← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فعدَّد هذه الأوجهَ مفصَّلةً، ونكتفي بما جاء في الوجه السابع، حيث قال: وأمَّا السبعة: فالفاتحةُ سبعُ آياتٍ، وكلماتُ آياتها مذكورةٌ في سورة البقرة: فـ ﴿الْحَمْدُ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠]. و (اللَّهُ) في آياتٍ. ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ في قوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]. ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]. و ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فيه ذكرُ يوم القيامة، وفي سورة البقرة: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] وهي آخرُ آيةٍ نزلت، وهي أبلغُ آية نزلت في ذكر يومِ القيامة. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ في قوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] ونحوِه. ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ في قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]. وقولُه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣]. وقولُه: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ في قوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، وقد أُريد به الأنبياء صلوات اللَّه عليهم، وذُكر من الأنبياءِ في سورة البقرة: آدمُ، وإبراهيمُ، وإسماعيلُ، وإسحاقُ، ويعقوبُ، والأسباطُ، وموسى، وهارونُ، وداودُ، وسليمانُ، وعيسى، وحِزقيلُ (١)، وأشموئيل (٢)، وعزيزٌ، صلوات اللَّه _________ (١) في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] رواه الطبري عن وهب بن منبه وسيأتي. (٢) في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ [البقرة: ٢٤٦] قال ابن كمال باشا في "تفسيره": اختلفوا فيه، والأشهر الأظهر أنه أشمويل من نسل هارون ﵇.

стр. 72

عليهم. وعلى العموم في قوله: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وفي قولهِ: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. وقولُه: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ ذُكر الغضب في قوله: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠]، والضلالُ في قولهِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وقولهِ تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] ثم هم اليهودُ والنصارى، وأكثر صدر السورة في ذكرهم، إلى أن قال: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٢٠]. وسنتناول في بيان منهج المؤلف ما يلي: ١ - أهم المصادر التي نقل منها. ٢ - تفسير القرآن بالقرآن في هذا الكتاب. ٣ - التفسير بالمأثور فيه. ٤ - ردوده على المذاهب الفاسدة. ٥ - منهجه في النحو. ٦ - منهجه في الفقه. ٧ - منهجه في القراءات. ٨ - تعامله مع الإسرائيليات. ١ - أهم المصادر التي نقل منها المؤلف: هذا التفسيرُ هو من التفاسيرِ التي عُنِيتْ بالمعاني ولم تَخرُجْ عن مواضيعِ الآيات إلى مواضيعَ أخرى متَّصلةٍ بها سواءٌ كان ذلك الاتصالُ مباشرًا أو غيرَ مباشرٍ، كما وقع فيه كثيرٌ من المفسِّرين الذين توسَّعوا في تفاسيرِهم على حسابِ تفسيرِ

стр. 73

الآيات، فخرَجوا عن التفسيرِ إلى مواضيعَ أخرى وتشعَّبوا فيها. وقد انعكسَ هذا المنهجُ للمؤلِّف على المصادر التي استقَى منها، حيث اقتصَر ﵀ في الغالب على كتبِ التفسير، بل على الأمَّهات منها، فنقل عنها بالتصريحِ أحيانًا ودونَ ذلك في أحيانٍ أخرى، ومِن أكثرِ الكتب التي نقَل منها المؤلِّف: ١ - "تأويلات أهل السنة" لمحمدِ بنِ محمدِ بن محمودٍ، أبو منصورٍ الماتريديُّ ت (٣٣٣ هـ): وقد أكثرَ من النقلِ عن هذا الكتابِ من البدايةِ وحتى النِّهايةِ، وهو في الغالِبِ يصرِّح بالنقلِ عنه، تارةً باسم المؤلف وتارةً باسم كتابه، وله احترامٌ خاصٌّ تُجاه الماتريديِّ، فكثيرًا ما كان يصفُه بأوصافٍ تدلُّ على ذلك، فقد وصفَه مرةً بقوله: الشيخُ الإمامُ الزاهد أبو منصورٍ الماتريديُّ ﵀، وإن كان في الغالب يقتصرُ على وصفِه بالإمام، ولا يذكُرُه مجرَّدًا عن ذلك الوصف. ٢ - "لطائف الإشارات" لعبدِ الكريمِ بنِ هوازنَ بنِ عبدِ الملك القُشيريِّ (ت ٤٦٥ هـ): وهذا الكتاب كالذي قبلَه في كثرةِ النقلِ عنه واستمرارِه، وهو كذلك لا يذكُر مؤلِّفه إلا بنعتِ الإمام، وغالبُ ما ينقلُه عنه في خواتيم الآياتِ لبيانِ ما فيها من الإشارات. ٣ - "معاني القرآن" للفرَّاء: وهو يكثرُ من الرجوع إليه، وله اعتمادٌ كبيرٌ على أقواله. ٤ - "معاني القرآن" للزجَّاج: وهو من المراجعِ الدوَّارةِ في الكتاب أيضًا. ٥ - "مجاز القرآن" لأبي عبيدةَ مَعْمَرِ بن المثنَّى: وقد نقلَ عنه في مواضعَ كثيرةٍ جدًّا مصرِّحًا بذلك في الغالب. ٦ - "تفسير مقاتل بن سليمان": قد أكثرَ المؤلِّفُ ﵀ مِن ذكرِ أقوالِ مقاتلٍ،

стр. 74

وهي مذكورةٌ في "تفسير مقاتل بن سليمان" باختلافٍ يسيرٍ في الغالب، وسيأتي تفصيلٌ لهذا في هذه المقدِّمة. ٧ - "تفسير الثعلبي": وهذا التفسيرُ من المراجعِ الأساسيةِ للمؤلِّف، وخصوصًا في الآثار، مع أنَّ المؤلِّفَ لم يصرِّح بالنقلِ عنه سوى في مواضعَ قليلةٍ جدًّا. ٨ - "تفسير الطبري": وهو من المراجعِ الهامَّة لهذا التفسير، وقد صرَّح المؤلفُ بالنقلِ منه مراتٍ، وهو ينقلُ عنه بالإضافةِ للآثار أقوالَ الطبريِّ التفسيريةَ. ٩ - كتب الواحدي "البسيط" و"الوسيط" و"أسباب النزول": وهي من المصادر التي نقَل عنها كثيرًا، لكنه لم يصرِّح بالنقل عن الواحديِّ سوى مرةٍ واحدةٍ، وذلك في أوائل الكتاب في تفسير سورة الفاتحة حيث قال: وروَى الواحديُّ وهو عليُّ بنُ أحمد المفسِّرُ في "تفسيره" بإسنادِه عن أبي مَيْسَرةَ قال: إنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان إذا بَرَزَ سمعَ مناديًا يُناديه. . .، الحديث. ١٠ - تفسير السُّلميِّ المسمَّى "حقائق التأويل": وهو من مصادر أقوالِ المتصوِّفةِ كأبي عثمانَ الحِيْريِّ، وابنِ عطاءٍ السكَنْدَريِّ، وفارسِ بنِ عيسى الصُّوفيِّ، ونقلَ عنه أيضًا بعضَ أقوالِ جعفرٍ الصادقِ، وقد صرَّح المؤلِّفُ مرةً بالنقل عنه عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ [البقرة: ١٩]، لكنه سماه: "حقائق القرآن". ١١ - "تفسير أبي القاسم ابن حبيب": وهذا التفسيرُ ليس من التفاسير المتوفِّرة، لكن المؤلِّف صرَّح بالنقل عنه مراتٍ مكتفيًا أحيانًا باسمِ المؤلِّف كما في تفسيرِ قولهِ تعالى: ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ [البقرة: ٢٦٠]، ومصرِّحا بكليهما في أحيانٍ أخرى كما في تفسيرِ قولهِ تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]. ١٢ - تفسير أبي الليثِ السمرقنديِّ المسمَّى "بحر العلوم": وكثيرٌ من الأخبار

стр. 75

التي ذكرها المؤلِّفُ موجودةٌ فيه، وقد صرَّح بالنقلِ عنه مرةً عند تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ فقال: وفي "تفسير الفقيه أبي الليث ﵀": فحملت ذاتَ يومٍ حزمةَ شوكٍ. .، الخبر. ١٣ - كتاب "عصمة الأنبياء" للشَّيخ أبي الحسين محمَّد بن يحيى البشاغريِّ: نقل عنه فأكثر في تفسيرِ سمورةِ يوسفَ دون غيرها، مصرِّحًا بذلك. ١٤ - تفسير "المشافهات" لعليِّ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ الحنظليِّ السمرقنديِّ: وقد صرَّح المؤلِّف بالنقلِ عنه مرَّات. ١٥ - "تأويل مشكل القرآن" و"غريب القرآن" كلاهما لابن قتيبة: وهو في نقله عنهما يصرِّح باسم المؤلِّف غالبًا، دون الكتاب. ١٦ - "تفسير أبي بكر الفارسي": أحمدَ بنِ محمدِ بنِ أيوبَ الفارسيِّ الواعظِ المفسِّر، نقل عنه مرةً مصرِّحًا به عند تفسيرِ قوله تعالى: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣]. ومن كتبِ اللغةِ التي أكثرَ من النقلِ عنها: ١٧ - "العين" المنسوبُ للخليل بن أحمد: وينقل عنه بالتصريح دائمًا. وهذا الكتاب يعدُّ أحدَ مصادرِه الأساسيَّة في المعاني اللُّغويَّة، هو والآتي بعدَه وهو: ١٨ - "معجم ديوان الأدب" لأبي إبراهيم إسحاق بن إبراهيم بن الحسين الفارابي. وقد أكثرَ من النقلِ عن الكسائيِّ وقطربٍ والأخفشِ ونِفْطويه وابنِ وهبٍ والحسينِ بن الفضلِ والقفَّال. ولهم جميعًا مؤلفاتٌ لكنَّ كتبَهم ليست بين أيدينا.

стр. 76

فهذه غالبُ المصادر التي نهَل منها المؤلِّفُ في هذا الكتاب، لكن ينبغي التنبيهُ إلى أنَّ ما نقله المؤلِّفُ عن هذه المصادر ليس سوى جزءٍ بسيطٍ من هذا التفسير، كما سيَظهرُ جليًّا من الفصل الآتي، وهوة ٢ - تفسير القرآن بالقرآن في هذا الكتاب . التفسيرُ: هو البيان، قال ابنُ فارسٍ: الفاءُ والسِّينُ والراءُ كلمةٌ واحدةٌ تدلُّ على بيانِ شيءٍ وإيضاحه (١). فمعنى تفسيرِ القرآنِ بالقرآن إذًا: بيانُ القرآنِ بالقرآن. وتفسيرُ القرآنِ بالقرآنِ ليس محصورًا بالبيان اللَّفظي، بل هو مطلَقُ البيان، فمتى استَفَدْنا بيانَ آيةٍ مِن آيةٍ أخرى مِن أيِّ وجهٍ فهو داخلٌ في هذا النوعِ من التفسير. ومعلومٌ أنَّ آياتِ القرآن الكريم يفسِّر بعضُها بعضًا، ويوضِّح بعضها الآخرَ، فإنَّ القرآن الكريمَ قد اشتمَل على الإيجازِ والإطنابِ، والإجمالِ والتَّبيينِ، والإطلاقِ والتَّقييد، والعامِّ والخاصِّ، وما أُوجِزَ في موضعٍ بُسط في آخَرَ، وما أُجملَ في مكانٍ فصِّل في غيرِه، وما جاء مطلَقًا في آيةٍ قد يلحقُه التقييدُ في أخرى، وما كان عامًّا في مكانٍ قد يدخلُه التخصيصُ في مكانٍ آخرَ. وكذلك نجدُ في قصصِ القرآنِ تأتي القصةُ في مكانٍ مختصرةً، ثمَّ تُفصَّل في موضعٍ آخَرَ، وقد يُذكَرُ في مكانٍ تفصيلٌ لا يُذكرُ في المكانِ الآخرِ، فعندما تُجمعُ المواضعُ التي عرَضت تلك القصةَ، وترتبطُ الأجزاءُ ببعضها، عند ذلك تكتمِلُ الصورة، وتصبحُ واضحةً لهذه القصَّة أو تلك. فهذا هو تفسيرُ القرآن بالقرآن، لكنْ ليس هذا عملًا آليًّا لا يقومُ على شيءٍ من _________ (١) انظر: "مقاييس اللغة" (٤/ ٥٠٤).

стр. 77

النَّظر، وإنَّما هو عمل يقومٌ على كثيرٍ من التدبُّرِ والتعقُّل، إذ ليس حملُ المجمَلِ على المبيَّن، أو المطلَقِ على المقيَّد، أو العامِّ على الخاصِّ، أو إحدى القراءتينِ على الأخرى، بالأمرِ الهيِّن الذى يَدخلُ تحت مقدورِ كلِّ إنسان، وإنما هو أمر يَعرفه أهلُ العلم والنظرِ خاصةً (١). ولقد عُني العلماءُ بتفسيرِ القرآنِ بالقرآن عنايةً كبيرةً، حتى عَدُّوه أصحَّ طرقِ التفسير، كما قال بعضهم: إن أصحَّ الطرقِ في التفسيرِ أنْ يفسَّر القرآنُ بالقرآن، فما أُجْمِلَ في مكانٍ فإنه قد فُسِّرَ في موضعٍ آخر، وما اخْتُصِر من مكانٍ فقد بُسِطَ في موضعٍ آخر. لكن ينبغي التنبيهُ هنا على أنَّ تفسير القرآنِ بالقرآن -فيما عدا ما فسَّره النبيُّ ﷺ من ذلك- هو نوعٌ من أنواع التفسير بالرأي، فإنَّ عمليةَ التفسيرِ المعتمِدةَ على الفهمِ والاجتهاد بين الآيتين، والحكمَ بأنَّ إحداهما مبيِّنةٌ للأخرى، أو مفصِّلةٌ لمجمَلها، أو مطلِقةٌ لمقيَّدها، أو ناسخةٌ لحكمِها، إنما هو من قَبيلِ التفسيرِ بالرأي. وثمةَ أمرٌ آخرُ لا بد من التنبيه عليه أيضًا: أن كونَ تفسيرَ القرآنِ بالقرآن عن طريقِ الاجتهادِ فقد يدخلُه الاختلاف؛ لِمَا جُبِل عليه البشرُ من اختلافِ العقول، فالآيةُ التي يجتهدُ عالمٌ في تفسيرها بآيةٍ أخرى قد يجتهدُ غيرُه فيفسِّرها بغيرها. وملاحظةٌ أخيرة: وهي أنه ليس كلُّ مَن حمَل آيةً على أخرى يُقبل قوله بحجةِ أنه من تفسيرِ القرآن بالقرآن، فإنَّ هذا الأسلوب قد يستعملُه أحيانًا أهلُ البِدَعِ لتقريرِ بِدْعتِهم، كما فسَّر بعضُ المعتزلةِ قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] بأنها تنتظِر ثوابَ ربها، وينفُون رؤيةَ الباري، ويستشهدون لذلك _________ (١) انظر: "التفسير والمفسرون" (١/ ٣٣).

стр. 78

بقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ولولا قولُهم بعدمِ رؤيةِ الباري لَمَا حملوا هذه الآيةَ على تلك. وممَّا ينبغي أن يُعلم أيضًا: أن تفسيرَ القرآن بالقرآنِ هو أحدُ طرقِ التفسير، وثمةَ طرقٌ أخرى لتفسيرِ القرآنِ منها التفسيرُ بالمأثور والتفسيرُ بالرأي، والمفسِّرون بشكلٍ عامٍّ يعتمِدون في تفاسيرهم جميعَ أنواعِ التفسير، وقلَّما يَقتصرُ تفسيرٌ على لونٍ واحدٍ، وعلى هذا فتفسيرُ القرآنِ بالقرآنِ لا شكَّ موجودٌ في كلِّ التفاسير المعتبَرة عند أهلِ السُّنَّة والجماعة، وإنَّما الذي يختلِفُ هو نسبةُ اعتمادِ هذه الطريقةِ بالقياسِ إلى غيرِها مِن طرقِ التفسير، فابنُ كثيرٍ ﵀ -مثلًا- وهو ممَّن أكثرَ من اعتمادِ هذه الطريقةِ في التفسير قد عُرف تفسيرُه من ناحية أخرى بأنه مِن أشهَرِ ما دوِّن في التفسيرِ بالمأثور. وكذلك هذا التفسيرُ فإنك تجدُ فيه كلَّ أنواع التفسير، لكنْ من أهمِّ ما تميَّز به إنْ لم يكن أهمَّها هو هذا الأسلوبُ من التفسير، فقد قطَع فيه المؤلِّفُ شوطًا لم يُسبَقْ إليه ولم يُلْحَقْ فيه، وتفنَّنَ فيه تفنُّنَ الحاذق المتمكِّنِ من المعاني القرآنيِّة والآياتِ الربَّانيَّة، الأمرُ الذي يدلُّ على فكرٍ ثاقبٍ وقلبٍ خاشعٍ وعقلٍ قد فتَح اللَّه عليه أنوارَ العلمِ والاستنباط، وقد كنَّا أشرنا إليه في ذكرِ مميِّزات هذا التفسيرِ، وحان الآن بيانُه والخوضُ فيه: وأبسطُ أنواعِ تفسيرِ القرآنِ بالقرآن هو أن يُؤتى في تفسيرِ آيةٍ بآيةٍ أخرى تُوافقُها في المعنى إرادةً لتفسيرِ هذه بتلك، وهذا أمرٌ موجود في غالبِ التفاسير كما ذكرنا، لكنْ ما يميَّز هذا التفسير هو تفرده بتفسير آيات بآيات لم ترد عند غيره، ومن أمثلة ذلك:

стр. 79

- في قوله تعالى: ﴿عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧] قال: حين يحشرون، ثم يزولُ ذلك بدليلِ قوله: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ﴾ [الكهف: ٥٣]، وقال: ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣]، وقال: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾. - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الإسراء: ٤١] قال: أي: صرَّفنا في هذا القرآن القولَ في بطلانِ ما يقولونه ويعتقدونه؛ كما قال: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ [القصص: ٥١] صرَّح بالقول في تلك الآية وأضمرَه هاهنا. - وفي قوله تعالى: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [طه: ٦٢] قال: أي: فتشاوروا؛ كما قال: ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ [الكهف: ٢١]، وهو أخذُ بعضهم القول من بعضٍ، كقوله تعالى: ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا﴾ [الطور: ٢٣] هو أخذُ بعضهم الكأسَ من بعضٍ. - وفي قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء: ٤٠] قال: أي: كذبًا عظيمًا، وهذا كما قال: ﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] وعظمتُه ما قال: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ الآية [مريم: ٩٠]. - وفي قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ [آل عمران: ٨١] قال: أي: أَقَبِلْتُم على ذلكم عهدي، كقوله: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨]؛ أي: لا يُقبل. - ونحو هذا قولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] قال: أي: قبلتَ؛ كما هو في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩]. - ومنه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِير﴾ [سبأ: ٤٤] قال: أي: ولم نُرسل إليهم قبلَكَ رسولًا يا محمدُ يخبرهم عن اللَّه بإبطالِ أمرك، فليست عندهم حجةٌ على ما يقولونه في القرآن وفيك، وهو كقوله: ﴿بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤].

стр. 80

- وفي قوله تعالى: ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ﴾ [آل عمران: ٨١] قال: أي: قال اللَّهُ للأنبياء: أأقررتم؟ وهذا استفهامٌ بمعنى الأمر، كما في قوله: ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ [آل عمران: ٢٠]. - وفي قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ٣] قال: أي: وكلُّ أمرٍ مِن الخير والشَّرِّ، والحَقِّ والباطل، والهوى والحُجَّة، يستقِرُّ يومًا قرارُه، ويتناهى نهايتَه، فتخرُجُ حقيقتُه، وتزولُ شُبْهَتُه، وعند العواقب تظهَرُ الحقائقُ، وهذا وعيدٌ للمشركين، ووعدٌ وبِشارةٌ للرسول والمؤمنين، وهو كقوله: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٦٧]، أي: إنَّ مُدَّتَه وإنْ طالَتْ فلا بُدَّ مِن أنْ يستقِرَّ قرارُه، وتنكشِفُ حقيقتُه مِن حقٍّ وباطل. - وقال في قوله تعالى: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٢٦]: أي: بالإيمان، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بالكفر؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١]. - ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] قال: أي: مضَى قولُ ربِّك فيهم بما علمَ منهم، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. وهناك بعض التعلُّقات التي يذكرُها مما لا تَخطرُ على بالِ حتى المهتمِّين بهذا الشأن: - فانظر كيف ربطَ بين هاتينِ الآيتين فقال: وقولُه تعالى: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ٢٣]؛ أي: ليقضيَ، وفي الكتاب بيانُ الحكم، فأُضيف الحكم إليه، كما في صفة القرآن: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩] لأنَّ فيه بيانَ التبشير والإنذار.

стр. 81

- ومثلُ ذلك قولُه تعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [آل عمران: ٨٧ - ٨٨] قال: أي: في اللَّعنة، والخلودُ في اللَّعنة خلودٌ في جهنَّم، وهو كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ﴾ [طه: ١٠٠ - ١٠١]؛ أي: في الوِزْرِ، وذاك خلودٌ في جهنم. - ونحوُه قولُه تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] قال: أي: إلا كخَلْقِ نفسٍ واحدة وبعثِ نفسٍ واحدة؛ كقوله: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]؛ أي: كدوران الذي يغشى عليه. - ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [يونس: ٤] قال: متصلٌ بقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ. . . لِيَجْزِيَ﴾ كما قال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦]. - ومنه ﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ [السجدة: ٣٠] قال: أي: ماكثون إلى أن يكونَ ذلك، جعَلهم منتظِرين له وإنْ لم يقصدوا ذلك لأنه كان يأتيهم لا محالةَ، فكان كقوله: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: ٤٩]. وقيل: كان بعضهم شاكًّا فيه فكانوا ينتظرونه؛ قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ [الحج: ٥٥]. - ومنه: ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: ٢٨] قال: قيل: أي: كلُّ الذي يعِدُكم؛ كما قال تعالى: ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ [الزخرف: ٦٣]: أي: كلَّه. ثم أضاف إليه فائدةً، وهي ذكرُ ما جاء على عكسِ ذلك، فقال: وقد جاء كلٌّ في إرادةِ البعض؛ كما في قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، وقال: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣].

стр. 82

- وذكر مثلَ هذا أيضًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٢] قال: أي: كلَّ ما تعملون، وهو كقوله: ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: ٢٨]؛ أي: كلُّه. - ومن الأمثلة أيضًا: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧] قال: أي: إلَّا مَن إذا بلغَ فجَر وكفَر، وهو كقوله: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [الحجر: ٥٣]، و ﴿بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١]؛ أي: إذا بلغ مبلغَ العلم والحلم صار موصوفًا بهما. - ومنه: ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُر﴾ [القمر: ٣٧] قال: أي: وقيل لهم ذلك. وقيل: معناه: أَذَقْناهم ذلك؛ كما قال: ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ [سبأ: ١٨]؛ أي: سَيَّرْناهم كذلك. - ومن أمثلةِ ذلك أيضًا قولُه في الصراط المستقيم: إن معناه: أن سالكه مستقيم فيه، كقوله تعالى: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾؛ أي: يُبصَرُ فيه، وكقولك: نهرٌ جارٍ؛ أي: الماءُ جارٍ فيه، ونظيرُه في القرآن: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ [محمد: ٢١]؛ أي: عزَموا فيه. وقولُه: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦]؛ أي: ما ربحوا فيها، وقولُه تعالى: ﴿تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ [النازعات: ١٢]. فلا شكَّ أن مَن يَرى هذا الربطَ بين الآيات يُوقن أن القرآن لا تتناهَى معانيهِ، فلو سلك سالكٌ هذا الطريقَ لوجد العجَبَ العُجَاب. ومن تفنُّن المؤلِّف بتفسيرِ القرآنِ بالقرآن: أن تحتمِلَ الآيةُ وجوهًا، فلا يَذكر وجهًا من وجوهها إلا ويُتبِعُه بدليله من القرآن: - ومن أروعِ هذه الاستدلالات ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾: حيث أورد معاني الذكر في الآيةِ كلٌّ مع دليله من القرآن، فقال:

стр. 83

قيل: عن توحيدي كما قال: ﴿حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ [الفرقان: ١٨]. وقيل: عن طاعتي؛ كما قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]. وقيل: عن العلم؛ كما قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣]. وقيل: عن الذكر باللسان؛ كما قال: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١]. وقيل: عن الذكر بالقلب؛ كما قال: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. وقيل: أي: عن وَعْظي، كما قال: ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣]. وقيل: عن الصلاةِ؛ كما قال تعالى: ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧]، وقولهِ: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢] وقولهِ: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]. - ومن الأمثلة الجميلة عليه: قولُه: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾: قال السُّدِّي: أي: رافعُ درجاتِ أهل الجنة. وأيَّده المؤلِّف بقوله تعالى: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ﴾ [الزمر: ٢٠]. وقيل: درجات الغُزاة، قال تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ [النساء: ٩٥ - ٩٦]. وقيل: درجات العلماء والمؤمنين، قال اللَّه تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]. وقيل: درجات أهل الدنيا، قال تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٦٥]. - ومن نحو هذا قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]: ذكر فيها أقوالًا فمنها:

стр. 84

وقيل: أي: في كتب الأنبياء؛ قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ [الفتح: ٢٩]؛ أي: صِفَتهم. وقيل: معناه: حَدَثْتم ووُجدْتم خيرَ أمَّة، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]. وقيل: معناه: أنتم خيرُ أمَّةٍ، كما في قوله تعالى: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥]، وقال تعالى: ﴿إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا﴾ [الأعراف: ٨٦] مع أنه قال تعالى في آيةٍ أخرى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ [الأنفال: ٢٦]، وإنما صلح ﴿كُنْتُمْ﴾ مقام ﴿أَنْتُمْ﴾ لأنَّهما ضِدَّان لكلمةِ: (لستم)؛ لأنَّ ذلك للنَّفي وهذان للإثبات، فقام أحدُهما مقامَ الآخر لمشاكلتهما في مُضادَّتهما كلمةَ النَّفي. وقيل: معناه: صرتُم خيرَ أمَّة، كما في قوله: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [ص: ٧٤]، ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣] أي: صرتُم بالإيمان بخير الرُّسل وبخروجه في زمانه خيرَ الأمم. - وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] ذكر قولين كلٌّ مع دليله من القرآن، فقال: وقيل: أراد بها شدائدها وأهوالها؛ كما قال: ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ [البقرة: ٢١٤]. وقيل: هي زلزلة الأرض؛ كما قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾. - ومن ذلك ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٨١] فعدَّد أنواع الميثاق كلٌّ مع دليله، فقال: وأخذُ الميثاق كان على ثلاثةِ أوجهٍ:

стр. 85

ميثاق الذُّرية: وهو قوله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢]. وميثاق الأنبياء بتبليغ الرسالة: وهو في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧]. وميثاق الأنبياء بالإيمان بمحمَّدٍ ﵇ على التَّعيين، وهو في هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ الآية [آل عمران: ٨١]. ومن مظاهر تفسير القرآن بالقرآن عند المؤلف ذكرُ النظائر، وهو أمرٌ برَع فيه ﵀ بشكلٍ لا يدانيه فيه أحد: وهو يدلُّ على ثقابة فهمه وعمقِ نظره، وغوصه في معاني الآيات، وغزارةِ علمه بالكتاب الكريم: - فمن ذلك قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾: وقالوا: لَمَّا نادى الخليلُ الخلقَ بالحج باسم النَّاس، فقال: (يأيُّها النَّاس، إنَّ اللَّه قد بنى لكم بيتًا وأمركم أن تحجُّوه فحجُّوه) ذكرَ اللَّهُ تعالى أمورَ الحجِّ في آيٍ مِن القرآن مقرونًا باسم النَّاس؛ فقال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ﴾ [الحج: ٢٧]، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٢٥]، ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ﴾ [الحج: ٢٥]، ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٦]، ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا﴾ [البقرة: ٢٠٠]، ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٧]. - وقال: نظير قولِه: ﴿يَتَّقِي بِوَجْهِهِ﴾ [الزمر: ٢٤] قولُه: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]، ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف: ٢٩]، ﴿حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ﴾ [الأنبياء: ٣٩]. - وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾: والجوابُ محذوفٌ

стр. 86

وهو أبلغُ، لأن النفس تذهب فيه كلَّ مذهبٍ، وهو كقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾ [سبأ: ٥١]، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا﴾ [الأنعام: ٢٧]، ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٣٩]، ونظائرِها. - ومما يندرجُ تحت هذا قولُه في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣]: و ﴿مَا كَانَ﴾ تأكيدُ نفيٍ؛ كما في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ [النمل: ٦٠]، ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥]، ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥]، ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ﴾ [يوسف: ٣٨]، ﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ [يوسف: ٧٣]. ونحو النظائر جمع الآيات في موضوعٍ واحد: - فقال في أوائل الكتاب عند تفسير الاستعاذة: ومن صفاته [أي: الشيطان] وأفعاله: ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة: ٣٤]، ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢]، ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ﴾ [الحجر: ٣٣]، ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [البقرة: ٣٦] ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ [آل عمران: ١٥٥] ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١]، ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢]، ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧]، ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ﴾ [يوسف: ٤٢]، ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف: ٦٣]، ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١]، ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢]، ﴿نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ [يوسف: ١٠٠]، ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥٣]، ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ [المجادلة: ١٩]، ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨]، ﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٥]، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٩١]، ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ

стр. 87

وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩]، ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، [إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]، ﴿يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ﴾ [الأنعام: ٧١]، ﴿مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧]، ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢] ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ الآيه ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢]. - وفي قوله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٢ - ٤] قال: ولَمَّا قال مُشْرِكو قريشٍ: ضلَّ محمدٌ عن دين آبائِه، أجابَ اللَّهُ بهذا، وسائرُ الناس كانوا يُجِيبون بأنفسهم، قال قومُ نوحٍ لنوحٍ: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ﴾ [الأعراف: ٦٠]، ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ﴾ [الأعراف: ٦١]، وقال عادٌ لِهُودٍ: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾ [الأعراف: ٦٦]، ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ﴾ [الأعراف: ٦٧]، وقال فرعونُ لموسى: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢]، قال له: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢]. واللَّهُ تعالى تولَّى جوابَ ما قالوا للمصطفى ﷺ : ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾، ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢]، ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤١]، ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ [يس: ٦٩]، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾. وخُصُوصِيَّةٌ أخرى: قال لداود ﵇: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، وقال للمصطفى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣]، وقال لآدم: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]، وقال للمصطفى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾. - ومن هذا النوع ما جاء عند قوله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩] قال

стр. 88

في آخر شرحها: فكأنَّه قال: أَكَّدْنا المحبَّةَ، وأَبْرَمْنا القُرْبَةَ، فمَقْبُولُه مَقْبولي، ومَرْدُودُه مَرْدودي، وأبانَ ذلك في آياتٍ: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: ٨]، ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٣]، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٤]، ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال ٢٤]، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣]، ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحشر: ٨]، ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١]، ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، ﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧]، ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ١]، ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [المائدة: ٥٥]، ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ١٠٥]، ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]، ﴿مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٠٠]، فما هوَ له فهو لي، وما هو لي فهو له، وهذا مَقامٌ ليس فوقَه مَقامٌ. وممَّا أَبدعَ فيه المؤلفُ وتفرَّد عن سائرِ المفسِّرين أنه غالبًا ما يُتْبعُ القولَ المأثور بما يوافقُه من الآيات: - ففي تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢] ذكر المؤلف عن ابن عباس ﵄ قوله: لمَّا بلغ قريشًا أن اليهود والنصارى كذَّبوا رسلهم وجحدوهم قالوا: لعن اللَّه اليهود والنصارى، لئن جاءنا رسول لنكونَنَّ أهدى منهم. ثم أعقبه بقوله: ونظيرُه قولُه: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ [الأنعام: ١٠٦]، وقولُه: ﴿لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٧]. - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢] ذكر عن ابن

стр. 89

عباس ﵄ قوله: أي: اضربوا الأعناقَ فما فوقَها. وأتبعه بقوله: كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء: ١١]؛ أي: اثنتين فما فوقهما. - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥] أورد قول سعيد بن جبير: الأوَّاب: المسبِّح. وأعقبه بقوله تعالى: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠]؛ أي: سبِّحي. - وفي قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾؛ نقل قول يمان بن رئابٍ: يعني: الصناديدَ. وأتبعه بقوله: كما قال تعالى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]. - وعند قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٢] قال: والشعائر: هي أمور الحج؛ قال ابن زيد: منها رميُ الجمار، والسعيُ بين الصفا والمروة، ونحوُها. وقال مجاهد: هي البدن، وتعظيمُها: استسمانُها واستحسانُها. ثم ذكرَ دليلَ كلٍّ من القولين لكنْ على طريقةِ اللفِّ والنشرِ غيرِ المرتَّب، فقال في الاستدلال لقول مجاهد: قال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦]، وأتبعه بدليل قول ابن زيد فقال: ودليلُ القولِ الأولِ قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]. - وفي قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْر﴾ [الفجر: ٩] ذكر قول مجاهد: أي: قطعوا الجبال بيوتًا. ثم استدلَّ له بقوله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ [الأعراف: ٧٤]. - ومن ذلك ما جاء عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٦] قال: قال علي بن الحسين بن واقد: أي: في اللَّوحِ المحفوظ. ثم قال: وهو كقولهِ في سورة الحج: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ [الحج: ٧٠] وكذا في سورة الحديد.

стр. 90

- وعند قوله تعالى: ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨٧] ذكر قولَ الضحاك: أي: لا يقبلون أمر اللَّه. وأعقبه بقوله: وهذا كقوله: ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١]؛ أي: لا نقبل. - وعند قوله تعالى: ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ٩٤] قال: قال ابن عباس ﵄: أي: إنْ عملتُم خيرًا وتبتُم إلى اللَّه مِن تخلُّفكم فسيرى اللَّه عملَكم ورسولُه فيما تستأنِفون، ثم ترجعون ﴿إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾؛ أي: إلى جزاء اللَّه لا يخفى عليه شيء فيخبرُكم بما عملتُم ويجزيكم على ذلك. وأعقبه بقوله: وهو كقوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٤]. - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة: ١٠٠] ذكر عن عطاءٍ قولَه: يريد: الذين يذكُرون المهاجرين والأنصارَ بالخير والرحمة والدعاء. قال المؤلف: أشار إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]. ويصنعُ مثل ذلك أيضًا مع أقوال المتقدِّمين من العلماء: - ففي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١] قال: قال القتبي: أي: لم يَفهموا ذلك ولم يقفوا عليه. ثم بيَّن المؤلِّف مأخذَه فقال: من قوله: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ [الكهف: ٢٠]. ثم ذكر قولَ الفراء في الجملة نفسها: أي: لم يبلغوا أن يطيقوا النساء، يقال: صارع فلان فلانًا وظهر عليه. واستدلَّ له المؤلِّفُ بقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤].

стр. 91

وقد ينتهِج مثلَ هذا في القراءات: - ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [العنكبوت: ٥٠]، قال: وقرأ ابن كثير، وعاصمٌ في رواية أبي بكرٍ، وحمزةُ والكسائيُّ: ﴿آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾، وقرأ الباقون: ﴿آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾. استدل المؤلف لكلِّ قراءة بما يوافقها من الآيات، فعقَّب قراءة الجمع بقوله: لأنهم كانوا يقترحون آيات كما قال: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] الآيات. ثم عاد إلى القراءة الأولى فقال: ومَن وحَّد فهو للجنس فيؤدِّي معنى الجمع، وهو كقوله: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥]. - ومثله عند قوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] قال: مَن قرأ بفتح اللَّام فمعناه: إلَّا عبادَك الَّذين أخلَصْتَهم بتوفيقِكَ وعصَمْتَهم مِن فِتنتي، مِن قولِه: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ﴾ [ص: ٤٦]. ومَنْ قرأ بكسرها (١) فمعناه: إلَّا عبادَك الذين أخلَصُوا أعمالَهم لكَ، مِن قولِه: ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٤٦]. فهذه بعضُ الأمثلةِ من تفسيرِ القرآنِ بالقرآن، ذكرناها على سبيل البيان لا الاستقصاء، فالكتابُ كلُّه على هذا النحو، وهو كما ذكرْنا مما تميَّز به هذا التفسير، لكنه تميَّز بسمةٍ أخرى لا تقلُّ عنه أهميَّةً، وهي: ٢ - التفسير بالمأثور في تفسير "التيسير ": وهذا الجانبُ من التفسيِر لا يقلُّ أهميةً عن الذي قبلَه، بل إنَّ هذا الكتابَ ليُعدُّ _________ (١) قرأ الكوفيون ونافع بفتح اللام، والباقون بكسرها.

стр. 92

من أنواع التفسير بالمأثورِ؛ لكثرةِ ما فيه من أقوالِ السَّلف، فلا تمرُّ آيةٌ، بل ولا لفظةٌ، إلا ويَسردُ المؤلِّف ما رُوي عن السَّلَفِ في تفسيرها، بما قد يصلُ أحيانًا إلى عشرةِ أقوالٍ أو أكثر. ونعني بالمأثور: ما رُوِي عن النبيِّ ﷺ ، ثم مَن بعدَه من الأجيال الثلاثةِ وهم: ١ - الصحابة: وقولُهم ﵃ مقدَّمٌ على كلِّ قولٍ، فإنَّ صُحبتَهم للنبيِّ ﷺ ، ومخالطتَهم له، وتلقُّفَهم كلَّ قولٍ أو فعلٍ منه ﵊، واقتداءَهم به في كلِّ صغيرةٍ وكبيرة، قد أكسبَهم -بالإضافةِ لِمَا جُبِلوا عليه من شدَّةِ الفِطْنةِ وسلامةِ الفطرةِ- فهمًا ثاقبًا، وعقلًا راجحًا، وعلمًا واسعًا، وقريحةً وقَّادةً، إضافةً لِمَا عَرَفوا من أحوالِ مَن نزل فيهم القرآنُ من العرب واليهود، هذا مع ما كانوا عليه مِن التَّقوى العظيمةِ التي أكسبتْهم نورًا يضيءُ طريقَهم، ويكشفُ لهم ما غمضَ على غيرهم من المسائل، ويجلِّي ما أَشكلَ من المعاني، فلا عَجَب أنْ كانت لهم تلك المكانةُ السامقةُ والمرتبةُ العاليةُ التي لا يمكنُ أن يبلغها غيرُهم بعد النبيِّ ﷺ . وأكثرُ مَن رُوي عنه التفسيرُ في جيلِ الصحابة ابنُ عباسٍ ﵄، ثم عليٌّ وابن مسعود، ثم باقي الصحابةِ ﵃ أجمعين. ٢ - التابعين: وللتابعين مكانةٌ لا تُنكَر عند أهل العلم، فهم قد تَلَقَّوا التفسيرَ عن الصحابة الذين شأنُهم ما قدَّمناه، وكانوا -أي: التابعون- في عصرِ الاحتجاج اللغويِّ، فلم تَفسُدْ ألسنتُهم بالعُجمة، وكان لهم من الفهم وسلامةِ المقصد ما لهم، إضافةً إلى خلوِّهم من البِدَع والأهواء، فلم يكونوا شيعًا وأحزابًا، بل كانوا متفقينَ على أصولِ أهل السُّنَّة والجماعة التي أرساها الصحابة. كلُّ هذا جعَل لكلامهم وزنًا عند العلماء، مع الاختلافِ في الرجوعِ إلى تفسيراتهم وحجِّيَّة أقوالهم.

стр. 93

وأبرز هذا الجيل: مجاهدُ بنُ جَبْرٍ، وقَتادةُ بنُ دِعامةَ، والحسنُ البَصْريُّ، وسعيدُ بن جُبيرٍ، وعطاءُ بن أبي رَباحٍ، وإسماعيلُ بنُ عبدِ الرحمنِ السُّدِّيُّ، ورُفيعُ بن مِهْران أبو العاليةِ الرياحيُّ. ٣ - أتباع التابعين: وعندهم ينتهِي جيل السَّلف، وتأتي أهميةُ أقوالِهم عند العلماء مِن قُربِ عهدهم بأنوارِ النبوةِ، وشمولِ حديثِ النبيِّ ﷺ لهم في قوله: "خيرُ القرونِ قَرْني ثم الذينَ يَلُونَهم ثم الذين يَلُونَهم"، فهو لا شكَّ يَشمَلُ جيلَ أتباعِ التابعين الذين هم آخِرُ القرون المُنيفةِ في الخيريَّة على مَن بعدَها بشهادةِ النبيِّ ﷺ ، وكفَى به شرفًا أكسبَهم إياه النبيُّ الكريم عليه أفضلُ الصلاة وأتمُّ التسليم، ثم هم قد تتلمذوا على جيلِ التابعين الذي قدَّمنا صفاته، ونهَلوا من مَعينِ عِلمهم، وحملوا التراثَ الذى خَلَّفوهُ، ثم زادوا عليه بمقدارِ كشفِ ما زاد من غموضٍ عند الناس، وما جَدَّ من اختلافٍ في الرأي بينهم، فصار التفسيرُ في جيلهم بين التفسيرِ النقليِّ المحضِ، والتفسيرِ الذي يدخلُه الاجتهاد، وعن هؤلاء أخذ مَن جاء بعدهم، فكانوا هم الينبوع الذي صدرت عنه أجيال العلماء الذين لحقوهم. ومن أبرز هذا الجيل: عبدُ الرحمنِ بنُ زيدِ بنِ أسلمَ، وابنُ جُريجٍ، وسفيانُ بنُ عيينةَ، ومقاتل بن حيان، ومنهم محمدُ بنُ السَّائب الكلبيُّ ومقاتل بن سليمان إلا أنهما متروكان لا يوثَقُ بروايتهما كما سيأتي. والمؤلف ﵀ لا يمرُّ بآية ورد فيها حديثٌ مرفوعٌ أو قولٌ للسلف إلا توقَّفَ عندها وأوردَ أكثرَ ما روي عن السلف فيها، وسنذكرُ هنا بعضَ الملاحظاتِ الضروريَّة لفهمِ ما جاء في الكتاب: فأما حديثُ النبيِّ ﷺ فيُلاحَظُ عند المؤلِّف عدمُ التمييزِ بين الصحيحِ والضعيفِ

стр. 94

وحتى الموضوعِ، فهو يُورِدُ ما وقَف عليه من رواياتٍ دون النظرِ إلى حالها، فوقعَ فيه لذلك بعضُ الأحاديثِ الموضوعة: وأولُ هذه الأحاديثِ: الحديثُ الموضوعُ في فضائل السُّورِ سورةً سورةً، فقد وقع المؤلفُ ﵀ فيما وقعَ فيه كثيرٌ من المفسِّرين -كالثَّعلبيِّ والواحديِّ والزمخشريِّ والبيضاويِّ- من الاغترارِ بهذا الحديث، فيَذكر في مطلعِ كلِّ سورةٍ قطعةً منه، وهو ما تضمَّنه في فضلِها منسوبةً إلى أُبَيِّ بن كعب ﵁، وأولُ مَن فعَل هذا الثعلبيُّ، ثم تبعَه تلميذُه الواحديُّ، وتابعهما على ذلك المؤلف والزمخشريُّ، ثم البيضاويُّ وأبو السعود. وهذا الحديث قد نبَّه العلماء على وضعه، وعلى رأسهم ابنُ الجوزيِّ ﵀ الذي قال عنه في "الموضوعات": وهذا حديث فضائلِ السور مصنوعٌ بلا شكٍّ. قال: وقد فرَّق هذا الحديثَ أبو إسحاقَ الثعلبيُّ في "تفسيره"، فذكَر عند كلِّ سورةٍ منه ما يخصُّها، وتَبِعَه أبو الحسن الواحديُّ في ذلك، ولا أعجبُ منهما لأنَّهما ليسا من أصحابِ الحديث، وإنما عَجِبْتُ من أبي بكرِ بنِ أبي داودَ كيف فرَّقه على كتابه الذي صنَّفه في فضائل القرآن وهو يعلمُ أنه حديثٌ مُحال، ولكنْ شَرَهُ جمهورِ المحدِّثين، فإن من عادتهم تنفيقُ حديثهم ولو بالبواطيل (١). وقال السيوطيُّ في حاشيته على البيضاويِّ: هذا من الحديثِ الموضوعِ الذي رُوي عن أبيِّ بن كعبٍ في فضائلِ القرآنِ سورةً سورةً، وقد نبَّه أئمةُ الحديث وحُفَّاظه ونقَّادُه قديمًا وحديثًا على أنه موضوعٌ مختلقٌ على رسول اللَّه ﷺ ، وعابُوا على مَن أَورده من المفسِّرين في تفاسيرهم (٢). _________ (١) انظر: "الموضوعات" (١/ ١٧٤). (٢) انظر: حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي المسماة: "نواهد الأبكار" (٣/ ١١٢).

стр. 95

وقال مرعيٌّ الكرميُّ: أحاديثُ فضائِل السُّورِ المرويةُ عن ابن عباس وأبيِّ بنِ كَعْبٍ، كالذي ذكره البغوِيُّ والواحديُّ ونحوُهما كلُّها كذبٌ باتِّفاق أهل المعرفة بالحديثِ، قال العراقيُّ: (وكلُّ مَن أَوْدَعهُ كِتَابَهْ... كالواحديِّ مخُطئٌ صَوَابَهْ) (١) وقال ابنُ كثيرٍ في أولِ يوسفَ: وهو منكرٌ من سائرِ طُرقه. وممن نبَّه على وضعِه أيضًا المُنَاويُّ في "الفتح السماويِّ" مفرِّقا ذلك في كلِّ سورةٍ على حسَبِ ما أورده البيضاوي. وكذا الملَّا عليٌّ القاري، وقال: وقد اعترفَ بوضعِها واضعُها وقال: قصدْتُ أنْ أُشْغِلَ الناسَ بالقرآنِ عن غيرِه (٢). وإنما أطلتُ في الكلامِ عليه لأنه سيَرِدُ في هذا الكتابِ مع كلِّ سورةٍ، فلا بدَّ من جلاءِ حالهِ وبيانِ حقيقته. ومن الأحاديثِ الموضوعة التي أوردها أيضًا: حديثُ جابرِ بن عبد اللَّه ﵄: أنَّ يهوديًّا أتى النَّبيَّ ﷺ فقال: يا محمَّد؛ أخبرني عن أسماء الكواكب اللاتي سجدْنَ ليوسف، فقال له النَّبيُّ ﷺ : "إنْ أخبرْتُكَ أتؤمنُ بي؟ " قال: نعم، فأتاه جبريلُ صلوات اللَّه عليه فعلَّمه أسماءها، الحديث. وهو من طريق الحكَم بن ظَهيرٍ عن السُّدِّي عن عبدِ الرحمن بنِ سابطٍ عن جابر. _________ (١) انظر: "الفوائد الموضوعة في الأحاديث الموضوعة" لمرعي الكرمي المطبوعة ضمن "مجموع رسائل العلامة مرعي الكرمي". (٢) انظر: "الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة" لعلي القاري (ص: ٤٧٥).

стр. 96

قال ابنُ حبَّانَ: هذا لا أصلَ له مِن حديثِ رسول اللَّه ﷺ ، والحكَمُ بن ظَهيرٍ الفَزَاريُّ الكوفيُّ كان يَشتِم أصحابَ محمدٍ ﷺ ، يَروِي عن الثِّقات الأشياءَ الموضوعات. وقال ابن الجوزيِّ: هذا حديثٌ موضوعٌ على رسول اللَّه ﷺ ، وكأن واضعَه قصد شينَ الإسلام بمثلِ هذا، وفيه جماعة ليسوا بشيءٍ، قال يحيى بن معين: الحكمُ بن ظهيرٍ ليس بشيءٍ. وقال النسائيُّ: متروكُ الحديث. وقال الجوزجانيُّ كما في "التهذيب": ساقطٌ؛ لميله وأعاجيبِ حديثه، وهو صاحب حديثِ نجوم يوسف. ومنها: حديثُ ابنِ مسعودٍ ﵁ قال: كنتُ مع رسول اللَّه ﷺ في بعضِ طرقاتِ المدينة، إذا برجلٍ قد صُرع، فدنوتُ فقرأتُ في أذنه فاستوى جالسًا، فقال النبيُّ ﷺ : "ماذا قرأتَ في أذنه يا ابنَ أمِّ عبدٍ؟ " قلتُ: فداكَ أبي وأمي، قرأتُ: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]، فقال النبيُّ ﷺ : "والذي بَعَثني بالحقِّ لو قرأها مُوقنٌ على جبلٍ لذاب". وهذا الحديث رواه الإمام أحمد في "العلل"، والعقيليُّ في "الضعفاء"، وابن الجوزي في "الموضوعات"، من طريق سلام بن رَزينٍ عن الأعمش عن شَقيقٍ عن ابن مسعود به. قال الإمام أحمد: هذا حديثٌ موضوع، هذا حديثُ الكذَّابين. وقال الذهبيُّ في "الميزان" ترجمة سلام بن رزين: لا يُعرف، وحديثه باطلٌ. فهذه بعضُ الأمثلة على ما وَرد في الكتاب من الموضوع، مع التنبيهِ إلى أن أمثالَ هذه الأحاديثِ لم يَسْلَمْ منها كثيرٌ من كتبِ التفسير، حتى إنَّ حديثَ

стр. 97

الحكم بن ظهيرٍ في أسماء الكواكب قد رواه ابنُ أبي حاتم في "تفسيره"، وابنُ أبي حاتم معروفٌ في الجلالة والعلم. ونذكرُ هنا أيضًا أن كثيرًا مما أوردَه المؤلف هو من الأحاديثِ الصحيحةِ المرويَّة في الصحيحين وغيرِهما من دواوين الإسلام المعروفة، لكنْ مع ذلك قد وقَع فيه بعضُ الأحاديثِ التي لم نقف عليها في المصادرِ التي بين أيدينا: - فمن ذلك: حديثُ: "أنا قائدُها، وعيسى سائقُها" عن أمةِ المؤمنين. - وحديثُ: "مفتاحُ القرآنِ التَّسميةُ". - وحديثُ: "الصلاةُ ثانيةُ الإيمان". - وحديثُ: "إذا غَضِبَ اللَّه على قومٍ سلَّط اللَّه عليهم شرارَهم في البرِّ والبحر". - ومن ذلك: حديثُ أبي هريرةَ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَن قرأ في ليلةٍ سورةَ تنزيل السجدة، وسورةَ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ أو في يوم، بنَى اللَّه له بيتان في الجنة، وكان كمَن وافَقَ ليلةَ القَدْر، وحفَّتْ به الملائكةُ، وحفَّته بسورةِ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، ومنعَتْه ملائكةَ العذاب". - وحديثُ عائشةَ في قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] قالت: سألتُ رسولَ اللَّه ﷺ عن ذلك فقال: "هو قولُ اللَّهِ تعالى: لولا العِتابُ ما كان معَ أُمَّتِكَ الحِسابُ". - ومثلُه في الآية نفسِها: وقيل: أوحَى اللَّهُ إليه: "إنِّي ضَمِنْتُ الرزقَ لعبادي وأُمَّتُكَ لا يَثقون بذلك، وخلقْتُ النارَ لأعدائي وهُم يجتهدون أنْ يدخلُوها، وأنا لم أُطالِبْهم بعمَلِ الغدِ وهُم يَطْلُبون مني رِزْقَ الغدِ، وأنا لا أُعْطِي رِزْقَهم غيرَهم وهُم

стр. 98

يُؤَدُّون طاعتي لِرؤية غيري، وأنا المُعِزُّ والمُذِلُّ وهُم يَرْجُون ويخافون غيري، وأنا المُنْعِمُ عليهم وهم يشكُرون لغيري". ثم قال: يُروى هذا عن فاطمةَ ﵂: أنها سألَتْ رسولَ اللَّه ﷺ عن هذا، فقال هو هذا. - وقول ابن عباس في الآية نفسها: قال اللَّهُ تعالى له: عَبَدْتَنا في الخَلْوَةِ، فاشْفَعْ لِأُمَّتِكَ في الخَلْوَةِ. - وهذا من الموقوف، ومنه أيضًا: قولُ ابنِ عباس ﵄: إجلالُ القرآن: أعوذُ باللَّه مِن الشيطانِ الرجيمِ، ومفتاحُ القرآن: بسم اللَّه الرحمنِ الرحيمِ. - وقولُ ابن مسعود ﵁: سورة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ هي المانعةُ تمنع من عذاب القبر. فهذا ما يتعلَّقُ بالأحاديث المرفوعة والموقوفة، أمَّا الآثارُ فلنا معها هنا ملاحظاتٌ وتنبيهاتٌ مهمةٌ: فأول هذه الملاحظات ما يتعلَّق بتفسير الكلبي: والكلبي: هو محمد بن السائب، أبو النَّضر الكوفيُّ المفسِّر النسَّابة الأخباريُّ. وقد اتَّفق جميعُ العلماء على تركه وعدمِ الاحتجاج برواياته، أمَّا أقوالُه في التفسير فاختلفوا فيها. قال الثوريُّ: اتَّقُوا الكلبيَّ، فقيل: فإنك تروي عنه، قال: أنا أعرِفُ صدقَه من كذبه. وقال البخاريُّ: أبو النضر الكلبيُّ تركه يحيى وابنُ مهدي. ثم قال البخاريُّ: قال عليٌّ: حدثنا يحيى، عن سفيان، قال لي الكلبيُّ: كلُّ ما حدَّثْتُك عن أبي صالحٍ فهو كذب.

стр. 99

وقال سفيان: قال الكلبيُّ: قال لي أبو صالح: انظر كلَّ شيءٍ رويتَ عنِّي عن ابنِ عباسٍ فلا تروِه. وقال ابن معين: قال يحيى بن يعلى عن أبيه، قال: كنتُ أختلفُ إلى الكلبيِّ أقرأُ عليه القرآن، فسمعتُه يقول: مرضْتُ مرضةً فنَسِيتُ ما كنتُ أحفظُ، فأتيتُ آلَ محمدٍ ﷺ فتَفَلوا في فيَّ، فحفظتُ ما كنتُ نسيتُ. فقلتُ: لا واللَّه، لا أروي عنك بعد هذا شيئًا، فتركتُه. وقال يزيد بن زريعٍ: حدَّثنا الكلبي وكان سبئيًّا. وقال ابن حبَّان: كان الكلبيُّ سبئيًّا من أولئك الذين يقولون: إن عليًّا لم يَمتْ، هانه راجعٌ إلى الدنيا ويملؤها عدلًا كما مُلئت جورًا، وإن رأوا سحابةً قالوا: أميرُ المؤمنين فيها. وقال التبوذكي: سمعتُ همامًا يقول: سمعتُ الكلبيَّ يقول: أنا سَبئيٌّ. عباس عن ابن معينٍ قال: الكلبيُّ قال ليس بثقة. وقال الجوزجاني وغيره: كذاب. وقال الدارقطني وجماعة: متروك. وقال ابن حبان: مذهبه في الدِّين ووضوحُ الكذب فيه أظهرُ من أن يحتاجَ إلى الإغراقِ في وصفه، يروي عن أبي صالحٍ عن ابنِ عباسٍ التفسيرَ، وأبو صالحٍ لم يرَ ابنَ عباسٍ، ولا سمع الكلبيُّ من أبي صالحٍ إلا الحرفَ بعد الحرف، فلمَّا احتيجَ إليه أَخرجت له الأرضُ أفلاذَ كبدِها، لا يحلُّ ذكرُه في الكتب، فكيف الاحتجاج به! فهذا حاله في الرواية، أما في التفسير فقد اختلفوا فيه كما ذكرنا: ففريقٌ منعوه، منهم الإمام أحمد، قال أحمد بن زهيرٍ: قلتُ لأحمدَ بن حنبل: يحلُّ النظر في تفسير الكلبي؟ قال: لا.

стр. 100

وفريق ارتضَوا أقواله في التفسير، قال ابن عديٍّ: وقد حدَّث عن الكلبيِّ سفيانُ وشعبةُ وجماعةٌ، ورضُوه في التفسير (١). وإنما أطلت في بيان حاله لكثرة ما أورد المؤلف من أقواله، وتمهيدًا لملاحظةٍ هامةٍ في نقل العلماء عن الكلبي يجب التنبيه عليها، وقد لاحظتها من خلال عملي الطويل في التفسير، واطِّلاعي على كثيرٍ من أمَّهات التفاسير، وقد وقع منها في هذا التفسير الكثير: وهذه الملاحظة: هي أنه كثيرًا ما يقع الخلطُ وعدمُ التمييزِ بين ما يُروى عن الكلبيِّ، وما يُروى عن ابن عباس من طريقِه، وهي طريقُ الكلبيِّ عن أبي صالحٍ عن ابنِ عباس، فتجدُ مثلًا خبرًا يذكره بعضُ العلماء عن الكلبيِّ، بينما يذكرُه آخرون عن ابن عباس، وهؤلاء منهم مَن ينسبُه لابن عباسٍ دون بيانِ الراوي، ومنهم مَن يشيرُ إلى أنه من طريقِ أبي صالحٍ عن ابن عباسٍ، ومنهم مَن يذكره من طريقِ الكلبيِّ عن أبي صالحٍ عن ابن عباسٍ، لا أعني أن هذا كلَّه يحصل في خبرٍ واحد، لكن أكثرُ الأخبار يجري فيها شيءٌ من هذا، وإنما يُعرفُ حال ما ذكَرْنا بالتَّنقيب في كتبِ التفسير، وحصرِ ما وردَ فيها في ذلك الخبر. ومن الفوائدِ التي تتحصَّلُ من هذا الأمر: معرفةُ حال المرويِّ عن ابن عباس، وأنه من طريقِ الكلبي، فالاحتجاجُ به على ما قدَّمنا، كما يستفاد منه في الترجيحِ إذا وردت عن الحبر روايةٌ أخرى أو أكثرُ مخالفةٌ لتلك الروايةِ، وكانت من طريقٍ أصلحَ منها. ثم إن مَن ينسبُه لابن عباس دون بيانٍ لعلَّه إنما يَفعلُ ذلك لتقويةِ حاله؛ لمعرفته _________ (١) انظر: "ميزان الاعتدال" (٤/ ١٢٥) بتصرف وتقديم وتأخير.

стр. 101

بمكانة أقوالِ ابن عباسٍ ﵄ عند الناس، ولعلمِه أنَّ ذكرَ الكلبيِّ فيها يدفعُ للإعراض عنها. وسنسوقُ بعضَ الأمثلة لبيان المسألة: - ففي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] ذكر المؤلف عن الكلبيِّ قوله: ﴿مُنَادِيًا﴾: داعيًا، يعني: محمدًا ﷺ . وهذا القول ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" عن ابن عباس. - وفي قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ [الأعراف: ١١٣] قال: قال الكلبيُّ ﵀: فأتَوه وكانوا سبعين ساحرًا غيرَ رئيسهم، وكان يعلِّمهم رجلان مجوسيان من أهل نينوى. وهذا أورده الثعلبيُّ والبغويُّ عن الكلبيِّ كالمؤلِّف، بينما ذكره الرازي في "تفسيره" عن ابن عباس. - وفي قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] قال: قال الكلبيُّ ﵀: نزلت في رجلينِ من قريشٍ أَخبر اللَّه تعالى نبيَّه ﷺ أنها ستكونُ بعده في أصحابه، وقد كانت تلك الواقعةُ بعد وفاته ومضت. وهذا ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" من طريق أبي صالح عن ابن عباس مختصرًا بلفظ: نزلت في رجلين من قريش، ولم يسمِّهما. - وفي قوله: ﴿يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ [الأنفال: ٢٥] قال: قال الكلبي: أي أهلُ مكة. وهذا ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" عن ابن عباس ﵄. - وفي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ

стр. 102

السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨] قال: وعن ابن عباس ﵄ أن أهل مكة قالوا: يا محمدُ! ألا يخبرُكَ ربُّك بالسعر الرخيص قبل أن يغلوَ فتشتريَه فتربحَ به، أو يخبرُك بالأرض التي يريد أن تُجدِب فترتحلَ منها إلى ما أخصبَتْ، فأنزل اللَّه هذه الآية. وردَ هذا الخبر في "تفسير الثعلبي"، و"البسيط" للواحدي، و"تفسير البغوي"، و"زاد المسير"، عن ابن عباس، وفي "تفسير أبي الليث"، و"أسباب النزول" للواحدي، عن الكلبي. - وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ [الأحزاب: ٧٢] قال: روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال اللَّه تعالى للسماوات والأرض والجبال: إن أحسنتُنَّ جُوزِيتُنَّ وإن أسأتُنَّ عوقِبْتُنَّ. ذكره يحيى بن سلام في "تفسيره" عن الكلبي، وأبو الليث السمرقنديُّ في "تفسيره" عن ابن عباس ﵄. - وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] قال: قال الكلبيُّ: لمَّا أَنزل اللَّه الفرائضَ فعمل بها الناسُ، ثم جاء ما ينسخُها من القرآنِ وقد غاب أناسٌ وهم يعملون بالأمرِ الأولِ من القبلة والخمرِ وأشباهِ ذلك، سألوا رسولَ اللَّه ﷺ عن ذلك، فأَنزل اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ. ذكره الثعلبيُّ والبغويُّ عن مقاتل والكلبيِّ، وابنُ الجوزيِّ في "زاد المسير" من طريق الكلبيِّ عن أبي صالح عن ابن عباس. - وفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [مريم: ٦٨] قال المؤلفُ: قال الكلبيُّ: أي: جماعات.

стр. 103

ذكره عن الكلبيِّ الماورديُّ في "النكت والعيون"، وذكره الثعلبيُّ في "تفسيره" والواحديُّ في "البسيط"، عن ابن عباس - ومثل ذلك: ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] قال: وقال ابن عباس ﵄: ﴿بُكْرَةً﴾: صلاةُ الفجرِ، ﴿وَأَصِيلًا﴾: سائرُ الصلوات. ذكره الماورديُّ في "النكت والعيون" والبغويُّ في "تفسيره" والواحديُّ في "البسيط" عن الكلبي. - وفي قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧] قال: روى أبو صالحٍ عن ابن عباس قال: عمَل الكفَّار مكتوبٌ في صخرةٍ تحت الأرضِ السَّابعة، خضراءَ خُضرةُ السَّماوات منها. ذكره الثعلبي في "تفسيره" عن الكلبي. - وفي سبب نزول سورة الطارق ذَكر عن ابن عبَّاس قوله: نزلت في أبي طالبٍ، وذلك أنَّ ليلةً من اللَّيالي انحطَّ نجمٌ، فامتلأَتْ الآفاقُ نارًا، ففزِعَ لذلك أبو طالب، فقال: أيُّ شيءٍ هذا؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "هذا نجمٌ رُمِيَ به، وهو آيةٌ من آياتِ اللَّهِ"، فعجِبَ أبو طالب، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ الآيات. ذكره القرطبي من طريق أبي صالح عن ابن عباس، وذكره البغويُّ عن الكلبيِّ، وذكره دون عزوٍ الثعلبيُّ في "تفسيره"، والواحديُّ في "أسباب النزول". - وفي قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾: ذكَر عن ابن عباسٍ ﵄ قولَه: كان عَهِدَ إلى بني إسرائيلَ على لسانِ موسى صلواتُ اللَّه عليه: إنِّي باعثٌ مِن بني إسماعيل نبيًّا أُمِّيًّا؛ فمَن اتَّبعه وصدَّق بالنُّور الذي يأتي به غفرتُ له ذنبَه وأدخلتُه الجنة، وجعلتُ له أجرينِ اثنين، فذكَّرهم ذلك بهذه الآية.

стр. 104

كذا ذكره المؤلفُ عن ابن عباس، وذكره أبو الليث السمرقنديُّ في "تفسيره" من طريق أبي صالح عن ابن عباس. وذكره الثعلبيُّ في "تفسيره" عن الكلبيِّ. ومثل هذا كثيرٌ جدًّا، وإنما اقتطَفْنا بعضَ الأمثلة لتوضيح المسألة لا أكثر. ملاحظة ثانية: وهذه الملاحظةُ تتعلَّق بما يُروى عن عطاءٍ، وهناك علَمان من السَّلَف بهذا الاسم: عطاءُ بن أبي رباحٍ، وعطاءُ بن أبي مسلمٍ الخراسانيُّ، وثمةَ فرقٌ كبيرٌ بين الرجلين: فالأول تابعيٌّ ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ روَى عن جمعٍ من الصحابة منهم ابنُ عباسٍ وابن عمرٍو وابنُ عمرَ وابن الزبير ومعاوية وأسامة بن زيد وجابر بن عبد اللَّه وغيرهم، وكان مع ذلك كثيرَ الإرسال، وقد روَى له الستة. والثاني روايتُه عن الصحابةِ مرسلة، وهو صدوقٌ يهمُ كثيرًا ويرسِل ويدلِّس، ولم يصحَّ أن البخاريَّ أخرج له، وروى له مسلمٌ متابعةً. ويحصل الخلطُ في الأخبارِ هنا بأنْ يُنسبَ الخبرُ لعطاءٍ دون تعيينِ مَن هو، ومن ناحيةٍ أخرى كثيرًا ما يَنسب بعضُ العلماء الخبرَ لعطاءٍ، وينسبه آخرون لابن عباس، ويصرِّح بعضُ هؤلاء بأنه من طريق عطاءٍ عن ابن عباسٍ، وأكثرُ ما يقع هذا عندَ الواحديِّ في كتابيه "البسيط" و"الوسيط"، فيجعلُ أكثرَ أخبارِ عطاءٍ متَّصلةً لابنِ عباسٍ، وهذه الأخبارُ ضعيفةٌ واهيةٌ لا يُحتجُّ بها كما بيَّن ابنُ حجر في "العُجاب" فقال: ومِن التفاسيرِ الواهيةِ لوَهَاءِ رواتها التفسيرُ الذي جمَعه موسى بنُ عبدِ الرحمن الثَّقَفيُّ الصنعانيُّ، وهو قَدْرُ مجلَّدين يُسنده إلى ابن جُريجٍ عن عطاءٍ عن ابنِ عباس، وقد نَسب ابنُ حبَّان موسى هذا إلى وضعِ الحديثِ، ورواه عن موسى عبدُ الغنيِّ بنُ سعيدٍ الثقفيُّ وهو ضعيف.

стр. 105

وقد قال ابن حبَّان في "المجروحين": مُوسَى بنُ عبد الرَّحْمَن الصَّنْعَانِيُّ شيخٌ دجَّالٌ يَضع الحديثَ روى عنه عبد الغَنِيّ بن سعيد الثَّقَفِيُّ، وضعَ على ابنِ جريجٍ عن عَطاءٍ عن ابنِ عَبَّاسٍ كتابًا في التَّفْسِير جمَعه من كلام الكَلْبِيِّ وَمُقَاتِلِ بن سُلَيْمَان، وألزقه بابن جريجٍ عن عطاء عن بن عبَّاس، ولم يحدِّث به ابنُ عَبَّاس، ولا عطاءٌ سَمِعَه، ولا ابنُ جريجٍ سمع من عطاء، وإنَّما سمع ابنُ جريجٍ من عطاء الخُراسَانيِّ عن ابن عبَّاس في التفسير أحرفًا شَبِيهًا بِجُزْء، وعطاءٌ الخُراساني لم يسمع من ابن عبَّاس شيئًا ولا رواهُ، لا تحل الرِّوَاية عن هذا الشَّيخ ولا النَّظرُ فِي كتابه إلَّا على سَبِيل الاعْتِبار (١). ويظهرُ من كلامِ ابن حبَّان أن عطاءً المذكورَ في هذا التفسيرِ هو الخراسانيُّ، فهو لم يسمع من ابن عباس ﵄. وهذا التفسيرُ قد روى طرفًا منه الطبرانيُّ في "الكبير" عن شيخه بكرِ بن سهلٍ الدِّمياطيِّ، عن عبدِ الغنيِّ بنِ سعيدٍ الثَّقَفيِّ، عن موسى بنِ عبد الرحمنِ الصَّنعانيِّ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباس. وما ذكره الواحديُّ من رواياتِ عطاء عن ابن عباس موافقٌ لتلك الرواياتِ التي عند الطبرانيِّ، لكنَّ الواحديَّ قد أكثرَ مِن نقلِها مع شدِّةِ ضعفِها ووَهَائها. وسنذكرُ فيما يلي بعضَ الأمثلةِ للاختلاف الحاصلِ بين الرواياتِ من هذه الطريقِ: - ففي قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥] ذكر المؤلِّف عن عطاء قولَه: شعيبُ بنُ توبةَ بنِ مدينَ بنِ إبراهيم. _________ (١) انظر: "المجروحين" (٢/ ٢٤٢).

стр. 106

ذكره الثعلبيُّ والبغويُّ عن عطاءٍ كالمؤلف، وذكره الواحديُّ في "البسيط" عن عطاءٍ عن ابن عباس. - وفي قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِم﴾ [الأعراف: ١٥٧] قال المؤلِّف: وقال عطاءٌ: كانت بنو إسرائيلَ إذا قامتْ تصلِّي للَّهِ لبِسوا المُسوحَ، وغَلُّوا أيديَهم إلى أعناقهم؛ تواضُعًا للَّه، وخوفًا من عذابه، وطمعًا في ثوابه، فرفَعها اللَّه تعالى عن هذه الأمة. ذكره الواحدي في "البسيط" عن عطاء عن ابن عباس. - وفي قوله تعالى: ﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٥] قال: وقال عطاء: يعني: يومَ بدر وأحد. ذكره الواحديُّ في "البسيط" عن ابن عباس ﵄. - وكذا: وقال عطاءٌ: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩]: بلا إلهَ إلا اللَّه. ذكره عن عطاءٍ الثعلبيُّ والبغويُّ، وذكره الواحديُّ في "البسيط" من طريقِ عطاء عن ابن عباس. - وفي قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] قال: قال عطاءٌ: وإما يَعْرِضنَّك من الشيطان عارضٌ. ذكره الواحديُّ في "البسيط" من طريق عطاءٍ عن ابن عباس. - وفي قوله تعالى: ﴿يَلمِزُك﴾ [التوبة: ٥٨] قال: قال عطاءٌ: أي: يغتابُك. ذكره الثعلبيُّ عن عطاء، والواحديُّ في "البسيط" عن عطاءٍ عن ابن عباس. - وفي قوله: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٤] قال المؤلف: وقال عطاءٌ: هم سبعون رجلًا أنزل اللَّه تعالى أسماءَهم وأسماء آبائهم، ثم رُفعت مرحمةً على العباد، ولأنَّ أولادهم أَسلموا وأَخلصوا.

стр. 107

ذكره الواحدي في "البسيط" عن عطاء عن ابن عباس، والبغوي في "تفسيره" عن ابن عباس. - وفي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] ذكر عن عطاء أنها في سهل بن رافع. ذكره الواحديُّ في "البسيط" من طريق عطاءٍ عن ابن عباس. - وفي قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة: ١٠٠] قال: وقال عطاءٌ: يريد: الذين يذكُرون المهاجرين والأنصارَ بالخير والرحمة والدعاء. ذكره الثعلبيُّ عن عطاءٍ، وذكره الواحديُّ في "البسيط" من طريقِ عطاءٍ عن ابنِ عباس. والأمثلةُ كثيرةٌ جدًّا، لكنَّ الملاحظَ أن هذه الروايات مقتصرةٌ تقريبًا على الثعلبيِّ والواحديِّ والبغويِّ، وقد يوردُها مَن يأخذُ عنهم كالرازي وابن الجوزيِّ والقرطبي. ويوضح هذا الأمرَ معرفةُ أن الواحديَّ تلميذُ الثعلبي، وقد نقل في تفاسيرِه كثيرًا مما أورده الثعلبيُّ في "تفسيره"، كما أن البغويَّ تلميذُ الواحديِّ، وقد أكثرَ في "تفسيره" من نقلِ ما جاء عند شيخه الواحديِّ وشيخِ شيخِه الثعلبيِّ. واللَّه تعالى أعلم. أمَّا الملاحظةُ الثالثةُ: فتتعلَّق بما ينقلُ عن مقاتل، وهاهنا علَمان أيضًا بهذا الاسم: مقاتلُ بن حيَّان، ومقاتلُ بن سليمان، والبَون بينهما شاسعٌ أيضًا: فالأول قال عنه الحافظ في "التقريب": صدوقٌ فاضلٌ، أخطأ الأزديُّ في زَعْمِه أن وكيعًا كذَّبه، وإنما كَذَّب الذي بعده. ويعني بالذي بعده مقاتل بن سليمان فإنه أعقبه به وقال: كذَّبوه وهَجَروه ورُمِيَ بالتجسيم.

стр. 108

قلتُ: لكن بعضَهم استحسَن تفسيرَه، فقد قال الحافظ نفسُه في "التهذيب": ورُوي عن الشافعي من وجوه: الناس عيالٌ على مقاتلٍ في التفسير. وقال نعيمُ بن حمَّاد: رأيتُ عند ابنِ عيينةَ كتابًا لمقاتلٍ فقلتُ: يا أبا محمدٍ تروي لمقاتلٍ في التفسير؟! قال: لا، ولكنْ أستدلُّ به وأستعين. وقال ابن المبارك لمَّا نظر إلى شيءٍ من تفسيره: يا له مِن علَم لو كان له إسناد. وقال مكيُّ بن إبراهيم عن يحيى بن شبلٍ: قال لي عبَّادُ بن كثيرٍ: ما يمنعُك من مقاتلٍ؟ قلتُ: إن أهل بلادنا كرهوه، فقال: لا تكرهْه، فما بقي أحدٌ أعلمَ بكتاب اللَّه تعالى منه. وبعضُهم لم يقبل تفسيرَه كإبراهيمَ الحربيِّ، فقد ذكر عنه الحافظ في "التهذيب" قوله: وإنما جمع مقاتلٌ تفسيرَ الناس وفسَّر عليه من غيرِ سماع، قال إبراهيم: ولم أُدخلْ في تفسيري عنه شيئًا، وقال إبراهيم: تفسيرُ الكلبي مثلُ تفسيرِ مقاتلٍ سواءٌ. قلت: وكلَا المقاتلَين قد رُوي عنه أقوالٌ في التفسير أوردها المفسِّرون في كتبهم، وقد رأيتُ من خلال العمل في هذا التفسير وقوعَ خلطٍ أيضًا بينهما، فما ينسبُه بعضهم للأول ينسبه غيرُه للثاني، كما أن كثيرًا مما يُنسب لابن حيانَ وجدتُه مذكورًا في التفسير المنسوبِ لابن سليمان، وهذه بعض الأمثلة على ذلك: - ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] قال المؤلف: وقال مقاتل بن سليمان ﵀: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: على المعرفة ولم يرتدُّوا. وهو في "تفسير مقاتل بن سليمان"، وذكره عنه الواحديُّ في "البسيط" والبغويُّ في "تفسيره"، أما الثعلبيُّ فعزاه في "تفسيره" لمقاتل بن حيان.

стр. 109

ثم ذكر المؤلِّف بعده عن مقاتل بن حيَّان: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: على أنَّ اللَّهَ ربُّهم. وهذا على العكسِ مما قبله ذكره الثعلبيُّ في "تفسيره" عن مقاتل بن سليمان. - وفي قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ قال: وقال مقاتل بن حيَّان: وحمل نوحٌ في السَّفينة معه ثمانين نفسًا؛ أربعين رجلًا، وأربعين امرأةً، وفيهم أولادُه الثَّلاثة. وهذا ورد في "تفسير مقاتل بن سليمان". - وفي موضعٍ آخر قال المؤلِّف: وقال مقاتل بن حيَّان: لَمَّا نزل قوله: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ﴾ [الفتح: ٥]، قال عبد اللَّه بن أُبَيٍّ: ما نحن وهم -يعني: الصَّحابةَ- إلا في منزلةٍ واحدةٍ، فأنزل اللَّه: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾ [الفتح: ٦]. وهذا أيضًا ورد في "تفسير مقاتل بن سليمان"، وذكره عنه ابن الجوزيِّ في "زاد المسير". - وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [التكوير: ٢٥] قال المؤلف: وقال مقاتل بن حيَّان: رأى رسول اللَّه ﷺ جبريلَ من قِبَلِ المشرقِ بأجياد وهو بمكَّةَ قد ملأ الأفقَ بكَلْكَله، رجلاه في الأرض، ورأسُه في السَّماء، جناحٌ له بالمشرق، وجناحٌ له بالمغرب، فغُشِيَ عليه فتحوَّل جبريل في صورة بني آدم، فقيل لرسول اللَّه ﷺ لَمَّا رجع: ما رأيناك منذ بُعِثْتَ أحسنَ منك اليوم، فقال: "جاءني جبريل في صورته، فعَلِقني هذا من حسنه". وهذا ورد في "تفسير مقاتل بن سليمان". - وفي موضع آخر قال المؤلف: وقال مقاتل بن حيَّان: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٩]؛ أي: مكتوبٌ لهم في ساق العرش، ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢١]؛ يعني: يشهدُ ذلك

стр. 110

الكتابَ سبعةُ أملاك من مقرَّبي أهلِ كلِّ سماءٍ حتَّى يُصعَد به إلى السَّماء، من كرامةِ المؤمن على اللَّه تعالى. وهو في "تفسير مقاتل بن سليمان". - وفي قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] ذكر المؤلِّفُ عن مقاتلٍ دون تعيينٍ: نزلتْ في ثلاثة نفَرٍ، وذلك أنَّ النبيَّ ﷺ بعَثَ سَرِيَّةً وأمَّرَ عليهم المنذرَ بن عمرٍو، فخرج بنو عامر بن صَعْصَعَةَ عند بئرِ مَعُونةَ، فرَصَدُوهم على الطريق وقتَلوهم، فرجعَ ثلاثة منهم، فلمَّا دنَوا إلى المدينة خرَجَ رجلان مِن بني سُلَيمٍ صالَحا رسولَ اللَّهِ ﷺ ، وقد كان أعطاهما وكسَاهما، فقالا: نحن مِن بني عامر؛ لأنَّ بني عامرٍ كانوا أقربَ إلى المدينة، فقتلوهما وأخذوا ثيابَهما، وجاؤوا إلى رسول اللَّه ﷺ ، فنزلت هذه الآيةُ. وهذا الخبر ورد في "تفسير مقاتل بن سليمان"، وذكره عنه السمرقندي في "تفسيره". لكن رواه البيهقي في "شعب الإيمان" (١٤٣٠) عن مقاتل بن حيَّان. وغيرُ هذا كثير، وإنما ذكرنا ما ذكرنا لتوضيحِ المسألة. وتبقى هنا ملاحظةٌ أخيرة: وهي أنه يجب التفريقُ بين ما يرويه الضعفاءُ ممن ذكرنا كمقاتلٍ والكلبيِّ وبين ما يقولونه من التفسير، فبابُ التفسيرِ واسعٌ، وما دامت أقوالُهم لا تخرجُ عن الأصولِ فلا ضيرَ فيها واللَّهُ أعلم، بل كثيرٌ مما يذهبون إليه هو في الحقيقةِ من الوجوهِ المقبولة أو المستحسَنة، حتى رجَّح الماتريديُّ مرةً قول الكلبيِّ على قولِ سعيد بن جبيرٍ. قال الماتريديُّ: قال سعيد بن جُبير ﵀: يُجمع بين أرواح الأحياء وبين
следующие страницы →