← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.

стр. 5916

سورة الأحزاب

стр. 5917

سورة الأحزاب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وهو حسبي وكفى بسم اللَّه الذي أعدَّ للكافرين عذابًا أليمًا، الرحمنِ الذي وعد المؤمنين أجرًا كريمًا، الرحيمِ الذي قال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١]. وروى أبي بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة الأحزاب وعلَّمها ملكَ يمينه وأهلَه أُعطي الأمان من عذاب القبر" (١). وسورة الأحزاب مدنية، وهي ثلاث وسبعون آية، وألف ومئتان وسبع وثمانون كلمة، وخمسة آلاف وستُّ مئة وسبعة وأربعون حرفًا (٢). وانتظام أول (٣) هذه السورة بآخر سورة السجدة: أنه أمر رسوله ﷺ بالإعراض عن الكافرين، ونهاه هاهنا عن طاعة الكافرين والمنافقين. وانتظام السورتين: أن تلك السورة في محاجَّةِ المشركين والصبر على أذى المؤذين، فقد قال: ﴿لَمَّا صَبَرُوا﴾ وقال: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. وهذه السورة في تعداد

стр. 5918

ضروب أذًى ناله من الكافرين والمنافقين وبعضِ المؤمنين في طعنهم عليه في زيدٍ وتزوُّجِ امرأته، والاستكثارِ من النساء، والتوسُّع في المناكح، واعتراضِ نسائه عليه في طلب الزينة، ودخولِ بعض المؤمنين بيوتَه وانتظارِهم طعامَه، وتعرُّضِ بعض المنافقين بعضَ نسائه، وإيذائهم المؤمنين، وختم بذكر إيذاء قوم موسى ﵇، وكرَّر في هذه السورة لفظة الأذى: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٨] ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥٣] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٥٨] ﴿أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩] ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ [الأحزاب: ٦٩]. * * * (١) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾: روي في نزول هذا: أن أبا سفيان بن حرب وعكرمةَ بن أبي جهل وأبا الأعورِ السُّلميَّ (١) -واسمه عمرو بن سفيان- قدموا المدينة فنزلوا على عبد اللَّه بن أبيٍّ رأسِ المنافقين (٢) - وكان رسول اللَّه ﷺ أعطاهم الأمان على أن يكلِّموه - ومعهم طُعْمة (٣) بن أُبيرقٍ وعبد اللَّه بن سعد بن أبي سَرْحٍ، فأتوا النبيَّ ﷺ وقالوا له: ارفض ذكر آلهتنا اللاتِ والعزى ومناة وقل: إن لهم شفاعة ومنفعة لمن عبدها وندعُك وإلهك، فشقَّ ذلك على رسول اللَّه ﷺ ، فقال عمر رضي اللَّه: ائذن

стр. 5919

لي يا رسول اللَّه في قتلهم، فقال: "قد أعطيتُهم الأمان فأَخْرِجهم من المدينة"، فقال لهم عمر: اخرجوا في لعنة اللَّه وغضبه، وأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ (١). قال ابن عباس ﵄: يعني: ولا تطع الكافرين من أهل مكة والمنافقين من أهل المدينة (٢)، يعني: هؤلاء الستةَ نفر المسمَّين. وقال الضحاك: إنهم حملوا النبيَّ ﷺ على أن ينقض عهدًا (٣) كان بينه وبين قوم من العرب، فنهاه اللَّه تعالى عن ذلك (٤). وقوله تعالى: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾؛ أي: دم على تقواك ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ فيما يدعونك إليه. وقال ابن كيسان: الخطاب له والمراد به جميع المؤمنين، فإنه ختم الآية بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ على الجمع. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾؛ أي: بما يؤذيك من قولهم ﴿حَكِيمًا﴾ في أن لا يعاجلَهم بالعقوبة على فعلهم. وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾؛ أي: يا أيها المرقَّى إلى أعلى الرُّتَب، الملقَّى بأسنى القُرَب، يا أيها المخبِرُ عنا المأمونُ على أسرارنا، المبلِّغُ

стр. 5920

خطابنا إلى أحبابنا ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ أن تلاحظ غيرَنا معنا أو تساكن شيئًا من دوننا. والتقوى رقيب على قلوب أوليائه تمنعهم في أنفاسهم وحركاتهم وسكناتهم أن ينظروا إلى غيره. التقوى لجام يكبحك (١) عما لا يجوز، وزمامٌ يقودك إلى ما يجب (٢)، وسوطٌ يسوقك إلى ما أُمرت به، ومِشْخَصٌ (٣) من اللَّه يحملك على القيام بحقه، وحرزٌ يعصمك من وصول أعدائك إليك، وعوذةٌ تشفيك من داء الخطأ (٤). * * * (٢ - ٣) - ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾: من أوامره ونواهيه. وقيل: واتَّبع أحكام اللَّه التي نوحيها إليك دون أحكام الجاهلية في الظهار وفي التبنِّي، ولا تخالف ذلك. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾: أي: عالمًا، هذا خطابٌ له ولأمته. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: أي: اعتمِدْ عليه، وفوِّضْ أمرَك إليه مما (٥) تخافه من ضرر أذى الكفار.

стр. 5921

﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾: أي: وحسبك اللَّه قائمًا بأمورك. وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ كنْ لنا لا لك، وقُم بنا لا بك. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ التوكُّل تحقُّقٌ ثم تخلُّقٌ ثم توثُّقٌ ثم تملُّقٌ، تحقُّقٌ في العقيدة، وتخلُّقٌ بإقامة الشريعة، وتوثُّقٌ بالمقسوم من القضية، وتملُّقٌ بين يديه بحسن العبودية (١). * * * (٤) - ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾: يذكُر ما كان المنافقون يقولونه، يقول: لم يجعل اللَّه لرجل ﴿فِي جَوْفِهِ﴾؛ أي: في بطنه قلبين، إنما جعل له قلبًا واحدًا. وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَلْبَيْنِ﴾ كلمةُ ﴿مِنْ﴾ زيدت للتأكيد؛ كما في قوله: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧]. وقيل: هو في أبي معمر جميل بن معمر بن أُسَيدٍ الفِهْريِّ، وكان حافظًا لِمَا يسمع، وأهدى الناسِ للطريق، وسمَّته العرب ذا قلبين، وكان هو يقول: إن لي قلبين أحدهما أعقلُ من الآخر، وكان يوم بدر انهزم وإحدى نعليه في رجليه والأخرى في يديه، وكان يعدو في الرمضاء وتحترق رجله ويقول: أين نعلي أين نعلي؟ ولا يعقل

стр. 5922

أنها في يده، فأنزل اللَّه هذه الآية في شأنه تكذيبًا لهم في تسميته بذلك (١). وروي أنه تلقاه أبو سفيان بن حرب فقال: ما فعَل الناس؟ فقال: انهزموا، فقال: ما بال نعلك في يدك؟ قال: ما شعرتُ إلا أنهما جميعًا (٢) في رجلي، فعرفوا يومئذ أنه لو كان له قلبان ما نسي نعله في يده (٣). وقيل: كان بعض المنافقين يزعم أن النبي ﷺ له قلبان، وهذا عن ابن عباس ﵄ (٤). وعنه في رواية أنه قال: كان رجل من قريش يسمَّى ذا قلبين لدهائه، فنهاهم اللَّه تعالى عن هذه التسمية (٥)، كما نهاهم اللَّه تعالى أن يسمُّوا الزوجة أمًّا في الظهار،

стр. 5923

وأن يسمُّوا المدَّعى (١) ابنًا، فانتظمت الآية هذه الثلاثة: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ وهو قول مجاهد وقتادة (٢). وقال الحسن هذا تكذيبٌ لرجل كان يقول: إن لي قلبين: قلبٌ يأمرني بكذا وقلبٌ ينهاني عنه (٣). وقيل: كان المنافقون مذبذبين، إذا لقوا المؤمنين قالوا: إنَّا معكم، وإذا خلَوا إلى شياطينهم قالوا: إنَّا معكم، فعوتب واحد منهم على ذلك فقال: لي قلبان؛ قلبٌ مع هؤلاء وقلبٌ مع هؤلاء، فردَّ اللَّه ذلك. وقيل -وهو الأوجه والأوفق للنظم، ويتصل بقوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ -: إن معناه: أن طاعة الكافرين والمنافقين لا تجامع الإيمان باللَّه في قلب؛ كما تقول العرب: لا يجتمع سيفان في غِمْدٍ (٤)، ومجازه: أن الاعتقاد من أعمال (٥) القلب، فإذا كان قلبان لا يجتمعان في جوفٍ (٦)، فكذا اعتقادان متنافيان لا يجتمعان في قلب. وقال الإمام أبو منصور ﵀: الحكمة فيما لم يَجعل لواحدٍ قلبين وجعَل له سمعين وبصرين: أن الإدراك بالسمع والبصر يكون بالمشاهدة، فيخرج ذلك مخرجَ

стр. 5924

المعاوَنة، وما يُدرك بالقلب يُدرك بالاجتهاد، وقد يختلف القلبان فيما يجتهدان في شيء فيناقضُ أحدهما صاحبه، أو (١) يَجوز أن يرى أحدهما خلافَ ما يراه الآخر، ولا كذلك السمعان والبصران (٢). وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي﴾: قرأ ابن كثير ونافع: ﴿اللَّاء﴾ بهمزة ليس بعدها ياء، وقرأ أبو عمرو كذلك إلا أنه ليَّن الهمزة، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي بهمزة بعدها ياء (٣)، وهي لغاتٌ وهي لجمع التي. ﴿تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: ﴿تَظَّهَّرون﴾ بفتح التاء وتشديد الظاء بغير ألف. وقرأ عاصم: ﴿تُظَاهِرُونَ﴾ بضم التاء من المظاهرة. وقرأ حمزة والكسائي: ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ بالألف وفتحِ التاء وتخفيف الظاء. وقرأ ابن عامر بتشديد الظاء مع الألف (٤)، وأصله: تتظاهرون، فأُدغمت التاء في الظاء، ومَن خفَّف فقد حذف إحدى التاءين. وهذه الكلمة بوجوهها اسم لقول الرجل لامرأته: أنت عليَّ كظهرِ أمي، وكان ذلك طلاقًا في الجاهلية، فأبطل الشرعُ هذا الحُكم وجعله سببًا لحرمةٍ مؤقَّتة بالكفَّارة، وهي حرمةُ الفعل. يقول: وما جعل اللَّه نساءكم بهذا الكلام في حُكم أمهاتكم.

стр. 5925

وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾: أي: ولم يجعلِ اللَّه مَن تدَّعون بنوَّته فتسمُّونَه ابنًا لكم ابنًا (١). ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾: أي: إن قولكم للزوجة: هي أم، وللدَّعيِّ: هو ابنٌ، هو قولٌ تقولونه بألسنتكم التي بأفواهكم، لا حقيقةَ له في اعتقاد القلوب عند اللَّه تعالى، ولا حجةَ مع صاحبه، إنما هو كقول النائم الهاذي يوجد بالفم لا حقيقةَ له، فلا تصير المرأة بذلك أمًّا، ولا الدعيُّ ابنًا. نزلت في شأن زيد بن حارثة، كانوا يسمُّونه: زيد بن محمد؛ لأن النبيَّ ﷺ كان تبنَّاه (٢). ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾: ما يجب أن يقال وما له حقيقةٌ. ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾: أي: يرشد إلى طريق الحق في هذا وفي كلِّ الأحكام، فاتَّبعوا ما شَرَعه في الإسلام، وكان في الجاهلية إذا أعجَبَ أحدَهم ولدُ غيره ضمَّه إلى نفسه وتبنَّاه، وجعَل له مثلَ نصيبِ أحد الأولاد، فبيَّن اللَّه الحقَّ فيه وهدَى السبيل. ولما نزلت هذه الآية قال زيد: أنا زيد بن حارثة (٣) بن فروة بن شراحيل (٤) من بني عبد ود، وكان بعد ذلك ينسب إلى أبيه. * * *

стр. 5926

(٥) - ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾: الذين ولدوهم: يا فلان بن فلان. وقوله تعالى: ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي: أعدلُ وأقومُ. ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ﴾: لم تعرفوا أنسابهم ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾؛ أي: فهم إخوانكم في الدين ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾؛ أي: أولياؤكم في الإسلام؛ كما قال: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الجاثية: ١٩]. وقيل: هو مِن ولاء العتاقة. أي: إذا لم يمكنكم النسبةُ إلى الأب لعدم معرفةِ الأب، فقولوا: يا أخي ويا مولاي، وفي ولاء العتاقة: يا مولى فلانٍ، أو أن تسمُّوه بأسامي المسلمين: يا عبد اللَّه، يا عبيد اللَّه، يا عبد الرحمن، ونحوه من أسماء أهل الإسلام وأسماءِ الموالي، أو تُعرِّفونه بما يُعرَف به من عبوديةِ اللَّه أو الإسلام أو الصناعة. و ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾: فنسبتُم واحدًا إلى رجلٍ وعندكم أنه أبوه وكان ذلك خطأً. ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾: أي: ولكن فيما تعمَّدْتُم ذلك من النسبة إلى غيرِ الأب مع العلم بذلك. وقيل: فيما أخطأتم به قبل بلوغ النهي، فنسبتُم إنسانًا إلى مَن تبناه ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾؛ أي: فقلتُم (١) ذلك بعد سماع النهي.

стр. 5927

﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: لا يؤاخذ (١) بالخطأ، ويقبلُ التوبة من المتعمِّد. وعن عائشة ﵂ قالت: إن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس -وكان ممن شهد بدرًا- تبنَّى سالمًا وأنكحه ابنةَ أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى امرأةٍ من الأنصار، كما تبنى رسول اللَّه ﷺ زيدًا، وكان مَن تبنى رجلًا في الجاهلية دعاه الناس إليه، وورث من ميراثه، حتى أنزل اللَّه تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ الآية، فرُدُّوا إلى آبائهم، فمَن لم يُعلم له أبٌ كان أخًا في الدِّين (٢). * * * (٦) - ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾. وقوله: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: أي: أحَقُّ بالمؤمنين بأنْ يَحكم عليهم من أنفسهم فيما يحكمون به لأنفسهم مما يخالف حكمَه. وقيل: ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: من بعضهم لبعض؛ كما قال: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١]؛ أي: فهذه رتبةُ النبي ﷺ ، ومع هذا هو لا يرث أحدًا من أمته إلا بقرابة، فكذلك أدعياؤكم لا يرثونكم لأنه لا قرابة بينكم. وفي مصحف أبيٍّ: (النَّبيُّ أَوْلَى بالمؤمِنينَ مِن أنفُسِهم وهو أبٌ لهم) (٣).

стр. 5928

﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾: أي: أن نساء النبيِّ كأمَّهات المؤمنين في وجوب تعظيمهنَّ وبِرِّهنَّ. وقيل: في أن اللَّه حرَّمهن عليهم كما حرَّم عليهم أمهاتهم. وقيل: في إنهنَّ مشفقاتٌ عليهم مريداتٌ للخير لهم (١) كالأمهات. ثم هذه الأمومة لا تُوجب ميراثًا، فأمومةُ التبنِّي من إيجاب ذلك أبعد. ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾: أي: ولاية الميراث تقع بالأرحام لا بالتبني. وقال الفرَّاء: كان المسلمون متواخِينَ، وكان الرجل إذا مات عن أخيه الذي آخاه ورثه دون عصبتة وقرابته، فأنزل اللَّه: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ وليس يرثهم، فكيف يرث المؤاخي (٢) أخاه، وأنزل: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (٣). ووجهٌ آخرُ: قال الحسن: لمَّا نزلت هذه الآية قال النبي ﷺ : "أنا أولى بكلِّ مؤمنٍ من نفسه، فأيما مؤمنٍ مات وترك عليه دَينًا فعليَّ أو ضيعةً فإليَّ، وإن ترك مالًا فلورثته" (٤). ووجه آخر: أن اللَّه تعالى عاب عليهم التسمية بالأبوَّة بالتبنِّي، والتسمية بالأمومة

стр. 5929

في الظهار، ثم كانت هاتان التسميتان (١) صالحتين للنبيِّ ﷺ وأزواجه، فيقال للنبي: أبو المؤمنين، ولأزواجه: أمهات المؤمنين، فعرَّفنا اللَّه بذلك خروجَ هذا من جملة ما عابه فقال: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أبٌ لهم وأزواجُه أمهاتهم، فلا بأس عليكم في هذه التسمية في هذا الموضع ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ يعني: لكن التوارث فيما أَنزلت في كتابي لا يقع إلا بالقرابة والرَّحِم. وقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾: أي: في حكم القرآن. وقيل: أي: في حكم اللَّه الذي كتبه لهم. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾: أي: بعضُهم أحقُّ بميراث بعضٍ من الذين تواخَوا على الإيمان والهجرة، وكانوا يتوارثون بهذه المؤاخاة. وقيل: كانت المؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين، والمؤمنون هم الأنصار، والمهاجرون هم الذين هاجروا إليهم. وقيل: كانت مؤاخاتان إحداهما بين المهاجرين؛ آخى فيها النبي ﷺ بين حمزة وزيد، وبين أبي بكر وعمر، وبين نفسه وعليٍّ، والأخرى بين المهاجرين والأنصار: بين أبي بكر وخارجةَ، وبين عمر وعاصمٍ، وبين عِتْبانَ وعليٍّ، وبين سهلِ بن حنيفٍ وعبد الرحمن، وبين سعد بن الربيع وعثمان، وبين أوس بن ثابت وبين الزبير، رضوان اللَّه عليهم أجمعين. ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾: أي: إلا أن تُوصوا لمن أحبَبْتُم من هؤلاء بشيء، فيكون له ذلك بالوصية لا بالميراث. وقيل: ﴿مَعْرُوفًا﴾ بالصلة لهم، والمعونةِ بالبر والعقلِ عنهم ونحوِها، هذا وجه.

стр. 5930

ووجه آخر قاله قتادة في هذه الآية، وفيه تقديمٌ وتأخير: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾ ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ بالميراث دون الكفار منهم، ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ﴾؛ أي: قراباتكم من غير المؤمنين ﴿مَعْرُوفًا﴾ بالوصية في الموت أو بالصلة في الحياة (١). ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾: أي: التوارثُ بالأرحام في اللوح المحفوظ كان مسطورًا. وقيل: أي: في القرآن، وهي آية المواريث. * * * (٧) - ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾: يعني: كان ذلك في الكتاب مسطورًا حين كتب اللَّه تعالى ما هو كائن وحين أخذ مواثيق الأنبياء، وهو لتعظيم الأمر فيه، وتأكيدِ قطع الولاية بين المسلمين والكفار، وتعريفِ المؤمنين أن ذلك مما لا تختلف فيه شرائع الأنبياء في الجملة وإن كان في تفصيله اختلافٌ، وذلك أن الناس في أول الإسلام كانوا يتوارثون بالهجرة إذ هي من آكَدِ (٢) أسباب الديانة،

стр. 5931

وبالمؤاخاة إذ هي اجتماعٌ على نصرة دين اللَّه، ثم (١) في الآخِر توارثوا بالإيمان مع القرابة، وذلك اجتماعٌ في الدِّين بجمع اللَّه تعالى فلم تَخْلُ هذه الشرائعُ كلُّها من تعليق التوارث بسبب ولاية الدين. وقيل في نظمه وجهٌ آخر: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ. . . كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ ومأخوذًا به المواثيقُ من الأنبياء. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾: قال سعيد بن جبير: عمَّ بأخذ الميثاق على الدِّين والشهادة، وخصَّ الخمسة المذكورين في الآية بتبليغ الرسالة والقيامِ بالحجة؛ لأن لهم الكتبَ والأمم وهم أولو العزم، وبدأ بذكر النبي ﷺ لأنه كان هو الأولَ في خطاب العهد، ولذلك قال النبي ﷺ : "أنا أولُ الأنبياء خَلْقًا وآخرُهم بعثًا إلى الخلق" (٢). قال ابن عباس ﵄: أخذ ميثاقَ نوح على أن يبشِّر بإبراهيم، وأخذ ميثاق إبراهيم على أن يبشِّر بموسى، وأخذ ميثاق موسى على أن يبشر بعيسى، وأخذ ميثاق عيسى على أن يبشر بمحمد ﷺ . ثم قولُه تعالى: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ إلى آخره: دليلٌ على أن الواو للجمع المطلَق لا للترتيب.

стр. 5932

ثم هذا التفصيلُ بأسماء هؤلاء بعد الإجمال؛ لِمَا مرَّ أنهم أصحابُ كتبٍ وشرائعَ، وهم المذكورون في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ الآية [الشورى: ١٣]. ثم قولُه: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ يحتمِل أن يكون هو الميثاقَ المذكورَ في أول الآية، وإنما أُعيد لِمَا أريد من تعريف تغليظه؛ أي: توثيقه وتأكيده، ويحتمِل أن يكون الأولُ ميثاقَ الإقرار والشهادة، والثاني ميثاقَ التبليغ والبشارة. * * * (٨) - ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ﴾: أي: الأنبياءَ، وهم الصادقون ﴿عَنْ صِدْقِهِمْ﴾: عن دعائهم لأمتهم: ماذا أُجيبوا فيه، وهل أُطيعوا وأُنزلوا منزلة الآباء من الأمم؛ أي (١): أممهم، حتى كأن الأنبياء أحبُّ إليهم من أنفسهم وأهاليهم وأولادهم. وقد روي أن كلَّ نبي أبو أمته (٢)، وفي قصة لوط: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨] أنه أراد به بنات أمته فكان كالأب لهم. وقيل: معناه: ليسألهم هل بلَّغوا؟ هل قاموا بما أُمروا به؟ فيحاسَبون على ذلك ويثابون على تبليغهم، فإذا كان الأنبياء يحاسبون ويُسألون فكيف مَن سواهم؟ وقيل: إذا كان الصادق يُسأل عن صدقة فكيف الكاذب؟ وقوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: أي: للكافرين من أمم هؤلاء؛ أي: مَن شَهد عليهم الأنبياء بالكفر.

стр. 5933

وقال الإمام القشيري ﵀: سؤالُ الصادقين سؤالُ تشريف لا سؤالُ تعنيف، والصدقُ أن لا يكون في أحوالك شَوبٌ، ولا في اعتقادك رَيب، ولا في أعمالك عَيب (١). * * * (٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: وهي قصةٌ تشتمِل على ذكر الكافرين والمنافقين الذين ذكرهم في أول هذه السورة، يقول: اذكروا أيها المؤمنون منَّةَ اللَّه عليكم ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾؛ أي: حين جاءتكم جنود من المشركين أهلِ مكة وهوازن (٢) وغطفان في الأحابيش، وظاهَرهم على ذلك أهلُ الكتاب من بني قريظة، وذلك أن أبا سفيان بن حربٍ وعيينةَ بن حصنٍ ظاهَرَا يهودَ قريظة على النبي ﷺ ، وسمع به النبيُّ ﷺ فحفر الخندق بإشارة سلمان. ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾: أي: على هذه الجنود ﴿رِيحًا﴾ قطَّعت خيامهم وأكفأَتْ قُدورهم، فلم يمكِنْهم القَرارُ في مواضعهم (٣) ﴿وَجُنُودًا﴾؛ أي: من الملائكة ﴿لَمْ تَرَوْهَا﴾: قرأ أبو عمرٍو في روايةٍ بياء المغايبة (٤)؛ أي: لم يرها المشركون، وقرأ الباقون بتاء المخاطَب للمؤمنين.

стр. 5934

قوله ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾: قرأ أبو عمرو وابن كثير بياء المغايبة (١)؛ أي: بما يعمله جنود المشركين من البغي والسعي في إطفاء نور اللَّه تعالى وهو وعيد لهم. وقيل: أي: بما يعمله (٢) جنود اللَّه؛ أي: بعلمه فعلوا (٣) ما فعلوا وكان أرسلَهم لذلك. وقرأ الباقون بتاء المخاطبة؛ أي: لم يَخْفَ عليَّ أيها المؤمنون ما عمِلْتُم من التحصُّن والثبات على معاونة النبيِّ ﷺ وهو وعدٌ لهم. قال ابن عباس ﵄: لمَّا كان يومُ الأحزاب انطلقت الجنوب إلى الشمال فقالت: انطلقي بنا ننصرِ اللَّهَ ورسوله، فقالت الشمال: إن الحُرَّة لا تسري بالليل، فأرسل اللَّه عليهم الصَّبا فذلك قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ (٤)، وهم ألفٌ من الملائكة كانوا يكبِّرون من ناحية العسكر، وكانت هذه الريح من كبار المعجزات؛ لأنَّه لم يكن بين العسكرين إلا قَدْرٌ يسيرٌ يرى بعضهم بعضًا، فأرسل اللَّه الريح على المشركين وهي باردةٌ شغلَتْهم بأنفسهم وقلعت أخبِيَتهم ونالهم بسببها ما لم يتهيَّأ لهم القرارُ، وكان النبيُّ والمؤمنون في عافيةٍ من ذلك.

стр. 5935

(١٠) - ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾: قيل: هو وصف لهم بالكثرة والتوجُّهِ إليهم من كلِّ جهةٍ، وذلك أهولُ ما يكون. وقيل: ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾: ما يلي مكة ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾: ما (١) يلي المدينة. وقيل: ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾: من فوق الوادي من قِبَلِ المشرق وعليهم عوفُ بن مالكٍ النصْريُّ ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾: ما (٢) يلي المدينة، يعني: أبا سفيان بنَ حرب وعيينةَ بن حِصنٍ على أهل مكةَ، ويزيدَ بن حبيش (٣) على قريش، ومن قِبَل الخندق طليحةُ بن خويلدٍ اليهودي (٤) ثم الفقعسي ومعه يهود بني قريظة (٥). ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾: أي: مالت عيونكم عن كلِّ شيء فلم تلتفت إلا إلى العدوِّ متحيِّرةً، قاله الفراء (٦). وقيل: عُدلت عن مقرِّها وشَخَصت طامحةً من شدة الفزع.

стр. 5936

﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾: قيل: أي: كادت قلوبهم تبلغ الحلاقم. وقيل: إن الرئة تنتفِخ عند الخوف فتدفع القلبَ حتى يكاد يبلغ الحنجرة. وقيل: أي: صار بعضهم من الرعب يضطربُ فؤادُه فلم يستقرَّ مكانه، بل بلغ بحركته واضطرابه إلى الحلق. وقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾: قرأ ابن كثير والكسائي وعاصم في رواية حفص: ﴿الظُّنُونَا﴾ بالألف بالوقْف دون الوصل، وقرأ نافعٌ وعاصمٌ في رواية أبي بكرٍ وابنُ عامر بالألف في الوصل والوقف، وقرأ أبو عمرو وحمزة بغير ألف في الحالين (١)، وفي المصحف بالألف في هذه الثلاث ﴿الظُّنُونَا﴾ و ﴿الرَّسُولَا﴾ و ﴿السَّبِيلَا﴾ (٢)، وهو الأولى (٣)؛ لموافقة المكتوب، ولمطابقة رؤوس الآي (٤)، وهو صحيح في اللغة مستعملٌ في الكلام، وزيادة الألف إشباع الفتحة. ومعنى هذا الكلام: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ﴾ ظُنونًا مختلفةً، يظنُّ المخلِص أن اللَّه تعالى منجزٌ نبيَّه وعدَه في إعلائه وقهرِ أعدائه، ويظنُّ المرتاب أو غيرُ نافذ البصيرة غيرَ ذلك

стр. 5937

لِمَا يرى من كثرة العدو وضِيق الأمر بالمسلمين، يقول: لو كان اللَّه يريد أن ينصرهم لَمَا بلغ الأمر هذا المبلغَ، وهو قولُه: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ٢٢]. وقيل: هذا خطاب للمؤمنين؛ أي: تظنُّون مرةً أن اللَّه سيكفيكم ويقوِّيكم ويحميكم، وتظنُّون مرةً أنه يبتليكم ويخليكم، ويُخطر الشيطان مع ذلك قلوبَكم الخواطر. * * * (١١) - ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾. ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾: أي: امتُحن المؤمنون فبان صبرُهم وثباتهم. ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾: أي: حرِّكوا تحريكًا شديدًا بليغًا بالفتنة والتمحيص. قال محمد بن إسحاق: إن الحال لمَّا اشتدت وجاءت قريش مع قادتها حتى نزلت برومة، وغطفانُ مع قادتها ونزلت إلى جانب أحد، وكانوا عشرة آلاف والمسلمون ثلاثةَ آلاف، وبلغ رسولَ اللَّه ﷺ أن حييَّ بن أخطبَ لم يزل يَفتِلُ من كعب بن الأشرف في الذِّروة والغارب حتى نقض العهد، وعظُم بذلك البلاءُ واشتدَّ الخوف، وظنَّ المؤمنون الظنونَ ونجَم النفاق، حتى قال معتِّب بن قُشيرٍ: كأن محمدًا يرى أن يأكل من كنوز كسرى وقيصر وأحدُنا لا يأمن أن يذهب إلى الغائط! وأقام النبي ﷺ بضعًا وعشرين ليلة، فبينا الناس على ذلك من الخوف والبلاء، ولم يكن بين الناس قتال إلا الحصارُ والرميُ بالنبال، بعث رسول اللَّه ﷺ إلى عيينةَ بن حصن والحارثِ بن عوف وهما قائدا غطفان فأعطاهما ثلثَ ثمار المدينة على أن

стр. 5938

يرجعا ومَن معهما عن رسول اللَّه ﷺ وأصحابه، وكتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة، فلما أراد رسول اللَّه ﷺ أن يفعل بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فذكر لهما ذلك واستشارهما، فقالا: يا رسول اللَّه، أمر تحبُّه فتصنعَه، أم شيءٌ أمرك اللَّه تعالى به لا بد لنا من أن نعمل به، أم شيء تصنعه لنا؟ فقال: "لا، بل لكم واللَّه، ما أصنع ذلك إلا لأني رأيتُ العرب قد كالبَتْكم من كل جانب ورمتكم عن قوس واحد، فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم، فقال سعد بن معاذ: يا رسول اللَّه، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك باللَّه وعبادة الأوثان لا نعرف اللَّه ولا نعبده، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا بقِرًى أو بشِرًى، فحين (١) أكرمنا اللَّه بالإسلام وهدانا له وأعزَّنا بك نعطيهم أموالنا؟! ما لنا بهذا من حاجةٍ، فواللَّه لا نعطيهم إلا السيفَ حتى يحكم اللَّه بيننا وبينهم، فقال رسول اللَّه ﷺ : "فأنت وذاك" وتناول صحيفة العهد ومحاها (٢). * * * (١٢) - ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: قيل: إن المنافقين معروفون وهم كفارٌ غير مؤمنين ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هم قوم لا نصرةَ لهم في الدِّين (٣) كان المنافقون يستميلونهم بإدخال الشُّبَه عليهم: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾: أي: أن رسول اللَّه ﷺ وعدَنا النُّصرة ولم تظهر أمَارةُ ذلك بل يَظهر غيرُ ذلك، فليس ما وُعدنا إلا غرورًا؛ أي: إلا شيئًا يخدعُنا به

стр. 5939

لنتَّبعه من غمر أن يكون له حقيقةٌ، وافتتح بذكر اللَّه لأن رسول اللَّه ﷺ كان يَعِدُ ذلك عن اللَّه تعالى، وكان وعدُه وعدَ اللَّه. ورُوي أن رسول اللَّه ﷺ ضرب بالمعول فى الخندق ضرباتٍ أضاءت له منها قصور الشام واليمن والعراق، فبشَّرهم بأنها ستُفّتح عليهم وهم يومئذ (١) في جهدٍ شديد وخوفٍ عظيم، فقال معتِّب بن قُشيرٍ -وقيل: أوس بن قيظيٍّ-: يَعِدُنا محمد بهذا ونحن لا نستطيع أن نبرز للخلاء! فنزلت هذه الآية (٢). وقيل: ما كان قولَهم ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾؛ لأن مَن أقرَّ باللَّه والرسل لا يتكلَّم بهذا؛ لكنْ لمَّا وعدهم محمد ﷺ ذلك قالوا: هذا غرور، فأخبر اللَّه تعالى أنهم إنما وَصفوا بالغرور ما هو وعدُ الرسول، ووعدُه وعدُ (٣) اللَّه. * * * (١٣) - ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾.

стр. 5940

وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾: أي: يا أهل المدينة ليس لكم موضعُ قيام. وقرأ عاصم في رواية حفص: ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ بالضم (١)؛ أي: موضع إقامة؛ أي: ضيَّق عليكم الأحزاب الموضعَ فارجعوا من العسكر (٢) إلى المدينة. وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾: أي: منكشفةُ الظهور. وقيل: أي: خالية. وقيل: أي: ضائعة. وقيل: أي: ممكنةٌ للعدو، ونحتاج إلى أن نرجع فنحفظَها لقرب العدوِّ منها. وقيل: خارجةٌ من عمران المدينة، فَبَعَث رسول اللَّه ﷺ إليها فلم تكن كذلك، وذلك قوله: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾: أي: ما يريدون إلا هربًا من العسكر (٣)؛ حذرًا من الحرب، وإرادةً لكسر قلوب غيرهم. * * * (١٤) - ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ﴾: أي: المدينة ﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾؛ أي: من نواحيها. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾: أي: الكفر؛ كما قال تعالى: ﴿لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣].

стр. 5941

﴿لَآتَوْهَا﴾: أي: لأعطَوها من أنفسهم وكفروا، وهذا على قراءة المد، وقرأ ابن كثير ونافع ﴿لَأَتَوْهَا﴾ بالقصر؛ أي: لجاؤوها وفعلوها، من قولك: أتيتُ أمر كذا، والباقون بالمد من الإيتاء (١)، وهو الإعطاء. وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾: أي: ما تثاقلوا عن الإجابة إلا وقتًا قليلًا، وهذا وصفٌ لهم بضعف النية فيما يُظهرونه من الإسلام، وانحلالِ عقائدهم في الإيمان. يقول: لو دخل الأحزاب الأبواب قبل أن يصلوا إلى البيوت ساعدوهم على إظهار الكفر. وقيل: لو سئلوا إثارة الفتنة على المخلِصين لفعلوا وعاونوا عليها الكفار. وقال الحسن ﵀: ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾؛ أي: لو عادوا إلى الكفر لم يلبثوا بالمدينة إلا قليلًا حتى يعاجلهم اللَّه تعالى بعذابه فيهلكوا (٢). وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾: قال ابن عباس ﵄: هم بنو حارثة (٣). وقال مقاتل: هم بنو سالم (٤). وقال ابن عباس ﵄: إن اليهود قالت لعبد اللَّه بن أبيٍّ وأصحابه: ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سفيان وأصحابه؟ فارجعوا إلى المدينة ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾؛ أي: في الرجوع إلى المدينة وهم بنو حارثة (٥).

стр. 5942

(١٥) - ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾: أي: مسؤولًا عنه؛ أي: فنقضوا عهدهم واللَّه يسألهم عن ذلك، وكان بنو حارثة عاهدوا اللَّه بأحد أنْ لا يُولُّوا. وقال ابن عباس ﵄: هم قوم من أهل مكة. وقال مقاتل ﵀: هم السبعون الذين عاهدوا رسول اللَّه ﷺ ليلة العقبة وقالوا له: اشترط لربك ولنفسك، قال: "اشترطتُ لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، واشترطتُ لنفسي أن تمنعون مما تمنعون، منه أنفسكم وأموالكم وأولادكم"، قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: "لكم النصر في الدنيا والجنة في الآخرة"، قالوا: قد فعلنا ذلك (١). وقال محمد بن إسحاق ﵀: عاهدوا رسول اللَّه ﷺ يوم أحد على ألا يَفِرُّوا بعد ما نزل في الفارِّين (٢). * * * (١٦) - ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: أي: إن كان حضر أجلُكم فلن ينفعكم الفِرار، وإن كان لم يحضر وفَرَرْتُم لم

стр. 5943

تمتَّعوا في الدنيا إلا قليلًا، وهو مدة أعماركم، وذلك قليلٌ لأنه ينقضي عن قريب؛ أي: فصبرُكم مع رسول اللَّه ﷺ في مجاهدة الكفار خيرٌ لكم من الفرار على كل حال. * * * (١٧) - ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾: أي: يمنعكم مما يريد اللَّه إنزالَه بكم. ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا﴾: أي: في أنفسكم من قتلٍ أو غيره من مكروه. ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾: أي: إطالةَ عمرٍ في عافيةٍ وسلامة؛ أي: هل هذا كلُّه إلا من اللَّه تعالى؟ ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾: أي: ولا ينال هؤلاء القوم من (١) غير اللَّه مَن يتولى حفظهم، ولا مَن ينصرهم على مَن يريد إيقاعَ مكروهٍ بهم. وقيل: ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا﴾؛ أي: هزيمةً ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾؛ أي: ظهورًا على الأعداء. ثم الجمعُ بين الأمرين وأحدُهما مكروهٌ والآخرُ محبوب -والمذكور في صدر (٢) الكلام هو العصمة- يُشْكل بظاهره، لكن تقديره في الثاني: ومَن يمنع اللَّه من أن يرحمكم إن أراد بكم رحمة. * * *

стр. 5944

(١٨) - ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾: أي: المثبِّطين المثقِّلين الناسَ عن شهود الحرب، وأصل التعويق: المنعُ، وقد عاقَه يَعُوقُه؛ أي: منعه، والتفعيل للتكرير والتكثيرِ، وهم طائفة من المنافقين. قوله تعالى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾: أي: طائفةٍ أخرى منهم. وقيل: هؤلاء اليهود يقولون لإخوانهم؛ أي: للَّذين يؤاخونهم على الكفر. ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾؛ أي: أقبِلوا إلينا وصيروا في جملتنا، ودَعُوا عسكرَ محمد ﷺ ولا تشهدوا معه القتال. ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ﴾: الحربَ ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ يقولون لإخوانهم: إن أصحاب محمد لا يحضرون الحرب، إلا طائفةٌ قليلة منهم لا يقاومون الأحزاب، فهم مغلوبون فلا تكونوا معهم، وهذا قول قتادة (١). وقيل: أي: ولا يأتي هؤلاء القائلون لإخوانهم هذا الحربَ إلا قليلًا؛ أي: لهم الوصفان جميعًا: هم مثبِّطون لغيرهم ومتخلِّفون في أكثر الأحوال بأنفسهم. وقيل: أي: يحضرون ساعةً رياءً وسمعة، يقفون قليلًا مقدارَ ما يُرى شهودُهم ثم ينصرفون؛ كالذين لا يَأتونَ الصَّلاةَ إلَّا وهم كُسَالَى يراؤون الناس. * * *

стр. 5945

(١٩) - ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾. ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾: جمعُ شحيح وهو البخيل، ونصبه على الحال ويتصل بقوله: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: بخلاءَ عليكم بالظفَر والغنيمة والخير ومعونةِ الضعفاء. ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾: أي: كدوران عينِ الذي يزول عقله عند ظهور سكرات الموت. يقول: إذا كانت الغنيمة فهم أشحُّ الناس، وإذا جاء خوف القتل فهم أجبنُ الناس، ويُدهشون من الفزع، ويقلِّبون أعينَهم يمينًا وشمالًا، وينظرون إليك يلوذون بك أحداقُهم تضطرب في رؤوسهم كما يكون ممن حضره الموت. ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ﴾: قال الفرَّاء: أي: عصَوكم وآذَوكم بالكلام (١). وقال قطرب: سَلَقَتِ المرأة وصَلَقَت؛ أي: صَخِبَت (٢)، وأصله: رفع الصوت؛ قال النبي ﷺ : "ليس منَّا مَن حلق أو سلق" (٣)؛ أي: حلَق شعره عند المصيبة أو رفعَ صوته بالنياحة.

стр. 5946

﴿بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾: أي: ذَرِبةٍ بالقول بعد أن كانت حَصِرةً بالخوف. وقيل: أي: يطعنون فيكم ويغمزونكم بالمعايب كذبًا وزورًا. وقيل: أي: يُكْثرون القولَ عليكم في الغنيمة (١): أعطُونا أعطُونا، إلحاحًا منهم وتوهُّمًا أنكم تستأثرون به. وقيل: أي: أثنَوا عليكم نِفاقًا برفع الصوت بعدما كانوا يثبِّطونهم في حال الحرب. وقوله تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾: قيل: أي: بخلاءَ عليكم بالغنيمة، والأولُ بالمعونة؛ لئلا يتكرَّر. وقيل: أي: أَشِحَّةً بكلام الخير؛ أي: يُسيؤون القولَ فيكم ولا يُحْسنون. وقيل: الأول على الخصوص فإنه قال؛ ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾، وهذا على العموم؛ أي: في حقِّ كلِّ الناس؛ لشَرَههم وسوءِ طباعهم وخُبث اعتقادهم. وقيل: ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾؛ أي: بالطاعات والخيرات. وقيل: الخير: المال؛ أي: أشحةً بأموالهم فلا ينفقونها في سبيل اللَّه ولا يُؤْثِرون ولا يواسُون. ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾: أي: في الحقيقة، بل بالألسنة ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾؛ أي: أبطل بإضمارهم الكفرَ ما أظهروه من الأعمال. ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾: أي: إحباطُ أعمالهم. * * *

стр. 5947

(٢٠) - ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ﴾: أي: يظنُّون أن الأحزاب وهم قريشٌ وغطفانُ ومَن معهم ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾؛ أي: لم ينصرفوا مع أنهم انصرفوا، وهو بيان جبن هؤلاء المنافقين. ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾: أي: ولو رجع الأحزاب إلى المدينة بعد أن انصرفوا إلى مواضعهم تمنَّى هؤلاء المنافقون -لجُبنهم- لو كانوا في البوادي مع الأعراب وهم سكان البدو؛ ليأمنوا على أنفسهم. ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾: أي: يودُّون لو أنهم في البدو ويسألون هناك عن أخباركم مَن أتاهم من المدينة؛ أي: تمنَّوا أن يكونوا ببُعدٍ منكم لا يعلمون بحالكم إلا بالسؤال عنها من القادمين من جهتكم جُبنًا منهم. وقيل: ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ ليس بمبنيٍّ على الأول، ومعناه: أن مَن كان منهم في أطراف المدينة لم يحضروا الخندق يسألون الناس (١) عن أنبائكم متوقِّعين خبر غلبةِ المشركين عليكم. ﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ﴾: أي: لو كان هؤلاء السائلون في عسكركم ﴿مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ ورياءً وسمعةً لا نفعَ لكم فيه. * * * (٢١) - ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.

стр. 5948

وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾: قرأ عاصم: ﴿أُسْوَةٌ﴾ بضم الألف والباقون بكسرها (١)، وهما لغتان في القدوة، وتذكيرُ ﴿كَانَ﴾ لتقدُّم الفعل؛ أي: لقد كان لكم قدوةٌ برسول اللَّه حين خرج لحرب هؤلاء وبذَل نفسه لنصر دين اللَّه، مع ما قاساه من البلايا من البرد والجوع وحفر الخندق وغيرِ ذلك، فكان ينبغي لهؤلاء أن لا يخالِفوه ولا يتخلَّفوا عنه. ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾: أي: يأمل ثوابَ اللَّه ويخافُ عقاب اللَّه، والرجاء اسم لهما جميعًا. ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾: بالتعظيم له في كل الأحوال، فهذا هو الذي يرغب في اتِّباع رسول اللَّه ﷺ . * * * (٢٢) - ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾. ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾: أي: أخبَر اللَّه أنه يكون بلاءٌ وشدة في آيات ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ [البقرة: ٢١٤] ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت: ١ - ٢] الآيات ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ الآية [آل عمران: ١٧٩]، ونحوها. ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾: ظهَر صدقُهما. ﴿وَمَا زَادَهُمْ﴾ ما رأوا ﴿إِلَّا إِيمَانًا﴾ وتصديقًا (٢) ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ وتفويضًا، وقالوا: ظهر صدق وعد اللَّه في إصابة البلاء، فكذلك يظهر صدق وعده في النصر والفرج.

стр. 5949

(٢٣) - ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾: قال ابن عباس ﵄: إن جماعة من الصحابة لمَّا سمعوا رسول اللَّه ﷺ يصف شهداء بدر ودرجاتهم في الجنة وثوابَهم عند اللَّه تعالى، قالوا: لئن أرانا اللَّه مثلَ ذلك اليوم فعلنا وفعلنا، فلما ابتُلوا بيوم أحد صاروا فرقًا، فمنهم مَن استُشهد مثلَ حمزةَ ومصعبِ بن عميرٍ ودونهما، ومنهم مَن جُرح، ومنهم مَن انهزم، فوصف اللَّه الذين ثبتوا في الحرب فقال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (١). ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾: أي: نذره. وقال ابن عباس ومقاتل: أي: أجَله (٢). وقال الضحاك: يعني: الموت (٣). ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ يعني الوفاء بالعهد ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾. وعن أنس بن مالك ﵁ قال: غاب عمي أنسُ بن النضر عن قتال بدر، فقال: غبتُ عن أولِ مشهدٍ شهِده رسول اللَّه ﷺ ، ولئن شهدتُ مشهدًا مع رسول اللَّه ليَرينَّ اللَّه ما أصنع، وهاب أن يقول غير ذلك، فلما كان يوم أحد وقتل من

стр. 5950

المسلمين مَن قتل وهرب مَن هرب قال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع هؤلاء، يعني: المنهزمين، وانغمس في العدو وجعل يضرب بسيفه حتى قُتل، قال أنس: فنظرنا فإذا عليه فيما يُقبل من جسده (١) بضعٌ وثمانون جراحةً من ضربٍ بالسيف وطعنٍ بالرمح ورمي بالسهم، فلم يعرفه أحد حتى عرفته أختُه من بنانه، وفيه أنزل اللَّه: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ (٢)، يعني: النذر (٣). ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ قيل: هو طلحة بن عبيد اللَّه، فإنه قد بذل نفسه وأصابته الجراح في يده، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "طلحة ممن قضى نحبه" (٤)، وإنما قال ذلك لأنه كان بذل نفسه. ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾؛ أي: ما نقضوا العهد. * * * (٢٤) - ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾: هم الذين صدَقوا ما عاهدوا اللَّه عليه وهو متصلٌ بما قبله، قالوا: هذا ما وعدَنا اللَّه ورسوله أنه يمتحنُنا بالشدائد

стр. 5951

من الكفار ويتعبَّدنا بمجاهدتهم؛ ليتميَّز بذلك الصادقُ من الكاذب، فيجزيَ اللَّه الصادقين بصدقهم ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ﴾: وهو إذا مات المنافق على نفاقه ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾: يقبلَ توبةَ مَن تاب منهم وأخلص ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لمن تاب وإليه أناب. * * * (٢٥) - ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾: أي مع غيظهم لم يَشْفوه؛ أي: صرفهم عن المدينة وكفَّهم عن النبي ﷺ وأصحابه ﵃. ﴿لَمْ يَنَالُوا﴾: أي: ظَفَرًا. ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾: أي: لم يُحْوِجهم في ردِّهم عنهم إلى قتال، بل دفعهم عنهم بالريح فلم يستطع أحد منهم أن يُلجم دابته، وجالت خيلهم في عسكرهم وتقطَّعت أطنابهم فانهزموا سريعًا عاجلًا (١). ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾: قادرًا منيعًا. * * * (٢٦) - ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: أي: عاونوا المشركين

стр. 5952

وهم يهود بني قريظة ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾؛ أي: حصونهم، جمع صِيْصِيَةٍ، والصِّيصِيَةُ قرنُ البقرة وشوكةُ الديك وشوكةُ الحائك؛ قال الشاعر: كوقعِ الصَّياصي في النسيجِ الممدَّد (١) وكانوا ذمةً لرسول اللَّه ﷺ ، فنقضوا العهد باستدعاء أبي سفيان، وجاؤوا لمحاربة المسلمين، فلما فرغ رسول اللَّه ﷺ من أمر قريش ودخل الحجرة ووضع السلاح سمع وَجْبةً على باب الحجرة، فنظر فإذا هو بجبريل ﵇ على فرسٍ أبلقَ وعلى ثيابه أثرُ النَّقْع، فقال: يا رسول اللَّه، وضعتَ السلاح ونحن ما وضعنا أسلحتنا بعدُ، فقالت عائشة ﵂: فكأني انظر إلى رسول اللَّه ﷺ يمسح الغبار عن وجه جبريل، فقلت: يا رسول اللَّه! هذا دحيةُ الكلبي؟ فقال: "هذا جبريل"، فقال: إن اللَّه يأمرك ألا تصلِّي العصر إلا ببني قريظةَ، فنادى رسول اللَّه ﷺ بذلك في المسلمين، فخرجوا إليهم (٢) ولحق بهم رسول اللَّه ﷺ ، وحاصرهم أحدًا وعشرين يومًا، ثم نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فحكم بأن تُقتل مقاتلتُهم وتُسبى ذراريهم ونساؤهم وتغنم أموالهم، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لقد حكمتَ بحكم اللَّه تعالى فيهم" وفعل ذلك، ومَنَّ اللَّه على المسلمين بذلك فقال: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ (٣).

стр. 5953

﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾: أي: ألقى فيها الخوف ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ وهم البالغون ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ وهم الصبيان والنساء. * * * (٢٧) - ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾. ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾: أي: جعلها لكم بعدهم. ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾: أي: لم تصيروا إليها بعدُ قاصدين قتال أهلها واستيلاءكم على أموالهم فيها، وهذا وعدٌ لهم بإحرازِ أرض لم يصلوا إليها بعد. قيل: هي أرض فارس والروم، وهذا قول الحسن. وقال قتادة: هي مكة.

стр. 5954

وقال ابن زيد ويزيد بن رومان: هي خيبر (١). وقيل: هي فدكُ وخيبرُ. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾: أي: لم يزل اللَّه قادرًا على استئصال الكفار -وإن كان لا يعاجل بالعقوبة- وعلى كل شيء. وكان حرب الأحزاب -ويسمى: حربَ الخندق- بعد حرب أحدٍ بسنةٍ في السنةِ الخامسة من الهجرة، واستجاش أبو سفيان سبعةَ جيوش، وقد كان بايَع مجوسَ فارس ونصارى الر وم، وكان الأحزاب تحالفوا أن يستأصلوا المدينة وأهلها ويهدموا البنيان بحيث لا يبقى بها أثر، وكان في صميم الشتاء وشدةِ البرد، وأهلُ المدينة في عزةٍ من الطعام وقلةٍ من اللباس وضعفٍ من البدن، وكانوا يحفرون الخندق وهم شادُّون الأحجار على أوساطهم، والنبيُّ ﷺ شادٌّ حجرًا على حجر (٢) على بطنه، وفي اليوم الأول قُتل عمرو بن عبدِ ودٍّ من أكابر المشركين، وفي اليوم الثاني شَغلوا النبيَّ ﷺ عن الصلاة الوسطى، وفاتته أربعُ صلوات وقضاهن من الليل، وفيه دعي رسول اللَّه ﷺ إلى طعام قليل وهو صاعٌ من شعيرٍ وشاةٌ، فجمع كل أصحابه وأتاهم فكفاهم كلَّهم ذلك الطعامُ وفَضَل عنهم (٣). * * * (٢٨) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾.

стр. 5955

وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ الآية: روي أن النبي ﷺ قسم غنائم بني قريظة بين أصحابه وعائشةُ ﵂ تنظر (١)، وكان للنبي الخُمسُ من كلِّ الغنيمة، فقالت عائشة ﵂ في نفسها: اليومَ يومُ خماري ومِقْنَعتي، وصرف النبيُّ الخمسَ أيضًا إلى الناس فلم يحصل لعائشةَ شيء، فجادلت رسول اللَّه ﷺ في ذلك وأبو بكر الصدِّيقُ حاضر، فرفع يده إليها ليلطمها فمنعه رسول اللَّه ﷺ فقال: "دَعْها فإنها صغيرة (٢) " ثم وضَع يده على كتفها وقال: "اخرُج يا شيطان منها"، وقيل: قال: "اخرُجْ يا خبيثُ من هذه الطاهرة" فقامت وقالت: والذي بعثك بالحق لقد خرج، ونزلت هذه الآية في عتابهنَّ (٣)، وفيها تخييرُهن وهو انتظامٌ حسَن. وقيل: انتظامها بما قبلها: أنه نوعُ أذًى كان منهنَّ في حقِّ النبي، والأولُ كان نوعَ أذًى في حقه من الكفار والمنافقين. وقال عكرمة: نزلت الآية في غيرة غارتها عائشة ﵂ (٤). وقيل: إن بعض نسائه استزادَتْه في النفقة (٥). وروي أنه أُمر أولًا باعتزالهنَّ، فآلى ألا يدخل عليهن شهرًا، ثم لمَّا مضى شهرٌ
следующие страницы →