← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 7841–7880 · переход к 7846.

стр. 7841

قال: ولمَّا جاز وصف النار بالتغيُّظ، وبأنها تدعو مَن أدبر وتولَّى، جاز وصفها بهذا. * * * (٨ - ٩) - ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾: أي: إن هذه النارَ على كلِّ همزةٍ لمزةٍ، أو على أصحاب هذه الأفئدة وهم الكفار، مطبَقةٌ لا تنفرج ولا يدخلها رَوحٌ، وبيان القراءة وذكرُ مآخذها مرَّا في سورة البلد. قوله تعالى: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾: قرأ حمزة والكسائي: ﴿في عُمُد﴾ بضمتين، وكذا عاصم في رواية أبي بكر، والباقون بفتحتين (١)، وهما لغتان في جمع عمادٍ وعَمود، والعماد والعُمُد -بالضم- كالحِمار والحُمُر، وبالفتح كالإهاب والأَهَب، والعمود والعُمُد -بالضم- كالرسول والرسُل، ومعناه: تُطرح العمدُ على أبوابها وتمدُّ عليهم لاستحكام يأسهم. وقال الحسن: لجهنم سرادقٌ كما قال: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩] وللسُّرادق عمدٌ، فإذا مُدَّت تلك العُمد أُطْبقت جهنم على أهلها. وقيل: ﴿فِي عَمَدٍ﴾؛ أي: بعمدٍ؛ كقولك: فعلت (٢) كذا بموضع كذا وفي موضع كذا؛ أي: أُطبقت بها. * * *

стр. 7842

سورة الفيل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي أهلك أصحابَ الفيل، الرحمنِ الذي جعل كيدهم في تضليل، الرحيمِ الذي أرسل على قاصدي (١) بيته طيرًا أبابيل. روى أبي عن أبي كعب رضى اللَّه عنه عن النبي ﷺ أنه قال: "من قرأ سورة ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أعاذه (٢) اللَّه تعالى أيامَ حياته من القذف والمسخ" (٣). وهذه السورة مكية، وهي خمسُ آيات، وثلاث وعشرون كلمة، وثلاثةٌ وسبعون حرفًا. وانتظام السورتين: أنهما في عقوبة الكفرة؛ هذه في الدنيا وتلك في الآخرة. وفي هذه السورة تذكيرُ قريش المنةَ في تنحية الحبشة عن بلادهم، ومنعِهم عن هدم الكعبة التي بها فخرُهم وعزُّهم، وفيها حثٌّ على الإيمان بمحمد ﷺ ؛ إذ بسببه جرى ذلك معجزةً له، ودلالةً على مجيء مَن يعظِّم البيت ويُقيم مناسكه. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵃: أن أبرهة بن الصباح بنى

стр. 7843

كنيسةً بصنعاء يقال له: القُلَّيْس، وكتب إلى النجاشي: إني لست منتهيًا حتى أصرفَ إليها حجَّ العرب، فسمع بذلك رجل من بني كنانة، فخرج إلى القلَّيس، ودخلها ليلًا فأَحْدَث فيها، فبلغ ذلك أبرهةَ فحلف باللَّه ليسيرن إلى الكعبة حتى يهدمها، فجمع الأحابيش وجنَّد الأجناد فأكبرت (١) العرب ذلك، فخرج ملك يقال له: ذو نفرٍ، فقاتله فهزمه أبرهة وأخذ ذا نفر أسيرًا (٢)، فلما دنا من بلاد خثعم خرج نُفيل بن حبيبٍ بقومه فقاتلوه، فهزمه أبرهة (٣) وأخذ النفيل، حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتبٍ (٤) الثقفي فقال: أيها الملك، ليس ليننا ولينك خلاف، ونحن نبعثُ معك مَن يدلُّك، فبعثوا (٥) رجلًا يقال له: أبو رِغالٍ، فمات أبو رغالٍ. وبعث أبرهة من المغمّس (٦) -وهو موضع بظهر مكة- رجلًا يقال له: الأسود ابن مقصود، على مقدِّمة خيله، فجمع إليه أموال الحرم وأصابَ لعبد المطلب جدِّ رسول اللَّه ﷺ مئتي بعيرٍ. ثم إن أبرهة بعث حُنَاطةَ الحميريَّ إلى أهل مكة فقال: سل عن شريفها ثم أبلغه ما أُرسلك به، وقل له: إني لم آتِ لقتال، إنما جئت لأهدم الكعبة (٧)، فانطلق حناطةُ حتى أتى مكة، فلقي عبد المطلب فقال: إن الملك أرسلني إليك لأخبرك أنه لم يأت

стр. 7844

لقتال إنما جاء ليهدم هذا البيت ثم ينصرفَ عنكم، فقال له: ما له عندنا قتالٌ وما لنا به يد، سنخلِّي بينه وبين ما جاء له، فإن خلَّى اللَّه بينه وبين ما أراد فهو بيتُه، قال: فانطلِقْ معي، فأردفه بغلته حتى قدم به المعسكر. وكان ذو نفرٍ صديقًا لعبد المطلب، فأتاه فقال (١): يا ذا نفر، هل عندكم من غَناءٍ فيما نزل بنا (٢)؟ فقال ذو نفر: ما غناءُ مَن لا يأمَنُ أن يُقتل كلَّ؟! ولكني سأبعثُ لك إلى أنيسٍ سائق (٣) الفيل وأسأله أن يُعِينك عند الملك ويُعْظِم خطرك عنده، فأرسل إلى أنيس وقال: أتاك سيد قريش وصاحبُ عِير مكة الذي يُطعم الناس، فاستأذن له على الملك ونبِّهْه على شأنه وشرفه. وكان عبد المطلب جسيمًا وسيمًا قسيمًا تأخذه العين، فلما رآه أبرهةُ عظَّمه وكرَّمه، فقال له عبد المطلب: أيها الملك، إنك قد أصبتَ مالًا لي فاردُدْه عليَّ، فقال له الملك: لقد كنتَ أعجَبْتَني حين رأيتُك، ولقد زهدْتُ فيك الآن، قال: ولم؟ قال: جئتُ لأهدم بيتًا هو دِينك ودِين آبائك فلم تكلِّمني فيه وكلَّمتني في مئتي بعير؟! فقال عبد المطلب: أما الأبل فأنا ربُّها، وللبيت ربٌّ سيمنعُه، قال أبرهة: ما كان ليمنعَه مني، فقال عبد المطلب: لقد طلبه تبعٌ وسيفُ ذي يزنَ وكسرى فلم يقدروا عليه، فأنت وذاك، فرد إبله عليه. ثم خرج عبد المطلب وأخبر قريشًا وأهلَ مكة الخبر، وأمرهم (٤) أن يتحرَّزوا،

стр. 7845

فتحرَّزوا (١) في رؤوس الجبال، وأتى عبد المطلب الكعبةَ فأخذ بحَلْقة الباب وجعل يقول (٢): يا رب إن المرء يمـ... نعُ رحله فامنَعْ حِلَالَك لا يغلبَنَّ صليبُهم... ومحالُهم أبدًا مِحَالك إن كنتَ تاركَهم وكعْـ... بتنا فأمرٌ ما بدا لك وكان أبرهة نصرانيًا، فتهيأ لدخول مكة وعبَّأ جيشَه، وقرب فيله وكان يقال له: محمود. وقال الضحاك: كانت الفيلة ثمانيةً (٣). وقال مقاتل: كان معهم فيلٌ واحد (٤). فأقبل نفيلٌ (٥) حتى أخذ بأذن الفيل ثم قال له: ابرك يا محمودُ وارجِعْ راشدًا من حيث جئتَ فإنك في بلد اللَّه وفي حرمه، فبرك الفيل، فبعثوه فأبى، فضربوه بالمعول في رأسه فأبى، فأدخلوا محاجنهم تحت أقدامه ومرافقه فأبى، فوجَّهوه نحو اليمن فقام يُهرول، فوجهوه نحو الشام فقام يُهرول، فصرفوه نحو الحرم فبرك وأبى أن يقوم، فلحق نفيلٌ بجبل من تلك الجبال.

стр. 7846

وأرسل اللَّه تعالى طيرًا (١) من البحر كالبَلَسان (٢) مع كلِّ طائر ثلاثةُ أحجار: حجران في رجليه وحجرٌ في منقاره، أمثالَ العدس والحمِّص، فلما غشِيتِ القوم أرسلتْها فلم تصب الحجارةُ أحدًا إلا أهلكته، وكان عبد المطلب قد قال فيهم قبل ذلك: يا ربِّ فاحفَظْ منهم حِماكَ... إن عدوَّ البيت مَن عاداكا يا ربِّ لا أرجو لهم سواكا... امْنَعْهُمُ أنْ يُخْرِبوا قُراكا (٣) وفي رواية: كانت سودًا صغارَ المناقير خضرًا طوالَ الأعناق، مع كل طائر حجر مكتوب عليه اسم صاحبه الذي يُرمَى به. وقال الربيع: كانت لها أنياب كأنياب السباع (٤). وقالت عائشة ﵂: كنَّ أشبهَ شيءٍ بالخطاطيف (٥). وقال سعيد بن جبير: لم يُرَ قبلَها ولا بعدَها مثلُها (٦).

стр. 7847

وقال ابن مسعود: لما ألقت بعث اللَّه تعالى ريحًا فضربت الحجارة فزادتها شدةً (١). وقال مقاتل بن سليمان: خرج فتيةٌ من قريش تجارًا إلى أرض النجاشي، فساروا حتى دنَوا من ساحل البحر، وفي حِقْفٍ من أحقافها بِيعةٌ للنصارى يسمُّونها: الهيكل، فنزلوا وأوقدوا نارًا وشوَوا، ولما ارتحلوا تركوا النار وهو في يوم عاصف، فهاجت الريح واضطرم الهيكلُ نارًا، فانطلق الصَّريخ إلى النجاشي، فأسِف على ذلك، وأتاه أبرهة بن الصَّبَّاح وحُجر بن شراحيل وأبو يكسوم الكِنْديون، فقالوا: أيها الملك، لا تكتئبْ فنحن ننسف أسَّ الكعبة ونُبيح دماءها وننهبُ أموالها، فاعزم إذا أحببت. فخرج مع كتائبه ومعهم الفيل في جحافل تضيق عنهم الطريق، فلما أشرف على مكة مر بإبل سائمةٍ لعبد المطلب فاستاقها، فركب الراعي حتى أتى مكة فرقى الصفا ثم نادى: يا صباحاه أتتكم السودان معها فيلُها ليهدموا كعبتكم ويبيحوا حماكم، ثم أخبر عبد المطلب بأمر إبله، فركب حتى انتهى إلى (٢) العسكر، فقال أبرهة وحجرٌ وكانا له خلَّين: ارجع إلى قومك فأنذرهم أن هذا جاءكم حميًّا أبيًّا (٣)، فقال: واللات والعزى ما أرجع إلا بإبلي، فقالا له: أيها الملك، اردُدْ إليه إبله فإنما هو وقومه لك غدًا (٤)، فأحرز عبد المطلب إبله وقال: إن للكعبة ربًّا يمنعها. وكان أبو مسعودٍ الثقفيُّ ضريرَ البصر نبيهًا يُستشفَى برأيه، فقال عبد المطلب:

стр. 7848

ما عندك في هذا؟ فقال: اجعل مئةً من إبلك للَّه تعالى وقلِّدها ثم سيِّبْها في الحرم، لعل السودان تَعقرها فيغضبَ ربُّ البيت، ففعل فعقروها، فقال أبو مسعود: ما فُعل بإبلك؟ قال: عُقرت، قال: فما تقول في رجل اتَّخذ قلادةً لامرأته فسلبها قومٌ أليس يغار (١) على ذلك؟ قال: نعم، قال: انظر، ماذا ترى من البحر؟ قال: أرى طيرًا بيضًا قد نشأت، قال: ارمقها، قال: واللَّه ما أعرفها، وإنها أشباهُ اليَعاسيب، في مناقيرها الحصى، فجاءت حتى حاذت العسكر وألقت ما في مناقيرها ورجعت، ثم قال عبد المطلب: لا أسمع لهم ركزًا، فانحطَّا من الجبل فدخلا العسكر فإذا هم موتى، فجمَعا من الذهب والفضة (٢) والجواهر، وحفر كلُّ واحد منهم حفرةً لنفسه وملأها من المال، فكان ذلك سببَ غناهما، وأنزل اللَّه تعالى يخبر نبيه ﵇ بذلك فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ (٣). وقال محمد بن إسحاق: بعث اللَّه على أبرهةَ داءً في جسده، وخرج القومُ وصاح (٤) بعضهم في بعض (٥): أين نفيل؟ يريدون الطريق، ونفيل ينظر إليهم من فوق الجبل قد هرب منهم، فخرجوا سراعًا يتساقطون ويموتون، وجعل أبرهة تتساقط أناملُه، كلما سقطت أنملةٌ أتبعتْها مِدَّةٌ وقيحٌ ودم، فانتهى إلى اليمن وهو مثلُ فرخ الطير المنتوف فيمَن بقي من أصحابه، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه وهلك (٦).

стр. 7849

وقال الكلبي ومقاتل وجماعة: إن الملك هو النجاشي، وصاحب الجيش أبرهة، وكان أبو يكسوم من ندمائه -وقيل: كان وزيرَه- فلما أهلكهم اللَّه تعالى بالحجارة لم يُفلت منهم إلا أبا يكسوم، فسار وطائرٌ يطير فوقه، ولم يشعر به حتى دخل على النجاشي فأخبره بما نالهم (١)، فلما استتم كلامه رماه الطائر فسقط فمات، فأرى اللَّه تعالى النجاشي كيف كان هلاك أصحابه (٢). قال الواقدي: كان أبرهةُ جدَّ النجاشي الذي كان في زمن النبي ﷺ (٣). قال مقاتل: كان ذلك قبل مبعثِ النبي ﷺ بأربعين سنة، وفي تلك السنة كانت ولادتُه ﷺ (٤). * * * (١ - ٣) - ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: أي: ألم تعلم يا محمد بالأخبار الشائعة (٥) علمًا يوازي العِيان في الإيقان؟ وهو استفهام بمعنى التقرير؛ أي: قد علمتَ، والمراد به هو وقريش. ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾: وهم الحبَشة الذين قصدوا البيت ليخرِّبوه.

стр. 7850

﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾: استفهام بمعنى التقرير أيضًا؛ أي: قد ضلَّل كيدهم؛ أي: أبطل مكرهم. ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا﴾: جمع طائر ﴿أَبَابِيلَ﴾؛ أي: جماعاتٍ في تفرقةٍ يَتبعُ بعضُها بعضًا. قال أبو عبيدة: ولم نر أحدًا جعل لها واحدًا، ومعناها: جاءت من هاهنا ومن هاهنا (١). وقال قطرب: ﴿أَبَابِيلَ﴾: متقطِّعةً، يقال: ذهبت الإبل أبابيل. قال زهير: وبالفوارس من ورقاءَ قد علموا... إخوان صدق على جردٍ أبابيل (٢) وقال الخليل: ﴿أَبَابِيلَ﴾؛ أي: إبِّيلًا إبِّيلًا؛ أي: قطيعًا قطيعًا (٣). وقال الفراء: لا واحد لها من لفظها كالعبابيد. وقيل: واحدها: إبَّالة (٤). وقال الفراء: ولو قيل: إيبالة، كان صوابًا، كالدينار والدنانير (٥). وقال نفطويه: قيل: واحدها: إبِّيل وإبَّوْل، قياسًا لا سماعًا. * * * (٤ - ٥) - ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾.

стр. 7851

﴿تَرْمِيهِمْ﴾: أي: ترمي الطيرُ، وقرأ أبو حنيفة ﵀: (يرميهم) بالياء، لظاهر لفظ الطير. وقيل: أي: يرميهم اللَّه، وهذه قراءة أشهب العقيليِّ وطلحة بن مصرف (١). ﴿بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾: قال أبو عبيدة: السجيل هو كلُّ شديد (٢). وقال الخليل: هو من حجر وطين (٣). وقيل: هو معرب سَنْكَ وَكَلْ (٤). وقيل: هو ما كتبه اللَّه عليهم في اللوح المحفوظ من السِّجِلِّ وهو الكتاب. وقيل: ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾؛ أي: مما صبه اللَّه تعالى عليهم، والسَّجْل: الدلو المليء ماء. وقال الضحاك: ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾؛ أي: من السماء الدنيا (٥). وقال عكرمة: هو بحر في الهواء (٦). ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾: قيل: هو ورق الحنطة. وقيل: هو التِّبن. وقال الحسن: هو الشعير إذا قُضب (٧).

стр. 7852

وقال أبو عبيدة: هو ورق الزرع (١). وقال الكسائي: هو السُّنبل. وقال الفراء: هو أطراف الزرع قبل أن يدرِك السُّنبلُ (٢). وقال نِفطويه: هو وعاء الزرع. ﴿مَأْكُولٍ﴾: أي: أُكل لبُّه وبقي قشرُه. وقيل: أي: أكلتهُ البهائم ثم راثَتْه، فيبس وتفرَّقت أجزاؤه؛ أي: تقطعت أوصالهم فصاروا كذلك. والحمد للَّه رب العالمين * * *

стр. 7853

سورة قريش (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه ربِّ البيت الحرام، الرحمنِ مطعِمِ الطعام، الرحيمِ مؤمنِ الأنام. روى أبي بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة لإيلاف (٢) قريش أعطاه اللَّه تعالى عشر حسنات بعددِ مَن طاف حول البيت واعتكف به" (٣). وهذه السورة مكية، وهي أربع آيات وسبعَ عشرةَ كلمة وثلاثةٌ وستون حرفًا. وانتظام السورتين: أنهما في ذكر البيت الحرام وما له من القَدْر والاحترام. * * * (١ - ٣) - ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣)﴾. قوله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾: اللام لها ثلاثة أوجه: قيل: هي لام التعجُّب؛ أي: اعجَبوا من كفر قريشٍ مع إيلافنا إياهم ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾؛ أي: إلزامنا، وقيل: تهيئتنا.

стр. 7854

وقيل: هي متصلةٌ بالسورة الأولى؛ أي: فعلنا بأصحاب الفيل ذلك لنؤلِّف قريشًا رحلتيها. وقيل: هي متصلة بما بعدها: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ لإيلافنا ذلك، والإيلاف: تعدية الإلف؛ أَلِفْتُ الشيءَ؛ أي: لزمتُه، وآلَفَني غيرى ذلك. وقال ابن الأنباري: أَلِفَ الشيء؛ أي: هيَّأه وجهزه. يقول: فعلت بهم ذلك لأُوْلِف قريشًا رحلتيهم اللتين هما قِوام عيشهم؛ إحداهما في الشتاء والأخرى في الصيف؛ لأن مكة بلدٌ جَدْبٌ لا زرعَ فيه ولا ضرع؛ كما قال: ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، فكان أشراف مكة يرتحلون للتجارة هاتين الرحلتين، فيمتارون لأنفسهم ولمن وراءهم من عشيرتهم (١) ببضائعهم ما يكفيهم عامَهم، وكان تمامُ هاتين الرحلتين بأهل (٢) الآفاق من رؤساء الممالك وإيجابهم وتوقيرهم لقريش، وقولهم لهم: هؤلاء جيرانُ بيت اللَّه تعالى وسكانُ حرمه وولاةُ الكعبة، فلو تمَّ لأهل الحبشة ما عزموا عليه من هدم الكعبة لزال عنهم هذا العزُّ، ولبطلت هذه الحرمات، ولصاروا هم وغيرهم سواءً يُتخطَّفون من كل جانب، ويُتعرَّض لهم بالمكاره في النفوس والأموال، فصان اللَّه عليهم جاههم، وزاد بإهلاك أصحاب الفيل عزَّهم، وأدام لهم رحلتيهم. وقال أبو عبيدة: أَلِفَ وآلَفَ واحدٌ كقولهم: نَكِرَ وأَنْكَرَ (٣)، ومعناه: لتألَفَ قريشٌ (٤) ذلك.

стр. 7855

وقوله تعالى: ﴿إِيلَافِهِمْ﴾: تكريرٌ للتأكيد والتقرير. ﴿رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾: نصبٌ بوقوع الإيلاف عليه، وهو اللزوم أو الإلزام، فعلى الأول: لَزِموا رحلة الشتاء والصيف وداموا عليها، وعلى الثاني: ألزمهم اللَّه رحلةَ الشتاء والصيف وأدامها لهم (١). ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾: أي: فلْيوحِّدوا وليطيعوا. ﴿رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾: الذي (٢) نالوا به ما نالوا من الحرمة والنعمة؛ شكرًا له على ابتداء (٣) هذه المنَّة. * * * (٤) - ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾: أي: بعد جوع؛ قال الشاعر: ما زالتُ أقطع منهلًا عن منهلٍ... حتى أنختُ ببابِ عبد الواحد (٤) أي: بعد منهل. قوله تعالى: ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾: أي: بعد خوف. وقيل: أي: أطعمهم على حاجتهم إليه لجوعهم، وآمنهم في الطرق على خوفهم، يريد أمر الرحلتين على قول بعضهم. وقيل: ذكرُ الرحلتين كان فيما مضى، ويقول: فليذكروا تلك المشقَّة وأنِّي أزلتُ

стр. 7856

ذلك وأطعمتُهم بما فتحتُ عليهم من الفتوح فنُقل إليهم كلُّ شيء، وآمنتُهم من خوف الطرق (١) فكفيتُهم مؤنة الأسفار، وجعلتُ كلَّ شيء يجيء إليهم على إكثار. وعلى هذا يكون معنى قوله: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾؛ أي: فعلتُ بأصحاب الفيل ذلك لإزالة إيلافِ قريش رحلتيها، وهو كقولك: فعلتُ كذا بك لتكلُّفك (٢) الأسفارَ، أي: لأزيل ذلك عنك وأغنيَك عنه. وقال الكلبي: كانوا تعوَّدوا رحلتين إحداهما في الشتاء إلى اليمن، والأخرى في الصيف إلى فلسطين، فمكثوا بذلك زمانًا حتى اشتدَّ ذلك عليهم، فأَخصبت تَبَالةُ وجُرَشُ وأهلُ ساحل البحر، وحمل أهل البرِّ على الإبل، وأهلُ البحر بالسفن لجُدَّة، وامتار أهل مكة ما شاؤوا، وكفاهم اللَّه تعالى الرحلتين (٣). وقال نفطويه: الإيلاف: العهود التي كانت تأخذها رجال قريش من ملوك العرب إذا خرجوا في التجارات، فيسيرون في ممالكهم فيأمَنون بتلك العهود، وكان لأشراف قريش تجارات، فكان هاشم وعبد شمس والمطلب ونوفل بنو عبد مناف أصحابُ الرحلتين، وكان يتَّجر هاشم بن عبد مناف بالشام، وكان يأخذ الإيلاف من قيصر ومَن يليه من رؤساء قبائل العرب كملوك غسان الذين يتولون الشام، فيسير في أرض الشام ولا يَعْرِض (٤) له أحد، وكان هو الرئيسَ على مَن سلك تلك الطرقَ،

стр. 7857

وكان أولَ مَن رحل رحلتين، فيقول اللَّه تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ الذي دفع عنه العدو ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾: كفاهم أخذ الإيلاف من الملوك وآمَن بلدهم وجعلهم يتفرقون في البلاد كما شاؤوا. وقيل: ﴿أَطْعَمَهُمْ. . . وَآمَنَهُمْ﴾ (١)؛ أي: بعد سبع سنين في الجدب والقحط حتى أكلوا الجيَف. وعن علي ﵁: ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ يعني (٢): آمَنَ قريشًا أن تكون الخلافة إلا فيهم (٣). وعن سعيد بن جبير قال: مرَّ رسول اللَّه ﷺ بملأ ومعه أبو بكر ﵁ وهم ينشدون: قل للَّذي طلبَ السماحةَ والنَّدَى... هلَّا مَرَرْتَ بآلِ عبدِ الدَّارِ هلَّا مررتَ بهم تريد قِراهُمُ... منعوكَ من جهدٍ ومن إقتارِ فقال رسول اللَّه ﷺ لأبي بكر: "أهكذا قال الشاعر؟ " قال: لا والذي بعثك بالحق، بل قال: قل للَّذي طلبَ السماحة والنَّدى... هلَّا مررتَ بآلِ عبدِ مَنافِ هلا مررتَ بهم تريدُ قِراهمُ... منعوك من أسرٍ ومن إكتاف الرائشينَ وليس يوجدُ رائشٌ... والقائلين هلمَّ للأضيافِ

стр. 7858

والخالطين غنيَّهم بفقيرهم... حتى يصيرَ فقيرُهم كالكافي والقائمين بكلِّ وعدٍ صادقٍ... والراحلينَ برحلةِ الإيلافِ عمرُو الذي (١) هَشَم الثَّريدَ لقومه... ورجالُ مكةَ مسنِتون عجافُ سفرين سنَّهما له ولقومه... سفرَ الشتاء ورحلةَ الأصيافِ (٢) وقرئ: ﴿لإلَاف قريش﴾ بغير ياء (٣)، وهو العهدُ، وقال أبو طالب يوصي أبا لهب برسول اللَّه ﷺ : ولا تتركَنْهُ ما حييتَ لمعظَمٍ... وكُنْ رجلًا ذا نجدةٍ وعفافِ تذودُ العِدَى عن عصبةٍ هاشميةٍ... إلَافُهُمْ في الناس خيرُ إلافِ (٤) * * *

стр. 7859

سورة الماعون (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي أوعد المكذِّبين بالدِّين، الرحمنِ الذي عطَف على اليتيم والمسكين، الرحيمِ الذي ذمَّ الغافل والمرائيَ والضَّنين. روى أبي كعب رضى اللَّه عنه عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة أرأيت غفر اللَّه له إن كان مؤديًا للزكاة" (٢). وهذه السورة مكية عند ابن عباس (٣)، مدنيةٌ عند الواقدي (٤). وقال مقاتل بن حيان: نصفها الأول مكي ونصفها الثاني (٥) مدني. وهي سبع آيات، وخمس وعشرون كلمة، ومئة واثنا عشر حرفًا. وانتظام السورتين: أنهما في ذكر العبادة والعبودة. * * *

стр. 7860

(١) - ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾. قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾: أي: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ يا محمد ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾؛ أي: بالحساب. وقيل: أي: بالجزاء. وقال ابن عباس: بحكم اللَّه (١). وقيل: بتوحيد اللَّه. قال ابن عباس: نزلت في العاص بن وائل (٢). وقال ابن جريج: في أبي سفيان. وقيل: في رجل من المنافقين. وقيل: في الوليد بن المغيرة. وقال الضحاك؛ في عمرو بن عائذ (٣). * * * (٢ - ٥) - ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾. ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾: أي: يدفعه بعنفٍ عن نفسه فلا يواسيهِ ولا يطعمه، ويدفعه (٤) عن حقه، قال ابن عباس: يدفع حق اليتيم (٥).

стр. 7861

﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾: أي: لا يحثُّ غيرَه على طعام المحتاج، لا يحسن بنفسه ولا يأمر به غيره، وهو نهاية اللؤم وخساسة الطبع وقساوة القلب. ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾: أي: للمنافقين الذين هم يُدخلون أنفسهم في جملة المصلين صورةً. ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾: أي: غافلون لأنهم لا يريدون بذلك قربةً إلى اللَّه تعالى، ولا تأديةً لفرضه، فهم ينخفضون (١) ويرتفعون ولا يدرون ماذا يفعلون. * * * (٦ - ٧) - ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾. ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾: أي: يظهرون للناس أنهم قائمون بفرائض اللَّه مؤدُّون لها متقربون إلى اللَّه تعالى بها. وقيل: ﴿سَاهُونَ﴾؛ أي: غافلون تاركون إذا خلوا، وإذا كانوا عند الناس يصلون يراؤون. وروى سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ أنه قال: " ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها" (٢).

стр. 7862

وقال عطاء بن دينار: الحمد للَّه الذي قال: ﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ﴾ ولم يقل: في صلاتهم (١). وكذا روي عن أنس (٢)، و ﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ﴾؛ أي: عن الصلاة الواجبة عليهم. وقوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾: قال علي وابن عمر والحسن وقتادة والضحاك: أي: الزكاة، قرن ذلك بالصلاة (٣). وقال ابن عباس وابن مسعود وإبراهيم وأبو مالك وسعيد بن جبير: هو ما يتداولونه بالعارية (٤) من نحو الفأس والقِدْر والدَّلو (٥). وقال أبو عبيدة: ﴿الْمَاعُونَ﴾: هو كلُّ ما فيه منفعة (٦). وهو (٧) من المَعْن وهو القليل، قال الشاعر:

стр. 7863

فإنَّ هلاكَ مالكٍ غيرُ معنِ (١) فالماعون: ما هو قليل القيمة من آلة البيت كالمقدحة والإبرة ونحوِ ذلك. وقال الزجاج: يقال: ما عنده سَعْنةٌ ولا مَعْنة؛ أي: لا قليل ولا كثير (٢)، وقال أبو تمام: لا تمنعنِّي وقفةً أشفي بها... داءَ الفراق فإنها ماعونُ (٣) وقالت عائشة رضى اللَّه عنها: ﴿الْمَاعُونَ﴾: الماءُ والنار والملح (٤). وقال سفيان بن عيينة: الماعون الأكبر: الماء والنار، والأصغر: الملح والكلأ. وقيل: هو المعروف (٥). وقيل: هو إكرام الضيف.

стр. 7864

وقيل: هو الطاعة يقال: أعطتِ الناقة ماعونها؛ أي: طاعتها وانقيادها (١). وقال إبان بن تغلب: الرَّحى من الماعون. والحمد للَّه رب العالمين * * *

стр. 7865

سورة الكوثر (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي أعطى رسوله الكوثر، الرحمنِ الذي أمرُه أن يصلَّى له ويُنحر، الرحيمِ الذي جعلَ شانئَه هو الأبتر. روى أبي بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ سقاه اللَّه تعالى من كلِّ نهر في الجنة، وكتب له عشرَ حسنات بعددِ كلِّ قُربانٍ تقرَّب به العباد في يوم النحر" (٢). وهذه السورة مكية، وهي ثلاث آيات وعشرُ كلمات واثنان وأربعون حرفًا. وانتظام السورتين: أنهما في ذمِّ مَن عادَى رسولَ اللَّه ﷺ . * * * (١) - ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾: روى الكلبيُّ عن أبي صالح عن ابن عباس: أن العاص بن وائل بن هشام السهميَّ رأى رسول اللَّه ﷺ يخرج من المسجد وهو يدخل، فالتقيا عند الباب وتحدَّثا وصناديد قريش في المسجد، فلما دخل

стр. 7866

العاص قالوا له: مَن الذي كنت تحدِّثه؟ قال: ذاك الأبتر، يعني: النبيَّ ﷺ ، وإنما سموه أبترَ عند موت بنيه، وكان الرجل إذا مات ولم يخلِّف ولدًا ذكرًا قالوا: أبتر (١)، فأنزل اللَّه تعالى هذه السورة (٢). وقال الضحاك: إن العاص لقي رسول اللَّه ﷺ في بعض أزقةِ مكة، فقال له: إني لأشنَؤُك لأنك أبترُ، فحزن لذلك رسول اللَّه ﷺ ، فأنزل اللَّه هذه السورة. وقيل: توفي عبد اللَّه بن رسول اللَّه ﷺ من خديجة، فحضر العاصُ تعزيَته، فلما رجع قال له بعض قريشٍ في الطريق: أين كنت؟ قال: كنت عند هذا الأبتر، فنزلت هذه السورة. قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾: هو في اللغة: الخير الكثير. وقال مجاهد: إنَّا أعطيناك الخير الكثير (٣)، والقرآنُ أفضلُه. وقال عكرمة: الكوثر: النبوة والكتاب (٤). وقال يمانُ بن رئابٍ: الكوثر: الأصحاب والأشياع (٥). وقال الحسين بن الفضل: هو تيسير القرآن وتخفيفُ الشرائع.

стр. 7867

وقال أبو بكر بن عياش: هو كثرةُ أمته (١)؛ قال ﵇: "إني لأرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة" (٢). وعن النبي ﷺ أنه سأل جبريل ﵇ عن الكوثر، فقال: هو نهر أعطاكه اللَّه تعالى في الجنة (٣). وبه قالت عائشة وابن عمر وابن عباس وأنس وسعيد بن جبير وآخرون (٤). وقالت عائشة: الكوثر نهر في بُطنان الجنة وهو وسطُها، شاطئه درٌّ مجوَّف فيه من الأكواب والآنية ما لا يعلمه إلا اللَّه تعالى (٥). وقال ابن عمر ﵁: حافَتاه ذهبٌ، ومجرى الماءِ على اللؤلؤ والياقوت، وماؤه أشدُّ بياضًا من اللَّبَن وأبردُ من الثلج وأشدُّ حلاوةً من العسل (٦). وقالت عائشة: مَن أحبَّ أن يسمع خريرَه فليجعلْ أصبعيه في أذنيه (٧).

стр. 7868

وروى أنس عن النبي ﷺ أنه قال: "دخلتُ الجنة فإذا نهرٌ حافَتاه خيام اللؤلؤ، فضربتُ يدي إلى مجرى الماء فإذا مسكٌ أذفر، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هو الكوثر الذي أعطاك اللَّه تعالى" (١). وعن أنس قال: كنا مع النبي ﷺ ذات يوم، فأغفى إغفاءةً ثم رفع رأسه فضحك، فقلنا: ما أضحكك يا رسول اللَّه؟ قال: "نزلت عليَّ سورة أنفًا"، فقرأها ثم قال: "هذا نهرٌ وعدني ربي في الجنة عليه حوضي، تَرِدُ عليه أمتي يوم القيامة آنيتُه عددُ الكواكب، فإذا بأقوام من أمتي اختلجوا دوني، فأقول: ربِّ أمتي ربِّ أمتي، فقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا لمن زلَّ عن سنَّتي" (٢). وعن النبي ﷺ أنه قال: "ينصب فيه مِزْرابان من الجنة: مزرابٌ من الذهب ومزرابٌ من فضة، مَن شرب منه شربةً لا يظمأ بعدها أبدًا" (٣). ورأى رسول اللَّه ﷺ على حافَتيه قبابَ الدرِّ والخيامَ ليلة المعراج فقال: "ما هذه؟ " قال: مساكن أزواجك في الجنة، تنفجر من الكوثر أربعة أنهار لأهل الجنان: الماء واللبن والخمر والعسل (٤). وقال أنس ﵁: خرج رسول اللَّه ﷺ في اثني عشر رجلًا من الصحابة

стр. 7869

إلى بقيع الغرقد؛ منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعليٌّ وسلمان وأبو ذر وصهيب ﵃، فجلسوا معه كأنَّ على رؤوسهم الطير هيبةً لرسول اللَّه ﷺ ، قال: فحثى أبو بكر حثوةً من رملةٍ سهلة شِبْهَ الوسادة، فنام رسول اللَّه ﷺ حتى نفخ ثم استوى قاعدًا فقال: "هل تدرون ما الكوثر؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم! قال: "فإن الكوثر نهر أعطانيه اللَّه تعالى في الجنة يقرقرُ في حوضي، وحوضي ما بين صنعاء والأردن مسيرةَ شهر للراكب المسرع، يجري في فيح مسك، أشدُّ بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وأبردُ من الثلج، وألين من الزُّبد، وآنيتُه من فضة عددَ نجوم السماء، مَن شرب منه شربةً لا يظمأ بعدها أبدًا، أولُ وارديه فقراء المهاجرين الدُّنْسُ الثياب الشُّعْثُ الرؤوس، الذين لا يزوَّجون المنعَّمات، ولا تفتح لهم أبوابُ السُّدَد، يموت أحدهم وحاجتُه تتلجلج (١) في صدره، لو أقسم على اللَّه لأبرَّه" (٢). وقال الحسن: الكوثر يخرج من أصل السِّدرة، والسِّدرةُ شجرةٌ نابتة على كثبان المسك والزعفران والكافور، لها سبعةُ أغصان، مكتوبٌ على أوراقها التسبيح، ومقام جبريل في وسطها. وروى أنس عن النبي ﷺ أنه قال: "إن لحوضي أربعةَ أركان: فأولُ ركن منه في يد أبى بكر، والثاني في يد عمر، والثالث في يد عثمان، والرابع في يد عليٍّ، ﵃ أجمعين، فمَن أحبَّ أبا بكر وأبغض عمر لم يَسْقِه أبو بكر، ومَن

стр. 7870

أحبَّ عمر وأبغض أبا بكر لم يَسْقِه عمر، ومَن أحب عثمان وأبغض عليًّا لم يَسْقِه عثمان، ومَن أحب عليًّا وأبغض عثمان لم يَسْقِه عليٌّ، ومَن أحسنَ القولَ في أبي بكر فقد أقام الدِّين، ومَن أحسنَ القول في عمر فقد أوضحَ السبيل، ومَن أحسنَ القول في عثمان فقد استنار بنور اللَّه، ومَن أحسنَ القول في عليٍّ فقد استمسك بالعروة الوثقى، ومَن أحسنَ القول في أصحابي فهو مؤمن، ومَن أساء القولَ في أصحابي فهو منافق" (١). * * * (٢) - ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾: أي: فأدِّ شكرَ اللَّه تعالى على هذه النعمة بأنْ تتقرب إليه بما تتقربُ إليه العباد (٢) من صلاةٍ ونسك، وهما كانا في كلِّ أمة، والجمع بينهما كما في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام: ١٦٢] فالصلاة تقع على كلِّ صلاة. وقيل: صلِّ صلاةَ الأضحى وانحرِ البُدْن. وقيل: هو الصلاة في مواقف الحج والنحرُ بها أيضًا. وعن علي ﵁: ﴿وَانْحَرْ﴾؛ أي: ضع يدك على نحرِك في الصلاة (٣).

стр. 7871

وعن (١) بعض الصحابة: ﴿وَانْحَرْ﴾؛ أي: وجه نحرك نحو (٢) القبلة. ذكره الكلبي (٣). وقال (٤) عطاء: أمر أن يستوي بين السجدتين جالسًا حتى يبدو نحره (٥). * * * (٣) - ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾: أي: إن مُبْغضك هو الأبتر لا أنت؛ أي: هو الذي يُبتر ذِكْرُه فلا يُذكرُ في الدنيا ولا في الآخرة بخير، فأما أنت فقد رفعنا لك ذكرك، على ما شرحنا في ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ [الشرح: ١]. وقال قتادة: ﴿هُوَ الْأَبْتَرُ﴾؛ أي: الأقلُّ الأذلُّ (٦). وهو جواب قول ذلك الملعون لمحمدٍ ﷺ : إنه أبتر لا عقب له فينقطع ذِكره بموته، وأصله: الحمار الأبتر المقطوع الذَّنَب، فأخبر أن له الكوثرَ؛ أي: كثرةَ الأصحاب والشيعة، وكثرةَ الأمة، ودوام الذكر والرفعة، ولأعداء اللَّه (٧) الخمول والضَّعَة (٨).

стр. 7872

سورة الكافرون (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي أهان الكافرين، الرحمنِ الذي أمر بمخالفتهم المؤمنين، الرحيمِ الذي أكرمهم بخيرِ دين. روى أبيُّ بن كعب ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ أُعطي من الأجر كأنما قرأ ربعَ القرآن، وتباعَدَ منه (٢) الشيطان، وبرئ من الشرك، ويُعافَى من الفزع في النوم" (٣). وهذه السورة مكية، وهي ستُّ آيات، وستٌّ وعشرون كلمةً، وأربعةٌ وتسعون حرفًا. وانتظام السورتين: أن تلك في ذكر النعمة والشكرِ بالصلاة والنحر، وهذه في التوحيد ومخالفةِ أهل الكفر.

стр. 7873

(١ - ٣) - ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾. وروي أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه، علِّمني كلامًا أقوله عند منامي، قال: "اقرأ ﴿يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ عند منامك فإنها براءة من الشرك" (١). وقال ابن عباس: ليس في القرآن سورةٌ أشدُّ لغيظِ إبليسَ من هذه السورة؛ لأنَّها توحيد وبراءة من الشرك (٢). وقال عطاء بن أبي رباح: قال كفار قريش لرسول اللَّه ﷺ : اتَّبعْ ديننا حتى نتَّبعَ دينك فنشتركَ جميعًا، تعبدُ آلهتَنا ونعبد إلهك، فإن كان أمرنا رشيدًا (٣) كنتَ قد أخذتَ بحظِّك منه، وإن كان أمرك رشدًا كنا قد أخذنا بحظِّنا منه، فتعبد آلهتَنا سنةً، ونعبدُ إلهك سنة، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾: أي: ما تعبدونه من الأصنام، آيَسهم من نفسه، وأعلمهم استبصارَه في دينه وضعفَ بصائرهم في دينهم (٤). ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾: أي: ما أعبده؛ يعني: مَن أعبده وهو اللَّه تعالى؛

стр. 7874

لأنكم إنما تعبدون ما أعبدُ على هذا الشرط، وأنا لا أُجيبكم إلى هذا الشرط، فعبادتُكم لمن أعبدُه لا تكون إذًا (١). وقيل: كان هذا خطابًا لأقوام بأعيانهم كان اللَّه علِم منهم أنهم لا يؤمنون، فقال له: قل لهم ذلك. * * * (٤ - ٥) - ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾. ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾: قال الفرَّاء: هذا التكرير للتأكيد والتقريرِ لقطع أطماعهم (٢)؛ كقول الرجل: واللَّه لا أفعل ثم لا أفعل هذا. وقيل: هذا الجواب خرج على مطابقة قول الكفار: تعبد آلهتنا ونعبد إلهك، ثم نعبد آلهتنا وتعبد إلهك (٣)، نجري على هذا هكذا أبدًا، فأُجيبوا (٤) عن كلِّ ما قالوه على ضد ذلك. وقيل: معناه: لا أعبد الساعةَ ما تعبدون، ولا أنتم عابدون الساعةَ مَن أعبدُه، ولا أنا عابد في المستقبل ما عبدتم، ولا أنتم في المستقبل عابدون مَن أعبده، قاله أبو عبيدة وجماعة (٥).

стр. 7875

وقيل: يحتمل أنهم قالوا: تعبد آلهتنا سنةً ونعبدُ إلهك سنة، فنزلت: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ فقالوا له: فاعبد آلهتنا شهرًا ونعبد إلهك سنة، فنزلت: ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾. قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾: أي: لكم دينُكم الباطلُ وما تستحقُّون عليه من عذاب اللَّه، ولي دين الحق وما أستحقُّه عليه بوعد اللَّه تعالى من ثواب؛ كما قال: ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ وكان المعنى: إن كنتم رضيتُم بدينكم فنحن أيضًا راضون بديننا، وهي كلمةُ منابذةٍ ومُكافَّة. وقيل: كان هذا قبل نزول الأمر بالقتال. وقيل: معناه: ليس عليَّ من دينكم ضررٌ ينالني، بل ضررُه راجع عليكم، وليس لكم من ديني نفعٌ بل نفعُه راجع إلي. وقيل: معناه: لكم دينكم فلستُم بتاركيه أبدًا؛ لأن اللَّه تعالى قد علم أنكم تموتون عليه، ولي ديني لأن اللَّه تعالى قد علم أني لا أنتقلُ عنه أبدًا (١). والحمد للَّه رب العالمين * * *

стр. 7876

سورة النصر (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي من عنده النصرُ والفتح، الرحمنِ الذي له يحقُّ الحمدُ والمدح، الرحيمِ الذي للمستغفرين منه العفوُ والصفح. روى أبي بن كعب ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ أُعطي من الأجر كمَن شهد مع محمد ﷺ يومَ فتح مكة" (٢). وهذه السورة مدنية، وهي ثلاث آيات، وتسعَ عشرةَ كلمة، وسبعٌ (٣) وسبعون حرفًا. وانتظام السورتين: أنه آيَسه في تلك عن إيمان قوم من الكافرين ووعده في هذه إيمانَ أفواجٍ كثيرة من المؤمنين. * * *

стр. 7877

(١ - ٣) - ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾: أي: إذا أتاك نصرُ اللَّه إياك على قومك. ﴿وَالْفَتْحُ﴾: وهو فتح مكة. ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ﴾: وهم قبائل العرب من نزار واليمن. ﴿يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ﴾: وهو (١) الإسلام. ﴿أَفْوَاجًا﴾: أي: زمرًا زمرًا لا واحدًا واحدًا. ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾: فاذكر اللَّه شاكرًا له بما آتاك. ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾: واسأل مغفرتَه وعفوه عن تقصيرٍ عسى وقع منك. ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾: كثيرَ قبول التوبة عن عباده، لم تَزَلْ تلك صفةً له. وكانت هذه السورةُ نعيًا له إلى نفسه، يقول: إذا جاء نصر اللَّه والفتحُ، ودخولُ الناس أفواجًا في دينك، فقد تقارَبَ أجلُك، وإلى دار الكرامة انتقالُك، فاستعدَّ للقاءِ اللَّه تعالى بالمواظَبة على الصلاة والتسبيح والاستغفار حتى تلقَى اللَّه تعالى على غايةِ الطهارة. قال سعيد بن جبير: إن عمر ﵁ سألهم (٢) عن ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فقالوا: أُمر نبينا إذ رأى مسارعةَ الناس في الإسلام ودخولَهم فيه أن يَحمد اللَّه ويستغفرَه، فقال عمر ﵁: يا ابن عباس! ما لك لا تكلَّمُ؟ قال:

стр. 7878

أعلمَه متى يموت، ثم قرأ السورة، فقال عمر: صدق والذي نفسي بيده، ما أعلمُ منها إلا ما علمتَ (١). وقالت عائشة ﵂: لما نزلتْ هذه السورة ما رأيتُ رسول اللَّه ﷺ صلى صلاةً إلا قال: "سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي" (٢). وعن أبي العالية قال: لمَّا نزلت هذه السورة ونُعيت إلى رسول اللَّه ﷺ نفسُه كان لا يقوم من مجلس يجلس فيه حتى (٣) يقول: "سبحانك اللهمَّ وبحمدك، أشهدُ أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك" (٤). وذكر بعض المفسرين أن هذه السورةَ نزلت قبل فتح مكة، فإن قوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ يدل عليه؛ لأن (إذا) للمستقبل. والصحيح: أنها نزلت بعده، على ما نبيِّن من الأحاديث، فـ ﴿إِذَا﴾ هاهنا للماضي؛ كما في قوله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١]، وقال الشاعر: وإذا تكون كريهةٌ أُدعى لها... وإذا يُحاسُ الحيسُ يُدْعَى جُندبُ (٥)

стр. 7879

وقال ابن عمر ﵁: نزلت هذه السورة في أوسط أيام التشريق، فقام رسول اللَّه ﷺ فخطب خطبةَ الوداع (١). وعن ابن عباس أنه قال: آخرُ سورة نزلت جملة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (٢). وقال الحسن: لمَّا فتح رسول اللَّه ﷺ مكة أقبلتِ العرب (٣) بعضُها على بعض فقالوا: أمَا إذا ظفر محمد ﷺ بأهل الحرم وقد كان اللَّه أجارهم من أصحاب الفيل ومَن أرادهم فليس لكم به يدَان، فكانوا يدخلون في دين اللَّه أفواجًا (٤).

стр. 7880

وقال مقاتل: نزلت هذه السورة بعد فتح الطائف، ﴿وَالْفَتْحُ﴾: فتح مكة، و ﴿النَّاسَ﴾: أهل اليمن ﴿أَفْوَاجًا﴾؛ أي: زمرًا من كل وجهٍ، القبيلةَ بأسرها والقومَ بأجمعهم، ليسوا بالواحد والاثنين والثلاثة، فكانت هذه السورة آيةَ موته، فقرأها النبي ﷺ على أبي بكر وعمر ﵄ ففرحا، وسمعها العباس ﵁ فبكى، فقال له النبي ﷺ : "ما يبكيك يا عم؟ " فقال: نُعيت إليك نفسك، قال: "إنه لكَما تقول" (١). وذُكر أنه لما نزلت هذه السورة قام رسول اللَّه ﷺ خطيبًا فقال: "إنَّ عبدًا خيَّره اللَّه تعالى بين الدنيا وبين لقائه فاختار لقاء اللَّه" فقال أبو بكر ﵁: فديناك بأنفسنا وآبائنا وأولادنا وأموالنا (٢). وعاش رسول اللَّه ﷺ بعدها (٣) حولًا أو حولين، ثم حج من قابل فنزل قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فعاش بعدها ثمانين يومًا ثم نزلت آية الكلالة وهي آية الصيف، فعاش بعدها خمسين يومًا ثم نزل: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ
следующие страницы →