ثم أتجاوز مرة أخرى وألتمس لهذا الحكم الشامل مخرجًا آخر، أزعم فيه أن العربية والبيان والعقل تبيح مجتمعة أن يكون المراد بالإسلام في هذا الحكم جزءًا من الإسلام، وأن يكون المراد بالذين لم يطبقوه فئة واحدة من المسلمين: فكيف يمكن أن يصح؟
إن المدعى لمثله مطالب عندئذ أن يستقصى هذا الجزء المعطل في تاريخ العصور التي يشملها حكمه، يومًا بعد يوم، وحادثة بعد حادثة. وأن يدل دلالة لا يأتيها الشك أن ذلك هو الذي جرى به العمل في كل جماعة من جماعات المسلمين؛ وأن يأتي بالبرهان على أن هذه الفئة أصرت على أن تجعل هذا الجزء ديدنها في كل زمان ومكان؛ وأنها استطاعت أن تجعل ما خالف حكم الله إلزامًا عامًا للناس كلهم بتشريع من عند أنفسهم يلزم الناس جميعًا العمل به والطاعة له. وهذه هي الشروط التي يقضى محض العقل أنها هي وحدها التي تبيح لامرئ أن ينطق بحكم شامل كهذا الحكم. فإذا لم تتم له هذه الشروط، فما هو إلا التعسف الغليظ الذي لا يبصر وجه الحق إلّا في ظلمات من الباطل، إن صح وأمكن أن يكون التعسف قادرًا عندئذ على أن يبصر.
ثم أتجاوز مرة ثالثة، فأزعم أن من الممكن أن نلتمس شيئًا من الإسلام لا يدخله الخلاف، قد أطبق الخلفاء جميعًا منذ قتل عمر ﵁ على تعطيله فما الشروط اللازمة لمثل هذا الممكن؟
ينبغي أن يثبت المرء أولا أن الخليفة قادر على أن يأمر علماء الإسلام وفقهاءهم ومفتيهم وأمراءهم وعامة الناس منهم بهذا الذي يريد تعطيله، وأنهم إن فعل أطاعوه جميعًا وعملوا بما أمر، وأن هذا الشيء من الإسلام قد عطل تمام التعطيل في الحياة الإسلامية كلها في زمنه. ومن البين أن الخليفة رجل من المسلمين، لا يملك أن يشرع للناس شرعًا يعمل به الفقهاء والقضاة والمفتون، ويخضع له عامة الناس علانية ويعملون به في أنفسهم سرًّا. وإذا بطل هذا الشرط، بطل الحكم كله، ولم يبق إلا أن الخليفة ربما قدر على أن يعطل حكما من أحكام الله، فيما يمكن أن تناله يده، وهو في بيته أو قصره أو بلدته، دون سائر بلاد المسلمين. وأن هذا الحكم لا يلزم أحدًا من القضاة ولا الأمراء أن يفعلوا
стр. 1017
فعله، لأنه لا يملك أن يشرع لهم ما لم يأذن به الله. وأنا أقطع بأن تاريخ الإسلام كله ليس فيه حادثة واحدة: استطاع خليفة أن يأمر قضاة المسلمين وعلماءهم وفقهاءهم بأمر يخالف كتاب الله وسنة نبيه، فأطاعته الأمة كلها أو بعضها، وعملت بما أراد، وقضت على الناس بقضائه دون قضاء الله.
وينبغي أن يثبت المرء ثانيا أن الخليفة -أو غير الخليفة من أمراء المسلمين في بلدان الأرض المسلمة- قد استطاع أن يجعل هذا التعطيل، بهذه الشروط، عملا متوارثًا في جيل بعد جيل، وأن الأمة قد اتفقت على قبول تعطيله أبدًا وأن هذا هو الذي جرى به العمل بلا ريبة ولا ادعاء ولا توهم ولا اعتساف، وأنا أقطع أيضًا بأن هذا شيء لم يكن قط إلا بعد أن ضرب الاستعمار على هذه الأمة الإسلامية حضارته وثقافته ولون تفكيره.
فهذه الكلمة الباغية الجائرة منقوضة في شمولها وفي تخصيصها، ولا يستطيع منصف بعض الإنصاف أن يجد لها في العقل مخرجًا، ولا في التاريخ شاهدًا، ولا في الفرض المطلق وسيلة إلى تحقيق طرف منها. وهي لا تصح في أحد محمليها إلا كانت حكما على عامة الصحابة والتابعين والفقهاء وخاصتهم بالكفر البواح. فلينظر امرؤ أين يُنزل عقله؟ وفيم يورّط دينه وتقواه؟ وإلى أي قرار تهوى به كلمة تعجب هواه ويستخفها لسانه، ويتغذى بها غروره بنفسه؟
ولم أجعل همى في هذه الكلمات أن أسرد الحجج التي يحتج بها القائلون بهذا الحكم ولا أن أروى ما يعدونه مؤيدًا لهم من روايات التاريخ والكتب. فإني إن فعلت كان لزامًا على أن أقدم نفس هذه المقدمة في شروط الأحكام، ومقدمة أخرى في تمييز ما يعد تاريخًا، ومقدمة ثالثة في انتزاع الحكم العام من الحادثة أو الحوادث، وهل هو صحيح في نفسه أو غير صحيح. ثم آخذها واحدة واحدة فأبين وجه تأويلها أو فهمها أو ردها أو تجريحها إلى آخر ما ينبغي لكل من يتصدى للأحكام على أفراد في التاريخ، فما ظنك بأمم بأسرها في تاريخ كامل كتاريخ العصور الإسلامية أولها وآخرها، وكل ما رميت إليه أن أبين فساد مثل هذا الحكم الشامل، وأسباب فساده، وأن أكشف عن موضع المخافة وثقل الوزر، وجناية
стр. 1018
التسرع في تعميم الأحكام بلا بينة من العقل أو الحجة أو التاريخ. وأرجو أن يتاح لي أن أتناوله مرة أخرى بالبيان والتفصيل حتى يتجلى فيه وجه الحق.
стр. 1019
تاريخ بلا إيمان
أنا أعلمُ أنى استفتحتُ موضوعًا، لو شئت أن أستهلك فيه تلك الذُّبالة الخفاقة المترددة من بقيّة عمرى، لما استطعتُ أن أوفيه حَقه من البيان. فإن مادة التاريخ كلها تستقبلنى بقضها وقَضيضها، وتتذاءَبُ بين يديَّ أصنافُ الطبائع البشرية التي فطر الله الناسَ عليها -على ما علمَ هو سبحانه من اختلاف نفوسهم وساعاتهم وأيامهم وأجيالهم وعصورهم. وطبيعةُ رجُل واحدٍ حيّ، تعرفه وتعاشرهُ من ولد أبينا آدم صلى الله عليه، مشكلةٌ تعجز الفارس (١) البصيرَ أن يهتدى إلى ما يختبئ فيها من التناقض والتخَفي والتسرُّب. فما ظنُّك بإنسان لم يستبقِ لك الله منْه ما تعرفه به إلا نبذًا يسيرًا من أخبار تُروى، لا تستغرقُ سوى صفحة أو صفحات، ولقد قضى في الدنيا عُمُرًا من قبلُ، لو هو قُيّد وكتب بجميع ما أحدث فيه، لما وسعته المجلدات الضخمة؟ فانظر إذنْ أين ينتهي بك توهمك، وأنت تتحرَّى أن تتعرَّفَ خبءَ مؤلّفه من مثل هذا الإنسان، عاشت أعمارًا طوالا وقصارًا في طوايا الغيب الماضي، استنفدتها بأعمالها وخواطرها ساعة بعد ساعة، ويومًا بعد يوم، وعامًا بعد عام -في تاريخ متقادِمٍ متطاول يمتدُّ في غيب الماضي سبعين سنة، وثلاثمائة سنة، وألف سنة، أو تزيد! ! هذا تصوُّرٌ مثبطٌ للفكر، ولكنه ضرورة لا غِنى عنها للمؤرخ، وهو أشد ضرورة لمؤرخ يكتب تاريخ أهل الإسلام، ثم هو أفدح ضرورة لأنه تاريخ -ما علمتُ- يختلف اختلافًا مبينًا صارخًا عن كل تاريخ عهده البشر في سائر تواريخهم، ثم هو الضرورة الراسخة لمن ورَّط نفسه في تاريخ أهل القرون الأولى من الإسلام. بيد أنّ المؤرخ المسلم وحده هو القادر على أن يكتب تاريخ أهل الإسلام، وغيرهم إن شاءَ، على وجه يمكن أن يوصف بالنبل والفهمِ والصدق والأمانة والثقة- إذا هو حرَصَ على أن يتأدّب بما أدَّبه به ربه من أخلاق تَلزمه في معاملته، كما تصحبهُ في
стр. 1020
تفكيره وبحثه، وإذا هو مكن في قلبه ونفسه الطاعة لما تركه لنا رسول الله ﷺ من أدب كان يؤدب به أصحابه ممسكا بِحُجُزِهم أنْ: هلموا عن النار!
وعلمُ ضمائر خلق الله علم قد استأثر به ربنا سبحانه علامُ الغيوب. ومع ذلك، فلست أغالى شيئًا إذا زعمتُ لك أن أكثر من ثلاثة أرباع تاريخ الدنيا، لم يجتمع ولم يتكوَّن ولم يصبح عملا في الأرض، إلا من خفيات هذه الضمائر. ونحن حينَ نرى نتائج أعمال البشر، والتي نزعمها أو نسميها تاريخًا، لا نرى إلا أثرًا شاحبًا متهافتًا مما استسرّ في جوانح خلق الله. وهذه الآثار ربما تشابهتْ عندنا تشابهًا غريبًا، مع أن الأسباب التي أحدثتها تختلف في حقيقتها وطبيعتها كل الاختلاف. فإذا خفيت الأسبابُ وتشابهت الآثار، فإجراءُ حكمٍ واحد على هذه الآثار المتشابهة خطلٌ وسوء رأي، وإعظامٌ في الفرية على الناس الماضين، وإغراقٌ في التضليل بالناسِ الحاضرين. وأنا لا أحيلك في معرفة مصداقِ ما أقول إلى التاريخ الماضي، بل إلى ما تشهدهُ بعينيك، وتسمعهُ بأذنيك، وتدركهُ ببصيرتك وفكرك من أحوال الناس الذين تعاشر، والتاريخ الذي يصنع الآن بمرأى منك ومسمع، ساعة بعد ساعة، ويومًا بعد يوم. فانظر كيف يحكُم الناس بعضهم على بعض، وكيف يفسر بعضُهم أعمالَ بعض، فإذا صح هذا عندك وتأملته، علمت لم أوثر أن أدعوك إلى تصوّر أزمنة التاريخ وخلائقه، تصوُّرًا طويلا عريضًا متراحبًا، يكاد يثبط الفكر الإنساني عن العناية به والإلحاح عليه.
وهذا الأصلُ الذي يكادُ يبلغُ مبلغَ البديهيَّ، أصلٌ متروك في التأريخ الحديث. وذلك لأن حضارة هذا القرن العشرين المتحدّرةَ من عصور المدنية الأوربية الوثنية والمسيحية، قد انبثقت من ضرورات اجتماعية وأخلاقية ودينية، لا يمكنُ أن تدع لمثل هذا الأصل مكانًا في التصوُّر، إلا شعاعًا ميتَ النور، ربما انبثَّ في بعض ما يؤلفون، محاطًا بظلمات شديدة من الجرأة والتهجم والافتراء والرجم بالغيب، والمبالغة في اعتداد المؤرخ منهم بنفسه، والإفراط في ثقته بقدرة عقله، والغلو في تحكيم ما يدَّعيه وما يفرضه على مادَّة التاريخ ورواياته، بغير بينة ولا حُجة.
стр. 1021
ثم زاد هذا كله بشاعة حين نجمت طائفة المستشرقين، بأحقادها وضغائنها وسفاهة ألسنتها وسرائرها، وبدأوا يكتبون تاريخ الإسلام على أصولهم الفاسدة، ثم قام في الشرق العربي والإسلامي طائفة أخرى من أصحاب الأهواء، من بين مسلم وغير مسلم، فاتبعوهم وناصروهم، وأذاعوا بعلمهم، وأشادوا بمقدرتهم في التقصَّى وكمال مناهجهم في البحث، فنقلوا إلى العربية ثمرة هذه الأحقاد والضغائن، في كتب ألفوها، ونشرُوها وطارت بين عامة المثقفين، يتلقفها الإعجاب بها، والإفتتانُ بأسلوب قصصها وحكايتها وتحقيقها! وجاء هذا مع غلبة الحضارة المسيحية الأوربية حين تم لها سلطانها في أرض الشرق والإسلام، بالغزو الحربى والسياسي والأدبى والعلمي والاجتماعى والأخلاقى والثقافي عامة، فعشش في القلوب ثم باض ثم فرَّخ كما يقول الجاحظ. وانتهى الأمر بالعرب والمسلمين أخيرًا إلى أن يكون مصدرُ ثقافتهم وفكرهم عدوًا لهم من حيث يعلمون ومن حيث لا يعلمون -تجد ذلك في كتبهم ومجلاتهم، وصحفهم، ومدارسهم ومعاهدهم، وفي معاقل دينهم كالأزهر وغيره. فسادَ من يومئذ الافتراء الكاذبُ سيادة تامة في الحياة العقلية والأدبية، وأصبح تاريخ الإسلام وأدبه وعلمه، منظورًا إليه من صميم أهله المتحمسين بعين تبغضُ، وقلب يعرض، ونفس تزورُّ عنه، ولم ينج من غائلة هذا الفساد إلا من عصم الله، وهي قلة قليلة هي اليوم في طريقها إلى الفناء، إلى الانقراض، إلى مصارع الأولين من أهل العلم والفقه والمعرفة.
من أجل ذلك البلاء المستفيض في حياتنا، وفي عقولنا، وفي دراستنا أقول دائمًا: إنه لا يغرنى من أحد دينه، ولا تقواه ولا علمه ولا جهاده ولا فضله ولا عقله، إذا لم يكن ذلك كله نابعًا من كتاب الله، ومن الحياة الإسلامية المهتدية بهدى الله ورسوله، غير مختلط ما استطاع بذلك الوباء الجائح الذي فرض علينا في صورة مدنية أو حضارة أو علم أو ثقافة. ومن أجل ذلك لم أزل أثور عند كل بثق ينبثق من هذا الشر، في شأن أبي بكر ﵁ قديمًا، وفي شأن عثمان ﵁، وفي شأن صحابة رسول الله في أيام فتنة عثمان؛
стр. 1022
لأن استشراء ضغائن المستشرقين، واستفحال منهج الحضارة الأوربية في الجرأة على عباد الله بالكذب المتهجم، وادعاء كل مدع ممن يحاول أن يكتب في التاريخ أو يقول: إن هذا هو حق الأسلوب التاريخي -كل ذلك قد مس النفوس والعقول، وأوقع فيها معاني لم تكن لتقع فيها، لو أن حضارة الإسلام وأخلاقه وآدابه وما نبع من هذه الأخلاق والآداب من أساليب العلم والبحث والفكر- بقيت هي السائدة في حياتنا الأدبية والعقلية والعلمية والاجتماعية.
* * *
إن المؤرخين الأوربيين، ثم المستشرقين خاصة، ثم من لفَّ لفهم من المتخطِّفين من فُتَات موائدهم من أهل هذا الشرق العربي والإسلاميّ -يزعمون أنّ للتاريخ منهاجًا أو منهاجين أو ثلاثة أو عشرة، هي كلّ ما يستطيع الباحثُ أن يعتمد عليه في دراسة كلّ تاريخ. وأنا أحبُّ أن أزعمَ أيضًا أن ليس فيها منهاج واحدٌ يصلح لدراسة تاريخ الإسلام، بل أشكُّ كل الشكّ في صلاحه لدراسة تاريخ أيّ الناس كانَ من غير المسلمين. وإذا احتاج المسلمون إلى إعادة كتابة تاريخهم، فحاجتهم لا تنتهي -أو ينبغي ألا تنتهي- إلى الشعور بفقرهم إلى إمام يقتدون به مقلدين، ثم يكونُ هذا الإمامُ منهجًا فاسدًا نشأ في تربة غريبة، ودعتْ إلى نشأته أسباب اجتماعية محدودة، وعلل أخلاقية وعقلية معينة. كلا، فإن تحكيم مثل هذا المنهاج، وفي هذا العصر الذي لوثت ثقافته منابع الفكر كلها وكدرتها، لا يؤدى إلا إلى شيء واحد: هو إفسادُ تاريخ أهل الإسلام إفسادًا يشقُّ إصلاحه. وفي الكتب الحديثة التي كتبها مسلمون متحمسون في هذا العصر، برهانٌ لمن تطلب البرهان، على مقدار ما ينجمُ من الضرر والفساد والعبث والتبديل والتحريف والافتراء، والجهل إن شئت -إذا انطلق كلّ حامل قلم، ليكتب تاريخ أهل الإسلام، على مثل هذه المناهج، وبمثل هذا القصور عن معرفة الحقائق الصريحة في الحياة الإسلامية، وبمثل هذا التقليد البشع للمستشرقين وأكثرهم من اليهود، وبمَثل هذا الإغفالِ الشديد للفرق بين الأصول التي قامت عليها حضارة هذا الإسلام وانفردت بها دون سائر الحضارات، والأصول التي
стр. 1023
قامت عليها حضارة سائر أمم الأرض؛ وتناولها المؤرخون بالبحث والتنقيب والكتابة والتصوير.
وإذا كان الهاتف الذي هتف بالناس أنْ: "افهموا الإسلام فهمًا جديدًا" قذف بالمسلمين وبعقولهم وأهوائهم في متاهة لا يعلم غايتها إلا الله وحده، فإنه حين هتف أيضًا بهم أن: "افهموا تاريخ الإسلام فهمًا جديدًا"، أوشك كما قلتُ أن يهوى بتاريخ أهل الإسلام وأئمته في ظلمات مطبقة لا يطلع على خبثها إلا عالم غيب السموات والأرض. وقد مارستُ دعوَى من اتبعوا هذا الهاتف سنين، ولا أزال أمارسها وأتتبعها، فأدركتُ أن شيمة هذا العصر الوبئ، هي الغالبةُ دائمًا على أصحاب هذا الهاتف: من تحطيم، وتدمير، وغلو، وجرأة، وإصرار على التحكم، وضراوة في التهجم، وإغراق في الرجم بالغيب، وإفراط في ثقة المرء بقدرة عقله واعتداده بنفسه. ومن أجل ذلك كرهتُ كلمة التجديد هذه، وأنفتُ لنفسي أن أثق بالألفاظ التي يلقيها كثيرٌ من المتحمسين للإسلام، إذا لم أجد عمل أحدهم وتطبيقه وسيرته ونهجهُ، تؤيد دائمًا دلالة هذه الألفاظ على معانيها. هذا، إذا صحّ عندي أن منبع هذه الألفاظ هو دين الله نفسه، كما نزل في كتابه، بسياقه وبيانه وعربيته غير مؤَوَّل ولا مصروف عن وجهه وكما أوحى إلى نبيه ﷺ في سيرته وعمله وتأديبه وحديثه، وكما جرت به سيرة أصحاب رسول الله، الذين أقاموا دين الله في الأرض، ولزموا طاعة الله ورسوله، وارتضاهم ربهم خلفاء في أرضه، وألزمهم كلمة التقوي وكانوا أحق بها وأهلها.
* * *
ولعلك ترانى شديد الحرص على أن أجعل أخلاقَ الإسلام وآدابَه وسننه وسائر ما يكون به الإسلام إسلامًا، هي الأصلُ الذي لا غنى عَنْه لمن يتعرَّض لكتابة تاريخ أهل الإسلام. وترانى أكادُ أقطع بأن هذا هو المنهجُ لا غيرُه من مناهج البحث، كما تعرف مناهج البحث في العصر الحديث. وأقول لك: نَعَمْ، ونِعمة
стр. 1024
عين (١)، فأنا أنكر أن يكون في الدنيا شئٌ يسمى منهاجًا للبحث والفكر أو أسلوبًا أو طريقة إلا وهو منبثق من سرّ النفس الإنسانية، من تصوُّراتها ومآلفها، من عِشرتها وعهدها بما يحيط بها، من أسباب تصرُّفها في خواطرها، من دوافع نقدها للأشياء وتقديرها، من استحسانها واستقباحها، من دَواعى حبها وبغضها، من كلّ ما تعيش به في دخيلتها، وتعاشر به ما يتصل بها، بل إن العقل المجرّد نفسه، لا يستطيع أن يدرك الحق وحده، ولا أن يستقلّ بمعرفته وبالبيان عنه ولا أن ينفرد بشيء يسمى تفكيرًا، متخليًا عن جاراته من الطائع والغرائز والسلائق ومن العادات والآداب، ومما تسخطه النفس أو تحمدُه، ومما تحبه أو تكرهه، بل إن أكثر علم الناس في هذه الدنيا لا ينشق لهم طريقه إلا بما استقرَّ فيهم من أخلاقٍ وآدابٍ وسننٍ متبعة، بل إن اختلاف الأخلاق والآداب والسنن، أصلٌ أصيل في اختلاف العلم، ومفهوم العلم، وطبيعة العلم، بل إنّ الحضارات المتباينة، بعلمها وفنونها وصناعتها وآدابها، لم تتباين كل هذا التباين، إلا من جراءِ تباين الآداب والأخلاق والسنن في كل حضارة. فإذا أنا حرصتُ على أنْ أجعل أخلاقَ الإسلام وآدابه وَسننه هي الأصلُ الذي لا ينفك منه مؤرخ الإسلام، فذلك لأن المنهاجَ الذي يتبعه الباحث، لا يمكن إلا أن يكونَ صَدى لما تقوم به حياته التي يعانيها في دخيلة نفسه بالليل والنهار، وفي السرّ والعلن، وفي المنشطِ والمكره، وفي الرضا والغضب.
والتاريخ، في زماننا، ليس علمًا على الحقيقة، كما ترى في الكيمياء والحساب والهندسة، بل هو تفسيرٌ لحوادث خفية الأسباب، مطمورة الجذور، متعدّدَةِ الدوافع، كثيرة المحامل والوجوه، متعلقة كل التعلق بحياة كل فرد عاش في الفترة التي تريدُ أن تؤرخها، شديدةِ الخضوع لعوامل لا يحصيها إلا الله وحده سبحانه. فما كان هذا شأنه وتعقيده، واختلاف أسبابه، وخفاء علله ودوافعه، فإنّ منهاجَ دراسته لا يقوم أبدًا على مقاييس لا تختلُّ كمقاييس الرياضة أو التجربة؛
стр. 1025
بل هو يلقى المؤرخ بقدر هائل من الطبائع الإنسانية المتآلفة والمتنافرة، والمتآخية والمتناحرة، والمتفقة والمتناقضة، والظاهرة والغامضة، فلا معدَى له عن لقائها بقدر مثله من نفسٍ تراحبَ إدراكها للطبائع والسجايا والأخلاق. ومادامَ الأمرُ قد انتقل من المقاييس المحدَّدة الضابطة، إلى إدراك الطبائع الإنسانية البعيدة الغوْر، الخفية السرِّ، المتباينة الصور، بقدْر تباين صور البشر وألوانهم وأشكالهم وألسنتهم وأصواتهم وأهوائهم ونوازعهم -فقد انتقل المنهاج كله من التحديد الضابط الى التشتت المفزع الذي لا تدْري ماذا تأخذُ منه أو تَدع. فلا مناص إذن لأي عاقل بعض العقل من الرجوع الى شيء لا يختلف، يقومُ على أصل صحيح من هذا التقدير المخيف لاختلاف الطبائع، ومهما التمس الإنسان شيئًا يَفي بضبط هذا القدْر من التباين المتفجر، فهو خليقٌ ألا يجده. فإذا أثبته العجز عنه فآثر أن يغفله لمجرد شهوة يشتهيها، وهي أن يكتب للناس ويؤرخ لهم، فهو عندئذ خليقٌ أن يضلَّ في تقديره، وفي تصوّره، وفي حكمه، وصار كل ما يأتي به رجمًا وظنونًا وأهواءً وعبثًا وافتراءً وتكذبًا واقتفاء لما ليس له به علم: وهذا الذي كان.
وليس على الأرض العاقلة شيء يمكنُ أن يعدَّ ميزانًا عادلا لهذه الطبائع البشرية التي وصفنا، إلا ميزان واحدٌ لا غير، هو الذي أنزلهُ ربُّ العالمين إذ يقول: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [سورة الحديد: ٢٥].
واهتداء البشر بالكتاب، وفقههم لمعانيه، واتخاذهم الميزان الذي أنزله الله على أنبيائه ورُسله، أصلا يتعايشون به في حياتهم ويتحاكمون إليه في النظر والفكر، وفي العلم والفقه، وفي المعرفة والتقدير، وفي القياس والاستنباط، هو الوسيلة الوحيدة التي تضمن لصاحب الرأي أن يكون رأيه قريبًا من الحقّ، ويكون منهاجه قادرًا بعضَ القدرة على لقاء هذه الكثرة الجياشة من الاختلاف. فإن منزل الميزان للناس ليقوموا بالقسط، هو الذي خلق الناس مختلفين، وجعل لهم هذا الميزان بإزاء هذا الاختلاف.
стр. 1026
ولم يبق على الأرض العاقلة تنزيلٌ لا يأتيه الباطلُ من يديه ولا من خلفه، سوى كتاب واحد لا غير، هو كتاب الله تبارك اسمه، ثم بيان هذا الكتاب، وهو سنة رسوله ﷺ . فهما بجميع ما نزل فيهما، وما يستنبطُ منهما، غير مؤول عن حقه، ولا مصروف عن وجهه ولا مضروب بعضه ببعض: أخرجا الذين آمنوا بمحمد ﷺ من الظلمات إلى النور، فجعلهم أمة وسطًا ليكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليهم شهيدًا. فلما أطاعوا الله وأطاعوا رسوله، واتبعوا ما أنزل إليهم وساروا بما استطاعوا مما أوحي إليهم من البينات والكتاب والحكمة أثنى عليهم ربهم بأفضل ثنائه سبحانه فقال لهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [سورة آل عمران: ١١٠]. ثم نبأهم بعد بما نعتهم به فيما نزل على موسى ﷺ ، وفيما نزل على عيسى بن مريم ﷺ من قبل أن يكونوا هم شيئًا مذكورًا فقال لهم فيما يتلى عليهم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [سورة الفتح: ٢٩]. صدق الله وكذب القوَّالون.
فهؤلاء الذين زكّاهم ربهم وعلّمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين، وبشّرهم في أواخر ما نزل على نبيهم: بآخرين منهم لمّا يلحقوا بهم، من سائر التابعين ومن تبعهم بإحسان، هم الذين كان بهم تاريخ الإسلام تاريخًا، وبما اتبعوا من آدابه وأخلاقه وسننه، وبما كانوا به بشرًا يتعاشرونَ فيتآلفون ويتنافَرون، وبما أخطأوا وأصابوا، وبما عدلوا وأسرفوا، وبما استغفروا إلى ربهم وتابوا، وبما اجتهدوا فأحسنوا أو اجتهدوا فأساءوا، وبكلّ ما تكون به الحياة الإنسانية حياةً مختلفة الأبدان والوجوه والصور والأعمار، مختلفة الطبائع والغرائز والنوازع، مختلفة الحاجات والدوافع، مختلفة المساخط والمحامد، مختلفة فيما يحبُّ وما يكره، مختلفةً فيما يغضبُ ويرضى، معدَّلة في كل ذلك
стр. 1027
بضابط لم يوجد مثله في تاريخ البشر: تقوى الله، والتوبة إلى ربّ العالمين. فقاموا بذلك كله إذ ألزمهم ربهم كلمة التقوى في السر والعلن، وعادوا إليه من عند زلاتهم توابين مستغفرين بالأسحار، وعاشت هذه الأمة المنفردة في تاريخ الجنس البشريّ، وأنشأت تاريخها برضى الله عن بعض عملها، وغضبه على بعض، وبعقابه لبعض أهلها ومغفرته لبعضٍ، ولم يجعلهم ربهم أمة معصومةٌ من خطإ، ولكنهم يخطئون ويتوبون ما انفسحت آجالهم، يومًا بعد يوم وساعة بعد ساعة، فيرحمهم ربُّهم ويتوب عليهم، ويعاقبهم ببعض ذنوبهم ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [سورة فاطر: ٤٥].
فمن غير الممكن، وأكادُ أقول إنه المستحيل، أن يطيق إنسانٌ لم يتأدَّبْ بما تأدبوا به في أنفسهم، وبما صار به تاريخهم تاريخًا فيه مشابه من تواريخ الأمم، ولكنه مختلفٌ عنها كل الاختلاف -أن يكون مصيبًا أو مقاربًا للصواب، أو خليقًا بأن يدرك بعضَ الصواب، إذا هو أرادَ أن يكتب تاريخهم على النهج الذي نعرفه اليوم من كتابة التاريخ، والذي تُرمى فيه الأحكام جزافًا بلا تقوى ولا ورع، ولا مخافةٍ من ظنّ السوء، ولا هيبة من بهت الناسِ بما ليس فيهم، ولا تأثم من الاجتراء على غيب لا يعلمه إلّا العليم الخبير. والذي لم يجرّبْ هذه الآداب في سريرة نفسه، غير مستطيع أن يدرك مأتَى أعمال هؤلاء الناس، ولا مقاطع أحكامهم، ولا سيرة حكامهم، ولا طبيعة حياتهم، بل هو خليق أن يخلط ما جرى في حياتهم وأيامهم، بما جرى في حياة غيرهم وأيامهم، وأن يحكم على الذي كان يجرى بينهم سهلا يسيرًا منظورًا إليه بما ينظر به إلى مجرد الاختلاف في الرأي، حكما جازمًا قاطعًا مدمرًا، كأن الله وَكَّلَ إليه الاطلاع على سرائر خلقه، وفوض إليه أن يقضى فيهم بقضائه: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة آل عمران: ١٢٩].
стр. 1028
المسلمون
المسلمون فما أَذَلَّهمو ... في هذه الدنيا وهم كُثْرُ
جدُّوا فجدَّ زمانُهم بهمو ... وتغيَّروا فتغيَّرَ الدهرُ
стр. 1029
" لا تسبُوا أصحَابي "
حسبُ امرئ مسلم لله أن يبلغه قول رسول الله ﷺ : "لا تسبُّوا أصحابى! لا تسبُّوا أصحابى! فوالذي نفسي بيده لو أنّ أحدكم أنفقَ مثل أحُد ذهبًا ما أدرك مُدّ أحدهم ولا نصيفه" (١)، حتى يخشع لربّ العالمين، ويسمع لنبيّ الله ويطيعُ، فيكفّ غَرْب (٢) لسانه وضراوة فكره عن أصحاب محمد ﷺ ، ثم يعلم علمًا لا يشوبه شكٍّ ولا ريبةٌ، أن لا سبيل لأحد من أهل الأرض، ماضيهم وحاضرهم، أن يلحق أقلَّ أصحابه درجة، مهما جهد في عبادته، ومهما تورّع في دينه، ومهما أخلص قلبه من خواطر السوء في سرّه وعلانيته. ومن أين يشك وكيف يطمعُ، ورسول الله لا ينطقُ عن هَوًى، ولا يداهنُ في دينٍ، ولا يأمرُ الناس بما يعلم أن الحقّ في خلافه، ولا يحدّث بخبر، ولا ينعتُ أحدًا بصفة، إلا بما علمه ربه وبما نبأه؟ وربه الذي يقول له ولأصحابه: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. [سورة الزمر: ٣٣: ٣٥].
ثم يبين ﷺ عن كتاب ربه فيقول: "خير الناس قَرْنى، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يجئ قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته". ثم يزيد الأمر بيانًا ﷺ ، فيدل المؤمنين على المنزلة التي أنزلها الله أصحاب محمد رسول الله، فيقول: "يأتي على الناس زمانٌ، فيغزو فئامٌ من (٣) الناس فيقولون: فيكم مَن صاحب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم! فيفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمانٌ فيغزو فئامٌ من الناس فيقال: هل فيكم من صاحبَ أصحاب رسول الله
стр. 1030
- ﷺ ؟ فيقولون: نعم! فيفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمانٌ فيغزو فِئَامٌ من الناس فيقال: هل فيكم من صاحبَ مَن صاحب أصحابَ رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم! فيفتح لهم". فإذا كان هذا مبلغ صحبة رسول الله، فأي مسلم يطيق بعد هذا أن يبسط لسانه في أحد من صحابة محمد رسول الله؟ وبأي لسان يعتذر يوم يخاصمونه بين يدي ربهم؟ وما يقول وقد قامت عليه الحجة من كتاب الله ومن خبر نبيه؟ وأين يفر امرؤ من عذاب ربه؟
وليس معنى هذا أن أصحاب محمد رسول الله معصومون عصمة الأنبياء، ولا أنهم لم يخطئوا قط ولم يسيئوا، فهم لم يدّعوا هذا، وليس يدّعيه أحدٌ لهم. فهم يخطئون ويصيبون، ولكنّ الله فضّلهم بصحبة رسوله، فتأدبوا بما أدَّبهم به، وحرصوا على أن يأتوا من الحق ما استطاعوا، وذلك حسبهم، وهو الذي أمروا به، وكانوا بعدُ توَّابين أوَّابين كما وصفهم في محكم كتابه. فإذا أخطأ أحدهم، فليس يحلُّ لهم، ولا لأحد ممن بعدهم، أن يجعل الخطأ ذريعةً إلى سبهم والطعن عليهم. هذا مجمل ما أدبنا به الله ورسوله. بيد أن هذا المجمل أصبح مجهولا مطروحًا عند أكثر من يتصدى لكتابة تاريخ الإسلام من أهل زماننا، فإذا قرأ أحدهم شيئا فيه مطعنٌ على رجل من أصحاب رسول الله سارع إلى التوغل في الطعن والسبِّ، بلا تقوى ولا ورع. كلا، بل تراهم ينسوْن كل ما تقضى به الفطرة من التثبت من الأخبار المروية، على كثرة ما يحيط بها من الريب والشكوك، ومن الأسباب الداعية إلى الكذب في الأخبار، ومن العلل الدافعة إلى وضع الأحاديث المكذوبة على هؤلاء الصحابة.
ولن أضرب المثل بما يكتبه المستشرقون ومن لف لفهم فهم كما نعلم. ولا بأهل الزيغ والضلال والضغينة على أهل الإسلام، كصاحب كتاب الفتنة الكبرى (١) وأشباهه من المؤلفين. بل سآتيك بالمثل من كلام بعض المتحمسين (٢) لدين ربهم، المعلنين بالذبّ عنه والجهاد في سبيله. لتعلم أن
стр. 1031
أخلاق المسلم هي الأصل في تفكيره وفي مناهجه وفي علمه، وأن سمة الحضارة الوثنية الأوربية، تنفجر أحيانًا في قلب من لم يحذر ولم يتق، بكل ضغائن القرن العشرين وبأسوأ سخائم هذه الحضارة المتعدية لحدود الله التي كتب على عباده -مسلمهم وكافرهم- أن لا يتعداها.
أربعة من أصحاب رسول الله ﷺ : هم أبو سفيان بن حرب، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وهند بنت عتبة بن ربيعة، أم معاوية. ﵃ كيف يتكلم أحد الناس عنهم.
١ - "فلما جاء معاوية، وصيَّر الخلافة الإسلامية مُلكا عضوضًا في بني أميّة، لم يكن ذلك من وحي الإسلام، إنما كان من وَحْى الجاهلية" ولم يكتفِ بهذا بل شمل بني أمية جميعًا فقال: "فأمية بصفة عامة لم يَعْمر الإيمان قلوبَها وما كان الإسلام لها إلا رداء تخلعه وتلبَسُه حسب المصالح والملابسات".
٢ - ثم يذكر يزيد بن معاوية بأسوأ الذكر ثم يقول: "وهذا هو "الخليفة" الذي يفرضه معاوية على الناس، مدفوعًا إلى ذلك بدافع لا يعرفه الإسلام؛ دافع العصبية العائلية القبلية. وما هي بكثيرة على معاوية ولا بغريبة عليه. فمعاوية هو ابن أبي سفيان. وابن هند بنت عتبة، وهو وريث قومه جميعًا وأشبه شيء بهم في بُعد روحه عن حقيقة الإسلام. فلا يأخذ أحدٌ الإسلام بمعاوية أو بني أمية، فهو منه ومنهم برئ".
٣ - "ولسنا ننكر على معاوية في سياسة الحكم ابتداعه نظام الوراثة وقهر الناس عليها فحسب، إنما ننكر عليه أولا وقبل كل شيء إقصاءه العنصر الأخلاقى، في صراعه مع على، وفي سيرته في الحكم بعد ذلك، إقصاءً كاملا لأول مرة في تاريخ الإسلام. . . فكانت جريمة معاوية الأولى، التي حطمت روح الإسلام في أوائل عهده هي نفي العنصر الأخلاقى من سياسته نفيًا باتًّا. ومما ضاعف الجريمة أن هذه الكارثة باكرت الإسلام ولم تنقض إلا ثلاثون سنة على سُننه الرفيعة. . . ولكى ندرك عمق هذه الحقيقة يجب أن نستعرض صورًا من سياسة الحكم في العهود المختلفة على أيدي أبي بكر وعمر، وعلى أيدي عثمان
стр. 1032
ومروان. . . ثم على أيدي الملوك من أمية. . . ومن بعدهم من بني العباس، بعد أن خُنقت روح الإسلام خنقًا على أيدي معاوية وبنى أبيه".
٤ - "ومضى على إلى رحمة ربه، وجاء معاوية بن هند وابن أبي سفيان! " (وأنا أستغفر الله من نقل هذا الكلام، بمثل هذه العبارة النابية فإنه أبشع ما رأيته! ) ثم يقول: "فلئن كان إيمان عثمان وورعه ورقته، كانت تقف حاجزًا أمام أمية .. لقد انهار هذا الحاجز، وانساح ذلك السد، وارتدّت أمية طليقة حرة إلى وراثاتها في الجاهلية والإسلام. وجاء معاوية، تعاونه العصبة التي على شاكلته، وعلى رأسها عمرو بن العاص. قوم تجمعهم المطامع والمآرب، وتدفعهم المطامح والرغائب، ولا يمسكهم خلق ولا دين ولا ضمير" (وأنا أستغفر الله وأبرأ إليه). ثم قال: ولا حاجة بنا للحديث عن معاوية، فنحن لا نؤرخ له هنا، وبحسبنا تصرفه في توريث يزيد الملك، لنعلم أي رجل هو. ثم بحسبنا سيرة يزيد لنقدّر أية جريمة كانت تعيش في أسلاخ أمية على الإسلام والمسلمين".
٥ - ثم ينقل خطبة يزعم أنها لمعاوية في أهل الكوفة بعد الصلح يجئ فيها قول معاوية: "وكل شرط شرطته، فتحت قدميّ هاتين" ثم يعقب عليه مستدركا: "والله تعالى يقول: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ والله يقول: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ فيؤثر الوفاء بالميثاق للمشركين المعاهدين، على نصرة المسلمين لإخوانهم في الدين. أما معاوية فيخيس بعهده للمسلمين، ويجهر بهذه الكبيرة جهرة المتبجحين! .. إنه من أمية، التي أبت نحيزتها أن تدخل في حلف الفضول! ".
٦ - ثم يذكر خطبة أخرى لمعاوية في أهل المدينة: "أما بعد، فإني والله ما وليتها بمحبة علمتها منكم" ثم يعلق عليها فيقول: "أجل ما وليها بمحبة منهم. وإنه ليعلم أن الخلافة بيعة الرضى في دين الإسلام. ولكن ما لمعاوية وهذا الإسلام .. وهو ابن هند وابن أبي سفيان! ".
стр. 1033
٧ - "وأما معاوية بعد عليّ، فقد سار في سياسة المال سيرته التي ينتفي منها العنصر الأخلاقيّ، فجعله للرُّشى واللهى وشراء الأمم في البيعة ليزيد، وما أشبه هذه الأغراض، بجانب مطالب الدولة والأجناد والفتوح بطبيعة الحال".
٨ - ثم قال شاملا لبنى أمية: "هذا هو الإسلام، على الرغم مما اعترض خطواته العملية الأولى، من غلبة أسرة لم تعمرْ روحُ الإسلام نفوسها. فآمنت على حرف حين غَلب الإسلام، وظلّت تحلم بالملك الموروث العضوض حتى نالته، فسارت بالأمر سيرة لا يعرفها الإسلام".
هذا ما جاء في ذكر معاوية، وما أضفى الكاتب من ذيوله على بني أمية، وعلى عمرو بن العاص. وأما ما جاء عن أبي سفيان بن حرب فانظر ماذا يقول:
٩ - "أبو سفيان هو ذلك الرجل الذي لقى الإسلام منه والمسلمون ما حفلت به صفحات التاريخ، والذي لم يسلم إلا وقد تقررت غلبة الإسلام. فهو إسلام الشفة واللسان، ولا إيمان القلب والوجدان. وما نفذ الإسلام إلى قلب ذلك الرجل قطّ، فلقد ظلّ يتمنى هزيمة المسلمين ويستبشر لها في يوم حنين، وفي قتال المسلمين والروم فيما بعد، بينما يتظاهر بالإسلام. ولقد ظلت العصبية الجاهلية تسيطر على فؤاده. . . وقد كان أبو سفيان يحقد على الإسلام والمسلمين، فما تعرض فرصة للفتنة إلا انتهزها. ."
١٠ - "ولقد كان أبو سفيان يحلم بملِك وراثى في بني أمية منذ تولى الخلافة عثمان فهو يقول: "يا بني أمية. . . تلقفوها تلقف الكرة، فوالذي يحلف به أبو سفيان مازلت أرجوها لكم، ولتصيرنَّ إلى صبيانكم وراثة! ". وما كان يتصوَّر حكم المسلمين إلا ملكا حتى في أيام محمد، (وأظن أنا أنه من الأدب أن أقول: ﷺ )، فقد وقف ينظر إلى جيوش الإسلام يوم فتح مكة، ويقول للعباس ابن عبد المطلب: "والله يا أبا الفضل، لقد أصبح ملك ابن أخيك أليوم عظيما"، فلما قال له العباس. إنها النبوّة! قال: نعم إذن! . . .
"نعم إذن! وإنها لكلمة يسمعها بأذنه فلا يفقهها قلبه، فما كان مثل هذا القلب ليفقه إلا معنى الملك والسلطان".
ثم يقول عن هند بنت عتبة أم معاوية.
стр. 1034
١١ - "ذلك أبو معاوية. فأما أمه هند بنت عتبة، فهي تلك التي وقفت يوم أحد، تلغ في الدم إذ تنهش كبد حمزة كاللبؤة المتوحشة، لا يشفع لها في هذه الفعلة الشنيعة حق الثأر على حمزة، فقد كان قد مات. وهي التي وقفت بعد إسلام زوجها كرها بعد إذ تقررت غلبة الإسلام تصيح. "اقتلوا الخبيث الدنس الذي لا خير فيه. قُبّح من طليعة قوم! هلا قاتلتم ودفعتم عن أنفسكم وبلادكم؟ ".
* * *
هؤلاء أربعة من أصحاب رسول الله ﷺ ، يذكرهم كاتب مسلم، بمثل هذه العبارات الغريبة النابية! بل زاد، فلم يعصم كثرة بني أمية من قلمه، فطرح عليهم كلّ ما استطاع من صفات تجعلهم جملة واحدة، برآء من دين الله؛ ينافقون في إسلامهم، وينفون من حياتهم كل عنصر أخلاقى! كما سماه. وأنا لن أناقش الآن هذا المنهج التاريخى، فإن كلّ مدع يستطيع أن يقول: هذا منهجى، وهذه دراستى. بل غاية ما أنا فاعل أن أنظر كيف كان أهل هذا الدين، ينظرون إلى هؤلاء الأربعة بأعيانهم، وكيف كانوا -هؤلاء الأربعة- عند من عاصرهم ومن جاء بعدهم من أئمة المسلمين وعلمائهم. وأيضًا فإني لن أحقق في هذه الكلمة فساد ما بُنى عليه الحكم التاريخيّ العجيبُ، الذي استحدثه لنا هذا الكاتب، بل أدعه إلى حينه.
فمعاوية بن أبي سفيان ﵁، أسلم عام القضية؛ ولقى رسول الله ﷺ مسلمًا؛ وكتم إسلامه من أبيه وأمه. ولما جاءت الردة الكبرى؛ خرج معاوية في هذه القلة المؤمنة التي قاتلت المرتدّين؛ فلما استقر أمرُ الإسلام وسير أبو بكر الجيوش إلى الشام سار معاوية مع أخيه يزيد بن أبي سفيان ﵁. فلما مات يزيد في زمن عمر بن الخطاب ﵁ قال لأبى سفيان: أحسن الله عزاءك في يزيد. فقال أبو سفيان. من ولّيت مكانه؟ قال. أخاه معاوية. قال: وصلتك رحم يا أمير المؤمنين. وبقى معاوية واليا لعمر على عمل دمشق. ثم ولاه عثمان الشام كلها؛ حتى جاءت فتنة مقتل عثمان؛ فولى معاوية دم عثمان لقرابته؛ ثم كان بينه وبين على ما كان.
стр. 1035
ويروى البخاري: (٥: ٢٨) أن معاوية أوتر بعد العشاء بركعة وعنده مولى لابن عباس، فأتى ابن عباس، فقال: دعه فإنه صحب رسول الله ﷺ . وقال في خبر آخر: هل لك في أمير المؤمنين معاوية فإنه أوتر بواحدة، فقال ابن عباس: إنه فقيه. وروى أحمد في مسنده (٤: ١٠٢) عن مجاهد وعطاء عن ابن عباس أن معاوية أخبره أن رسول الله ﷺ قصر شعره بمشقص (١). فقلت لابن عباس: ما بلغنا هذا الأمر إلا عن معاوية! فقال: ما كان معاوية على رسول الله ﷺ متهمًا. وعن أبي الدرداء: ما رأيت أحدًا بعد رسول الله ﷺ أشبه صلاة برسول الله ﷺ من أميركم هذا يعني معاوية (مجمع الزوائد ٩: ٣٥٧). وروى أحمد في مسنده (٤: ١٠١) عن أبي أمية عمرو بن يحيى بن سعيد عن جده أن معاوية أخذ الإداوة (٢) بعد أبي هريرة يتبع رسول الله ﷺ بها، واشتكى أبو هريرة، فبينا هو يوضئ رسول الله ﷺ رفع رأسه إليه مرة أو مرتين فقال: يا معاوية؛ إن وليت أمرًا فاتق الله واعدل. قال معاوية: فما زلت أظن أنى مبتلى بعمل لقول النبي ﷺ حتى ابتُليتُ. وروى أحمد في مسنده (٤: ١٢٧) عن العرباض بن سارية السلمى قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو يدعونا إلى السحور في شهر رمضان: هلموا إلى الغداء المبارك! ثم سمعته يقول: اللهمّ علم معاوية الكتاب والحساب وقِه العذاب. وروى أحمد في مسنده (٤: ٢١٦) عن عبد الرحمن ابن أبي عميرة عن النبي ﷺ أنه ذكر معاوية فقال: "اللهم اجعله هاديًا مهديًّا واهد به".
هذا بعض ما قيل في معاوية ﵁، وفي دينه وإسلامه. فإن كان هذا الكاتب قد عرف واستيقن أن الروايات المتلقفّة من أطراف الكتب تنقض هذا نقضا حتى يقول إنّ الإسلام برئ منه، فهو وما عرف. وإن كان يعلم أنه أحسنُ نظرًا ومعرفة بقريش من أبي بكر حين ولّى يزيد بن أبي سفيان، وهو من بني أمية، وأنفذ بصرًا من عُمرَ حين ولّى معاوية. فهو وما علم! وإن كان يعلم أنّ معاوية لم
стр. 1036
يُقاتل في حروب الردّة، إلّا وهو يضمر النفاق والغدر، فله ما علم. وإن كان يرى ما هو أعظمُ من ذلك؛ أنه أعرف بصحابة رسول الله ﷺ ، من رسول الله الذي كان يأتيه الخبر من السماء بأسماء المنافقين بأعيانهم، فذلك ما أعيذه مِنهُ أن يعتقده أو يقوله. ولكن لينظر فرق ما بين كلامه وكلام أصحاب رسول الله عن رجل آخر من أصحابه، ثم ليقطع لنَفسه ما شاء من رحمة الله أو من عذابه. ولينظر أيهما أقوى برهانًا في الرواية هذا الذي حدثنا به أئمة ديننا، أم ما انضمَّت عليه دفَّتا كتاب من عُرْض كتب التاريخ، كما يزعمون. ولينظر لنفسه حتى يرجّح رواية على رواية، وحديثًا على حديث، وخبرًا على خبر، وليعلم أن الله تعالى أدّب المسلمين أدبًا لم يزالوا عليه منذ كانت لدين الله الغلبة، حتى ضرب الله على أهل الإسلام الذّلة بمعاصيهم وخروجهم عن حدّ دينهم، واتباعهم الأمم في أخلاقها وفي فكرها وفي تصورّها للحياة الإنسانية. يقول ربُّنا سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ ويقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ ويقول ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. ولينظر أنّى له أن يعرف أن معاوية كان يعمل "بوحي الجاهلية لا الإسلام"، وأنه بعيد الروح عن حقيقة الإسلام، وأن الإسلام لم يَعمُر قلبه، وأنه خنق روح الإسلام هو وبنو أبيه، وأنه هو وعمرو بن العاص ومن على شاكلتهم، لا يمسكهم خُلق ولا دين ولا ضمير، وأن في أسلاخ معاوية وبنى أمية جريمة أي جريمة على الإسلام والمسلمين، وأنه يخيس بالعَهد ويجهر بالكبيرة جهرة المتبجحين، وأنه ما لمعاوية وهذا الإسلام؟ وأنه ينفي العنصر الأخلاقى من سيرته ويجعل مال الله للرشى واللهي وشراء الذمم، وأنه هو وبنو أمية آمنوا على حرف حين غَلب الإسلام.
* * *
أما أبو سفيان ﵁، فقد أسلم ليلة الفتح، وأعطاه رسول الله من غنائم حنين كما أعطى سائر المؤلفة قلوبهم فقال له: والله إنك لكريم فداك أبي
стр. 1037
وأمى، والله لقد حاربتك فلنعم المحارب كنت، ولقد سالمتك فنعم المسالم أنت، جزاك الله خيرًا. ثم شهد الطائف مع رسول الله، وفقئت عينه في القتال، ولاه رسول الله ﷺ نجران، ورسول الله لا يولى منافقًا على المسلمين، وشهد اليرموك، وكان هو الذي يحرض الناس ويحثهم على القتال. وقد ذكر الكاتب فيما استدلّ به على إبطان أبي سفيان النفاق والكفر أنه كان يستبشر بهزيمة المسلمين في يوم حنين، وفي قتال المسلمين والروم فيما بعد، وهذا باطل مكذوب. وسأذكر بعد تفصيل ذلك. أما قول أبي سفيان للعباس "لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيما! " فقال العباس إنها النبوة! فقال أبو سفيان: فنعم إذن. فهذا خبر طويل في فتح مكة، قبل إسلامه، وكانت هذه الكلمة "نعم إذن" أول إيذان باستجابته لداعى الله، فأسلم ﵁ وليست كما أولها الكاتب: "نعم إذن. وإنها كلمة يسمعها بأذنه فلا يفقهها قلبه، فما كان مثل هذا القلب ليفقه إلا معنى الملك والسلطان"، إلّا أن يكون الله كشف له ما لم يكشف للعباس ولا لأبى بكر ولا لعمر، ولا لأصحاب رسول الله من المهاجرين والأنصار. وأعوذ بالله من أن أقول ما لم يكشف لرسول الله ونبيه ﷺ .
وعن ابن عباس أن أبا سفيان قال: يا رسول الله ثلاثًا أعطنيهنّ. قال: نعم قال: تؤمرنى حتى أقاتل الكفار كما قاتلتُ المسلمين. قال: نعم. قال: ومعاوية تجعلُه كاتبًا بين يديك. قال: نعم. وذكر الثالثة، وهو أنه أراد أن يزوّج رسول الله ﷺ بابنته الأخرى عزّة بنت أبي سفيان، واستعان على ذلك بأختها أم حبيبة فقال: "إن ذلك لا يحلُّ لي".
وأما هند بنت عتبة أم معاوية ﵄ فقد روى عن عبد الله بن الزبير (ابن سعد ٨: ١٧١) قال: لما كانَ يوم الفتح أسلمت هند بنت عتبة ونساء معها وأتين رسول الله وهو بالأبطح فبايعنه، فتكلمت هند فقالت: يا رسول الله! الحمد لله الذي أظهر الدين الذي اختاره لنفسه. لتنفعني رحمُك يا محمد! إني امرأةٌ مؤمنة بالله مصدقةٌ برسوله. ثم كشفت عن نقابها وقالت: أنا هند بنت عتبة. فقال رسول الله: مرحبًا بك. فقالت: والله ما كان على الأرض أهل خباء
стр. 1038
أحبّ إليّ من أن يذلُّوا من خبائك، ولقد أصبحتُ وما على الأرض أهل خباء أحبّ إليّ من أن يعزّوا من خبائك. فقال رسول الله: وزيادة. . . قال محمد بن عمر الواقدى: لما أسلمتْ هندُ جعلت تضربُ صَنمًا في بيتها بالقدوم حتى فلّذته فلذة فلذة وهي تقول: كنّا منك في غرور. وروى البخاري هذا الخبر عن أم المؤمنين عائشة (٥: ٤٠).
فهل يعلم عالمٌ أن إسلام أبي سفيان وهند كان نفاقًا وكذبًا وضغينة؟ لا أدري. ولكن أئمتنا من أهل هذا الدين لم يطعنوا فيهم، وارتضاهم رسول الله ﷺ وارتضى إسلامهم. وأمّا ما كان من شأن الجاهلية، فقل رجُلٌ أو امرأةٌ من المسلمين لم يكنْ له في جاهليته مثل ما فعل أبو سفيان، أو شبيهٌ بما يروى عن هندٍ إن صحَّ.
وأما عمرو بن العاص، فقد أسلم عام خيبر قدم مهاجرًا إلى الله ورسوله، ثم أمّره رسول الله ﷺ على سرية إلى ذات السلاسل يدعو بليًّا إلى الإسلام، ثم استعمله رسول الله على عمان فلم يزل واليًا عليها إلى أن توفيَ رسول الله ﷺ . ثم أقره عليها أبو بكر ﵁ ثم استعمله عمر. وروى الإمامُ أحمد في مسنده (٢: ٣٢٧، ٣٥٣، ٣٥٤) من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ابنا العاص مؤمنان" يعني هشامًا وعمرًا. وروى الترمذي وأحمد في مسنده (٤: ١٥٥) عن عقبة بن عامر الجهني: سمعت رسول الله ﷺ يقول: أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص. وروى أحمد في مسنده (١: ١٦١) عن طلحة بن عبيد الله قال: ألا أخبركم عن رسول الله بشيء؟ ألا إني سمعته يقول: عمرو بن العاص من صالحي قريش. ونعم أهل البيت أبو عبد الله، وأم عبد الله، وعبد الله.
فإذا كان جهاد عمرو، وشهادة أصحاب رسول الله ﷺ ، وتولية رسول الله ثم أبي بكر ثم عمر، لا تدل على شيء من فضل عمرو بن العاص، ولا تدل على نفي النفاق في دين الله عنه، فلا ندري بعد ما الذي ينفع عمرًا في دنياه وآخرته؟ ولست أتصدى هنا لتزييف ما كتبه الكاتب من جهة التاريخ، ولا من جهة
стр. 1039
المنهاج، ولكني أردت كما قلت أن أبين أن الأصل في ديننا هو تقوى الله وتصديق خبر رسول الله وأن أصحاب محمد ﷺ ليسوا لعانين ولا طعانين ولا أهل إفحاش، ولا أصحاب جرأة وتهجم على غيب الضمائر، وأن هذا الذي كانوا عليه أصل لا يمكن الخروج منه، لا بحجة التاريخ، ولا بحجة النظر في أعمال السابقين للعبرة واتقاء ما وقعوا فيه من الخطأ.
ولو صح كل ما يذكر مما اعتمد عليه الكاتب في تمييز صفات هؤلاء الأربعة، وصفة بني أمية عامة، لكان طريق أهل الإسلام أن يحملوه على الخطأ في الاجتهاد من الصحابي المخطئ ولا يدفعهم داء العصر أن يوغلوا من أجل خبر أو خبرين في نفي الدين والخلق والضمير عن قوم هم لقرب زمانهم وصحبتهم لرسول الله ﷺ ، أولى أهل الإسلام بأن يعرفوا حق الله وحق رسوله، وأن يعلموا من دين الله ما لم يعلمه مجترئ عليهم طعان فيهم.
وأختم كلمتى هذه بقول النووي في شرح مسلم (١٦: ٩٣) "اعلم أن سبَّ الصحابة ﵃ حرام من فواحش المحرمات، سواء مَن لابَسَ الفتن منهم وغيره، لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأولون. وقال القاضى: سب أحدهم من المعاصى الكبائر. ومذهبنا ومذهب الجمهور أن يعزر ولا يقتل. وقال بعض المالكية يقتل". وأسدى النصيحة لمن كتب هذا وشبهه أن يبرأ إلى الله علانية مما كتب وأن يتوب توبة المؤمنين مما فرط منه، وأن ينزه لسانه، ويعصم نفسه، ويطهر قلبه، وأن يدعو بدعاء أهل الإيمان ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة الحشر: ١٠].
من أجل هذا أقول: إن خلق الإسلام، هو أصل كل منهاج في العلم والفهم، سواء كان العلم تاريخًا أو أدبًا أو اجتماعًا أو سياسة. وإلا فنحن صائرون إلى الخروج عن هذا الدين، وصائرون إلى تهديم ما بناه أصحاب رسول الله ﷺ ، وإلى جعل تاريخ الإسلام حشدًا من الأكاذيب الملفقة، والأهواء المتناقضة،
стр. 1040
والعبث بكل شيء شريف ورثتنا إياه رحمة الله لهم وفتح الله عليهم، ورضاه عن أعمالهم الصالحة، ومغفرته لهم ما أساءوا، ﵃ وغفر لهم وأثابهم بما جاهدوا وصبروا، وعلموا وعلّموا. وأستغفر الله وأتوب إليه.
* * *
طلب الدراهم من الحجارة !
قال أبو معاوية: لقد رأيتنى أنضح أول النهار، وأضرب آخر النهار على بطنى بالمعول. فقيل له: لقد لقيت مؤونة! قال: أجل، إنا طلبنا الدراهم من أيدي الرجال ومن الحجارة، فوجدناها من الحجارة أسهل علينا.
стр. 1041
ألسنَةُ المفترين
ممَّا يُسْتخرَج به الضَّحِك أن يحدّثك المحدّث أو الكاتب بشئٍ سخيفٍ لا يُعْقَل، وهو يُبْدى لكَ الجدّ كل الجدّ فيما يحدِّثُ أو يكتب. ولكنه عندئذٍ لا يريدُ إلّا إضحاكك. فإذا جاءَ امرؤ يفعَل ذَلك وهو لا يريدُ إلا الجدّ، لأنّه قد بَنَى حديثَه عليه عند نفسه وعند سامعه أو قارئه، فهذا هو المضحك المحزنُ معًا. ولكن من العجيب أن يَكون هذا السَّمْتُ الأخيرُ، هو سمْت أكثر الذين يكتبون اليوم في تاريخ الإسلام. ومن البلْوى أن يأتي هذا في زمنٍ أصبحنا فيه وأصبح الناس، وكلّ حرف مكتوبٍ يُعدُّ عندهم كأنه تنزيلٌ يتلقوْنه بالثقة والتسليم لا يكادُ امرؤ مِنهم ينظر في مأتاهُ من أين أتى، ولا في منتهاهُ إلى أين ينتهي. فإذا اجتمع إلى هذه البلوى بلْوى الهوى المخلوط بالغلوِّ، خرجَ الأمرُ كله من الضَّحِك والحزنِ، إلى الهلاكِ المطبق الذي يغتال العقول والنفوس جميعًا.
يرى الكاتب ذو الهوى خبرًا أو أخبارًا، فلا يدفعه هواهُ إلا إلى أخذ أقربها موافقة لهواه، ويمنعُه الهوى من التمييز، ويحمله التعبُّد للحرف المكتوب أن يغمِض كل بصيرةٍ عن مواضع الدَّخل والغشّ والزَّيْف فيما كُتِب، وتشتدُّ البلوى حين ينتصب لهذا التزوير المدمِّر رجالٌ يلبسون للناس ثيابَ الغيرة على دين ربهم، والحمية لماضي أمتهم، والجهادِ في سبيل إعزاز هذا الدين بأنفسهم وألسنتهم. وتجتمع عليهم وعلى الناس صواعق الهلاك، حين يخدع عامة الناس أمرُهم، فيتلقوْن عنهم معاني وأحكامًا وأخبارًا، وما شئتَ من حصائد الألسنة، على غير هُدًى ولا بيّنةٍ. فيوشك أمر الناسِ أن ينتهي إلى الردَّةِ الماحقة، والكفر المستعلِن. كما مضى مثل الأوَّلين، الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، حين استنصحوا الأحبار والرهبان فأطاعوهم على غير هدى ولا بينة ولا كتاب منير.
وقبل أن أفضى إلى الأمثلة التي تبين عن الفساد والضلال، أحبُّ أن يعلم من
стр. 1042
لم يكن يعلم، أن أسلافنا ﵃ وغفر لهم، منذ ألفوا كتبهم، وضعوا لها قواعد يعرفها أهل هذا العلم، ويجهلها من جنح عن أصولهم وعمى عليه طريقهم. فهم منذ بدأوا يكتبون أسسوا كتبهم على إسناد الأخبار إلى رواتها، وبَرئِوا من عهدة الرواية بهذا الإسناد، ولم يبالوا بعد ذلك أن يكون الخبرُ صحيحًا أو ضعيفًا أو زائدًا أو ناقصًا أو موضوعا مكذوبا؛ لأنهم كانو يعلمون حال الرُّواة ومنازلهم من الصدق والكذب، ومن الورَع والاستخفاف، ومن الأمانة والهوى. وكأنهم أرادوا بهذا أن يجعلوا كتبهم في التاريخ وغير التاريخ سجلا لما قد قيل في زَمانهم وما قبل زمانهم، وما كان يقوله قومٌ، وما كان يقوله آخرون، مهما تعارض القولان أو اختلفا أو تناقضا. وتركوا للعلماء تمييز الحق من الباطل، والصدق من الكذب، على أساسهم المشهور، وهو معرفة الرجال الذين رووا هذه الأخبار أو تكذّبوها. هذا الطبري مثلا (توفي سنة ٣١٠) يقول في فاتحة كتابه في التاريخ: "فما يكن في كتابى هذا من خبر ذكرناهُ عن بعض الماضين، مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجها صحيحًا، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يُؤت في ذلك من قِبَلنا، وإنما أتى من بعض ناقليه إلينا، وإنما أدينا ذلك على نحو ما أدَّى إلينا". ومن عرف كتابه وكتب القوم، علم يقينًا صدق ما يقول، فإنه يأتي بالخبر لا يصحُّ أبدًا، وبالخبر الصحيح الذي لا شك فيه، ولا يعرض لهما. بتصديق أو تكذيب، ثم تراه في موضع آخر قد احتاج إلى البيان عن حال هذين الخبرين، فعندئذ يميز لك ما هو صحيح عنده وما هو باطلٌ من هذين الخبرين. فهو كما قال، إنما يؤدّى إلى الناس ما أدَّى إليه. وكان الناسُ على عهدهم أهل دين وتقوى، لا يستحل امرؤ منهم -إلا من ضلَّ- أن يحتج في دين الله، ولا في تاريخ الناس والحكم عليهم، بخبر لا يدري أصدق قائله فيما روى أم كذب. ثم جاء من بعدهم قوم خلطوا عامة الأخبار بلا إسناد إلى رواتها، فاجتمع الغث والسمين والصحيح والسقيم، والصادق والمكذوب. ولكن لم يزل دين الناس يعصمهم من شر هذا الخلط المضل، فأمسكوا ألسنتهم عن الخوض في المطاعن والمثالب بلا بينة ولا حجة. فلما جاء
стр. 1043
زماننا هذا، بَشِع الأمر وقبُح. فإن الناس قد هجروا أدب دينهم، ومروءة أسلافهم، وعلم كتبهم، واقتحموا بالجهالة على الظنون المردية، واستخفهم الهوى حتى أخذوا الباطل وعارضوا به الحق بلا تمحيص ولا رواية ولا فهم. وشابهوا زمن هذه الحضارة الغالبة عليهم؛ فاجترؤا وتهوروا واستغلظوا معاني وألفاظًا يتقاذفونها في ألسنتهم وكتُبهم، وقد نفى الشيطان من قلوبهم كلّ معاني الوَرَع ومخافة العذاب يوم القيامة، حتى قذفوا بالغيب من مكانٍ بعيدٍ، واجترأوا على أصحاب رسول الله ﷺ بأوهامهم وأهوائهم فأفحشوا القالة فيهم وفيمن تبعهمِ، بلا معرفة ولا تخوّفٍ، وربّ العالمين ينذرهم فيما يتلون من كتابه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [سورة الأحزاب: ٥٨].
أفتراهم يحسبون أنَّ الله حرّم عليهم أعراض عبادِه الأحياءِ، وأباحَ لهم أعراض عباده الموتَى، بعد أن أفضوا إلى ربهم بأعمالهم وغيبهم وما قدَّموا من حسنات وسيئات؟ ! ألا فليعلموا أن الميت أولى بأن تكفَّ عنه ألسنة المفترين مِنَ الحيّ، فإنه لا يدفع عن نفسه، وليتقوا عذاب ربهم، فإنّ الذي لا يملك أن يدفع عن نفسه، يدفع عنه ربُّ العالمين الذي أحصى كل شيء خلَقه ثم يحكم بينهم بالعدل وهو العليم القدير.
* * *
وأعود إلى هذا الكاتب الذي طرح لسانه في معاوية بن أبي سفيان وأبيه وأمه، وفي عمرو بن العاص، وفي عامة بني أمية، ووصفهم وصفًا آذاهم بغير ما اكتسبوا. وأنا لن أجادله في صواب ما يدَّعى أو خطئه، ولن أتعرض لتزييف أحكامه وأحكام أشباهه من الطاعنين بألسنتهم في أعراض المؤمنين حتى يخرجوهم من الدين، وينسبوهم إلى التغيير والتبديل. بل أريد أن أعرض على الناس بعض ما يروى، حتى أعرف لم ترك خبرًا وأخذ آخر؟ ولم صدق رواية وأعرض عن أخرى؟ ولم وضع قاعدة في أمر ثم أغفلها في مثله؟
كان مما جعله من سيئات معاوية ﵁ في سياسة الحكم توليته يزيد
стр. 1044
ابن معاوية فروى أن يزيد "كان فتى شراب ولهو يبلغ فيه إلى حدِّ التفاهة، فيعني بتدليل القرود وتربيتها، أكثر مما يعني بسياسة الحكم ومصالح الرعية. . . إلى نزق وطيش وفتون". ومن المفيد أن أنقل مع هذا أيضا قول قائل آخر في صفة يزيد "ويزيد هذا شاب خليع لا يصلح أن يلى أمر مدرسة ابتدائية، بله أن يقف على منبر الرسول، ويحل مكان أبي بكر وصحبه".
وما كنت أظن قط أن عاقلا يرتضى لنفسه مثل هذا الزلل، فإن معاوية عند هؤلاء إنما دبر الأمر تدبيرًا هو وعمرو بن العاص وأشباههما (كما يقول)، حتى يأخذ الخلافة فيجعلها ملكا عضوضًا لبنى أمية أو بني عبد شمس. فالذي يفعل ذلك، ويستخلص الملك لنفسه وأهله من جمهور أصحاب رسول الله ﷺ ، ليقيم عرش بني أمية على أكبر رقعة من الأرض متباعدة الأطراف، لا يفعل ذلك إلا وهو يريد المحافظة على هذا العرش وحياطته وتدبيره حتى يصبح ملكًا متوارثًا فيما يزعمون. هذا صريح العقل فيما أظن. فهب أن معاوية ﵁ كان فاسد الدين مبدلا مغيرا مفتاتًا على أهل الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، أفكان أيضا فاسد العقل والتدبير؟ ولو كان فاسد العقل والتدبير، فكيف استطاع أن يصل إلى حكم أهل الشام عشرين عامًا في ولايته وعشرين أخرى في خلافته؟ وأي فساد في عقل إنسان يجاهد بسوء نيته عشرين عامًا لإقامة ملك عضوض، ثم يورث هذا الملك شابا يصفه واصف بأنه فتى لهو وشراب يبلغ إلى حد التفاهة، يعني بتربية القرود وتدليلها أكثر مما يعني بسياسة الحكم ومصالح الرعية، إلى نزق وطيش! ! ويصفه آخر مثله بأنه شاب خليع لا يصلح أن يلى مدرسة ابتدائية بله أن يقف على منبر الرسول ( ﷺ )، ويحل محل أبي بكر وصحبه (﵃)! ! أليس هذا عجبًا عاجبًا؟ ولكن لا عجب في زماننا مع الأسف! ولا عجب مع اللجاجة والهوى وافتراء الألسنة وتهور الأقلام! ومن العبث عندي أن يجادل المرء أمثال هؤلاء. وسأتناول الآن كتابا للبلاذُرِى (توفي في نحو سنة ٢٨٠)، ويقول عنه مؤرخوه إنه كان "عالمًا فاضلا شاعرًا راوية نسابة متقنا، وكان مع ذلك كثير الهجاء بذئ اللسان أخِذ الأعراض". فإذا البلاذرى هذا
стр. 1045
الذي وصفوه بما وصفوه، يروى في أول ترجمته ليزيد بن معاوية عن رواة وصفهم علماء الرجال بأنهم من الكذابين والوضاعين ومن المتشيعين الغلاة فيقول:
"كان يزيد بن معاوية أول من أظهر شرب الشراب، والاستهتار بالغناء والصيد، واتخاذ القيان والغلمان، والتفكه بما يضحك منه المترفون، من القرود والمعاقرة بالكلاب والديكة. ثم جرى على يده قتل الحسين وقتل أهل الحرة، ورمى البيت وإحراقه. وكان مع هذا صحيح العقدة فيما يُروى، ماضي العزيمة، لا يهم بشيء إلا ركبه" ثم ذكر أخبارًا في لعبه بالقرود وشربه الخمر. ثم ذكر بعد ذلك بإسناده قال: "قال رجل لسعيد بن المسيَّب: أخبرني عن خطباء قريش. قال: معاوية وابنه يزيد. . . .". ثم روى بعد أسطر عن المدائنى عن عبد الرحمن ابن معاوية قال: قال عامر بن مسعود الجمحي: إنا لبمكة إذ مر بنا بريد ينعى معاوية، فنهضنا إلى ابن عباس وهو بمكة وعنده جماعة، وقد وضعت المائدة ولم يؤت بالطعام. فقلنا له: يا أبا العباس، جاء البريد بموت معاوية. فوجم طويلا ثم قال: اللهم أوسع لمعاوية. أما والله ما كان مثل من قبله ولا يأتي بعده مثله، وإن ابنه يزيد لمن صالحي أهله. فالزموا مجالسكم، وأعطوا طاعتكم وبيعتكم. هات طعامك يا غلام". ويروى أيضًا: "أن سبب وفاة يزيد أنه حمل قرده على الأتان وهو سكران ثم ركض خلفها، فسقط، فاندقت عنقه، أو انقطع في جوفه شيء" ثم يعود بعد ستين صحيفة يروى أيضًا "وكان سبب موت يزيد أنه ركض فرسا فسقط عنه وأنه أصابه قطع، ويقال: إن عنقه اندقت". هذا ضرب من الرواية لا يشك شاك أن بعضه يناقض بعضًا في كتاب واحد، فابن عباس، وهو أعلم قريش بقريش، يقول عن يزيد إنه من صالحي أهله، والذي يروى خبر استهتاره بالغناء والخمر والقرود، يختم كلامه بأنه "كان مع هذا صحيح العقدة فيما يرى" أي صحيح الاعتقاد والإيمان، وأنه كان "ماضي العزيمة لا يهم بشيء إلا رَكِبه" فأين هذا من الذي استباح لنفسه أن يجعله بالغًا حد التفاهة والنزق والطيش، ومن الذي جعله "لا يصلح أن يلى أمر مدرسة ابتدائية"؟ وأين هذان من سعيد بن المسيب، الذي عده هو وأباه من خطباء قريش؟ أفيكون الفتى التافه الخليع
стр. 1046
الطياش، خطيبًا معدودًا في خطباء العرب، إلا إذا كان سعيد يعد من الخطباء أولئك المتشدقين الثرثارين كخطباء عصرنا هذا!
ثم يكون ماذا إذا وجدنا منا يروى كلام من يصف يزيد بما زعموه من شرب الخمر واللعب بالقرود، ثم يعقب فيروى أن أهل المدينة لما رجعوا من عند يزيد: "مشى عبد الله بن مطيع وأصحابه إلى محمد بن الحنفية (وهو محمد بن على ابن أبي طالب ﵄)، فأرادوه على خلع يزيد، فأبى عليهم، فقال ابن مطيع: إن يزيد يشربُ الخمر، ويترك الصلاة، ويتعدّى حكم الكتاب. فقال: ما رأيتُ منه ما تذكرون، وقد حضرته وأقمت عنده فرأيته مواظبًا على الصلاة، متحرِّيًا للخير، يسأل عن الفقه، ملازمًا للسنة. قالوا: فإن ذلك كان منه تصنعًا لك. فقال: وما الذي خاف مني أو رجا حتى يظهر إليّ الخشوع؟ أفأطلعكم على ما تذكرون من شرب الخمر؟ فلئن كان أطلعكم على ذلك إنكم لشركاؤه، وإن لم يكن أطلعكم فيما يحل لكم أن تشهدوا بما لم تعلموا. قالوا: إنه عندنا لحقُّ وإن لم نكن رأيناه! فقال لهم: أبى الله ذلك على أهل الشهادة فقال: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الزخرف: ٨٦]، ولست من أمركم في شيء. قالوا: فلعلك تكره أن يتولى الأمر غيرك، فنحن نوليك أمرنا. قال: ما أستحل القتالَ على ما تريدوننى عليه تابعًا ولا متبوعًا. قالوا: فقد قاتلتَ مع أبيك؟ قال جيئونى بمثل أبي أقاتل على مثل ما قاتل عليه. فقالوا: فمر ابنيك أبا القاسم والقاسم بالقتال معنا. قال: لو أمرتهما قاتلت. قالوا: فقم معنا مقامًا تحضُّ الناسَ فيه على القتال. قال: سبحان الله! آمر الناس بما لا أفعله ولا أرضاه! إذنْ ما نصحتُ لله في عباده. قالوا: إذن نُكرهك! قال: إذنْ آمُر الناسَ بتقوى الله ولا يُرضون المخلوق بسُخْط الخالق. وخرج إلى مكة". فهذه شهادة رجُل قاتل معاوية نفسه، وخليق أن يُعدّ عدوًّا له ولملكه فيما يزعمون.
فما الذي جعل هؤلاء يرجحون هذه الروايات عن فسق يزيد وفجوره، على صلاح أمره وتستُّره؟ لا أدري!
فهذه الأخبارُ كلها موجودة مذكورة مروية في كتب التاريخ، فبأي حجة
стр. 1047
يحتجُّ الآخذ فيما أخذ، والتارك فيما ترك؟ لست أدري أيضًا. فإما أن يفعل هؤلاء المتدسّسون إلى التاريخ ما فعل أوائلهم من جمع الغث والسمين والصحيح والسقيم، ثم يكفوا ألسنتهم عن المعابة والإقذاع وسوء الأدب، وإما أن يأتوا الناس بحجة أو بيان يُرجّح أقوالهم فيما قالوا وما اختاروا من الروايات. وإلّا فإنَّ الله ربهم آخذهم فمحاسِبهم فمعطيهم نَصيبهم من العذاب الذي أنذر به من آذى المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا. وأنا أكتب هذا لقوم وصفتهم بأنهم يلبسون للناس ثياب الغيرة على الدين، والحمية لماضي سلفهم. ولو كنتُ أعلم أنى أكتب للزنادقة أو للمتبرئين من دين ربهم، لكان لما أكتب شأن آخر، وطريق غير هذا الطريق. ومع ذلك، فإني سوف أرتكبُ لهم فيما بعد طريقًا أنفي به الدَّخل والفساد والتزوير في تاريخ سلفي ﵃ وغفر لهم ما قدموا من سيئ وأثابهم بما فعلوا من صالح. ولستُ أكتب هذا دفاعًا عن يزيد، فإن يزيد نفسه دافع يومًا ما عن نفسه فيما ترويه كتب التاريخ التي ينقلون عنها، أو قُلْ يدلسون بالنقل عنها، إذ سمع قالة الخارجين عليه والكارهين لخلافته أو ولايته إذ قالوا: "إنه رجل ليس له دين، يشرب الخمر، ويعزف بالطنابير، ويضرب عنده القيان، ويلعبُ بالكلاب، ويُسامر الخرَّاب والفتيان". وبلغه أن المنذر بن الزبير، انطلق من عنده بعد أن أكرمه وأحسن إليه، فانحاز إليهم، فقال بمثل قولهم فأكثر وقال: "إنه يشربُ الخمرَ ويسكرُ، حتى يدع الصلاة". فقال يزيد: "اللهمَّ إني آثرته وأكرمته ففعل ما قد رأيتَ، فاذكرهُ بالكذبِ والقطيعة". لم يملك يَزيدُ إلّا أن يلجأ إلى ربه ليذكر هؤلاء بالكذب وقطيعة الأرحام. وماذا ينفع الدفاعُ عن النفس مع منْ لا يتورّعُ من كذب، ولا يتجافى عن قذفِ الناس بما يعلم أنه ليس فيهم؟
وأقول مرة أخرى أن ليس همى أن أدفع عن يزيد، ولا أن أصحح كتابة التاريخ. ولكني أكشف عن أصحابِ الأهواء الذين يتغلغلون بين الناس، وينفثونَ فيهم داءَ الهوى والعصبية، حتى يقعوا في أعراض عبادِ الله بالمذمّة والإقذاع وبسطة اللسان، فاتبعوا بذلك طريق الرافضة أهل الغلوّ والعداوة لأصحاب محمد
стр. 1048
رسول الله ﷺ . فلو شاء هذا الكاتب أن يحقق معنى العدل والدينِ فيما يكتبُ، لوجد الطريق واضحًا لا يضطرب عليه، ولكنه ركب أهواء الرافضة حيث رَكِبوا، فأخذ ما حمله له الهَوى من الطعن في يزيد ليطعن أباه ﵁ وغفر له، وهو يعلم أنه أحدُ أصحاب رسول الله ﷺ . نعم ليس من أدب أهل المروءة، ولا أقول الدين أن يؤخذ الوالد بجريرة ولده، إلا ببينة لا تردُّ، ولكنه فعل. لا بل فعل أيضًا ما هو أكبر من ذلك في سبيل الطعن على رجل كان ينبغي أن يمسك لسانه عنه في الخطأ الظاهر، لأنه أحد أصحاب رسول رب العالمين، فإن لم يستطع أن يمسك لسانه فليطلقه بالاستغفار لهُ كما أمره ربه أن يستغفر لأصحاب رسول الله ﷺ . نعم ليس من أمانة التاريخ في شيء، بل ليس من أمانة العقل في شيء، بل ليس من أمانة الإنسان مجردًا من كل دين يتبعُه، أن يرفُضَ الروايات الصحيحة والأخبار المحكمة، لخبر مجهول لم يوجد إلا في كتاب طعَّان معروف بثلب عدوٍّ له، ويرفضها كلها لقاعدة أقامَ عليها رفضه، هي أن هذه الروايات الصحيحة والأخبار المحكمة إنما أشيعت بعد الظفر بالملك، أشاعها الأنصارُ والأتباع، كما يفعل سائر الدعاة. ثم لا يتوقى أن يكون الطعن والسلب من العدو، هو أيضًا من إشاعة الأعداء والمفترين، كما يفعلُ سائر الدعاة حين يريدون التشنيع على أعدائهم والوقيعة فيهم، وصرْف الناس عنهم، وهاك المثل.
يقول هذا الكاتب: "بَقى ما اشتهر خطأ من أن معاوية كان كاتب الوَحْى لرسول الله. فالصحيح أنّ أبا سفيان حين أسلم، رجَا النبيّ ( ﷺ ) في أن يسند إلى معاوية شيئًا يعتزُّ به أمام العرب، ويعوّض عن سُبّة التأخر في الإسلام، وأنه من الطلقاء الذين لا سابقة لهم في الإسلام، فاستخدمه النبيُّ ﷺ في الرسائل والحوائج والصدقات. ولم يقل أحدٌ من الثقات: إنهّ كتب للنبى شيئًا من الوحي، كما أشاعَ أنصارُه بعد استقرار الملك، كما يصنَعُ سائر الدعاة! ". سبحان الله! "لم يَقُل أحدٌ من الثِّقات"؟ فأين الثقات الذين قالوا إنّ النبي ﷺ استخدمه "في الرسائل والحوائج والصَّدَقات"! ! وأنا لا أتعرّضُ هُنَا لفسادِ معنى هذا الكَلامِ من حيث هو كلامٌ عربيٍّ له دلالة على معانيه، بالألفاظ التي ذكرها هذا الكاتب، بل
стр. 1049
أكشفُ له ولغيره من أين أخذَ كلامَه؟ ومن هو هذا "الثّقات" الذي يروى عَنْه؟ فهذا "الثقات" رجلٌ من الرافضة كان في زمن ابن تيمية. ألف كتابًا سمّاه "منهاج الكرامة"، فانبرى له ابن تيمية يردّ عليه في كتابٍ سماه "منهاج السنة" فكان ممّا نقله من نصّ كلامه (٢: ٢٠١) "وسمّوه (يعني معاوية) كاتب الوحي، ولم يكتب له كلمة واحدة من الوحي، بل كان يكتب له رسائل (وزاد كاتبنا هذا ما لا نعرف معناه، الحوائج والصدقات! ! ). وقد كان بين يدي النبي ﷺ ، أربعة عشر نفسًا يكتبون الوحي، أولهم وأخَصُّهم وأقربهم إليه عليّ بن أبي طالب ﵁، مع أن معاوية لم يزلْ مشركًا بالله تعالى في مدة كون النبيّ ﷺ مبعوثًا يكذّب بالوحي ويهزأ بالشرع". ولستُ أدري لم ترك هذا الكاتبُ سائرَ ما ذكره الرافضيّ، فيزعم أيضًا أنّ معاوية ظل مشركًا لم يؤمِنْ مدّة بعثة رسول الله ﷺ ؟ كلا كلا فلعلّه استغنى عَنْه بأن جَعَله بطريق آخر "بريئًا من الإسلام والإسلامُ برئ منه"!
وقد ردّ ابن تيمية في ص ٢١٤ بقوله: "هذا قول بلا حجة ولا علم، فما الدليل على أنه لم يكتب له ولا كلمة واحدة من الوحي، وإنما كان يكتب له رسائل". وأزيد أنا فأقول: أوَ من الهين عند هذا الكاتب وأشباهه أن يكتب امرؤ لرسول الله ﷺ رسائله؟ ! أكان رسول الله ﷺ يملى رسائل لشغل فراغه، وقضاء حوائجه، ومجاذبة أصدقائه، والتلهي بإملاء صغائر الأمور التي يتعايش بها الناس في شئون دنياهم! ! عجيب! ولكن لا عجب في زماننا، ومن أين يأتي العجب، بل كيف يطيق إنسان أن يعجب بعد أن تبلد حسه بالعجائب تترى لا تنقطع، حتى صار المعروف منكرًا والمنكر معروفا! وأنا لن أدلّ الكاتب على حيث قيل إن معاوية كان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ . ولكني أحب أن يأتي هو الناس "بثقات" آخر ينفي أن يكون معاوية كتب الوحي لرسول الله، وأنه إنما كان يكتب له في الرسائل. . . والحوائج والصدقات أيضا!
وإذا كان قد استطاع بالأمانة والذمة أن يزيف قول من قال إنه كان يكتب الوحي لرسول الله، بأن ذلك من قول أنصار معاوية أشاعوه وأذاعوا به، أفلا
стр. 1050
يستطع أن يزيف ولو مرة واحدة كل ما رواه في كتابه عن معاوية وعن أبيه، وعن أمه، وعن يزيد وعن بني أمية، وعن عمرو بن العاص، بأنه مما أشاعه وأذاع به أعداؤهم وأعداء بني أمية؟ أو ليس صريح العقل يقتضي أن يكون المهزوم المقهور، أحرص على ذكر مثالب عدوه ومعايبه، من الغالب المنصور على ذكر مناقبه وفضائله!
ألا إن هذا الكاتب وأشباهه من أصحاب الألسنة الجريئة على الحق، يرتكب كل صعب وذلول في سبيل تحقيق معان تدور في نفوسهم، لا يجدون لها متنفسًا إلا في الهالكين الذين لا يدفعون عن أنفسهم، وهم لا يبالون في سبيل ذلك بتحقيق ولا علم، ولا بتمييز صحيح من سقيم، ولا يتخطفون من الكلام إلا ما قارب ما يريدون في أنفسهم أن يقولوه، ولا يعرفون للحجة حرمة، ولا للبرهان كرامة. وهم يتناولون ما يعرضون له من تاريخ أسلافهم، بل من أمر صحابة نبيهم ﷺ بنفس الأسلوب الذي انحدر علينا من حضارة هذا القرن، في أدب منازعات الصحف والأحزاب. أسلوب يراد به تحقيق معاني العداوة وتقريرها في النفوس، لا أسلوب تحقيق مواطن الخلاف والكشف عنها بالبيان والبرهان. وهم يريدون أن يجعلوا هذا الأسلوب علمًا وتاريخًا. بل يريدون أيضا أن يجعلوه دينًا يتدين به الناس ليوم الفصل. وما أدراك ما يوم الفصل؟ ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾.
جرأة العلماء . . .
دخل عمرو بن عبيد على أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور وكان أعظم ملوك الدنيا في عصره فقال:
يا أمير المؤمنين: إنّ الله يَقفك ويُسائلك عن مثقال ذرة من الخير والشر، وإن الأمة خصماؤك يوم القيامة، وإن الله لا يرضى منك إلا بما ترضاه لنفسك؛ ألا وإنك لا ترضى لنفسك إلا بأن يُعدل عليك فإن الله لا يرضى منك إلا بأن تعدل في الرعية. يا أمير المؤمنين إن وراء بابك نيرانا تتأجج من الجور، ووالله ما يحكم وراء بابك بكتاب الله، ولا بسنة نبيه ﷺ .
стр. 1051
أنباء وآراء
أحمد محمد شاكر إمام المحدّثين
في الساعة السادسة بعد فجر يوم السبت ٢٦ من ذي القعدة سنة ١٣٧٧ (١٤ من يونية سنة ١٩٥٨)، فقد العالم الإسلامي إمامًا من أئمة علم الحديث في هذا القرن، هو الأستاذ الشيخ أحمد محمد شاكر، المحدث المشهور، وهو أحد الأفذاذ القلائل الذين درسوا الحديث النبوى في زماننا، دراسة وافيه، قائمة على الأصول التي اشتهر بها أئمة هذا العلم في القرون الأولى. وكان له اجتهادٌ عُرف به في جرح الرجال وتعديلهم، أفضى به إلى مخالفة القدماء والمُحْدثين، ونصر رأيه بالأدلة البيِّنة، فصار له مذهب معروف بين المشتغلين بهذا العلم، على قلتهم.
وقد تولى القضاء في مصر أكثر من ثلاثين سنة، فكانت له أحكام مشهورة في القضاء الشرعيّ، قضى فيها باجتهاده غير مقلد ولا متبع، وكان اجتهاده في الأحكام مبنيًّا على سعة معرفته بالسنة النبوية، التي اشتغل بدراستها منذ نشأته إلى أن لقى ربه.
وهو أحمد بن محمد شاكر بن أحمد بن عبد القادر من آل أبي علياء، ينتهي نسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب، وأبوه الإمام العلامة الشيخ محمد شاكر وكيل الأزهر سابقًا، وجدُّه لأمّه هو العالم الجليل الشيخ هارون عبد الرازق، وأبوه وأمه جميعًا من مديرية جرجا بصعيد مصر.
وولد الشيخ أحمد، ﵀، بعد فجر يوم الجمعة ٢٩ من جمادى الآخرة سنة ١٣٠٩، الموافق ٢ من يناير سنة ١٨٩٢، بمنزل والده بدرب الإنسية، بقسم الدرب الأحمر، بالقاهرة. وسمَّاه أبوه: "أحمد شمس الأئمة،
стр. 1052
أبو الأشبال"، وكان أبوه يومئذ أمينًا للفتوى مع أستاذه الشيخ العباسيّ المهديّ، مفتى الديار المصرية.
فلما صدر الأمر بإسناد منصب قاضى قضاة السودان، إلى والده الشيخ محمد شاكر، في ١٠ من ذي القعدة سنة ١٣١٧ (١١ من مارس سنة ١٩٠٠)، عقب خمود الثورة المهدية، رحل بولده إلى السودان، فألحق ولده "أحمد" بكلية غوردون، فبقى تلميذًا بها حتَّى عاد أبوه من السودان، وتولى مشيخة علماء الإسكندرية في ٢٦ من أبريل سنة ١٩٠٤، فألحق ولده من يومئذ بمعهد الإسكندرية الَّذي يتولاه.
وكان السيد أحمد منذ عقل وطلب العلم، محبًّا للأدب والشعر، كدأب الشباب في صدر أيامه، فاجتمع في الإسكندرية وأديب من أدباء زمانه في هذا الثغر، هو الشيخ عبد السلام الفقى، من أسرة الفقى المشهورة بالمنوفية، فحرَّضه على طلب الأدب، وحرَّض معه أخاه عليًّا، وهو أصغر منه، وصار يقرأ لهما أصول كتب الأدب في المنزل زمنًا طويلًا. ثم أراد الشيخ عبد السلام أن يختبر تلميذيه، فكلفهما إنشاء قصيدة من الشعر، فعمل علي، أطال الله بقاءه، أبياتًا، أما أحمد فلم يستطع أن يصنع غير شطر واحد ثم عجز؛ فمن يومئذ انصرف أخوه عليّ إلى الأدب، وانصرف هو إلى دراسة علم الحديث بهمة لا تعرف الكلل منذ سنة ١٩٠٩ إلى يوم وفاته. ولكنه لم ينقطع قط عن قراءة الآداب: حديثها وقديمها، مؤلفها ومترجمها، كما سيظهر بعد من الكتب التي تولى نشرها في حياته ﵀.
وكان أول شيوخه في معهد الإسكندرية الشيخ "محمود أبو دقيقة"، وهو أحد العلماء الذين تركوا في حياة الفقيد أثرًا لا يمحى؛ فهو الَّذي حبب إليه الفقه وأصوله، ودربه وخرجه في الفقه حتَّى تمكن منه. ولم يقتصر فضل هذا الشيخ على تعليمه الفقه، بل علمه أيضًا الفروسية وركوب الخيل، والرماية والسباحة، فتعلق السيد أحمد بركوب الخيل والرماية، ولم يتعلق بالسباحة تعلقًا يذكر.
أما أعظم شيوخه أثرًا في حياته، فهو والده الشيخ محمد شاكر؛ فقد قرأ له
стр. 1053
ولإخوانه التفسير مرتين، مرة في تفسير البغوي، وأخرى في تفسير النسفي. وقرأ لهم صحيح مسلم، وسنن الترمذي والشمائل، وبعض صحيح البخاري. وقرأ لهم في الأصول: جمع الجوامع، وشرح الإسنوى على المنهاج، وقرأ لهم في المنطق: شرح الخبيصى، وشرح القطب على الشمسية، وقرأ لهم في البيان الرسالة البيانية، وقرأ لهم في فقه الحنفية كتاب الهداية على طريقة السلف في استقلال الرأي وحرية الفكر، ونبذ العصبية لمذهب معين. وكثيرًا ما خالف والدُه في هذه الدروس مذهبَ الحنفية عند استعراض الآراء وتحكيم الحجة والبرهان، ورجح ما نصره الدليل الصحيح. وهكذا قال السيد أحمد في ترجمة والده. وقد ظهر أثر والده هذا ظهورًا بينًا في دراسة الشيخ أحمد للحديث، وفي أحكامه التي قضى بها في مدة توليه القضاء بمصر.
وكان لوالده أعظم الأثر في توجيهه إلى دراسة علم الحديث منذ سنة ١٩٠٩، فلما كانت سنة ١٩١١ اهتم، السيد أحمد، بقراءة مسند أحمد بن محمد بن حنبل ﵀، وظل منذ ذلك اليوم مشغولا بدراسته حتَّى ابتدأ في طبع شرحه على المسند سنة ١٣٦٥ من الهجرة (سنة ١٩٤٦ من الميلاد)، كما بيَّن ذلك مختصرًا في مقدمة المسند.
ولما انتقل والده من الإسكندرية إلى القاهرة وكيلا لمشيخة الجامع الأزهر في ربيع الآخر سنة ١٣٢٧ (٢٩ من أبريل سنة ١٩٠٩)، التحق السيد أحمد، هو وأخوه السيد على بالأزهر، فكانت إقامته في القاهرة بدء عهد جديد في حياته، فاتصل بعلمائها ورجالها، وعرف الطريق إلى دور كتبها في مساجدها وغير مساجدها، وتنقل بين دكاكين الكتبية. وكانت القاهرة يومئذ مسترادًا لعلماء البلاد الإسلامية، وكان من التوفيق أن حضر إلى القاهرة من المغرب الأقصى السيد عبد الله بن إدريس السنوسى، عالم المغرب ومحدثها، فتلقى عنه طائفة كبيرة من صحيح البخاري، فأجازه هو وأخاه برواية البخاري، ورواية باقي الكتب الستة. ولقى بها أيضًا الشيخ محمد بن الأمين الشنقيطي، فأخذ عنه كتاب بلوغ المرام، وأجازه به وبالكتب الستة، ولقى أيضًا الشيخ أحمد بن الشمس
стр. 1054
الشنقيطى، عالم القبائل الملثمة، فأجازه هو وأخاه بجميع علمه. وتلقى أيضًا عن الشيخ شاكر العراقى، وكان أسلوبه في التحديث أن يسأله أحد طلَّابه عن مسألة، فيروى عندئذ كل ما ورد فيها من الأحاديث في جميع كتب السنَّة بإسنادها، مع بيان اختلاف روايتها. فأجازه وأجاز أخاه علما بجميع كتب السنة. ولقى أيضًا في القاهرة من علماء السنة الشيخ "طاهر" الجزائرى عالم سورية المنتقل، والسيد "محمد رشيد رضا"، صاحب المنار، ولقى كثيرًا غير هؤلاء من علماء السنة، يطول ذكرهم بالتفصيل.
وهذا اللقاء المتتابع للعلماء، هو الَّذي مهد لهذا العالم أن يستقلّ بمذهب في علم الحديث، حتَّى استطاع أخيرًا أن يقف في منتصف هذا القرن علمًا مشهورًا لا ينازعه في إمامة التحديث إلّا قليل.
* * *
ولما حاز شهادة العالمية من الأزهر في سنة ١٩١٧، عُين مدرسًا بمدرسة ماهر، ولكن لم يبق بها غير أربعة أشهر، ثم عين موظفًا قضائيًّا ثم قاضيًا، وظلّ في القضاء حتى أحيل إلى المعاش في سنة ١٩٥١ عضوًا بالمحكمة العليا، ولكنه لم ينقطع في خلال ذلك عن دراساته، وعن المشاركة في نشر التراث الإسلامي، في الحديث والفقه والأدب.
وأول كتاب عرف به الشيخ أحمد محمد شاكر، وعرف به إتقانه وتفوقه، هو نشره رسالة الإمام الشافعي، عن أصل تلميذه الربيع بن سليمان، الَّذي كتبه بخطه في حياة الشافعي من إملائه. ونشره رسالة الشافعي يُعَدُّ من أعظم الآثار التي تولى العلماء نشرها في هذا العصر.
ثم شرح سنن الترمذي شرحًا دقيقًا، ولكنه لم يتمَّه، وشارك في نشر شرح "سنن أبي داود"، ونشر كتاب جماع العلم للشافعي، وشارك أيضًا في نشر المحلى لابن حزم، وشرح صحيح ابن حبان، ولم ينشر منه غير الجزء الأول.
* * *
أما عمله الَّذي استولى به على الغايات فهو شرحه على مسند أحمد بن
стр. 1055
حنبل، أصدر منه خمسة عشر جزءًا فيها من البحث والفقه والمعرفة ما لم يلحقه فيه أحد في زمانه هذا.
ونشر من كتب الأدب والشعر، كتاب لباب الآداب لأسامة بن منقذ، والشعر والشعراء لابن قتيبة، والمفضَّليات للمفضل الضبيّ، والأصمعيات للأصمعى، وشاركه في نشرهما ابن خاله الأستاذ عبد السلام محمد هارون، ونشر كتاب المعرَّب للجواليقى نشرًا علميًا دقيقًا.
وشارك أخاه الأستاذ "محمود محمد شاكر" في نشر تفسير الطّبريّ، فتولى جزءًا من تخريج أحاديثه إلى الجزء التاسع، وعلق على بعضها إلى الجزء الثالث عشر، ثم وافته منيَّته، ولم ينظر بعد في أحاديث الجزء الرابع عشر.
* * *
وكان قبل وفاته، ﵀، قد شرع في اختصار تفسير القرآن لابن كثير، وسمَّاه "عمدة التفسير"، وصل فيه إلى الجزء الخامس من عشرة أجزاء. وقد قصد فيه الإبانة عن معاني القرآن، بما يوافق حاجة المتوسطين من المثقفين، مع المحافظة على ألفاظ المؤلف ما استطاع.
أما سائر الكتب التي تولى نشرها فهي كثيرة يطول ذكرها. وله في جميع ما نشره وألَّفه تعليقات دافع فيها عن أحكام الإسلام وآدابه دفاعًا تفرَّد به، ونطق فيه بالحق الَّذي يراه، غير متهيب ولا متلجلج.
وأما أهم ما ألفه فهو كتاب نظام الطلاق في الإسلام دلّ فيه على اجتهاده وعدم تعصبه لمذهب من المذاهب، واستخرج فيه نظام الطلاق من نصّ القرآن، ومن بيان السنَّة في الطلاق، وكان لظهور هذا الكتاب ضجة عظيمة بين العلماء ولكنه دافع فيها عن اجتهاده دفاعًا مؤيدًا بالحجة والبرهان، ومن قرأ الكتاب عرف كيف يكون الاحتجاج في الشريعة، وظهر له فضلُ هذا الرجل وقدرته على ضبط الأصول الصحيحة، وضبط الاستنباط فيها ضبطًا لا يختل.
فرحم الله فقيدنا، وبعث في هذه الأمة من يخلفه للنهوض بما ابتدأه.