماني مئة وخمسَ عشرة، وحروفها ثلاثة آلاف وثلاث مئة وتسع وتسعون (٤).
стр. 5802
وانتظام أول هذه السورة بآخر تلك السورة: أنه قال في ختم تلك السورة: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وقال في أول هذه السورة: ﴿الم﴾؛ أي: أنا اللَّه أعلمُ بالمحسنين وغيرِ المحسنين.
وانتظام السورتين: أن كلَّ واحدة منهما مكيةٌ متضمِّنةٌ ذكرَ التوحيد ومحاجَّةَ المشركين وبيانَ العاقبة للمؤمنين والكافرين.
* * *
(١ - ٣) - ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُون﴾.
وقوله تعالى: ﴿الم﴾: مرَّت الأقاويل فيه في أول سورة البقرة.
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾: أي: غَلبت فارسُ الرومَ في أقرب أرض الشام إلى حدود أرض فارس والروم (١).
قال مقاتل -هو قول ابن عباس ﵄: هي أرض الأردن وفلسطين (٢).
وقال مجاهد: هي أرض الجزيرة، وهي أدنى أرض الروم إلى فارس (٣).
وقال عكرمة: هي أذرعات وكسكر (٤).
стр. 5803
وقال مقاتل بن حيَّان: هي ريف الشام (١).
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾: أي: والروم بعد أن صاروا مغلوبين، وهو إضافة المصدر إلى المفعول.
قوله: ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾؛ أي: سيصيرون غالبين لغالبِيهم وهم فارس.
* * *
(٤ - ٥) - ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
قوله تعالى ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ وقال الفرَّاء: يقال: غلب غَلَبةً، وسقطت التاء هاهنا للإضافة كما في قوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاة﴾ [الأنبياء: ٧٣] (٢).
وقال الزجاج: الغَلَب مصدر كالغَلَبة؛ كالجَلَب والجَلَبة (٣)، والبضع: القطحة من العدد، وتستعمل في الثلاث إلى العشرة، قاله الخليل والقتبي (٤).
وقال الحسن: لما نزلت ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ فقال كفار قريش: واللَّه لا يكون ذلك أبدًا، أن يظهر الروم على أهل فارس أهلِ البأس والشدة والعدَّة، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾؛ أي: يظهر أهل الروم على أهل فارس، فقال كفار قريش: إن كنتم صادقين فراهِنوا، قال: فتراهنوا على خمس قلائصَ، وجعلوا بينهم من الأجل خمس سنين، فولَّوا قمار المسلمين أبا بكر الصدِّيقَ ﵁، وولَّوا
стр. 5804
قمار المشركين أبيَّ بن خلف، فمضت خمس سنين ولم تظهر أهل الروم على أهل فارس، فقال المشركون: أعطونا القمار، فاشتدَّ ذلك على المسلمين، فشكَوا ذلك إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال لهم: "إن اللَّه قال: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ والبضع ما بين الثلاث إلى العشر، فزايِدوهم (١) في القلائص وزايدوهم في الأجَل"، فزادوهم في الأجل خمسَ سنين وفي القلائص خمسًا، فلما كان في السنة السابعة ظهر أهل الروم على أهل فارس، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ فظهر أهل الروم على أهل فارس (٢).
قال: فقدم رسول اللَّه ﷺ المدينةَ ولم يقبض القمارَ، فأنزل اللَّه تعالى تحريم الخمر والقمار في قوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية.
وقال أبو سعيد الخدري ﵁: التقَينا مع رسول اللَّه ﷺ ومشركو العرب، والتقت الرومُ وفارسُ في ذلك اليوم، فنصرَنا اللَّهُ تعالى على مشركي العرب ونصر اللَّه أهل الكتاب على المجوس، ففرحْنا بنصر اللَّه إيانا على المشركين وفرحْنا بنصر اللَّه أهلَ الكتاب على المجوس، فذلك قوله تعالى ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُون﴾ (٣).
وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْد﴾: أي: الأمرُ في غلبة فارس للروم
стр. 5805
وغلبة الروم لفارس للَّه تعالى، لو شاء أن يهلك الفريقين معًا أو أحدهما (١) لفعل، وليست غلبةُ فارسَ للروم على ما توهَّمه المشركون من أنَّ مَن لا كتاب له ولا نبوةَ فدينُه هو الحقُّ ودينُ مَن له نبوةٌ وكتابٌ باطل، وكما غلبت فارسُ الرومَ فكذلك يغلب (٢) مشركو قريش المسلمين، بل كلَا الفريقين مبطِلٌ، ولو شاء اللَّه لمنع أحدهما عن الآخر، فله الأمر من قبلِ غلبة فارس للروم، ومن بعد ذلك.
وقيل: أي: من قبلِ كلِّ شيء، ومن بعد كلِّ شيء.
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾: أي: يومَ غَلبت الروم فارسَ يفرح المؤمنون، لا بنصرة النصارى، ولكن بتحقيق اللَّه وعدَه دالًّا على صدق نبيِّهم فيما أخبرهم به.
وقيل: بل بنصر اللَّه المسلمين على المشركين، على ما روينا أنه كان ذلك في ذلك اليوم (٣).
وقيل: كان ذلك عامَ الحديبية (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: أي المنيعُ بسلطانه لا يُغلب على أمره ولا يَجري في خَلْقه إلا ما يريده ﴿الرَّحِيمُ﴾ فلا يعاجلُ العصاةَ بالعقوبة.
* * *
стр. 5806
(٦) - ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾: نصب على المصدر، كأنه قال: وعَدَ اللَّه ذلك وعدًا، وهو لا يخلف وعده.
قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أي: المشركون جهَّالٌ (١) لا يعلمون أن محمدًا ﷺ وسائرَ الأنبياء لم يؤيَّدوا بالمعجزات إلا ليَدُلَّ ذلك على صدقهم، فلا يكذِبون فيما يخبرون، فإذا كذَّبوا محمدًا ﷺ فيما أَخبر عن غلَبة الروم فارسَ فلجهلهم كذَّبوه.
* * *
(٧) - ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: أي: همَّتُهم دنياهم، فيصرفون تدبُّرهم وتفكُّرهم وتعلُّمهم إلى أمور الدنيا فيَعلمونها.
﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾: لا يتفكَّرون فيها، وما يكون لهم فيها من الحساب والعقاب.
وقيل: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ أي: إنما يعلمون ما يشاهدونه ولا يعرفون ما يدل عليه من أمور الآخرة.
ثم في الآيتين نفيُ العلم عنهم بقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وإثباتُ العلم لهم بقوله: (يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا)، ولا تناقُضَ فيه، فإن الأول نفيُ العلم بأمور الدين، والثاني ثبوتُ العلم بأمور الدنيا، ولأن الأول نفيُ الانتفاع بالعلم بما ينبغي، والثاني صرفُ العلم إلى ما لا ينبغي، ومن العلم القاصر أن يهيِّئ الإنسان
стр. 5807
أمورَ شتائه في صيفه وأمور صيفه في شتائه وهو لا يتيقن بوصوله إلى ذلك الوقت، ويقصِّرَ في الدنيا في إصلاح أمور معاده ولا بد له منها (١).
* * *
(٨) - ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾: هي كلمة استبطاءٍ، ومعناها: هلا تفكَّروا إذ (٢) أخَّروا التفكُّر وتركوه.
وقوله: ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ قيل: أي: في خلق أنفسهم؛ كما قال: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]، وقال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣]؛ أي: لو تفكَّروا في خلق أنفسهم أفادهم ذلك علمًا في الآخرة وزوال الغفلة عنهم. وانقطع الكلام ثم قولُه:
﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: كلام مبتدأ.
وقيل: هو متصل بالأول، والتفكُّر واقعٌ على ﴿مَا﴾، ومعنى الكل على هذا القول: أولم يَخْلوا بأنفسهم فيتفكَّروا في الخلوة (٣) التي يتمكَّن معها الإنسان من عقله أنْ ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقّ﴾ بإضمارِ (أنْ) الخفيفة، ويكون التفكُّر واقعًا على هذا، وإضمار (أنْ) للوصل جائز كما في قوله في هذه السورة:
стр. 5808
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾؛ أي: أنْ يريكم البرق، فقد صرَّح بـ (أنْ) قبل هذه الآية في قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ ويكون معنى (١) هذه الآية على هذا الوجه: أوَلم يتفكروا في خلق السماوات والأرض أنَّ اللَّه تعالى لم يخلقهما عبثًا ولا جزافًا، ولكن ليَعتبر بها عباده ويَستدلُّوا بها على وحدانيته وكمالِ قدرته، فإنه إنما خلقهما لمنافع عباده بلاغًا لهم في دار التكليف ليحاسبهم في دار الجزاء، وهو معنى قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: للحق، وهو هذا.
وقوله: ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾: أي: وليوم القيامة الذي يحاسبهم فيه ويجازيهم على أعمالهم فيه، وقد جعل اللَّه أجلًا لذلك، فيخرجهم هذا التفكُّرُ عن الغفلة.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾: أي: تركوا هذا التفكُّر فغفلوا وكفروا بالبعث والجزاء.
وقيل في قوله: ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ أي: خلقهما في الوقت الذي كان سماه لخَلْقهما فيه وأراده (٢)؛ أي: لم يخلقهما على سهوة وغفلةٍ ومجازفةٍ، بل على مقدارٍ معلوم ووقتٍ معلوم.
وقيل: ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ أي: وقتٍ معلوم (٣) مؤقَّتٍ إذا بلغت ذلك الوقت أفناها وبدَّل الأرضَ غيرَ الأرض وغيرَ السماوات.
* * *
стр. 5809
(٩) - ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾: وهذا تنبيهٌ آخر عن الغفلة: أولم يسيروا في الأرض في أسفارهم للتجارات وغيرها ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ إلى آثار القوم الذين كانوا قبلهم فعَصوا اللَّه وكذَّبوا أنبياءهم.
﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: وهم هؤلاء.
﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾: أي: من مشركي قريش.
﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾: للزراعة (١) ﴿وَعَمَرُوهَا﴾ بأنواع الأبنية ﴿أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾؛ أي: مشركو قريش، فلم يعصمهم شيء من أموالهم وحصونهم مما نزل بهم، فكيف يمتنع هؤلاء من مثل ذلك؟
وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: نزل بهم هذا بعد أن جاءتهم رسل اللَّه إليهم بالحجج الواضحة ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾؛ أي: ليعذبهم من غير ذنب ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بمعاصيهم فعُوقبوا لذلك.
* * *
(١٠) - ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا﴾: أي: كذبوا أنبياءَ اللَّه وردُّوا البينات ﴿السُّوأَى﴾؛
стр. 5810
أي: العقوبةُ الغليظة التي تَسوءُ صاحبها، ويحتمل أن يكون ذلك في الدنيا والآخرة؛ في الدنيا الدمار وفي الآخرة عذابُ النار.
وقيل: ﴿السُّوأَى﴾: تأنيث الأسوء؛ أي: أسوأُ العقوبات.
وقيل السوأى: اسم لجهنم كالحسنى اسم للجنة، قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].
وقوله تعالى: ﴿أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾: أي: بأنْ كذبوا بها واستهزؤا منها.
ووجه آخر: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ﴾ المكذِّبين (١) ﴿الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾: فعلوا الفعلةَ السوأى؛ أي: وهي بمعنى السيئة، ويكون مفعولًا بـ ﴿أَسَاءُوا﴾ ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ ويكون هذ اسمَ ﴿كَانَ﴾، و ﴿أَن﴾ مع الفعل مصدرٌ، وهي بمعنى التكذيب؛ أي: كان عاقبةَ إساءتهم التكذيبُ بآيات اللَّه؛ أي: ألقاهم شؤمُ معصيتهم في الكفر، وهو كقوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ الآية [التوبة: ٧٧].
* * *
(١١ - ١٢) - ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: قرأ أبو عمرو في رواية (٢) بياء المغايَبة، والباقون بتاء المخاطبة (٣).
стр. 5811
قيل: ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾؛ أي: المخلوقَ من الماء ثم يعيده من التراب.
وقيل: إلى التراب، وكان خلقه من التراب.
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾: أي: يَقنط المشركون من رحمة اللَّه ومن شفاعة الشفعاء.
وقال سعيد بن جبير: ﴿يُبْلِسُ﴾: يُبْهَتُ (١). وقال الأخفش: يَنْدم (٢). وقيل: يَدْهَشُ.
* * *
(١٣ - ١٤) - ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (١٣) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾: أي: ولا يكون لهم من أصنامهم التي جعلوها شركاءَ للَّه شفعاءَ يشفعون لهم إلى اللَّه.
﴿وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾: أي: فيكونون عن أصنامهم متبرِّئين حين رأوها لا تشفع (٣).
وقيل: أي: الملائكة والجن والشياطين يتبرؤون من المشركين، وهو كقوله: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [العنكبوت: ٢٥]؛ أي: يتبرأ بعضكم من بعضٍ.
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾: قيل: فريق في الجنة وفريق في السعير.
وقيل: يتفرقون في آلهتهم، فلا يجتمعون فيتناصرون، وهو تأكيدٌ للآية التي قبلها.
стр. 5812
وقيل: يتفرقون في الأحوال والمحالِّ على ما فسَّره (١) بعدها.
* * *
(١٥) - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ﴾: أي: يُصار بهم إلى الجنة فيكونون فيها (٢) في رياضٍ ﴿يُحْبَرُون﴾؛ أي: يُسرُّون، والحَبْرةُ: السرور.
وقيل: أي: ينعَّمون.
وقال وكيع: هو بالسماع (٣)، والحِبَار والحَبَر: الأثر، والحُبور: سرورٌ يظهر أثره في الوجه.
وقال أبو بكر بن عياش: أي: يتوَّجون على رؤوسهم (٤)، من قولهم: ذهب حَبْرُه وسَبْرُه؛ أي: هيئتُه (٥) وجماله.
وقال ابن كيسان: أي يزيَّنون ويحلَّون (٦)، والمحبَّر: المزيَّن.
* * *
стр. 5813
(١٦ - ١٧) - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦) فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾: أي: أُحضروا جهنم ليعذَّبوا فيها.
وقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾: أي (١): صلُّوا للَّه، مصدر بمعنى الأمر، كقوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]، والتسبيح: الصلاة؛ قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣]؛ أي: المصلين، وهي رأس الأعمال الصالحة التي ذُكرت في الآية المتقدمة.
﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾: أي: مساءً، وهي صلاة المغرب. وقيل: صلاة المغرب والعشاء.
﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾: أي: صلاة الفجر.
﴿وَعَشِيًّا﴾: هي صلاة العصر ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾: هي صلاة الظهر، وقد (٢) أَظهَرَ؛ أي: دخل في وقت الظهيرة، قال امرؤ القيس:
تُقطِّعُ غِيْطانًا كأنَّ متونَها... إذا أَظْهَرتْ تُكْسَى مُلاءً منشَّرا (٣)
* * *
стр. 5814
(١٨ - ١٩) - ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: وهو المحمود عند جميع خلقه من سكان سماواته وأرضه، يحمدونه على نعمه ويثنون عليه بصفاته.
وقيل: تحمده الملائكة في السماوات والمؤمنون في الأرض.
وقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾: أي: البشَرَ من النطفة، والطيرَ من البيضة، والشجرة من الحبة، والمؤمن من الكافر، والعالم من الجاهل.
قوله تعالى: ﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾: النطفةَ من البشر، والبيضةَ من الطير، والحبَّ من الشجرة، والكافر من المؤمن، والجاهل من العالم.
﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ﴾ الميتة اليابسة (١) ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ بالنبات في الربيع.
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾: أي: يخرجكم اللَّه من قبوركم، دلَّ بها على البعث بعد الموت.
* * *
(٢٠) - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾: عدَّد في هذه الآيات بعضَ الآيات المنبِّهةِ على كمال قدرته، الدالةِ على وحدانيته، المبطِلةِ قولَ مَن أشرك به شيئًا من خليقته، فقال:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾؛ أي: ومن علامات ربوبيته ووحدانيته ﴿أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾؛
стр. 5815
أي: خلق آباءكم؛ كما قال: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢]؛ أي: قتل آباؤكم، ولأن الولد فرعُ الوالد فكان مخلوقًا مما خلق أصله.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾: أي: آدميون عقلاءُ ناطقون تتصرَّفون فيما فيه قِوامُ معاشكم، فلم يكن اللَّه ليخلقكم هكذا عبثًا، بل يتعبَّدكم بشكره ثم يجزي المحسنَ بإحسانه والمسيء على إساءته، فإذا تفرَّد بخلقكم فهو المنفردُ باستحقاق العبادة له.
* * *
(٢١) - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾: أي: نساء تَزْدوِجون (١) معًا ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾؛ أي: لتكون نساؤكم سكَنًا لكم تطمئنون إلى معاشرتهنَّ وقضاء اللذات منهن.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً﴾: أي: في الشباب (٢) وحالَ قيام الشهوة.
﴿وَرَحْمَةً﴾: أي: في حالة الكبر وقِدَم الصحبة يودُّ كلُّ واحدٍ من الزوجين صاحبَه حالَ شبابهما، ويرحمه ويعطف عليه حالَ كبرهما.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾؛ أي: من نطفة الرجال.
وقيل: أي: حواء خلقت من نفس آدم، والأولاد راجعون إلى الأصل.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾: لأنه إذا تفكَّر بالعقل السليم