← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 7876–7915 · переход к 7881.

стр. 7876

سورة النصر (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي من عنده النصرُ والفتح، الرحمنِ الذي له يحقُّ الحمدُ والمدح، الرحيمِ الذي للمستغفرين منه العفوُ والصفح. روى أبي بن كعب ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ أُعطي من الأجر كمَن شهد مع محمد ﷺ يومَ فتح مكة" (٢). وهذه السورة مدنية، وهي ثلاث آيات، وتسعَ عشرةَ كلمة، وسبعٌ (٣) وسبعون حرفًا. وانتظام السورتين: أنه آيَسه في تلك عن إيمان قوم من الكافرين ووعده في هذه إيمانَ أفواجٍ كثيرة من المؤمنين. * * *

стр. 7877

(١ - ٣) - ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾: أي: إذا أتاك نصرُ اللَّه إياك على قومك. ﴿وَالْفَتْحُ﴾: وهو فتح مكة. ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ﴾: وهم قبائل العرب من نزار واليمن. ﴿يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ﴾: وهو (١) الإسلام. ﴿أَفْوَاجًا﴾: أي: زمرًا زمرًا لا واحدًا واحدًا. ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾: فاذكر اللَّه شاكرًا له بما آتاك. ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾: واسأل مغفرتَه وعفوه عن تقصيرٍ عسى وقع منك. ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾: كثيرَ قبول التوبة عن عباده، لم تَزَلْ تلك صفةً له. وكانت هذه السورةُ نعيًا له إلى نفسه، يقول: إذا جاء نصر اللَّه والفتحُ، ودخولُ الناس أفواجًا في دينك، فقد تقارَبَ أجلُك، وإلى دار الكرامة انتقالُك، فاستعدَّ للقاءِ اللَّه تعالى بالمواظَبة على الصلاة والتسبيح والاستغفار حتى تلقَى اللَّه تعالى على غايةِ الطهارة. قال سعيد بن جبير: إن عمر ﵁ سألهم (٢) عن ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فقالوا: أُمر نبينا إذ رأى مسارعةَ الناس في الإسلام ودخولَهم فيه أن يَحمد اللَّه ويستغفرَه، فقال عمر ﵁: يا ابن عباس! ما لك لا تكلَّمُ؟ قال:

стр. 7878

أعلمَه متى يموت، ثم قرأ السورة، فقال عمر: صدق والذي نفسي بيده، ما أعلمُ منها إلا ما علمتَ (١). وقالت عائشة ﵂: لما نزلتْ هذه السورة ما رأيتُ رسول اللَّه ﷺ صلى صلاةً إلا قال: "سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي" (٢). وعن أبي العالية قال: لمَّا نزلت هذه السورة ونُعيت إلى رسول اللَّه ﷺ نفسُه كان لا يقوم من مجلس يجلس فيه حتى (٣) يقول: "سبحانك اللهمَّ وبحمدك، أشهدُ أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك" (٤). وذكر بعض المفسرين أن هذه السورةَ نزلت قبل فتح مكة، فإن قوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ يدل عليه؛ لأن (إذا) للمستقبل. والصحيح: أنها نزلت بعده، على ما نبيِّن من الأحاديث، فـ ﴿إِذَا﴾ هاهنا للماضي؛ كما في قوله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١]، وقال الشاعر: وإذا تكون كريهةٌ أُدعى لها... وإذا يُحاسُ الحيسُ يُدْعَى جُندبُ (٥)

стр. 7879

وقال ابن عمر ﵁: نزلت هذه السورة في أوسط أيام التشريق، فقام رسول اللَّه ﷺ فخطب خطبةَ الوداع (١). وعن ابن عباس أنه قال: آخرُ سورة نزلت جملة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (٢). وقال الحسن: لمَّا فتح رسول اللَّه ﷺ مكة أقبلتِ العرب (٣) بعضُها على بعض فقالوا: أمَا إذا ظفر محمد ﷺ بأهل الحرم وقد كان اللَّه أجارهم من أصحاب الفيل ومَن أرادهم فليس لكم به يدَان، فكانوا يدخلون في دين اللَّه أفواجًا (٤).

стр. 7880

وقال مقاتل: نزلت هذه السورة بعد فتح الطائف، ﴿وَالْفَتْحُ﴾: فتح مكة، و ﴿النَّاسَ﴾: أهل اليمن ﴿أَفْوَاجًا﴾؛ أي: زمرًا من كل وجهٍ، القبيلةَ بأسرها والقومَ بأجمعهم، ليسوا بالواحد والاثنين والثلاثة، فكانت هذه السورة آيةَ موته، فقرأها النبي ﷺ على أبي بكر وعمر ﵄ ففرحا، وسمعها العباس ﵁ فبكى، فقال له النبي ﷺ : "ما يبكيك يا عم؟ " فقال: نُعيت إليك نفسك، قال: "إنه لكَما تقول" (١). وذُكر أنه لما نزلت هذه السورة قام رسول اللَّه ﷺ خطيبًا فقال: "إنَّ عبدًا خيَّره اللَّه تعالى بين الدنيا وبين لقائه فاختار لقاء اللَّه" فقال أبو بكر ﵁: فديناك بأنفسنا وآبائنا وأولادنا وأموالنا (٢). وعاش رسول اللَّه ﷺ بعدها (٣) حولًا أو حولين، ثم حج من قابل فنزل قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فعاش بعدها ثمانين يومًا ثم نزلت آية الكلالة وهي آية الصيف، فعاش بعدها خمسين يومًا ثم نزل: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ

стр. 7881

مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] فعاش بعدها خمسة وثلاثين يومًا ثم نزل: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ فعاش بعدها أحدًا وعشرين يومًا، وعن مقاتل ﵀: أنه عاش بعدها سبعة أيام (١). وقال أنس ﵁: لما نزلت دعا النبيُّ ﷺ فاطمةَ رضى اللَّه عنها وقال: "يا بنتاه أنه نُعي إليَّ نفسي"، فبَكَتْ فقال: "لا تبكي فإنك أولُ أهلي لحوقًا بي" (٢). حشرنا اللَّه في زرمتِهما آمين والحمدُ للَّه ربِّ العالمين (٣) * * *

стр. 7882

سورة المسد (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي أَوْعَد أبا لهب، الرحمنِ الذي لم يجعل له نفعًا بما كَسَب، الرحيمِ الذي بكفره يَصليه نارًا ذات لهب. روى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة ﴿تَبَّتْ﴾ أرجو ألا يجمَع اللَّه بينه وبين أبي لهب في دارٍ واحدة" (٢). وهذه السورة مكية، وهي خمس آيات، وثلاثٌ وعشرون كلمة، وأحد (٣) وثمانون حرفًا. وانتظام السورتين: أن تلك في ذكر نصر الأنبياء (٤)، وهذه في ذكر هلاك الأعداء. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: لما نزل قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ

стр. 7883

الْأَقْرَبِينَ﴾ أتى رسول اللَّه ﷺ الصفا فصعد عليه ثم نادى: "يا صباحاه"، فاجتمع إليه الناس، فقال رسول اللَّه ﷺ : "يا بني عبد المطَّلب، يا بني فِهْر، يا بني لؤي (١)، أرأيتم لو أخبرتُكم أن خيلًا بسفح هذا الجبل تريد أن تُغير عليكم، صدَّقتُموني؟ " قالوا: نعم، قال: "فإني نذيرٌ لكم بين يديْ عذابٍ شديد" فقال أبو لهب: تبًّا لك سائرَ اليوم، أمَا دعَوْتنا إلا لهذا؟ فأنزل اللَّه تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (٢). وروي: أنه لما نز لت هذه السورة دعا ابنَه عتبةَ -وكانت تحته بنتُ رسول اللَّه ﷺ وقال له: إن أردتَ (٣) رضائي فطلق ابنةَ محمد وأْتهِ فأَسمعه، ففعل فأتى رسولَ اللَّه ﷺ فآذاه، فقال ﵇: "اللهمَّ سلِّط عليه كلبًا من كلابك" (٤)، وقد مرت القصةُ في أول سورة والنجم. * * * (١) - ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾. قال أهل التفسير وأهل اللغة: ﴿تَبَّتْ﴾؛ أي: خسرت؛ قال تعالى: ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١]، وقال في آية أخرى: ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ [هود: ٦٣]، ثم الخسران يرجع إلى الضلال والهلاك.

стр. 7884

وقوله تعالى: ﴿يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾: أضاف التَّبَاب إلى اليد ومعناه: كلُّ بدنه؛ لأن المراد به أنه جزاءُ عمله، والعمل غالبًا يقع باليدين، يقال: كسَبَتْ يداه، وقال تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١] ولما كان العمل يقع منه الخسران بأنْ لا يحصلَ صاحبه منه على نفعٍ قيل: ﴿تَبَّتْ يَدَا﴾ على معنى: خسر ما عملَتْ يداه؛ أي: خسر عملَه فهو في ضلال وهلاك. وأبو لهب عمُّ رسول اللَّه ﷺ ، وذكر بالكنية دون الاسم لا تشريفًا له بل إشارةً إلى أنَّ مَرْجِعه إلى لهب النار. وقيل: لأن اسمه كان عبدَ العزى، وهو كذبٌ، فلم يُذْكر به. وقيل: كانت كنيتُه أبا عتبة، وكان (١) له خمسةُ بنين: عُتبة وعتيبة وعتَّاب ومعتِّب ومعيتب، وكان يلقَّب بأبي لهبٍ لحمرةِ وجهه. ﴿وَتَبَّ﴾: أي: تَبَّ أبو لهب، ومعنى التكرار: إضافةُ الأول إلى يديه والثاني إليه، عند الفراء وجماعةٍ: أن الأول دعاء والثاني خبر بمعنى: وقد تبَّ، وكذا هو في مصحف عبد اللَّه (٢)، وهو كما يقال: أهلكك اللَّه وقد أهلك. وقيل: إنه كان أراد أن يرمي رسول اللَّه ﷺ بحجرٍ فمنعه اللَّه تعالى من ذلك، وذلك قوله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ ثم قال: ﴿وَتَبَّ﴾ وهو إخبار عن عقاب ينزل به بعدُ. * * *

стр. 7885

(٢) - ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾. قوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ﴾: يصلح للنفي، والاستفهامِ بمعنى تقرير النفي أيضًا، و ﴿أَغْنَى﴾؛ أي: نَفَع ودفع. ﴿وَمَا كَسَبَ﴾: قيل: هو الولد. قال النبيُّ ﵇: "أطيبُ ما يأكل الرجل من كَسْبه، وإنَّ ولده مِن كسبه" (١)؛ أي: ما دفع عنه عذابَ اللَّه مالُه وولده. وعن أبي الطفيل قال: كنتُ عند ابن عباس يومًا، فجاءه بنو أبي لهب يختصمون في شيء بينهم، فاقتتلوا عنده في البيت فقام يحجز بينهم، فدفعه بعضهم فوقع على الفراش، فغضب ابن عباس ﵁ وقال: أَخْرِجوا عني الكسبَ الخبيث ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ (٢). * * * (٣ - ٤) - ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾. وقوله تعالى: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾: أي: سيدخل هو في الآخرة نار جهنم، وهي ذاتُ توقُّدٍ. ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾: أي: هو وامرأته، وهي أم جميل بنتُ حربِ بن أمية، أختُ أبي سفيان بن حرب.

стр. 7886

﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾: قرأ عاصم بالنصب وهو على الذم، والباقون بالرفع (١)، وهو على (٢) خبر الابتداء؛ أي: وامرأته كذا. وفي هذه القصة (٣) أقاويل: قال ابن عباس ﵄ والضحاكُ وابن زيد: كانت تحمل الشوك فتطرحُه في طريق النبي ﷺ إذا خرج إلى الصلاة (٤). وفي "تفسير الفقيه أبي الليث ﵀": فحملت ذات يومٍ حزمةَ شوكٍ لذلك، فوضعتها (٥) على جدار وقد شدتها بحبل من ليفٍ على صدرها، فأتاها جبريل ﵇ ومدَّها خلف الجدار فاختنقت وماتت (٦). وقال عكرمة ومجاهد وقتادة: كانت تمشي بالنميمة (٧)، وهو استعارةٌ لأن الحطب يُشعل به النار والنميمةَ توقِع العداوةَ والشحناء وتَهيجُ الفتنة والحربَ، وذلك يسمَّى بهذا (٨)، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤].

стр. 7887

وقال قتادة: قال بعضهم: إنها كانت تعيِّر رسول اللَّه ﷺ بالفقر ثم كانت تحتطب للؤمها وبخلها مع كثرة مالها فعيَّرها اللَّه بذلك (١). * * * (٥) - ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾. ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾: أي: من ليفٍ لينٍ (٢) من جريد النخل. وقال القتبي: المسد: كل ما ضُفِر وفُتل، يقال: مَسَدْتُ الحبلَ مَسْدًا، ومنه: رجل ممسودُ الخَلْق، إذا كان مجدولًا مفتولًا، وأنشد للراجز: يا مسدَ الخُوصِ تعوَّذْ منِّي... إنْ كنتَ (٣) لَدْنًا لَيِّنًا فإنِّي ما شئتَ من أشمطَ مُقْسَئِنِّ (٤) أي: غليظ. قال: وأراد اللَّه بهذا الحبل: السلسلةَ التي ذرعُها سبعون ذراعًا، ويجوز أن يكون سماها مسدًا وإن كانت حديدًا أو نارًا أو ما شاء اللَّه لشدة الضَّفر (٥) والفتل (٦). وقيل: هو حبل من ليف كانت تحتطِبُ به في الدنيا تجعله في عنقها عند حملها إياه.

стр. 7888

وقيل: كانت تعلِّق في جيدها (١) قلادةً من ودعٍ وهو خرزاتٌ، فشبَّه ذلك في قبحه وغِلَظه وسماجةِ منظره بالحبل من المسد. وروى سعيد بن جبير عن أبي بكر ﵁ (٢): لمَّا نزلت هذه السورة جاءت امرأة أبي لهب، فقال أبو بكر: لو تنحيتَ (٣) يا رسول اللَّه فإنها امرأة بذيئة، فقال ﵇: "سيُحال بيني وبينها" فدخلت فلم تره، فقالت لأبي بكر: هجانا صاحبك، قال: واللَّه ما ينطق بالشعر (٤) ولا يقوله، قالت: إنك لمصدَّقٌ، فاندفعت راجعةً، فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه! ما رأتكَ، فقال: "لم يزل بيني وبينها ملكٌ يسترني عنها حتى رجعَتْ" (٥). وفي رواية: قرأ رسول اللَّه ﷺ : ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ الآية [الإسراء: ٤٥]، فلم تره (٦). وروي أنها قالت: مذممًا أبينا ودينَه قلَينا وأمرَه عصَينا

стр. 7889

ورجعت (١). فقال النبي ﷺ لأبي بكر: "انظر كيف صرف اللَّه تعالى ذمَّها عن اسمي فلم تقل: محمدًا أبينا" (٢). وروي أنها قالت: يا محمد! علَامَ تهجوني؟ فقال: "إني واللَّه ما هجوتُك، ما هجاك إلا اللَّه تعالى" (٣). والحمد للَّه * * *

стр. 7890

سورة الإخلاص (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الأحدِ (٢) الصمد، الرحمنِ الذي لم يلد ولم يولد، الرحيمِ الذي لم يكن له كفوًا أحد. وهذه السورة عند ابن عباس ومقاتل والواقدي والحسين بن واقد مكية. وقال قتادة: هي مدنية (٣). وهي خمس آيات، وقيل: أربع آيات، والاختلاف في قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾. وهي خمسَ عشرةَ كلمةً، وسبعةٌ وأربعون حرفًا. وروى أبي بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أُعطي من الأجر كأنما قرأ ثلثَ القرآن، وأعطي من الأجر

стр. 7891

عشرَ حسنات بعدد مَن آمن باللَّه تعالى ولم يشرك به شيئًا" (١). وروى أبو أيوب الأنصاري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلةٍ ثلثَ القرآن" فسكتنا، فقال ذلك ثلاث مرات ونحن نسكت، ثم قال: "مَن قرأ في ليلةٍ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقد قرأ ثلث القرآن" (٢). وروى (٣) عليٌّ كرم اللَّه وجهه عن النبي ﵇ أنه قال: "مَن قرأ بعد الفجر إحدى عشرةَ مرةً ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لم يلحقه ذلك اليوم ذنب" (٤). وقال أنس بن مالك: قال جبريل للنبي ﷺ : ما زلتُ خائفًا على أمتك حتى نزل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٥). وقال النبي ﷺ لسعد بن معاذ السلمي: "إن سورة الأنعام وسورة الإخلاص أُنزلتا ومعهما سبعون ألفَ ملك، إنَّ قل هو اللَّه أحد خمسَ عشرةَ كلمةً يتبعُها خمسَ عشرةَ بركةً، ما من عبدٍ من أمتي قرأها في يوم وليلةٍ مرةً واحدةً إلا قرأ ثلثَ ما أنزل اللَّه عليَّ، ولا قرأها ثلاثَ مرات إلا بنى اللَّه له قصرًا في الجنة" (٦).

стр. 7892

وقال أبو بكر الورَّاق: هي خمسَ عشرةَ كلمة مَن قرأها واعتقدها نجَّاه اللَّه تعالى من دركات النار وهي سبع، وأدخله الجنان وهي ثمانٍ، وذلك كلُّه خمسَ عشرةَ. وروى عطاء عن ابن عباس ﵄: أن أحبار اليهود أتوا النبي ﷺ فقالوا: صِفْ لنا ربَّك لعلنا نؤمن، فقال النبي ﷺ : "قولوا: لا إله إلا اللَّه" فلم يلتفتوا إليه وقالوا: قل لنا قولًا غيرَ هذا، قال: "وما أقول؟ " قالوا: صف لنا ربك أمِن ذهبٍ هو أم من نحاسٍ أم من صُفرٍ أم من فضة أم من حديد؟ هل يأكل ويشرب؟ وممن ورث الدنيا ومَن يورثها؟ فأنزل اللَّه تعالى هذه السورة وهي نسبة اللَّه تعالى خاصة (١). وقال الربيع بن أنس: قال قتادة: قالت قادة الأحزاب: انسُب لنا ربَّك الذي تدعونا إليه أذهبٌ هو أم فضة؟ فأنزل اللَّه تعالى هذه السورة (٢).

стр. 7893

وروى أبو روق عن الضحاك أنه قال: إنَّ أولَ مَن سأل رسول اللَّه ﷺ عن نسبة اللَّه عامرُ بن الطفيل، وذلك أن المشركين أرسلوه إلى النبي ﷺ فقالوا: قل له: شقَقْتَ عصانا، وخالفتَ دين أبائك، وسبَبْتَ آلهتنا، فإن كنتَ فقيرًا أغنيناك، وإن كنتَ مجنونًا داويناك، وإن هَويْتَ امرأة زوَّجناكها، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لستُ بفقير ولا مجنون ولا أهوى امرأةً، بل أنا رسول اللَّه إليكم أدعوكم من عبادة الأصنام إلى عبادة اللَّه" فأرسَلوه ثانيًا فقالوا: قل له يبيِّنْ لنا جنسَ معبودِه، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فأرسلوه ثالثًا فقالوا: إن لنا ثلاثَ مئة وستين صنمًا لا تقوم بحوائجنا، فكيف يقوم إلهٌ واحدٌ بحوائج الخلق كلِّهم؟! فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ [الصافات: ١ - ٤] يعني: في جميع حوائجكم، فأرسَلوه رابعًا فقالوا: قل له يُبيِّن لنا أفعالَ ربه، فأنزل اللَّه تعالى نيفًا وسبعين آيةً يبين لهم أفاعيلَه، نحو قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ الآية [الأعراف: ٥٤، يونس: ٣] وقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ الآية [الروم: ٤٠] ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ [فاطر: ٩] ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ [الشورى: ١٩] ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية (١) وما ضاهاها من الآيات (٢). وقد مرت قصة عامرٍ هذا وأخيه لأمِّه أربد بن قيس وهلاكِهما في سورة الرعد. وقال ابن عباس: بعث رسول اللَّه ﷺ سريةً فأمَّر عليهم كلثومَ بنَ الهِدْمٍ، وكان يصلي بهم ولا يزيد على ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فلما انصرف أخبر بذلك رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "ما حملك على ما صنعت؟ " فقال: إنه حُبِّبَ إليَّ هذه السورة،

стр. 7894

فأتاه جبريل فقال: "إن اللَّه تعالى يحبُّ كلثومًا لحبه ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ " (١). وانتظام السورتين: أن تلك في وعيد مَن ترك التوحيد وهذه في تعليم التوحيد. * * * (١) - ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾: أي: قل يا محمدُ لهؤلاء الذين سألوك عن ربِّك: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؛ أي: الذي سألتم عنه هو المسمَّى باسم اللَّه وهو أحدٌ؛ أي: واحد لا شريك له ولا نظير له، وليس بذي أبعاضٍ وأجزاء، وأنه كان ولا شيء معه غيره. وقوله تعالى: ﴿أَحَدٌ﴾ يدل على أنه واحدٌ في ذاته لا انقسام له، وأنه واحد في صفاته لا نظير له ولا شبيه له، وأنه واحد في أفعاله (٢) لا شريك له. وقال أهل اللغة: ﴿أَحَدٌ﴾ أصله: وَحَدٌ، جعلت الواو همزةً لوقوعها طرَفًا كما في الوشاح والإشاح. وقال أهل النحو: ﴿هُوَ﴾ مبتدأ و ﴿اللَّهُ﴾ خبره، وقوله تعالى: ﴿أَحَدٌ﴾؛ أي: وهو أحد، ولا يجوز نعتًا لقوله: ﴿اللَّهُ﴾ لأن المعرفة لا تُنعت بالنكرة. وقيل: ﴿هُوَ اللَّهُ﴾ مبتدأٌ و ﴿أَحَدٌ﴾ خبرُه. وقيل: ﴿هُوَ﴾ عماد و ﴿واللَّهُ﴾ مبتدأ و ﴿أَحَدٌ﴾ خبره.

стр. 7895

(٢) - ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾. وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾: قال ابن عباس ﵄: ﴿الصَّمَدُ﴾: الكبير الذي ليس فوقه أحد (١). وعنه في رواية: ﴿الصَّمَدُ﴾: المصمود إليه في الحوائج (٢)؛ أي: المقصود. وعنه أيضًا: ﴿الصَّمَدُ﴾: القادر على الكمال، العليم الذي كمُل في علمه، الحليم الذي كمُل في حِلمه، السيد الذي كمُل في سؤدَدُه، الغني الذي كمُل في غناه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (٣). وقال قتادة: ﴿الصَّمَدُ﴾: الباقي بعد فناء الخلق (٤). وقال الحسن: ﴿الصَّمَدُ﴾: الدائم الذي لم يَزَلْ ولا يزالُ (٥). وقال أبي بن كعب: ﴿الصَّمَدُ﴾: الحي الذي لا يموت ولا يُورَث (٦). وقال مجاهد: هو المصمت الذي لا جوف له (٧)، وهو بمعنى الأحد.

стр. 7896

وقال الضحاك: ﴿الصَّمَدُ﴾: السيد الذي قد انتهى سؤدَدُه (١). وقال السدي: ﴿الصَّمَدُ﴾: المقصودُ إليه في الرغائب، المستغاث (٢) به عند المصائب (٣). وقال قتادة ﵀: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لا يَطْعَم (٤). وقال يمان بن رئاب: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لا ينام (٥). وقال محمد بن كعب: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٦).

стр. 7897

وقال مقاتل بن حيان: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لا عيب فيه. وقال الربيع بن أنس: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لا تعتريه الآفات. وقال سعيد بن جبير: ﴿الصَّمَدُ﴾: الكامل في جميع صفاته وأفعاله. وقال أبو مالك: ﴿الصَّمَدُ﴾ الذي لا تأخذه سِنَة ولا نوم. وقال جعفرٌ الصادق: ﴿الصَّمَدُ﴾: الغالب الذي لا يُغلب. وقال أبو هريرة ﵁: هو المستغني عن كلِّ أحد، والمحتاجُ إليه كلُّ أحد. وقال مرة الهمدانيُّ: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لا يَبْلَى ولا يَفْنى. وقال الحسين بن الفضل ﵀: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي يَحكم ما يريد، ويفعل ما يشاء، لا معقِّب لحكمه ولا رادَّ لقضائه. وقال محمد بن علي الترمذي: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لا تدركه الأبصار، ولا تحويه الأقطار، ولا تبلغه الأفكار، وكل شيء عنده بمقدار (١). وأما قول أهل اللغة فيه: قال الخليل: بلغَنا عن الحسن أنه قال: صُمِدت إليه الأمور؛ أي: سلِّمت، فلا يقضي فيه غيرُه ولا يُمضي دونه. قال: وقال بعضهم: هو السيد المطاع في قومه. وقال الأسدي: ألا بكَّر الناعي بخيرَيْ بني أسدْ... بعمرِو بن مسعودٍ وبالسيِّد الصَّمَدْ (٢)

стр. 7898

قال: وقال بعضهم: ﴿الصَّمَدُ﴾ هو من قولهم: صمَده؛ أي (١): قصده، من حدِّ دخل، فهو المقصود إليه بالحوائج. قال: وقال بعضهم: الصمد: المصمَت الذي ليس بأجوفَ، والصُّمدةُ: الصخرة الراسية في الأرض المرتفعةُ منها (٢). وقال (٣) بعضهم: يقال: بناءُ مصمَّدٌ بالتشديد؛ أي: معلًّى، والصَّمْدُ (٤): ما أشرف من الأرض، وقال جرير: علَوْتُم كلَّ رابيةٍ وصَمْدٍ... وغيرُكم المذانبُ والهُجُولُ (٥) جمع هَجْل: وهو ما اطمأنَّ من الأرض. وقال أبو معاذ: قال الكسائي: تقول العرب: صَمَدْتُ البعيرَ إلى البعير والأسيرَ

стр. 7899

إلى الأسير: إذا قرَنْتَه به، فمعنى ﴿الصَّمَدُ﴾: أن الحوائج تُقرنُ (١) بعضُها إلى بعضٍ وتُرفع كلُّها إليه. وقال أبو زيد البلخيُّ (٢): الصمد: هو الذي يُصمد إليه (٣) تعظيمًا له ورغبةً فيه، ووقوع هذا الاسم على مَن تعظَّم من البشر إنما هو على الاستعارة؛ لأنَّه ليس أحدٌ من المخلوقين وإنْ عظُم شأنه وعلتْ رتبتُه إلا وهو موصوفٌ بالنقص، عاجزٌ عن إبلاغ مَن يَصمد إليه (٤) غايةَ أمله، فالصمدُ في الحقيقة مَن هو ملجأُ كلِّ مستغيثٍ به في نوازله، ومَن بيده ناصيةُ كلٍّ من خليقته، ومن أجلِ جلالة هذا الاسم جعله اللَّه تعالى مقرونًا بلفظةِ ﴿أَحَدُ﴾ الدالةِ على حقيقة الوحدانية؛ ليدلَّ بأحد الاسمين على أن الموصوف به هو مَن لا نظيرَ له ولا شبيه له (٥) إذ له الوحدةُ المحضَة، ويدلَّ بالاسم الآخر على أن مِن الواجب إذ كانت الوحدانيةُ بالحقيقة له، وكان مبدعَ الكلِّ وحافظَه ومدبِّره، أن لا يُصمد بالعبادة والتعظيم والرغبة والرهبة غيرُه، فاجتمع في لفظي الأحد والصمد وما يتبعهما (٦) من نفي صفات الحدوث (٧) ووجودِ مثيلٍ له وشبيهٍ

стр. 7900

له -وهو قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ - ما يستحقُّه من صفات الألوهية والربوبية، ومن أجل عظيم شأن هذه الكلمات الموجودة في هذه السورة صارت من أشرف سور القرآن في توحيد اللَّه وتمجيده، ولذلك سميت سورة الإخلاص، كلُّ هذا كلام أبي زيد. * * * (٣ - ٤) - ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾: أي: لم يلد أحدًا ولم يلده أحدٌ، نفى بهذا عن نفسه صفات المخلوقين من الحدوث وحلولِ الأعراض فيه. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾: أي: نظيرًا أو شبيهًا. قرأ حمزة ونافع في روايةٍ بسكون الفاء مهموزًا، وقرأ عاصم في رواية حفص: ﴿كُفُوًا﴾ مثقَّلًا (١) غيرَ مهموز، وقرأ الباقون بضم الفاء مهموزًا (٢)، وهي لغاتٌ، والمكافأة بالهمز وغيرِ الهمز: المساواة. وقيل: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾؛ أي: صاحبةً. وقيل: لم يكافِئْه بنعمته (٣) أحد. وقيل: الكفار كلُّهم يرجعون في الحاصل إلى ثلاثة أشياء: التعطيلِ والإشراكِ

стр. 7901

والتشبيه، وقد ذُكرت هذه الثلاثةُ وردُّها في آيات من القرآن، وهذه السورة ردٌّ (١) على الكل على إيجازها، فقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ﴾ ردٌّ للمعطلة، وقوله: ﴿أَحَدُ﴾ ردٌّ على المشركين، وقوله: ﴿الصَّمَدُ﴾ إلى آخرها ردٌّ على المشبِّهة. وقال بعض أهل العلم: إن هذه السورةَ يفسِّر بعضُها بعضًا، إذا قيل: مَن هو؟ فجوابه: ﴿اللَّهُ﴾، مَن اللَّه؟ ﴿أَحَدٌ﴾ مَن الأحد؟ ﴿الصَّمَدُ﴾ مَن الصمد؟ الذي ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ مَن الذي لم يلد ولم يولد؟ الذي ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٢). وقال الإمام القشيري ﵀: كاشَفَ اللَّه الأسرارَ بقوله: ﴿هُوَ﴾، وكاشَفَ الأرواحَ بقوله: ﴿اللَّهُ﴾ وكاشَفَ القلوب بقوله: ﴿أَحَدٌ﴾ وكاشَفَ ألباب الموحِّدين بباقي السورة. وقيل: كاشَفَ الو الهين بقوله: ﴿هُوَ﴾ والموحِّدين بقوله: ﴿اللَّهُ﴾ والعارفين بقوله: ﴿أَحَدٌ﴾ والعلماء بقوله: ﴿الصَّمَدُ﴾ والعقلاء بقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. وقيل: خاطب خاصَّ الخاص بقوله: ﴿هُوَ﴾ ثم خاطبَ الخواصَّ بقوله: ﴿اللَّهُ﴾، ثم زاد في البيان لمن نزل عنهم (٣) فقال: ﴿أَحَدٌ﴾ ثم لمن نزل عنهم بـ ﴿الصَّمَدُ﴾، كذلك لمن دونهم.

стр. 7902

وقال: ولمَّا بسطوا لسان الذم (١) في اللَّه تعالى أمر نبيَّه بالردِّ عليهم، فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ذُبَّ عني ما قالوا لي فإنك أولى بذلك، ولما بسطوا لسان الذم في نبيِّه ﷺ تولَّى الحق الردَّ عليهم فقال: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ وقال: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ فأنا أذب عنك فأنا أولى بذلك منك (٢). والحمد للَّه رب العالمين * * *

стр. 7903

سورة الفلق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه ربِّ الفلق، الرحمنِ الدافعِ شرَّ ما خلق، الرحيمِ المعيذِ من شرِّ ذي الحسد والحَنَق. وهذه السورة (١) مدنية، وهي خمسُ آيات، وثلاثٌ وعشرون كلمةً، وثلاثة (٢) وسبعون حرفًا. روى أبي بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورةَ الفلق وسورةَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ أُعطي من الأجر كأنما قرأ جميعَ الكتب التي أنزلها اللَّه تعالى على أنبيائه ورسله" (٣). وانتظام هذه السورة بالسورة التي قبلها (٤): أنه قال في تلك: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ وهو الذي يُقصد إليه في قضاء الحاجات ودفعِ الآفات، وقال في هذه السورة: استَعِذْ باللَّه يدفعْ عنك المكاره والبليَّات.

стр. 7904

وروي عن عقبة بن عامر الجهني أنه قال: بينا أنا أسير مع رسول اللَّه ﷺ بين الجُحْفة والأبواء إذ غشِيَنا ريحٌ وظُلمة، فجعل رسول اللَّه ﷺ يتعوَّذ بـ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ويقول: "يا عقبة، تعوَّذْ بهما، فما تَعوَّذ [متعوِّذٌ] بمثلهما"، ثم سمعتُه يَؤُمُّنا بهما في الصلوات (١). وروي أن جبريل ﵇ أتى النبي ﷺ فقال: إن عفريتًا من الجن يَكيدُك فتعوَّذْ إذا أويتَ إلى فراشك (٢) بـ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ (٣). وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: أُخذ (٤) النبيُّ ﷺ عن نسائه، فكبر ذلك على رسول اللَّه ﷺ وهمَّه، قالت: فواللَّه إنه لمضطجعٌ في بيتي متوسِّد يمينَه في مصلَّاه مهمومًا بما أصابه، إذ جلس وهو يضحك، فقلت له: مما تضحك يا رسول اللَّه أضحك اللَّه سنَّك؟ قال: "هل علمتِ يا عائشةُ أن اللَّه تعالى قد دلَّني على ما بي، جاءني جبريل الآن بملَك لم أره قبل اليوم، فأجلسه عند رجلي وجلس جبريل عند رأسي، فقال له جبريل ﵇: ما وجعُ الرجل؟ قال: مَطْبوب، قال: ومَن طبَّه؟ قال: لبيد بن أعصم اليهودي، قال: وفيم؟ قال: في مُشْطٍ ومُشاطةٍ، وكرَبِ نخلةٍ في جُفِّ طلعةٍ في ذي أروان" -بئرٌ في بني زريق- قالت: فقام

стр. 7905

رسول اللَّه ﷺ فأخذ رداءه ثم خرج وخرج معه الناسُ، حتى أتى البئر فاطَّلع فيها فأذهب اللَّه عنه كلَّ ما يجد، قالت: فرجع إليَّ فقلتُ: يا رسول اللَّه! ما رأيتَ فيها؟ قال: "لقد دخلتُها ولكأنَّ رؤوسَ نخلها الشياطين ثم اطَّلعتُ في البئر"، فقلت: ما منعك يا رسول اللَّه أن تستخرجه؟ قال: "خشيت أن يصيب الناسَ منه شيء" (١). وقال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: فلما جاء البئرَ استخرج منها تمثالَ صورةٍ من عجينٍ قد غُرز فيها الإبرة، وشعرةً قد عُقد فيها إحدى عشرةَ عقدةً، فأمره اللَّه تعالى أن يتعوَّذ بـ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ وهما إحدى عشَر آيةً، على كلِّ عقدةٍ آية، يقرأ (٢) آيةً ويحلُّ عقدةً، فأذهب اللَّه تعالى عنه كلَّ ما يجد (٣). وعن زيد بن أرقم قال: سَحَر النبيَّ ﷺ رجلٌ من اليهود، فاشتكى لذلك أيامًا، فأتاه جبريل فقال: إن رجلًا من اليهود سحرك وعقَد لك عقدًا وجعلها في بئرِ كذا، فأرسِلْ إليها مَن يستخرجُها (٤)، فأرسل عليًّا ﵁ فاستخرجها من البئر فجاء بها، قال (٥): فكلَّما حلَّ عقدةً وجد النبيُّ ﵇ خفَّةً، حتى قام رسولُ اللَّه ﷺ

стр. 7906

كأنما نَشَط (١) من عقالٍ، فما ذكر رسولُ اللَّه ﷺ في وجه اليهودي ما صنع به قط ولا أخبره به (٢). وعن عليٍّ ﵁ أنه قال: قالت اليهود: إنا قد طلبنا ضرَّ محمدٍ بكلِّ شيء فلم نقدر (٣)، فانطلِقوا بنا نتجرع (٤) حتى نتعين له ونستعينَ له بالسحرة والشياطين، فأعلمَ اللَّه تعالى بذلك نبيَّه ﷺ ، وأنزل: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ (٥). ودل هذا على بطلان قول المعتزلة في إنكار تحقُّق السحر وتصوُّره وظهورِ أثره. * * * (١) - ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾: أي: قل يا محمد: أَمْتنِعُ وأعتصمُ وأحترِزُ بربِّ الصُّبح، وسمِّي به لأنه ينفلقُ عن الظُّلمة؛ أي: ينشقُّ، وعلى هذا أكثرُ المفسرين. وقال ابن عباس في رواية: الفلق: الخلق انفلقوا عن آبائهم وأمهاتهم (٦).

стр. 7907

وقال كعب: هو بيتٌ في جهنم إذا فُتح صاح جميع أهل النار من شدة حره (١). وقال وهب: هي صخرة تحت الأرض هي غطاءُ جهنم، فإذا كان عند قيام الساعة رُفعت فسالت البحار في جهنم، وارتفعت النار فملأت البحار، وارتفعت إلى السماء فوقعت فيها تحرقها، فذلك قوله تعالى: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن: ٣٧]. وقال عبد اللَّه بن عمرو ﵁: الفلق شجرة في النار (٢). وعن وهب في رواية: هو جبٌّ في النار (٣). وقال السدي: وادٍ في جهنم (٤). وقيل: ﴿الْفَلَقِ﴾: الجبال والصخور تنفلِق بالمياه والنبات. * * * (٢ - ٣) - ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾. وقوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَق﴾: يحتمِل: من شرِّ ما خلق من الناس والجن والشياطين والسباع والحيات ونحوها من الأشياء الضارة، فإنَّ مضارَّ هذه الأشياء شرورٌ؛ لأنَّها تؤذي.

стр. 7908

ويجوز أن يراد بذلك الأسقامُ والهموم (١)، والأمورُ المؤلمةُ الشاقة، فإن ذلك يسمَّى شرًّا لكونها مكروهةً في الطباع، وهي من اللَّه تعالى حكمةٌ وصواب، وكذلك جميعُ ما خلق اللَّه تعالى من الشرور حكمة وصواب (٢)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ [الإسراء: ٨٣] ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾ [الأنبياء: ٣٥]. قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾: قيل: أي: ليلٍ مظلمٍ إذا دخل. وقال في "ديوان الأدب": غسَق الليل: إذا أظلم (٣)، من حدِّ ضرب. ووقب الظلام: إذا أقبل، ويقال: دخل في كلِّ شيء (٤). هذا هو اللغة، وكذا هو عند أكثر أهل التفسير؛ قال عليٌّ ومجاهد وابن جُريجٍ ومحمد بن كعب والضحَّاك والسديُّ والحسن: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾؛ أي: من شرِّ ليل مظلم إذا دخل (٥). وعن عكرمة قال: يرسل في تلك الساعة عفاريت الجن (٦). وقال عطاء: النهار إذا دخل في الليل (٧). وقال ابن عباس ﵄: ﴿إِذَا وَقَبَ﴾؛ أي: أقبلَ (٨)، وفي رواية عنه: إذا أدبر.

стр. 7909

وقال عطية: إذا ذهب، وكذا قال عطاء وقتادة (١). وعن عائشة: أن النبي ﷺ قال لها: "يا عائشة، أتدرين ما هذا -يعني القمر- هذا الغاسق إذا وقب، فتعوَّذي باللَّه من شرِّه" (٢). وقال محمد بن جرير: هو الذي يُظلم فيدخل في ظلامه، فالليل إذا دخل في ظلامه غاسقٌ، والنهار إذا دخل في الليل غاسق، والقمر إذا غاب غاسق (٣). * * * (٤ - ٥) - ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾: أي: السَّواحر اللاتي تنفُثْنَ في عُقَد الخيط حين يَرْقِينَ عليه، والنفثُ هو النفخ بالشَّفة ولا ريقٍ معه، وهو من حدِّ ضرب. وقيل: فعَل (٤) برسول اللَّه ذلك بناتُ لَبيدِ بن أَعْصَم. وقيل: النفاثاتُ في العقد جملةُ النساء، على معنى كيدِهن ومكرِهن. وقال أبو تمام: السالباتِ امرَأً عزيمتَه... بالسِّحْر والنافثاتِ في عُقَدِهْ (٥)

стр. 7910

﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾: لأن الحاسد يعمل الحيَل في الإضرار بالمحسود. وقيل: هو أمرٌ له بالاستعاذة من حسد اليهود، وقد كانوا موصوفين بشدة الحسد له (١). وقيل: هو في حسد المشركين له. والأصح: أنه يعم كل حاسد. وقال الحسين بن الفضل البجَلي: جمع اللَّه تعالى الشرورَ في هذه السورة وختَمها بالحسد ليُعلم أنه أخسُّ الطبائع. والحمد للَّه رب العالمين * * *

стр. 7911

سورة الناس (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بِسمِ اللَّه ربِّ الناس، الرحمنِ العاصمِ من الوسواس، الرحيمِ المعيذِ من الخنَّاس. وهذه السورة مدنية، وهي ستُّ آيات، وعشرون كلمةً، وثمانون حرفًا. ومن أولِ القرآن إلى آخر هذه السورة: ستةُ آلافٍ ومئتان وسبعٌ وأربعون آيةً. وكلماته: سبع وسبعون ألفًا وثلاثُ مئةٍ وتسع (٢) وثمانون. وحروفه: ثلاثُ مئةِ ألفٍ وإحدى وعشرون ألفًا وخمسُ مئة وخمسةٌ وثمانون حرفًا. وألفات القرآن: ثمانيةٌ وأربعون ألفًا وثمان (٣) مئةٍ واثنان وعشرون. وباءاته: عشرةُ آلاف وأربعُ مئة وثمانيةٌ وعشرون. وتاءاته: عشرةُ آلاف وأربع مئةٍ وستةٌ وسبعون. وثاءاته: ألف وأربع مئة وأربعةٌ. وجيماته: ألف وثلاث مئة واثنان وعشرون.

стр. 7912

والحاءات: أربعة آلاف ومئة وثمانية (١) وثلاثون. والخاءات: ألف وخمس مئة واثنان (٢) وثلاثون. والدالات: ألف وسبع مئة وثمانيةٌ وتسعون. والذالات: أربعة آلاف وتسع مئة وثمانيةٌ وسبعون. والراءات: اثنا عشر ألفًا وسبعون. والزاءات: ألف وستُّ مئة وثمانية. والسين: إحدى عشرَ ألفًا وخمسُ مئة وتسعة وتسعون. والشين: ألف ومئة وخمسة وعشرون. والصاد: سبعة آلاف وسبع مئة وثمانيةٌ. والضاد: خمسة آلاف وثلاث مئة واثنان وثمانون. والطاء: ألفٌ ومئتان وأربعةٌ وستون. والظاء: ثمان مئة واثنان وأربعون. والعين: تسعة آلاف وأربع مئة وتسعةَ عَشَر. والغين: ألفٌ ومئتان وتسعةَ عشرَ (٣). والفاء: ثمانية آلافٍ (٤) وأربع مئة وتسع وتسعون (٥).

стр. 7913

والقاف: ستة آلاف وثمانُ مئة وثمانيةٌ وعشرون. والكاف: عشرة آلاف وخمسُ مئة واثنا عشر. واللام: أحدٌ وثلاثون ألفًا وخمس مئة واثنان وعشرون. والميم: ستة وعشرون ألفًا وأربعُ مئة واثنان وعشرون. والنون: ستة وعشرون ألفًا (١) وخمسة وخمسون. والواو: خمسة وعشرون ألفًا وخمسُ مئة وستةٌ وثمانون (٢). والهاء: تسعةَ عشرَ ألفًا وسبعون. ولام ألف: أربعة آلاف وسبعُ مئة وتسعة (٣). والياء: خمسة وعشرون ألفًا وتسعُ مئة وتسعة عشر (٤). وروى عقبة بن عامر ﵁: أن النبي ﷺ قال: "لقد أُنزلت عليَّ سورتان ما أُنزل مثلهما: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ وإنك لن تقرأ سورتين أحبَّ ولا أرضى عند (٥) اللَّه تعالى منهما (٦). وقال أنس ﵁: اعتلَّ عثمان ﵁، فعاده رسول اللَّه ﷺ ثم قال له: "عليك بالمعوِّذتين فما تُعوِّذ بأفضل منهما".

стр. 7914

وقالت عائشة ﵂: كان رسول اللَّه ﷺ إذا أراد النوم جمع يديه فنفث فيهما ثم قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوِّذتين، ثم مسح بهما وجهَه ورأسه وسائرَ جسده (١). وانتظام السورتين: أنهما في الاستعاذة. وانتظام هذه السورة التي هي ختم القرآن بالفاتحة التي هي افتتاحُ القرآن: أن الفاتحة في بيانِ التوحيد وسؤالِ الثبات (٢) عليه، وهذه السورة في الاستعاذة من الشيطان لئلا يزيلَك عنه، وكلُّ القرآن في بيان التوحيد ومدحِ أهلها وذكرِ الوعدِ عليها، وفي بيان الكفر والمعاصي وذمِّ أهلها وذكرِ الوعيد عليها. وسورة الإخلاص في تصحيح التوحيد، والمعوِّذتان في الاستعاذة عمَّن قصد إذلالك وإزالتك عن التوحيد. * * * (١ - ٤) - ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس﴾: أي: قل يا محمد: أعتصم وأمتنع وأستأمن وأستجير بمالك (٣) الناس ومدبِّرهم ومربِّيهم ومُصلحهم. ﴿مَلِكِ النَّاس﴾: أي: سيدِهم والمتصرِّف فيهم وقاهِرهم والقادرِ عليهم.

стр. 7915

﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾: أي: المستحِقِّ عبادتَهم، والملجأ لهم في شدائدهم (١)، والقادرِ على إيجادهم وإعدامهم. قوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾: أي: الموسوس، والوسواس بفتح الواو للنعت، وبالكسر للمصدر، وهو كالزَّلزال والزِّلزال. والوسوسة: الدعوة إلى الشر عن خُفية. وأصل الوسوسة: الصوتُ الخفيُّ، والصوت الجليُّ لا يسمى (٢) وسوسة، وما يلقيه الشيطان في القلب هو تزيين وتسويل عن خُفية، وكذا وسوسة شياطين الإنس هي دعوة إلى الشر أيضًا من حيث يخفى طريقُه، فإنه إراءةُ النصح مع قصد الغش. قوله تعالى: ﴿الْخَنَّاسِ﴾: نعتُ ﴿الْوَسْوَاسِ﴾، وهو الذي يكثر منه الخُنوس وهو الاختفاء، من حدِّ دَخَل، وأصله: التأخر، وقد يتأخرُ اختفاء فيستعمل مكانه، وهو في صفة الشيطان: الخروج (٣) عن الصدر. قال ابن عباس: إذا ذكَر العبدُ اللَّه تعالى خنَس الشيطان فخرج من الصدر، وإذا غَفَل وسوس (٤). وقال سعيد بن جبير: يولد الإنسان والشيطان على قلبه، فإذا ذكر اللَّه خنَس (٥)، وإذا غفَل وسوس (٦).
следующие страницы →