أنباء وآراء
أحمد محمد شاكر إمام المحدّثين
في الساعة السادسة بعد فجر يوم السبت ٢٦ من ذي القعدة سنة ١٣٧٧ (١٤ من يونية سنة ١٩٥٨)، فقد العالم الإسلامي إمامًا من أئمة علم الحديث في هذا القرن، هو الأستاذ الشيخ أحمد محمد شاكر، المحدث المشهور، وهو أحد الأفذاذ القلائل الذين درسوا الحديث النبوى في زماننا، دراسة وافيه، قائمة على الأصول التي اشتهر بها أئمة هذا العلم في القرون الأولى. وكان له اجتهادٌ عُرف به في جرح الرجال وتعديلهم، أفضى به إلى مخالفة القدماء والمُحْدثين، ونصر رأيه بالأدلة البيِّنة، فصار له مذهب معروف بين المشتغلين بهذا العلم، على قلتهم.
وقد تولى القضاء في مصر أكثر من ثلاثين سنة، فكانت له أحكام مشهورة في القضاء الشرعيّ، قضى فيها باجتهاده غير مقلد ولا متبع، وكان اجتهاده في الأحكام مبنيًّا على سعة معرفته بالسنة النبوية، التي اشتغل بدراستها منذ نشأته إلى أن لقى ربه.
وهو أحمد بن محمد شاكر بن أحمد بن عبد القادر من آل أبي علياء، ينتهي نسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب، وأبوه الإمام العلامة الشيخ محمد شاكر وكيل الأزهر سابقًا، وجدُّه لأمّه هو العالم الجليل الشيخ هارون عبد الرازق، وأبوه وأمه جميعًا من مديرية جرجا بصعيد مصر.
وولد الشيخ أحمد، ﵀، بعد فجر يوم الجمعة ٢٩ من جمادى الآخرة سنة ١٣٠٩، الموافق ٢ من يناير سنة ١٨٩٢، بمنزل والده بدرب الإنسية، بقسم الدرب الأحمر، بالقاهرة. وسمَّاه أبوه: "أحمد شمس الأئمة،
стр. 1052
أبو الأشبال"، وكان أبوه يومئذ أمينًا للفتوى مع أستاذه الشيخ العباسيّ المهديّ، مفتى الديار المصرية.
فلما صدر الأمر بإسناد منصب قاضى قضاة السودان، إلى والده الشيخ محمد شاكر، في ١٠ من ذي القعدة سنة ١٣١٧ (١١ من مارس سنة ١٩٠٠)، عقب خمود الثورة المهدية، رحل بولده إلى السودان، فألحق ولده "أحمد" بكلية غوردون، فبقى تلميذًا بها حتَّى عاد أبوه من السودان، وتولى مشيخة علماء الإسكندرية في ٢٦ من أبريل سنة ١٩٠٤، فألحق ولده من يومئذ بمعهد الإسكندرية الَّذي يتولاه.
وكان السيد أحمد منذ عقل وطلب العلم، محبًّا للأدب والشعر، كدأب الشباب في صدر أيامه، فاجتمع في الإسكندرية وأديب من أدباء زمانه في هذا الثغر، هو الشيخ عبد السلام الفقى، من أسرة الفقى المشهورة بالمنوفية، فحرَّضه على طلب الأدب، وحرَّض معه أخاه عليًّا، وهو أصغر منه، وصار يقرأ لهما أصول كتب الأدب في المنزل زمنًا طويلًا. ثم أراد الشيخ عبد السلام أن يختبر تلميذيه، فكلفهما إنشاء قصيدة من الشعر، فعمل علي، أطال الله بقاءه، أبياتًا، أما أحمد فلم يستطع أن يصنع غير شطر واحد ثم عجز؛ فمن يومئذ انصرف أخوه عليّ إلى الأدب، وانصرف هو إلى دراسة علم الحديث بهمة لا تعرف الكلل منذ سنة ١٩٠٩ إلى يوم وفاته. ولكنه لم ينقطع قط عن قراءة الآداب: حديثها وقديمها، مؤلفها ومترجمها، كما سيظهر بعد من الكتب التي تولى نشرها في حياته ﵀.
وكان أول شيوخه في معهد الإسكندرية الشيخ "محمود أبو دقيقة"، وهو أحد العلماء الذين تركوا في حياة الفقيد أثرًا لا يمحى؛ فهو الَّذي حبب إليه الفقه وأصوله، ودربه وخرجه في الفقه حتَّى تمكن منه. ولم يقتصر فضل هذا الشيخ على تعليمه الفقه، بل علمه أيضًا الفروسية وركوب الخيل، والرماية والسباحة، فتعلق السيد أحمد بركوب الخيل والرماية، ولم يتعلق بالسباحة تعلقًا يذكر.
أما أعظم شيوخه أثرًا في حياته، فهو والده الشيخ محمد شاكر؛ فقد قرأ له
стр. 1053
ولإخوانه التفسير مرتين، مرة في تفسير البغوي، وأخرى في تفسير النسفي. وقرأ لهم صحيح مسلم، وسنن الترمذي والشمائل، وبعض صحيح البخاري. وقرأ لهم في الأصول: جمع الجوامع، وشرح الإسنوى على المنهاج، وقرأ لهم في المنطق: شرح الخبيصى، وشرح القطب على الشمسية، وقرأ لهم في البيان الرسالة البيانية، وقرأ لهم في فقه الحنفية كتاب الهداية على طريقة السلف في استقلال الرأي وحرية الفكر، ونبذ العصبية لمذهب معين. وكثيرًا ما خالف والدُه في هذه الدروس مذهبَ الحنفية عند استعراض الآراء وتحكيم الحجة والبرهان، ورجح ما نصره الدليل الصحيح. وهكذا قال السيد أحمد في ترجمة والده. وقد ظهر أثر والده هذا ظهورًا بينًا في دراسة الشيخ أحمد للحديث، وفي أحكامه التي قضى بها في مدة توليه القضاء بمصر.
وكان لوالده أعظم الأثر في توجيهه إلى دراسة علم الحديث منذ سنة ١٩٠٩، فلما كانت سنة ١٩١١ اهتم، السيد أحمد، بقراءة مسند أحمد بن محمد بن حنبل ﵀، وظل منذ ذلك اليوم مشغولا بدراسته حتَّى ابتدأ في طبع شرحه على المسند سنة ١٣٦٥ من الهجرة (سنة ١٩٤٦ من الميلاد)، كما بيَّن ذلك مختصرًا في مقدمة المسند.
ولما انتقل والده من الإسكندرية إلى القاهرة وكيلا لمشيخة الجامع الأزهر في ربيع الآخر سنة ١٣٢٧ (٢٩ من أبريل سنة ١٩٠٩)، التحق السيد أحمد، هو وأخوه السيد على بالأزهر، فكانت إقامته في القاهرة بدء عهد جديد في حياته، فاتصل بعلمائها ورجالها، وعرف الطريق إلى دور كتبها في مساجدها وغير مساجدها، وتنقل بين دكاكين الكتبية. وكانت القاهرة يومئذ مسترادًا لعلماء البلاد الإسلامية، وكان من التوفيق أن حضر إلى القاهرة من المغرب الأقصى السيد عبد الله بن إدريس السنوسى، عالم المغرب ومحدثها، فتلقى عنه طائفة كبيرة من صحيح البخاري، فأجازه هو وأخاه برواية البخاري، ورواية باقي الكتب الستة. ولقى بها أيضًا الشيخ محمد بن الأمين الشنقيطي، فأخذ عنه كتاب بلوغ المرام، وأجازه به وبالكتب الستة، ولقى أيضًا الشيخ أحمد بن الشمس
стр. 1054
الشنقيطى، عالم القبائل الملثمة، فأجازه هو وأخاه بجميع علمه. وتلقى أيضًا عن الشيخ شاكر العراقى، وكان أسلوبه في التحديث أن يسأله أحد طلَّابه عن مسألة، فيروى عندئذ كل ما ورد فيها من الأحاديث في جميع كتب السنَّة بإسنادها، مع بيان اختلاف روايتها. فأجازه وأجاز أخاه علما بجميع كتب السنة. ولقى أيضًا في القاهرة من علماء السنة الشيخ "طاهر" الجزائرى عالم سورية المنتقل، والسيد "محمد رشيد رضا"، صاحب المنار، ولقى كثيرًا غير هؤلاء من علماء السنة، يطول ذكرهم بالتفصيل.
وهذا اللقاء المتتابع للعلماء، هو الَّذي مهد لهذا العالم أن يستقلّ بمذهب في علم الحديث، حتَّى استطاع أخيرًا أن يقف في منتصف هذا القرن علمًا مشهورًا لا ينازعه في إمامة التحديث إلّا قليل.
* * *
ولما حاز شهادة العالمية من الأزهر في سنة ١٩١٧، عُين مدرسًا بمدرسة ماهر، ولكن لم يبق بها غير أربعة أشهر، ثم عين موظفًا قضائيًّا ثم قاضيًا، وظلّ في القضاء حتى أحيل إلى المعاش في سنة ١٩٥١ عضوًا بالمحكمة العليا، ولكنه لم ينقطع في خلال ذلك عن دراساته، وعن المشاركة في نشر التراث الإسلامي، في الحديث والفقه والأدب.
وأول كتاب عرف به الشيخ أحمد محمد شاكر، وعرف به إتقانه وتفوقه، هو نشره رسالة الإمام الشافعي، عن أصل تلميذه الربيع بن سليمان، الَّذي كتبه بخطه في حياة الشافعي من إملائه. ونشره رسالة الشافعي يُعَدُّ من أعظم الآثار التي تولى العلماء نشرها في هذا العصر.
ثم شرح سنن الترمذي شرحًا دقيقًا، ولكنه لم يتمَّه، وشارك في نشر شرح "سنن أبي داود"، ونشر كتاب جماع العلم للشافعي، وشارك أيضًا في نشر المحلى لابن حزم، وشرح صحيح ابن حبان، ولم ينشر منه غير الجزء الأول.
* * *
أما عمله الَّذي استولى به على الغايات فهو شرحه على مسند أحمد بن
стр. 1055
حنبل، أصدر منه خمسة عشر جزءًا فيها من البحث والفقه والمعرفة ما لم يلحقه فيه أحد في زمانه هذا.
ونشر من كتب الأدب والشعر، كتاب لباب الآداب لأسامة بن منقذ، والشعر والشعراء لابن قتيبة، والمفضَّليات للمفضل الضبيّ، والأصمعيات للأصمعى، وشاركه في نشرهما ابن خاله الأستاذ عبد السلام محمد هارون، ونشر كتاب المعرَّب للجواليقى نشرًا علميًا دقيقًا.
وشارك أخاه الأستاذ "محمود محمد شاكر" في نشر تفسير الطّبريّ، فتولى جزءًا من تخريج أحاديثه إلى الجزء التاسع، وعلق على بعضها إلى الجزء الثالث عشر، ثم وافته منيَّته، ولم ينظر بعد في أحاديث الجزء الرابع عشر.
* * *
وكان قبل وفاته، ﵀، قد شرع في اختصار تفسير القرآن لابن كثير، وسمَّاه "عمدة التفسير"، وصل فيه إلى الجزء الخامس من عشرة أجزاء. وقد قصد فيه الإبانة عن معاني القرآن، بما يوافق حاجة المتوسطين من المثقفين، مع المحافظة على ألفاظ المؤلف ما استطاع.
أما سائر الكتب التي تولى نشرها فهي كثيرة يطول ذكرها. وله في جميع ما نشره وألَّفه تعليقات دافع فيها عن أحكام الإسلام وآدابه دفاعًا تفرَّد به، ونطق فيه بالحق الَّذي يراه، غير متهيب ولا متلجلج.
وأما أهم ما ألفه فهو كتاب نظام الطلاق في الإسلام دلّ فيه على اجتهاده وعدم تعصبه لمذهب من المذاهب، واستخرج فيه نظام الطلاق من نصّ القرآن، ومن بيان السنَّة في الطلاق، وكان لظهور هذا الكتاب ضجة عظيمة بين العلماء ولكنه دافع فيها عن اجتهاده دفاعًا مؤيدًا بالحجة والبرهان، ومن قرأ الكتاب عرف كيف يكون الاحتجاج في الشريعة، وظهر له فضلُ هذا الرجل وقدرته على ضبط الأصول الصحيحة، وضبط الاستنباط فيها ضبطًا لا يختل.
فرحم الله فقيدنا، وبعث في هذه الأمة من يخلفه للنهوض بما ابتدأه.
стр. 1056
" قُرَىَ عَرَبِيَّةَ "
كلمة تقديم لعلامة الجزيرة المرحوم الشيخ حمد الجاسر
[بلية البلايا في تراثنا القديم، التصحيف، وخاصة في أسماء المواضع، حيث لا توجد قرينة في الكلام توضح الوجه الصحيح، ولا أستثنى من ذلك سوى ما استثناه الله جل وعلا وهو القرآن الكريم، حيث قال جل ذكره: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ فحفظه الله من كل ما قد يؤثر في بقائه على أصله الصحيح، الَّذي أنزله عليه.
أما ما عداه -مما لا يتصل بأصول الدين الحنيف- فحسب الباحث أن يرجع إلى أي كتاب من الكتب القديمة، ليرى العجب العجاب من بلايا التصحيف في أسماء المواضع، ففي "صحيح البخاري" -وهو أصح كتاب بعد كتاب الله، أشياء من ذلك يجدها الباحث في اختلاف رواة ذلك الكتاب العظيم في اسم "العشيرة" الموضع الَّذي غزاه المصطفى، ﵊، وفي غيره من المواضع، وفي كتب سيرته ﷺ لابن إسحاق، بتهذيب ابن هشام، و"طبقات ابن سعد" وغيرهما من المؤلفات، مما نكتفي بالإشارة إليه، إذ لا يتسع المجال للحديث عنه. وحسب القارئ أن يطلع على بحث أستاذنا العلامة الجليل أبي فهر، محمود بن محمد بن شاكر، هذا البحث الَّذي نقلل من قيمته حينما نقدمه للقارئ- حسبه أن يطلع على هذا البحث الممتع حقًّا، ليدرك كيف يسير بعض علمائنا -قدس الله أرواحهم- في بيداء من الأوهام والحيرة، من جراء ذلك الداء الوبيل، داء التصحيف والتحريف! وهم -أعلى الله ذكرهم في منازل الأبرار من عباده- لا يضيرهم أن يوصفوا بعدم الإحاطة، ولا يضرهم أن لا يوصفوا بأكثر مما يتصفون به من علم غزير، وخلق سام كريم، يتلاءم مع ما وهبهم الله، وما وصفهم به، لأنهم أرفع قدرًا، وأعلى مكانة من أن
стр. 1057
تبلغ بهم مطامح النفس، ومطامع الترفع إلى بلوغ منازل أخرى، لا ينقص من أقدارهم عدم بلوغها، ولا يسمو بغيرهم أن ينالوها، سموًا لا يبلغ درجة التفاضل، ومعاذ الله أن يوجد بين أمة تدين بهذا الدين الكريم، ممن يؤمن حق الإيمان بما قاله نبينا، عليه أزكى الصلاة والتسليم، ومن ذا الَّذي لا يؤمن بقوله، وهو الصادق الأمين: "خير القرون قرنى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم". وإنما الفهم موهبة إلهية، حباها الله أناسًا قد تبلغ منزلتهم منها من السمو والرفعة أعلاها؛ وإن لم يبلغوا في الفضل منزلة من فضلهم الله، لسابقتهم في الإسلام. وبمنزلتهم منه، قال جل ذكره: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾.
وقديمًا قالوا: كم ترك الأول للآخر! ] (١)
حمد الجاسر
قرى عربية
١ - " قُرَى عَرَبيةَ"، اسم موضع في بلاد العرب، يأتي في بعض الكتب المطبوعة والمخطوطة مصحفًا. فهو في أكثر المواضع "قُرَى عُرَنية"، وفي مكان آخر "قُرَى عُيَيْنَة"، ومن قديم الاختلاف في ضبطه أيضًا "قُرى عَرَبِيَّة" بالتنوين، أو "قُرى عَرَبِيَّة" بالإضافة وترك التنوين، أما الإشكال الأكبر فهو في تحديد مكان "قُرَى عرَبِيَّةَ" وعلى أي شيء يدلّ اسم هذا المكان؟
* * *
٢ - فأبو عبيدٍ البكريُّ في "معجم ما استعجم" (٩٣١ - ٩٣٢)، لم يزد بيانُه على أنَّه قُرًى بالحجاز معروفة، ثم استدلّ ببعض الأخبار والآثار التي ستأتي (رقم: ١٠، ١٥، ٢٣).
стр. 1058
٣ - وأما ياقوت فلم يذكر لها مادة في معجم البلدان، ولكنه ذكر مادة "عُرَيْنَة" وقال: "بلفظ تصغير عُرنَة"، ثم قال: "وعرينة، موضع ببلاد فَزَارة. وقيل: قُرًى بالمدينة. و"عُرَيْنة" قبيلة من العرب". ولكن نقل بعد ذلك نصًا سيأتي (رقم: ٢٠) وذكر فيه "قُرى عربيَّةَ" وأنه مضبوطٌ بخط العبدريّ في فتوح الشام، بفتح العين والراء، والباء الموحدة، وياء مشددة "قُرَى عَربيَّةَ" ولم يزد على ذلك شيئًا.
* * *
٤ - أما السمهوديّ، فقد جاء بالطامّة في كتابه "وفاء الوفا"، ففي الفصل الثامن من الباب السابع من كتابه، حيث ذكر بقاعَ المدينة وأعراضها مرتبة على حروف المعجم، ما نصه: "عُرَينة، كجهينة، قرى بنواحي المدينة في طريق الشأم".
- وعن مُعاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله ﷺ على قُرَى عُرَينة، فأمرنى أن آخذ حَظَّ الأرض (انظر ما سيأتي رقم: ٥ و ٦).
- وقال الزهري، قال عمر: "ما أفاء الله على رسوله" هذه لرسول الله ﷺ خاصة قُرى عُرينَة، وفَدَك وكذا وكذا (انظر ما سيأتي رقم: ٧ - ١٠).
- ووُجِدَ على حجر بالحِمَى كما سبق (١): "أنا عبد الله الأسود، رسولُ عيسى ابن مريم الى أهل قُرى عُرينة".
وسيأتي ما يدلّ على تصحيفه في الخبرين الأولين. أما الخبر الثالث الَّذي أشار اليه فهو في كتابه في الفصل الأول من الباب الثالث، وسأذكر مكانا آخر وقع في كتابه ذكر "قُرى عُرَينة" (رقم: ٤٣).
* * *
ولكى أصل الى الفصل في أمر "قُرى عربية" أسوق الأخبار التي وقفت عليها فيما بين يديّ من الكتب.
٥ - روى يحيى بن آدم في كتاب الخراج ص: ٦١٩ - ٦٢٢:
- (٦١٩) قال يحيى، قلت لشريك: ذكرت عن جابر عن محمد بن زيد،
стр. 1059
عن معاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى قُرَى عَرَبِيَّة أقاسمهم حظّ الأرض. قال: قد ذُكر ذلك.
- (٦٢٠) حدثنا يحيى قال، حدثنا أبو حماد الحنفي، عن جابر، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن محمد بن زيد، عن معاذ بن جبل قال: بعثنى رسول الله ﷺ إلى قُرَى عَرَبِيَّة، وأمرني أن آخذ حظَّ الأرض.
- (٦٢١) حدثنا الأشجعى، عن سفيان بن سعيد، عن جابر، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن محمد بن زيد، عن مُعاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى قرَى عَرَبيَّة، وأمرنى أن آخذ حظَّ الأرض، قال الأشجعى: قال سفيان: الثُّلث والرُّبُع.
- (٦٢٢) حدثني ابن مبارك، عن معمر، عن أيوب، عن سعيد بن جبير في قوله "قُرًى ظاهِرَة" (سورة سبأ: ١١٨) قال: قُرَى عَرَبيَّةَ -قال يحيى: وأما "قُرَى عربيَّةَ" فإنه يعني أرضًا بعينها يقال لها "قُرى عَربِيَّةَ" (انظر ما سيأتي رقم: ١٣).
* * *
٦ - وروى أحمد في مسند معاذ بن جبل من المسند (٥: ٢٢٨/ ثم ٥: ٢٤٤) قال:
- حدثنا وكيع، عن سفيان، عن جابر، عن محمد بن زيد، عن معاذ قال: بعثني رسول الله ﷺ على قُرَى عَربيَّةَ، فأمرنى أن آخذ حظَّ الأرض -وقال عبد الرزاق: يعني: عن سفيان، عن جابر، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن محمد بن زيد، في حديث معاذ (ص: ٢٢٨).
- حدثنا عبد الرزاق، أنا سفيان، عن جابر، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن محمد بن زيد، عن معاذ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى قُرى عَرَبِيَّة فأمرني أن آخذ حَظَّ الأرض -قال سفيان: حَظُّ الأرض الثُّلث والربع (ص: ٢٤٤).
* * *
٧ - وقال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال: ٩ "وأما فَدك فان إسماعيل بن إبراهيم حدثنا، عن أيوب، عن الزُّهري في قوله: ﴿فَمَآ أَوْجَفْتُمْ
стр. 1060
عَلِيْه مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [سورة الحشر: ٦] فقال: هذه لرسول الله خاصة، قرى عربية، فدك وكذا وكذا.
قال أبو عبيد: وهي في العربية "قرَى عربيةً" بتنوين، إلا أن يكون كما قالوا "دارُ الآخرة" و"صلاة الأولى"، والمحدِّثون يقولون: "قرى عربية" بغير تنوين (انظر ما سيأتي رقم: ٢٣، ٢٤).
* * *
٨ - وروى البلاذرى في فتوح البلدان: ٣٩
- حدثنا سريج بن يونس قال، أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن الزهري في قوله تعالى: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلِيْه مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [سورة الحشر: ٦]، فقال: هذه قرى عربية، لرسول الله ﷺ ، فدَك وكذا وكذا.
* * *
٩ - وقال ابن أبي حاتم في آداب الشافعي: ١٤٦
- قال الزهري، قال عمر، قال الله : ﴿وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلِيْه مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [سورة الحشر: ٦]، فهذه لرسول الله ﷺ خاصّة، قرى عربية، وفدك وكذا وكذا.
(سنن أبي داود، في صفايا رسول الله ﷺ ٣: ١٩٥ رقم: ٢٩٦٦، ومعالم السنن للخطابي ٣: ١٧، ومختصر السنن لابن القيم ٤: ٢١٤، وسنن النسائي الخبر بطوله ٧: ١٣٦، ١٣٧).
* * *
١٠ - ونقل البكرى في معجم ما استعجم: ٩٢٩
- من حديث الزهري قال، قال عمر في قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلِيْه مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [سورة الحشر: ٦]، قال هذه لرسول الله ﷺ خاصة قرى عربية، وفدك وكذا وكذا -وهي قرى بالحجاز معروفة.
стр. 1061
١١ - وروى الطبريّ في تفسيره (٢٨: ٢٤ بولاق):
- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال: حدثني عمى قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة الحشر: ٦]. قال: أمر الله نبيَّه بالسَّير إلى قُريظةَ والنضير، وليس للمسلمين يومئذ كثيرُ خيلٍ ولا ركاب، فجعل رسول الله ﷺ يحكم فيه ما أراد، ولم يكن يومئذ خيلٌ ولا ركاب يوجَف بها: قال: "والإيجاف" أن يوضعوا السير -وهي لرسول الله ﷺ فكان من ذلك خيبر، وفدك، وقُرَى عربيَّةَ، وأمر الله رسوله أن يُعِدَّ لينبع.
- وخرَّجه السيوطي في الدر المنثور: ٦: ١٩٢، بمثله من طريق ابن مردويه عن ابن عباس، ولم ينسبه للطبريّ.
* * *
١٢ - ووجدت في مختصر المزنيّ بهامش الأم للشافعي (٣: ١٨٠):
- "والفيء هو ما لم يُوجَف عليه بخيل ولا ركاب، فكانت سنّة رسول الله ﷺ في "قُرى عربية" أفاءها الله عليه، أربعة أخماسها لرسول الله ﷺ خاصة دون المسلمين.
- وفيه أيضًا (٣: ١٨٣):
- وفُتح في زمان رسول الله ﷺ فتوحٌ من قُرَى عربيّةَ وعدها الله رسوله قبل فتحها. . .".
إلا أن رسم الكلمة في كتاب "الأم" من هذه الطبعة، في باب "جماع سنن قسم الغنيمة والفيء"، هو:
- "قُرى عُرَينة"، وذكر الشافعيّ أنها هي التي أفاء الله على رسوله، وأنها خاصة لرسول الله ﷺ دون المسلمين (الأم ٤: ٦٤).
- ثم جاء في الأم (٤: ٦٤) "وقد كان في زمان النبي ﷺ فتوح في غير "قُرَى عُرَينة التي وعدها الله رسوله ﷺ قبل فتحها. . . .".
стр. 1062
- ثم قال "وقد كان في زمان النبي ﷺ فيء من غير قُرى عُرينةَ، وذلك مثل جزية أهل البحرين".
- وهذا الَّذي جاء في متن كتاب الأم للشافعي، يصححه ما جاء في مختصر المزني من نفس الطبعة، ويزيد تصحيفه ثبوتًا، ما ذكره ابن أبي حاتم في كتاب آداب الشافعي ومناقبه كما سلف (رقم: ٩)، وكما سيأتي (رقم: ٢١)، وسائر الأخبار في تفسير آية "الفيء" (انظر رقم: ٧ - ١١).
* * *
١٣ - وقال الطبريّ في تفسيره (٢٢ - ٥٨ بولاق) عند تفسير قوله تعالى: ﴿قُرًى ظَاهِرَةَ﴾ [سبأ: ١٨]:
- يعني قُرى مُتَّصلة، وهي قُرى عَرَبيَّة.
- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس قوله: "قرى ظاهرة" يعني: قرى عربية بين المدينة والشام.
- حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله تعالى: ﴿قُرًى ظَاهِرَةَ﴾ يعني: قرى عربية، وهي بين المدينة والشام (انظر ما سلف رقم: ٥، من حديث يحيى بن آدم في كتاب الخراج، في تفسير الآية عن سعيد بن جبير أيضًا).
- ونقل هذا ابن كثير في تفسير هذه الآية، ثم عقب بقوله: "قرى ظاهرة" أي بينة يعرفها المسافرون، يقيلون في واحدة، ويبيتون في أخرى.
* * *
١٤ - وروى أبو جعفر الطبري في تفسيره (٦: ٥٠٧، رقم: ٧٢٣٣، من طبعة دار المعارف).
- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل، حدثنا أسباط، عن السدى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة آل عمران: ٧٢] كان أحبار
стр. 1063
قرى عربية اثنى عشر حبرًا، فقالوا لبعضهم: ادخلوا في دين محمد أول النهار، وقولوا: نشهد أن محمدًا حق صادق، فإذا كان آخر النهار فاكفروا ..
- وخرجه السيوطي في الدر المنثور (٢: ٤٢) من طريق ابن جرير، وابن أبي حاتم، وفيه "قرى عربية": أيضًا.
- إلا أن البغوي نقل في تفسيره بهامش ابن كثير (٢: ١٦٥):
- "قال الحسن، وقتادة، والسُّدى: "تواطأ اثنا عشر حبرًا من يهود خيبر وقرى عيينة.
- وهذا تصحيف غريب جدا، ولكنه غير مستنكر على مطبوعة المنار من هذين التفسيرين، ولم يأت ذلك في كتاب آخر وقفت عليه.
بيد أن ما أتى به البغوي، ساق إلينا فائدة جليلة، بزيادته ذكر "خيبر" في هذا الأثر.
* * *
١٥ - وفي التاريخ الكبير للبخارى (٢/ ١/ ٢٣٧):
- "قال أحمد بن سليمان، أخبرنا حسين بن إسماعيل قال، حدثني درباس وعمرو، ابنى دَجاجة، عن أبيهما: أنَّه خرج فإذا عثمان، فقال عثمان: لا يسكن قرى عربية دينان".
- رواه ابن أبي حاتم مختصرًا في الجرح والتعديل ١/ ٢/ ٤٤١، ونقله البكرى في معجم ما استعجم: ٩٣٠.
* * *
١٦ - وفي المحبَّر لابن حبيب: ١١٥:
- "ثم سنة سبع، فيها خرج ﷺ في المحرم إلى خيبر، فحاصرهم بضعة عشر يومًا، وارتحل منها إلى قرى عربية، فلم يلق كيدًا".
* * *
١٧ - وفي المحبر أيضًا: ١٢٦:
стр. 1064
- "أنَّه ﷺ ولَّى الحكم بن سعيد بن العاص على قرى عربية" (انظر رقم: ٤٨).
* * *
١٨ - وفي جوامع السير لابن حزم: ٢٤ (والتعليق عليه ص: ٤٥٨)
- (أن رسول الله ﷺ ) ولَّى الحكمَ بن سعيد بن العاص بن أمية على قرى عُرينة، وهي فدكُ، وغيرها. (انظر رقم: ٤٨).
- وهذا تصحيف، يدلُّ عليه ما بعده وما قبله، وسائر الأخبار في أمر فدك.
* * *
١٩ - وذكر ابن حزم في جمهرة أنساب العرب: ٧٣، الحكم بن سعيد قال: (ولَّاه ﵇ قُرى عَرَبية) (انظر رقم: ٤٨).
* * *
٢٠ - وقال ياقوت في معجم البلدان، مادة (عرينة).
- (وقرأت بخط العبدريّ في فتوح الشام لأبى حذيفة بن معاذ بن جبل (الصواب: عن معاذ) قال في كلام له طويل: (واجتمع رأي الملأ الأكابر منّا أن يأكلوا قرى عربية ويعبدوا الله حتَّى يأتيهم اليقين).
- وقال في موضع آخر، في بعثة أبي بكر عمرو بن العاص إلى الشأم ممدًّا لأبى عبيدة: وجعل عمرو بن العاص يستنفر من مرّ به من البوادي وقرى عربية.
- قال ياقوت: ضبط في الموضعين بفتح العين والراء، والباء الموحدة وياء مشددة).
* * *
٢١ - وقال ابن أبي حاتم في كتاب آداب الشافعي ومناقبه: (١٤٥)
- عن الربيع بن سليمان قال، قال الشافعي، وذكر (القرى العربية فقال: كانت اليهود في قرى العرب، والعرب حولهم، وهي فدك وخيبر وهي قرى اليهود بنوها في بلاد العرب، وهي أشراف (١) بلاد العرب، لأن العرب بعيدة المطلب.
стр. 1065
- قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: يعني القرى التي أفاء على رسول الله ﷺ بلا خيل ولا ركاب (انظر ما سلف: ٧ - ١٢).
٢٢ - ونقل البكرى في معجم ما استعجم: ١٥، عن يعقوب بن السكيت، عن الأصمعى:
- وقرى عربية، كل قرية في أرض العرب، نحو خيبر، وفدك، والسوارقية (١)، وما أشبه ذلك ..
* * *
٢٣ - وقال الزبيديّ في طبقات النحويين واللغويين: ١٤٩، في ترجمة قتيبة النحويّ:
- (وحدثنا محمد بن موسى بن حماد قال، حدثني سليمان بن أبي شيخ الخزاعي قال، حدثنا أبو سفيان الحميريّ قال: قال أبو عبد الله كاتب المهدي (صوابه: أبو عبيد الله): (قرَى عربية) فنوّن، فقال: شبيب بن شيبة، إنما هي (قُرى عربيةَ) غير منونة. فقال أبو عبد الله (أبو عبيد الله) لقتيبة النحوى الجعفي الكوفي: ما تقول؟ فقال: إن كنت أردت القرى التي بالحجاز يقال لها (قرًى عربيةَ) فإنها لا تنصرف، وإن كنت أردت قرى من قرى السواد، فهي تنصرف. فقال: إنما أردت التي بالحجاز. قال: هو كما قال شبيب).
- وهذا الخبر نقله البكرى بنصه في معجم ما استعجم: ٩٣٠، ونقله السيوطي مختصرًا في بغية الوعاة في ترجمة (قتيبة الجعفي) (انظر ما سلف رقم: ٧).
* * *
٢٤ - وقال البكرى في "معجم ما استعجم": ٩٢٩
стр. 1066
- (قرى عربية) على الإضافة لا تنصرف، منسوبة إلى العرب (انظر ما سلف رقم: ٧).
* * *
٢٥ - وذكر ابن خرداذبه في "المسالك والممالك": (١٢٨، ١٢٩) أعراض المدينة، فعدَّها (وقد اختصرت كلامه)، ومثله في (الأعلاق النفيسة) لابن رسته: ١٧٧:
(تيماء، وهي بين الشأم والحجاز، ودومة الجندل، وهي من المدينة على ثلاث عشرة مرحلة، والفرع، وذو المروة، ووادي القرى، ومدين، وخيبر، وفدك، وقرى عربية، والوحيدة، ونمِرة، والحديقة).
* * *
٢٦ - وفي النبذ الملحقة بالمسالك والممالك، من كتاب الخراج لقدامة (ص: ٢٤٨):
- وأعراض المدينة وأعمالها وعماراتها: ظبية (في الأصل طيبة) ويثرب، وتيماء، ودومة الجندل، والفرع، وذو المروة، وادي القرى، مدين، خيبر، فدك، قرى عربية، ساية، رهاط .. ) ثم انظر ما سيأتي من رقم: ٤٨، إلى رقم: ٥٣).
* * *
٢٧ - وبَيَّن من هذا الَّذي جمعته أن (قرى عُريْنة) لم ترد على هذا الوجه مضبوطة إلا في كتاب وفاء الوفا للسمهودى (انظر رقم: ٤) واستدلّ على ذلك بخبر معاذ بن جبل (رقم: ٥، ٦) وخبر الزهري في الفيء (رقم: ٧ - ١٠).
والخبر الأول رواه يحيى بن آدم، من طرق، ورواه أحمد أيضًا من طريقين، وهو ثابت في المطبوع والمخطوط من أصولهما (قرى عربية (لا عرينة) وزاد يحيى بن آدم ما يؤكد ذلك، بخبره الَّذي رواه عن سعيد بن جبير (رقم: ٦٢٢) في تفسير قوله تعالى: ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾، فجاء مطابقًا لما رواه الطبري في تفسير هذه الآية من طريقين آخرين (رقم: ١٣)، وهو ثابت على هذا الوجه في الطبري المطبوع والمخطوط.
стр. 1067
- وأما الخبر الثاني من الزهري، فهو (قرى عربية) في كتاب الأموال لأبي عبيد، وفي فتوح البلدان للبلاذري، وفي آداب الشافعي لابن أبي حاتم، وفي معجم ما استعجم للبكرى، وفي تفسير الطبري، وفي الدر المنثور، وفي مختصر المزني، ويزيده ثبوتًا تعقيب أبي عبيد عليه (رقم: ٧) بقوله: (هي في العربية (قرى عربية) بتنوين، والمحدِّثون يقولون (قرى عربية) بغير تنوين، فلو كانت (قرى عرينة) لم يكن لها سوى وجه واحد، وهو بالإضافة وترك التنوين، ويزيده ثبوتًا مرة أخرى إتيان ابن أبي حاتم به، بعقب ما نقله عن الربيع بن سليمان عن الشافعي في تفسير (القرى العربية) وهي التي بناها اليهود في بلاد العرب، وأنها هي التي أفاء الله على رسوله ﷺ (رقم: ٢١).
فبان بهذا أن السمهودى قد صحّف أو نقل عن كتاب مصحف لا خير فيه، ثم ضبط هذا الضبط (قرى عرينة)، كجهينة، من عند نفسه، لا عن أصل صحيح أو رواية ثابتة.
* * *
٢٨ - أما ياقوت في معجم البلدان (رقم: ٣)، وأظن السمهودى قد نقل عنه، فإنه أغمض كلامه إذ قال: (وعرينة، موضع ببلاد فزارة، وقيل قرى بالمدينة. وعرينة قبيلة من العرب)، فهو لم يصرح بذكر (قرى عرينة، بل أتى في نفس المادة بعقب هذا الكلام بأنه رآها (قرى عربية) مضبوطة بخط العبدرى في فتوح الشأم (رقم: ٢٠) فقد أبرأ الرجل ذمته، ودلَّ على توقفه وتشككه.
* * *
٢٩ - وأقدم ضبط في هذه الأخبار، هو ما جاء في خبر أبي عبيد الله كاتب المهدي، وشبيب بن شيبة وقتيبة النحوى الجعفي الكوفي (رقم: ٢٣)، ونقله البكري في معجم ما استعجم، والسيوطى في بغية الوعاة، فأبو عبيد الله معاوية ابن عبد الله بن يسار الأشعرى، كاتب المهدي، ولد سنة ١٠٠، وتوفي سنة ١٧٠، وشبيب بن شيبة المنقرى توفي سنة ١٦٢. وهو خبر يقوم على الاختلاف في تنوين (قرى عربية) وترك تنوينها، على نحو ما كان من كلام أبي عبيد في الأموال (رقم: ٧). وقد بنيت أنَّه لا وجه للاختلاف إذا كانت (قرى عرينة)
стр. 1068
كما أسلفت (رقم: ٢٧)، هذا على أن أبا عبيد القاسم بن سلام قديم أيضًا، فقد ولد سنة ١٥٤ وتوفي سنة ٢٢٤.
٣٠ - ويلي ذلك في الصحَّة والقدم، مع وضوح الضبط، ما رواه ابن أبي حاتم عن الشافعي (ولد سنة ١٥٠، وتوفي سنة ٢٠٤) في تفسير (قرى عربية) (رقم: ٢١)، ودلَّ بذلك على أنها منسوبة إلى العرب، كما قال البكري في صدر كلامه عن (قرى عربية) (رقم: ٢٤)، وزاد أيضًا أنها لا تنصرف، نفيًا لقول من يقول (قرى عربية) مصروفة، منونة.
* * *
٣١ - ويلى هذا، على تأخره، ما رآه ياقوت مضبوطًا بخط العبدرى في فتوح الشام، إذ قال في مادة (عرينة) (رقم: ٢٠)، بعد الخبرين اللذين ساقهما: ضبط في الموضعين بفتح العين والراء، والباء الموحدة، والياء المشددة).
* * *
٣٢ - وإذن، فإجماع هذه النصوص كلها، مما نشر مطبوعًا عن أصوله الصحيحة أو السقيمة، على أنها (قرى عربية) ثم تظاهُرُ الأدلة على أن (قرى عربيةَ) نسبة إلى (العرب)، ثم وضوح الدلالة على أنها لو كانت (قرى عرينة) فلا وجه للكلام في تنوينها وترك تنوينها كل ذلك قاطع على أن الصواب (قرى عربية) غير مصروف، وأن ما جاء في كتاب السمهودى وهم امرئ مصحّف غير ضابط، وقاطع أيضًا على أن ما جاء في نص الأم المطبوع (رقم: ١٢) وفي جوامع السير لابن حزم (رقم: ١٨)، وفي تفسير البغوي بهامش تفسير ابن كثير (رقم: ١٤)، بلفظ (قرى عيينة)، كل ذلك تصحيف لا خير فيه، وثبت أنها (قرى عربية) لا غير.
* * *
٣٣ - ولكن يبقى إشكال آخر، هو ما يدل عليه (قرى عربية) فإن كتاب ياقوت، وكتاب البكرى، وكتاب السمهودي، وكتاب ابن خرداذبه، لا تكاد
стр. 1069
تأتي بشيء شافٍ يحدد رسم (قرى عربية) من أعراض المدينة، والأخبار تأتينا أيضًا بشيء لا يكاد يعتمد عليه في تحديد موقع ما يسمى (قرى عربية) فمن أجل ذلك آثرت أن آخذ دلالة الأخبار خبرًا خبرًا، حتَّى أرى ما يُفضى إليه الرأي في تحديد مدلول (قرى عربية).
* * *
٢٤ - فأول شيء خبر الفيء، فالذي في كتاب الأموال (الخبر: ٧)، والبلاذري في فتوح البلدان (رقم: ٨) فتفسير (قرى عربية) فيهما أنها (فدك، وكذا وكذا) ومثلهما ما جاء في جوامع السير (رقم: ١٨).
فهذه الأخبار دالة على أن (قرى عربية)، كانت تطلق على فدك، وقرى أخرى غيرها، وهي التي أفاء الله على رسوله خاصة دون المسلمين.
* * *
٣٥ - ولكن خبر الفيء نفسه روى بزيادة "واو" تجعل الأمر مختلفًا بعض الاختلاف، وذلك ما رواه ابن أبي حاتم (رقم ٩)، وما نقله البكري (رقم: ١٠) ففيهما أن الفيء: (قرى عربية، وفدك وكذا وكذا) وهذه الزيادة إن لم تكن خطأ في أصل هذه الكتب، فهي دالة على أن (قرى عربية) موضع بعينه غير فدك.
ويعضد ذلك ما جاء في خبر الطبري (رقم ١١) في شأن الفيء أيضًا: (فكان من ذلك خيبر، وفدك، وقرى عربية). ويعضده مرة أخرى ما ذكره ابن خرداذبه، عند ذكر أعراض المدينة (رقم: ٢٥) وقدامة أيضًا (رقم: ٢٦)، فقالا: (. . . خيبر وفدك وقرى عربية).
- ويعضده أيضًا ما رواه أبو جعفر بن جرير في تفسير آية الفيء (٢٨: ٢٤ بولاق) قال:
- حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري في قوله: ﴿أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [سورة الحشر: ٦] قال: صالح النبي ﷺ أهل فدك، وقرى قد سماها لم أحفظها، وهو محاصر قومًا آخرين، (يعني محاصرة خيبر، كما في رقم: ١٦)، وأرسلوا إليه بالصلح. قال: (أَؤجَفْتُمْ
стр. 1070
عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾، يقول: بغير قتال، قال الزهري: فكانت بنو النضير للنبي خالصة لم يفتحوها عنوة بل على صلح".
وقوله: (وقرًى قد سماها لم أحفظها) من كلام معمر، وجائز أن يكون (قرى عربية) نفسها، وجائز أيضًا أن يكون ما جاء مبهمًا مكنيًّا عنه في حديث الزهري كله (رقم: ٧ - ١٠) في قوله: (فدك وكذا وكذا)
- وكل ذلك دال على أن (فدك) غير (قرى عربية).
* * *
٣٦ - وفي الأخبار التي ذكرتها ما يدل أيضًا على أن (خيبر)، غير (قرى عربية) وذلك خبر ابن عباس في الفيء (رقم: ١١)، حين عدّ خيبر مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فقال: (فكان من ذلك خيبر، وفدك، وقرى عربية).
- ثم ما رواه البغوي عن الحسن وقتادة والسديّ (رقم: ١٤) (بعد تصحيحه)، إذ قال: (تواطأ اثنا عشر حبرًا من يهود خيبر، وقرى عربية).
- ثم جاء في المحبر (رقم: ١٦). خرج ﷺ إلى خيبر .. وارتحل منها إلى قرى عربية).
- ثم ما جاء أيضًا في ابن خرداذبه (رقم ٢٥) في قوله: ﴿ .. خيبر، وفدك، وقرى عربية).
- ثم ما جاء في الخراج لقدامة (رقم: ٢٦) في قوله ( .. خيبر، فدك، قرى عربية).
* * *
٣٧ - وتلخيص هذا أن (قرى عربية) في بعض الأخبار هي (فدك) وقرى أخرى غيرها -وفي بعضها الآخر أن (قرى عربية) غير (فدك) وغير (خيبر) وأنها اسم مكان بعينه.
* * *
٣٨ - وأيا ما كان، فإن تتبع صفة هذا الموضع، لا غنى عنها في طلب الدليل على مكانه من أرض العرب.
стр. 1071
- فمن ذلك أنها أرض بعينها يقال لها (قرى عربية) كما سلف (رقم: ٥)، في بيان يحيى بن آدم.
وأنها (قرى الزهري بالحجاز معروفة)، كما قال البكري في حديث (رقم: ١٠)، وفي خبر قتيبة النحوى وشبيب بن شيبة (رقم: ٢٣).
- وأنها (قرى متصلة) بين المدينة والشام، كما روى الطبري عن ابن عباس والضحاك، كما مضى (١٣) وزاد ابن كثير أنها: (بينة يعرفها المسافرون يقيلون في واحدة، ويبيتون في أخرى).
- وأنها قرى بالمدينة، كما قال ياقوت (رقم: ٣)
- وأنها من أعراض المدينة، كما دل عليه كتاب "المسالك والممالك" (رقم: ٢٥)، وكتاب قدامة (رقم: ٢٦).
- وإنها قرى بنواحي [المدينة] (١) في طريق الشام، كما ذكر السمهودي (رقم: ٤).
* * *
٣٩ - وهذه الصفات لا تكاد تحدد شيئًا، ولكنها تدل في مجموعها على أن (قرى عربية) كانت تطلق أحيانا على (فدك) وقرى غيرها، وأن هذه القرى من الحجاز، وأنها من أعراض المدينة، وأنها قرى متصلة بين المدينة والشأم: وإذا صح ما قاله عرَّام في حد الحجاز "معجم ما استعجم: ١٠" من أعمال المدينة هي فدك، وخيبر، ووادي القرى والمروة، والفرع، والجار" - وما قاله محمد ابن عبد الملك الأسدى "معجم ما استعجم: ١٠" من أن (الحجاز) اثنتا عشرة دارا هي المدينة، وخيبر، وفدك، وذو المروة، وداربليّ، ودار مزينة، ودار جهينة. ." ثم قارن ذلك بما قاله ابن خرداذبه (رقم: ٢٥)، وما قاله قدامة (رقم: ٢٦) فظاهرُ الرأي أن تكون "قرى عربية" تخص أحيانا قرى بعينها من الحجاز من أعمال المدينة، وأحيانا أخرى تعم ما بين المدينة والشام من القرى المتصلة، كما ذكر الطبري عن ابن عباس.
стр. 1072
٤٠ - والذي يرجح هذا، ويزيده عندي يقينا، ما رواه ابن أبي حاتم (٥٠) عن الشافعي (رقم: ٢١) في تفسير "قرى عربية" وأنها هي قرى اليهود التي بنوها في بلاد العرب، وهي أشراف بلاد العرب -وما قاله الأصمعي في تفسير "قرى عربية" (رقم: ٢٢)، من أنها كل قرية في أرض العرب، نحو خيبر، وفدك، والسوارقية، وما أشبه ذلك- وإن كان نص الأصمعى أعم، لأنه يدخل في تفسير "قرى عربية": (السوارقية) وهي ليست في الطريق بين المدينة والشام، بل في طريق بين مكة والمدينة، ولا أعلم أكانت من قرى اليهود أم لم تكن؟
٤١ - وفي خبر الشافعي (رقم: ٢١) أنها أيضًا (أشراف) جمع (شرف)، وهو ما أشرف من الأرض، أي ما علا حوله، أو دنا منه، وكأن الشافعي أراد بالأشراف (المشارف) و (مشارف الأرض) أعاليها، وهي أخصب الأرض، ولذلك قيل: "مشارف الشام" وهي قرى من أرض العرب تدنو من الريف، والريف عندهم: ما قارب الماء، من أرض العرب، فكان فيها خصب وزرع ونخيل. فإذا صح ذلك، وهو صحيح، كان كل ما سكنه يهود من أرض العرب، وأقاموا به وسكنوه، جائزًا أن يكون (قرى عربية) كما قال الشافعي. وقد قال ياقوت في معجمه مادة (الشرف): (والمشارف من قرى العرب، ما دنا من الريف، وهي مثل خيبر، ودومة الجندل، وذو المروة)، فالأشراف والمشارف واحد، فيما أرجح.
- و"دومة الجندل" كما قال السمهودى وغيره: "من القريات، من وادي القرى، وأنها "قرى بين الشام والمدينة" وذكر ابن سعد (١/ ١/ ٤٤) أنها طرف من أفواه الشام، بينها وبين دمشق خمس ليال، وبينها وبين المدينة خمس عشرة أو ست عشرة ليلة". و"ذو المروة"، أيضًا، من وادي القرى، فهذا يشبه أن يكون داخلا في قول الشافعي "أشراف بلاد العرب" وأن "دومة الجندل" و"وادي القرى"، وغيرهما من القرى التي سكنتها يهود وازدرعتها، هي داخلة في حدّ "قرى عربية".
стр. 1073
٤٢ - هذا على أنى لم أجد تحديدًا شافيًا لما كان يسمى (وادي القرى)، فالبكرى لم يذكره محددًا، ولم يعقد له بابًا في كتابه "معجم ما استعجم". أما ياقوت، فقد ذكره في (القرى) وفي (وادي القرى) وأحال على ما كتبه في (القرى). وكل ما قاله في صفته هو ما يلي:
(ووادي القرى، واد بين الشام والمدينة، وهو بين تيماء وخيبر، وبه قرى كثيرة، وبها سمى وادي القرى. قال أبو المنذر: سمى (وادي القرى) لأن الوادي من أوله إلى آخره قرى منظومة، وكانت من أعمر البلاد، وآثار القرى إلى الآن بها ظاهرة، إلا أنها في وقتنا هذا كلها خراب، ومياهها جارية تتدفق ضائعة لا ينتفع بها أحد). ثم قال:
(قال أبو عبيد الله السكونى: وادي القرى، والحجر، والجناب، منازل قضاعة، ثم جهينة وعذرة وبليّ، وهي بين الشام والمدينة، يمر بها حاج الشام، وكانت قديمًا منازل ثمود وعاد، وبها أهلكهم الله، وآثارها إلى الآن باقية، ونزلها بعدهم يهود، واستخرجوا كظائمها، وأساحوا عيونها، وغرسوا نخلها، فلما نزلت بهم القبائل، عقدوا بينهم حلفًا، وكان لهم فيها على اليهود طعمة وأكل في كل عام، ومنعوها لهم من العرب، ودفعوا عنها قبائل قضاعة) - وهذا مختصر مما في "معجم ما استعجم": ١: ٤٣).
ويوهم سياق الكلام أن اليهود هم الذين منعوا وادي القرى من العرب، والصواب أن الذين منعوها لليهود هم بنو عذرة، للحلف الَّذي بينهم وبين يهود. وقد ذكر ذلك النابغة الذبياني في شعره، فقد أراد النعمان بن الحارث الغساني أن يغزو بني عذرة بوادي القرى، وكان النابغة لهم محبًّا ومادحًا، فنهاه عن ذلك، وقال في أبياته:
تجَنب بني حُنّ فإن لقاءهم ... كريه، وإن لم تلق إلا بصابر
و(بنو حُنّ)، هم بنو عُذْرة، ثم قال:
وهُمْ منعوا وادي القرى من عدوهم ... بجمْع مُبِير للعدو المُكاثِرِ
وهُمْ منعوها من قضاعة كلُّها ... ومن مُضَرِ الحمراء، عند التغاوُرِ
стр. 1074
٤٣ - وأما السمهوديّ في "وفاء الوفاء"، فإنه عقد باب (وادي القرى)، وليس فيه تحديد شاف بل قال:
(واد كثير القرى بين المدينة والشام)، ثم نقل عن الحافظ ابن حجر: (هي مدينة قديمة بين المدينة والشأم، وأغرب ابن قُرقول فقال: إنها من أعمال المدينة).
(قال السمهودي): ولا إغراب فيه، بتصريح صاحب "المسالك" به، كما سبق في تبوك، وسبق أن (دومة الجندل) من أعمال المدينة، وأنها بوادي القرى (انظر ما كتبته رقم: ٤١) ثم قال:
(وسبق في (ذي المروة)، أن بعضهم عدّه من وادي القرى، وأنه إن ثبت فهو غير (وادي القرى) المذكور، وسبق في (بلاكث) و (برمة) ما يؤيده. وعليه أهل المدينة اليوم، لأنهم يسمون ناحية ذي المروة، وناحية ذي خشب (وادي القرى)، ولعلها (قرى عرينة) الصواب: (قرى عربية، كما أسلفنا).
- وهذا نص مهم جدًّا، لأن السمهودي تنبه هنا إلى أن (قرى عربية) توشك أن تكون دالة على هذه القرى جميعها.
* * *
٤٤ - وصفة (وادي القرى) كما جاء في صفة أبي المنذر (رقم: ٤) (سمى وادي القرى) لأن الوادي من أوله إلى آخره قرى منظومة (هو نفس صفة (قرى عربية) التي ذكرها الطبري (رقم: ١٣)، ويطابق ما لخصته آنفًا (رقم: ٣٨، ٣٩)، وذلك كما قال الطبري: قرى متصلة بين المدينة والشام).
* * *
٤٥ - وشيء آخر يدل على مثل ذلك، فقد قال ابن حبيب في "المحبّر" (رقم: ١٦):
(ثم سنة سبع، فيها خرج ﷺ إلى خيبر، فحاصرهم بضعة عشر يومًا، وارتحل منها إلى (قرى عربية) فلم يلق كيدا).
وإجماع أهل السير، أن رسول الله ﷺ لما فرغ من أمر خيبر، ارتحل
стр. 1075
متوجهًا إلى (وادي القرى) قال ابن إسحاق (سيرة ابن هشام: ٣: ٣٥٣):
(فلما فرغ رسول الله ﷺ من خيبر، انصرف إلى وادي القرى، فحاصر أهله ليالى، ثم انصرف راجعًا إلى المدينة).
وكذلك قال البلاذري في "فتوح البلدان": ٤١، الطبري في تاريخه: (٣: ٩٦)، وابن سيد الناس في "عيون الأثر" (٢: ١٤٣)، وابن كثير في "البداية والنهاية" (٤: ٢١٢)، والمقريزى في "إمتاع الأسماع" (١: ٣٣١)، وغيرهم.
فصح بذلك أيضًا أنهم كانوا يطلقون (قرى عربية) على (وادي القرى) أيضًا.
* * *
٤٦ - وبقى نص آخر، يحتاج إلى بعض التفصل، ذلك ما نقله ياقوت في معجمه عن خط العبدرى (رقم: ٢٠) في بعث أبي بكر ﵁ عمرو بن العاص، إلى الشأم مُمِدًّا لأبي عبيدة:
- (وجعل عمرو بن العاص يستنفر من مرّ به من البوادي وقرى عربية) وقد ذكر البلاذرى في فتوح البلدان (١١٤، ١١٥) أن أبا بكر عقد ثلاثة ألوية لفتح الشأم، منها لواء عمرو بن العاص، ثم ذكر عن أبي مخنف: أن عمرو ابن العاص إنما كان مددًا للمسلمين، وأميرًا على من ضم إليه) و (أن يسلك طريق أيلة عامدًا لفلسطين).
وجاء في الطبري (في سنة ثلاث عشرة) أن أبا بكر بعث عمرًا قِبَل فلسطين، فأخذ على طريق (المعرفة) إلى (أيلة).
وطريق (المُعرفة) هو الَّذي كانت تسلكة عير قريش إلى الشام، وفيه سلكت عيرهم حين كانت وقعة بدر، وهذه الطريق، كما استظهرت من صفة ابن خرداذبه في "المسالك والمالك" (١٥٠، ١٩١) للطريق من دمشق إلى مكة هي: (من المدينة، إلى ذي خشب، إلى السويداء، إلى المرّ، إلى ذي المروة، إلى الرحيبة، إلى وادي القرى، إلى الحِجر).
стр. 1076
و (ذو خشب) يعد من وادي القرى، و (السويداء) بعد ذي خشب على ليلتين من المدينة على طريق الشام، و (مُرّ) واد في بطن إضم، وهو كما قال ابن سعد ١/ ٩٦/١: (بين ذي خشب وذى المروة)، وهو من منازل جهينة، وجهينة كما سلف (رقم: ٣٩، ثم رقم: ٤٢) بوادي القرى، ثم (الرُّحيبة) وكأنها (الرحبة)، إلا أن يكون تصغيرًا، من بلاد عذرة، قرب وادي القرى.
وأيضًا، فقد روى ابن عساكر في تاريخه (١: ٤٤٦ - طبعة المجمع العلمي بدمشق: (أن أبا بكر قال لعمرو بن العاص في فتح الشام: إني قد استعملتك على من مررت به من بليّ، وعذرة، وسائر قضاعة، ومن سقط هنالك من العرب، فاندبهم إلى الجهاد في سبيل الله .. ).
وقد سلف في (رقم: ٣٩، ورقم: ٤٢) أن منازل بليّ، وعذرة وقضاعة، هي (وادي القرى)، بين المدينة والشام، وإذن فالذين استنفرهم من البوادي و (قرى عربية) فيما ذكره العبدرى، هم أنفسهم من استعمل عليهم عمرو بن العاص من بليّ وعذرة وقضاعة، واستنفرهم في طريقه إلى فلسطين، كما قال ابن عساكر، وهم أنفسهم أصحاب (وادي القرى).
- فهذا إذن، دليل آخر على أنهم يريدون بقولهم: (قرى عربية)، وادي القرى، وسائر القرى الممتدة المتصلة بالشام.
* * *
٤٧ - وأما صدر الكلام الَّذي وجده ياقوت بخط العبدرى (رقم: ٢٠) فقد أوجدنيه الأستاذ عبد الله الوهيبى، في أخبار الردة في "فتوح البلدان" ١٠١، وتاريخ ابن الأثير ١٤٢، وهو بإسناده في فتوح البلدان.
- حدثني عبد الله بن صالح العِجْلي، عن يحيى بن آدم، عن عوانة بن الحكم، عن جرير بن يزيد، عن الشعبى قال: قال عبد الله بن مسعود: "لقد قمنا بعد رسول الله ﷺ ، مقامًا كدنا نهلك فيه، لولا أن من الله علينا بأبي بكر. اجتمع رأينا جميعًا على أن لا نقاتل على بنت مخاضٍ وابن لبون، وأن نأكل قرى عربية، ونعبد الله حتَّى يأتينا اليقين".
стр. 1077
ومعني هذا الخبر أن العرب لما ارتدت، وتنازع الصحابة أمرهم بينهم، كادوا يجمعون على المقام في المدينة وما حولها، وهي قرى عربية، يأكلون مما تنبت أرضها، ويعبدون الله حتَّى يأتي أمر الله، وهذا واضح الدلالة على أن المراد بقوله: "قرى عربية"، أعراض المدينة وهي خيبر، وفدك، ووادي القرى، كما سلف من قول ابن خرداذبه، وابن رسته (رقم: ٢٥).
* * *
٤٨ - هذا، وبعد الانتهاء مما سلف، تفضل الأخ الأستاذ عبد الله الوهيبى، فأوقفني على عدة نصوص فاتتنى وأنا أسردها هنا:
- في الاستيعاب لابن عبد البر، في ترجمة "عمرو بن سعيد بن العاص"! "واستعمل رسول الله ﷺ عمرو بن سعيد، على قرى عربية، منها تبوك وخيبر وفدك. . . .".
ومثله في ترجمته أيضًا في أنساب الأشراف للبلاذرى (٤: ١٢٨)، وانظر ما سلف (رقم: ١٧ - ١٩).
- ثم جاء في الاستيعاب أيضًا في ترجمة "خالد بن سعيد بن العاص": "وكان خالد على اليمن، وأبان على البحرين، وعمرو على تيماء وخيبر وقرى عربية، وكان الحكم يعلّم الحكمة" انظر ما سلف (رقم: ١٧ - ١٩).
٤٩ - وقال أبو حيان في "البحر المحيط" في تفسير سورة الحشر (٨: ٢٤٥).
- "وقال ابن عطية: أهل القرى المذكورون في هذه الآية، هم أهل الصفراء، وينبع، ووادي القرى، وما هنالك من قرى العرب التي تسمى قرى عربية".
قلت: وهذا يشبه أن يكون تفسيرًا واضحا مطابقًا لقول الأصمعى والشافعي وبيانهما فيما سلف (رقم: ٢١، ٢٢).
٥٠ - وفي كتاب "البدء والتاريخ" لابن طاهر المقدسي (٥: ٢٥) في ذكر رسول الله ﷺ وميراثه، قال:
стр. 1078
- (وله ﷺ من الضياع: قرى عربية، وفدك، والنضير، وكثير من خيبر).
* * *
٥١ - وفي كتاب الخراج لأبي يوسف: ٧٠:
- (وأما الخوارج، فإنهم أخطأوا الحجة، وجعلوا (قرى عربية) بمنزلة (قرى عجمية)، ولم يأخذوا بما اجتمع عليه أصحاب رسول الله ﷺ وقول عمر وعلى).
ويعني بذلك أنّ أرض الحجاز والمدينة ومكة واليمن وأرض العرب كلها، أرض عُشر، وإن فتحت عنوة، أما (قرى عجمية)، وهي قرى العجم، فإن ما افتتح منها فهو أرض خراج. قال أبو يوسف: (وقد بلغنا أن رسول الله ﷺ افتتح فتوحًا من الأرض العربية، فوضع عليها العشر، ولم يجعل على شيء منها خراجًا).
- وهذه الفتوح هي التي ذكرها الشافعي ﵀ فيما سلف (رقم: ١٢) وأبان عنها فيما نقله آنفا (رقم: ٢١). فقول أبي يوسف أن الخوارج جعلوا (قرى عربية) بمنزلة (قرى عجمية)، إنما يعني هذا، ويعني أيضًا ما أشار إليه الشافعي في بيانه، وما قاله الأصمعي آنفا (رقم: ٢٢) من أن (قرى عربية) كل قرية في أرض العرب) فكذلك (قرى عجمية) هي كل قرية في أرض العجم.
* * *
٥٢ - وفي "شرح ابن الأنبارى" للقصائد السبع (١٠٦ - ١٠٧) في شرح قول امرئ القيس:
وتيماء لمْ يترك بها جِذْع نخلةٍ ... ولا أجما إلَّا مشيدًا بجندلٍ
قال: (وتيماء، من أمهات القرى، قرى عربية).
- وهذا واضح الدلالة على أن (تيماء)، من قرى عربية، فهو لذلك دال
стр. 1079
على أن قرى عربية اسم جامع لقرى العرب التي كانت شمال المدينة، والتي سكنها يهود.
* * *
٥٣ - وبقى خبر عن أبي هريرة رواه ابن عساكر "مختصر تاريخ ابن عساكر" ١: ٣٥٠)، والسيوطى في دلائل النبوة (١: ٢٥):
- (عن أبي هريرة: بلغنى أن بني اسرائيل، لما أصابهم ما أصابهم من ظهور بخت نصر عليهم، وفرقتهم وذلتهم تفرقوا، وكانوا يجدون محمدًا منعوتًا في كتابهم، وأنه يظهر في بعض (القرى العربية)، في تربة ذات نخل، فلما خرجوا من أرض الشأم، جعلوا يقترون (١) كل قرية من تلك القرى العربية بين الشأم واليمن، يجدون نعتها نعت يثرب، فينزل بها طائفة منهم، ويرجون أن يلقوا محمدًا فيتبعونه، حتَّى نزل من بني هرون ممن حمل التوراة بيثرب منهم طائفة، فمات أولئك الآباء وهم مؤمنون بمحمد ﷺ أنَّه جاء، ويحثون أبناءهم على اتباعه إذا جاء، فأدركه من أدركه من أبنائهم، وكفروا به وهم يعرفون).
- وصفة هذه القرى العربية، شبيهة بصفة (قرى ظاهرة) (سبأ: ١٨) فيما ذكرته آنفًا من خبر سعيد بن جبير (رقم: ٥)، وما جاء في تفسير الطبري (رقم: ١٣)، وأنها هي (قرى عربية).
٥٤ - وعندي أن هذا كله يوشك أن يدل على أن (قرى عربية) كانت تشمل القرى العربية ما بين الشأم إلى المدينة، كما فسرها الطبري في تفسير قوله تعالى: (قرى ظاهرة) (سبأ: ١٨)، وأن (قرى عربية) و (وادي القرى) كانا يستعملان أحيانا، ولاسيما في القديم من الرواية، للدلالة على معنى واحدٍ، وأن هذه الدلالة عند عمومها تشمل خيبر، وفدك، ووادي القرى، وبرمة التي بين خيبر ووادي القرى، (وفاء الوفا)، وذا المروة وذا خشب، والهمج، وهو ماء بين خيبر وفدك (ابن سعد ٢/ ١/ ٦٥، "وفاء الوفا" في (فدك) وهمج - وظبية، والصفراء، ويثرب، وتيماء، ودومة الجندل، ومدين، وينبع، وبلاكث،
стр. 1080
وسائر ما كان من القرى في شمال المدينة، وما نزلت به هو من أرض العرب فسكنته وغرسته وبنت فيه بيوتها وآطامها وأسواقها.
٥٥ - وقد بقى خبران لم أتعرض لهما، أولهما: خبر الطبري، وشبيهه الَّذي جاء في تفسير البغوي (رقم: ١٤) في شأن النفر الاثنى عشر من أحبار يهود، الذين جاءوا من خيبر وقرى عربية، وقد تواطأوا على الدخول في دين الله أوّل النهار، ثم يكفرون آخره، وهذا الخبر لم أجده مفسَّرًا مبسوطًا في مكان آخر، وقد ذكر أصحاب السير اجتماع نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله ﷺ وما كان من أمرهم.
وقد ذكر ابن اسحق أن (سورة آل عمران) التي ذكر الله سبحانه فيها مقالة أحبار يهود: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [سورة آل عمران: ٧٢]، إنما نزلت خاصة في الذين كانوا يسألون رسول الله ﷺ ويتعنتونه، وعدَّ منهم (أبا ياسر بن أخطب)، وأخاه (حيى بن أخطب)، وهما من بني النضير (ابن هشام ٢: ١٦٠ - ٢: ١٩٤، ١٩٧)، وعبد الله بن صيف، من بني قينقاع، وعدى بن زيد، والحارث بن عوف، من بني قريظة (ابن هشام ٢: ١٦١، ١٦٢ وتفسير الطبري ٦: ٥٠٤، رقم: ٧٢٢٣)، وهؤلاء الثلاثة من الذين تواطأوا على أن يؤمنوا أول النهار ويكفروا آخره.
فأما (حيي بن أخطب) وأخوه، فهما من بني النضير، و (صفية أم المؤمنين)، هي بنت (حيي بن أخطب) سيد قريظة والنضير (صحيح مسلم -كتاب النِّكَاح- باب فضيلة إعتاقه أمته ثم يتزوجها). وإذ كان ذلك كذلك، فأرجِّح أن أموال (حيى بن أخطب) ومنازله كان بعضها في فدك، وقرى عربية (وهي التي نزلت فيها آية الفيء، كما أسلفنا، فهذه الآية نزلت في بني النضير، بلا شك، و (سورة الحشر) التي منها هذه الآية، كان ابن عباس يقول هي (سورة بني النضير).
ولما أجلى بنو النضير إلى خيبر، كانت لحيي أيضًا أموال بها، لأن (صفية
стр. 1081
أم المؤمنين) كانت يوم خيبر عند (كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق) فصارت من سبايا خيبر، وكانت يومئذ في حصن بني أبي الحقيق، وهو القموص). و (كنانة) هذا، كان أيضًا من بني النضير (ابن هشام ٢: ١٦٠).
فأنا أرجح أن اليهود، من بني قريظة، وبني قينقاع، وبني النضير، وسائر طوائفهم كانوا مفرقين شتى متداخلين في القرى التي كانت شمال المدينة، في خيبر، وفدك، ووادي القرى، وقرى عربية وغيرها، فأظن لذلك أنّ المذكورين في خبر ابن هشام، هم أنفسهم المذكورون في خبر المتواطئين من يهود خيبر وقرى عربية، كما جاء في خبر الطبري (انظر ما سيأتي رقم: ٥٦).
وقد رأيت ما يصحّح هذا القول في شأن قريظة والنضير، وأنهم كانوا خارج المدينة في كتاب ابن القيم "أحكام أهل الذمة" ص: ٨٣٩ قال: (وأما قريظة والنضير، فكانوا خارجًا من المدينة، وعهدهم مع رسول الله ﷺ أشهر من أن يخفي على عالم).
* * *
٥٦ - وأما الخبر الثاني، فهو خبر دجاجة، عن عثمان ﵁ (رقم: ١٥) وقول عثمان: (لا يسكن قرى عربية دينان)، وهذا الخبر لم أجده في أخبار عثمان ﵁، والذي عندنا في أمر إجلاء اليهود، هو إجلاء عُمر يهود خيبر، وغيرها لقوله ﷺ لا يجتمع دينان في جزيرة العرب)، فأجلاهم عمر إلى (تيماء). فإذا صح أن عثمان قال: (لا يسكن قرى عربية دينان) فإنه لا يعني خيبر بلا شك، ولا يعني أيضًا (فدك)، ولا منازل بني النضير القريبة من شمال المدينة، لأن رسول الله ﷺ ، خرج إلى بني النضير سنة أربع، فسار بعضهم إلى (خيبر) فكان منهم (سلّام بن أبي الحقيق)، و (كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق) و (حيي بن أخطب) (ابن هشام ٣: ٢٠١).
وإذا لم يكن يعني هذه القرى القريبة من شمال المدينة، فأرجح أن قول عثمان: (لا يسكن قرى عربية دينان)، إنما يراد به بعض الأماكن البعيدة عن شمال المدينة إلى حد الشام من القرى الظاهرة المتصلة التي ذكر الطبري أنها
стр. 1082
(قرى عربية) (رقم: ١٣)، نحو (تيماء) ودومة الجندل، ومدين، وما قارب ذلك (١).
* * *
٥٧ - فمن هذا كله، من الَّذي علقته في هذه الكلمات، وعما أغفلته من الاستنباط والمراجعة، يتبين لي أن أدق تفسير لقولهم (قرى عربية) هو أقدم تفسير، وهو قول الشافعي في ذلك: (هي قرى اليهود بنوها في بلاد العرب، والعرب حولهم، وهي أشراف بلاد العرب، (أي مشارفها)، وهي فدك وخيبر)، وقول الأصمعى، وهو أوضح: قرى عربية، كل قرية في أرض العرب، نحو خيبر، وفدك، والسوارقية، ما أشبه ذلك) (رقم، ٢١، ٢٢) وذلك ما فسّرته آنفًا (رقم: ٥٤).
وظني أن اليهود لما نزلوا أرض العرب، وانساحوا ما بين المدينة والشأم، كانوا يسمون بلاد جزيرة العرب يومئذ "عربية" أي أرض العرب، ثم قالوا للقرى التي سكنوها في مهبطهم من الشأم إلى يثرب "قرى عربية" اسمًا جامعًا، أي قرى أرض العرب، وقولهم (عربية) وهم يعنون بلاد جزيرة العرب، أشبه بأن يكون من كلامهم ونهج لسانهم، وإذ كانوا غرباء على لسان العرب، فقد سموها على سليقة لسانهم بلفظ عربي مستجلب. ثم لما طال عليهم الأمد، وسموا كل قرية باسم أنشأوه أو ورثوه ممن كان معهم من العرب نحو (تيماء) و (دومة الجندل) و (خيبر) و (فدك)، ظل قولهم (قرى عربية) اسما جامعًا لهذه الأرض كلها من شمال المدينة إلى الشأم: ولكن العرب لما جاوروهم وعقدوا بينهم حلفًا، بدأوا يضيقون بهذه التسمية التي تشبه أن لا تكون عربية خالصة
стр. 1083
(قرى عربية) وإن احتملها لسان العرب، فقالوا لهذه القرى (وادي القرى)، إذ كانت أكثر هذه القرى تقع في الوادي الطويل الممتد المتفرع ما بين الشأم إلى المدينة.
فلما أخذت كل قرية تتسع وتكبر، ويزداد عدد أهلها، وتكون لها شهرة بثمر أو سوق أو تجارة، انفردت كل واحدة منها باسمها وطار صيتها، وجعل لفظ (وادي القرى) أو (قرى عربية) يضيق أحيانًا فيطلق على مكان بعينه، يجمع عدة قرى متقاربة، وربما جاء وقت بعد ذلك، لا أستطيع أن أحدده، وإن كنت أرجح أنَّه كان بعد الإسلام بدهر، فخص (وادي القرى) و (قرى عربية) بناحية بعينها أو ناحيتين من هذه القرى الممتدة المتصلة ما بين الشأم إلى يثرب. ومن أجل ذلك كما رأيت، اضطرب قول المؤلفين في تحديد ما كان يسمى (وادي القرى) أو (قرى عربية) وصارا بذلك اسمين مبهمين يدلان دلالة مبهمة غير محددة تحديدًا شافيًا.
هذا غاية ما أحببت أن أقيده، وعسى أن أكون قد بلغت بعض التوفيق في جمع هذه الأخبار وتصحيح دلالاتها، والبيان عن معنى (قرى عربية) وتمحيصه، والحمد لله وحده.
стр. 1084
كانت الجامعة. . . هي طه حسين
ما هو دور طه حسين في رأيك (١)؟
سؤال ضخم الإجابة عنه في أسطر قلائل، تكليف بما لا يطاق. ومع ذلك فسأحاول أن أقول لك شيئًا أتمم به ما تناثر في بعض ما كتبت، حين كانت الضرورة تدعونى إلى التحدث عن الدكتور طه حسين وآرائه في الأدب.
كان ﵀ ينشر "حديث الأربعاء" في صحيفة السياسة، وذلك في حدود سنة ١٩٢٣، وكنت يومئذ فتى صغيرا في المدارس الثانوية، فكنت أقرأ ما يكتب وأتتبعه. وكنت قبيل ذلك أيضًا أقرأ كتاب "الكامل" للمبرد وكتاب "الحماسة" لأبى تمام على شيخى وأستاذى ﵀ إمام العربية في زمانها "سيد ابن علي المرصفي" في بيته، وكان الشيخ لا يكاد يقرأ الصحف، ففي بعض حديثي معه ذكرت له ما كان يكتبه الدكتور طه حسين. فعرفت يومئذ منه أن الدكتور طه حسين قرأ عليه أيضًا ما شاء الله أن يقرأ من كتاب الكامل للمبرد. فحفزنى ذلك على أن أسعى إلى لقاء الدكتور طه حسين وإلى السماع منه. فمن يومئذ عرفته معرفة عن قرب. عرفته محبا لعربيته حبا شديدا، حريصا على سلامتها، متذوقا لشعرها ونثرها أحسن التذوق، وعلمت أن هذا الحرص وهذا التذوق كان ثمرة من ثمار قراءته على المرصفي. فإني لم أر أحدا كان يحب العربية ويحرص على سلامتها، ويتذوق بيانها، كشيخنا المرصفي رحمة الله عليه، ولم أر لأحد تأثيرا في سامعه كتأثير الشيخ في سامعه.
ومضت الأيام منذ سنة ١٩٢٣ إلى سنة ١٩٢٥، فيومئذ صدر المرسوم بإنشاء "الجامعة المصرية" مكونة من عدد من الكليات إحداهن "كلية الآداب"
стр. 1085
وصار الدكتور طه حسين أستاذ الأدب العربي في "قسم اللغة العربية" في "كلية الآداب". ولكن لم تكد تمضي سنة على إنشاء الجامعة حتَّى صرنا إلى أمر غريب جدا: لا يكاد يذكر اسم "الجامعة" حتَّى ينصرف ذهن كل سامع إلى "كلية الآداب" وحدها، ثم إلى الدكتور طه حسين وحده، هذا مع أن عدد طلبة "كلية الآداب" كان يومئذ يعد بالعشرات، وكان عدد طلبة "قسم اللغة العربية" من هذه الكلية يكاد يعد على الأصابع. أي أنك تستطيع أن تقول بلا تجوز كثير: أن طه حسين كان عند الناس هو الجامعة، وكان الجامعة عندهم هي طه حسين!
وهكذا أيضًا كنا نراها نحن طلبة كلية الآداب، وقسم اللغة العربية من هذه الكلية خاصة. وبين أن الفضل في ذلك راجع كله إلى الدكتور طه حسين، وإلى ما أثاره يومئذ من صراع عنيف في الحياة الأدبية لذلك العهد. ولا تتوهم أنى أريد بهذا أن أثنى على الدكتور طه حسين، بل أنا شاهد أقرر لك حقيقة كانت مصورة حية في الأذهان منذ خمسين سنة لا أكثر ولا أقل. وهي صورة غريبة قل أن تتكرر. وقد بقيت حية على عنفوانها بضع سنوات، ثم بدأت في الركود شيئًا فشيئا بضع سنوات أخر. حتَّى انسلخت عنه الجامعة واستقلت بصورتها المعروفة اليوم عند الأمة العربية وانسلخ الدكتور طه أيضًا عنها .. وصار هو طه حسين بصورته المعروفة اليوم عند الأمة العربية لا مصر وحدها.
واصبر على قليلا ولا تتعجل. إن هذا السؤال الضخم الَّذي سألتنيه بغتة، كان ينبغي أن أتهيأ للرد عليه أياما طوالا جدا، لأني امرؤ أحب الكلمة المعبرة عن حقيقة المعنى القائم في نفسي، ولكني مع حبى لها أخافها وأتهيبها ويأخذنى عندها من الذعر، ما يأخذ المحمول في يد جبار يريد أن يلقى به في نار متضرمة. ولقد رميتنى أنت في أشد الحرج، لأنى أجد أن هذه الألفاظ القلائل التي حرصت آنفا على أن أؤدى بها شهادة شاهد عيان، لم تبلغ عندي الغاية التي أحسها في قرارة نفسي، وأريد الإبانة عنها.
ويا للعجب! سؤال من سبع كلمات تلقيه علي عفوا، يريد أن يبعث الحياة في صورة غربية مذهلة، مضى عليها خمسون سنة! خمسون سنة بقيظها
стр. 1086
وزمهريرها، وبنورها وظلامها، وبصحوها وغيومها، وبصفاء أيامها وغبارها، لا تمشي على صورة ناضرة حتَّى ترد نضرتها إلى ذبول كئيب وتحيل إشراق لونها إلى شحوب مفزع. ومع ذلك فأنا مطالب اليوم أن أرفع إلى عينيك وإلى أعين الأجيال الحديثة بعد خمسين سنة، صورة كانت على إبانها صورة حية غربية مذهلة! ومن لي بأن أؤدى ما أنا مطالب بأدائه؟ ولكن لا مناص ولا مهرب.
وهل تدري لماذا أقطع حديثي وأقول لك هذه الكلمات؟ لا أظنك تدري، لأنك لم تكن حيا منذ خمسين سنة، ولو كنت حيا يومئذ، ولم تكن قادرا على استيعاب زمانك استيعابَ يقظة، لا استيعاب لجاجة ودعوى وسفسطة لبقيت أيضًا لا تدري شيئًا، وسأحاول أن أقرب لك الأمر ما استطعت حتَّى تعلم لم قلت لك هذه الكلمات.
أن هذه الصورة الغريبة المذهلة، التي توهجت بألوانها في مصر، ثم في أضيق من ذلك: "في كلية الآداب"، ثم في أضيق من ذلك. في "قسم اللغة العربية" من كلية الآداب، ثم في سنوات قلائل: سنة ١٩٢٥ وما بعدها، لم تكن صورة على رقعة أفردت لها خاصة، بل كانت صورة صغيرة جدا، صغيرة جدًّا لا تكاد ترى من بعد قريب، وهي في حيز رقعة واسعة مترامية الأطراف، ما بين تخوم المغرب الأقصى، إلى النهاية حدود الصين، ومن أعلى حدود تركية إلى أقاصي الأطراف في بلاد أندونسية أي في الرقعة التي يقع عليها اسم "العالم العربي" و"العالم الإسلامي" معا، وليس هذا فحسب، فهناك أبعاد أخرى غير أبعاد المكان وهي أبعاد الزمن أي أقصى تاريخ هذه الرقعة منذ بدأت إلى العصر الجاهلي، إلى عصور الإسلام الَّذي نعيش فيه.
ودعني أسألك كما سألتنى: هل أكون صادقا إذا أنا اقتصرت على أن أرفع لعينيك هذه الصورة الغريبة المذهلة، مقتطعة من جوف هذه الرقعة المترامية الأطراف في الزمان والمكان، لا لشيء إلا لكي أحيي ذكر طه حسين في هذه المناسبة التي حدثتنى عنها، مؤديًا بذلك بعض حقه على؟
وستقول: لا بلا ريب.
стр. 1087
فأقول لك: وإذن فقد شققت عليَّ كل المشقة، ورميت بي في أشد الحرج، حين سألتني عما سميته "دور طه حسين" في حياة هذه الأمة المنساحة في أبعاد الزمان والمكان كما وصفتها لك.
وإذا كان جواب هذا السؤال عسيرا محرجا لي كما ترى، فهل تراه حسنا أن أدفع عن نفسي المشقة والحرج، وأفزع بالهرب منهما إلى ما هو أيسر وأروح، فأتعلق بما انتهى إليه أمر طه حسين من الشهرة في هذا العالم الرحب، فأقول لك كما قال من يحمل العلم: إن ضخامة أثر طه حسين في حياة العالم، خليق أن يجعلنا نسمى الزمن الَّذي عاشه طه حسين بيننا "عصر طه حسين"؟ ليس هذا هزلا محضا! بل هو شر من الهزل المحض؟
ومع ذلك كله فأنا أستعفيك من ركوب هذا المركب الصعب، ولكني لن أخذلك وسأحاول أن أستبقى هذه الصورة الغريبة المذهلة في مكانها، غير مقتطعة من رقعتها المتراحبة، فأبين لك لم توهجت هذه الصورة؟ وكيف كان توهجها في حيزها الصغير جدا؟ ثم أحدثك عن أثر هذا التوهج على الرقعة التي هي جزء منه، ولكني في الحقيقة لا أدري من أين أبدأ، ولكن لا مفر من بدء.
في أعقاب الحرب العالمية الأولى (١٩١٤ - ١٩١٨) انتفض هذا العالم الرحب الَّذي حدثتك عنه وهو العالم العربي والعالم الإسلامي، وبدأت أول انتفاضة في مصر في مارس ١٩١٩، وتتابعت الانتفاضات على درجات مختلفة في جميع بلاد العرب والإسلام، وحدثت الدرجة العظمى، بالحرب التركية في سنة ١٩٢٢، على عهد مصطفى كمال، ثم زلزل هذا العالم كله، حين ألغى الخلافة الإسلامية في سنة ١٩٢٤، وبإلغائها صار هذا العالم الَّذي كانت فيه الخلافة تجمعه أو تشده إليها بحبال واهية .. ولكنها حبال على كل حال! صار خلائق مشتتة في يم متلاطم، تمد أيديها إلى شيء تتعلق به طلبا للنجاة وخوفا من الغرق، وكانت مصر خاصة والبلاد العربية عامة، ملتقى أنظار العالم الإسلامي في طلب النجاة والخوف من الغرق، مع أنهم جميعا غرقى في هذا اليم المتلاطم.
وفي هذا الذهول الغامر، ما بين سنة ١٩١٩ إلى ١٩٢٤ نزع العالم العربي
стр. 1088
بفطرته السليمة إلى التشبث بالحبال الباقية التي تربط بعضه ببعض، وهي اللسان العربي الممثل في الشعر والنثر، لأنه لا أمة بلا لغة، وصار مفهوما واضحا عند الجماهير، أن إحياء اللغة العربية هو إحياء الأمة العربية، وإحياء اللغة العربية وإحياء الأمة العربية هو إحياء البلاد الإسلامية. كان هذا واضحا جدا لمن يريد أن يبصر.
ولكن ثورة مصر .. انفرط عقدها بصدور تصريح ٢٨ فبراير ١٩٢٢، ويتولى سعد زعلول الوزارة في سنة ١٩٢٤، ولكنها لم تخمد بعد، فكان الجيل الَّذي عاش تلك الأيام يتشبث بلغته، ويقاوم عناصر الهدم الخبيثة التي أطلقتها وزارة الاستعمار البريطاني، وهيئات المبشرين (وهما شيء واحد) ويتولى العمل لها رجال من أهل جلدتنا معروفون بأسمائهم. وفي هذا الجو الَّذي أحببت أن أوجزه لك في هذا الحديث الملهوج أنشئت الجامعة المصرية في سنة ١٩٢٥، وألقى الدكتور طه حسين كلمته "في الشعر الجاهلى" وهاجت الحياة الأدبية كلها في مصر ثم في سائر بلاد العرب والمسلمين. والذي هاج الحياة الأدبية وأثارها هو في الحقيقة ما سماه "المنهج"، والذي ذكر أنَّه أحد مذهبين في البحث بقوله: "نحن بين اثنتين .. أما أن نقبل في الأدب وتاريخه ما قال القدماء .. وأما أن نضع علم المتقدمين كله موضع البحث"، ، ثم يقول هذه الكلمات المفزعة: "والفرق بين المذهبين في البحث عظيم، فهو الفرق بين الإيمان الَّذي يبعث على الإطمئنان والرضى، والشك الَّذي يبعث على القلق والاضطراب وينتهي في كثير من الأحيان، إلى الإنكار والجحود. المذهب الأول يدع كل شيء تركه القدماء لا يناله بتغيير ولا بتبديل، ولا يمسه إلا مسا رفيقا، أما المذهب الثاني فيقلب العلم القديم رأسا على عقب، وأخشى إن لم يمح أكثره، أن يمحو منه شيئًا كثيرًا"، ثم ما انتهى إليه فيما سماه بحثا، إلى أن: "الشعر الجاهلي" أو كثرة هذا الشعر الجاهلى لا تمثل شيئًا، ولا تدل على شيء إلا ما قدمنا من العبث والكذب والانتحال".
هذا نص كلام الدكتور طه حسين بألفاظه، فوضع علم المتقدمين كله موضع
стр. 1089
البحث والإنكار والجحود، وقلب العلم القديم رأسا على عقب، والانتهاء إلى محو أكثر العلم القديم، وبطلان الشعر الجاهلى وهو عماد اللسان العربي كله بعد القرآن والحديث، كل ذلك أفزع القلوب التي كانت تحس وتسمع وترى وتقرأ ما يكتبه أعوان الاستعمار والتبشير يومئذ، فاختلط الأمر، وصار طه حسين عند عامة الناس، واحدا ممن يمثل هذا الاتجاه الَّذي يتولاه فلان وفلان من خبثاء المبشرين الذين يكتبون بالقلم العربي.
لقد لقى طه حسين يومئذ ما لقى، ونسب إليه ما أقطع بأنه برئ منه، والدليل على براءته عندي هو أنَّه منذ عرفته في سنة ١٩٢٤، إلى أن توفي في ٢٨ أكتوبر ١٩٧٣، كان كما وصفته في أول حديثي؛ محبا للسانه العربي أشد الحب، حريصا على سلامته أشد الحرص، متذوقا لروائعه أحسن التذوق، فهو لم يكن يريد قط باللسان العربي شرا، بل كان من أكبر المدافعين عنه، المنافحين عن تراثه كله إلى آخر حياته. ومحال أن يحشر من هذه خصاله في زمرة الخبثاء ذوى الأحقاد من ضعاف العقول والنفوس، الذين ظهروا في الحياة العربية لذلك العهد، بظهور سطوة "الاستعمار" وسطوة "التبشير" وهما صنوان لا يفترقان.
ودليل آخر، وذلك أنَّه حين انجلى غبار ما أثاره طه حسين بكتابيه: "في الشعر الجاهلى" في سنة ١٩٢٦ و"مستقبل الثقافة في مصر" سنة ١٩٣٩، وهما كتابان لا قيمة لهما من الوجهة العلمية، انجلت بعد ذلك نفسه، وناقض به ما كتبه وما قاله كل ما في هذين الكتابين من فساد. ومرد ذلك إلى هذه الخصال التي كادت تكون في نفسه، وفي حبه للعربية وحرصه على سلامتها، وما هداه الله إليه من حسن التذوق لروائع البيان.
ولهذه الخصال الثلاثة، ولمكانه في "الجامعة"، ولمجيئه في تلك الحقبة من حياة الأمة العربية والإسلامية، وللمخاوف التي أثارها بما قاله في الجامعة، يعود الفضل كله في شهرة طه حسين، وفي ارتباط حياته بحياة هذه الأمة العظيمة من العرب والمسلمين، وفي توهج هذه الصورة الغربية المذهلة التي وصفتها لك.
стр. 1090
ولكن يبقى شيء واحد ينبغي أن أختم به هذا الحديث. وهو هذا التوهج الَّذي كان في تلك الحقبة من الزمان، وأثره على سائر الرقعة التي وقع فيها.
لم تكد تمضي عشر سنوات على ظهور كتاب "في الشعر الجاهلي" أي في سنة ١٩٣٥ حتَّى أدرك طه حسين إدراكا واضحا جدا أن اللسان العربي قد صار في محنة، لا في نفسه، بل في هذه الأعداد الهائلة من المثقفين الذين رفضوا الأدب العربي كله، ورفضوا القديم كله شعره ونثره، لا في مصر وحدها، بل في كثير من البلاد العربية، وأن أعدادهم إلى تكاثر كلما تقدمت الأيام، فأخذ يعبر عن ذلك بألفاظ محزنة باكية، وحاول أن يتألف هؤلاء النافرين ويردهم إلى الطريق القديم، وإلى أدبهم القديم "لكي يظل قواما للثقافة، وغذاء للعقول، لأنه أساس الثقافة العربية. فهو إذن مقوم لشخصيتنا محقق لقوميتنا، عاصم "لنا من الفناء في الأجنبى، معين لنا على أن نعرف أنفسنا".
هذه بعض كلماته ﵀. ومعنى ذلك أن طه حسين في تلك السنوات، قد فزع فزعا شديدا لانصراف الناس عنه وعن عربيته التي يحبها، وعن لغته التي يحرص على سلامتها، وعن بيانها الَّذي يعتز به، ومعنى ذلك أيضًا أن الدكتور طه حسين في سنة ١٩٣٥، عَلِمَ عِلْمَ اليقين أن الَّذي أثاره بألفاظه المفزعة سنة ١٩٢٥، قد خرب البنيان الَّذي كان يظن يومئذ أنَّه سوف يبنيه بعد أعوام قلائل، وبلا مجاز ولا تشبيه. أدرك طه حسين أن الَّذي قاله في سنة ١٩٢٥ مفض إلى ضعف اللغة العربية، وإلى أن تصير الأمة العربية أمة لا لسان لها إلا العامية السوقية، بلا تاريخ، وبلا علم، وبلا ماض.
ثم شهد الدكتور طه حسين بعد ذلك في أواخر أيامه تقوض القديم كله، مع تكاثر أعداد المثقفين، فكان يقول الكلمة بعد الكلمة معبرا عن حزنه وعن لوعته، بل قل مكفّرا عن خطه العظيم، الَّذي قدر الله أن يقوله في ساعة عظيمة من حياة هذه الأمم فكان له أثر عظيم في تدمير أمانيه وأماني كل مخلص لأمته.