← Джавами‘

Джавами‘ · id 20641

جمهرة مقالات محمود شاكر

محمود شاكر، أبو فهر

Полный текст (1 289 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

"التذوق المحض والإحساس المجرد"، كما قلت آنفا، وأن هذا "التذوق" يومئذ كان تذوقا ساذجا بلا منهج، كالذي هو ناشب في الألسنة وأقلام الكتاب المحدثين .. وأن ثانيهما عليه سمة واضحة تدل على أنه نعت من أثر "التذوق" أيضًا، ولكنه تذوق له معنى آخر غير المعنى المألوف، وأنه "تذوق" قائم على منهج مرسوم، له أسلوب آخر في استبطان الأحرف والكلمات والجمل والتراكيب والمعاني، ثم في استدراجها ومماسحتها وملاطفتها ومداورتها حتى تبوح لنا بدخائل منشئيها ومخبآت صدورهم، بل حتى تكشف اللثام عن صورهم وملامحهم ومعارف وجوههم سافرة بلا نقاب. أظنه فرقا ظاهرا بين نعتين، في زمنين متباعدين، لكل زمن منهما طبيعة تميزه عن الزمن الآخر. أليس كذلك؟ ولمجرد الحذر مما يخاف على الحديث إذا هو اختلف سياقه وتباعدت أطرافه، فيصبح عندئذ مهددا بأن تخفي أسباب التشابك بين معانيه، أو متوعدا بأن تتهتك أو تسقط بعض الروابط الجامعة بين أوصاله فيتفكك أو ينتشر، أحب أن أختصر لك مجمل حديثي في نظام واحد، متدانى الأطراف محذوف الفضول. فهذه القوة المركبة الكامنة في بناء الإنسان، والتي سميتها "القدرة على البيان"، مندمجة اندماجا لا انفصام له في حلقة مفرغة مكونة منها ومن العقل والنفس والقلب. ولها في هذه الحلقة عملان متداخلان لا ينفصلان هما: "الإبانة" و"الاستبانة" و"الإبانة" هي قدرتها على إنشاء "الكلام" وتركيبه، بليغا كان أو غير بليغ. و"الاستبانة" هي قدرتها على تفلية "الكلام" وجسه والتدسس في طواياه، وحين تتلقاه من خارج، بليغا كان "الكلام" أو غير بليغ. وهذه "الاستبانة" بجملتها هي التي سميتها "التذوق". وكلامى، خفت، يوشك أن يوهم أن "التذوق" عمل آخر مستقل من أعمال هذه القدوة، مقصور على استبانة دفائن الكلام الدالة على آثار العواطف والنوازع والطبائع الناشبة فيه، وعلى التقاط الملامح العالقة التي يمكن بالملاطفة أن تحسر اللثام عن بعض معارف ضمير منشئها وصورته وهيئته، وخفت أيضًا أن

стр. 1227

يظن ظان أن هذا عمل آخر هو غير عملها في استبانة صور المعاني القائمة التي كانت في نفس منشئها، والتي هي في الحقيقة ما نسميه "البلاغة". وخفت أيضًا أن يتوهم متوهم أن أحد العملين ممكن أن يتم بمعزل عن العمل الآخر. ليس كل ذلك صحيحا أو ممكنا، لأن صاحب "الإبانة" و"الاستبانة" واحد غير قابل للتجزئة، وهو "القدرة على البيان" ولأن طلب "الاستبانة" لجميع ما تطلبه في "الكلام" المتلقى من خارج متداخل ممتزج في حيز واحد هو نفس "الكلام" المتلقى من خارج، ولأن جميع ذلك حدث واحد متلازم أيضًا في زمن واحد مختطف متلاحق لا يمكن تثبيته أو تقسيمه. وإذن، فهو على التحقيق عمل واحد خاطف لا يتجزأ، وإنما نحن الذين نتولى الفصل بين شيء منه وشيء بعد تمام العمل الواحد جميعه، على قدر ما عندنا من الرغبة وتوجيه العناية إلى إبراز شيء منه دون شيء. وأظنه صار قريبا ممكنا أن نتخطى كلاما كثيرا ونفضى إلى نتيجة موجزة، هي أن "التذوق" يقع وقوعا واحدا، في زمن واحد، على كل "كلام"، بليغا كان أو غير بليغ. ثم يفصل عن "الكلام" ومعه خليط "واحد" ممزوج متشابك غير متميز بعضه من بعض. وفي هذا الخليط أهم عنصرين. العنصر الأول: ما استخرجه "التذوق" من العلائق الباطنة الخفية الناشبة في أنفس الأحرف والكلمات والجمل والتراكيب والمعاني. وهذا في جملته يجعلنا قادرين على أن نستخلص منه ما يحدد بعض الصفات المميزة التي تدل على طبيعة منشيء الكلام، أي على بعض ما يتميز به من الطبائع والشمائل، أو ما شئت من هذا الباب. والعنصر الثاني: ما استخرجه "التذوق" من العلائق الظاهرة بين أنفس الأحرف والكلمات والجمل والتراكيب والمعاني، وهذا في جملته يجعلنا قادرين على أن نستخلص منه ما يحدد بعض الصفات المميزة التي تدل على طبيعة الكلام نفسه، أي على ما يتميز به من "السذاجة" و"البلاغة" أو ما شئت من هذا الباب.

стр. 1228

والإحساس بهذين العنصرين الخليطين إحساس سريع، خاطف، ناقد، لطيف، دقيق، دفين، قائم في النفس لأول وهلة عند سماع كل كلام أو قراءته، من العسير عليّ أن أتقصاه هنا أو أعبر عنه تعبيرا واضحا في كلمات قلائل، ولكن كل أحد قادر على تبينه بالأناة والتوقف. وبالتأمل والدربة، فيما أظن. ولكنه على كل حال، إحساس خفي مكنون مقنع بقناع من الكتمان. يحتاج إلى ما يهتك عنه هذا القناع حتى يسفر ويستبين وينجلى، ثمَّ يبوح بما عنده. ولكن ليس أمر "التذوق"، في الحقيقة، محفوفا بمثل هذه القسوة والصرامة التي ألجأتنى إليها طبيعة حديثي عنه، وطبيعة اللغة التي تجعلنا "اضطرارا" أن نجسد ما لا يتجسد. فما من إنسان حي عاقل مدرك، صغير أو كبير، جاهل أو عالم، قَل علمه أو كثر، إلا و"التذوق" حاضر في دخيلته حضورا ما، لأنه "إنسان" قد أودع الله في بنائه هذه الأعجوبة النفيسة الغالية التي صار بها إنسانا، وهي "القدرة على البيان". فهو، إذن على هذا "التذوق"، لأنه ما من شيء يسمعه أو يبصره أو يحسه أو يذوقه، أو يتوهمه أيضًا، إلَّا وهو محتاج فيه إلى "القدرة على البيان" بعمليها في "الإبانة" و"الاستبانة" أي "التذوق"، لأنه غير قادر على إدراك أي معنى أو تصوره، إلا عن طريق هذه القدرة وأدائها لعمليها أداء ما فالتذوق إذن، ضرورة لكل حي منا، منذ يولد إلى أن ينقطع أجله على هذه الأرض. وهذا الإلف الطويل لقيام "التذوق" فيه وأدائه لعمليه، منذ يولد إلى أن يكبر ويعقل يؤهله، بلا وعى منه حاضر فريد واضح الإرادة، أن يكتسب قدرة على سرعة استخلاص قدر لا بأس به من هذا الخليط الذي امتزج فيه العنصران جميعًا، وعندئذ، ولأول وهلة، ينفصل شيء بعد شيء من هذا الخليط وكأنه انفصل من تلقاء نفسه، ويبرز للمرء واضحًا جليا، ولا يحس البتة أنه بذل في تبينه جهدا أو تعمد بذله. وهذا هو "التذوق" الساذج الذي لم يتم عن منهج مرسوم أو قصد أو عناية. ولكن يبقى في الخليط الممزوج من العنصرين بعد ذلك شيء "كثير"، يحتاج إلى منهج وقصد وعناية أي يحتاج إلى إرادة واضحة، وإلى تنبه وبصر،

стр. 1229

وإلى حرص على تمييز شيء من شيء، وإلى عناية متوجهة إلى غرض واحد أو أغراض متنوعة. وهذا غير ممكن أن يتم من تلقاء نفسه على وجه صحيح، ولا أن يتم كله دفعة واحدة. ويحتاج أيضًا إلى ترديد الكلام وترجيعه، وإلى إعادة النظر فيه مرة بعد مرة بعد مرة، وإلى التقاط شيء من هذا الخليط، وإلى فصل بعض من بعض، وإلى ضم شكل إلى شكل، وإلى ملاحظة الفروق بين المتشابهين أحيانا، أو تحديد ضرب من التشابه بين غير المتشابهين ظاهر أحيانا أخرى. وأشياء أخرى كثيرة لا يضبطها إلا المنهج والقصد والعناية. وهذا الذي وصفت هو "التذوق" بعنصريه "التذوق" الواقع على طبيعة الكلام نفسه، أي على ما يتميز به من "السذاجة" أو "البلاغة" أو ما شئت من هذا الباب، والذي كان مبهما كل الإبهام، فجاء عبد القاهر الجرجانى فألف كتابين: "أسرار البلاغة" و"دلائل الإعجاز"، ليزيل الإبهام عن لفظ "البلاغة": أي عن أحد عنصرى "التذوق"، وهو نفسه "التذوق" الواقع على طبيعة منشيء الكلام، أي على بعض ما يتميز به من الطبائع والشمائل أو ما شئت من هذا الباب، وهذا العنصر الثاني هو الذي حاولت جاهدا أن ألتمس لنفسي طريقا إلى إزالة إبهامه، فإن أنا قد وفقت فيه إلى بعض الصواب، فبفضل الله وتسديده، وإن أكُ قد أخطأت الطريق وأسأت، فأسأل المغفرة واسع المغفرة سبحانه.

стр. 1230

من هؤلاء ! الذي يسرى اليوم في حياتنا الأدبية من السموم الفتاكة شيء "كثير" لا يحاط به، ومع ذلك فالأطباء والصيادلة قليلون وهم مع قلتهم منصرفون كل الانصراف عن تتبع هذه السموم وعن تحليلها، وعن تنبيه الناس إلى خطرها وفتكها، وعن تحذيرهم من هذه الأقراص الجميلة الشكل الذكية الرائحة من خارج، وباطنها تفوح منه أخبث الروائح. وهي اليوم تباع في كل مكان ولا يسأل أحد عن مصدرها، أو عن الجهات التي تخصصت في صناعتها وتصديرها، أو عن التكنولوجيا الحديثة التي عبأتها أحسن تعبئة وهيأتها للاستئثار بإقبال الشباب والفتيات في هذا العالم العربي والإِسلامى الذي نعيش فيه، واتخذت وسائل الإعلام جميعًا للإعلان عنها يوما بعد يوم، وساعة بعد ساعة. لا أدري من يكون؟ ولكن هكذا يقول، عن رواية "أولاد حارتنا" للأستاذ نجيب محفوظ. وربما تبادر إلى الظن أن كتابة الحوار على الأقل باللغة العامية، إن لم نقل كتابة الرواية كلها، كانت تكون أقدر على تحقيق هذا الهدف (أي أن يشد اهتمام القارئ البسيط ويأسره ليتمكن بعد ذلك من إثارة تفكيره! هكذا يقول). ولكن نجيب محفوظ يقصر استخدامه للعامية على الأغنيات والأمثال الشعبية التي يقتبسها، بالإضافة إلى بضع كلمات ومصطلحات تجري على الألسنة في الحياة اليومية، ولو نقلت إلى اللغة الفصحى لبعدت عن هذه الحياة بعدا كثيرا (فالمائدة تظل طرابيزه، والأريكة كنبة، والعربة التي يجرها حصان عربة كارو. . . الخ). وكل ما خلا ذلك مكتوب باللغة الفصحى التي يتردد فيها أحيانا إيقاع قرآنى (مثل التعبير الوارد على صفحة ٣٤٤: يؤدي الإتاوة صاغرا) أو في صيغ عتيقة مثل "فوه" بدلا من "فمه" و"فيه" بدلا من "فمه" و"فاك" بدلا

стр. 1231

من "فمك" ص: ٥٥، ٦٩، ٧٦، على عكس الصيغ المألوفة التي ترد على سبيل المثال ص ١١٩، ٥٠٧. وقد تعجب أيضًا لوجود تعبير عامى مألوف "مافيش فائدة" على هذه الصورة: "ما فيها فائدة" (أي الدنيا)، ص ٤٤٨. وربما كأن هنا إشارة إلى تعبير منسوب إلى سعد زغلول (غريبة هذا علم واسع جدًا! ؟ ) ولكن النص في جملته -بصرف النظر عن المواضع القليلة- نص سهل ومقروء. وهذا أمر يتفق مع ما يقصده المؤلف. لقد طالما وجه اللوم إلى نجيب محفوظ بسبب تمسكه بالفصحى، ولكنه لم يحد عن رأيه أبدا، ولم يحاول أن يجعل منه مذهبا متزمتا (عيب عليك يا نجيب، لماذا لا تحيد عن رأيك! ). لقد وجد لغة الكتابة التي أمامه هي اللغة الفصحى (عجيبه: شوف إزاى)، ووجد من طبائع الأمور أن يستعملها فيما يكتب. والواقع أن استعمال العامية يمكن أن يصدم كثيرا من القراء بدلا من أن يؤثر فيهم تأثيرا مباشرا. إذ ليس من المألوف أن تتناول الموضوعات الجادة. أضف إلى هذا دور الفصحى بوصفها وسيلة التفاهم في العالم العربي كله. ونجيب محفوظ لا يكتب لمواطنيه المصريين وحدهم. وأخيرا فإن اللغة الدارجة تعد في رأيه علامة "على الجهل، وهي لن تصلح للاستعمال في عمل فني يهدف إلى نشر الروح العلمية" انتهى، (ونجيب محفوظ مخطئ في رأيه بلا شك! ) (انظر مجلة الثقافة، العدد ٦١، من ص ٢٦ - ٣٤). وظاهر أن هذا الأعجمي الألماني شديد الحب لنجيب محفوظ، وهو أشد حبا للمصريين، لأنه يريد أن يكون ما يكتبه نجيب عاملا مهما (يشد اهتمام القارئ البسيط ويأسره، ليتمكن بعد ذلك من إثارة تفكيره! ) -لا بل هو أشد حبا للمصريين من سلفه الألماني العظيم (الذي لا أظن أن أحدا يعرف اسمه في بلاد ألمانيا اليوم! ) وهو: "ولهلم سبيتا"، الخبير بتكنولوجيا اللغة في القرن التاسع عشر والذي ألف كتابا يدعو فيه المصريين بالشفقة والرحمة التي في قلبه، ليتخذوا العامية لغة للكتابة والتأليف. و"ولهلم سبيتا" هذا فدائى عظيم، عرض نفسه للمتالف في سبيل مصر! ولذلك قال في مقدمة كتابه:

стр. 1232

"وأخيرا سأجازف بالتصريح عن الأمل الذي يراودنى على الدوام طول مدة جمع هذا الكتاب، وهو أمل يتعلق بمصر نفسها، (انظر، ما أشد حبه لمصر)، ويمس أمرا هو بالنسبة لها وإلى شعبها يكاد يكون مسألة حياة أو موت (شوف إزاي) (فكل من عاش فترة في بلاد تتكلم العربية، يعرف إلى أي حد كبير تتأثر كل نواحي النشاط فيها، بسبب الاختلاف الواسع بين لغة الحديث ولغة الكتابة). "راجع كتاب الدكتورة نفوسه زكريا: تاريخ الدعوة إلى العامية وكتابى: أباطيل وأسمار". وهذا الألماني الجديد، ليس أقل منه مجازفة وفدائية في سبيل مصر ونجيب محفوظ خاصة وإلا فلماذا جازف هو الآخر، بعد هلاك سلفه منذ مئة سنة (توفي ولهلم سنة ١٨٨٣ م)؟ ودعنا من قصة "العامية" في البلاد العربية، ولكن المهم الذي ينبغي أن تعلمه، هو أن هذا الأعجمي الألماني الفاضل، مجاهد عظيم، فإنه من كبار الدعاة في لغته الألمانية نفسها، إلى طرح اللغة الألمانية الفصيحة التي كتب بها شعراؤها وعلماؤها وفنانوها وقصّاصوها، وإلى استبدالها باللغات العامية الألمانية المختلفة، وإلى إحياء ما مات منها منذ قرون! هكذا ينبغي أن يكون شأن فدائيته! ! من الغرائب أيضًا أن هذا الرجل العظيم شديد التنبه للعيوب الفادحة في "فصحى نجيب محفوظ"، فقد وقع على ما لم يقع عليه الأب جاك جومييه، ولا ساسون سومبخ اليهودي، ولا شومان، ولا فاتيكيوتيسى، وسائر العلماء والمفكرين العظماء الذين درسوا "أولاد حارتنا" دراسة مستفيضة. ونبهنا إلى أنه يتردد في "فصحى نجيب محفوظ" "إيقاع قرآنى" (مثل التعبير الوارد على صفحة ٣٤٤: يؤدي الإتاوة صاغرا). ويعني بهذا الكشف الجديد (الإيقاع القرآنى لفظا واحدا وهو "صاغرا"، فوقوع هذا اللفظ وحده في أي كلام، يجعل في الكلام "إيقاعا قرآنيا"، والدليل على ذلك أن لفظ "الإتاوة" لم يرد في القرآن البتة، ولفظ "يؤدي" مع أنه جاء في بعض الآيات في ذكر "أداء الأمانة"، فإنه أيضًا لفظ يجرى في العامية قديمها وحديثها كقولهم "يؤدي له خدمة" أما

стр. 1233

"صاغرا"، فهي وحدها التي جاءت في قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [سورة التوبة: ٢٩]. فبالإحساس الدقيق المتوهج الذي يتمتع به هذا الخبير بتكنولوجيا اللغة العربية فصيحها وعاميها، وبتكنولوجيا الشعوب العربية والإِسلامية: استطاع أن يحس بما لم يحس به أحد، ولا نجيب محفوظ نفسه، أن هاهنا في هذه الكلمات الثلاث "إيقاعا قرآنيا"! مصدره لفظ واحد! لفظ واحد! هو "صاغرا! " (وبالذمة بقي، ده مش فكر تكنولوجى خفيف الدم! ! ). زلة كبيرة، كان على نجيب محفوظ أن يحترس كل الاحتراس في فصحاه. ليطرد من هذه الفصحى كل لفظ جاء في القرآن، فإن هذا الخبير بتكنولوجيا اللغة في القرن العشرين قد أفتاه بأن كل لفظ ورد في القرآن يوشك أن يجعل في كلامه "إيقاعا قرآنيا" غير مرغوب فيه. وأنا أحب أن أشارك في "لوم نجيب محفوظ بسبب تمسكه بالفصحى"، وخاصة بعد أن قامت في مصر منذ قديم جهة ذات اختصاص في هذا الأمر، وهي تبذل اليوم جهودا عظيمة في سبيل تنقية (اللغة العربية المعاصرة) من مثل هذه الألفاظ، ويتولى العمل في هذه السبيل أساتذة جلودهم عربية، وبين أشداقهم ألسنة عربية، وهم يتأهبون لإصدار معجم تكنولوجى يتضمن (اللغة العربية المعاصرة)، بعد طرد مثل هذه الألفاظ من لغة الكتابة والحديث. كان على نجيب محفوظ أن يستشير هذه الجهة قبل أن يقدم على استعمال ألفاظ في كتابته، تشينها شينا عظيما عند الخبراء التكنولوجيين المحدثين. والأستاذ نجيب قادر على الوصول إلى تلك الجهة المختصة، فإنها جامعة مشهورة معروفة (١)، تتدفق عليها الأموال والصدقات من كل المحبين للعرب وللغة العرب، وللإسلام، من جميع أقطار العالم غير العربي وغير

стр. 1234

الإِسلامى. هناك سيجد نجيب من يرشده أيضًا إلى "الصيغ العتيقة" التي ينبغي أن يصون نفسه عن خبائثها، مثل: "فوه وفاه، وفيه"، فإن إخلاء كتابته من هذه الخبائث كفيل بأن يطفئ ظمأ الظامئين، وأن يحقق أماني المتمنين، الذين يتطلعون تطلعا إلى "ترجمة هذه الرواية إلى اللغات الأوربية"! هذا واجب عليه حتى لا يتكرر مرة أخرى ما حدث لألبرتو مورافيا، حيث بقي هذا العمر الطويل، وهو لا يعرف كاتبا عربيا واحدا، لأنه لم يُتَرجَم من أعمال هؤلاء الكتاب شيء إلى اللغة الفرنسية أو الإِنجليزية أو الإيطالية، أو كما قال مورافيا! . ملاحظة: ألبرتو مورافيا كاذب، لأننا نعرف كاتبا عربيا مشهورا على الأقل، ترجمت آثار حضرته إلى الفرنسية والإِنجليزية والروسية (١) .. إلخ، ولما ظهرت هذه الكتب أحدثت في عالم هذه اللغات ضجة تسامع بها كل حي ينتسب إلى هذه اللغات. وبترجمة آثار حضرته دخل أدب الأمة العربية في آداب "اللغات الحية" دخولا لا شك فيه! ! مورافيا كاذب، أو أصم لا يسمع، أو أعمى لا يقرأ. أما سائر المقالة (الثقافة، العدد: ٦١)، ففي أسطرها روائح كثيرة تفوح، روائح من صنف آخر، روائح لم أزل أشمها تفوح من تحت الثياب، منذ عرفت في شبابي عن قرب كبار هؤلاء الخبراء التكنولوجيين، منذ عهد المبشر البروتستانتى زويمر القس، إلى ويلككس، إلى أن تمصرت هذه الروائح في ثياب كثيرة ذكرتها في كتابى "أباطيل وأسمار". أما الآن فقد فشت هذه الثياب فشوا واسعا، وتجنست بجنسيات عربية وإسلامية كثيرة، وفيها الغَناء، إن شاء الله، عن جميع هؤلاء الغرباء الخبراء بتكنولوجيا اللغة العربية فصيحها وعاميها، وبتكنولوجيا العالم العربي والعالم الإِسلامى. ومع ذلك، فأنا أرى أن على نجيب محفوظ منذ الآن، أن يحيد عن رأيه في التمسك بالفصحي، وأن يدخل في عصر التكنولوجيا اللغوية الحديثة، وإلا فاته الركب، وبقي بقاء سرمدا مع

стр. 1235

مخلفات القرون البائدة. هل تقبل، يا أخي أن تكون عاجزا كل هذا العجز، حتى يقول لك الخبير الذي تجب عليك طاعته: "لقد وجد لغة الكتابة التي أمامه هي اللغة الفصحي، ووجد من طبائع الأشياء أن يستعملها فيما يكتب"، وجدت، فانسقت انسياقا! أهكذا يكون موقف الأساتذة الكبار مثلك! عار عليك باق، فاغسل عنك هذا العار. ولكن بيني وبينك يا أخي نجيب، المسألة كلها جاءتك وجاءتنا في ثياب الجد الركين، إلا أن اللغة العامية لا تعرف لهذه الثياب اسما إلا اسما واحدا هو: "تهميش"! وأظنه لفظا لا يغيب عنك مهما اشتد تمسكك بالفصحي، وإعراضك عن العامية. (كده ولا أنا غلطان! وشوف إزاى أنا باستعمل العامية)، لكي أدخل في عصر التكنولوجيا الحديثة! أليس هذا موقفا حضاريا! !

стр. 1236

قضية اللغة العربية جزء صغير من الحقيقة المفزعة * اللغة لست عِلمًا .. بل هي شيء فوق العلم * لغتنا في خطر داهم .. ونحن أيضًا دعت كلية الآداب بجامعة الإسكندرية إلى عقد مؤتمر للغة العربية، تم عقده في ٣٠ صفر إلى ٤ ربيع الأول سنة ١٤٠٢ هـ "٢٦ - ٣٠ ديسمبر سنة ١٩٨١ م". اشترك في هذا المؤتمر نحو من ستين عضوا، يمثلون تسع عشرة كلية، تنتمي إلى عشر جامعات مصرية، وسبع جامعات عربية من السودان والسعودية ولبنان، ومعهم غيرهم من أساتذة العربية في مصر وغيرها من البلاد العربية. وكان مقرر المؤتمر الدكتور محمد مصطفى هدارة، وكيل كلية الآداب للدراسات العليا والبحوث. عدد ضخم، ولولا ما نحن فيه اليوم، لتضاعف العدد تضاعفا يذهل ويخيف! تناول المؤتمر قضية ضعف العربية على ألسنة أبنائها، من أول نشأة الطفل في بيت أمه وأبيه، ثم في المرحلتين الإبتدائية والثانوية، إلى أن ينتهي من دراسته الجامعية شابا، أو رجلا على الأصح، في نحو الخامسة والعشرين من عمره، ثم يلتحق بهيئة التدريس الجامعية، أو غيرها من الهيئات والأعمال. قدم أساتذة المؤتمر أربعة وأربعين بحثا .. درست في المؤتمر العام، ثم في لجانه الخمس المتخصصة، وتخللتها مناقشات طويلة كثيرة دارت بين أعضاء المؤتمر نفسه. منذ أول يوم في المؤتمر، كانت الصورة قاتمة جدًّا، ومفزعة جدًّا، وظلت كذلك حتى صدرت توصياته تحمل نذير الخطر، وتتلمس في الظلام الدامس سبيلا إلى النجاة منه. ويكفي أن تلم بمجمل الوصايا الخمس، بأبوابها الثمانية

стр. 1237

والأربعين، حتى تدرك فداحة الخطر الذي يهدد العربية، وأبناء هذا اللسان العربي: فالأولى، تتعلق بمرحلة التعليم قبل الجامعي، وفيها سبعة أبواب. والثانية، تتعلق بالمناهج وطرق التدريس في الجامعة، وهي أحد عشر بابا. والثالثة، تتعلق بتكوين الطالب الجامعي، وهي سبعة أبواب. والرابعة، تتعلق بتكوين المدرس الجامعي المتخصص، وهي ثلاثه أبواب. والخامسة، وهي أخطرهن، تتضمن وصايا جامعة شاملة لكل ما في حياتنا، وهي عشرون بابا. * * * إحساس غامض مبهم ممزق، ولكنه عميق مزلزل، أستشفه من وراء هذا المؤتمر، ومن تحت أكثر ما أقرؤه أحيانا في الصحف والمجلات والكتب، وما أسمعه في الإذاعات والمجالس. إحساس يرتجف ذعرا بما أصاب العربية اليوم على ألسنة أبنائها من الضعف والخلل والتفكك. "العربية في خطر داهم"، حقيقة واقعة .. نعم. ولكنها جزء يسير من الحقيقة المفزعة الكبرى. لأن الخطر الذي يحيط بالعربية، لا يحيط بها منفصلة عن أصحابها، أصحاب اللسان العربي نفسه وراثة وإنتماء، ثم هو لا يحيط بأصحاب اللسان العربي، منفصلا عن حاضرهم، ولا عن مستقبلهم في هذه الدنيا الواسعة المتصارعة، ولا عن تاريخهم العريق الغائر في أغمض الآباد المتقادمة على طول القرون ولا عن حضاراتهم الغابرة والباقية التي بسطوها على أوسع رقعة من الأرض، من أقصى المغرب غربا، إلى جوف الصين شرقا، ومن قلب أوروبا شمالا إلى أطراف القارتين الإفريقية والآسيوية جنوبا، واستقرت فيها عشرات من القرون، تضئ ثم تكمن ثم تضئ. "العربية في خطر داهم". جزء يسير من الحقيقة المفزعة الكبرى، ولكنه الجزء المهدد الذي ينهار البناء كله بانهياره، فإذا انهار، أصبح الحاضر كله، والمستقبل كله، ركاما وأطلالًا وملاعب يستبيحها من يشاء بما يشاء كما يشاء.

стр. 1238

ومع أن هذا هو ما تجده مستكنا في صريح الدعوة إلى هذا المؤتمر وفي وصاياه، فإنه انعقد أياما ثم انفض، وتلقته بعض أجهزة الإعلام خبرا ضئيلا ينشر ثم يطوى، وكأنه كان لغوًا لا يحرك ساكنًا، ولا يثير أحدا، ولا ينذر بخطر، ولا يستحق أن ينال أسطرا قلائل من الآلاف المؤلفة من الأسطر التي تحوزها مشاكل الاقتصاد والإسكان والمرور، أو كرة القدم على الأقل. وهذا وحده نذير بشرّ لا يعلم إلَّا الله مداه. أمر محزن أن تبلغ الاستهانة بشأن اللغة هذا المبلغ. موقف لا مثيل له في تاريخ أمم العالم، لأنه يخالف طبيعة الإنسان الذي ميزه الله من سائر خلقه باللغة والبيان، في قصة طويلة معقدة، منذ دب على الأرض أبونا آدم ﵇ .. وتكاثر أبناؤه حتى عمروا وجه الأرض، واختلفت ألسنتهم وألوانهم، وصاروا شعوبا وقبائل وأممًا تتعارف وتتناكر على مر آلاف مؤلفة من السنين. ضعف في اللغة يستشرى جيلا بعد جيل، واستهانة بما يصيب اللغة تتفاقم جيلا بعد جيل. موقف فريد مناقض للطبيعة، تقفه أمة العرب ومن ينتمون إليهم بالدين الواحد والحضارة الواحدة، أو باللسان الواحد والحضارة الواحدة وإن خالفوهم في الدين. كيف تم هذا كله؟ لابد من تفسير لما حدث كيف حدث، وإلاّ فلا علاج لعلة لا يعرف الطيب أسبابها ولا نشأتها ولا تاريخها، وكفى بالطيب جهلًا أن يعالج أعراض الداء، والداء في مكمنه حي طليق مسيطر مستبد. في زمان الغفلة منذ أربعة قرون ماضية، كان العالم العربي والإِسلامى أرضا واحدة، تحيى حضارة واحدة، تمدها ثقافة واحدة، من أقصى المغرب إلى حدود الصين، ومن أطراف تركية دار الخلافة إلى أغوار أفريقية وآسية، أمة واحدة وارثة لأسلافها، ولكن الورثة كانوا في غفلة، استناموا إلى ميراثهم الجليل الضخم، فهمدوا همود الجمرة تحت الرماد. وفي زمان غفلتهم واستنامتهم، دبت الحياة دبيبها في ناحية أخرى على

стр. 1239

أطراف دولتهم. حركة حياة لم يلقوا إليها بالا في أول الأمر، مع أن الله تعالى كان قد أنذرهم قبل ذلك بقليل، فسلَّط الهمج البرابرة على طرف من أطراف دولتهم في أرض الأندلس، بعد أن عمروها ثمانية قرون "٩٣ - ٨٩٧ هـ/ ٧١٢ - ١٤٩٢ م" فأبادوا ملكهم، واستباحوا حضارتهم، ونهبوا ما في أيديهم من ثروة وعلم وبشر، ودمروا أكثر ما شيدوه من بنيان. عظة وعبرة، لم تجد مستمعا ولا مستجيبا. والآن، وهم في غفلة واستنامة، كان قدر الله سبحانه يعد لهم بعد المغل "المغول" والتتر الذين انصبوا عليهم من الشمال الشرقي. مغل العصور الحديثة وتترها من الشمال الغربى ليرسلهم عليهم .. لن يكونوا مغلا جهلة كأهل الشمال الشرقي، بل مغلا مدربين قد استفاقوا من جهالة ظلوا غارقين في مستنقعها اثنى عشر قرنا، "هي القرون الوسطى، كما يسمونها". بعد أن أيقظتهم حضارة العالم العربي والإِسلامي، وأمدتهم بما يحييهم. وبعد أن وضع لهم نيكولو مكيافيلى "٨٧٤ - ٩٣٣ هـ / ١٤٦٩ - ١٥٢٧ م" دستورهم الأخلاقى السياسي. الذي لا تزال تسرى شروره في شرايين الحضارة الأوروبية الحديثة إلى هذا اليوم. بدأ زحف المغل "المغول" المحدثين على دولة الخلافة الإِسلامية بحذر شديد، وبدأ تطويق العالم العربي الإِسلامى من سواحل البحار البعيدة في أفريقية وآسية والهند وجزيرة العرب. ثم بدأ التغلغل في حواشى الأرض اليابسة من أطراف العالم الإِسلامى. ومرت السنون، وشيئا فشيئا نفذت سطوة المغل المحدثين في كيان دولة الخلافة، وبدأت دولة الخلافة تفقد سلطانها على نفسها، وأحس العالم الإِسلامى بالنكبة إحساس التوجس المبهم، وخامر الآذان دوى خفي ينبعث من تقوض أركان دولة الخلافة، وخالط الفزع الغفوة، وبدأ التحدى الأكبر واضحًا في ناحية، مبهما في الناحية الأخرى. لن أقص تفاصيل تاريخ غريب مخيف، ولكني أشير إلى جزء يسير من حركة أمة فزعت من خطر، فأخذت تمسح النوم عن عيونها بأيد فيها فتور النعاس

стр. 1240

الغالب. حاولت أن تهب من رقدتها، لتنفض عن نفسها غبار القرون، فماذا فعلت؟ ولم أخفقت؟ كان لدوى الأركان المتقوضة في مركز دولة الخلافة، ذبذبة تغلغلت في قلب العالم العربي الإِسلامى حتى بلغت أطرافه البعيدة. وبالتوجس المحض من الخطر المرهوب المحجوب، بدأت أمة كاملة مترامية الأطراف تحاول أن تواجه تحديا عن عدو مبهم، بدأ يقوض أركان دولتها. وبرد الفعل الفطرى، تحركت طائفة قليلة مبعثرة في أرجاء عالم متراحب. تحركت تدافع عن بقائها بلا تدبير سابق، ولا هدف واضح، وما هو إلا التوجس الغامض من شر خطر داهم مستطير، ولكنه محجوب لا يعرف ما هو على التحقيق. كان أول ما انبعث هؤلاء الأفراد القلائل بفطرتهم للدفاع عنه هو اللغة والدين، وهما أساس ثقافة الأمة، ثم سائر العلوم التي هي أصول الحضارة التي ورثتها، وعاشت بها وفيها قرونا طويلة. كان الطريق الذي هدتهم إليه الفطرة، هو بعث الأصول التي قامت عليها الثقافة والحضارة، بالرجوع إلى منابعها الصافية الأولى، بعد أن غمرها النسيان والغفلة بأتربة سفت عليها قرونا حتى طمرتها، وسلبتها بريقها ونضرتها. لا أستطيع هنا أن أسرد كل ما حدث عند هذا التوجس في كل ناحية من نواحي هذا العالم الضخم المتراحب، ولذلك رأيت أن أختار خمسة رجال عظام لا أكثر، أحسوا بذبذبة النكبة، فانتفضوا لها، وكان لهم في بقعة من قلب العالم العربي الإِسلامى طريق واضح في البعث والإحياء، دلت عليه كتبهم وأعمالهم دلالة واضحة. لن أستوعب تاريخهم أو آثار كتبهم وأعمالهم، وإنما هي الإشارة والتنبيه لا غير، إلى هذا الإحساس الغامض بالنكبة، وطريقهم الذي سلكوه لدفعها عن بلادهم وأمتهم، بلا تبين واضح للعدو أو للهدف. هؤلاء الخمسة قبل كل شيء، ينبغي أن نعلم أن حياة هذا العالم العربي الإِسلامى، كانت تسير على نمط مألوف معروف، لا يكاد يستنكره أحد: في العقيدة العامة التي

стр. 1241

تسود الناس، وفي الدراسة في جميع معاهد العلم العريقة، وفي التأليف والكتابة، وفي حياة الناس التي تعيش بها عامتهم وخاصتهم من تجارة وصناعة. كل ذلك كان نمطًا مألوفًا متوارثًا، فجاء هؤلاء الخمسة (١)، ليحدثوا يومئذ ما لم يكن مألوفًا، وشقوا طريقًا غير طريق الإلف. وبيان ذلك يحتاج إلى تفصيل، ولكني سأشير إليه في خلال ذكرهم إشارة تعين على تصور موضع الخلاف. ١ - "البغدادي"، ولد عبد القادر بن عمر البغدادي ببغداد "١٠٣٠ - ١٠٩٣ هـ - ١٦٢٠ - ١٦٨٣ م". وفي الثامنة عشرة من عمره، "سنة ١٠٤٨ هـ" خرج في إتمام طلب العلم، فرحل إلى الشام، ثم فارقها بعد سنتين "سنة ١٠٥٠ هـ" قاصدا مصر. فلقى بها العلماء وتلقى عنهم وصحبهم، واتسع اطلاعه على ذخائر الكتب القديمة التي لم يكن يعني بها علماء زمانه، وفي سنة ١٠٨٠ هـ، رحل إلى دار الخلافة بالقسطنطينية، لما فيها من ذخائر الكتب العربية التي حازتها، ولقى بها عالما جليلا، حاز مكتبة عربية من أجل المكاتب، وهو الوزير الأعظم أبو العباس أحمد بن أبي عبد الله محمد، المعروف بكوبرلى، ولا تزال مكتبته باقية بها إلى يومنا هذا، فأقام مع صاحبه سبع سنوات إلى أن عاد إلى مصر سنة ١٠٩٢ هـ ثم وافاه أجله في أوائل سنة ١٠٩٣ هـ. كان طريق البغدادي واضحا. لم يكن في أيدى طلبة العلم سوى ما ألفوه من كتب الفقه والنحو والبلاغة وحواشيها، فأداه اطلاعه إلى معرفة الضعف الغالب على أهل زمانه، وهجرهم شعر الشعراء الفحول وأخبارهم وتاريخهم. فعمد إلى ما في كتب النحو التي يعرفونها من شواهد الشعر العربي القديم، جاهليه وإسلاميه، فألف ثلاثة كتب تدور كلها على شرح شواهد الشعر، وضمنها روائع الشعر، وأخبار الشعراء، ونوادر التاريخ. فكان ذلك مقدمة لبعث التراث الأدبى وإحيائه، ووضعه بين أيدى الناس .. تتبين ذلك واضحا في كتبه الثلاثة: "خزانة الأدب، ولُب لُباب لسان العرب" .. وهو شرح شواهد الكافية للرضى في النحو،

стр. 1242

عدة مجلدات، وشرح شواهد الشافية للرضى أيضًا، وهو مجلد واحد، وشرح أبيات مغني اللبيب لابن هشام، في عدة مجلدات (١). * * * ٢ - "المرتضى الزبيدى" ولد محمد بن عبد الرزاق الحسينى ببلدة بلجرام بالهند "١١٤٥ - ١٢٠٥ هـ/ ١٧٣٢ - ١٧٩٠ م" درس العربية وسائر العلوم على علماء الهند. ثم رحل إلى الحجاز "سنة ١١٦٣ - ١١٦٦، ثم فارقها إلى مصر ولقى مَنْ بها مِنَ العلماء، ونفض ما في مكتباتها من الكتب العتيقة، وبقي بها إلى أن توفي -من سنة ١١٦٧، إلى سنة ١٢٠٥ هـ. ولم يكن طلبة العلم يعرفون من كتب اللغة إلا قليلًا. كالمصباح المنير .. ومختار الصحاح، ثم القاموس المحيط للفيروزبادى على قلة، وكان الزبيدى محيطا بعلوم كثيرة، فكثر عليه طلبة العلم، وأدرك ضعف ما بأيديهم من كتب اللغة، فأراد أن يضع تحت أيديهم كتابا جامعا في اللغة فألف معجمه الكبير "تاج العروس"، وهو شرح لقاموس الفيروزبادى جمع فيه ما تفرق في الكتب، وأشار فيه إلى كثير من دواوين الشعر المحفوظة في المكاتب. وألف لهم أيضًا شرحا على كتاب متداول هو كتاب "إحياء علوم الدين" للغزالى، فذاع صيته، وطارت شهرته في الآفاق، ووفدت عليه الوفود من بلاد الإسلام كلها، وكاتبه العلماء والملوك من الترك والحجاز والهند واليمن والشام والعراق والمغرب والجزائر والسودان. فكان تأليفه وكانت دروسه بعثا للتراث اللغوى والدينى وإحياء لما خفي منه على الناس. * * * ٣ - "ابن عبد الوهاب" ولد محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمى النجدى "١١١٥ - ١٢٠٦ هـ/ ١٧٠٣ - ١٧٩٢ م" ببلدة العيينة بنجد، ورحل إلى الحجاز والشام والبصرة، وفتح عينيه على ما يعم نجدا والبلاد التي زارها من البدع التي حدثت، وما غمر العامة والخاصة من الأعمال والعقائد الحادثة، والتي

стр. 1243

تخالف ما كان عليه سلف الأمة من صفاء عقيدة التوحيد، وهي ركن الإِسلام الأكبر فلما عاد إلى نجد، لم يقنع بتأليف الكتب. ورأى أن خير الطرق هو أن يتجه إلى عامة الناس في نجد، ليردهم عن البدع المستحدثة، ويسلك بهم طريق السلف في العمل والعقيدة، ولم يزل دائبا في دعوته، يدعو ويعلم ويكتب، حتى استجاب لدعوته أمير بلدة الدرعية بنجد، الأمير محمد بن سعود في سنة ١١٧٥ هـ. فمن يومئذ صارت دعوته قوة متحركة فاتحة في قلب جزيرة العرب، وأحدث ظهور هذه القوة رجة شديدة الدوى في جنبات العالم العربي والإِسلامى، وتلفت الناس يمينا وشمالا، في الهند ومصر والعراق والشام وتركيا والمغرب والسودان. ولشدة وقع هذا الدوى وعنفه، انقسم الناس في أمره بين مؤيد له لصواب ما أتى به، ومعارض له لمناقضته الإلف الذي ألفوه .. وكاد العالم الإِسلامى كله يتحرك ويندمج بعضه في بعض بكل تراثه الضخم، وبكل مواريث حضارته العظيمة، ولكن كان قدر الله أغلب، وحصرت اليقظة الإِسلامية كلها بلا معين، بين أركان الجزيرة العربية الفقيرة يومئذ، وسدت المنافذ، ومزقت الأوصال، وصار الاندماج حلما من الأحلام، يراود الأمة العربية الإِسلامية إلى يوم الناس هذا. ذلك، لأن مغل "مغول" العصر الحديث وتتره كانوا أكثر يقظة، وأوضح هدفا، وأسرع حركة، وأغنى غنى، وأقدر على النهب والسلب والفتك والتدمير، وفي أيديهم دستور حضارتهم الذي وضعه الخبيث مكيافيلى ينير لهم طريق العمل. * * * ٤ - "الشوكانى"، ولد محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكانى ببلدة شوكان، من بلاد خولان باليمن، ونشأ بصنعاء، مقر حكم المذهب الزيدى، وهم ينتسبون إلى "زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ﵁" .. وهم يعدّون من فرق الشيعة. تفقه الشوكانى على مذهب الإمام زيد، وبرع في علمه حتى آل إليه القضاء والإفتاء ولكنه عندئذ خلع ربقة التقليد، وانتصب للاجتهاد، فزيف ما لا يقوم عليه دليل من الكتاب والسنة، فثار

стр. 1244

عليه جماعة من المقلدين في ديار الشيعة، فجادلهم وصاولهم، والتزم بعقيدة السلف، وحرم التقليد، وذهب في بيانه مذهب الحافظ ابن عبد البر حيث قال: "التقليد غير الاتباع، لأن الاتباع هو أن تتبع قول القائل على ما بان لك من فضل قوله وصحة مذهبه. والتقليد أن تقول بقوله وأنت لا تعرفه ولا تعرف وجه القول ولا معناه، وتأبى مَن سواه وإن تبيّن لك خطؤه فتتبعه مهابة خلافه، وأنت قد بان لك فساد قوله. فهذا يحرم القول به في دين الله. فكان قيام الشوكانى، في محيط الشيعة الزَّيدية، صبحا جديدًا يوشك أن يهز قواعد التعصب الذي درج عليه أصحاب المذاهب من أهل السنة، فضلا عن أتباع الفرق المختلفة وعلى رأسها الفرقة الغالية من الشيعة المعروفة باسم "الاثنا عشرية" المكفرة للصحابة وللأمة كلها، باختيارها أبا بكر ثم عمر، ثم عثمان ﵃، دون علي بن أبي طالب ﵁. أوجزت القول في هؤلاء الأربعة العظام، لأن استجابتهم للتحدى المبهم كانت مقيدة في كتب خلفوها، أو أعمال كان لها دوى لا تزال آثاره باقية إلى اليوم، ولأن بشائر البعث والإحياء في كتبهم وأعمالهم أظهر من أن تخفي على أحد، ولا يكاد يجادل فيها إلا من وقع في شرك الرفض لماضيه كله، أو من يغمض عينيه ويعمد إلى الاستخفاف بها بلا تدبر، بل بالتهور واللجاجة. وإذا كنا بالأمس منذ قرون قلائل، صرعى غفلة وفي وَسَنٍ غالب، وعلى الأبواب عدو مدرب، كان أكثر يقظة، وأسرع حركة، وأغني غني، وأقدر على السلب والنهب والتدمير والفتك كما وصفت، فنحن اليوم أيضًا صرعى غفلة أبشع من غفلتنا الأولى، لا نكاد نحس كما أحس أسلافنا، والعدو لا على الأبواب، بل هو متغلغل منتشر يسرح في صميم هذا العالم العربي الإِسلامى المترامى الأطراف، وقد تفوق على أسلافه تفوقا لا يكاد يصدق، في اليقظة المفترسة، وفي وضوح الهدف، وفي سرعة الحركة، وفي الغنى الباذخ، وهو أقدر قدرة ضارية على النهب والسلب والتدمير والفتك، ولا يزال بين يديه، بل ملء قلبه وعقله دستور

стр. 1245

مكيافيلى، وقد اتسع وتطور به ونما واستفحل خبثه، وتوحشت ضراوته، وتشعب شره تشعبا لا يكاد يصدق. لذلك وجدت أن الرجل الخامس الذي اخترت أن أذكره في الخمسة العظام، يحتاج خبره إلى تفصيل لم أحتج لمثله وأنا أكتب عن أصحابه الأربعة العظام، فقد جاءوا جميعًا يومئذ ليُحدِثوا شيئًا لم يكن مألوفا، ولكى يشقوا بأنفسهم طريقا غير طريق الإلف، ولكنه انفرد عنهم بأن طريقه في عمله كان أخفى من طريقهم، ولأن تقييد عمله بالكتابة كان أشق، ولأن عمله كان تحت بصر العدو وسمعه لم يغفل عنه طرفة عين، فلما انقضّ علينا وظفر بنا، سار بنا مسارًا يزيد عمله علينا خفاء، بل يفضى إلى ما هو أعظم من الخفاء، أي إلى الطمس الكامل لجميع السبل المؤدية إلى استبانة ما كان من عمله، كيف كان؛ وستأتي القصة كلها واضحة إن شاء الله.

стр. 1246

الفقيه الجليل ورموز التكنولوجيا تحدث الأستاذ محمود محمَّد شاكر في العدد الماضي من "الهلال" عن "قضية اللغة العربية" وأربعة من كبار العلماء والأدباء والمفكرين الإِسلاميين، كان لهم شأن عظيم في بعثها وإحيائها وحمايتها من أعدائها الغزاة .. ويكمل الأستاذ شاكر حديثه الشائق، بهذه الصفحات عن "الجبرتى الكبير" والد المؤرخ الجبرتى .. ويرى الأستاذ شاكر أن للجبرتى الكبير شأنا عظيمًا في العلم والأدب، وأنه أحد الورثة العظام لحضارة الأمة العربية، وتراثها العلمي والأدبى. * * * "الجبرتى الكبير" (١): ولد حسن بن إبراهيم بن حسن بن علي الجبرتى العقيلي بالقاهرة "١١١٠ - ١١٨٨ هـ / ١٦٩٨ - ١٧٧٤ م"، وأصله من بلاد الجبرت، من بلاد الزيلع في أرض الحبشة. جاء جده الأعلى الشيخ عبد الرحمن الجبرتى إلى مصر، في أوائل القرن العاشر الهجرى "سنة ٩٠٠ هـ، وما بعدها بقليل"، فاستوطن مصر، وصار شيخ رواق الجبرت بالأزهر، وتولى مشيخة الرواق أولاده وحفدته من العلماء من بعده وانتهت المشيخة إلى الشيخ العلامة إبراهيم بن حسن الجبرتى، فتوفي سنة ١١١٠ هـ بعد شهر واحد من مولد ولده حسن". كفلت حَسنا جَدته أم أبيه، وكانت موفورة الحظ من الغني، وكان الوصى عليه رجل من ذوى الدين والمهابة، هو الإمام العلامة الشيخ محمد النشرتى. فما أتم حسن العاشرة من عمره، حتى حفظ القرآن وجَوَّده، ودخل كآبائه في عداد طلبة العلم بالأزهر، فقرأ على أئمة عصره الكبار من العلماء والشيوخ، فأتقن علوم

стр. 1247

العربية والدين، حتى برع في جميع علوم المعقول والمنقول، وفاق أقرانه، حتى زاحم شيوخ عصره فباحثهم وجادلهم، وصار معدودا في شيوخ الأزهر وعلمائه المتقنين. كان مما درسه وأجاده من العلوم المألوفة في الأزهر يومئذ علم الجبر والمقابلة والأعداد الصم والمساحة والحساب. ثم علت به همته فتعلم تجويد الخط بجميع أشكاله وصوره، ثم زاد فتعلم النقش على الفصوص والخواتم على أستاذ كبير من أساتذة عصره، ثم زاد أيضًا فتعلّم التركية والفارسية، وقرأ بهما وأقتنى الكتب المكتوبة بهما، وكانت غير متداولة، وفيها التصاوير البديعة الصنعة الغريبة الشكل كما سيأتي. . . وجاءت سنة ١١٤٤ هـ، وهو في الرابعة والثلاثين من عمره، وكان قد صار معدودا في كبار علماء الفقه والعربية وعلم الكلام وسائر العلوم المألوفة في عصره، فحدث تحول غريب جدًا، غير مألوف في حياة أمثاله من الشيوخ يومئذ. وإن لم يفارق طريقه في الفقه والإفتاء وإقراء العلوم المألوفة لعلماء عصره إلى آخر حياته. شيء غريب غريب! ! في الرابعة والثلاثين من عمره، وبلا سبب ظاهر، بدأ هذا العالم الفقيه الجليل يولى وجهه شطر الرياضيات، فكان في زمانه رجل معروف بمدارستها هو الشيخ محمد النجاحي .. فاتجه إليه ولازمه وقرأ عليه ما كان يحسنه من كتب بعينها، وهي كتاب الرقائق للسبط الماردينى، وكتاب المجيب والمقنطر ونتيجة اللاذقى، وكتاب الرضوانية وكتاب الدر لابن المجدى، ومنحرفات السبط الماردينى، و"إلى هنا انتهت معرفة الشيخ النجاحي"، كما يقول ابنه الجبرتى المؤرخ. ولا شك في أن الشيخ حسن لم يكد يفرغ من تحصيل ما عند النجاحي، حتى استقل بأمر نفسه، وأقبل على ذخائر الكتب المحفوظة في مكاتب القاهرة العامرة يومئذ بالكتب، ووقف على أصول كتب الرياضيات وسائر الصناعات بهمة لا تفتر، كما يدل عليه ما سيؤول إليه أمره، ولكن ابنه المؤرخ عبد الرحمن الجبرتى، لم يحدثنا عن ذلك حديثا شافيا، لأنه كان يومئذ نطفه في صلب أبيه،

стр. 1248

فقد ولد بعد ذلك بسنين في سنة ١١٦٨، أي بعد أربع وعشرين سنة. ولكنه قال ما يشعر بذلك وسأسوقه بلفظه: "وإلى هنا انتهت معرفة الشيخ النجاحي .. وعند ذلك انفتح له الباب، وانكشف عنه الحجاب، وعرف السمت والارتفاع، والتقاسيم والأرباع، والميل الثاني والأول .. والأصل الحقيقي والمعدل، وخالط أرباب المعارف، وكل من كان من بحر الفن غارف .. وحل الرموز، وفتح الكنوز، واستخرج نتائج الذر اليتيم، والتعديل والتقويم. وحقق أشكال الوسائط، في المنحرفات والبسائط، والزيج والمحلولات، وحركات التداوير والنطاقات، والتسهيل والتقريب .. والحل والتركيب، والسهام والظلال، ودقائق الأعمال، وانتهت إليه الرياسة في الصناعة، وأذعن له أهل المعرفة بالطاعة، وسلم له عطارد، وجيمشيد الراصد، وناظره المشترى، وشهد له الطوسي والأبهرى "وهما من أئمة علوم الرياضيات القدماء"، وتبوأ من ذلك العلم مكانا عليا، وزاحم بمنكبه العيوق والثريا". ولا تشغلك الآن هذه الألفاظ الغريبة عنك، فكلها من المصطلحات القديمة المتوارثة في علوم الرياضيات والفلك ورفع الأثقال والكيمياء، وسائر هذه العلوم، التي هجرها أهلها، ولكنها شغلت دوائر العلم في ديار عدوهم قديما وحديثا وإلى هذه الساعة. والأمر على كل حال ظاهر لا خفاء به. ظل الشيخ حسن فيما بعد سنة ١١٤٤ دائبا لا يفتر في كشف اللثام عن علوم مستكنة في بطون الأوراق والكتب، فبعد قليل قدم إلى مصر عالم متضلع من العلوم الرياضية والمعارف الحكمية والفلسفية، "كما يقول ابنه المؤرخ"، هو الشيخ حسام الدين الهندى، فنزل بمسجد مصر القديمة "مسجد عمرو بن العاص ﵁"، واجتمع عليه بعض طلبة العلم، فترامى خبره إلى الشيخ حسن في القاهرة، فذهب إليه للأخذ عنه: "فاغتبط به الشيخ وأحبه، وأقبل عليه بكليته". وذلك بلا شك لما وجد عنده من الفهم بعلوم قل أهلها، وبعد عهدهم بها. فلم يزل به الشيخ حسن حتى نقله إلى داره بالقاهرة وأفرد له مكانا، وأكرمه ورفهه، ثم قرأ عليه أمهات الكتب القديمة في الرياضيات والفلك والجغرافيا وعلم

стр. 1249

المساحة والهندسة، وسائر علوم الحكمة. وبقي الحسام الهندى عنده إلى أن عزم على الرحلة عائدا إلى بلاده في الهند. وبعد قليل قدم إلى مصر من السودان، عالم بعلوم الرياضيات والحكمة، على مذهب المغاربة في هذه العلوم، وسكن أولا بدرب الأتراك في القاهرة، هو العلامة الإمام محمَّد بن محمَّد الغلاتى، فحمله الشيخ حسن إلى داره، وقرأ عليه أصول الكتب التي يحسنها في الرياضيات والآلات وغيرها، وبقي عنده إلى أن مات في داره سنة ١١٥٤، وكان قبل موته قد جعله وصيا على تركته وكتبه. * * * كانت هذه السنوات العشر، "١١٤٤ - ١١٥٤ هـ"، هي أخطر السنوات في حياة الشيخ حسن الجبرتى، فإنه سلك كل سبيل، وشقى شقاء طويلًا حتى استطاع بذكائه وإصراره وحسن تصوره لما يعانيه، أن يحل لنفسه رموز الكتب العتيقة وألفاظها، وبهذا الجهد والعنت استطاع أن يكشف اللثام عن أسرار العلوم القديمة التي لم يبق في أهل زمانه من يعرفها معرفة تحقيق صحيح كامل، أو قريب من الصحة والكمال. وينبغي أن نعلم أن هذه الكتب العتيقة كانت، بلا شك، هي السجل الأعظم الذي سطرت فيه أبحاث أسلافنا من علماء الحضارة العربية الإسلامية في عصور ازدهارها. فهي تمثل العلم النظرى من ناحية، والتطبيق العملي الذي أدى إلى ظهور أعظم حضارة باذخة رآها العالم الذي نشأت في قلبه وفي زمانه. وهذا التطبيق العملي، هو وليد العلم النظرى، وهو لب الحضارة ومظهرها الحي، وهو ما يسمونه اليوم "التكنولوجيا". وسترى بعد قليل، أن الشيخ حسن، لما فرغ من حل هذه الرموز التي تضمنتها ألفاظا الكتب العتيقة، دخل بيديه وبنفسه وبتلامذته في طور آخر، هو طور التطبيق العملي. وعسى ألا يكون تطبيقه الجديد هو التطبيق العملي الأول، ولكنه على كل حال، استطاع أن يستوعب أسرار العلم النظرى ومناهجه ويفهمها فهما دقيقا مقاربا للصواب، ثم انبرى بعد ذلك لتطبيقه، منتفعا بالبقايا الباقية في

стр. 1250

زمانه من التطبيق القديم. وهذه البقايا متمثلة في أساتذة كل فن وصنعة ممن حوله من المعاصرين. وهؤلاء الأساتذة هم الذين كانوا يزاولون أعمالهم من طريق التوارث بدقة ومهارة أحيانا، وإن كانوا قد وقعوا في الجهالة، بعد أن انقطع الحبل بينهم وبين تراثهم العتيق المكتوب المسجل، وبلا قدرة أيضًا على أن يسجلوا شيئًا من براعاتهم ومهاراتهم التي اهتدوا هم إليها في خلال التطبيق المتوارث. وذلك لجهل أكثرهم بالقراءة والكتابة، فضلا عن اللغة التي يقيد ببها العلم النظرى الذي قيده بها أسلافهم العظام. النكبات الثلاث وأنا محتاج هنا أن أقف بك وقفة قصيرة المدى، ملتزمًا بالإيجاز، حتى تكون الصورة بعد ذلك واضحة عندك بعض الوضوح. على أوسع رقعة من الأرض عرفها الإنسان، من حدود الصين إلى الأندلس، ومن حدود الدولة البيزنطة شمالا إلى أواسط قارة أفريقيا وأقصى آسية جنوبا، انتشرت ثقافة واحدة ذات لغة واحدة، تأوى إليها جميع ألسنة أجناسها المختلفة، فأقامت هذه الأمة العربية الإِسلامية أعظم حضارة عرفها البشر، منذ عهد الحضارة العربية البائدة التي نسميها اليوم خطأ، حضارة الفراعنة. ومضت عليها خمسة قرون، وحيث سرت في هذه الرقعة المتراحبة، لم تزل تسمع أصوات الأساتذة المعلمين، وصرير الأقلام على الطروس، في كل قرية أو رستاق أو مدينة، ولم تزل ترى في كل مسجد أو بناء أو بيت مكتبةً تضم العشرات أو المئات أو الآلاف، أو الآلاف المؤلفة من الكتب المسطورة على اختلاف فنونها. فاجتمع لهذه الأمة من الكتب المدونة، ما لو وضع معه كل ما تركته أمم العالم القديم من الكلام المسطور، ما بلغ ركنا، في غرفة، من قصر فيه مئات الغرف. وأترفت جماهير من هذه الأمة بغناها وسطوتها وعلمها، فعصوا ربهم في بعض أمورهم به، فسلط عليهم من أنفسهم من سلط، ثم أنذرهم بثلاث نكبات عظام لعلهم يبصرون:

стр. 1251

النكبة الأولى: زحوف حملة الصليب آتية إلى شمال دولتهم من سنة ٤٨٩ - ٦٩٠ هـ / ١٠٩٥ - ١٢٩١ م، حتى سقطت دولتهم بفتح عكا آخر حصن للصليبيين في السابع عشر من جمادى الآخرة سنة ٦٩٠ هـ. النكبة الثانية: وجاءت على أثرها وهي جحافل التتر آتية من الشمال الشرقي من سنة ٦٣٨ هـ "١٢٤٠ م"، فداست البلاد حتى بلغت وأسقطت الخلافة سنة ٦٥٨ هـ "١٢٥٨ م" حتى ارتدت على أدبارها عند عين جالوت بفلسطين سنة ٦٥٨ هـ "١٢٥٩ م"، ولكن شرها لم ينقطع جملة واحدة، في قصة طويلة. النكبة الثالثة الكبرى: وهي التي استمرت سنوات، حتى زال ملك الإسلام من الأندلس جملة بسقوط غرناطة في أيديهم سنة ٨٩٧ هـ "١٤٩٢ م". وكانت جحافل هذه النكبات الثلاث، جحافل من الجهلة الأغتام الغلاظ، فدمروا وقتلوا ونهبوا، فهدموا الآثار، وأفنوا البشر، وحرقوا الكتب، وأغرقوها في الأنهار، كما هو معروف معلوم. موجات طاغية من الجهلة المدمرين، استمرت أربعة قرون، تهلك آلافا مؤلفة من العلماء والأساتذة في كل علم وفن، وآلافا أخرى من الكتب في كل علم وفن، فضلا عما أبادته فتن الباطنية والشيعة وأشباههم في قلب الدولة فضلا عما أبادته المجاعات والطواعين والأوبئة المتتابعة فضلا عن الفقر والجهل الذي كان أثرا لابد منه، بعد هذا السلب والنهب والقتل في هذه الرقعة المترامية الأطراف. ولكن ما كادت تنقشع بعض سحب النكبتين الأولى والثانية، حتى انتفض العالم الجريح المثخن مرة أخرى، لا من قلبه، بل من عند طرفه الشمالى المزاحم لديار الدولة البيزنطة، أي من حيث انصبت جحافل حملة الصليب من قبل. فمنذ عهد الغازى عثمان خان "٦٩٩ - ٧٢٦ هـ / ١٢٩٨ - ١٣٢٦ م"، بدأت تتجمع هناك قوة جديدة، وقلب العالم العربي الإسلامي تمزقه النكبات الصغار المتتابعة. وتوطدت أقدام القوة الجديدة في أرض الدولة البيزنطية، حتى بلغت غايتها، فأسقطت الدولة كلها بدخول جيوش الغازى محمد الفاتح القسطنطينية، في يوم الثلاثاء ٢٠ جمادى الأولى سنة ٨٥٧ هـ/ ٢٩ مايو

стр. 1252

١٤٥٣ م واكتسحت هذه القوة قلب أوربة، واتسعت رقعة العالم العربي الإسلامي اتساعا لا مثيل له، ولكن. . ولكن توالى النكبات الكبار والصغار على مدى أربعة قرون، كان قد قضى على جمهرة العلماء الكبار والأساتذة العظام في كل فن وصناعة، وأوشكت الحضارة أن تبقى بلا قادة من مثقفيها إلا ما قَلَّ. ومعنى ذلك أن حبال الصلة بين العقول التي كانت تسجل الثقافة وتنميها وتفسرها. . وبين العقول والأيدى التي كانت تقيم صروح الحضارة، قد بدأت تتهتك وتبلى، فلا الثقافة تمدّ الحضارة بما ينميها من البحث والتنقيب والتمحيص، ولا الحضارة تحرك الثقافة وتغذيها بما يزيد أبحائها وتنقيبها وتمحيصها حدة ونقاء وإشراقا، وكاد يذهب عصر الإبداع. وبدأ عصر العزلة، عزلة البقية الباقية من العلماء وتلامذتهم، فاقتصروا على محاولة المحافظة على التراث المسجل الذي انتهى إليهم، وعزلة البقية الباقية من الأساتذة الكبار الذين يعملون في بناء الحضارة، فاقتصروا على أن يورثوا تلامذتهم أسرار صناعاتهم وفنونهم بلا كتاب مكتوب. وكاد كلاهما يكون بمعزل عن الآخر، بمعزل عن الاستفادة الصحيحة من التراث الكبير المسجل، وعن إمداد التراث المسجل بشيء جديد يحرك المحافطين على التراث المكتوب إلى البحث والتنقيب والتسجيل. وبتفانى الأجيال جيلا بعد جيل في عصر العزلة، استبهم على المثقفين أنفسهم بعض ما يحافظون عليه من التراث المكتوب، وصار أشبه بالرموز التي تحتاج إلى مفسر، وكذلك تساقط أيضا في توارث الصناعات والفنون جزء مهم من أسرار هذه الفنون والصناعات، وصارت هي أيضا تحتاج إلى مفسر. وأوشك اللسان العربي أن يصبح وسيطا غير صالح لإيجاد التفاهم بين الطرفين. ولولا دوى القرآن في الأذان، ولولا كلمة التوحيد التي نزلت في جذر قلوب الأمة رجالا ونساء، لَتَفارَطَ عقد هذه الأمة العظيمة تحت النكبات كما تتفارط حبات عِقد وَهَى سِلْكُه وهلك. وهذا حسبى في هذه الوقفة. وإن كنت أجدني مقصرا.

стр. 1253

الجبرتى الكبير جاء زمن الشيخ حسن الجبرتى "١١١٠ - ١١٨٨ هـ / ١٦٩٨ - ١٧٧٤ م"، بعد تدهور متتابع، وكاد اللسان العربي العظيم يفقد سلطانه على حضارته. أصبحت معاهد العلم ومدارس الثقافة محصورة في بضعة كتب هي وحدها الزاد الثقافي للأمة، ألفها الناس وتداولوها. ولكنها لم تكن سوى خلاصة منتقاة من زاد ثقافي متقادم متراحب كان نابضا بالحياة، وقد قضى على ما نجا منه تدمير البرابرة الجهلة، أن يظل حبيسًا أكثره بين الجدران وعلى الرفوف في خزائن الكتب، ومع ذلك فهذه الخلاصة تحملها أيدى نيام من الشقاء والنصب قد أنهكتهم النكبات، لا يدل على أنهم ينبضون بالحياة إلا ومضات تلوح وتخفى في تقارير وحواش يسجلونها على كتب هذه الخلاصة. ومضات مضيئة، تسجل فترات قصارا من اليقظة والذكاء والقدرة والتنبه. ومع ذلك أيضا، كان هذا النبض محصورا في طائفة محدودة من فحول علماء ذلك الزمان، ولكنه معزول أيضا عن أمة ضخمة جدا غارقة في الجهالة والفقر والضياع، يجهل جمهورها الأكبر القراءة والكتابة، إلا محفوظا يسيرا يتردد خافتا، بقية من ميراث عظيم يوشك أن يبيد. فإذا كان الشيخ الجبرتى، وهو أحد الورثة العظام لحضارة أمته العريقة العظيمة. . قد هب فجأة وهو في الرابعة والثلاثين من عمره، وانتبه عقله المتوقد بعد غفوة طويلة، فانبرى لهدفه بكل ما في قلبه من همة ودأب وذكاء. وآثر أن يقضى عشر سنوات "من سنة ١١٤٤ إلى سنة ١١٥٤ هـ". . متلددا متحيرا يحاول أن يفك رموز جزء يسير من ميراثه الضخم العظيم. . "حتى انفتح له الباب وانكشف عنه الحجاب" كما يقول ابنه المؤرخ العظيم في عبارة غير كاشفة إلا عن دهشة وحيرة. إذا كان هذا كما وصفت، فلا تعجب، فإنه جاء بعد قرون أهلكت آلافا مؤلفة من العلماء المسجلين والمفسرين، وآلافا تفرقها من الأساتذة الخبراء بأسرار فنونهم والحاذقين، وأيضا بعد أن فقد اللسان العربي سلطانه على حضارته أو كاد.

стр. 1254

ومع ذلك، فهذه مشيئة الله وحده، جاء الشيخ الجبرتى متأخرا لقدر لا يعلمه إلا مقدر المقادير، فهذا الجهد الذي بذله عاكفا على حل رموز ميراثه العظيم المسطور في خزائن الكتب، والطريق الذي سوف يسلكه بعد ذلك للإحياء والبعث، كان قد سبقه إلى مثله منذ قرون من ليس وارثًا لهذا الميراث العظيم، وفي كهوفه المظلمة أكب على حل هذه الرموز إكبابا، فاستخرج منها ما أطاق أن يفهمه من عربيتها بأسلوب مختلف، ولكنه كان مفسرا خبيثا ينتهب كل شيء تحت الليل والظلام، ولا يدل أحدا على موضع الكنز الذي يأخذ منه ما يأخذ. ولكن هذه قصة أخرى مخزية دنيئة، سوف أقصها عليك وأنا أسرد قصة الشيخ الجبرتى. .

стр. 1255

الألفاظ المكشوفة في هذا الكتاب طبيعية وينبغي ألا يجهلها البشر الحديث هذه الأيام عن كتاب ألف ليلة وليلة، مؤسف ومحزن في الوقت نفسه، وفي ظنى أن المعلن حتى بهذه الكيفية المؤسفة المحزنة حول هذا الكتاب أقل بكثير إذا قيس بمثيله غير المعلن. والذي ربما يكشف عن جوانب سيئة رهيبة مخيفة. . تضاف إلى غيرها من الجوانب التي تندرج في النهاية تحت عنوان فساد حياتنا الثقافية بوجه عام. هذا الفساد الذي لم يكن وليد هذه الأيام وإنما يرجع تاريخه إلى عشرات السنين. لذلك أرى أن المسألة قبل أن تكون احتراما للتراث الذي ينبغي علينا احترامه والمحافظة عليه هي احترام لعقولنا التي تمتهن بمثل هذا الأسلوب. . الذي من صُوَرِه أن ينظر أحدنا إلى الأشياء نظرة مختلة. وفي الأغلب والأعم يعلم البعض كنه هذه النظرة. ومع ذلك نجد أن هذا البعض يشاء -قاصدًا أو غير قاصد- التأثر بهذه النظرة، ويستطيب له مواصلة السير مع صاحب هذه النظرة المختلة. وتكون النتيجة التي لا مفر منها هي أن تتسم أحوالنا بأنها ولدت في غيبة تامة من التفكير العقلي والنظرة الصحيحة، والرؤية الهادئة. وهكذا تكون أغلب أفعالنا، وتكون النتيجة المنتظرة. . فسادا وتضليلًا وزيفا وغشًّا لأمور واضحة أمامنا. مثلا إن ما يثار حول كتاب ألف ليلة وليلة، وخلاصته أن في هذا الكتاب من الألفاظ المكشوفة ما يمكن أن يفسد عقول شباب وشابات هذه الأمة. ولذلك يقدم الكتاب للمحاكمة. هذا الذي يثار حول هذا الكتاب يقدم دليلًا جديدًا لهذا السخف اخترناه لمسيرة حياتنا الثقافية. هذه القضية كانت تتطلب منا معالجة أخرى غير ما تعاملنا به معها. كانت

стр. 1256

تتطلب منا -إذا أردنا تحري الدقة- بحثا هادئًا يبدأ بقراءة أجزاء هذا الكتاب نفسه، والوقوف طويلًا عند صفحاته، وتأمل عباراته وسطوره، واستخراج هذه الألفاظ التي ترى أنها مفسدة للعقول، كل لفظ حسب موقعه من السطر والصفحة والجزء، ولنرى بعد ذلك حاصل ما يجتمع لدينا من هذه الألفاظ. عندئذ سوف نجد أن ما يجتمع لدينا لا يزيد عن الصفحة أو الصفحتين على أكثر تقدير من الألفاظ المتكررة منتشرة على صفحات المجلدات الأربعة من كتاب ألف ليلة وليلة. وتأتي الخطوة الثانية بأن نسأل عما لدينا من ألفاظ مكشوفة جمعناها من الكتاب وهل هذه الألفاظ المكشوفة معروفة لنا أم مجهولة؟ وهل لكوننا لا نستعمل هذه الألفاظ في كتاباتنا معناه اتهامها ومحاكمتها؟ بعد ذلك تأتي الخطوة الثالثة وهي حول بحث درجة تأثير هذه الألفاظ المكشوفة كل على حدة. إذا فعلنا ذلك فسوف لا نجد لها أي تأثير. بل إننا إذا قمنا بمقارنة هذه الألفاظ المكشوفة التي نستهجنها ونطالب بمحاكمتها بغيرها من الصور والتراكيب التي تزخر بها كتابات هذا الزمان نجد أن هذه الألفاظ أرحم بكثير مما تقرأه من صور وتراكيب مصنوعة وموضوعة على الصفحات بأسلوب معين يجعل لها أكبر التأثير بالنسبة لأبنائنا وبناتنا. أقول ذلك بالنسبة للكلمة المقروءة أما بالنسبة للكلمة المسموعة أو المشاهدة فالأمر جد فادح وخطير. وإلا فليجلس أحدنا ساعة أو بعض ساعة أمام شاشة التليفزيون، ولا أقول الفيديو بالطبع، بعد هذه الساعة سوف يحكم أن ما جاء في كتاب ألف ليلة وليلة أرحم بكثير مما يشاهد. وإذا فعل هذا الأمر مع الإذاعة فأسلم أذنيه لما يصدر عن المذياع لاكتشف أن أمر ألفاظ ألف ليلة وليلة أرحم. وليس معنى هذا أن نلغي من حياتنا الفيديو أو التليفزيون أو المذياع ومن قبلها كتابات توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس وغيرهم. بالقطع لا. والسبب أن الحياة مليئة بالأشياء المتلفة، وأنت لا تستطيع أن توقفها. فقط

стр. 1257

ما يمكنك صنعه ألا تسمح لنفسك بالتعامل مع ما تراه متلفا من الأشياء أو تسمح بالتعامل وبالكيفية التي تريد. هذا هو الأسلوب نفسه الذي ينبغي أن نفعله بالنسبة لكتاب صدر منذ ألف سنة ككتاب ألف ليلة وليلة. من حق بعضنا أن يقرأه أو لا يقرأه. لكن الذي ليس من حقنا جميعا أن نحكم بإلغائه أو بحرقه! فالثابت أن هذا الكتاب وجد منذ مئات السنين، وخلال هذه السنين قرأه الناس، ولم يحدث مرة أن قيل إن هذا الكتاب أفسد عقل جيل أو عرض إلى انحلال مجتمع. إن غاية ما يراه البعض في اتهامهم لهذا الكتاب هو أن به ألفاظًا مكشوفة تنتشر على صفحاته! هذه الألفاظ في رأيي لا خوف منها. فهي ألفاظ العلم نفسه. وإذا كان لها تأثير ضار، فكيف يستخدمها علماء اللغة وأصحابها. أقول إنها ليست ألفاظا ضارة وإنها ألفاظ طبيعية وعادية يستخدمها البشر في كل مكان. وليس من مصلحة البشر أن يجهل مثل هذه الألفاظ. فهي ضرورة من ضرورات الحياة. . العلمية منها أو الاجتماعية. ومن هنا أرى أن ما يثار الآن حول كتاب ألف ليلة وليلة مثل من أمثلة فساد حياتنا الثقافية بوجه عام.

стр. 1258

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إنْ كُنْتَ لَسْتَ مَعِى، فَالذِّكْرُ مِنْكَ مَعى ... يَرَاكَ قَلْبى وَإنْ غُيِّبْتَ عَنْ بَصَرِى الْعَينُ تُبصِرُ مَنْ تَهْوَى وتَفْقِدُهُ ... ونَاظرُ الْقَلْبِ لَا يَخْلُو منَ النَّظَرِ رحمك الله "أبا السامى" (١) ورضى عنك، وغفر لك ما تقدّم من ذنبك، وجزاك خيرًا عن جهادك ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)﴾. * * * كتب "سعيدٌ" -لا أَخلَى الله مكانه وخُطِّئَ عنه السوء- هذا الكتابَ الذي يسعى بين يديه، يردُّ به إلى الحياة حياةً استدبرت الدنيا وأقبلت على الآخرة بما قدّمتْ من عمل، وثَمَّ الميزانُ الذي لا يخطئ، والناقد الذي لا يجوز عليه الزيف، والحاكم الذي لا يقدح في عدله ظلم ولا جور، والبصيرُ الذي يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور، قد استوت عنده دُجُنَّة السر ونهارُ العلانية. وقد فرغ الرافعي ﵀ من أمر الناس إلى خاصة نفسه، ولكن الناس لا يفرغون من أمر موتاهم، ولو فرغوا لكان التاريخ أكفانًا تُطوَى على الرمم،

стр. 1259

لا أثوابا تُلقَى على الميت لتنشره مرة أخرى حديثا يُؤْثر وخبرًا يُرْوَى وعملا يتمثل وكأنْ قد كان بعد إذ لم يكن. وهذا كتاب يقدّمه "سعيدٌ" إلى العربية وقرّائها، يجعله كالمقدّمة التي لابد منها لمن أراد أن يعرف أمر الرافعي من قريب. لقد عاش الرافعي دهرًا يتصرف فيما يتصرف فيه الناس على عاداتهم، وتُصَرِّفُه أعمالُ الحياة على نهجها الذي اقتسرتْه عليه أو مهدته له أو وطَّأت به لتكوين المزاج الأدبيِّ الذي لا يعدمه حيٌّ ولا يخلو من مسِّه بشرٌ. وأنا -مما عرفت الرافعي ﵀ ودنوت إليه ووصلت سببًا مني بأسباب منه- أشهد لهذا الكتاب بأنه قد استقصى من أخبار الرافعي كثيرًا إلى قليل مما عُرِف عن غيره ممن فرَط من شيوخنا وكتابنا وأدبائنا وشعرائنا؛ وتلك يدٌ لسعيد على الأدب العربي، وهي أُخرى على التاريخ. ولو قد يَسَّر الله لكل شاعر أو كاتب أو عالم صديقًا وفيًّا ينقله إلى الناس أحاديثَ وأخبارًا وأعمالا كما يسَّر الله للرافعي، لما أضلَّت العربية مجدَ أدبائها وعلمائها، ولما تفلَّت من أدبها علمُ أسرارِ الأساليب وعلمُ وجوه المعاني التي تعتلجُ في النفوس وترتكض في القلوب حتى يؤذَن لها أن تكون أدبا يصطفى وعلما يتوارث وفنًّا يتبلّجُ على سواد الحياة فتسفر عن مكنونها متكشِّفة بارزة تتأنق للنفس حتى تستوى بمعانيها وأسرارها على أسباب الفرح ودواعي السرور وما قبلُ وما بعدُ. والتاريخ ضربان يترادفان على معناه، ولكل فضل: فأوله رواية الخبر والقصَّة والعمل، وما كان كيف كان وإلى أين انتهى؛ وهذا هو الذي انتهى إلينا من علم التاريخ العربي في جملته، وعمود هذا الباب صدقُ الحديث، وطولُ التحرّى والاستقصاء والتتبع، وتسقُّط الأخبار من مواقعها، وتَوخِّى الحقيقة في الطلب حتى لا يختلط باطلٌ بحق. وأما التاريخ الثاني فإيجاد حياة قد خرجت من الحياة، وردٌّ ميت من قبر مغلق إلى كتاب مفتوح، وضمُّ متفرق يتبعثر في الألسنة حتى يتمثل صورة تلوح للمتأمّل، وهذا الثاني هو الذي عليه العمل في الإدراك البيانى لحقائق الشعراء والكتاب ومَن إليهم؛ ومع ذلك فهو لا يكاد يكون شيئا إلا

стр. 1260

بالأول، وإلا بقى اجتهادا محضا تموت الحقائق فيه أو تحيا على قدر حظ المؤرّخ والناقد من حسن النظر ونفاذ البصيرة، ومساغِه في أسرار البيان متوجها مع الدلالة مقبلا مدبرا، متوقيًا عثرةً تكبُّه على وجهه، متابعًا مَدْرجة الطبائع الإنسانية -على تباينها واختلافها- حثى يُشرف على حيث يملك البصر والتمييز ورؤية الخافي وتوهم البعيد، ويكون عمل المؤرخ يومئذ نكسة يعود بها إلى توهم أخبار كانت وأحداث يخالها وقعتْ، ويجهد في ذلك جهدا لقد غني عنه لو قد تساوقت إليه أخبار حياة الشاعر أو الكاتب واجتمعت لديه وأُلقيت إليه كما كانت أو كما شاهدها من صَحِبه واتصل به ونفذ إلى بعض ما ينفذ إليه الإنسان من حال أخيه الإنسان. وبعدُ، فإن أكثر ما نعرفه من أدب وشعر في عصور الاندحار التي مُنيت بها العربية يكاد يكون تلفيقًا ظاهرًا على البيان والتاريخ معًا، حتى ليضل الناقِدُ ضلال السالك في نفق ممتد قد ذهب شعابا متعانقة متنافرة في جوف الأرض؛ ثم جاء العصر الذي نحن فيه فأبطلت عاميتُه البيانَ في الأدب والشعر من ناحية، ودلسهما ما أُغرى به الكثرةُ من استعارة العاطفة واقتراض الإحساس من ناحية أخرى؛ فإني لأقرأُ للكاتب أو الشاعر وأتدبر وأترفق وأترقى. . . وإذا هو عَيْبة ممتلئة قد أُشْرِجَتْ على المعاني والعواطف فلو قُطع الخيط الذي يشدّها لانقطعت كلُّ شاردةٍ نافرةً إلى وطنها تشتدّ؛ وبمثل هذا يخوض المؤرخ في رَدَغة مستوحِلة يتزلَّق فيها ههنا وثمّ، ويتقطع في الرأي وتتهالك الحقائق بين يديه حتى يصير الشاعر وشعرُه والأديب وأدبه أسمالا متخرِّقة بالية يمسح بها المؤرّخ عن نفسه آثار ما وحِل فيه! وقد ابتُلى الأدبُ العربي في هذا العصر بهؤلاء الذين أوجفتْ بهم مطايا الغرور في طلب الشهرة والصيت والسماع، فخبطوا وتورّطوا ظلماءَ سالكُها مغترّ، وقد كان احتباسهم وإمساكهم عما نصبوا وجوههم له، واصطبارُهم على ذل الطلب، وممارستُهم معضلَ ما أرادوه، وتأنِّيهم في النية والبصر والعزم عسى أن يحملهم على استثارة ما ركبه الإهمال من العواطف التي تعمل وحدها إذا تنسمت روح

стр. 1261

الحياة، واستنباط النبع القديم الذي ورثته الإنسانية من حياتها الطبيعية الأولى ثم طمتْ عليه أدرانُ المدنيات المتعاقبة. والشعر والأدب كلاهما عاطفة وإحساس ينبعان من أصل القلب الإنساني؛ هذا القلب الذي أُثبت من داخل بين الحنايا والضلوع ليكون أصفى شيء وأطهرَ شيء وأخفى شيء، وليمس كل عمل من قريب ليصفيه ويطهره ويسدل عليه من روحه شفًّا رقيقًا لا يستر، بل يصف ما وراءه صفة باقية بقاء الروح، ويبرئها من دنس الوحشية التي تطويها في كفن من بضائع الموتى؛ فأيما شاعر أو أديب قال فإنما بقلبه وجب أن يقول ومِن داخله كُتِبَ عليه أن يتكلم، وإنما اللسان آلة تنقل ما في داخل إلى خارج حَسْب؛ فإن كلفها أحد أن تنقل على غير طبيعتها في الأداء -وهي الصلة التي انعقدت بينها وبين القلب على هذا القانون- فقد أوقع الخللَ فيها ووقع الفسادُ والتخالف والإحالة والبطلان فيما تؤدّيه أو تنقله. وقد نشأ الرافعي من أوّليته أديبًا يريد أن يشعر ويكتب ويتأدّب، وسلخ شبابه يعمل حتى أمكنته اللغةُ من قيادها وألقت إليه بأسرارها فكان عالمًا في العربية يقول الشعر، ولو وقف الرافعي عند ذلك لدرج فيمن درج من الشعراء والكتاب والعلماء الذين عاصروه، ولو أنه استنام إلى بعض الصيت الذي أدركه وحازه واحتمله في أمره الغرور لخف من بعدُ في ميزان الأدب حتى يرجح به مِن بعدُ مَنْ عسى أن يكون أخفَّ منه؛ ولكن الرافعي خرج من هذه الفتن -التي لفّت كثرةَ الشعراء والأدباء والتقمتهم فمضغتهم فطحنتهم ثم لفظتهم- وقد وَجد نفسَه واهتدى إليها، وعرف حقيقة أدبه وما ينبغي له وما يجب عليه. فأمَرَّ ما أفاد من علم وأدب على قلبه ليؤدّى عنه، وبرئ أن يكون كبعض مشاهير الكتاب والشعراء ممن يُطيح بالقول من أعلى رأسه إلى أسفل القرطاس، وللقارئ من قنابله بعد ذلك ما يتشظَّى في وجهه وما يتطاير. لهذا كان الرافعيُّ من الكتاب والأدباء والشعراء الذين تُتخذ حياتُهم ميزانًا لأعمالهم وآثارهم، ولذلك كان كتاب "سعيد" عن حياته من الجلالة بالموضع الذي يسمو إليه كل مبصر، ومن الضرورة بالمكان الذي يلجأ إليه كل طالب.

стр. 1262

عرفت الرافعي معرفة الرأي أول ما عرفته، ثم عرفتُه معرفة الصحبة فيما بعد، وعرضْت هذا على ذاك فيما بيني وبين نفسي فلم أجد إلا خيرًا مما كنت أرى، وتبدَّت لي إنسانيةُ هذا الرجل كأنها نغمة تجاوب أختها في ذلك الأديب الكاتب الشاعر، وظفرت بحبيب يحبنى وأحبه، لأن القلب هو الذي كان يعمل بيني وبينه وكان في أدبه مسُّ هذا القلب؛ فمن هنا كنت أتلقى كلامه فأفهم عنه ما يكاد يخفي على من هو أمثلُ مني بالأدب وأقْوم على العلم وأبصَر بمواضع الرأي. وامتياز الرافعي بقلبه هو سر البيان فيما تداوله من معاني الشعر والأدب؛ وهو سرُّ حفاوته بالخواطر ومذاهب الآراء، وسر إحسانه في مهنتها وتدبيرها وسياستها كما يحسن أحدهم مهنة المال ورَبَّه والقيامَ عليه؛ وهو سر علوِّه على من ينخشُّ في الأدب كالعَظْمة الجاسية تنشبُ في حلق متعاطيه، لا يُبقى عليه من هوادة ولا رفق، وبخاصة حين يكون هذا الناشب ممن تسامى على حين غفلة يوم مَرِج أمرُ الناس واختلط، أو كان مرهقًا في إيمانه مُتهمًا في دينه؛ إذ كان الإيمان في قلب الرافعي دمًا يجرى في دمه، نورًا يضئُ له في مجاهل الفكر والعاطفة ويسنِّى له ما أَعسر إذا تعاندت الآراء واختلفت وتعارضت وأكذبَ بعضُها بعضًا. هذا، وقد أرخيت للقول حتى بلغ، وكنتُ حقيقًا أن أغور إلى سرّ البيان واعتلاقه من العاطفة والهوى في قول الشاعر والكاتب والأديب لأسدِّد الرأي إلى مرماه، وقد يطولُ ذلك حتى لا تكفي له فاتحة كتاب أو كتابٌ مفرد، فإن البيان هو سرُّ النفس الشاعرة مكفوفا وراءَ لفظٍ، وما كان ذلك سبيله لا يتأتى إلا بالتفصيل والتمييز والشرح، ولا تُغني فيه جملة القول شيئًا من غناء. وحقيقٌ بمن يقرأُ هذا الكتاب أن يعود إلى كتب الرافعي بالمراجعة فيستنبئها التفصيل والشرح، وبذلك يقع على مادة تمدّه في دراسة فنون الأسلوب، وكيف يتوجهُ بفنّ الكاتب، وكيف يتصرف فيه الكاتب بحسٍّ من قلبه لا يخطئ أن يجعل المعنى واللفظ سابقين إلى غرض متواطئين على معنى لا يجوران فيجاوزانه أو يقعان دونه.

стр. 1263

رحمة الله عليه، لقد شارك الأوائل عقولهم بفكره، ونزع إليهم بحنينه، وفلج أهلَ عصره بالبيان حين استعجمتْ قلوبهم وارتضخت عربيتُهم لُكنةً غير عربية، ثم صار إلى أن أصبح ميراثًا نتوارثه، وأدبًا نتدارسه، وحنانًا نأوى إليه. رحمة الله عليه!

стр. 1264

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمدُ لله وَحْدَه لا شريكَ له، أَنْزَل الكتابَ بالحقّ، لا يأتيه الباطلُ من بين يدَيْه ولا من خَلْفِه. وصلّى الله على خِيرتِهِ مِنْ خَلْقِه، محمّدٍ رسولِ الله ﷺ تسليما كثيرًا، بلَّغَ الرسالةَ، وأَدّى الأمانةَ، وتَرَكَ الناس على المَحَجّةِ الواضحة بِنُورِ القرآنِ الذي لا يَخْبو نُورُه، وضياء السنَّةِ التي لا يَخْفُتُ ضِياؤها. وبعدُ: فماذا يقول القائل في عَمَل قام به فَرْدٌ واحِدٌ، لو قامتْ عليه جماعةٌ لكان لها مَفْخَرة باقيةً؟ فمن التواضُع أَنْ يُسَمَّى هذا العملُ الذي يَعْرِضُه عليك هذا الكتابُ "مُعْجَمًا نَحْويًّا صرْفيّا للقرآن العظيم". فمعلومٌ أَنَّ جُلَّ اعتماد المعاجم قائمٌ على الْحَصْر والترتيبِ. أمّا هذا الكتاب، فالْحَصْر والترتيب مُجَرَّد صورةٍ مُخطَّطة يعتمِدُ عليها. أمّا القاعدة العُظْمى التي يقوم عليها، فهي معرفةٌ واسعةٌ مسْتوعِبةْ تامّةٌ لدقائِقِ عِلْم النحوِ، وعِلْم الصرف، وعِلْم اختلافِ الأساليب. ولولا هذه المعرفةُ لم يَتَيِسَّرْ لصاحبهِ أَنْ يوقِّع في حصْره من حروف المعاني وتصاريفِ اللغة على أبوابها من علم النحو، وعلم الصرف، وعلم أساليب اللغة. وهذا العملُ الجليلُ الذي تولّاه أستاذنا الشيخ محمد عبد الخالق عضيمة والذي أَفْنَى فيه خمسةً وعِشرين عاما طوِالًا، والذي يَعْرِض عليك منه هذا القسمَ الأوّلَ إنما هو جُزْءٌ مِنْ عَملٍ ضَخْمٍ لم يَسْبقْه إليه أحدٌ، ولا أظنّ أنّ أحدًا من أَهْلِ زماننا كان قادرًا عليه بمفرده. فإنّ الشيخ قد أُوتى جَلَدًا وصبرًا ومعرفة، وأمانةً في الاطّلاع، ودِقَّةً في التحرِّى لم أَجدها متوافرةً لكثير ممّن عرفت.

стр. 1265

وحروف المعاني التي يتناولها هذا القسمُ الأوّلُ من جَمْهَرَةِ علم القرآن العظيم (١)، أَصْعَبُ أبوابِ هذه الْجَمْهرةِ، لكثرتها وتَداخُلِ معانيها. فقلّ أن تخلُوَ آيةٌ من القرآن العظيم من حرْفٍ من حروفِ المعاني. أمّا المشقَّةُ العظيمةُ، فهي في وجوهِ اختلافِ مواقع هذه الحروفِ من الْجُمَلِ؛ ثمّ اختلافِ معانيها باختلافِ مواقعِها، ثمّ ملاحظةِ الفروقِ الدقيقة التي يَقْتضيها هذا الاختلافُ في دلالته المؤثِّرةِ في معاني الآيات. وهذا وَحْدَه أساس عِلْمٍ جليل من علوم القرآن العظيم. وسترى في هذا القسم العَمَلَ المُتْقَنَ الذي تولّاه أستاذنا الجليل، مواضِع كثيرة من الاستدراكِ على النحاة منذ سيبويه إلى ابن هشام، ولكن ليس معْنَى هذا أن نَبْخَس الشُّيُوخَ الأوائلَ نَصِيبَهم من التَّفوُّقِ الهائلِ الذي يُذْهِل العقول، ولكن مَعْناه أنّ الأساس الذي أَسَّسوه في أزْمِنَتهِم المتطاولةِ كان ينْقُصُه هذا الْحَصْرُ الدقيق لكلِّ ما في القرآن العظيم من حروفِ المعاني، وكان هذا الْحَصْر خارجا يومئذٍ عن طاقَتهم، فإن الذي أعان عليه هو الطباعةُ التي استحدثت في زماننا. والناظر في كُتُبِ القدماء لا يُخطئه أن يرى أنّهمِ قاموا بِحَصْرٍ غير تامٍّ، بيْدَ أنّ هذا القَدْرَ الذي قاموا به هو في ذاته عَملٌ فوق الجليلِ وفوق الطاقةِ. ويظنّ أستاذنا الشيخ عضيمة أنّ الأوائلَ قد شَغَلَهم الشِّعْرُ عن النظَر في شواهدِ القرآن العظيم، وأظنّ أنّ الذي تولّاه أستاذنا من حصْرِ هذه الأشياءِ في القرآنِ العظيم، وتنزيلها في منازِلها من أبواب علْم النحو وعلْم الصرف، وعلْم أساليب اللغة، مقدّمة فائقةُ الدلالة، لعَمل آخر ينبغي أن تتولّاه جماعةٌ منظَّمةٌ في حصْرِ ما في الشِّعْرِ الجاهليّ والإسلاميّ من حروفِ المعاني، ومن تصاريفِ اللغة، ومن اختلافِ الأساليب ودلالتها. والذي ظنّ الأستاذ أنّ القدماء قد فَرَّغوا هِمَمَهُمْ له، هو في الحقيقة ناقصٌ يحتاج إلى تمامٍ، وتمامه أن يُهيِّئَ الله للناس منْ يقوم لهم في الشِّعْرِ بمثلِ ما قام به هو في القرآن العظيم.
следующие страницы →