← Джавами‘

Джавами‘ · id 20641

جمهرة مقالات محمود شاكر

محمود شاكر، أبو فهر

Полный текст (1 289 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

المعاني التي يتطلبها إحساسه، هذه واحدة. أو لأن مادة هذا المنطق العقلي أفقر من إحساس الشاعر، فهي لا تملك عندها ما يكفي للتعبير عن إحساسه، فهذه أخرى. ولهذه العلة الأخيرة تجد كثيرًا من عامة الناس ليسوا شعراء، ومع ذلك فربما كان أحدهم أدق إحساسًا وأعمق وأعنف، ويكون إحساسه أحفلَ بالمعاني وأغنى، وإنما يقطعهُ عن الشِّعر هذه العلَّة، وهي فقر المنطق العقلي من اللغة التي هي مال له. أو انقطاع المنطق العقليّ دون الوصول إلى المنطقة التي ينقلب فيها هذا المنطق -بكماله وتمامه وقوته واستوائه واستقامته- حاسة دقيقة مدبِّرة تعمل في حياطة الإحساس والقيام عليه وتسديده للغرض الذي يرمى إليه في التعبير عن معاني الإحساس، كما قدمناه آنفًا. وأما الأمر الثاني -الذي يُخْفِقُ بسببه الشعر في التأثير- فمرَدُّهُ إلى القارئ أو السامع. فإذا كان إحساسُ السامع أو القارئ ضعيفًا بليدًا غثًّا، فمهما يَأتِه من شعر حافل قويٍّ عنيف دقيق العبارة عن إحساس شاعره -فهو لديه شيءٌ فاتِرٌ ضعيفٌ لا يهزُّه ولا يبلغُ منه ولا ينفذُ فيه، وهذا الضرب من العامة الذين لا يتأثرون بالشعر لا يُعتد بهم ولا ينظر إليهم، ولكن هناك ضربٌ آخر يكون بليغ الإحساس جيد التلقي، صالحًا للتأثر بما ينتقل إليه من هزة الإحساس فيهتزُّ لها ويطرب، وقد يكون مع ذلك خِلوًا من اللغة التي يعبِّر بها الشعر، إذ ليس له منطقٌ عقليٌّ سامٍ متخير للكلام يختزن اللغة لنفسه إذا فكَّر، ولفهمه إذا حُدِّث أو أُنشد؛ فهو ربما سمع الشعر الجيد فلم يبلغ منه المبلغ الذي أريد له هذا الشعر، وكثر هؤلاء في عصرنا هذا حتى سقط الشِّعر ولم يحفلْ به إلا قليلٌ؛ وهم لم يكونوا كذلك إلا لفساد التعليم وقلة احتفاله باللغة وبيانها وأسلوب مجازها، ولأن الجهلاء والسخفاء هم سوادُ الناس، وفساد الطبائع فيهم راجعٌ إلى هذين: فمخالطة الجهالة تورث الجهالة والخبال، وترك التعلُّم وسوء التعليم ذريعةٌ مفضيةٌ إلى الجهل والبلادة، فكيف -مع هذين- يخلص أحدهم من فقر العقل وبلادة التأثر بالشعر البليغ الحافل بالإحساس المشبوب العنيف؟ فأنت ترى: أن اللغة المتخيرة المرصدة للتعبير عن الإحساس تعبيرًا مسددًا

стр. 142

بالمنطق العقلي الذي لا يزلُّ على مدارج المجاز فتنقطع صلاتُه بحقائق المعاني التي وضعت لها هذه الألفاظ اللغوية. . .، ثم المنطقُ العقلي الذي يختزن هذه اللغة، ويستطيع أن يتحوَّل حاسة دقيقة مدبرة تقوم على الإحساس وتحوطه من الضلال. . .، ثم المعاني التي يتمثلها إحساس ال شاعر حين يَهيجه ما يؤثر فيه تأثيرًا قويًا عنيفًا -هذه الثلاثة هي، مادة الشعر الجيد، فإذا سقط أحدها أو انحط أو ضعف، سقط الشِّعرُ بسقوطه أو انحط أو ضعف. وأنا أقول: إن أكثر شعر العصر العربي الحاضر قد انحط وضعف وسقط، لأن أكثر الشعراء قد بلغ منهم العيب مبلغًا أفسد كل ما يعتدُّ به من آثار "الشاعرية" التي بقيت فيهم، ولم يخلص لأحد منهم جميع هذه الثلاثة التي ذكرنا. ولكن بقي لشاعرين أو ثلاثة ما يمكن أن يُلحقهم بأهل المرتبة الأولى من الشعراء العبقريين، وهذه المرتبةُ الأولى إنما نتخيلُها ولا نكاد نعرف أحدًا استوى عليها، فملك فيها بيان العربية وشعرها يصرفهما كيف شاء، فيكون في تاريخ اللسان العربي عبقرية جديدة كامرئ القيس، ومسلم بن الوليد، والمتنبي، وأبي نواس، والبحتري، وأبي تمام، وغيرهم ممن يعد لسانًا وحده. . . شاعر! ! وأحد هؤلاء الشعراء الثلاثة الذين سيدفعون أنفسهم في مجاز العربية حتى يبلغوا المرتبة الأولى -فيما نتوهم- هو "محمود حسن إسماعيل": فهو إنسان مرهف الحسّ دقيقه، متوهِّجُ النفس، سريع التلقى للمعاني التي يصورها له إحساسه، وإن إحساسه لينشئ له من هذه الصور والمعاني أكثر مما يستطيع أن يطيق صبره، وهو -إذ فقد الصبر على مطاولة هذه المعاني من إحساسه- تراه يثبُ وثبًا من أَول المعنى إلى آخره لا يترفَّق، كأن في إحساسه روح "قنبلة". فلذلك تجد المنطق العقلي في شعره متفجرًا أبدًا لا يبالي "أوقع على اللفظ من اللغة، أم وقع اللفظ عليه"، ولكنه على كل حال منطق يقظٌ حساس بعيد الوثبة، يحاول دائمًا أن يضبط هذا الإحساس الذي لا يهدأ ولا يستقر. وسينتهي -بعد قليل من المصابرة والمرابطة لإحساس مشاعره- إلى القدرة على متابعة إحساسه وكبحه وتزجيته على هدْى واحد مؤتلف غير مختلف، وذلك حين يجتاز الشاعر

стр. 143

السن التي هي علة التوقد الدائم والاهتزاز المتتابع تتابع البرق إذا خفق وومض وضرب بعضه بعضًا بسياط من الضوء في عوارض السحاب. . . وأما لغته، فقد ملك منها ما يكفيه بقدر حاجة بعض إحساسه، فإذا امتدت يده إلى خزائن العربية التي لا تنفد، وتداخل في أسرار حروفها بالمدارسة الطويلة، وتآمرت -ثلاثتُها- على تسنية الأبواب له واحدًا بعد واحد، حتى يستطع أن يستوي على سَرارة (١) المرتبة الأولى للشعر غير مدافع. هذا. . . وإن في كثير من شعره الذي نشره إلى اليوم، ما يجعلني على ثقة -إن شاء الله - من أنه مدرك ذلك لا محالة، فهو قد استولى على كل ما هو به شاعر، ولا أظن ظن السوء بقدر الله أن يكون هو قاطعه دون المنهج الذي تعبَّد بين يديه، ولم يبق له إلا قليل حتى يبلغ الذروة العليا. قصيدة الزلزال وقد قرأت قصيدته (*) الأخيرة في "فاجعة تركيا" -كما سماها- ثم سمعتها، فوجدت لزامًا عليّ في هذا الباب أن أثبت بعض رأيي في الشعر والشاعر، ثم في "محمود حسن إسماعيل" خاصة، ثم في هذه القصيدة، وقبيح أن يجهل مريدو الشعر الجيد هذه القصيدة الفذة، التي تكشف عن السر المستكن وراء هذا الشاعر. وإذ قد عرضنا مرة لبعض الشعر الأسود المظلم، فلا بد إذن من أن نمحو آيته ببعض آيات الشعر المشرق المضئ. وقد كان "زلزال الأناضول" عذابًا من العذاب الأكبر بأهواله، حتى قالوا إنه أشد ما عرف من الزلازل وأخطرها وأفظعها موقعًا وأثرًا، وقد كان ما تنشره الصحف اليومية من أخباره هولًا هائلًا مفزعًا يكاد يجعل الولدان شيبًا. فلا شك إذن أن يكون هذا الرعب الراجف في إحساس شاعر فزِعٍ "كمحمود" رجفة يُرعد بها رِعدة طائرة مدوية مصلصلة مجلجلة.

стр. 144

وأنت إذا بدأت القصيدة: هات الشدائد للجريحةِ هاتها ... فالصبر في الأهوال دِينُ أُساتها واحشُد صروفك يا زمان فربما ... لهبُ العظائم شُب من نكباتها ولعلها خمرٌ تدور فيستقى ... خَمْرَ الكفاح الشرقُ من كاساتها رأيت الأمر والنداء، نداء الفزع الطامي بطغيان أمواجه على إحساس الشاعر، فلم يملك إلا إسلام نفسه إلى اليأس، فيستزيد من البلاء ويطلبه فيقول: "هات الشدائد" ثم يعود فيقول: "هاتها" ليثبت إيمانه بالصبر على هذا البلاء، فهو إيحاء، إذ قد يئس أن يصرف عن إحساسه ما طغى به عليه هول ما سمع من صفة الزلزال. ويَدُلُّك على أن هذا المطلع قطعة من اليأس، عودتُه إلى الشك في هذه الشدائد الموقدة بنارها ولهيبها، والتي زلزلتْ أمة من الناس فكانوا كما قال الله تعالى في صفة زلزلة الساعة: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾. فكذلك عاد الشاعر يشك بعد طغيان البلاء عليه أن ينقلب كل ذلك الرعب الذي اضطرب به الناس سُكرًا يجزِّئ هذا الشرق المغلوب على الكفاح، في زمن يرمى من أهواله شدائد ترجف بالشرق رجفة كأشد ما رَجفتْ زلزلة الأناضول، فلذلك قال: "ولعلها خمر. . . .". هي أمةٌ زلزلتَ جَنبَ مِهادها ... ونفختَ ريحَ الموت في جَنباتها وهذا البيت يكاد يكون الحد الفاصل بين يأس الشاعر الذي طغى عليه حتى أنساه روح الزلزلة التي كانت في إحساسه، وهو نفسه الذي يردُّه مرة أخرى فزعًا ثائرًا متوثبًا تتقاذقه تهاويل إحساسه في رعب بعد رعب. شَوَّهتَ صَفحتها بمديةِ جازِر ... الرحمة انتحرت بحدِّ شَباتِها مجنونةُ الحدّيْن لو هي لَوَّحتْ ... لانهَدَّ رُكن الأرض من حركاتها ذئبية الشهوات جاع حديدُها ... وأراق جوع الوحش في لَهَواتها وهنا موضع يوقف عنده، فإن المعنى الذي أراده الشاعر، والصورة التي

стр. 145

نشأت من شدة إحساسه بهول الزلزلة طغتْ فلم يستطع المنطق أن يضبط اللغة على قياسها، فهو يريد أن يقول: إنه ورى هذه المدية الصقيلة الذئبية الجائعة المهلكة المجنونة فيرى على حَدَّيْها وصفحتيها من فِرِندها وضوئها ومائها ما ينسابُ ويتريَّق ويتلألأ ويرمي بأضوائه كأنه ضوء جائع يريد أن يلتهم كل ما يلقاه، وذلك قوله: "وأراق جوع الوحش في لهواتها" فقوله: "وأراق" هنا لا توافق المعنى، وقد أوقعه عليها اختلاط "فرند المُدْيَة" -وهو ماؤها- بالمعنى الذي أراده، ولو قال: "يذكى سعار الوحش في لهواتها" أو ما يقارب ذلك لكان أجود. ثم يمضي الشاعر في تصوير ما تخيله -حين فجأت الزلزلة الأناضول-: والناسُ غَرْقى في السكون سَجتْ بهم ... سِنَة يَنامُ الهوْلُ في سَكناتِها بَيْنا همُ فَوْق المهودِ عَوَالمٌ ... غشَّى ضبابُ الصمت كل جهاتها وإذا بقلبِ الأرض يرجفُ رجفةً ... دُكَّ الصباحُ وذابَ في خَفَقَاتِها وانشقَّت الدُّنيا لديه فلم يَجِدْ ... أرضًا يغيثُ النورَ في رَبَواتها فَطوَى المدائن والقرَى وهَوَى بها ... في سدْفَة تهوي على ظلماتِها . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وبنى اللحودَ على المهودِ وهدَّها ... فَنَضَا ستورَ الموت عن عَوراتها زأرت جراحُ الأرضِ فاهتاجَ الردى ... وتنهد الزلزال في ساحاتها وإذا الذي أتى به في وصف الزلزلة إلى آخر القصيدة شيء هائل مخيف تقشعر

стр. 146

له الأبدان، وتراه متدفقًا طاغيًا لا تكاد تقف على كلمة منه إلا مرتاعًا قد قفَّ شعرك (١) عن هول ما تنقل إليك ألفاظه من معاني إحساسه الثائر المتفجر: أنفاسه لهبُ الجحيم وخطوه ... خطو المنايا السود في فجآتها إلى بعض القراء . . . وبعد، فإن العالِمَ الثقةَ الثبت المحقق الدكتور بشر فارس قد عَلِمَ فَعلَّمَ! ! وأنا أشكرُ له ما علّمني، فأنا لا أحب أن أكون كالذي قيل في أمره: "لا تناظرْ جاهلًا ولا لجوجا فإنه يجعل المناظرة ذريعة إلى التعلُّم بغير شكر". ثم بصَّر "بشر" أيضًا بما كنت أَجهل من العروض واللغة والبيان، فأوغَرَ صدري، فنثرت حول قَهْري ما ملكت من نُفاية الكلام وكذلك طوّقتُ نفسي به زينة وحِلية أتبرّج بها للناس أو كما قال! وهو كذلك. . . فأنا أحمد الله الذي كفاني شر الغرورِ والخيلاء، ولم يجعلني كالجاهلة الخرقاء التي زعموها تأنَّقت بما ليس فيها، ولا هو من طباعها، حتى ضربوا بها المثل فقالوا: "خرقاءُ ذات نِيقة" (٢)، والحمد لله الذي لم يجعلني ممن يتزين بما ليس تملكه يداه، فقد قال رسول الله ﷺ "المتشبّع بما لم يُعْطَ كلابس ثوبي زُور" (٣)، والحمد لله الذي جعلني جاهلًا يعرف أنه جاهل، ومن أين لمثلي العلم؟ أليس قد "ذهب العلم إلا غبارات في أوعية سوء" كما قال ابن شُبرمة في رواية بشر فارس عن ابن شبرمة: (بريد "الرسالة" العدد ٣٤٦). وقد قرر الأستاذ بشر أنه بصرني بأمور ثلاثة، وأني سلمت مرغمًا بأنه بصرنى بما كنت أجهل من أمرها! ! وإذا قرر الأستاذ بشر فقد وجب عليّ وعلى الناس التسليم بما قرر، أليس ذلك كذلك. بَلى، ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ ومع ذلك، فمن غَلَبة الجهل علينا أن البحر الذي وضعه وسماه

стр. 147

"المنطلق"، لا يزال عندنا وعند أصحابنا من علماء العروض هو من "مجزوءة المتدارك" أدْخَل الشاعر الأستاذ على ضربها العرج أو الفساد أو الخبن أو ما شئت فسمِّه، ثم ألزمها ذلك في سائر أبياته، ثم قال إنه وضع بحرًا. ومن غلبة جهلنا أيضًا أننا نعده وزنًا ثقيلًا غثًا كسائر الأوزان الممكنة التي تركتها العرب لثقلها على السمع، فلم تجزها في شعرها، ومن غلبة جهلنا أيضًا أننا لا نزال ندعى أن لن يوجد في أصحاب الألسنة العربية من الشعراء المجيدين من يتابع النظم على هذا الوزن الجافي من "مجزوءة المتدارك"، وكذلك أهملناه وسنهمله. وأما حديث "الزلزلة"، فلا نزال نقول إن كل حرف من حروف العربية ينقل إلى المجاز، فهو يتطلب دائمًا حقيقته، وإلا فسد مجازه. فإذا كان أصل الحرف "زلزل" وحقيقته: أن يزلَّ الشيء عن مكانه مرة بعد مرة، أي أن ينتقل ويتحرك ويسقط ويخرج عن الموضع الذي يستقر عليه، فلابد في كل مجاز لهذا الحرف أن يكون ما يقع عليه فعل الزلزلة - (أي نائب الفاعل أو المفعول) - شيئًا منتقلًا من مكان إلى مكان أو شيئًا يجوز أن ينتقل من مكان إلى مكان، فهذا هو شرط المجاز أو الاستعارة في هذا وأمثاله، وإذ ليست الأذن كذلك، فقولك "زلزل الطرب أُذُنى" مجازٌ فاسدٌ لأن الأذُن ثابتة لا تتحرك. وإذا قال كتاب "خلاصة الطبيعة في الصوت! ! " في باب "شرح عمل الأذن" إن الصوت يهزُّ غشاء طبلة الأذن حين تصكُّها الأمواج الهوائية التي يُحدثها مصدر الصوت، فليس معنى "يهز الغشاء" هنا أنه ينقله من مكان إلى مكان آخر، فإذا كان ذلك كذلك، وكان غشاء طبلة الأذن مثبتًا لا يتحرك أي لا ينتقل من مكانه، وإنما هو اهتزازٌ يلحقه، فليس في الدنيا "ناى" أو غيره يستطيع أن يجعله يتحرك أي ينتقل من مكانه، ولو كان في قلب هذا "الناى" عشرون فرقة من فرق "الجازبنْد". . . ولو كان ذلك فتحرك الغشاء قليلًا عن مكانه لتمزَّق وانخرَق، وكان الصَّمم، وإذن فليس يجوز في العربية أن يقال "زلزل الطرب أو الناى غشاءَ طبلة أُذُني"! وإلا فهو مجازٌ فاسدٌ أيضًا.

стр. 148

وأما ما يقال من أن الزلزلة والطرب على مجاورة في لغتنا! ! فهو شيء لا أصل له، وهي عبارة لا تؤدى إلى معنى، وهو كلام "يدخل بعد العِشاءِ في العرب". وأخيرًا. . .، فمن عظة نبينا ﷺ قوله: "من طلب العلم ليماري به السفهاء، أو يُباهي به العلماء، أو يصرف به وجوه الناس إليه، أدخله الله النار". ونحن نعوذ بالله أن نخالف عن أمر نبينا، أو نكون ممن يستخف بما أنذر به، فنباهي الأستاذ بشر بما نعلم، وإذن فلست أجهل حديثي هذا إلا للقراء وحدهم لأضع به عن نفسي أمانة العلم. . . حتى إذا ما الصباحُ لاحَ لهم ... بيَّن ستُّوقَهم من الذهب (١) والناس قد أصبحوا صيارفة ... أعلم شيء بزائف النسب فأستأذن القراء وأستغفرهم، فأنا امْرُؤٌ لا يحب أن ينصب نفسَه لمَن هو عنده نفسُه أكبرُ من نفسه والسلام. ابن شُبرمة ! ! وما دمنا في حديث أمانة العلم، فقد رأيت أن الأستاذ المحقق "بشر فارس" روى خبرًا عن ابن شبرمة القاضي قدمناه آنفًا وهو: "ذهب العلم إلا غبارات في أوعية سود". وقد رأيت صاحب العقد الفريد (ج ١ ص ٢٠٥ طبعة بولاق أيضًا! ) قد أورده بهذا النص عينه، وهو يبدو لنا نصًا عربيًا مظلم النور. وتحرير رواية الخبر: "ذهب العلم إلا غُبَّراتٍ في أوعية سوء" بضم الغين المعجمة وفتح الباء المشددة. والغبّرات جمع غبّر، وهو آخر الشيء وعقابيله وما يبقى منه. يريد ابن شبرمة: أن العلم لم يبق منه إلا قليل قد وقع في صدور رجال من الفخار والخزف لا تضئ ولا تقبل الضوء. وقد ورد هذا الحرف (غبرات) في حديث عمرو بن العاص يقول لعمر بن الخطاب: "إني والله ما تأبّطتني الإماءُ، ولا حملتني البغايا في غبّرات المآلي".

стр. 149

والمآلي خرق للنساء يكون فيها الدم، وغبّراتها بقايا الدم. ومن ذلك أيضًا قول أبي كبير الهُذَلي يصف ابن زوجته تأبط شرًّا الشاعر الفاتك: حَملتْ بِهِ في ليلةٍ مَزْؤودةٍ ... كرْهًا وعقدُ نِطاقِها لم يُحللِ (١) فأتتْ بِهِ حُوشَ الفؤاد مبطنًا ... سُهدًا إذا ما نام ليل الهَوْجَل (٢) وَمُبرَّأ من كل "غُبّر حَيْضة" ... وفساد مرضعة، وداءٍ مُغْيل (٣) فهذا تحقيق رواية الخبر على التحرير والدراية، فمن كانت عنده نسخة من (العقد الفريد طبعة بولاق! ) فليصححه

стр. 150

من مذكرات ابن أبي رَبيعة الحقيقة المؤمنة " قال عمر بن أبي ربيعة". . . فبادرت أعدو يكادُ ينشقُّ عليَّ جِلْدى من شدَّة العَدْو، فقد أَكلتْ مني السنُّ وتعرَّقتْنى (١) أَنيابُ الكِبَر؛ فما جاوزت رَوْضة قصر أمير المؤمنين حتى تقطعت أنفاسي من الجهد، وتلقاني الآذِنُ: ما عدا بِكَ يا أبا الخطاب؟ فقلت: إِيذَن لي على أمير المؤمنين [هو الوليد بن عبد الملك]، فقد نزل بنا ما لا ردَّ له، وتبعتُه. . . والله إِنَّ فرائصي لتُرْعدُ وكأني محمومٌ قد جرت عليه هبَّةُ ريح باردة. . . وغاب الآذنُ: فما هو إلا أمير المؤمنين يستقبلني كالفزِع، وقد خرج إليّ فقال: أي شيء هو يا ابن أبي ربيعة؟ قلت: والله ما أدري يا أمير المؤمنين، فما كان إلّا ومحمد بن عروة [بن الزبير] تحت سناكبها، فما زالت تضربه بقوائمها، وما أدركناه إلا وقد تهشم وجهه وتحطمت أضلاعه! ! . وكأنما فارقتني الروح، فما أشعر إلا وأمير المؤمنين قائم على رأسي ينضح الماءَ على وجهي، وقد قُرِّبتْ إليَّ مَجْمرَةٌ يسطعِ منها ريح المندَلِ الرطِب، فلما أفقتُ ورجَعَتْ إليّ روحي سألني أمير المؤمنين أن أقصَّ عليه الخبرَ. . . قلت: خرجنا أنا ومحمد بن عروة وهشامٌ أخوه نريد منزلنا من قصر أمير المؤمنين، نرجو أن نتخفَّف من بعض ثيابنا، فقد أنهكنا الحرُّ. . . فنظر محمد إلى مرآةٍ من فِضِّة مُجلوّةٍ معلقةٍ في البيت، ثم قال: أتذكُر يا أبا الخطاب حَجَّتنا تلك قلت: أيَّتهنَّ؟ فقد أكثرتَ وعمَّك الحجَّ، فقال: سرعان ما نسى الشيخ، لقد كبرت والله يا أبا الخطاب! وقد حدثني أبي بالذي كان منك، فقد كنت تسايره

стр. 151

وتحادثه، فلم تلبث أن سألته: وأين زينُ المواكب (١) يا أبا عبد الله؟ فقال لك: أمامَك، فأردت تركضُ راحلتك تطلبُني، فقال لك: يا أبا الخطاب، أوَ لسنا أكفاءً كِرامًا لمحادثتك، ونحن أولَى أن تسايرنا، فقلت له: بَلَى، بأبي أنت وأمي يا أبا عبد الله! ولكني مُغرًى بهذا الجمال اتّبعهُ حيث كان، ثم عدلتَ بِراحلتك وضربتها وأقبلتَ إليَّ، وجعل أبي يتعجب منك وَيضحك، وقد استنار وجهه. . . إحدى سوآتك هي والله يا أبا الخطاب. . . فضحكت لقوله وتناقلنا الحديث وإذا هو ساكنٌ ساجٍ كأنما غشيَته غاشية همٍّ، فقلت: ما بك يا محمد؟ فزفر والله يا أمير المؤمنين زفرة كأنما انشقت لها كبدي، ثم قال: أرأيت هذا الجمال الذي تبعته يا أبا الخطاب، يوشك أن يكون طعامًا يلحسه تراب القبر فما ترى إلا عظما أغبر من جمجمة تقذف الرعب من محجريها. لقد روَّعني والله يا أمير المؤمنين حتى تطيَّرتُ وما بي الطيرَة، فأردت أن أصرفه عن بعض وهمه أن يكون الصيف قد أوقد عليه حرّه فحيّره. فانطلقنا جميعًا [يعني هو وهشام ومحمد] إلى سطح البيت نستظل بظلته ونستروح النسمات وأقبلنا نضحك ونعبث ونلهو من بعض اللهو، وإذا طائر يحوم يصفق بجناحيه ثم رنّق فكسرهما من الإعياء ثم سقط ثم درج ثم اضطرب قد كاد يقتله الظمأ. فجرى إليه "محمد" ليأخذه فَيبُلّ ظمأه. فخفّ الطائر فهوى إليه محمد ليدركه، فما نرى والله محمدًا .. قد اختطفه أجَله فجذبه فهوى به إلى اصطبل الدواب، فيقعِ بينها فيثيرها فتهيج، وإذا "زين المواكب" تحت سنابكها تضربه، فما أدركناه والله يا أمير المؤمنين إلا جثة قد ذهب رأسها، وما نرى إلا الدم. . . رحمة الله عليه، لقد. . . قال أمير المؤمنين: إنا لله وإنا إليه راجعون، وإنا لله وإنا إليه راجعون، فكيف نحتال لهذا الأمر يا ابن أبي ربيعة؟ قلت: فيم الحيلة يا أمير المؤمنين وقد ذهب القدر بما يُحتال له! فقال: أههنا أنت يا عمر، نمت وسار الركب، هذا أبوه أبو عبد الله شيخ كبير يوشك أن يصاب في نفسه، قلت: يا أمير المؤمنين، هذا

стр. 152

مصابه في ابنه، فما مصابه في نفسه إلا أن يكون الخبر إذ يبلغه؟ وسأحتال له. قال أمير المؤمنين: مهلًا يا عمر، لقد علمت أن أبا عبد الله [عروة بن الزبير بن العوام] كان قد اشتكى رجله وما زال يشتكي، فبينا نحن الساعة جلوس إذ دخل علينا "أبو الحكم" الطبيب النصراني، فاستأذنت أبا عبد الله أن يدَع "أبا الحكم" حتى يرى علة رجله، فما راعنا إلا "أبو الحكم" يقول إنها الأُكلة، وإنها قد ارتفعت تريد الركبة، وإنها إذا بلغت الركبة أفسدت عليه جسده كله فقتلته، فما بُدٌّ من أن تقطع رجله الساعة خشية أن تدب الأكلة إلى حيث لا ينفع القطع ولا البتر. فوجَمتُ والله لهذا البلاء، وقد اختلف به القدَر على شيخ مثل أبي عبد الله في إدبارٍ من العمر، وأخذ أمير المؤمنين بيدي وقام. فدخلنا مجلس الخلافة وإذا وجوه الناس قد جلسوا إلى عُرْوة أبي عبد الله يواسونه ويصبّرونه ويذكرونه بقدَر الله خيره وشرِّه، وإذا فيهم سليمان بن عبد الملك أخو أمير المؤمنين، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم بن محمد، وعبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وقد حضره ولده هشام فأرَمَّ (١) قد انتُسف لونه من الحزن على أخيه والرحمة لأبيه. وأقبل أمير المؤمنين وأنا معه على عرْوة، فتفرق الناس إلى مجالسهم، وإذا عُرْوة كأنْ ليس به شيء، يرفُّ وجهه كأنه فِلْقة قمر وهو يضحك ويقول: لقد كرهت يا أمير المؤمنين أن يقطعوا مني عضوًا يَحط عني بعض ذنوبي، فقد حُدّثنا أن أبا بكر قال: يا رسول الله كيف الصلاح بعد هذه الآية ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، فكل سوءِ عملناهُ جزينا به، فقال رسول الله ﷺ : غفر الله لك يا أبا بكر؛ ألستَ تمَرضُ؟ ألستَ تَنْصَبُ؟ ألست تحزَن؟ ألست تصيبك الَّلأْوَاءُ (٢)؟ قال: بلى يا رسول الله. قال ﷺ : فهو ما تُجزَون به، فإن ذاك بذاك. لَوَدِدْت يا أمير المؤمنين أنها بقيتْ بدائها فهي كفَّارةٌ تحتُّ الذَّنْبِ.

стр. 153

قال أمير المؤمنين: غفر الله لك، غفر الله لك، وما أعجبُ لصبرك، فأمُّك أسماء بنت أبي بكر الصديق "ذات النِّطاقين" وأبوك حَوَاريُّ رسول الله ﷺ وابن عمته الزبير بن العوام، فرضى الله عنك وأرضاك يا أبا عبد الله. فما كدنا حتى أقبل أبو الحكم، وهو شيخ نصرانيٌّ طويل فارعٌ مَشبوحُ (١) العظام، قد تخدَّد لحمه، أحمرُ أزْهرُ أصلع الرأس إِلا شعرات بيضًا قد بقيت له، كثُّ اللحية طويلها، لو ضربتها الريح لطارت به؛ ودخل أبو الحَكَم وراء لحيته وهي تسعى بين يديه، حتى وقف على عروة بن الزبير فقال: لابدّ مما ليس منه بُدٌّ يا أبا عبد الله، وإني والله لأرحَمك وأخشى أن يبلُغ منك الجهد، فما أرى لك إلا أن نسقيك الخمر حتى لا تجد بها ألم القطع. قال عروة: أبْعَدَكَ الله من شيخ، وبئس والله ما رأيت! إنا والله ما نحبُّ أن يرانا الله بحيث نستعين بحرامه على ما نرجو من عافيته! قال أبو الحكم: فنسقيك المُرْقِدَ (٢)، يا أبا عبد الله! قال عروة: ما أحبُّ أن أُسْلَبَ عضوًا من أعضائي وأنا لا أجد أَلَم ذلك فأحتسبه عند الله. قال أبو الحكم: وقاك الله يا أبا عبد الله! لقد ألنت منا قلوبًا كانت قاسية؛ ثم التفت (أبو الحكم) إلى رجال سود غِلاظ شداد قد وقفوا ناحية فقال: أقبلوا، فأقبلوا. . . فأخذتهم عينُ عروة فأنكرهم فقال: ما هؤلاء؟ فقال أبو الحكم: يمسكونك، فإن الألم ربما عزب (٣) معه الصبر، قال عروة: أما تُقلع أيها الشيخ عن باطِلك، انصرفوا يرحمكم الله، وإني لأرجو أن أكفيكم ذلك من نفسي، ولا والله ما يسعني أن هذا الحائط وقاني أذاها فاحتمل عني ألمها. أقبل يا أبا الحكم، وخذ فيما جئتَ له ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾.

стр. 154

فرأيت أبا الحكم وقد برق وجهه وتوقد كأنما أسلم بعد كفر، ثم نشر درجًا كان في يده وأخرج منشارًا دقيقًا طويلًا صقيلًا يضحك فيه الشعاع ووُضع الطست ومَد أبو عبد الله رجْله على الطست وهو يقول: باسم الله والحمد لله وسبحان الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾. تقدم يا أبا الحكم فقد احتسبتها لله. فما بقي والله أحدٌ في المجلسِ إلا استَدارَ ودَفَنَ وجههُ في كفيه، وبكى القوم فَعَلَا نشيجهم، وإن عرْوةَ لساكن قارٍّ ينظر إلى ما يرادُ به، وكأنما مَلَكٌ قد جاء إلى الأرض يستقبل آلامها بروح من السماء. ووضع أبو الحكم منشاره في اللحم إلى العظم، وإن عروة لصائم يومه ذاك، فما تضور وجهه ولا تقبض، والمنشار يأكل في عظمه الحي، وما يزيد على أن يهلل ويكبر ويسبح الله، وكأن الدار والله قد أضاء جوها كأنه شعاع ينسكب من تهليله وتكبيره، ودخل رجال يحملون مغارف من حديد يفور منها ريح الزيت وقد غلى فيها على النار، ودنوا فما هو إلا أن فرغ أبو الحكم وقد فار الدم منها وتفجر مثل الينبوع، فأخذها أبو الحكم يغمسها في الزيت فيسمع نشيشها فيه حتى حسم الدم. وإذا عروة قد غشى عليه، وإذا وجهه قد صفِر من الدم، وقد نجِدَ (١) فنضح وجهُه بالعرق، ولكنه بقي مشرقًا نيرًا يرفُّ كأنه عَرارة (٢) تحت الندى. قال أبو الحكم: ما رأيت كاليوم يا أمير المؤمنين إنه الرجل، وإنها الحقيقة المؤمِنة، وإن إيمانه ليحوطه ويثبته ويسكنه وينفض عنه الجزع، ثم التفت إلى عروة يقول: جزاك الله خيرًا يا أبا عبد الله، لأنت والله تمثال الصبر في إهاب رجل. وما لبثنا، حتى إذا أفاق أبو عبد الله جلس يقول: لا إله إلا الله والحمد لله، ويمسح عن وجهه النومَ والعرق بكفيه، وينظر فيرى قدمه في يد رجل يهم أن يخرج بها فيناديه: على رِسْلِك أيها الرجل، أرنى ما تحمل؛ فيأخذ قدمه في يده فيرنو إليها وقد سكن وحرّك شفتيه. ثم يقلبها في يده ثم يقول لها: أما والذي

стр. 155

حملني عليك، لقد علمتِ أني ما مشيت بك إلى حرام ولا معصية، اللهم هذه نعمة أنعمت بها عليّ ثم سلبتنيها أحتسبُها عندك راضيًا مطمئنًّا إنك أنت الغفور الرحيم. خذها أيها الرجل؛ ثم أضاءَ وجهه بالإيمان والصبر عن مثل الدرة في شعاع الشمس. . . . قال أمير المؤمنين: غفر الله لك يا أبا عبد الله، وإن في الناس لمن هو أعظم بلاءً منك، يا عمر [يريد عمر بن عبد العزيز]، ناد الرجل من أخوالي [يعني من بني عَبْس] فيقبل عمر ومعه رجلٌ ضريرٌ محطومُ الوجهِ لا تُرى إلّا دمامته، فيقول لهُ أمير المؤمنين: حدّثْ أبا عبد الله بخبرك يا أبا صعصعة، فيلتفت الرجل إلى عُرْوة ويُقبل عليه فيقول: ابنَ الزُّبير، قد والله لقيتَ البلاءَ، يا فقيه المدينة وابن حواري رسول الله ﷺ . وإني والله محدثك عني بخبري عسى أن يرفع عنك: فقد بتُّ ليلة في بطن واد، ولا أعلم عَبسيًّا في الأرض يزيد ماله على مالي، فطرقنا سيلٌ جارفٌ كأنه الطوفان، يتقاذف بين يديه موجًا كالجبال، فذهب بما كان لي من أهل ومال وولد إلا صبيًا مولودًا وبعيرًا نِضوًا ضعيفا. فندَّ البعيرُ يومًا والصبي معي، فوضعته واتبعت البعير أطلبه، فما جاوزت ابنى قليلًا إلا ورأسُ الذئب في بطنه قد بعجها بأنيابه العُصل فاستل أحشاءه، وإن الصغير ليصرخ، ويركض برجليه الأرض، فكدت والله أسوخ في الأرض مما رأيت، ولكني ذكرت الله واستعنته واحتسبتُ الصغير فتركته لقدر الله واتبعت البعير، فهممت آخذ بذنبه وقد أدركته، فرمحني رمحة حطم بها وجهي وأذهب عينيَّ، فأصبحت لا ذا مال ولا ذا ولد ولا ذا بصر، وإني أحمد الله إليك، يا أبا عبد الله، فاصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور. قال عُروة: لقد أفضل الله عليك يا أبا صعصعة وإني لأرجو لك الجنة. قال عمر بن أبي ربيعة: وألاح إليَّ أمير المؤمنين أن أقبل، فدنوت إليه فأسرَّ إليّ: إن أردت الحيلة فقد أمكنتك، فاذهب إلى أبي عبد الله فانْعِ إليه ولده "زين المواكب"، قلت: هو والله الرأي يا أمير المؤمنين، ثم مضيت إلى عروة وقد غلبتني عيناي بالبكاءِ.

стр. 156

فلما قاربته قلت: عزاءك يا أبا عبد الله؛ قال عروة: فيم تعزيني يا أبا الخطاب؟ إن كنت تعزيني برجلي فقد احتسبتها لله، قلت: رضى الله عنك، بأبي أنت وأمي، بل أعزِّيك "بزيْن المواكب"، فدهش وتلفَّت ولم ير إلا هشامًا ولده، فرأيت في وجهه المعرفة ثم هدأ فقال: ما لَهُ يا أبا الخطاب؟ فجلست إليه وتحلّق الناس حوالينا وتكنَّفُونا، وأخذت أحدِّثه بشأنه، ووالله ما يزيد على أن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، إنّا لله وإنا إليه راجعون، فلما فرغت من خبري ما زاد على أن قال: وكنتُ إذا الأيامُ أحدثنَ هالكا ... أقول شوًى ما لمْ يُصبنَ حَميمي (١) ثم رفع وجهه إلى السماء وقد تندّت عيناه ثم قال: اللهم إنه كان لي أطراف أربعة فأخذت واحدًا وأبقيت لي ثلاثة، فلك الحمد فيما أخذت وأبقيت، اللهم أخذت عضوًا وتركت أعضاء، وأخذت ابنًا وتركت أبناء، وأيْمُ الله لئن كنت أخذت لقد أبقيتَ، ولئن ابتليت لطالما عافيت، سبحانك ربنا إليك المصير. قوموا إلى جهار أخيكم يرحمكم الله، وانظروا لا تكون عليه نائحة ولا مُعْوِلة فإن رسول الله ﷺ نهى عن النياحة، ومُرُوهنَّ بالصبر للصدمة فإن رسول الله ﷺ أتى على امرأة تبكى صبيًّا لها فقال لها: اتقي الله واصبري، فقالت: وما تبالي بمصيبتي! فلما ذهب قيل لها: إنه رسول الله ﷺ ، فأخذها مثل الموت، فأتت بابه فلم تجد على بابه بوابين فقالت: يا رسول الله لم أعرفك، فقال ﷺ : إنما الصبر عند أول الصدمة. وجزاك الله خيرًا عني وعن ولدي يا أمير المؤمنين، ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.

стр. 157

غُبَّرات لا غُبارات قال شيخُنا أبو عثمان الجاحظ في "كتاب الحيوان" يذكر ما يعرض للكِتابِ المنسوخ من آفات الناسخين: ". . . . ثم يصيرُ هذا الكتاب بعد ذلك لإنسان آخر، فيسير فيه الورّاقُ الثاني سيرةَ الورَّاق الأوّل، ولا تزال تتداوله الأيدى الجانية، والأعراض المفسدة، حتى يصير غَلَطًا صرفًا وكذِبًا مُصْمتًا. فما ظنكم بكتاب يتعاقبه المترجمون بالإفساد، وتتعاوره الخطّاط بشرٍّ من ذلك أو بمثله. . .، كتاب متقادِم الميلاد، دهري الصنعة". ولم يزل أئمتُنا وعلماؤنا وأصحاب العقل من شيوخنا، يردُّون الكلام المنقول المكتوب إلى العقل -بعد التحري للفظه المكتوب- اتِّقاءً لما عرفوه من تحريف الناسخين، وانتحال المبطلين وغفلة الجاهلين. ونحن إنما نمضي على سنتهم -إن شاء الله- ولا نقف عند القول نخرُّ عليه تعبُّدًا لحرفه، وخضوعًا لنصِّه. ولئن فعلنا لمحق الله منا نصف العقل وبقى النصف الآخر متردِّدًا بين قال فلان وكتب فلان. . . . وعلى ذلك، فقد صححنا قول ابن شبرمة في رواية صاحب العقد الفريد في العدد (٣٤٧) من الرسالة، فجعلناه "ذَهَبَ العلم إلا غُبَّرات في أَوْعية سوء"، ورفضنا نص العقد وهو: "إلَّا غبارات". ثم رأيت في البريد الأدبى من الرسالة (٣٤٩) كلمة الدكتور بشر فارس يردّ ما ذهبنا إليه بثلاثة براهين نثبتها بالترتيب من تحت إلى فوق: الأول: أن الحرف (غبارات) قد وَرَدَ كذلك في جميع نسخ العقد الفريد المطبوعة، وكذلك في مخطوطة منه بدار الكتب يُظَنُّ أنها كتبت في القرن السادس.

стр. 158

الثاني: أن هذا النص يصح لغة وأداءً وبيانًا. وإذا صحّ كذلك فمن الاستبداد أن يُرَدّ على الهوَى. الثالث: مخالفة نهجنا في ذلك لنهج علماء الفرنجة (المستشرقين). وجوابنا على الترتيب من تحت إلى فوق: إننا أَدْرَى بأساليب هؤلاء الأعاجم -الذين اتخذوا العربية عملًا من أعمالهم- من أن نخالفهم في الجيّد من مذاهبهم، فتحرير النص ومراجعته على جميع النسخ التي ذكر فيها وما إلى ذلك، عملٌ ضرورىٌّ لكل باحث. ولكن هؤلاء الأعاجم تقعد بهم سلائقهم عن معرفة أسرار العربية، فلم يتجاوزوا الوقوف عند النص المكتوب، وذلك لعجزهم عن بيانها. فلما عرفوا ذلك من أنفسهم، كان من أمانتهم أن يتوقفوا، فلا يقطعون برأي في صواب أو خطأ. وهي أمانة مشكورة لهم. ولكن العربيّ إذا أخذ بأسبابهم، فلابُدَّ له من أن يهتدى بعربيته إلى ما عجزوا عنه بأعجميتهم، فكذلك فعلنا في كلمة ابن شبرمة وقلنا "إنه نصٌّ عربيٌّ مُظلم النور". وبيان ذلك أنه ليس من قياس العربية أن يجمع "غبار" على "غبارات" ولا غيرها من الجموع، وأن ابن شبرمة لم يُردْ تحقيرَ العلم نفسه فيجعل ما بقي منه "غبارًا"، وإنما أراد أنه بقي من العلم شيء هو من صحيح العلم، ولكنه وقع في صدور رجال من أهل الباطل يفتونَ الناسَ، يضِلّ بهم من يضِلُّ إذ يحسبونهم لا ينطقون بباطل ما داموا أصحاب فقه ودين وعلم. ولم تكن الشهادات وألقابها عُرِفتْ لعهد ابن شبرمة حتى تكون هي التي تقدر العلماء وتميزهم للناس، وإنما كانوا يتميزون بالعلم، فإذا لم يكن عندهم علم لم يعدهم الناسُ في العلماء. ثم إن الغبارَ لا يمكن أن يُوكى (١) عليه في وعاء حتى يصح أن يجعل -ما أغلقت عليه صدورهم من بقية العلم- غبارًا. فلو صح نص العقد لكان المراد تحقير العلم وأصحابه جميعًا.

стр. 159

وأخيرًا، فنحن نرفض نص العقد من جهة بيان العربية وتحريرها، ونقول: إنه لا يصح أن يروى إلا هكذا: "ذهب العلم إلا غُبَّرات في أوعية سوء". وإذا كان الدكتور بشر أو غيره يريد أن ينحاز إلى رأينا بنص آخر. فلا بأس علينا أن ندله عليه فقد روى ابن عبد البر في كتابه "جامع بيان العلم وفضله" -المطبوع في سنة ١٣٤٦ عن نسختين قديمتين: إحداهما للإمام الشيخ الشنقيطي وعليها خطه في الجزء الأول منه (ص ١٥٣ سطر ٦) بإسناده إلى محمد بن سيرين (وليس ابن شبرمة) قال: "ذهب العلم فلم يبق إلا غبرات في أوعية سوء". فهذا نص، وهناك نصوص غيره؛ فمن شاء أن يبحث فليبحث، ونصيحتنا إلى من عنده نسخة من العقد -أي الطبعات كانت- فليصححها بالذي أثبتناه، وما سوى ذلك، فهو -كما قال- أبو عثمان: غلط صرف وكذب مصمت. . . والسلام.

стр. 160

العودة إن بعض الحوادث في حياة الرجل لتنزل منزلة الآية المحكمة: تنسخ ما كان قبلها، ثم يأتي بعضها كالقنبلة: تخسف الأرض أمامه فلا يرى إلّا هوةً وغبارها، فإذا تلاحقا لم يدر المرءُ ما يستدبرُ من أمره ولا ما يستقبل، وإنما هو الحيرة والضلال والرُّعبُ، والتردّي كلما أقدم أو أحجم. . . بَلَى، إن علينا أن نصارع الحياة بالقوة، وأن نداورها بالحيلة، حتى نخلص إلى الأرض المطمئنة، ولكن هل يستطيع أحدنا بعد ذلك أن يصل إلى هذه الأرض؟ لولا أن اليأس هو باب الموت، لكان هو -في الحقيقة- إحدى الراحتين. . . كتب ولنعُدْ. . . أصدرت المطابع المصرية في الأسابيع الماضية طائفة كثيرة من الكتب العربية، بعضها لأصحابنا من المعاصرين، وبعضها مما أنقذه المعاصرون، من المكتبة العربية المدفونة في خزائن الكتب، فنحن نختار من هذه الكتب ثلاثة يجرى الحديث فيها مجرى واحدًا في الغرض الذي نرمى إليه، وهي كتاب: "التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية" وهو دراسات لكبار المستشرقين مثل: بِكَر، وجولد تسيهر، ونلينو، ومايرهوف. ترجمها إلى العربية الأستاذ عبد الرحمن بدوي، وكتاب "الرسالة" لإمام المذهب محمد بن إدريس الشافعي. نشره العالم المحدِّث الثقة الشيخ أحمد محمد شاكر، وكتاب "الذخيرة" لأبي الحسن علي بن بسام، نشرته كلية الآداب مستعينة بمراجعة الأساتذة محمد عبده عزام، وخليل عساكر، وبخاطره الشافعي؛ وأشرف على عملهم أساتذة الجامعة: أحمد أمين، ومصطفى عبد الرازق، وعبد الحميد العبادي، وعبد الوهاب عزام، وطه حسين. وهذه الكتب الثلاثة لا يجمَعُها بابٌ واحدٌ من حيث موضوعها، فالأول آراء للمستشرقين في فروع من الحضارة العربية والآراء الإسلامية، ورسالة الشافعي هي

стр. 161

أصل علم "أصول الشريعة". والثالث في تاريخ الأندلس، وشعرائها، وبلغائها، وكتابها. فالذي حملنا على جمعها في باب واحد من كلامنا هو الرأي في المستشرقين، وما يجب علينا أن نتابعهم عليه، وما ينبغي لنا أن نحذره منهم. المستشرقون فقد قرأت مقدمة كتاب "التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية" -كتبها الأستاذ "بدوي" بحرارة الشباب التي تتضرم في دَمِه، وجعل يتهدّمُ فيها على التُّراث العربيّ بآراء كالمعاول: تضربُ في الجِذع بعد الجذع على غير هُدًى ولا كتابٍ منير. فلما توغلت في الكتاب رأيت أن آراء المستشرقين- الذين ترجَمَ لهم كلامهم -هي التي وضعتْ في يديه هذه الفأسَ ليعمل بها، ونحن لا نرى أن مثل ذلك مما يُضر بالتراث الإسلامي بشيء، ولكنا نرى أنه يُضرُّ بأصحابه والعاملين عليه أوّل، لأنه يأكل قواهم في شيء لا يمكن أن ينال منه شيءٌ ﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾، والمُشْكلة كلُّها هي فتنَةُ أكثر الناس بأسماء المستشرقين، وأن ما يكتبون في التاريخ الإسلامي والعربي ينزل من قلوب كثير من شبان الجامعة وغيرهم منزلة الكلام القُدْسي: تحريف معانيه إبطال لقوة "الاستشراق" التي فتنتهم. ونحن -حين قرأنا بعض آرائهم التي ترجمها الأستاذ "بدوي"- وجدناها عملًا صالح المذهب من ناحية مَدْرَجِه، وأما من ناحية التحقيق العلمي، والغاية التي يرمي إليها، فهو عمل غير صالح. فكان هذا الذي عرفناه هو الذي دفعنا أن نخصص هذه الكلمة للكتب الثلاثة المذكورة آنفًا، ولمذاهب المستشرقين في تناول الكتب العربية القديمة بالتحقيق لنشرها، ثم مذاهبهم خاصة فيما يعالجون من تاريخ الفكر الإسلامي أو الحضارة الإسلامية. وليس غرضنا هنا أن نعرض لنقد شيء بعينه من آرائهم، وإنما نريد أن نثبت لهم حقهم الذي وجب لهم بما بذلوه من جُهْدٍ، ونحذر شبَّاننا من الافتتان بباطل من باطلهم. وينقسم أمر المستشرقين كما ترى إلى عملين: أحدهما عملهم في الكتب العربية القديمة التي نشروها من بدءِ توجههم إلى هذا الغرض، والآخر ما كتبوه

стр. 162

من دراساتهم في الآثار العربية، وما أرّخوه من تاريخ الإسلام، وتاريخ آرائه ومذاهبه العلمية والفلسفية. نشر الكتب العربية فالمستشرقون حين بدأوا فنشروا الكتب العربية القديمة لم يقَصِّروا في بذل المال والوقت لاستجلاب الأصول التي يطبعون عنها هذه الكتب، ثم يتفرغ أحدهم لمقارنة الأصول بعضها ببعض، وإثبات الاختلاف بين النسخ الكثيرة التي تقع لهم، وتحرير ذلك بالحرف والنقط والشكل على ما هو عليه في أصل من الأصول، وأمانتهم في إبقاء المحرّف على تحريفه والخطأ على صورته. . . إلى غير ذلك من الدقة والأمانة في إعطاء القارئ صورة كاملة في نسخة واحدة من الكتاب المطبوع لعدة نسخ مختلفة متباينة من الأصول المخطوطة. حتى إنهم ليثبتون في "الهامش أو الاستدراك" ما هو خطأ بيِّنٌ لا يصح على وجه من الوجوه، وإنما هو جهلُ ناسخٍ وإفسادُ كاتبٍ، ثم لا يعطونك رأيًا يرجِّحون به لفظًا على لفظ. . . وحتى إنهم ليثبتون الخطأ الصرف في صلب الكتاب ويكون صوابه في الاستدراك، وحجتهم في ذلك أنهم يعتمدون أقدم النسخ عندهم، يطبعونها كما هي، وأما اختلاف سائر النسخ فهو من حق المستدرك وإن كان هو الصواب الذي لا صواب غيره. وهذا -على علاته- عمل جيد وأمانة صحيحة. ثم جاءتنا هذه المطبوعات في بلادنا على فترة جهل وإهمال، وعلى زمن كلُّ أصحاب المال الذين ينشرون الكتب فيه، إنما هم عامة لا يعنيهم إلا الربح من طبع الكتب حروفًا قد جُمع بعضها إلى بعض على غير نظام ولا تحرير ولا فن. فلما قارن بعضنا هذا بهذا ونحن عرب وهم أعاجم لا يعينهم من عربيتنا ما يجب أن يعنينا، انبثق بثق الفتنة، ومجد الناس همة هؤلاء المستشرقين الأعاجم -وحقَّ لهم- وجعل جماعةٌ ممن لُبِّس عليهم يدفعون القول بعد القول في تعظيمهم والمغالاة فيهم بغير الحق. . . ثم مضى ذلك وانسحب التبجيل على آرائهم في الفكر الإسلامي والتاريخ العربي كما انسحب على أعمالهم في نشر الكتب. . . وأين هذا من ذاك؟

стр. 163

ثم انبثقَ بثقٌ آخر، فظن بعضُ المغالين أنّ المذهب الذي سلكه المستشرقون في التصحيح، هو المذهبُ لا مذهبَ غيره، وجعلوا يَنْعَونَ على مَنْ يخالفهم من أصحاب اللسان العربي في طريقة نشر الكتب العربية. ومع ذلك فهم على الحق في بعض ما يقولون، ولكنه ليس كل الحقّ، فإن المستشرقينَ لم يذهبوا هذا المذهب، ولم يقفوا هذا الموقف من اختلاف النُّسخ، إلا لعجزهم عن ترجيح بعض الكلام العربيّ على بعض، وذلك لعِلَل بيّنة: أولها جهلهم بالعربية على التمام، فإن تمامَ العربية هو السليقة التي لا تكتسب، كما أن تمام الإنجليزية والفرنسية هو السليقةُ والنشأة والاندماج في الوسط الإنجليزي أو الفرنسي من بدءِ المولد والحضانة، والثاني أنه قَلَّما يوجد فيهم المتخصص في فقه علم بعينه حتى يكونَ حجّة فيه، اللَّهمَ إلَّا أن تكونَ الحجة -عندهم- في جمع نصوص كثيرة في موضوع واحد من كتب شتى، ولكنهم لا يدّعون أبدًا أنهم أصحاب رأي في البيان والتأويل والترجيح. رسالة الشافعي ويجب أن نضرب المثل هنا "برسالة الشافعي" التي طبعها العالم الجليل الشيخ أحمد محمد شاكر، فهو طبعها عن أصول مخطوطة ومطبوعة، وأقدمها نسخة بخط الربيع بن سليمان تلميذ الشافعي وراوي كتبه. فالأستاذ الشيخ شاكر حجة في علم الحديث النبوي، وفقيهٌ مُتْقِنٌ للسنة التي هي أصل من أصول الدين، فلمّا تناولَ "الرسالة" يُعدّها للطبع لم يترُك شاردة ولا هائمةً من اللفظِ إلا رَدَّها إلى مكانها من عربية الشافعي وأصوله التي في كتبه، وأثبت الاختلاف ورجح بعضه على بعض، وعمل في ذلك عمل العقل المفكّر بعد أن ضبط كل اختلاف رآه إلى غير ذلك من أبواب التحرير والضبط. فإذا أنت قرأت الأصل دون التعليق رأيته قد سلم من كل عيب، وصار بيانًا كله، بعد أن كان في الطبعة الأولى من "الرسالة" شيئًا متخالفًا يتوقف عليه البصير، فما ظنك بسائر الناس ممن يقرأ وليس له في هذا العلم قديم معرفة أو مشاركة؟ وأنت إذا قارنت هذه الرسالة بأي كتاب من الكتب التي أتقنها أصحابُها من ثقات المستشرقينَ، وجدت الفرق

стр. 164

الواضح، وعرفت فضل العربي على الأعجمي في نشر الكتب العربية، إذا هو حمل أصولها على أصول الفقه والدراية والتثبت، ولم تخدعه فتنة برأي لعل غيره أقوم منه وأجود. وأنا أذكر بهذه المناسبة أن الأستاذ قد أرسل إليّ في (إبريل سنة ١٩٣٢) يسألني عن كلمة وردت في حديث من مسند أحمد بن حنبل، ولم أكن قرأتها قبل ذلك، فكتبت إلى الرافعي ﵀ أسأله عنها وعرضت له ما رأيت من رأي، فخالفني الرافعي، ثم لم تمض أيام حتى وجدت في الطبري ما يوافق بعض رأيي أو يدل عليه، وأبى الرافعي أيضًا. ثم لم ألبث أن وجدت نصًا بعينه على الذي رأيت، وهذا الكلمة هي في الحديث. . . "رجل قد جرد نفسه، قد (أطَّنها) على أنه مقتول)، فرأيت أن قراءتها: "أَطَّنَها" والهمزة فيها منقلبة عن الواو فهي "وطنها" وكذلك وردت في الطبري، ولكن أصحاب كتب اللغة لم يثبتوا ذلك في كتبهم كما أثبتوا "وكَدَّ وأكَّدَ، ووثل وأثل" إلى غير ذلك. فأنت ترى أن الطبع والسليقة ربما هدت إلى ما لا يقع إلا بعض طول التنقيب والبحث والتجميع. الذخيرة وهذا أيضًا كتاب "الذخيرة" فإن الجهد الذي بذل في تصحيحه وضبطه على الأصول المخطوطة التي طبع عنها وبيان اختلاف النسخ، قد أوفى على الغاية، وقلَّ من المستشرقين من يستطيع أن ينفذ إلى إجادة مثله في التحرير، ومع ذلك فقد وقع فيه بعض ما كان يمكن تجنبه، لولا أن الأساتذة المصححين قد تهاونوا في تحطيم أسلوب المستشرقين الأعاجم، في التوقف الذي لا معنى له عند العربي ونضيف إلى هذا علة أخرى، هي أنهم ليسوا ممن تخصص لشيء بعينه من تاريخ الأندلس وأدبه، فكذلك بقي بعض الخطأ كما هو، وأُثبت على ذلك وليس له أي معنى. وترْك مثل ذلك للقارئ مما لا يصح ولا يستحسن، ولنضرب لذلك مثلًا أو مثلين: ففي ص ٨٢ ". . . . دبّروا جميعًا عليه فقتلوه ليلًا. . . ." وفي نسخة أخرى "بدروا"؛ وكلا الحرفين لا معنى له في الجملة،

стр. 165

والصواب عندي أن يكون "اندَرَأوا عليه. . . ." أي هجموا واندفعوا، ومن قرأ النص عرف أن هذا هو حق السياق، وكذلك في ص ١١٠ "وفارس ميدان البيان، وذات صدر الزمان" وفي نسخة "وأذات" وكلاهما ليس له معنى، وهو محرف عن "ودُرَّة" أو أي شيء يكون حليًا للصدر. . . ونحن لا نتتبع وإنما نقلب بعض أوراقه الآن على غير ترتيب، ومع ذلك فهو أجود بكثير من أغلب كتب المستشرقين. هذا. . .، وليس كل المستشرقين ممن يصح الاعتماد عليهم في كل شيء، فقد طبعوا كثيرًا من الكتب. . .، وأقل كتاب وأردأُه مما يطبع في مصر هو خير من مثل هذه الكتب. فلو أخذت مثلًا "كتاب الزُّهرة" لابن داود الظاهري، الذي طبعه الأستاذ "لويس نيكل" بمساعدة الأخ "إبراهيم طوقان" (*)، لوجدت أكثره خطأً، بعد الذي بذله الأستاذ طوقان في الاستدراك عليه. . . ولو شئنا أن نضرب المثال بعد المثال على ذلك لضاق المكان عن إتمام ذلك. مباحثهم أما مباحث المستشرقين فهذه هي موضوع الإشكال كله، والمستشرقون -كما لا يشك أحد- ثلاث فئات: فئة المتعصبين الذين تعلموا العربية في الكنائس لخدمة التبشير، وهم الأصل، لأن الاستشراق في أوله كان قد نشأ هنالك بين رجال الدين. . . وفئة المستشرقين الذي يخدمون السياسة الاستعمارية في الشرق العربي، وفئة العلماء الذين يظن أنهم تجرّدوا من الغرضين جميعًا. . . فأما الفئة الأولى والثانية فما نظن أكثر أقوالهم في المباحث الإسلامية إلا جانحًا إلى غرض أو مركوسًا (١) بقوله إليه، وهم أكثرية المستشرقين، ولا نظن أن كلام هؤلاء مما يمكن أن يعتمده أحدٌ إلا أن يكون مفتونًا جاهلًا. وأما الفئة

стр. 166

الثالثة، فهي أيضًا موضع الإشكال، فمن غير الممكن فيما نظن أن يتجرد هؤلاء عن الغرض الخفي الذي يدب من وراءِ الكلام؛ هذا على أنهم كما قدمنا ليسوا أصحاب سليقةٍ في فهم النصوص العربية على التحري لموضوعها، وتمامِ الفقه لمعانيها التي يتعاطونها، وإذن فمن واجب قارئ كلامهم أن يقف عند آرائهم موقف الناقد الذي لا يقبل إلا ما تقبله الطبيعة الفطرية للغة في المعاني التي يستخرجونها من الكلام. ومع ذلك أيضًا فمن عيوب هذه الفئة أنهم ربما استخرجوا قولًا ضعيفًا فاسدًا ليس بشيء في تاريخ الإسلام والعربية، ثم يكتبون وقد اتخذوا هذا القول أصلًا ثم يجرون عليه سائر الأقوال ويؤولونها إليه، ثم يحشدون لذلك شبهًا كثيرة مما يقع في تاريخ مهمل لم يمحص كالتاريخ الإسلامي، وكذلك يلبسون على من لا يعلم تلبيسًا محكما لأنه حشْد وجمع، وتغرير بالجمع والاستقصاء الذي يزعمون. وسنتناول ذلك بعد قليل بعرض بعض الآراء التي ترجمها لنا الأستاذ بدوي في كتابه لنحقق كل ذلك إلى نهايته، حرصًا على أن نحصر الفساد في أضيق محيط. العقاد وأنا لا أحب أن أختم هذا الحديث بغير مثل أيضًا. فهذا الأستاذ "العقاد"، وكلنا يعلم أنه قلما كان يتناول الأغراض الإسلامية بالتحرير والبحث، ولكنه منذ العدد الهجري للرسالة كتب مقالة عن عبقرية محمد ﷺ العسكرية، ثم عن عبقريته السياسية، فاستوفى القول في ذلك وأشبعه، ورد كثيرًا من الشبه التي كان يلبس بها الأعاجم على الأغرار من شبابنا. وليس يستطيع مستشرق أن ينفذ في فهم التاريخ العربي، والاجتماع الإسلامي، والفلسفة الإسلامية، كما يستطيع كاتب قارئ مطلع كالأستاذ العقاد. ثم هو فوق ذلك أديب عربي يستطيع أن يجعل فطرته العربية الأدبية عونًا له على التغلغل في أسرار تاريخية مطموسة، لا يطيقها المستشرق لفقدانه مثل هذه الفطرة، ثم لأن البيئة العلمية والاجتماعية التي نشأ فيها وتثقف على أساسها لا تطاوعه أو تلين معه، حتى يكون في نظره

стр. 167

إلى التاريخ العربي أو الفلسفة الإسلامية، خَرَّاجًا وَلَّاجًا على طبيعة العرب وطريقتهم في تداول معاني حياتهم، وحياة أفكارهم وفلسفتهم. ونحن نرجو ألا يخلى الأستاذ العقاد مباحثه من هذا النوع الجديد من الفكر في تاريخ تنقذف عليه كل يوم جهالات كثيرة مفسدة ليس لها أصل ولا بها قوة.

стр. 168

توطئة كتبت -في هذا الباب- منذ أسابيع بعض رأيي في الشعر والشعراء، ولم يكن همي أن أستوفي كل الرأي فيهما وليس من عملي الآن أن أفعل ذلك، وإنما هي إشارات في لمحات يأخذ بها من يأخذ، ويدعها من شاء أن يدع، وأنا أحب أن أقدم بين يدي كلامي. . . فإن بعض من يغافل نفسه عن حدود الألفاظ ومعانيها ينطلق من ورائها يمد منها بأوهامه مدَّا بعيدًا حتى يخرج بما نكتبه عن المعنى الذي نريده إلى أحلام ووساوس وخطرات يحم بها ثم يغلى ثم ينتفض. . . ثم لا يكون رأيه فينا إلا وهمًا، من فوقه وهم، من فوقه عناد، ظلمات بعضها فوق بعض. فأنا حين أهجم على الغرض الذي أريده من النقد أو البيان، لا أتلجلج دونه لما أخشاه من قالة السوء التي يوكل بها بعض من فرغ زمانه إلا من الفراغ الذي يستهلكه في اختلاق الأوهام واقعة وطائرة، رائحة وغادية، ثم هو يجلس إليها -بعد أن تفصَل عنه- ليتأملها ويملأ عينيه وأذنيه من مفاتنها وألحانها! وأنا أحب أن يعلم من ليس يعلم أني حين أكتب أكتب عن صديقي وكأن ليس بيني وبينه سبب من مودة، وأكتب عن عدوي وكأن ليس بيني وبينه دخان من غضب. . . فإذا خُيِّل لبعض من يتخيل أني أماسح صديقي أو أتلفف على عدوي فقد أخطأ، وإنما العيب منه لا منا. . . وذلك عيب علمه أن هذا عدو وهذا صديق، فيرى من وراء اللفظ ومن تحته ومن فوقه ومن بين يديه معاني ليست منه ولا تتداعى إليه، وإنما نحن نستوفي الكلام ونعطيه حقه على وجوهه في الرضا والغضب، ونأخذ أنفسنا بذلك ما استطعنا، فإن الحق في هذا الذي نكتبه هو حق القارئ لا شهوات من يكتبه؛ ثم هو بعد ذلك رأينا أصبنا أو أخطأنا، وليس علينا أن نوافق هوى قارئ لأنه هواه، بل علينا أن نجتهد له في إمحاض الرأي الذي نراه ليأخذ منه أو يدع على قدر من اقتناعه أو مخالفته؛ فهذه كلمة أوَطِّئُ بها ما بيني وبين القراء، ليسيروا إلينا ونسير إليهم في مهاد مذلَّل من الرأي والنصيحة. . . ويعتَدُّه قومٌ كثيرٌ تجارةً ... ويمنعُني من ذاك ديني ومنصِبي

стр. 169

الملاح التائه ! أمّا "الملَّاح التائه" فذاك هو الصديق الشَّاعر المهندس "علي محمود طه"، وقد عاد بعد خمس سنوات فألقى على شاطئنا ديوانه الثاني "ليالي الملاح التائه" ثم نشر شراعه ومضى. وقد أحدث ظهور هذا الديوان الجديد -في معرضه الأنيق وشعره القوي الجميل- آثارًا في توجيه أنظار الناسِ إليه وإلى صاحبه ثم إلى الشِّعر خاصة، ثم اختلف الأدباء عليه بأحاديثهم وآرائهم، ولَغَوْا لغوًا كثيرًا في الأغراض التي اشتملتْ عليها ضفتا هذا الديوان الثاني في شعر "الملاح التائه". ونحن لن نعرض لشيءٍ مما قيل في ذلك إلا كما يدرج الكلام على أغراضه بالإشارة والتنبيه والبيان على مجاز السياق. والشعر أيضًا ! ولابُدّ من أن نعود مرة أخرى للحديث عن الشعر عامةً، ليكون بعض الرأي فيه مدخَلًا للكلام عن "الملاح التائه"، فإن أكثر ما قيل -عن ديوان هذا الشاعر- إنما مردُّه إلى آراء فاسدةٍ في معنى الشِّعر، وما هو، وكيف هو؛ وإلى الجَهْل بطبيعة الشاعر وفطرته ومن أين تأتي، وأنى تتوجَّه، وكيف تجري به إلى أغراضِها على نِظام لا ينفَكُّ عنه أراد أو لم يُرِدْ. وليس يشكُّ أحد أن الشِّعْر في أصله هو معانٍ يريدُها الشاعِرُ، وأن هذه المعاني ليست إلا أفكارًا عامّةً يشتركُ في معرفتها كثير من الناس، وأنها دائرةٌ في الحياة على صورتها التي تأخُذُها بها كل عينٍ، ويتداولُها من جهته كل فِكْرٌ، وأنها -إذ كانت كذلك- ليست شيئًا جديدًا في الحياة ولا في معانيها وأوصافها وحقائقها، وإنما تصيرُ هذه المعاني شعرًا حين يعرضُها الشاعر في معرضٍ من فنِّهِ وخياله وأدائِه ولفظه، فيجدد لك هذه المعنى تجديدًا ينقلها من المعرفة إلى الشعور بالمعرفة، ومن إدراك المعنى إلى التأثُّر بالمعنى، ومن فهم الحقيقة إلى الاهتزاز للحقيقة، فتجد المعنى القريب وقد نقلك الشاعر إلى أغواره الأبدية وأسراره العظيمة وكأنه قد خرج عن صورته التي ضُربت عليه في الحياة إلى السِّر

стр. 170

الأول الذي أبدع هذه الصورة، وإلى الصلة التي تصل ما بين المعلوم إلى المجهول البعيد الذي لا يُرى ولا يُلمس. فالشعور والتأثر والاهتزاز هي أصل الشعر، ولا يكون شعر يخلو منها ومن آثارها وتأثيرها إلا كلامًا كسائر الكلام ليس له فضلٌ إلا فضل الوزن والقافية وهذه الثلاثة لا يكتسبها الكلام من المعاني من حيث هي معان معقولة مدركة، وإنما هي فيه من روح الشاعر وأعصابه، ونبضات الشوق الأبدي التي تتنزَّى في دمه؛ فأيُّما معنًى عرفه الشاعر، وأيُّما صورة رآها، وأيُّما إحساس أحس به، فهو لا يكون من شعره إلا حين يتحول في روحه وأعصابه ودمه إلى أخيلة ظامئة عارية تبحث عن رِيِّها ولباسها من أسلوب الشاعر وألفاظه، ثم تريد بعد ذلك زينتها من فن الشاعر لتفصل عنه في مفاتنها الجميلة كأنها حسناء قد وجدت أحلام شبابها في زينتها وأثوابها. وبقدر نقصان خزائن الشاعر مما تتطلبه أخيلته الظامئة العارية، يكون النقص الذي يلحق العذارى الجميلة التي تسبح في دمه من معانيه. والشعر على ذلك هو فن تجميل الحياة، أي فن أفراحها الراقصة في نسمات من الألحان المعربدة بالحقيقة المفرحة، وفن أحزانها النائحة في هدأة التأملات الخاشعة تحت لذعات الحقيقة المؤلمة، وفن ثوراتها المزمجرة في أمواج من الأفراح والأحزان والأشواق، قد كُفَّتْ وراء أسوار الحقيقة المفرحة المؤلمة في وقت معًا. وهو على ذلك فلسفة الحياة، أي فلسفة السمو بالحياة إلى السر الأبدي الذي بث في الحياة أسراره المستغلقة المبهمة التي تُرى ولا تُرى، وتظهر ولا تظهر، وتترك العقل إذا أرادها حائرًا ضائعًا مشردًا في سبحات من الجمال تضئ فيه بأفراحها كما تضئ بأحزانها، وتفرح بكليهما وتحزن، فرحًا ساميًا أحيانًا، وحزنًا ساميًا أبدًا. وإذا كان الشعر هو فلسفة السمو بالحياة، فمعنى ذلك أنه النظام العقلي الدقيق الذي يبلغ من دقته أن يكون منطقه إحساسًا مسددًا لا يخطئ ولا يزيغ ولا يبطل ولا يتناقض في أسلوبه الفني ونظامه الشعري البديع، وهذا النظام العقلي

стр. 171

النابض الذي يتلقف مادة أفكاره من الحياة لا يستطيع أن يشعر أحيانًا، ولا يشعر أحيانًا، كما قال بعضهم، ولا يستطيع أن يتقيد بزمان ومكان يستوحي منهما الشعر ثم لا يكون هو يستوحي من غيرهما، كما ذهب بعض أصحاب الكلام الى القول حين ظهر " ليالي الملاح التائه " في شعر الطبيعة المصرية، وشعر الطبيعة الأوربية وما إلى ذلك من فضول الحديث. إنّ هذه الحاسَّة العاقلة المفكرة النابضة في الشاعر تأخذ مادتها من مَساقط الوحْي في كل أرضٍ وتحت كل سماءٍ؛ وربَّ خمول أو فَترة تأخذُ هذه الحاسة في موطنها ومنشئها ومدْرجها ثم تكونُ البلادُ البعيدة في مطارح الغُرْبة هي التي تنفُض عنها غبارها وتمسحه حتى تجلوها جلاء المرآة، إعدادًا لها لتتلقى صُورها التي تجري في مائها إلى دم الشاعر ثم إليها مرة أخرى، ولا تزال كذلك بين الأخذ والإعطاء حتى ينبثق ماء الينبوع من صخرة الحياة الشاعرة. فلا يخدعنَّك ما يقول فلانٌ وفلانٌ، فإنْ هم إلا أسماء قد ركبتْ على ألقابها تركيبًا مَزجيًّا على خطأ وفساد، كما ركِّبتْ حضرمَوت وبعلَبك تركيبًا مزجيًّا على صحة وصواب. ليالي الملاح التائه كل هذا الديوان شعرٌ من شعر "على طه" بعد رحلتيه من مصر إلى أوربا في خلال هذه السنوات التي انقضت بعد نشره الجزء الأول من ديوانه وهو "الملاح التائه". وقد كانت هاتان الرحلتان وحيًا جديدًا في نفس الشاعر وأعصابه وأحلامه، وكانتا تغييرًا في حياته عامة وفي أفكاره خاصة، ولم يكن بد إذن أن يجدَ قارئ هذا الديوان فرقًا بيِّنًا بين شعر "الملاح التائه" و"ليالي الملاح التائه". وليس هذا الاختلاف بشيء ألبتَّة، فإن شاعريَّته لم تزل هي ما هي في كليهما على نمط لن يختلف، ولكنه نزع في هذا الطَّوْر الجديد إلى السهولة والرِّقة ومعابثِة المعاني والألفاظ بغزل رقيق من عواطفه. وعلةُ ذلك فيما نرى أنه انطلق من قيود مصر في أول رحلته وخرج شاردًا يستجلى روائع الحياة الأوربية الزاخرة ببدائع

стр. 172

الفن ومعجزات الحضارة والعلم، ونزلَ المنازل المتَبرِّجة بفتَنها في عواصم المدن الأوربية، وعبَّ من مُسكرَاتِ الجمال الفطريِّ والصناعيِّ البديع الذي تستجيده أنامِلُ الحضارة الرقيقة العابثة اللاهية، والتي لم تدع للفنّ مَعقلًا إلا لعبت به واستخرجت كنوزه وتلاعبتْ بها على أصول أخرى غير التي بنى عليها الفن القديم البارع المحكم، وعرضت له الصور التي تفتن الناس بجمالها وتهدمهم بفتنتها، وتقعُ في دمائهم موْقعًا لا تلبث معه إنسانية الإنسان أن تشتعل من جميع نواحيها بلهيب من اللذة والسكر والفرح. . . كل ذلك هزَّه وهزَّ أعصابه وألقى عليه من وحيهِ وتركه يقول من الشعر على السجية غير متكلِّف ولا مُنقِّح ولا راغبٍ في الكد والعناء و. . .، والحنبليَّة الفنية التي تريد البديع، فإذا أدركته طلبت الأبدع، فإذا بلغت تسامت إلى ما هو أبدع منهما، لا تهدأ ولا تقرُّ ولا تستريح إلى جميل. كان هذا -فيما نرى- وكانت نفسه الشاعرة المتلقِّفة -والتي تهجم بعينيها على أَبكار المعاني بنشوة الشباب العِربيد- تتلفت تلفُّت الصائد، تكاثرَ الصيد بين يديه، فما يدرى ما يأخذ وما يدع، وهو مع ذلك لا يزال يذكر صِغاره وأحبابه وهوى قلبه، ومن يريد أن يصنع لهم حياةً من صَيده؛ فهو يتلفَّت إليه بقلبه حنينًا وذكرى وصبابة. فهذه العواطف الدائبة في تكوين شاعريته، والتي تلوّنها بألوانها وتخاريجها، هي التي جنحت به إلى السهولة والرقة والغزل الحُلو بينه وبين معانيه وألفاظه، ومن غير الممكن أن يتقيد الغزل الشعري بقيودٍ تضبطه، وإلا انقلب تكلفًا واستكراهًا وجفوة. الجندول وإذا أردت أن تعرف صدق الذي قلنا به من العوامل الجديدة في تلوين هذا الشعر، فخذ هذه الأغنية الجميلة التي ترنَّم بها الشاعر الموسيقي، ثم أعطاها الموسيقيّ البارع "عبد الوهاب" تغريدها في ألحان هي من شعر الموسيقى. . . . فإن الشاعر حين لعبت به فتن "عروس الإدرياتيك" في كرنفالها المشهور، ودَفِئ دَمُه في أنفاسها الحبيبة المعطَّرة وفجأته فِتنة من فِتَنِهِ التي عرضت في

стр. 173

صبابته. . . أَرَقَّ فتنة في أحلى جوٍّ في سِحر الليل المضئ في أجمل فن الحضارة في أَحْفَل الليالي باللهو والعبث، والضحكات التي تتردد بين أضواء الكهرباء حتى كأنها أمواجٌ من الضوء تضحك ضحكها -لم يستطع ضَبْط تلك الأمواج الفرحة المعربدة في إحساسه الشاعر، فبدأ يترنَّم: أين من عينيَّ هاتيك المجالى ... يا عروس البحر يا حلم الخيالِ أين عُشَّاقُك سُمَّار الليالي ... أين من واديك يا مهد الجمالِ ثم انطلق يصف عاطفته وجو عاطفته وعطر عاطفته، كل ذلك بألفاظٍ غزلةٍ عاشقةٍ، تتنفس أنفاسها من المعاني المرحة، حتى في بعض اللوعة المستكنَّةِ وراءَ نفسه، والتي استعلنت في قوله: "أنا من ضيَّع في الأوهام عمره" بعد أن قال: ذهبيُّ الشعر شرقي السماتِ ... مرح الأعطاف حُلوُ اللفتات كلما قلت له: خذ، قال: هات ... يا حبيب الروح، يا أُنس الحياة كل ذلك والشاعر في مرح ونعمة وخيال وافتتان، وكأنَّه نسى الدنيا التي ولد فيها كما "نسى التاريخ أو أنسى ذكره". . . . ولكن لا يلبث يتلفت بعد ذلك تلفتًا مؤثرًا عجيبًا، هو دليل الشاعريّة الصحيحة التي اشتمل عليها تكوينه العصبي. . . يقول: قال: من أين؟ وأصغى ورنا ... قلت من مصر، (غريب) هَهُنا (غريب)، هذه كلمة النفس الشاعرة في مكانتها من ألفاظها وفي أقصى مدِّها من التأثير، إنه حرف يبكي من الغربة والذكرى، ولو سقطت هذه الكلمة من الشعر لسقط كل الشعر ولسقط معه رأينا في العوامل التي عملت شعر "على طه" بعد رحلته إلى أوربا، لو قال: (من مصر) وسكت، أو أتى بذلك الحشو الذي لا معنى له، والذي يكثر في شعر الضعفاء، لانسلخ عن الشعر إلى سؤال يتلقاه المرء من فضولي قائم على طريق السابلة، وجواب استخرجه الفضول

стр. 174

واللجاجة. . . ثم هي بعد ذلك التفات يخيل لك معه أن الشاعر قد رد فقال: من مصر، ثم انتقل بوجهه إلى مصر، وتلقى دمعة يموِّهها بيده ويمسح أثرها بمنديله -في هذا الجو المرح العابث اللاهي- وهو يقول: (غريب ههنا). هذا. . . وقد أخذت هذا الموضع وحده من القطعة لشهرتها الآن وليتدبر من يسمعها فإن فيها من أمثال ذلك كثير، مما هو دليل الشاعرية الناضجة التي لا تخطئ معانيها. ولو أخذت سائر شعره على هذا الأساس الذي كشفنا لك عنه في حديثنا عن الشعر لوقفت على روائعه التي هي روائعه.

стр. 175

الرأي العام كتب الأستاذ "الزيات" في العددين الماضيين من الرسالة كلمتين جليلتين، إحداهما عن "التبشير" والأخرى عن "فقهاء بيزنطة": أي فقهاؤنا وعلماؤنا. وهما تنزعان جميعًا إلى بيان أصل واحد، وهذا الأصلُ هو غفلتُنا وإهمالنا، ثم غثاثة آرائنا وضآلتُها، وهذه مردّها إلى عِلل كثيرة قد توغَّل داؤها في أعصاب الأمم الإسلامية، حتى صار الدواء لها باطلًا أو كالباطل، وذلك لغلبة الجهل علينا، وفي الجهل العناد، وفي العناد المكابرة، وفي المكابرة اللجاجة، واللجاجة أمٌّ ولودٌ كل أبنائها أباطيل، ومَنْ طَلَب علاج الأباطيلِ وترك أمهاتِها تَلِد، فقد جعل علاجَه باطل الأباطيل. وهذه الأمة المصرية وسائر الأمم الإسلامية قد خضعت من قرون طويلة لسيطرة الجهل وبغيه، وامتدت عليها حقبٌ طويلة أظلّتها بالغفلة والنسيان والموت، وحجبت دونها شمس المعرفة ونور العلم، حتى انحنت على أساطير التراب تجدُ فيها كل معاني الفكر والعقل والقوة، وصار همُّها الأرضَ وما تنتج مما يكفي شهوات النفوس المشتغلة باللذة، أو يردُّ مسغبة النفوس المحطَّمة بالعمل. ثم جاءت الذئابُ الذكية العاقلة المدبّرة، فعرفت صيدها وقالت له: اعمل عَملك، فهذا طريقُك، ولكنها خشيتْ أن تتمزَّق الظُّلَلُ وتسقطَ الحُجُب، وتهبَّ تلك القوة العلوية الرابضة في دمِ الإنسان، فترى أشواقَها فتندفع إليها اندفاعَ الوحش المجوَّع في مَهوى الريح التي تحملُ أنفاسَ فريسته، وعندئذ تعجزُ الحيلة في دفع هذه القوة وردّها إلى ما كانت عليه تحت أطباق الخمول والخمود والغفلة. وعمِلَ ذكاءُ الذئاب عمله، ورأى أن قمع القوة العلوية بالاستبداد والفجور في الاستبداد هو الشر عين الشر، وأنه كقمع البخار في قماقم الحديد ومن تحتها جاحم من النار يتضرم، فما يعقب إلا الانفجار والتصديع والأذى.

стр. 176

فنكبوا عن ذلك إلى تصريف هذه القوة العلوية حين تستيقظ في هذا الشرق تصريفًا يكفل لهم معها أمرين: الأمر الأول: التنفيس عن هذه القوة، واتخذوا لذلك أبرع الأساليب، فحاولوأ أن يظهروا وكأنهم هم الذين يعملون على إزالة غشاوة الجهل عن العيون المحجبة، فأنشأوا المدارس وتلبَّسوا بالنصيحة للتعليم في معاهده كلها، وجعلوا خلال ذلك يضعون ويقررون أصولًا تؤدى بهم إلى أغراضهم، ليسيروا بالتعليم إلى حالة ترضيهم وتنفعهم، فلا يخرجون من هذه المعاهد جيلًا يقف أمامهم كما تقف القوة للقوة وكما يناهض العقل العقل، ثم يزاحم في إنشاء الحضارة بالقوة العاملة والفكر المبدع. والأمر الثاني: وهو بناء على ذلك البناء، وذلك اجتهادهم -بكل أساليب التنبيه والدعاية والمثال وغير ذلك- في توجيه الرأي العام في نواح بعينها إلى العصبية الفردية والإجماعية، ثم صرف هذا الرأي العام -أي أهله- عن الاهتمام بتقرير الأصول العامة التي تسير عليها السياسة الخلقية والعقلية والإنشائية والعملية، وعن العمل في توحيد الرأي العام للشعب توحيدًا يكفل للأمة أن تستغل كل قواها في تدبير المستقبل على نظام ثابت مستقر ماض على أسبابه إلى النهاية غير مختلف ولا متنافر. وقد كان من نتائج هذين الأمرين العظيمين -حين استيقظنا وأبصرنا- أن تعددت الثقافات في الشعب الواحد، وتنابذت العقول على المعنى الصحيح، واختلفت المناهج المفضية إلى الغايات، وعاون ذلك ما ورثناه من الجهل الداعي إلى العناد والمكابرة واللجاجة، فاستشرَى داء العصبية وأصبح العمل عندنا لا يكون عملًا حتى يحاول أن ينقُض كل ما سبقه من العمل، وتعاقبت على الأمة أطوارا بعد أطوار ولا تزال في عهد الإنشاء، ولا تزال اللجان تجتمع عامًا بعد عام لتقرر وتضع، وليس إلا التقرير والوضع وَحَضَانة المذكرات! ! وكذلك اختل نظام الرأي العام. وهو لا يكون إلا من اشتراك الجماعة في الأصول الثقافية كلها، واختَل أيضًا مكوِّن الرأي العام، وهو الصحافة وما ينزل في

стр. 177

ذلك منزلتها، فتكَوَّن من الصحف المختلفة المبادئ آراء متخالفة، لا بل متباعدة، لا بل متعادية، كلا بل هي في الواقع لا تمس جوهر حياة الشعب العامل المستَهلَك في الزراعة والصناعة والجهْل أيضًا. . . وحتى لا نجد صحيفة واحدة قد بَنَتْ دعوتها على أصولٍ بيِّنة موافقة لحاجة هذا الشعب، وعلى هذه الأصول تأخذ وتدع، وتحبذ وتنقد، وتهدم وتبنى، على تعاقب السنين وتغير الظروف والأحوال. التبشير وأحدُ الأمورِ التي ابتُغِى بها العملُ على إضعافِ الشعب والتفريق بين أهله، وإيجادُ ضروب من الثقافات في بلد واحد يجب وجوبًا قطعيا -كما يقولون- أن تتوحد ثقافته -هو ما اتخذوه من التبشير ومدارسه المختلفة، وما يبطن أصحابها وما يظهرون. وليس التبشير هو الدعوة الصريحة إلى الدين المسيحي، فإن هذا لا يمكن أن يكون في بلد جل أهله من المسلمين، وخروج المسلم من دين الإسلام الى دين غيره يكاد يكون مستحيلًا في العامة من الشعب، ويكاد لا يصح عند المتعلمين وأشباه المتعلمين وهذه حقيقة يعرفها المبشرون قبل أن يعرفها المسلمون، وإذا فليس الغرضُ من التبشير هو المفهوم من لفظه، ولكنه الذي أشار إليه الأستاذ "الزيات" في مقاله، ثم إيجاد ضرب من الثقافة الأدبية والخلقية والعقلية يناقض ضروبًا أخرى من الثقافات المختلفة في مدارس الأجانب والمدارس الوطنية، وبذلك تتعدَّد المناهج الفكرية في حياة الشعب، ويعسر بعد ذلك أن تتحد هذه الثقافات على رأي عام يقوم عليه الشعب ويحرص على تنفيذه، ويأخذ في الإعداد للوصول إليه درجة بعد درجة. وكذلك يبقى الشعب إلى النهاية وهو في بدء لا ينتهي وفي اختلاف لا ينفضُّ، بل يصير ولابد إلى المعاداة والمنابذة والأحقاد التي تؤرثها السياسة الاجتماعية الخفية التي طغت على الشرق من قِبَل حضارة قوية باهرة عظيمة كالحضارة الأوربية. ولا يزال أهل الشرق مختلفين ما بقيت هذه الثقافات المتعددة من مدارس التبشير إلى المدارس الإلزامية، تمد الرأي العام بأصحاب الآراء المختلفة والعقول

стр. 178

المتباينة. ولن يصلح أمر هذا الشعب حتى يناهض ذلك كله بانصرافه إلى مدارسه ابتغاء توحيد ثقافته على أصل واحد. والأصل الضعيف الموحد في ثقافة الشعب خير وأنفع من الأصول المتعددة القوية، لأن هذه تغرى بالتفرقة والعداء، وذلك يؤلف ويوفق ويضم أشتاتًا ويقيم القلوب على الإخلاص والتفاهم. فقهاء بيزنطة وهذا مثل جيد ضربه الأستاذ الزيات لاختلاف عامة المسلمين على بعض أحكام الفقه الإسلامي والسنة النبوية، وبغي بعضهم على بعض في ذلك، وتركهم الأصول الإسلامية التي ترفع المسلم إنسانية فوق إنسانية، وتمحِّصه من الجهل والضعف والفساد والذلة وكيف يختلف علماء المسلمين على فروع من دينهم ويدعون الأصل لا ينفذ نوره إلى قلوب هذه الملايين من المسلمين، فيطهر أدرانها ويزيل غشاوة العمى التي ضربت عليهم أسدادها. وضرب الله مثلًا فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٦) وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. فقد بين الله سبحانه أن اختلاف من سبقنا لم يكن إلا بغيًا من بعد أن جاءهم العلم، وأنه جعل المسلمين على شريعة من الأمر. وحق ذلك ألا يقع الاختلاف بين المسلمين إلا في رأي لا يفضى إلى فرقة، وعلى ذلك كان السلف من أصحاب رسول الله ﷺ فاتبعوا قوله: "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم"، وقد نهى عن الجدل والمراء وتناهى أصحابه عنه حتى قال ابن عمر: "لا يصيب الرجل حقيقة الإيمان حتى يترك المراء وهو مُحِقّ". ونحن قد صرنا الآن إلى زمن قد غلبت فيه بدع كثيرة ليست من الدين ولا تنزع إليه، ولكنها من محدثات الأمم وفتن الأهواء. ونحن أيضًا في زمان ضعف وقلة وتفرق، والأمم من حولنا تتباغى على أنفسها وعلينا، فما يكون

стр. 179

اختلافنا على البدع والمحدثات وبغى بعضنا على بعض -ومصير ذلك كله إلى العداوة والبغضاء وأن يكفر بعضنا بعضًا- إلا إعانة لهؤلاء على النيل منا ما شاءوا. ثم نحن في زمان جهل بالدين، فليس من أمر الله أن ندع أصل الدين مجهولًا، وننصرف إلى فروع نحاول على إبطالها أو تحقيقها. وقد روى البخاري: "قال رسول الله ﷺ اقرأوا القرآن ما ائتلفت قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا عنه"، فإذا كان من سنة رسول الله ﷺ أن يحسم أصل الخلاف بترك مجلس الخلاف في القرآن وهو أصل الإسلام كله، فأولى أن نقوم عن مجلس الخلاف في فروع وسنن، لئلا يفضي ذلك إلى مثل الذي نراه بيننا اليوم من التعاند على بعض السنن بالعداوة، حتى صار لكل صاحب رأي فريق يحامى دونه ويعادى عليه، ثم يقع بعضهم فيما هو أشد نكرًا من أصل الخلاف، ألا وهي الغيبة والتفريق بين المسلمين. سياسة الإسلام والإسلام في بنائه قائم على مصلحة الجماعة، وجعل المسلمين يدًا على من سواهم، وأن يكونوا كالبنيان يشد بعضه بعضًا. وهذه مصلحة مقدمة على كل المصالح الأخرى. وهي مقدمة على فروع الفقه الإسلامي، كما قدم الجهاد في سبيل الله على كل عمل من أعمال الإسلام. والإسلام في أصله أيضًا لا يعرف من نسميهم اليوم "رجال الدين" فإنما هم من المسلمين يعملون أول ما يعملون في حياطة الجماعة وإقامة كيانها الاجتماعي والسياسي بالعمل، كما يعمل فيه سائر الناس في وجوه العيش وضروب البناء الاجتماعي. وليس الانقطاع للجدل في الفقه والسنن والتوحيد عملًا من أعمال الحياطة إلا أن يبنى على المسامحة والأخوة والرضا وترك اللجاج والمعاندة، وإلا فهو شرٌّ كبيرٌ يجب على المسلمين أن يحسموا أصله. فإذا استقرَّ البناءُ الاجتماعيُّ للأُمم الإسلامية على أصولِ الإيمان المُبصِر والتقوى الهادية، وتبرأت النفوس والقلوبُ من غوائل الضعف والذلّةِ والخُضوع،

стр. 180

وقام على الأمم الإسلامية قرآنُها يَهديها، ويُهذِّبُ شُعوبها، ويرقِّق أفئدتها لدين الله، ويؤلف قلوبها على إعلاء كلمة التوحيد، ويجمعها على دستور الإسلام في التشريع الواضح الحازم القوي، ويجعل الاجتماع في كل بلد إسلامي اجتماعًا بريئًا من فتن الغواية ومحدثات الشر، ثم تكون للمسلمين حضارة من أصل دينها تضارع الحضارات التي تناوئ شعوبها وتستذلها، -إذا كان ذلك كله- فعندئذ يستطيع الحكم الإسلامي أن يرد ما يبقى من البدع التي غلبت على أهل الجهالة بالسلطان الحاكم لا بالكلام المفرق بين الناس وإذن فأجدرُ العملين برجال الإسلام من أصحاب الفقه والشريعة والتوحيد أن يعملوا على إنقاذ المجتمع الإسلامي من أسباب ضعفه بهدايته بأسباب القوة الأخلاقية والفكرية التي جعلت المسلمين في ثمانين عامًا سادة حاكمين على الإمبراطورية التي جاهد الرومان في بنائها ثمانمائة عام. . . وإلا فلن يكون بعد مائة عام محمل في حج ولا محراب في مسجد.
следующие страницы →