الحياة، واستنباط النبع القديم الذي ورثته الإنسانية من حياتها الطبيعية الأولى ثم طمتْ عليه أدرانُ المدنيات المتعاقبة.
والشعر والأدب كلاهما عاطفة وإحساس ينبعان من أصل القلب الإنساني؛ هذا القلب الذي أُثبت من داخل بين الحنايا والضلوع ليكون أصفى شيء وأطهرَ شيء وأخفى شيء، وليمس كل عمل من قريب ليصفيه ويطهره ويسدل عليه من روحه شفًّا رقيقًا لا يستر، بل يصف ما وراءه صفة باقية بقاء الروح، ويبرئها من دنس الوحشية التي تطويها في كفن من بضائع الموتى؛ فأيما شاعر أو أديب قال فإنما بقلبه وجب أن يقول ومِن داخله كُتِبَ عليه أن يتكلم، وإنما اللسان آلة تنقل ما في داخل إلى خارج حَسْب؛ فإن كلفها أحد أن تنقل على غير طبيعتها في الأداء -وهي الصلة التي انعقدت بينها وبين القلب على هذا القانون- فقد أوقع الخللَ فيها ووقع الفسادُ والتخالف والإحالة والبطلان فيما تؤدّيه أو تنقله.
وقد نشأ الرافعي من أوّليته أديبًا يريد أن يشعر ويكتب ويتأدّب، وسلخ شبابه يعمل حتى أمكنته اللغةُ من قيادها وألقت إليه بأسرارها فكان عالمًا في العربية يقول الشعر، ولو وقف الرافعي عند ذلك لدرج فيمن درج من الشعراء والكتاب والعلماء الذين عاصروه، ولو أنه استنام إلى بعض الصيت الذي أدركه وحازه واحتمله في أمره الغرور لخف من بعدُ في ميزان الأدب حتى يرجح به مِن بعدُ مَنْ عسى أن يكون أخفَّ منه؛ ولكن الرافعي خرج من هذه الفتن -التي لفّت كثرةَ الشعراء والأدباء والتقمتهم فمضغتهم فطحنتهم ثم لفظتهم- وقد وَجد نفسَه واهتدى إليها، وعرف حقيقة أدبه وما ينبغي له وما يجب عليه. فأمَرَّ ما أفاد من علم وأدب على قلبه ليؤدّى عنه، وبرئ أن يكون كبعض مشاهير الكتاب والشعراء ممن يُطيح بالقول من أعلى رأسه إلى أسفل القرطاس، وللقارئ من قنابله بعد ذلك ما يتشظَّى في وجهه وما يتطاير. لهذا كان الرافعيُّ من الكتاب والأدباء والشعراء الذين تُتخذ حياتُهم ميزانًا لأعمالهم وآثارهم، ولذلك كان كتاب "سعيد" عن حياته من الجلالة بالموضع الذي يسمو إليه كل مبصر، ومن الضرورة بالمكان الذي يلجأ إليه كل طالب.
стр. 1262
عرفت الرافعي معرفة الرأي أول ما عرفته، ثم عرفتُه معرفة الصحبة فيما بعد، وعرضْت هذا على ذاك فيما بيني وبين نفسي فلم أجد إلا خيرًا مما كنت أرى، وتبدَّت لي إنسانيةُ هذا الرجل كأنها نغمة تجاوب أختها في ذلك الأديب الكاتب الشاعر، وظفرت بحبيب يحبنى وأحبه، لأن القلب هو الذي كان يعمل بيني وبينه وكان في أدبه مسُّ هذا القلب؛ فمن هنا كنت أتلقى كلامه فأفهم عنه ما يكاد يخفي على من هو أمثلُ مني بالأدب وأقْوم على العلم وأبصَر بمواضع الرأي.
وامتياز الرافعي بقلبه هو سر البيان فيما تداوله من معاني الشعر والأدب؛ وهو سرُّ حفاوته بالخواطر ومذاهب الآراء، وسر إحسانه في مهنتها وتدبيرها وسياستها كما يحسن أحدهم مهنة المال ورَبَّه والقيامَ عليه؛ وهو سر علوِّه على من ينخشُّ في الأدب كالعَظْمة الجاسية تنشبُ في حلق متعاطيه، لا يُبقى عليه من هوادة ولا رفق، وبخاصة حين يكون هذا الناشب ممن تسامى على حين غفلة يوم مَرِج أمرُ الناس واختلط، أو كان مرهقًا في إيمانه مُتهمًا في دينه؛ إذ كان الإيمان في قلب الرافعي دمًا يجرى في دمه، نورًا يضئُ له في مجاهل الفكر والعاطفة ويسنِّى له ما أَعسر إذا تعاندت الآراء واختلفت وتعارضت وأكذبَ بعضُها بعضًا.
هذا، وقد أرخيت للقول حتى بلغ، وكنتُ حقيقًا أن أغور إلى سرّ البيان واعتلاقه من العاطفة والهوى في قول الشاعر والكاتب والأديب لأسدِّد الرأي إلى مرماه، وقد يطولُ ذلك حتى لا تكفي له فاتحة كتاب أو كتابٌ مفرد، فإن البيان هو سرُّ النفس الشاعرة مكفوفا وراءَ لفظٍ، وما كان ذلك سبيله لا يتأتى إلا بالتفصيل والتمييز والشرح، ولا تُغني فيه جملة القول شيئًا من غناء. وحقيقٌ بمن يقرأُ هذا الكتاب أن يعود إلى كتب الرافعي بالمراجعة فيستنبئها التفصيل والشرح، وبذلك يقع على مادة تمدّه في دراسة فنون الأسلوب، وكيف يتوجهُ بفنّ الكاتب، وكيف يتصرف فيه الكاتب بحسٍّ من قلبه لا يخطئ أن يجعل المعنى واللفظ سابقين إلى غرض متواطئين على معنى لا يجوران فيجاوزانه أو يقعان دونه.
стр. 1263
رحمة الله عليه، لقد شارك الأوائل عقولهم بفكره، ونزع إليهم بحنينه، وفلج أهلَ عصره بالبيان حين استعجمتْ قلوبهم وارتضخت عربيتُهم لُكنةً غير عربية، ثم صار إلى أن أصبح ميراثًا نتوارثه، وأدبًا نتدارسه، وحنانًا نأوى إليه. رحمة الله عليه!
стр. 1264
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ لله وَحْدَه لا شريكَ له، أَنْزَل الكتابَ بالحقّ، لا يأتيه الباطلُ من بين يدَيْه ولا من خَلْفِه. وصلّى الله على خِيرتِهِ مِنْ خَلْقِه، محمّدٍ رسولِ الله ﷺ تسليما كثيرًا، بلَّغَ الرسالةَ، وأَدّى الأمانةَ، وتَرَكَ الناس على المَحَجّةِ الواضحة بِنُورِ القرآنِ الذي لا يَخْبو نُورُه، وضياء السنَّةِ التي لا يَخْفُتُ ضِياؤها.
وبعدُ:
فماذا يقول القائل في عَمَل قام به فَرْدٌ واحِدٌ، لو قامتْ عليه جماعةٌ لكان لها مَفْخَرة باقيةً؟ فمن التواضُع أَنْ يُسَمَّى هذا العملُ الذي يَعْرِضُه عليك هذا الكتابُ "مُعْجَمًا نَحْويًّا صرْفيّا للقرآن العظيم".
فمعلومٌ أَنَّ جُلَّ اعتماد المعاجم قائمٌ على الْحَصْر والترتيبِ.
أمّا هذا الكتاب، فالْحَصْر والترتيب مُجَرَّد صورةٍ مُخطَّطة يعتمِدُ عليها.
أمّا القاعدة العُظْمى التي يقوم عليها، فهي معرفةٌ واسعةٌ مسْتوعِبةْ تامّةٌ لدقائِقِ عِلْم النحوِ، وعِلْم الصرف، وعِلْم اختلافِ الأساليب.
ولولا هذه المعرفةُ لم يَتَيِسَّرْ لصاحبهِ أَنْ يوقِّع في حصْره من حروف المعاني وتصاريفِ اللغة على أبوابها من علم النحو، وعلم الصرف، وعلم أساليب اللغة.
وهذا العملُ الجليلُ الذي تولّاه أستاذنا الشيخ محمد عبد الخالق عضيمة والذي أَفْنَى فيه خمسةً وعِشرين عاما طوِالًا، والذي يَعْرِض عليك منه هذا القسمَ الأوّلَ إنما هو جُزْءٌ مِنْ عَملٍ ضَخْمٍ لم يَسْبقْه إليه أحدٌ، ولا أظنّ أنّ أحدًا من أَهْلِ زماننا كان قادرًا عليه بمفرده. فإنّ الشيخ قد أُوتى جَلَدًا وصبرًا ومعرفة، وأمانةً في الاطّلاع، ودِقَّةً في التحرِّى لم أَجدها متوافرةً لكثير ممّن عرفت.
стр. 1265
وحروف المعاني التي يتناولها هذا القسمُ الأوّلُ من جَمْهَرَةِ علم القرآن العظيم (١)، أَصْعَبُ أبوابِ هذه الْجَمْهرةِ، لكثرتها وتَداخُلِ معانيها. فقلّ أن تخلُوَ آيةٌ من القرآن العظيم من حرْفٍ من حروفِ المعاني.
أمّا المشقَّةُ العظيمةُ، فهي في وجوهِ اختلافِ مواقع هذه الحروفِ من الْجُمَلِ؛ ثمّ اختلافِ معانيها باختلافِ مواقعِها، ثمّ ملاحظةِ الفروقِ الدقيقة التي يَقْتضيها هذا الاختلافُ في دلالته المؤثِّرةِ في معاني الآيات. وهذا وَحْدَه أساس عِلْمٍ جليل من علوم القرآن العظيم.
وسترى في هذا القسم العَمَلَ المُتْقَنَ الذي تولّاه أستاذنا الجليل، مواضِع كثيرة من الاستدراكِ على النحاة منذ سيبويه إلى ابن هشام، ولكن ليس معْنَى هذا أن نَبْخَس الشُّيُوخَ الأوائلَ نَصِيبَهم من التَّفوُّقِ الهائلِ الذي يُذْهِل العقول، ولكن مَعْناه أنّ الأساس الذي أَسَّسوه في أزْمِنَتهِم المتطاولةِ كان ينْقُصُه هذا الْحَصْرُ الدقيق لكلِّ ما في القرآن العظيم من حروفِ المعاني، وكان هذا الْحَصْر خارجا يومئذٍ عن طاقَتهم، فإن الذي أعان عليه هو الطباعةُ التي استحدثت في زماننا. والناظر في كُتُبِ القدماء لا يُخطئه أن يرى أنّهمِ قاموا بِحَصْرٍ غير تامٍّ، بيْدَ أنّ هذا القَدْرَ الذي قاموا به هو في ذاته عَملٌ فوق الجليلِ وفوق الطاقةِ.
ويظنّ أستاذنا الشيخ عضيمة أنّ الأوائلَ قد شَغَلَهم الشِّعْرُ عن النظَر في شواهدِ القرآن العظيم، وأظنّ أنّ الذي تولّاه أستاذنا من حصْرِ هذه الأشياءِ في القرآنِ العظيم، وتنزيلها في منازِلها من أبواب علْم النحو وعلْم الصرف، وعلْم أساليب اللغة، مقدّمة فائقةُ الدلالة، لعَمل آخر ينبغي أن تتولّاه جماعةٌ منظَّمةٌ في حصْرِ ما في الشِّعْرِ الجاهليّ والإسلاميّ من حروفِ المعاني، ومن تصاريفِ اللغة، ومن اختلافِ الأساليب ودلالتها. والذي ظنّ الأستاذ أنّ القدماء قد فَرَّغوا هِمَمَهُمْ له، هو في الحقيقة ناقصٌ يحتاج إلى تمامٍ، وتمامه أن يُهيِّئَ الله للناس منْ يقوم لهم في الشِّعْرِ بمثلِ ما قام به هو في القرآن العظيم.
стр. 1266
وإذا تمّ هذا كما أتمّ الشيخ عَملَه في القرآن العظيم، فعسى أن يكونَ قد حان الحِينُ للنظَر في "إعجاز القرآن" نظرًا جديدًا، لا يتيسّر للناس إلا بعْد أن يَتِمّ تَحليلُ اللغة تحليلا دقيقًا قائمًا على حصْرِ الوجوهِ المختلفة لكلِّ حرْفٍ من حروفِ المعاني، وتصاريف اللغة. لأنّ هذه الحروفَ وهذه التصاريف، تُؤثِّر في المعاني، وتُؤثِّر في الأساليب، وتُحدِّد الفُروق الدقيقةَ بين عبارةٍ وعبارة وأَثَرها في النفْسِ الإنسانيّة وأَثَر النفْسِ الإنسانيّة فيها، وفي دلالاتها.
وإذا كان أستاذنا الجليل قد تواضع فظنّ أنّه قد وضع أساسًا عِلْميًّا ثابتًا للحكْم على أساليب القرآن، وموقعها من النحو والصرف، فإني أظنّ أنّه قد فات ذلك وسبَقه، فهيّأ لنا أساسًا جديدًا للنظر في "إعجاز القرآن" نظرةً جديدةً تُخْرِجه من الْحَيِّزِ القديم، إلى حيِّزٍ جديدٍ يُعين على إنشاءِ "علم بلاغة" مسْتَحْدَثٍ. فإنّه مهما اختلف المختلفون في شَأْنِ "البلاغة" فالذي لا يمكن أن يدْخلَه الاختلافُ هو أَنّ تركيبَ الكلام على أُصولِ النحو والصرف، هو الذي يُحْدث في كلامٍ ما ميزةً يفوق بها كلامًا آخر. وهذا لا يتيسَّر معْرفَتُهُ إلّا بتحليل اللغةِ وتحليلِ مفرداتها وأدواتها، وروابطها، التي هي حروف المعاني، عَملٌ لا يُنْتَهى فيه إلى غاية، إلّا بعد الْحَصْرِ التامِّ للغة وتصاريفها، ولاسيما حروف المعاني، وبعد معرفةِ الفُروقِ الدقيقةِ التي تُحدثها هذه الحروفُ في مواقعها، وبعد معرفةِ أَثَر هذه الفروقِ في تفضيل كلامٍ على كلام.
والشيخ -حفظه الله- لم يترك مجالا للاستدراك على عمله العظيم. فكلّ ما أستطيع أن أقولَه، إنّما هو ثَناءٌ مسْتَخْرَجٌ من عَمل يُثْنِى على نفْسِه، ولكن بقي ما نتهاداه في هذه الحياة الدنيا، وهو أن أَدعُو الله له بالتوفيق، وأن يزيدَه من فَضْله، وأن يُعينَه على إتمامِ ما بدأَ، وأن يجعل هذا العمل ذخيرة له يومَ لا ينفع مالٌ ولا بنون.
стр. 1267
ذكريات مع محبى المخطوطات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبى بعده، وصلى الله على سائر الأنبياء منذ آدم إلى عيسى بن مريم ﵈.
لست خطيبا ولا متكلما وإنما أنا كاتب. أعبر باللسان وأصوغ بالقلم. وقد جئت ولم أُعِدّ شيئا لأقوله في هذا المؤتمر. ولما بقيت أياما في تعب شديد -حاولت أن أكتب- والموضوع كما تعلمون متعلق بالمخطوطات -فجرى قلمى بما لا أستطيع أن أحدثكم عنه. بعد أن كتبت أوراقا وجدتنى أتحدث عن نفسي، لا عن المخطوطات. والمضطر يركب الصعب من الأمور. وأنتم قد جئتم هنا لتقعوا في الاضطرار؛ لأنكم تريدون أن تسمعونى، وأنا جئت مضطرا لأن الشيخ أحمد زكي يماني استخرجنى من بلادى، ومن بلاد أحبها، لا أحب أن أفارقها إلى بلاد بينها وبين أمتى العربية والإسلامية ثأر قديم جدا. جئت كارها، ولكن جئت أيضا مطيعا لصداقة عزيزة عليّ، لا أستطيع أن أتخلى عما تطلبه مني. والكلمة التي كتبتها لا تصلح للسماع، لأنى أستغرق صفحة أو صفحتين تقريبا في الحديث عن نفسي، وعن تاريخى، وعن نشأتى، لأقول أنى بالتجربة انتهيت إلى أننا في زمان الادعاء والتظاهر فيه هما الأصل. فإذا أنا تحدثت عن المخطوطات في حضرة الأساتذة صلاح المنجد والشيخ حمد الجاسر، ممن لهم خبرة، فإنما أنا مدع لا أكثر ولا أقل. وبضاعتى في شأن المخطوطات بضاعة مُزجاة. نعم نشأت من صغرى في الحادية عشرة والثانية عشرة، على يد رجل كان خبيرا بالكتب وهو أمين أفندى الخانجى. صحبته طويلا ولكنه لم يستطع لا هو ولا من سألتهم فيما بعد، لم يستطع أحد منهم أن يعدنى لأن أكون من
стр. 1268
الرجال العاملين في ميدان المخطوطات العربية، لأن هذا الميدان محتاج إلى صفات معينة وأنا لا أملك من هذه الصفات شيئا. نعم قد نشترك في الأصل، ولكن طبيعتى لا تستطيع أن تخضع لغير ما أردته أنا وما اهتممت به. وسأدع الكلام الذي كتبته جانبا لأنه في الحقيقة لا يستحق أن يُقرأ فضلا عن أن يُسمع على ملأ من العلماء والفضلاء كانوا يتوقعون مني شيئا، ويطلبون مني فائدة، ويظنون بى علما، وأنا لست من العلم في شيء. بل أنا كما يقول أبو العلاء:
مَن يَبْغِ عندي نَحْوا أو يُرِد لغةً ... فما يُساعف مِن هذا ولا هذِى
يَكفيكَ شرا من الدنيا ومَنْقَصَةً ... ألا يَبينُ لك الهادِى من الهاذِى
فأرجو وقد جئت من بلاد بعيدة أتوكأ على عصا بيمينى وأعتمد على ابنتى بشمالى -ولكن بين ضلوعى نار لم تنطفيء بعد من بقية شباب ذهب- وسأختصر كلامي وأقصره على رجال ممن عرفتهم في مجال المخطوطات. وهم جميعا يشتركون في صفة واحدة يعرفها صلاح المنجد وحمد الجاسر -يعرفونها في أنفسهم. ولأن طول مصاحبتى لهؤلاء الرجال لم تكن رغبة في الاستفادة من علمهم في المخطوطات ولكن كانت رغبتى في مراقبتهم: كيف يتعبون وكيف يعملون.
فمن هؤلاء هذا الذي ذكرته لكم والذي نشأت على يديه، وهو أمين أفندى الخانجى. وقد حدثني أنه مِن حَىّ بحَلَب، وكان قد شَدا شيئا من العلم -قليلا جدا من العلم. وكانت له رغبة في أن يكون عالما، ولكنه كان صغيرا جدا، وعلى قدر بسيط جدا من المعرفة. ففي تجواله في المنطقة التي يسكنها رأي النساء يوقدن المواقد بأوراق الكتب- بل ببعض الكتب المجلدة. وفجأة استيقظت نفسه، فأراد منعهم (١) من أن يفعلوا ذلك، فاستحطب لهم حطبا يوقدون به مواقدهم، وأخذ منهم هذه الأوراق أو هذه الكتب التي كان بعضها مجلدا. واستمر على هذا دهرا، وإذا عاد إلى بيته بهذه الأوراق كان يقرؤها، وهو
стр. 1269
لا يستطيع أن يفك رموزها لكنه بالإصرار وبالحب وبالجذوة التي تتوهج في قلبه ظل يزداد حرصا على هذه الأشياء ويجمعها.
ثم بعد أن شبّ عن الطوق، رأي نفسه مغرما بحيازة هذه المخطوطات وبقراءتها دون أن يكون قاصدا للعلم، وإنما هي محبة خالصة لهذا الذي يقرأه. فانتهى به الأمر بعد ذلك إلى أن أصبح أخبر الناس بالمخطوطات. عندئذ قرر أن يكون كُتْبيا أو ورَّاقًا. وأنا أشهدكم أن الجيل الذي نشأت فيه، قد اعتمد اعتمادا كاملا في كل فن على ما نشره أمين أفندى الخانجى. كل الكتب القديمة التي نشرها أصول لا يَستغني عنها طالب علم. فكانت صناعته في البحث عن المخطوطات، هي أن يأخذها وينشرها. وفي ذلك الوقت كانت ثروته لا تحتمل أن ينفق على طباعة هذه الكتب، فكان كلما طبع بضعة كتب أفلس. ثم تردد ذاهبا إلى تركيا، إلى أن جاء الى مصر. وبقيت أنا مع أمين أفندى الخانجى في جو أشعر أن هناك ضوءا في قلب هذا الرجل يضئ لي الطريق - لا طريق المخطوطات: بل أضاء لي طريق العلم.
ولي معه تجارب كثيرة، منها تجربتى في كتاب طبقات فحول الشعراء. كان عندنا في مصر جمَّاع للكتب ثرِىّ تُركى لا يقرأ ولا يكتب اسمه طلعت باشا. كان يحب أن تكون له مكتبة كما لفاضل مكتبة، ولأحمد تيمور مكتبة. أنفق على أمين الخانجى ما يشاء، فجال في البلاد العربية، وجاء الى مصر ومعه كتب كثيرة أودعت الآن في دار الكتب المصرية. فحدث أن كان يوم من الأيام، كان معه صندوق فيه ورق دشت فأعطانى منه ورقة. وكنت حديث عهد بالعلم، ولكني كنت أيضا حديث عهد بكتاب طبقات فحول الشعراء لابن سلام، فأخذت الورقة. قال لي: "إيه الكتاب ده؟ " قرأتها، ثم قلت له: "هذه طبقات ابن سلام". وبدأنا نفرز هذا الورق الى أن استخرجنا النسخة التي آلت فيما بعد إلى تشستر بيتى؛ لأن أمين أفندى الخانجى باعها ليهودي كان يشترى منه الكتب، فباعها هو الآخر لمكتبة تشسشر بيتى.
ولي معه قصص كثيرة ولكن هذه قصة تخصني؛ لأني نشرت هذا الكتاب
стр. 1270
فيما بعد -بذلت فيه جهدى، وأنا لا أحب أن أُسَمَّى محققا لأسباب كثيرة، وإنما أنا قارئ كتب ولذلك لا أكتب على كتبى "حققه" فلان بل أكتب "قرأه" فلان؛ لأن المطلوب من نشر الكتب هو أن يكون الكتاب مقروءا حسب موضوعه، يهتدى الإنسان في قراءته إلى المعنى الذي أراده مؤلفه. أما طبقات فحول الشعراء فأنا في الحقيقة قرأته ثم شرحته شرحا وافيا. لأن هذا الكتاب عُمدة لا يَستغني عنه طالب علم. وهو أول كتاب أُلِّف في الإسلام في طبقات الشعراء وفي النقد أيضا.
ثم ذهب أمين أفندى الخانجى ﵀، وشببت عن الطوق، وعرفت رجلا آخر كان عالما متمكنا من علوم لا يعرف أحد أنه متمكن فيها، وهو أحمد تيمور باشا. كان فيما عرفته متمكنا من علم النحو تمكنا كاملا ولكنه لا يكتب فيه شيئا. لم يكتب فيه كلمة واحدة. فأحمد تيمور باشا كما وصفته -وهو عالم ناهيك من عالم- كان أحرص الناس على اقتناء المخطوطات، يبذل في سبيلها مالا كثيرا، ولكن الذي لاحظته -ليس جمع الكتب- الذي لاحظته شيئا آخر وهو أنه إذا أخذ الكتاب بين يديه، تغيرت أسارير وجهه واستضاءت، وكأن نورا قد سطع بمجرد إمساكه المخطوط، إذا جاءه أمين أفندى بمخطوط جديد. شيء هائل، تحس أن هذا الرجل ليس إنسانا -تتغير صورته من إنسان جالس يتكلم، إلى إنسان مأخوذ ومضئ في وقت واحد، وتبرق عيناه وكأنها لؤلؤة مضيئة أو درة يتيمة.
والرجل الثاني الذي عرفته ولقيته لماما هو أحمد زكي باشا شيخ العروبة. ولم يكن في مثل علم تيمور باشا. ولكنه كان أيضا محبا للكتب، فالصورة التي أراها في تيمور أراها في أحمد زكي. وكانا في حلبة المخطوطات يتسابقان، كلاهما يتتبع عمل الآخر وما اقتناه ويريد أن يفوقه. ولكن يختلف الخُلُقان: تيمور باشا كان سخيا لا يضن على أحد بشيء. أما أحمد زكي فكان ضنينا بالطبع -لا أريد المذمة- كان ضنينا وكان لا يتورع عن سرقة الكتاب. ومن الطرائف أنه في آخر حياته أوقف مكتبته ونقلت إلى مدرسة الغورى القريبة من الأزهر، وعُيِّن لها
стр. 1271
صديق لنا كان أيضا محبا للكتب هو الشيخ محمود زناتى، فأخبرته عن خُلق زكي باشا أنه يسرق الكتب، فحاذِرْ. فقال: "كيف يعني؟ كيف يسرق الكتب؟ " قلت: "طَيِّب يا شيخ محمود، جرِّب بنفسك". فحدثني أن أحمد زكي باشا غافله في يوم من الأيام وأخذ كتابا ووضعه تحت إبطه وأخفاه -فقال له الشيخ محمود عند انصرافه: "تعالى يا باشا - طلع الكتاب". يسرق نفسه! كانت أخلاقا ظريفة.
ولقيت رجالًا كثيرين ممن يحبون المخطوطات بشغف زائد ولكن كان أغربهم رجل طويل القامة مستقيم. هذا لم يكن متعلما تعلُّما كافيا لكنه كان يجالس العلماء. وممن جالسهم طويلا وأحبهم الشيخ زاهد الكوثرى ﵀ وكان علّامة خبيرا بالكتب، حافظا أسماءها ومواقعها، فاكتسب منه رشاد (١)، لأنه كان أيضا محبا للكتب. كان رشاد فقيرا فكان يدور على المطابع كلما رأى كتابا يُطبع أخذ منه ملزمة، فأخيرا انتهى إلى حب الكتاب المطبوع -وكان أيضا له ذاكرة قابضة باسطة لا تترك شيئا أبدا ولذلك كان يمشي بيننا وكأنه فهرس كامل لمطبوعات العالم. وصحبناه طويلا الى أن قضى نحبه ﵀.
وهكذا كان ينبغي أن أقدم رجلا عظيما أيضا وهو الشيخ محمد عبد الرسول. كان مديرا للمخطوطات في دار الكتب. وكان رجلا صامتا لا يتكلم. فإذا تكلم -إذا سألته سؤالا- تفجر بعلم واسع يستغرق كل هذه الكتب. لا يوجد في دار الكتب كتاب مطبوع لا يعرفه، ولا مخطوط لا يعرفه. وكان محبا أيضا للمخطوطات وحريصا عليها أشد الحرص، وأنا إلى الآن لا أمسك مخطوطا حتى أذكر هذا الرجل، لأنه علّمنى شيئا كثيرا جدا -أدناه أنه علمنى فروق الخطوط وأزمنتها سواء كانت مشرقية أو مغربية. لم يكن هذا همي، ولكن أحببت هذه المعرفة بحبي للشيخ عبد الرسول. تعلمت منه كيف أحكم على هذا المخطوط- كُتِب في القرن الكذا أو الكذا، خطوط متنوعة، خطوط البغداديين غير خطوط
стр. 1272
المصريين. وكل هذا يعرفه الشيخ عبد الرسول. تعلمت منه شيئا كثيرا أدناه هذا العلم: علم معرفة الخطوط وأزمانها، وشغلت به. ولكني كنت أيضا في شيء آخر، ولقد وصفت نفسي، ولا أحب أن أعيد ما كتبت، وصفت نفسي: ماذا كنت أريد أنا من هذه الدنيا أو من هذا العمل؟ فكان للشيخ عبد الرسول أثر عظيم في نفسي في معرفتى بالكتب وحبى للمخطوطات. لا حُبَّ جمع ولا شراء ولا اقتناء. مكتبتى من أكبر المكاتب الخاصة في مصر ولكن ليس فيها كتاب مخطوط. الأشياء التي أريدها أصورها من دار الكتب أو الجامعة العربية -والشيخ حمد أكرمنى كثيرا بصور من مخطوطات ودلنى عليها ولم أكن أعرفها، لأنى فعلا غير متتبع لشأن المخطوطات ولكن قرأت تراجم الأمة والعلماء وأعرف هذا كله- منها كتاب هنا في دار المتحف البريطاني.
الشيخ حمد جاءنى بهذه النسخة لأحققها، وطبعتُ منها جزءا واحدا من "أنساب قريش" -وهي نسخة فريدة- مع أن صاحب فتح البارى، الإمام ابن حجر، رأيتُ في شرحه للبخاري أنه راجع ست نسخ من "جمهرة نسب قريش" ليقف على نسب جاء في أحاديث رسول الله ﷺ -ست نسخ في القاهرة في القرن السابع، أين ذهبت هذه؟
هذه خطرات مفككة، ولكني عرفت هذه الأشياء كلها عن طريق رجال صحبتهم وعرفتهم -منهم الشيخ حمد- ومنهم علامتنا صلاح المنجد. عظام لم يبق منهم إلا هذه البقية. كان من أغرب الناس أيضا الشاعر الشيخ عبد المطلب الأستاذ بدار العلوم -كان له اهتمام غريب -وهو شاعر- سموه "الشاعر البدوي" من تقليده لشعر القدماء- ولكني حين زرته في بيته وجدت عنده صوانا كاملا من مخطوطات في علم القراءات فقط، مع أنه شاعر، وكان لا يُعْرَف عنه هذا- لا يعرفه عنه غيري. كان أكبر جزء من مكتبته في علم القراءات القرآنية وحده.
ثم الفضل الأكبر للرجل الثاني فقد كان شيخى وأستاذى الذي علمنى العربية وهو الشيخ سيد بن على المرصفي. مات منذ دهر طويل، أكثر من خمسة
стр. 1273
وخمسين سنة. كان عالما لا يُبارى، وكان في حالة فقر شديدة في أول أمره وهو عالم من علماء الأزهر. وكان في أول أمره فقيرا شديد الفقر. وكرهه الأزهريون لأنه كان لا يدرس إلا الأدب، كتاب "الكامل" للمبرد و"الحماسة" لأبي تمام، فأغفلوه إلى أن جاء والدى وكيلًا للأزهر، وكان يعرف فضل الشيخ المرصفي فبحث عنه. وأقص عليكم قصته كما رواها والدى: في غرفه أو غرفتين في حوارى الأزهر العتيقة عرف بيته وذهب إليه فوجده جالسا وحوله الكتب ومحيطا نفسه بدائرة من العسل حتى لا يزحف البق إليه. فعينه والدى مدرسا للأدب، وأنا أدركت الشيخ عندما كنت طالبا في المدارس الثانوية وصاحبته، وهو الذي علمنى العربية وقرأت عليه كتاب "الكامل" للمبرد و"الحماسة" لأبي تمام وفصولا من "أمالى" أبي على القالى. هذا الرجل اشتغل أول أمره مصححا في دار الكتب. وقد نشر كتابا واحدا وهو الجزء الأول من كتاب "الخصائص" لابن جنى، وهي الطبعة الأولى، قبل أن يطبعه كاملا الشيخ النجار في ثلاثة أجزاء. فهذا الرجل بقي في دار الكتب سنين يشتغل مصححا وكانت له خبرة بجميع كتب الأدب التي كانت في دار الكتب، وكان أيضا لا يحب أن يبوح بعلمه -أشياء معينه لا يخبر أحدا بها. مما قرأته عليه في شرح كتاب الكامل أنه رجع إلى مخطوطة في دار الكتب من ديوان ابن مقبل. لما توفي الشيخ، بحثت عن هذه النسخة في دار الكتب فلم أهتد إليها إلى هذا اليوم.
عندي كلمة أقولها علانية أمامكم جميعا: إن هذه المخطوطات التي يراد فهرستها في مثل هذه الدول -الدول التي نحن فيها الآن- يصح أن تُسْتَرَدّ. فأنا عرفت من والدى -الذي جاء من الصعيد إلى القاهرة في أواخر القرن الثالث عشر الهجرى- أن مكتبة السلطان حسن كانت أكبر المكاتب في مصر، وكان الأمين الذي يحرسها واحد تاجر قصب، له دكان تحت درج المسجد، وكانت الأعاجم تأتيه في لباسهم وزيهم يعطون له ملاليم، فيدخل المسجد ويأتيهم بالكتب، إلى أن بقيت مكتبة السلطان حسن خاوية على عروشها. كنت أحب أن نبدأ فعلا في حركة لاسترداد هذه المخطوطات. لابد من استردادها اليوم
стр. 1274
أو غدا. قال شوقى لكارنافون الذي سرق نصف ما أخرجه من قبور الملك توت عنخ آمون: -
فمَنْ سَرَقَ الخليفةَ وهْوَ حَيٌّ ... يَعِفُّ عن الملوكِ مُكَفَّنِينا؟
стр. 1275
[تعقيب]
شيء مخجل، شيء مخجل جدا، أن يكون أول ما أكتبه لمجلة "العربي"، متعلقا بكلام نشر بها، وأن يكون هذا الكلام مما لا يُحسن السكوت عنه، لا لأنه يتعلق بى، بل لأنه يعطى قارئ هذه المجلة المتزنة الواسعة الانتشار، معلومات أقلّ ما يقال في شأنها إنها خطأ وإنها مضللة وقارئ مجلة العربي -كما أعلم- يثق ثقة مطلقة بما تمده به من معارف ومعلومات لأنه كان قد تعود ذلك منها منذ سنين، فأنا أخشى أن يكون كلامي هذا، مما يزعزع ثقة قارئها بها، فلذلك أحب أن أقدم بين يدي كلامي، عذر المجلة في نشر مثل هذه الأخطاء.
فهذه المجلة، كما تحترم قراءها، تحترم أيضا كُتابها، وُتحسِن الظن بهم، وأن هؤلاء الكُتاب لا يقدمون إليها إلا خلاصة صحيحة لعلمهم. وأنا على ثقة من أن جهازها لا ينشر كل ما يكتبه إليها الكاتبون ممن هبَّ ودب، بل تتحرى أن تنشر ما يكتبه المعروفون المشهود لهم بالأمانة والتمحيص، وعلى رأس هؤلاء -بطبيعة الحال- حملة شهادة الدكتوراه، الذين قطعوا مرحلة طويلة في ممارسة علومهم، وتمرسوا بالدقة والأناة والأمانة فيما يبحثون، وفيما يكتبون. وكاتب هذه المقالة التي نشرتها مجلة العربي، حامل لهذه الدرجة العلمية الرفيعة، فجهاز المجلة لا يستطيع أن يفترض الشك فيما يكتب، بل إن التجربة، تدلهم على أن حَمَلة هذه الدرجة العلمية أمناء فيما كتبوا قديما، وفيما يكتبون لها اليوم، فأجازوا المقالة وهم على ثقة من أن كاتبها لم يخط حرفا مما كتب، إلا بعد أن مرّ ما كتبه بمرحلة التمحيص: الأمانة والإعداد السليم، كما عوّدهم بقية الأساتذة الكُتاب الذين ينشرون فيها ما يكتبون. . ولكن لكل جواد كبوة. فهذا عذر مقبول إن شاء الله.
стр. 1276
كلام منقول بنصه
كتب الدكتور عبد العزيز المقالح، مقالا في عدد شهر جمادى الآخرة سنة ١٤٠٢ (إبريل سنة ١٩٨٢)، بعنوان "دفاع عن العقل والضمير العربيين: طه حسين، والشك على الطريقة الأزهرية"، وهو يفتتح هذه المقالة، بأنها تحية للدكتور طه في ذكراه الثامنة، وأنها ليست دفاعا عنه ضد الاتهامات الباطلة الكثيرة، ولا دفاعا عن صمت تلاميذه المنتشرين على طول الساحة العربية إزاء هذا الهجوم، ولكنها محاولة متواضعة للدفاع عن العقل العربي والضمير العربي، وعن بوادر النهضة الفكرية والثقافية، وعن ذلك الرجاء الذي كاد يقترب ثم ابتعد، ويوشك الآن على الانطفاء! هذا نص مقدمته. وهذا كلام حسن، ونية أحسن من الكلام. (ص ٥٤ من مجلة العربي).
ولكنه لم يكد يتجاوز هذه المقدمات حتى قال (ص: ٥٥ من المجلة) ما يأتي:
"ومن بين الاتهامات المبالغ فيها، والمسئول عنها طه حسين التهمة الثقيلة التالية: (إذا كان هناك تخريب في الثقافة المصرية، فإن المسئول عن هذا التخريب هو طه حسين؛ لأن تشككه في الثقافة العربية، قد أحدث نوعا من التفريغ في العقل العربي) "، فوضع الدكتور المقالح هذا الاتهام بين قوسين، ومعنى ذلك عند كل قارئ أنه كلام منقول بنصه، أو على الأقل تلخيص أمين لكلام مكتوب منشور، قرأه الأستاذ الدكتور ولخصه بأمانة. هذا واضح فيما أظن، ولا يختلف عليه أحد. ثم قال بعقب هذا الكلام المحفوف بالقوسين:
"الذي أطلق دخان هذه التهمة، أستاذ جليل، وباحث يحترم قراءه، ويحترمه قراؤه، وهو الأستاذ محمود محمد شاكر. وهي تهمة تعطى لطه حسين من التأثير السلبى والخطورة السلبية، أكثر مما تعطه للاستعمار والصهيونية وقوى التخريب المختلفة. وهي تمنح ذلك الشيخ الضرير قدرة خارقة لم تكن عفاريت الأساطير في القصص القديمة تمتلك بعضا منها، وفي تقديرى أن مثل هذه المبالغات في إلقاء التهم، وفي هدم الحسنات والسيئات معا، هي التي تشكل
стр. 1277
بحق نوعا من التفريغ في العقل العربي المعاصر، وتجعل القارئ العربي الذي لم يعد يكتفي بتكوين معارفه الثقافية، من كتابة ما يكتبه الأستاذ شاكر وأمثاله، تجعله حائرا متشككا غير قادر على المقارنة بين فكر رافض لا يقوم على أساس من البحث والتمحيص، وبين فكر لا يتوقف عن الجدل حول أغلب الأفكار المطروحة من قبل العصر، بين الدعوة إلى الغربة الروحية والعقلية، وبين الاكتفاء بالخواء العقلي والروحي".
وأنا قد نقلت هذا الكلام بنصه، لأنه كلام لا يحتمل التجزئة، لتناسقه أولا، ثم لأنها عادتى في وضع النصوص بين يدي من يقرأ كلامي، بلا عبث، بلا تحريف. عادة يعرفها عني كل من قرأ ما أكتب.
في الطبعة الجديدة "للمتنبى "
وقبل كل شيء، فليس من عادتى أيضا أن أرفع الناس فوق منازلهم، ولا أن أضعهم دون منازلهم، لا نصا بكلام أكتبه، ولا استنباطا يمكن أن يستنبطه قارئ لما أكتب، إلا أن يتوهم متوهم أشياء، فأنا بالطبع غير مسئول عن هذا التوهم. كل ما أملك هو قلم أعبّر به عن رأي أكتبه، أكتبه بألفاظ محددة صريحة، بلا رموز ولا إشارات ولا مخاتلة. هذا كل ما أملك، وهذا كل ما سأفعله هنا الآن، لأنه غاية قدرتى.
فإذا جاء كاتب، كالدكتور المقالح هذا يقول إني أتهم الدكتور طه بتهمة تعطيه من التأثير أكثر مما تعطى للاستعمار والصهيونية وقوى التخريب المختلفة، وتمنحه قدرة خارقة لم تكن عفاريت الأساطير تملك بعضًا منها فهذا الجائى، بلا شك عندي، لم يقرأ لي شيئا قط، أو قرأ ولم يفهم، أو فهم شيئا عن طريق التوهم، لا عن طريق الاستنباط من لفظى وكلامى. فأنا قد عرفت الدكتور طه وقرأت له منذ كنت صغيرا في الرابعة عشرة من عمرى سنة ١٩٢٣ م، إلى أن توفي سنة ١٩٧٣ م، عرفته قارئا وتلميذا له في الجامعة، ثم رجلا بيني وبينه من المودة، مع بعد الشقة بيننا والاختلاف، زمنا أطول من مدة القراءة والتلمذة. فليس إذن بمستساغ ولا معقول أن أخالف عادتى فأرفعه فوق منزلته عندي،
стр. 1278
ولا أن أضعه دون منزلته في نفسه، وأنسب إليه هذه الخوارق التي ذكرها الدكتور المقالح. لا أدري كيف توهم الأستاذ الدكتور هذا التوهم! هذا شيء! ! .
أما "التهمة" التي ذكرها ووضعها بين الأقواس، فهي إشارة إلى ما كتبته في مقدمة كتابى "المتنبى"، الذي كتبته قديما سنة ١٩٣٦، فلما أعدت طبعه سنة ١٩٧٧، كتبت هذا المقدمة وسميتها "قصة هذا الكتاب -لمحة من فساد حياتنا الأدبية"، وتعرضت فيها لما سميته "التفريغ" وهو اللفظ الموجود في التهمة التي بين الأقواس.
وأنا مضطر هنا أن أتعرض لبيان ما في هذه المقدمة، لأنها هي التي جلبت عليَّ هذا السَّيل من الألفاظ التي استعملها الدكتور المقالح، وأعطت قراء مجلة العربي، معلومات لا أصل لها عندي، أي فيما كتبت مطبوعا منشورا في كتاب! !
بدأت هذه المقدمة من ص ٩ إلى ص ٢٦، وفيها قصتى مع الدكتور طه، وكتاب الشعر الجاهلي، وأنا طالب في الجامعة وتلميذ للدكتور طه، حتى تركت الجامعة في سنة ١٩٢٨ ووصفتُ الدكتور طه بألفاظ صريحة بلا عبث ولا مخاتلة، وليس في هذا القسم ذكر لما سميته "التفريغ".
ثم قطعت هذا الجزء من المقدمة، وابتدأت في حديث آخر من ص ٢٧ إلى أواخر ص ٣٩ وبدأت هذا الفصل هكذا!
"ومرت الأيام والليالي والسنون، ما بين سنة ١٩٢٨، وسنة ١٩٣٦، وهي السنة التي كتبت فيها هذا الكتاب "المتنبى"، وهمي مصروف أكثره إلى قضية الشعر الجاهلي، وإلى طلب اليقين فيها لنفسي، لا معارضة لأحد من الناس (وأعنى الدكتور طه بالطبع). ومشت بى هذه القضية في رحلة طويلة شاقة، ودخلت بى دروب وَعِرة شائكة، وكلما أوغلت، انكشفت عني غشاوة من العمى، وأحسست أنى أنا والجيل الذي أنا منه، وهو جيل المدارس المصرية، قد تم تفريغنا تفريغا يكاد يكون كاملا من ماضينا كله، من علومه وآدابه وفنونه. وتم أيضا هتك العلائق بيننا وبينه، وصار ما كان في الماضي متكاملا متماسكا،
стр. 1279
مِزَقا متفرقة مبعثرة تكاد تكون خالية عندنا من المعنى ومن الدلالة، ولأنه غير ممكن أن يظل الفارغ فارغا أبدا، فقد تم ملء الفراغ بجديد من العلوم والآداب والفنون، لا تمت إلى الماضي بسبب، وإنا لنستقبله استقبال الظامئ المحترق قطرات من الماء النمير المثلج".
وفي خلال هذه الأعوام تبين لي أمر كان في غاية الوضوح عندي، وهو قصة طويلة قد تعرضت لأطراف منها في بعض ما كتبت، ولكني أذكرها هنا على وجه الاختصار (مقدمة المتنبى ص: ٢٧).
" الجيل المفرغ "
ثم انطلقت بعد ذلك أقص القصة منذ عهد محمد على. وحفيده إسماعيل، حتى جاء الاحتلال الإنجليزي في سنة ١٨٨٢، وبمجيئه سيطر الإنجليز سيطرة مباشرة على كل شيء، وعلى التعليم خاصة إلى أن جاء دنلوب (في ١٧ مارس ١٨٩٧) ليضع للأمة نظام التعليم المدمر الذي لا نزال نسير عليه مع الأسف إلى يومنا هذا (المقدمة ص ٢٨)، ثم بينت وسائل التدمير التي ارتكبها الاستعمار في حياتنا، وما أدى إليه من التدهور المستمر المتتابع، حتى قلت: "وكذلك كان مقدرا لجيلنا -نحن جيل المدارس المفرغ- أن يتلقى صدمة التدهور الأولى، لأنه نشأ في دوامة دائرة من التحول الاجتماعي والثقافي والسياسي (المقدمة ص ٢٦). ثم ختمت هذا الفصل بقولى: "وفي ظل هذا كله -كما قلت- انتعشت الحياة الأدبية انتعاشا غير واضح العالم. . . وأقول غير واضح المعالم، لأن الأساتذة الكبار الذي انتعشت على أيديهم هذه الحركة (ومنهم بالطبع الدكتور طه وغيره)، كانت علائقهم بثقافة أمتهم غير ممزقة كل التمزق، أما نحن -جيل المدارس المفرغ- فقد تمزقت علائقنا بها كل التمزيق، فصار ما يكتبه الأساتذة -فيما له علاقة بهذه الثقافة- باطلا أو كالباطل. فهو لا يقع منا ومن أنفسنا بالموقع الذي ينبغي له من الفهم ومن الإثارة، ومن الترغيب في متابعته، ومن إعادة النظر في ارتباطنا بهذه الثقافة. بل كان عند كثير من أهل جيلنا غير مفهوم البتة، فهو يمر عليه مرورا سريعا لا أثر له، أما الذي أخذه جيلنا عنهم، فهو
стр. 1280
الاتجاه الغامض إلى المعنى المبهم الذي تضمنته كلمة "التجديد"، وأنى هذا الرفض الخفي للثقافة التي كان ينبغي أن ننتمى إليها، وإلى الانحياز الكامل إلى قضايا الفكر والفلسفة والأدب والتاريخ التي أولع الأساتذة بتلخيصها لنا، لكي نلحق بثقافة العصر الذي نعيش فيه، وبمناهجه في التفكير، كما صوروا لنا ذلك في خلال ما يكتبونه! ! وغاب عن الأساتذة الكبار أن الزمن الدوار الذي يشيب الصغير ويفني الكبير، هو الذي سيتولى الفصل بينهم وبين أبنائهم الصغار الذين كانوا يتعلمون اليوم على أيديهم. والقصة تطول، ومع ذلك فليس هذا مكان قصها على وجهها، إذا أنا أردت أن أقيد ما كان، كما شهدته فيما بين سنة ١٩٢٨ وسنة ١٩٣٦، بل إلى ما بعد ذلك إلى يومنا هذا". (مقدمة المتنبي ص ٣٧، ٣٨).
فهذا كما ترى -هو الفصل الذي جاء فيه ذكر "التفريغ"، وهو شهادتى أنا على جيلى الذي أنا منه، وهو جيل المدارس الذي فرغ من ثقافة أمته، وتقطعت علائقه بينه وبين حضارتها على وجه بشع لا تزال آثاره هي الغالبة إلى يومنا هذا، وكما ترى وكما تستطيع أن تتحقق، ليس فيها ذكر للدكتور طه على الوجه الذي ذكره المقالح، ومن أحب من القراء أن يرجع إليه، فليرجع إليه، أقول ذلك مخافة أن يفقد الثقة بما أقول، كما سيفقد الثقة بأقوال الدكتور المقالح.
وبعد أن فرغت قلت مباشرة: "ومع ذلك، فأنا أحب أن أقرر هنا حقيقة أخرى، تعين على توضيح هذه الصورة التي صورتها، وكنت أنا أحد شهودها سنة ١٩٢٨ - ١٩٣٦، فصورتها فيما سلف. فالدكتور طه حسين -وهو أحد الأساتذة الكبار- سوف يشهد في سنة ١٩٣٥ شهادته هو، من موقعه هو، أي من موقع الأستاذية، من وجهة نظره هو، ومن دوافعه هو إلى الإدلاء بهذه الشهادة" (المقدمة ص: ٣٩).
كتاب الشعر الجاهلي
ثم في (صفحة ٤٠ من المقدمة) عدت فتعرضت لكتاب الشعر الجاهلي، وأثره على جيلنا نحن، جيل المفرغين، وما ألقاه علينا وقاله الدكتور طه، وزعم
стр. 1281
أنه "منهج الشك" فقال فيما قال عن هذا المذهب بلفظه من كتاب الشعر الجاهلي "إن هذا المذهب سوف يقلب العلم القديم رأسا على عقب، وأخشى -إن لم يمح أكثره- أن يمحو منه شيئا كثيرا". وبينت ما قاله بعد ذلك مما يدل على الاستخفاف بكل شيء، وقيدته بنصه من كتاب الشعر الجاهلي. ثم شهدت بعد ذلك شهادتى على الجيل الذي أنا منه فقلت:
"والاستخفاف الذي بنى عليه الدكتور طه كتابه معروف، أما الذي كان يقوله في أحاديثه بين طلبته، فكان استخفافه عندئذ يتجاوز حده حتى يبلغ بنا إلى الاستهزاء المحض بأقوال السلف، وأما الذي كان يدور بين طلبته الصغار "المفرغين" من ثقافتهم -كما قلت- فكان شيئا لا يكاد يوصف، لأنه كان استخفاف جاهل واستهزاء خاو، يردد ما يقوله الدكتور، لا يعصمه ما كان يعصم الدكتور طه من بعض العلم المتصل بهذه الثقافة، وعلى مر الأيام، كانت العاقبة وخيمة جدا" (المقدمة ص: ٤٠). ثم ذكرت كيف كانت العاقبة، حين كبر هؤلاء الصغار، وحاولو أن يزاحموا الاْساتذة الكبار (كالدكتور طه) في موقع الأستاذية فقلت: "ولكنهم لم يسيروا سيرة الأساتذة في معالجة القديم. . بل كان الغالب على أكثرهم هو رفض القديم والإعراض عنه، والانتقاص له والاستخفاف به، وعندئذ أحس الدكتور طه بالخطر، وهو الذي أضاء لهم الطريق بالضجة التي أحدثها كتابه، في الشعر الجاهلي" (المقدمة: ٤١). ثم قلت بعد ذلك مباشرة:
"كان إحساس الدكتور طه بهذا الخطر الذي تولى هو كبر إحداثه، ظاهرا جدًا، ففي يناير سنة ١٩٣٥ بعد تسع سنوات من صدور كتابه في الشعر الجاهلي -بدأ ينشر في جريدة الجهاد مقالات، . . كان محصلها رجوعا صريحا عن ادعائه الأول في سنة ١٩٢٦، الذي أعلنه في كتابه، وهو قوله: إن الكثرة المطلقة مما نسميه شعرًا جاهليا ليست من الجاهلية في شيء، وإنما هي منتحلة مختلقة بعد ظهور الإسلام، فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم وأصداءهم، أكئر مما تمثل حياة الجاهليين، وأكاد لا أشك في أن ما بقى من الشعر الجاهلي الصحيح قليل جدا، لا يمثل شيئا ولا يدل على شيء".
стр. 1282
ثم عقبت على هذا الذي قلته بما يأتي: "قد بينت في بعض مقالاتى أن الدكتور طه قد رجع عن أقواله التي قالها في الشعر الجاهلي، بهذا الذي كتبه في سنة ١٩٣٥، وببعض ما صارحنى به بعد ذلك، وصارح به آخرين، من رجوعه عن هذه الأقوال، ولكنه لم يكتب شيئا صريحا يتبرأ به مما قال أو كتب، وهكذا كانت عادة الأساتذة الكبار! يخطئون في العلن ويتبرءون من خطئهم في السر! ! ".
ثم ذكرت ما قاله الدكتور طه في مفتتح مقالاته التي كتبها ونشرها بعد ذلك في حديث الأربعاء، في الجزء الأول منه، عن شعر الجاهلية، وذكر السبب الذي دعاه إلى كتابة ما كَتَب، وهو ما صاغه في محاورة بينه وبين صاحب له من جيلنا نحن، يرفض الشعر القديم كله، وصوّر إحساس هذا الجيل تصويرا كاملا، ثم قال: "وقد تحدث إليَّ المتحدثون بأن أمثال صاحبي هذا، قد أخذوا يَكْثرون، ويظهر أنهم سَيكْثرون كلما تقدمت الأيام"، فقلت أنا تعقيبا على ذلك: "وصدق ظن الدكتور طه، فقد كان ذلك، وكان ما هو أبشع منه" (مقدمة المتنبى ص ٤١، ٤٢).
ثم سقت شهادة الدكتور طه على جيلنا المفرغ، وما كان من أمره وأمرهم، منقولة من مقالاته في سنة ١٩٣٥، والمنشورة في حديث الأربعاء (في ص ٤٣ - ٤٤) ثم قلت: "وليس من همي أن أفسر هذه الشهادة، ولا أن أوضح مدى صدقها حيث صدق توقع الدكتور طه في تكاثر عدد من وصفهم من "المثقفين" في شهادته. . ولكن الذي يجب على أن أقول إن شهادة الدكتور على اختصارها، إنما هي وجه آخر لشهادتى التي كتبتها هنا، قالها هو من موقع الأستاذيه وقلتها أنا من موقعى بين أفراد جيلى الذي أنتمى إليه، وهو جيل المدارس المفرغ من كل أصول ثقافة أمته، وهو الجيل الذي تلقى صدمة التدهور الأولى، حيث نشأ في دوامة من التحول الاجتماعي والثقافي والسياسي، الذي أشرت إليه آنفا (مقدمة المتنبى ص: ٤٥، ٤٦).
стр. 1283
هل يبقى الاتهام ؟
يستطيع الآن قارئ مجلة العربي أن يطمئن، لأنى وضعت بين يديه قضيتى أنا صغيرا، وقضية جيلى الذي سميته "الجيل المفرغ"، وأن أمر "تفريغ" هذا الجيل الذي أنا منه من ثقافة أمته ومن أسس حضارته التي ينتمى إليها، منسوب كله إلى الاستعمار وقوى التخريب المختلفة التي سيطرت عليه، وعلى مجتمعه، وعلى مدارسه، ونشأته مفرغا غير قادر على مجرد الفهم لثقافة أمته العظيمة التي صار هو خلفا، لا يطيق الصبر على ما تركه له السلف من آبائه، لا بل لعله يرفضه بتظاهر وتعالم وسخف أيضا. أليس هذا واضحا جدا فيما اختصرته لك بألفاظه من مقدمتى لكتابى عن "المتنبى"، والتي جعلتها أساسا لقصة هذا الكتاب الذي نشرته في يناير سنة ١٩٣٦، وجعلتها أيضا صورة لفساد حياتنا الأبية؟ أليس واضحا؟
وهذا الجيل "المفرغ"، هو الجيل الذي تلقاه الدكتور طه في الجامعة منذ سنة ١٩٢٥ وأنا واحد منه، فشهدت شهادتى عليه ثم قلت إن الدكتور -حين تلقى هذا الجيل المفرغ والأجيال التي تليه من المفرغين- أخطأ خطأ شنيعا، حين قال له ما قال في قضية الشعر الجاهلي، وبالصورة التي قالها مثبتة في كتابه الشعر الجاهلي، وفي كتابه المعدَّل الأدب الجاهلي، ثم تهوره (وأنا آسف لهذا التعبير، ولكني لا أجد غيره مناسبا)، ثم تهوره حين طالبهم باتباع ما زعمه مذهبا وأنه هو الذي سوف يقلب العلم القديم رأسا على عقب، "وأخشى -إن لم يمح أكثره- أن يمحو منه شيئا كثيرا"، كما قال في كتابه في الشعر الجاهلي ص: ٣.
ثم قلت بوضوح إن الدكتور طه قد تبين هذا الخطر الذي تولى كبره، بعد تسع سنوات لا أكثر، فكتب أو أملى، شهادة على هذا "الجيل المفرغ"، بعد أن فارق الجامعة، وبدأ يسامى الأساتذة الكبار، وفيهم الدكتور نفسه، ويجابهه برفض كل شيء. كتب الدكتور طه هذه الشهادة في سنة ١٩٣٥ على هذه الأجيال المفرغة، فكانت شهادة من أستاذ كبير، شهدها من موقع الأستاذية،
стр. 1284
وكانت فحواها مطابقة لشهادة واحد من هذه الأجيال التي تلقت "التفريغ" في نظام دنلوب ومدارسه، شهدها من موقعه في هذا الجيل "المفرغ".
فهل في شيء من هذا ما يدل على أنى وصفت الدكتور طه واتهمته، بأنه هو الذي فعل ذلك "التفريغ"؟ وإذا كان الأمر الآن واضحا لقارئ مجلة العربي، فماذا يقول لهذا الكاتب الذي يحمل شهادة الدكتوراه، فيقول عني إني أول من أطلق اتهام الدكتور طه بتهمة وضعها بين قوسين، هي: (إذا كان هناك تخريب في الثقافة المصرية، فإن المسئول عن هذا التخريب هو طه حسين، لأنه بتشككه في الثقافة العربية قد أحدث نوعا من التفريغ في العقل العربي)؟
وهذا الكاتب -كما قلت- بين ثلاثة أمور: إما أنه لم يقرأ لي شيئا قط، وإما أنه قرأ ولم يفهم، وإما أنه فهم شيئا عن طريق التوهم، لا عن طريق الاستنباط من لفظى وكلامى. ولا أحب أن أدع قارئ مجلة العربي مترددا في اختيار خصلة من هذه الخصال الثلاث، فلذلك سوف آتيه بالدليل القاطع على أنه لم يقرأ ما كتبت عن الدكتور طه، وإنما هي ألفاظ تلقاها من تخاليط جالس على مقهي من مقاهي الثرثرة. وذلك أنه قال بعد ما نسبه إليّ مباشرة ما يأتي:
"لقد كان طه حسين زميلا أزهريا للأستاذ شاكر، سبقه إلى ذلك المعهد العتيد، وتعلم على مشايخه الأجلاء أساليب الحوار، وطرائق الرفض والقبول، وكانت ظروفه الاجتماعية، وتكوينه النفسي، يهيئانه لغير ما تهيأ له الأستاذ شاكر".
فالذي يقول مثل هذا الخلط، لا يمكن أن يكون قرأ ما كتبت ولم يفهمه، ولا أن يكون فهم شيئا عن طريق التوهم ولا عن طريق الاستنباط، لأنى قصصت في خلال كلامي عن "التفريغ" جزءا من تاريخ حياتى، منذ كنت طالبا صغيرا في مدارس دنلوب، ثم في القسم العلمي حتى نلت شهادة البكالوريا (الثانوية العامة)، ثم دخلت الجامعة، ثم فارقتها، وفارقت أرض مضر مدة سنتين، ثم عدت لأسير سيرتى التي أنا فيها من يومئذ إلى الآن، فهل هذا هو "الأزهر"؟ ولا أستطيع أن أتوهم أن حاملا للدكتوراه لا يستطيع أن يفرق بين "مدارس دنلوب" التي فرغتنى وفرغت جيلى، وبين لفظ "الأزهر".
стр. 1285
هل يليق بعد هذا أن يدلى هذا الحامل للدكتوراه، بمعلومات عن حي من الأحياء، تَحْمِل هذا القدر من العبث وقلة الاحتفال بالقراء. هل يمكن أن يكون هذا الحامل للدكتوراه قد قرأ شيئا وفهمه؟ بلا ريب، لا، فالذي في كتابى الذي يوهم القارئ أنه قرأه، وفي غيره من كتبى، قصصت ما أصابنى من "المدارس" التي سيطر عليها الاستعمار وشيطان "دنلوب" فكيف يأتي هذا الأتى، فيجعلني زميلا لأستاذى الدكتور طه في "الأزهر".
وأنا أختم هذا التصحيح، بكلام ليس من كلامي، بل من كلام هذا الأستاذ، قدمه بين يدي الفقرة التي نقلها عند أول المقالة (العربي ص: ٥٥) يقول: "كما أنه ليس من حق أحد بل لا يليق بأحد -أن يختلق على مخالفيه الرأي من الأقوال والأفعال، ما لم يقولوا، ولم يفعلوا كما يحدث وحدث في الكتابات التي تناولت آثار طه حسين وجهوده الفكرية والثقافية، فقد وصل الزيف والتضليل في بعض تلك الكتابات إلى درجة لا تسئ إلى طه حسين وحده فحسب، وإنما تسئ كذلك إلى الفكر العربي والضمير"، هكذا قال ثم عقب بذكرى وذكر التهمة الثقيلة التي بينت لقارئ مجلة العربي حقيقتها فيما سلف، وأنى لم أختلق شيئا على الدكتور طه، ولا نسبت إليه ما نسبه إليَّ هذا الحامل للقلم وللدكتوراه.
تهمة أكبر
ومع ذلك، فأنا لا أنفي عن نفسي أني اتهمت الدكتور طه حسين لا بتلك التهمة السخيفة بل بتهمة أشنع وأبشع من التهمة التي اختلقها هذا الكاتب، فإن مقدمة كتابى "المتنبى" (من ص ٣، إلى ص ١٦٤) مبنية على شيئين: على قصة الكتاب كيف كتبته، وعلى ظواهر فساد حياتنا الأدبية، وأكبر ظاهرة تعرضت لذكرها، هي قصة "السطو" على أفكار الناس وأقوالهم، وقلت إنها سُنّة سَنَّها الأساتذة الكبار، وإن هذا "السطو" أتى على أيديهم في صورتين.
الأولى: سُنَّة "تلخيص" أفكار عالم آخر "أعنى العالم الأدبى" ويقضى
стр. 1286
الأستاذ منهم عمره كله في هذا "التلخيص"، دون أن يشعر أنه محفوف بالأخطار، ودون أن يستنكف أن ينسبة إلى نفسه نسبة تجعله عند الناس (أي عند العرب) كاتبا ومؤلفا وصاحب فكر، وهذا ضرب من التدليس كريه (مقدمة المتنبى ص: ١٦٣)، وهذه خصلة شنيعة.
والأخرى: سُنَّة "السطو" المجرد، حين يعمد الساطى إلى ما سطا عليه فيأخذه ويمزقه، ثم يغرقه ويفرقه في ثرثرة طاغية، ليخفي معالم ما سطا عليه، وليصبح عند الناس صاحب فكر ومذهب يعرفه به، ونسب إليه كل فضله (مقدمة المتنبى ص: ١٦٣) وهذه خصلة أشنع من الأولى.
ثم قلت: "أتلفَّت اليوم (سنة ١٩٧٧) إلى ما أشفقت منه قديما من فعل الأساتذة الكبار، لقد ذهبوا بعد أن تركوا، من حيث أرادوا أو لم يريدوا، حياة أدبية ثقافية قد فسدت فسادا وبيلا على مدى نصف قرن، وتجددت الأساليب وتنوعت، وصارت "السطو" على أعمال الناس أمرا مألوفا غير مستنكر، يمشي في الناس طليقا عليه طيلسان "البحث العلمي" و"عالمية الثقافة"، "والثقافة الإنسانية"، وإن لم يكن محصوله إلا ترديدا "لقضايا غريبة، صاغها غرباء صياغة مطابقة لمناهجهم ومنابتهم ونظراتهم في كل قضية، واختلط الحابل بالنابل، قُل ذلك في الأدب والفلسفة والتاريخ والفن أو ما شئت، فإنه صادق صدقا لا يتخلف، فالأديب "عندنا" مصور بغير قلمه والفيلسوف "عندنا" مفكر بعقل سواه، والمؤرخ "عندنا"، ناقد للأحداث بنظر غريب عن تاريخه، والفنان "عندنا" نابض قلبه بنبض أجنبى عن تراث فنه (مقدمة المتنبى ص ١٦٤).
وهذه الخلاصة التي ختمت بها مقدمتى ومنذ أولها -نتيجة لأشياء ذكرتها، وأطلت في ذكرها وأسبابها ونتائجها، وعلى رأسها قصتى أنا مع الدكتور طه حسين في الجامعة، حين سمعت بأذنى من فم الدكتور طه كلاما كنت قد قرأته بالإنجليزية في إحدى المجلات، كتبه مستشرق غريب الشكل والعقل والأطوار يقال له "مرجليوث" فإذا الذي أسمعه، هو نفس ما قرأته قبل أن أسمع ما سمعت، ولكى سمعته بلفظ عربي مُسْتجاد، وبإلقاء أستاذ بارع تصغى إليه
стр. 1287
فيأسرك لفظه وإلقاؤه، وهو الدكتور طه حسين أستاذ الأدب العربي عند أول دخولى الجامعة، ولكن فتنة هذا الأستاذ الكبير، لم تمنعنى يومئذ (سنة ١٩٢٦) -وأنا طالب صغير- أن أقول لزملائى وأساتذتى وللناس: إن هذا "سطو" غير لائق على مقالة المستشرق الأعجمي، وإن الجامعة مكان للبحث والمناقشة، لا مكان للسطو على أعمال الناس، واشتد الأمر عليَّ وعلى من يحيط بى "حتى تدخل في ذلك، وفي مناقشتي بعض الأساتذة الأجانب كالأستاذ نلّينو، والأستاذ جويدى من المستشرقين، وكنت أصارحهما بالسطو، وكانا يعرفان ذلك، ولكنهما يُداوِران، وطال الصراع غير المتكافئ بيني وبين الدكتور طه زمانا، إلى أن جاء اليوم الذي عزمت فيه على أن أفارق مصر كلها، لا الجامعة وحدها، غير مبال بإتمام دراستى الجامعية، طالبا للعزلة، حتى أستبين لنفسي وجه الحق في قضية الشعر الجاهلي بعد أن صارت عندي قضية متشعبة كل التشعب "مقدمة المتنبى ص ٢٣، ٢٤".
ليس شكا أزهريا
وقد قصصت القصة كلها واضحة في مقالاتى في مجلة الثقافة المصرية حين تفضل الدكتور عبد العزيز الدسوقى فكتب عن كتابى "المتنبى" في طبعته الثانية سنة ١٩٧٧، وقلت فيها ما قلت، من اتهامى للدكتور طه بالسطو على عمل من الأعمال، واستنكرت أن يكون ذلك في "جامعة" "وأن الجامعة" "إذا قبلت هذا السطو" وسكتت عنه، فإنها تفقد هيبتها، وطالبت أساتذتى الذين أرادوا أن يحولوا بيني وبين ترك الجامعة، في قصة طويلة أن ينصحوا الدكتور طه أن يصرح بنسبة هذا الذي قاله إلى صاحبه مرجليوث، فإذا فعل عدت إلى الجامعة ونقضت عزمى على السفر، هذه واحدة.
وبهذه الواحدة يتبين أن الذي قاله المقالح، من أن الدكتور طه شك شكا أزهريا! ! كلام لا أصل له، فهو ليس شكا أزهريا ولا ديكارتيا، ولا أرسطوريا (! ! ) بل الذي في كتاب (في الشعر الجاهلي) إنما هو "سطو" لا غير، وكان الله يحب المحسنين، ومن الدليل على ذلك أيضا أن الدكتور طه نفسه، لم يؤلف
стр. 1288
بعد ذلك كتابا واحدا يحمل ذرة من هذا "الشك" الذي زعم أنه منهج، ويزعمه له أمثال الدكتور المقالح، وهذه بالطبع غريبة من الغرائب.
أما "الثانية" فإني نشرت كتابى عن "المتنبى" أول مرة، في المقتطف (يناير سنة ١٩٣٦)، وبعد سنة أو أكثر (سنة ١٩٣٧) فاجأنى الدكتور طه بكتابه "مع المتنبى" فرأبت وأنا أقرؤه، أنه لم يفارق عادته التي اعتادها، وأنه وضعنى تحت إبطه وهو يملى كتابه، فيسألنى عن منهجى في كل قضية تخص المتنبى، فإذا فرغت سار على الدرب فرحا ومتفكها ومعاكسا ومستخرجا لغيظى، إلى آخر ما قصصت من القصة، قصة السطو على كتابى، وأيضا لم يؤلف بعد ذلك كتابا عن شاعر من الشعراء، غير كتابه "مع المتنبى" يحمل ذرة واحدة من هذا المنهج" الذي يزعم للناس أنه هو منهجه في دراسة الشعراء. وهذه بالطبع أيضا غريبة من أغرب الغرائب! !
ولكن يومئذ (سنة ١٩٣٧)، لم أصبر عليه صبرى عليه في قضية سطوه على مرجليوث، بل نشرتُ مقالات متتابعة في جريدة البلاغ، مرة في الأسبوع من ٣ فبراير سنة ١٩٣٧ إلى مايو سنة ١٩٣٧ واتهمته بالدليل والبرهان على أن عادته في "السطو" لم تزل قائمة في نفسه لا يستطيع أن يفارقها، وزدت الأمر وضوحا في مقدمة كتابى التي كتبتها سنة ١٩٧٧، قلت ذلك في حياته، كما ترى مع وجود تهمة "السطو" بلفظها وبلا كناية، وسكت الدكتور طه حسين لأنه لم يستطع أن ينفي عن نفسه التهمة، ولا استطاع ذلك يومئذ "تلامذته المنتشرون على طول الساحة العربية إزاء هذا الهجوم الذي يُكال لأستاذهم العميد" كما يقول المقالح (مقالات البلاغ، منشورة في الجزء الثاني من كتابى المتنبى).
وقلت في جميع ذلك إن الدكتور طه وسائر الأساتذة الكبار الذين تعودوا "السطو" هم الذين نشروا هذه السُنة، فصارت سُنة سيئة متبعة إلى يومنا هذا -بلا حياء- في جميع حياتنا الثقافية والأدبية والفنية وشرح هذه القضية يطول، وهي قضية أخرى غير القضية التي يذكرها المقالح، فلم أتعرض لها بتفصيل، لأنه
стр. 1289
لم يذكرها في دفاعه عن "الدكتور طه" كما لم أتعرض لما حُشِيَتْ به مقالته من الأخطاء التي لا تخصنى.
والآن، أدع لقارئ مجلة العربي حرية الحكم والتعبير، فهو حر في اختيار اللفظ الذي يناسبه، في وصف ما كتبه الأستاذ الفاضل حامل الدكتوراه وأشباهه. أما أنا فأكتفي بأن أقول إنه كلام خطأ كله، وإنه كلام مضلل، وأسأل الله العافية من البلاء، وأستعفي قارئ مجلة العربي، ليعفو عما جلبته عليه بالإكثار والإملال، ولكن عذرى أنى لا أحب العبث بعقول القراء، فأكثرت وأمللت لكي أوضح وأصحح، لا لكي أتباهى وأتبجح.