← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.

стр. 5951

من الكفار ويتعبَّدنا بمجاهدتهم؛ ليتميَّز بذلك الصادقُ من الكاذب، فيجزيَ اللَّه الصادقين بصدقهم ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ﴾: وهو إذا مات المنافق على نفاقه ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾: يقبلَ توبةَ مَن تاب منهم وأخلص ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لمن تاب وإليه أناب. * * * (٢٥) - ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾: أي مع غيظهم لم يَشْفوه؛ أي: صرفهم عن المدينة وكفَّهم عن النبي ﷺ وأصحابه ﵃. ﴿لَمْ يَنَالُوا﴾: أي: ظَفَرًا. ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾: أي: لم يُحْوِجهم في ردِّهم عنهم إلى قتال، بل دفعهم عنهم بالريح فلم يستطع أحد منهم أن يُلجم دابته، وجالت خيلهم في عسكرهم وتقطَّعت أطنابهم فانهزموا سريعًا عاجلًا (١). ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾: قادرًا منيعًا. * * * (٢٦) - ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: أي: عاونوا المشركين

стр. 5952

وهم يهود بني قريظة ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾؛ أي: حصونهم، جمع صِيْصِيَةٍ، والصِّيصِيَةُ قرنُ البقرة وشوكةُ الديك وشوكةُ الحائك؛ قال الشاعر: كوقعِ الصَّياصي في النسيجِ الممدَّد (١) وكانوا ذمةً لرسول اللَّه ﷺ ، فنقضوا العهد باستدعاء أبي سفيان، وجاؤوا لمحاربة المسلمين، فلما فرغ رسول اللَّه ﷺ من أمر قريش ودخل الحجرة ووضع السلاح سمع وَجْبةً على باب الحجرة، فنظر فإذا هو بجبريل ﵇ على فرسٍ أبلقَ وعلى ثيابه أثرُ النَّقْع، فقال: يا رسول اللَّه، وضعتَ السلاح ونحن ما وضعنا أسلحتنا بعدُ، فقالت عائشة ﵂: فكأني انظر إلى رسول اللَّه ﷺ يمسح الغبار عن وجه جبريل، فقلت: يا رسول اللَّه! هذا دحيةُ الكلبي؟ فقال: "هذا جبريل"، فقال: إن اللَّه يأمرك ألا تصلِّي العصر إلا ببني قريظةَ، فنادى رسول اللَّه ﷺ بذلك في المسلمين، فخرجوا إليهم (٢) ولحق بهم رسول اللَّه ﷺ ، وحاصرهم أحدًا وعشرين يومًا، ثم نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فحكم بأن تُقتل مقاتلتُهم وتُسبى ذراريهم ونساؤهم وتغنم أموالهم، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لقد حكمتَ بحكم اللَّه تعالى فيهم" وفعل ذلك، ومَنَّ اللَّه على المسلمين بذلك فقال: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ (٣).

стр. 5953

﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾: أي: ألقى فيها الخوف ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ وهم البالغون ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ وهم الصبيان والنساء. * * * (٢٧) - ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾. ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾: أي: جعلها لكم بعدهم. ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾: أي: لم تصيروا إليها بعدُ قاصدين قتال أهلها واستيلاءكم على أموالهم فيها، وهذا وعدٌ لهم بإحرازِ أرض لم يصلوا إليها بعد. قيل: هي أرض فارس والروم، وهذا قول الحسن. وقال قتادة: هي مكة.

стр. 5954

وقال ابن زيد ويزيد بن رومان: هي خيبر (١). وقيل: هي فدكُ وخيبرُ. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾: أي: لم يزل اللَّه قادرًا على استئصال الكفار -وإن كان لا يعاجل بالعقوبة- وعلى كل شيء. وكان حرب الأحزاب -ويسمى: حربَ الخندق- بعد حرب أحدٍ بسنةٍ في السنةِ الخامسة من الهجرة، واستجاش أبو سفيان سبعةَ جيوش، وقد كان بايَع مجوسَ فارس ونصارى الر وم، وكان الأحزاب تحالفوا أن يستأصلوا المدينة وأهلها ويهدموا البنيان بحيث لا يبقى بها أثر، وكان في صميم الشتاء وشدةِ البرد، وأهلُ المدينة في عزةٍ من الطعام وقلةٍ من اللباس وضعفٍ من البدن، وكانوا يحفرون الخندق وهم شادُّون الأحجار على أوساطهم، والنبيُّ ﷺ شادٌّ حجرًا على حجر (٢) على بطنه، وفي اليوم الأول قُتل عمرو بن عبدِ ودٍّ من أكابر المشركين، وفي اليوم الثاني شَغلوا النبيَّ ﷺ عن الصلاة الوسطى، وفاتته أربعُ صلوات وقضاهن من الليل، وفيه دعي رسول اللَّه ﷺ إلى طعام قليل وهو صاعٌ من شعيرٍ وشاةٌ، فجمع كل أصحابه وأتاهم فكفاهم كلَّهم ذلك الطعامُ وفَضَل عنهم (٣). * * * (٢٨) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾.

стр. 5955

وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ الآية: روي أن النبي ﷺ قسم غنائم بني قريظة بين أصحابه وعائشةُ ﵂ تنظر (١)، وكان للنبي الخُمسُ من كلِّ الغنيمة، فقالت عائشة ﵂ في نفسها: اليومَ يومُ خماري ومِقْنَعتي، وصرف النبيُّ الخمسَ أيضًا إلى الناس فلم يحصل لعائشةَ شيء، فجادلت رسول اللَّه ﷺ في ذلك وأبو بكر الصدِّيقُ حاضر، فرفع يده إليها ليلطمها فمنعه رسول اللَّه ﷺ فقال: "دَعْها فإنها صغيرة (٢) " ثم وضَع يده على كتفها وقال: "اخرُج يا شيطان منها"، وقيل: قال: "اخرُجْ يا خبيثُ من هذه الطاهرة" فقامت وقالت: والذي بعثك بالحق لقد خرج، ونزلت هذه الآية في عتابهنَّ (٣)، وفيها تخييرُهن وهو انتظامٌ حسَن. وقيل: انتظامها بما قبلها: أنه نوعُ أذًى كان منهنَّ في حقِّ النبي، والأولُ كان نوعَ أذًى في حقه من الكفار والمنافقين. وقال عكرمة: نزلت الآية في غيرة غارتها عائشة ﵂ (٤). وقيل: إن بعض نسائه استزادَتْه في النفقة (٥). وروي أنه أُمر أولًا باعتزالهنَّ، فآلى ألا يدخل عليهن شهرًا، ثم لمَّا مضى شهرٌ

стр. 5956

أنزل اللَّه هذه الآية وأمره بتخيير نسائه، فبدأ بعائشة ﵂ وقال لها: "إني مُلْقٍ إليك أمرًا فلا عليك أن تجيبيني حتى تستأمري أبويك" -قالت عائشة: وكان (١) النبي ﷺ يعلم أن أبوي لا يأمراني بفراقه- ثم تلا عليها الآيتين، قالت عائشة ﵂: يا رسول اللَّه! أفي اللَّهِ ورسوله أستأمِرُ أبويَّ؟ فإني اخترتُ اللَّه ورسوله والدارَ الآخرة، ولكنْ لا تخبر بقولي سائر نسائك، فكان رسول اللَّه ﷺ يدخل على نسائه ويتلو عليهن الآيتين ويخبرهن بصنيعِ عائشة، فاخترن اللَّه ورسوله والدار الآخرة (٢). وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾؛ أي: إن كنتن تُرِدْن نكاحَ مَن يمَتِّعُكُنَّ بدنياه وزينتِها من الأموال حتى تتوسَّعْنَ في النفقة والكسوة حتى تنفردَ كلُّ واحدةٍ منكن بزوجٍ لا يتزوَّج معها غيرَها فتزولَ الغيرة عنها ﴿فَتَعَالَيْنَ﴾؛ أي: فجئن (٣) ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾؛ أي: أُعطِكُنَّ المتعةَ بالمعروف ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾؛ أي: أطلقكن طلاقًا حسنًا لا ضرارَ فيه في وقت السُّنَّة. * * * (٢٩) - ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: يعني رضا اللَّه ورضا رسوله ﴿وَالدَّارَ الْآخِرَةَ﴾؛

стр. 5957

أي: ثواب الآخرة دون زينةِ الدنيا ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾؛ أي: تنلنَ بالدوام على نكاحي رضا اللَّهِ ورضاي وثوابَ الآخرة دون زينة الدنيا (١)، فإذا أحسَنْتُنَّ العمل فاثْبُتْنَ على نكاحي أَثبُتْ عليه. * * * (٣٠) - ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾: أي: زنًا ظاهرٍ ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ قرأ ابن كثير: ﴿نُضعِّف﴾ بضم النون وتشديد العين ﴿الْعَذَابُ﴾ بالنصب، وقرأ أبو عمرو بالياء وفتح العين على ما لم يسمَّ فاعله (٢). وحكى أبو عمرو قراءة أبي عمرو (٣): (نضاعِفْ) بالنون والألف خبرًا من اللَّه تعالى من نفسه بخطاب الملوك. والتضعيف والمضاعفة واحد؛ كقوله: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ﴾ ﴿ولا تُصاعِرْ﴾ [لقمان: ١٨]. و ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ عند أبي عبيدة: ثلاثةُ أمثال؛ لأن ضِعْفَ الشيء مثلُه، فضِعْفاه مِثْلاه، فيكون مع الأصل ثلاثةَ أمثال (٤).

стр. 5958

وقال القتبي وأبو عمرٍو والزجَّاج وجماعةٌ: هما مثلان، بدليل أنه قال في الثواب: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ فكذلك العذاب، ومعناه: نضاعف لها العذاب فنجعل ذلك ضعفين؛ أي: مثلين كل واحد منهما ضعفُ الآخر؛ لأن ضعف الشيء مثله (١). وهذا لشرفهن وقَدْرهن بصحبة النبيِّ ﷺ ، فتَفْحُشُ جنايتُهنَّ وتُغلَّظ عقوبتُهن، وكذلك طاعتُهن وثوابهن. وقيل: هذا العذاب المضعَّف في الآخرة كالثواب المضاعف. ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾: أي: وكان تضعيف العذاب لهن على اللَّه هينًا غيرَ متعذِّر. * * * (٣١) - ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: أي: ومَن يدم منكنَّ على طاعة اللَّه وطاعة رسوله، والقنوت: الدوام على العمل للَّه تعالى. ﴿وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾: قرأ حمزة والكسائي بياء التذكير ردًّا على (مَن)، والباقون بتاء التأنيث (٢)؛ لأنَّه فعلُ المرأة. ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾: قرأ حمزة والكسائي بياء المغايبة؛ أي: يؤتها اللَّه، والباقون

стр. 5959

بالنون (١) خبرًا من اللَّه تعالى عن نفسه بخطاب الملوك جميعا. ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾: أي: وهيَّأنا لها في الجنة رزقًا حسنًا خطيرًا. * * * (٣٢) - ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. وقوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾: بل لكُنَّ فضيلةٌ على كلِّ النساء بأنَّكن زوجات رسول اللَّه ﷺ في الدنيا والآخرة، ومشاهِداتٌ أفعالَ النبيِّ ﷺ وأقوالَه وأحواله بالليل والنهار. ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾: هذه الفضيلةُ لكنَّ إذا اتقيتنَّ المعاصيَ ومخالفةَ اللَّه ورسوله والرغبةَ في الدنيا وزينتها. ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾: فلا تَلِنَّ بالكلام إن كلَّمْتُن الرجال من وراء حجابٍ كما يكلِّم الإنسان مَن يخضع له بالطاعة وينقادُ له فيما يريد. ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾: جوابُ النهي بالفاء فنُصب؛ أي: فيطمع فيكنَّ مَن ﴿فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾؛ أي: نفاق، وقيل: فجور. والمرض المطلق ضَعْفٌ في البدن، وهذا ضعفٌ في الدِّيانة أو الاعتقاد أو الصلاح. ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾: يرضاه الشرع بأنْ يكون كلامًا يُعرف أنه كلامُ العفائف الصالحات الصائنات.

стр. 5960

وقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾: قرأ نافع وعاصم بفتح القاف، وأصله: واقْرَرْنَ، من باب عَلِم من القرار، وهو مستعمل من باب ضرب وعلم جميعًا. قال الزجَّاج: حُذفت إحدى الراءين ونُقلت فتحتُها إلى القاف فتحرَّكت فسقطت الألف المجتلَبة لزوال الضرورة والحاجة إليها (١)، وهذا الحذف كالحذف في قوله: ﴿فَظَلْتُمْ﴾ [الواقعة: ٦٥]. وقرأ الباقون: ﴿وقِرْنَ﴾ بكسر القاف من الوَقار (٢)، وهو السكون والطمأنينة؛ أي: الْزَمْنَ بيوتَكُنَّ فذلك أَستَرُ لكنَّ وأحرى أنْ لا يراكُنَّ أجنبيٌّ يكلِّمكنَّ. ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾: قال قتادة: وهو التبختُر إذا خرجت من بيتها (٣). وقال مجاهد: هو التبخترُ في بيتها لمن دخله من الرجال (٤). فأُمرن بالتَّستُّر والعفاف (٥) في الحالين. وقيل: هو التزيُّن والتكشُّف، وأصل الكلمة: السعةُ والظهور، ومنه: البُرج، وهو القصر، والبَرَج في العين وهو سَعَة الحدقة. والجاهلية الأولى: المتقدِّمة على الإسلام. وقيل: إن اللَّه تعالى كان أعلمَ نبيَّه انفتاحَ بلدان الأمم على أمته واتِّساعَ أصحابه

стр. 5961

في المال، فنهى نساءه إذا أَدركن ذلك أن يتبرَّجن، فيكونَ ذلك منهن جاهليةً -وهي حالةُ فسقٍ- كالجاهلية قبل الإسلام وهي حالة كفرٍ (١). وقيل: الجاهلية الأولى زمانُ إبراهيم ﵇، كانت المرأة تلبس من الدروع درعَ اللؤلؤ غيرَ مخيطٍ الجانبين، وتلبس الثياب الرِّقاق التي لا تواري بدنها. ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ﴾: فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴿وَآتِينَ الزَّكَاةَ﴾: فإنها مواساةُ أهل الجنة ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في كِلِّ أمرٍ ونهي. ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾: أي: إنما يريد اللَّه بتنبيهِكم يا أهلَ بيت محمد على مراشدكم بهذه الأوامر أن يُذهب عنكم نجاسةَ الآثام ويطهِّرَكم عنها فتطهَّروا بها. وقيل: أهل البيت: الحسن والحسين وعليٌّ وفاطمةُ ﵃. قال أنس ﵁ كان النبي ﷺ يمر ببيت فاطمة وقت الفجر فيقول: "الصلاة [يا أهل البيت] ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ " (٢). قالت أم سلمة ﵂: إن هذه نزلت على النبيِّ وهو في بيتها، فدعا الحسنَ والحسين وعليًّا وفاطمةَ فجلَّلهم بالكساء ثم قال: "اللهم هؤلاء أهلُ بيتي فأَذْهِبْ عنهم الرجس وطهِّرْهم تطهيرًا" (٣).

стр. 5962

وقال ابن عباس وعكرمة: هم أزواج النبي ﷺ على الخصوص (١)؛ لأن ما قبلها وما بعدها فيهن. وقال الحسين بن الفضل: وهو الصحيح. وبه قال الإمام أبو منصور ﵀: أن هذه الآية في أهل بيت النبيِّ ﷺ من الأزواج وغيرهنَّ، ففي حديث أم سلمة أنها قالت: يا رسول اللَّه، وأنا من أهل البيت؟ قال: "نعم" (٢) والخطاب بالكاف والميم هاهنا لشموله على الذكران والإناث (٣). * * * (٣٤) - ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾:

стр. 5963

قيل: هو ذكر النعمة للشكر عليها. وقيل: هو التلاوة والذكر باللسان. وقيل: هو الحفظ بالقلب. والصيغة صالحة للكل. ﴿مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾: أي: القرآن ﴿وَالْحِكْمَةِ﴾؛ أي: بيانِ معاني القرآن. وقيل: الحكمةُ: سنةُ الرسول وهي كلامه (١). والحكمة من الإحكام وهو الإتقان، وسنةُ الرسول أيضًا محكمةٌ واجبة لحفظ كالكتاب (٢). ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾: قيل: اللطيف: العالم بغوامض الأشياء، الخبير: العالم بحقائقها؛ أي: هو عالمٌ بأفعالكنَّ وأقوالكنَّ وأحوالكنَّ، ومُجازٍ لَكُنَّ عليها، فاحذَرْنَ مخالفةَ أمره ونهيه ومعصيةَ رسوله. وقيل: ﴿لَطِيفًا﴾؛ أي: بارًّا بكنَّ ﴿خَبِيرًا﴾؛ أي: عالمًا بمواضع الاختيار لكُنَّ، فاشكُرْن إنعامه عليكنَّ. * * * (٣٥) - ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾.

стр. 5964

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ الآية: قال قتادة: لمَّا ذكر اللَّه تعالى أزواج النبي ﷺ دخل نساءٌ من المسلمات عليهن فقلن: ذُكِرْتُنَّ ولم نُذكر، ولو كان فينا خيرٌ لذُكرنا، فنزلت هذه الآية (١). وقالت أم سلمة: يا رسول اللَّه! ما للنساء لا يُذكرن مع الرجال؟ فأنزل اللَّه هذه الآية، ذكره مجاهد (٢). وذكر مقاتل هذا عن أم سلمة ونسيبة (٣) بنت كعب، قال: قالتا: يا رسول اللَّه، ما لنا لا نذكر بخير في القرآن؟ فنزلت (٤). وقال عكرمة: أتت أم عمارة النبيَّ ﷺ فقالت: ليس فينا معشر النساء خير؟ قال: "ولم؟ "، قالت: لأن اللَّه تعالى لا يذكرنا بخير في القرآن، فنزلت (٥). وقال مقاتل بن حيان: رجعت أسماء بنت عميس من الحبشة مع زوجها جعفرِ بن أبي طالب، فدخلت على نساء رسول اللَّه ﷺ قالت: هل نزل فينا شيء من القرآن؟ قلن: لا، فأتت رسول اللَّه ﷺ فقالت: يا رسول اللَّه، إن النساء لفي خيبةٍ وخَسار، قال:

стр. 5965

"وممَّ ذلك؟ " قالت: لأنهن لا يُذكرن بخير كما تُذكر الرجال، فنزلت (١): ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾: أي: الخاضعين للَّه بالطاعة والخاضعات. ﴿وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾: أي: المصدِّقين للَّه ورسوله والمصدِّقات. ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾: أي: المطيعين للَّه والمطيعات. ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾: أي: في العهود والأقوال والمعاملات. ﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾: أي: على الطاعة، وعن المعصية، وفي البلية. ﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾: والخشوع: سكونُ الظاهر، وخوفُ الباطن، والتذلُّلُ للَّه. ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾: فرضًا ونفلًا. ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾: فرضًا ونفلًا أيضًا. ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾: أي: فروجهنَّ، واختصر لدلالة صدر الكلام عليه، ومعناه: الحافظين عن الحرام (٢). ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾: أي: اللَّه كثيرًا، وهو بالألسنة والقلوب. ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً﴾: لذنوبهم ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ على طاعاتهم، هو جواب الابتداء، وعظمُ الأجر بكثرته ودوامه. * * *

стр. 5966

(٣٦) - ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾: وانتظامُها بما قبلها: أنه قال: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ومدَح بعد ذلك المطيعين والمطيعات للَّه ورسوله، وبيَّن في هذه الآية وجوبَ طاعة اللَّهِ ورسوله، ووعيدَ مَن عصَى اللَّهَ ورسوله. ووجه آخرُ: أن الآيات المتقدمةَ في ذكر نساء النبي ﷺ وسائرِ النساء، وهذه الآية في ذكر زينب وزوجِها زيد، ثم صارت لرسول اللَّه ﷺ . ووجه آخر: أنه قال: ﴿مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ والآيات: القرآن، والحكمة: السنَّة، وفي هذه الآية وعيدٌ لمن خالف الكتاب والسنة. وقيل: نزلت الآية في زيدٍ وزينبَ، خطب النبيُّ ﷺ زينب بنتَ جحش بن رئاب بن يَعمر بن صبرةَ بن مُرةَ بن كثير بن غنم بن دودان بن أسد بن خُزيمة، وهي بنت عمةِ رسول اللَّه ﷺ ، فإن أمها أميمةُ بنت عبد المطلب عمةُ رسول اللَّه ﷺ ، لمولاه زيد بن حارثةَ بن شَراحيل بن كعب بن عبد العُزَّى بن يزيد (١) بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عمران (٢) بن عبد ودِّ بن كِنانةَ بن عوف بن مالك بن (٣) زيد اللات بن رُفيدةَ بن ثور بن كلب بن وَبَرة بن ثعلبة بن حلوان بن عمران بن الحاف (٤) بن قضاعة، فأبت لمكان أنها قرشيةٌ وبنتُ عمة رسول اللَّه ﷺ وهو مولًى، فأمرها النبي

стр. 5967

- ﷺ بذلك بأمر اللَّه، فالآية تدل عليه، فكأنها تلكَّأت، ولعل زيدًا امتنع أيضًا لإبائها، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية (١)، فبيَّن أنه لا اختيار لهما في أن يفعلا أو لا يفعلا مع أن اللَّه ورسوله أمراهما بذلك، وما بعد الآية يدل على أن الآية في هذين. وقد قيل: إنها نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، عرضت نفسها على رسول اللَّه ﷺ لينكحها فزوَّجها زيد بن حارثة فكرهاه، فنزلت (٢). وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ بياء التذكير، لتقدُّم الفعل، وللحائل بين الفعل والاسم، والباقون بتاء التأنيث على لفظ الخيرة (٣). وقوله تعالى: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾؛ أي: أمَر اللَّه ورسوله أمرًا؛ كما قال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]. وقوله تعالى: ﴿الْخِيَرَةُ﴾؛ أي: الاختيار بين الفعل والترك، ودلَّ ذلك على أن الأمر للوجوب. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾: فإن كان عصيانَ ردٍّ وامتناع عن القبول فهو ضلال وكفر، وإن كان عصيان فعلٍ مع قبول الأمر والنهي واعتقادِ الوجوب فهو ضلال وخطأ كما في قوله: ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف: ٩٥]. * * *

стр. 5968

(٣٧) - ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾: أي: اذكر يا محمد إذ كنت ﴿تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾؛ أي: بالإسلام ﴿وَأَنْعَمْتَ﴾ أنت ﴿عَلَيْهِ﴾ بالإعتاق، وهو زيد، وكان عبدًا لخديجة فوهبته لرسول اللَّه ﷺ فأعتقه، وكان هو من بني كلب وأغار على بني كلب قوم من العرب فسبَوه وباعُوه في سوق عكاظ، فاشتراه حكيم بن حزام وهو شريك خديجة في التجارة فأهداه لها، فوهبته للنبي ﷺ ، وخفي حاله على أبيه سنين، ثم أُخبروا أنه عند النبي ﷺ ، فجاء أبوه وعمه وطلبا من النبي ﷺ أن يبيعه من أبيه بثمن عظيم، فقال النبي ﷺ : "إن اختار أن يكون معكم دفعته إليكم"، فخيَّره فاختار المقام مع رسول اللَّه ﷺ ، فتركاه وذهبا، فأعتقه رسول اللَّه ﷺ وتبنَّاه، وكان من حُكم العرب أن مَن تبنى ولدًا كان كولده من صُلبه في التوريث وفي حرمةِ نكاح امرأته على الأب المتبنِّي. وكان النبي ﷺ أبطل هذا الحكم، وأراد اللَّه أن يقرِّر هذا الحكم بقول النبي ﷺ وفِعْلِه عندهم؛ ليكون ذلك أنجعَ في قلوبهم وأقطعَ لعادتهم، وكان اللَّه تعالى أخبر رسوله بذلك وأسرَّ ذلك، بأن أمره (١) أن يخطبها لزيد ويزوِّجَ بينهما، ثم بعد مدةٍ يتفرقان ويتزوَّجُها رسول اللَّه ﷺ ، فيتحقَّقُ عندهم تقريرُ هذا الحكم، وكان يخفيه رسول اللَّه ﷺ في نفسه إلى أن يُظهره في وقته. ولمَّا وقع هذا النكاح ومضت مدةٌ وقعت بينهما خشونةٌ، فجاء زيد يشكوها

стр. 5969

لرسول اللَّه ﷺ ويذكر ترفُّعها عليه وامتناعَها من مساعدته وسوءَ خلقها معه، فقال له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾؛ أي: جامِلْها، وبالخلق الحسن عامِلْها، ولا تطلِّقها -وكذا يجب على المتوسِّط بين الزوجين أن يدعوَهما إلى حسن المعاشرة- ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾؛ أي: يا زيد اتَّق اللَّه وراعِ حقوق النكاح ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ﴾ يا محمد ﴿مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾؛ أي: مُظْهِره؛ أي: ما أَعلمك اللَّه أنك تتزوَّجها إذا طلقها زوجها برضاه واختياره وانقضت عدتُها ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾؛ أي: تكره قالةَ الناس أنه تزوج امرأة ابنه ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ فتفعلَ ما أباحه لك وأَذِنَ لك فيه. ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾: أي: حاجة وهي كنايةٌ عن تمام الانتفاع بها على قَدْر رغبته فيها ثم مفارقتِها عند كراهة صحبتها. ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾: أي: جعلناها زوجة لك، قال أنس: فكانت زينبُ تفخر على نساء النبي ﷺ فتقول: زوَّجكن أهلوكنَّ وزوَّجني اللَّه تعالى (١). قال: وأرسل رسول اللَّه ﷺ إليها يخطبها، فقالت: ما أنا بصانعةٍ شيئًا حتى أوامر ربي، فقامت إلى مسجدها فنزل القرآن ودخل عليها رسول اللَّه ﷺ من غير إذن (٢). ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾: أي: ضِيقٌ ﴿فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾؛ أي: في نكاح زوجات الذين تبنَّوهم (٣) ﴿إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾؛ أي: استوفوا منهن حاجتَهم وفارقوهن وانقضت عِدَّتُهن ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾؛ أي: وكان ما أمر اللَّه به مما يجب أن يفعل. * * *

стр. 5970

(٣٨) - ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾. وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾: أي: لا إثم ولا ضيق على رسول اللَّه ﷺ في النكاح الذي أحلَّه اللَّه له وأمره به، وهو نكاح زينب، وهو كقوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]. وقيل: ﴿فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾؛ أي: قدَّر له من عدد النساء، والفَرْض: التقدير. ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾: أي: هو كما سنَّ (١) اللَّه في الأنبياء (٢) الذين مضَوا من قَبله في زوال الحرج عنهم وعن أممهم فيما أباحه لهم، وأنهم لا ينبغي لهم أن يستَحْيوا من الناس فيما أباح اللَّه لهم من الملاذِّ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨]. ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾: أي: وكان ما أمر اللَّه به قضاءً مقدَّرًا لا بد من كونه. وقيل: أي: موضوعًا على الحكمة المُحكَمة (٣)؛ كقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]؛ أي: على قدَرٍ مقدَّرٍ لا ينحطُّ عنه ولا يتجاوزُه. ومعنى دخول (كان) عليه: أنه تقادَم ولم يزل كذلك لا يتغيَّر ولا يتبدل. * * * (٣٩) - ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ﴾: صفةُ قوله: ﴿الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾،

стр. 5971

ومعناه: الذين كانوا يبلِّغون رسالات اللَّه (١)؛ كقوله ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢]؛ أي: ما كانوا يتلونه. ﴿وَيَخْشَوْنَهُ﴾: أي: في أمر الدِّين (٢) ﴿وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾؛ أي: سوى اللَّه، فكن أنت يا محمد كذلك. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾: أي: حافظًا لأعمال خلقه، محاسبًا لهم عليها ومجازيًا بها، فهو الأحقُّ بأنْ يُخشى دون خلقه، وقد تكلم الناس في الآية بوجوهٍ وهذا أقومُها وأسلمها. * * * (٤٠) - ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾: أي: أبًا بالنسب لأحد من الرجال البالغين. وقيل: أبًا لرجلٍ لم يلده، وأما أبوَّةُ الشفقة ومراعاةِ الحرمة فثابتةٌ بقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]. ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾: يعمل بأمره. ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾: قرأ عاصم: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ بفتح التاء وهو آلةُ الختم، وقرأ الباقون بالكسر (٣) وهو فاعل الختم.

стр. 5972

أي: هو آخِر النبيين، وشريعتُه ناسخةٌ لشرائع المرسلين، فتمسَّكوا بها ولا تعترِضوا عليه في شيء منها. ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾: من مصالح العباد وكلِّ شيء. * * * (٤١ - ٤٢) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾: شكرًا له على النعم التي مرت وغيرها، والكثير: الذي لا ينقطع، قال اللَّه تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ ثم فسَّرها: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣]. وقيل: الكثير: ما كان عن إخلاص فيقبَل ويَكثُر ثوابه، فأما ما لا إخلاصَ فيه فقد قال اللَّه تعالى في حقه: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]. وقال الإمام أبو منصور ﵀: قال أهل التأويل: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ﴾ في كلِّ حال وفي كل وقت ﴿ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ باللسان. ويحتمل أن يكون تأويله: اذكروا نِعَم اللَّه لتشكروا له، واذكروا أوامره ليُؤتمرَ بها والنواهي ليُنتهَى (١) عنها، ووعيدَه ليُخاف، وعِدَاته ليُرغبَ فيها، واذكروا عظمته وجلاله وكبرياءه ليُهاب (٢). ﴿وَسَبِّحُوهُ﴾: أي: ونزِّهوه، وقيل: صلُّوا له بالغداة والعشيِّ. قال عبد اللَّه: هي الصلوات الخمس (٣).

стр. 5973

﴿بُكْرَةً﴾ يعني: الفجرَ والظهرَ والعصر ﴿وَأَصِيلًا﴾؛ أي: المغرب والعشاء. * * * (٤٣) - ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾: أي: يرحمكم ﴿وَمَلَائِكَتُهُ﴾؛ أي: ويأمر ملائكتَه بالاستغفار لكم والدعاء. وقيل: الصلاة: الثناء الجميل؛ أي: أن اللَّه يثني عليكم الذكرَ الجميل في عباده بذكره إياكم؛ كما قال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]. ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾: أي: ليديمكم خارجين ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾؛ أي: من الضلالات ﴿إِلَى النُّورِ﴾؛ أي: الهدى. وقيل: أي: من الجهالات إلى العلم. وقيل: أي: من الشكوك إلى اليقين. وقيل: أي: من البدع إلى السُّنَّة. وقال أبو عبيدة: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: يبارك عليكم (١). وقال الفراء: هو الذي يغفر لكم وتستغفر لكم ملائكتُه (٢). وقيل: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾؛ أي: ليهديَكم إلى الجنة وينجيَكم من النار، قال تعالى: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [التحريم: ٨].

стр. 5974

قوله تعالى ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾: يرحمهم فلا يعذِّبهم إذا أطاعوه وأطاعوا رسوله. * * * (٤٤ - ٤٥) - ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤) يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾: أي: يوم يرونه ﴿سَلَامٌ﴾؛ أي: يسلِّم بعضهم على بعضٍ، ويقول: أمنٌ لنا ولكم من عذاب اللَّه أبدًا. وقيل: يحيِّيهم اللَّه بسلامه. وقيل: هو سلام الملائكة إذا دخلوا عليهم من كل باب. ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾: أي: ثوابًا خطيرًا عظيمًا. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾: تنتظم بقوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ومن رحمته إرسالُ محمد ﷺ رحمة للعالمين ﴿شَاهِدًا﴾؛ أي: على الأمة، كما قال: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]؛ أي: على الأمة (١)، وقال: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. وقيل: ﴿أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ بوحدانيتنا ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ أهلَ طاعتنا ﴿وَنَذِيرًا﴾: ومخوِّفًا أهل مخالَفتنا. * * * (٤٦) - ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾.

стр. 5975

﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾: كما قال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٢٥] ﴿بِإِذْنِهِ﴾؛ أي: بأمره. وقيل: بعلمه؛ أي: وهو (١) يعلم ما يكون منك وما يكون ممن أُرسلتَ إليه. ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾: أي: مصباحًا مضيئًا من ظُلَم الضلالة إلى نور الهداية، وهو كما قال: ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾. وقيل: أي: شمسًا مضيئة، كما قال: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: ١٦] سماه شمسًا في هذه الآية، وبدرًا في قوله: ﴿طه﴾، ونجمًا في قوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾؛ أي: نزل من السماء في ليلة المعراج. فأما معنى تشبيهه بالمصباح على قولِ مَن فسَّره به: فإن المصباح الواحد يُشعَل منه مصابيحُ كثيرة والأول بحاله لم يَنتقِص منه شيء، فكذلك ظهرت فوائدُ علومِ علماء أمته في أمته وهو بحاله. ولأن ضوء المصباح إذا جاء ذهبت الظلمة، وإذا جاءت متابعة المصطفى ذهبت البدعة (٢). ولأن المفقودات (٣) توجد بضوء المصباح، وكذلك الضالُّون يهتدون بالمصطفى. ولأن المصباح يُحرق الأقرب ويضيء للأبعد، فكذلك المصطفى كان ينذر عشيرته الأقربين ويبشر الأنصار والمهاجرين.

стр. 5976

ولأن المصباح يُرى به وجوه الأحباء، فكذا بمتابعة المصطفى يُوصَل إلى صحبة الأنبياء والشهداء والصدِّيقين والصُّلحاء. ولأن المصباح تمامه بأربعة أشياء: المِسْرجةُ والفتيلةُ والدُّهن والنار، وكذا تمام أمر المصطفى كان بالخلفاء الراشدين الأربعة. ولأن المصباح يضيء من كلِّ جهاته، وكان للنبي ﷺ رفيقًا نافعًا في كلِّ مقاماته. وأما وجه تشبيهه بالشمس على قولِ مَن فسره بها: فلأن الشمس تضيء من المشرق إلى المغرب (١)، والنبيُّ ﷺ أضاء من الثرى إلى الثريا (٢). ولأن الشمس لا ثانيَ لها ولا نظير والنجمُ له نظير، وكذلك النبي ﷺ لم يكن له نظير. ولأن الشمس تنكسفُ ثم تنجلي، وكذلك النبي ﷺ كان يُمتحَن ثم يعتلي. ولأن الشمس تغرُب ثم تطلع، والنبي ﷺ هاجر من مكة إلى المدينة ثم عاد إلى مكة. ولأن الشمس تضيء لمن لا سراج له، وتُدفئ مَن لا ثوب له، وتُنضِج لمن لا نار له، وكذلك النبي ﷺ يشفع لمن لا طاعة له، ويرفع لمن لا عبادة له، وينفع مَن لا خدمة له. * * * (٤٧ - ٤٨) - ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.

стр. 5977

وقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾: أي: ثوابًا يُفْضل به عليهم عظيمًا، وهو الملكُ الكبير والنعيم الكثير. ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾: قد مر هذا في أول هذه السورة ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾؛ أي: لا تؤذِهم مكافأةً لهم. وقيل: أي: اجعل إيذاءهم إياك في جانبٍ كأنه لم يكن، ولا تفكر فيه فنحن مكافئون كافُون. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾: كافيًا وناصرًا وحافظًا ودافعًا. * * * (٤٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾. وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾: قيل: أي: قبل أن تجامعوهن، ويحتمِل المسَّ بشهوة أيضًا. ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾: قيل: أي: تعدُّونها؛ يقال: عدَّ واعتَدَّ؛ كما يقال: صَبَر واصْطَبر. وقيل: أي: تستوفونها؛ يقال: عدَدْتُه له فاعتَدَّ؛ كما يقال: وزَنْتُه له فاتَّزن، وكِلْتُه له فاكتال. ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾: المتعةُ الواجبة إن كان المهرُ غيرَ مسمًّى، فإنْ سُمي فالواجب نصفُ المسمَّى والمتعة مستحبة. ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾: أي: لا تمسكوهن ضرارًا، وهو في قوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ وهو أن يتركها حتى تنقضيَ عِدَّتُها.

стр. 5978

وقيل: هو أن يرجعها (١) إلى بيتها من غيرِ منعِ حقٍّ أو أذًى، والآيةُ في النكاح والطلاق فتتصل بالآيات التي في المنكوحات. * * * (٥٠) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾: أي: زوجاتِكَ ﴿اللَّاتِي آتَيْتَ﴾؛ أي: قبلتَ، كما هو في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩]. ﴿أُجُورَهُنَّ﴾: أي: مهورَهن وهذا بيانُ إحلال النساء اللاتي كنَّ عنده. ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾: أي: وأحللنا لك ما ملكْتَه مِلْكَ يمين؛ قيل: هي ماريةُ القِبْطيةُ أمُّ إبراهيم. ﴿مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾: أي: أَغْنمكَ من غنائم المشركين، أُحل لك أن تضمَّها إلى نفسك بالمِلك دون النكاح. وقيل: أي: صفيةُ بنتُ حيي، وجُوَيرِيَة بنت الحارث هما ممَّا أفاءَ اللَّهُ عليه أعتقهما وتزوجهما. ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ﴾: من بنات العباس وغيرهن من أولاد عبد المطلب ﴿وَبَنَاتِ

стр. 5979

عَمَّاتِكَ﴾ من ولد بنات عبد المطلب ﴿وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ﴾ من أولاد عبد منافِ بن زهرة. وأَفرد العمَّ والخال للتخفيف والمراد بهما الجمع، وجمع العمَّات والخالات للتحقيق، وجمَعهما بزيادة ألف فلم يثقِّل. ومعناه: ﴿أَحْلَلْنَا لَكَ﴾ في المستأنَف مَن تتزوَّج بهنَّ من هؤلاء. ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾: و (مع) ليس لقِران الفعل بل لوجودهما في الأصل؛ كما في قوله: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٤٤]. وفيه: أنه لا يحلُّ له غيرُ المهاجِرة منهن، ورُوي عن أم هانئ ﵂ بنت أبي طالب قالت: نزلت فيَّ هذه الآية، أراد النبيُّ أن يتزوَّجني فنُهي عني لأني لم أهاجر (١). أي: وأحلَلْنا لك تزوُّجَ بَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ من مكة إلى المدينة، فإن لم تهاجر لم يحلَّ لك نكاحها. وقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾: أي: مصدِّقةً بتوحيد اللَّه، وهي أمُّ شَرِيكٍ بنتُ جابر العامريِّ، وكانت تسمى: أمَّ المساكين. وقيل: هي زينب بنت خُزيمة. وفقهاء الكوفة يجيزون النكاح بلفظ الهبة، ويجعلون خصوصية النبيِّ عليه

стр. 5980

السلام في ترك المهر لا في تعيُّن اللفظ، ويستدلُّون لجواز الهبة بقوله: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ لولا أن الهبة نكاح لقيل: إن أراد النبي أن يتَّهبها (١). والشافعي ﵀ يرى به اللفظَ والمعنى مما خُصَّ به النبيُّ ﷺ إن رغب النبي ﵇ أن يستنكحها؛ أي: يتزوجها، يقال: نَكَح واستَنْكَح؛ كما يقال: عَجِل واستعجل (٢). ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾: أي: ملَّكت نفسها رسولَ اللَّه ﷺ بالنكاح بلفظ الهبة من غيرِ مهرٍ. ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾: أي: أحبَّ أن ينكحها؛ كما يقال: نَكِرَ واستَنْكر، وعَجِب واستَعْجب، وعَجِل واستعجل. ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: رجوعٌ إلى المخاطبة بعد المغايبة، وهي تلوين الكلام (٣)، ومعناه: أنها خالصة (٤) للنبي ﷺ من غير مهر، وغيرُ النبيِّ ليس له ذلك، بل يجب المهر وإن لم يسمِّه أو نفاه. وقيل: قوله: ﴿خَالِصَةً﴾ يرجع إلى كلِّ منكوحةٍ له، ومعناه: أنها تخلُص له في الدنيا والآخرة فلا تحلُّ لأحدٍ بعده امرأةٌ من نسائه. قال ابن عباس ﵄: الواهبةُ نفسَها له ميمونةُ بنتُ الحارث (٥).

стр. 5981

وقال عليُّ بن الحسين: هي امرأة من بني أَسْدٍ يقال لها: أم شريك (١). وقال الشعبي: هي امرأة من الأنصار (٢). وقيل: هي زينب بنت خزيمة من الأنصار (٣). وقال أبي بن كعب ﵁: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾؛ أي: أحللنا لك هؤلاء الأصنافَ بلا عددٍ تخصيصًا لك، وفي حق الأمة هو مقصور على الأربع (٤). ومعنى ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ على الجمع؛ أي: خلوصًا لك على المصدر؛ كما في قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾؛ أي: كذب. ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾: أي: ما أوجبنا من المهور على أمتك في زوجاتهم ﴿أَحْلَلْنَا لَكَ﴾ الواهبةَ من غير مهر. وقيل: أي: قدَّرنا عليهم الأربع، ووسَّعنا عليك في الزيادة على ذلك.

стр. 5982

﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾: فإنه لا يكون إلا بعِوَضٍ، وأطلقنا لك الاصطفاء من الغنيمة ما شئت. ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾: أي: ضِيقٌ، فيكون ما تتوسَّع به من الملاذِّ المباحة عونًا لك على القيام بما أُمرتَ به. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: بعباده. * * * (٥١) - ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾: أي: أبحتُ لك أن تؤخِّرَ من نسائك (١) مَن تشاء عن نفسك فلا تَقْسِمَ لها. ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾: أي: تضمُّ إلى فراشك مَن تشاء منهن. ﴿ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾: أي: ومَن دعوتَ إلى فراشك وطلبتَ صُحبتَها ممن عزلْتَ عن نفسك بالإرجاء ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ (٢): فلا ضِيقَ عليك في ذلك؛ أي: ليس إذا عزلتها لم يجز لك ردها إلى نفسك. ﴿ذَلِكَ﴾: أي: ذلك الإعادة (٣) ﴿أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾؛ أي: يرضينَ كلُّهنَّ بما آتيتَهن، رفْعُه بفعلِ الرضا؛ أي: هذا أقربُ

стр. 5983

إلى أن يعود سرورُهن (١) وانتفاءُ الحزن عنهن ورضاهن إذا علمن أنك فعلتَ ذلك كلَّه بأمر اللَّه، وأن لهنَّ الثوابَ إذا رضينَ بذلك، وأن لكلِّ واحدة منهن الرجاءَ في الابتغاء بعد العزل. وعن معاذةَ العدويَّةِ عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يستأذنُنا في نوبةِ إحدانا بعد ما أُنزلت ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ الآية، قالت معاذة: فما كنتِ تقولين لرسول اللَّه ﷺ إذا استأذن؟ قالت: كنت أقول: إن كان ذاك إليَّ لم أُوثر على نفسي أحدًا (٢). قالوا: وكان هذا تفضُّلًا منه ومراعاةً لقلوبهن، حتى كان يطاف به محمولًا في مرض موته إلى أن استحلَّهن فرضِينَ بأنْ يكون في بيت عائشة ﵂. وعن أبي رَزِينٍ قال: المرجَآت ميمونةُ وسودةُ وصفيةُ وجُويرية وأمُّ حَبيبة، وكانت عائشةُ وحفصةُ وزينبُ وأمُّ سلمة ﵃ سواءً في القَسْم كان يسوِّي بينهن (٣). وقيل: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ هذا التخيير فيمَن كانت تَعْرِض نفسها على رسول اللَّه ﷺ هبةً، وكان له أن يقبل مَن يشاء ويردَّ مَن يشاء، وهذا على قبول النكاح ابتداءً وردِّه. وقيل: هذا التخيير كان في تزوُّجِ مَن يشاء من هذه الأصناف وفي ترك تزوُّجها.

стр. 5984

وقال الحسن: كان النبي ﷺ إذا خطب امرأة لم يكن لأحد أن يخطبها معه ولا أن يُعرِّض لها، فقال: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾؛ أي: تدَعُها بعد خطبتها ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ فتتزوَّجُها ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ ذلك في القَسْم (١). وقيل: أي: تطلِّق مَن تشاء منهن وتستبدل بها مَن تشاء ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ هو الرجعة فيمَن طلَّق. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾؛ أي: قصَرْنا الحِلَّ على هؤلاء وحرَّمنا عليك نكاحَ الغرائب فذلك أَدْنى أنْ تَقَرَّ أعينُ هؤلاء. قال محمد بن علي الباقر: لما تزوَّج النبي ﷺ الكِنْدية أسماءَ بنتَ النعمان بن شرحبيل الجَونية، وكانت من أحسن النساء، قالت نساء النبي ﷺ : إنْ تزوَّج علينا الغرائبَ فما له فينا حاجةٌ، فحبَس اللَّه نبيَّه على أزواجه اللاتي عنده وأحلَّ له من بنات العم والعمة والخال والخالة ما شاء اللَّه، فقال: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ يقول: من اللاتي أَحَل له ومن اللاتي عنده ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ من اللاتي عنده ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ يعني: نساؤه اللاتي عنده إذا علمن أنه لا ينكح عليهن غريبةً. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾: أيها العِبَاد من الرجال والنساء، من محبة البعض لبعض ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بمصالح عباده ﴿حَلِيمًا﴾ لا يعاجلهم بالعقوبة على مخالفته. * * *

стр. 5985

(٥٢) - ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾. وقوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾: إن اللَّه تعالى لمَّا أمر رسوله بتخيير نسائه، فخيَّرهن فاخترنه، شكر اللَّه تعالى لهن ذلك فعظَّم حقَّهن بأنْ جعلهنَّ أمهاتِ المؤمنين، ومنع رسوله من أن يتزوج عليهن غيرهنَّ أو يتبدل بهنَّ سواهنَّ وإن وقع بقلبه حُسنُ غيرهن، وقصَره عليهن، وصرَف توسِعتَه في الملاذِّ (١) بعدهنَّ إلى مِلكِ اليمين فقط. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾: أي: حافظًا لا يغيب عنه علمُ شيء؛ أي: فانْتَهِ يا محمد إلى ما حدَّدْتُه إليك في نسائك ومِلك يمينك. * * * (٥٣) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾: قيل: أي: وقتَه، وقيل: أي: نضجه وبلوغه. والأناء: الوقت، وجمعه: الآناء؛ قال تعالى: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ [طه: ١٣٠]؛ أي: ساعاته، وقد أنى يأني أناءً؛ أي: حان؛ قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ

стр. 5986

لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] وقال تعالى: ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]؛ أي: قد انتهى حره. قال أنس ﵁: أنا أعلم الناسِ بهذه الآية، لمَّا زُفَّت زينب إلى رسول اللَّه ﷺ كانت مع رسول اللَّه (١) في البيت، وصنع طعامًا فجاء القوم فكانوا في البيت، وجعل رسول اللَّه ﷺ يخرج والقوم مكانهم، ثم يرجع وهم قعود، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ (٢)؛ أي: مَنازلَه التي فيها نساؤه ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ﴾؛ أي: إلا أن تُدْعَوا إلى طعام يريد أن يطعمَكُموه رسولُ اللَّه ﷺ لوليمةِ أو نحوها ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾؛ أي: فتدخلونه غيرَ منتظِرين إدراكه؛ قال تعالى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]؛ أي: انتظرونا. ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾: أي: تفرَّقوا. ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾: عطف على قوله: ﴿نَاظِرِينَ﴾؛ أي: غيرَ مشتغلِين بعد الفراغ من الطعام بالحديث تستأنسون به. ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾: أي: يَشُقُّ عليه بتضييقكم المنزلَ عليه وعلى أهله، ومَنْعِكم إياه عن أهله ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾؛ أي: يترك إعلامكم بذلك وأمرَكم بالانتشار. ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾: أي: لا يترك بيانَ الحق. وقال الحسن ﵀: حسبك من الثقلاء أن اللَّه لم يتجوَّز في أمرهم فقال: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ (٣).

стр. 5987

﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾: أي: سألتُم أزواج النبيِّ، ولم يسبق ذكرهنَّ صريحًا، لكنْ ثبت ذلك دلالةَ قوله تعالى: ﴿بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ لأن فيها نساءه. ﴿مَتَاعًا﴾: أي: شيئًا من الأمتعة بالاستعارة ونحوها. وقيل: أي: سألتم منهنَّ شيئًا تنتفعون به في الدِّين من رواية الحديث ونحوِه. ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾: أي: بينكم وبينهن سترًا. وقيل: هذا في حق (١) كل النساء. ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾: أي: أبعد من خواطر الشيطان وعوارض الفتن التي تدعو إليها الطباع من ميل النساء إلى الرجال والرجال إلى النساء. قال عمر ﵁: وافقني ربي في ثلاثٍ؛ قلت: يا رسول اللَّه، لو اتَّخذتَ مِنْ مَقَامِ إبراهيم مُصلًّى، فأنزل اللَّه آية المقام، وقلتُ: يا رسول اللَّه، إنه ليَدخلُ عليك البَرُّ والفاجر فلو أمرتَ أمهات المؤمنين أن يحتجِبْن، فأنزل اللَّه آية الحجاب، وبلغني أن النبي ﷺ عاتب أزواجَه فأتيتُهنَّ فوعظتُهن حتى انتهيتُ إلى امرأة منهن، فقالت: يا عمر، أما في رسول اللَّه ما يَعِظ أزواجه حتى تعظَهنَّ؟! فخرجتُ، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ الآية (٢).

стр. 5988

وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾: أي: بما مر، وقيل: بأيِّ أذًى كان. ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾: أي: لا يجوز بعد وفاته، ولا يجوز بعد فراقه في حياته بطلاقٍ أو نحوه، كما قَالَ: ﴿بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ [الأعراف: ١٥٠] وكان لا يجوز ذلك لأن نساءه أمهات المؤمنين. و ﴿كَانَ﴾ زائدة عند أبي عبيدة وجماعة (١). وقيل: أي: كان ذلك في حكم اللَّه الذي لا يتغيَّر ولا يتبدل. ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾: أي: عظيم الإثم، وقيل: أي: منكرًا في العقل والشرع. * * * (٥٤ - ٥٥) - ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٥٤) لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾. ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا﴾: أي من أذى الرسول ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ في أنفسكم من ذلك ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾. قال ابن عباس ﵄: قال بعضهم: لئن مات رسول اللَّه ﷺ لأتزوَّجنَّ بعائشة، فأنزل اللَّه هذه الآية (٢).

стр. 5989

وقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ﴾: لمَّا أمرهن بالاحتجاب استثنى مَن يجوز لهن أن لا يحتجبن منهم من آبائهن وأبنائهن وإخوانهن وأبناء إخوانهن لأنهن محارم لهن. ﴿وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾: هن نساء المؤمنات. ﴿وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾: هن إماؤهن، ولا يدخل في ذلك عبيدُهن عند عامة العلماء، وهم كالأجانب. ودخل في هذا الاستثناء سائرُ المحارم (١) المذكورين في الآية في سورة النور. ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾: خطاب لنساء النبي ﷺ وأمرٌ لهن بالتقوى. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾: أي: شاهدًا عليه عالمًا به مُجازيًا على وَفْقه. * * * (٥٦) - ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾: وهذا تعريف للمؤمنين منزلةَ النبي ﷺ ، والصلاة من اللَّه تعالى: الرحمة والمغفرة والرضوان، ومن الملائكة: الدعاء له. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾: أي: قولوا: صلى اللَّه على محمد، أو: اللهمَّ صلِّ على محمد ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾: أي: حيُّوه تحيةً؛ أي: قولوا اللهم سلِّم على محمد.

стр. 5990

وقيل: أي: انقادوا لأمره وحكمه انقيادًا؛ كما قال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. وعن كعب بن عُجرةَ قال: لما نزلت هذه الآية قمنا إليه فقلنا: أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة عليك يا رسول اللَّه؟ قال: "قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد" (١). وعن الحسن ﵀ قال: لما نزلت هذه الآية قالت الصحابة: فما لَنا؟ فأنزل اللَّه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣] (٢). ثم بيَّن تشريفَه من وجه آخر -وهو وعيد مَن آذاه- فقال: * * * (٥٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: وذكرُ اللَّهِ للافتتاح به والتيمُّنِ كما في قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١]، ولأن عصيان الرسول عصيانُ اللَّه، فكان إيذاؤه كذلك إيذاءه. ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾: أي: أبعدهم اللَّه عن رحمته وطردهم في الدارين؛ لأن إيذاءه كفر ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ في الآخرة مُذلًّا مخزيًا. * * *
следующие страницы →