من مكانها بالاعتناف والقسر فوضعت في جو غير جوها فاختنقت فمات ما كان حيا من بيانها في الأصل الذي انتزعت منه.
وهكذا. . . هكذا كل شيء تأخذه العين أو يناله الفكر، إنما هو دعوى ملفقة وتقليد مُسْتَجْلَبٌ وبلاءٌ من البلاء. ولا نزال مقلدين حتى يستطيع الأحرار -وهم قلة مشردة ضائعة- أن يبسطوا سلطانهم على الحياة الاجتماعية كلها، ويردوا إلى الأحياء بعض القلق الروحي العنيف الذي يدفع الحي إلى الاستقلال بنفسه والاعتداد بشخصيته، والحرص على تجديد المواريث التي تلقاها من تاريخه، ويغامر في الحضارة الحديثة بروح المجدد لا بضعف المقلد، فعندئذ ينتزع من الحضارة الأسباب التي تنشأ بقوتها الحضارات، ولا يكون موقفه منها موقف المسكين الذليل المطرود من المائدة. . . ينتظر وفي عينيه الجوع ليتقحَّم من فتاتها (١).
صورة النفس
عرضت لي مقالة في مجلة الثقافة عدد (٥٤) عنوانها "الأدب صورة النفس" كتبها الأستاذ "محمد مندور"، وقد استوقفني عنوانها قبل أن أقرأها، لأن هذه هي الحقيقة التي نقولها ولا نصل فيها إلى حق. وقد تغاوى (٢) النقاد عليها ومع ذلك فما تظفر من أقوالهم إلا بالمُبهم بعد المُبهم، ولا نجد لأكثرهم شرحًا لها يفي بمدلولها أو بسرها أو يزيل الإبهام عن مسالكها. . . يقول الأستاذ: "وإذن، فالآثار الأدبية والفنية تطلعنا بغير تحفظ على أسرار واضعيها النفسية بأسلوبها الخاص. . . ونحن نقصد بذلك إلى البحث عن نفس الكاتب والشاعر في تضاعيف ما يكتب. . . وعمل الناقد إذن عمل كشف عن أسرار لا تقع تحت البصر لأول نظرة، وسبيله إلى ذلك لا يمكن أن يكون إلا حسًّا باطنيًّا ترهفه التجارب والمعرفة الطويلة بمختلف النفوس. . . .". وكل هذا جيد من القول،
стр. 107
وهو كالشرح على عنوان المقالة. ولكني رأيت الأستاذ ينظر في آثار أدبية لأستاذين جليلين هما: أحمد أمين وطه حسين، وشرع يتكلم عن بعض آثارهما. تكلم عن مقال "في فيض الخاطر" هو: (صديق). فإذا كل الذي قاله وصف يمكن أن يقع على كل كلام، فيقول: "سترى كيف حطم الأستاذ هذا الصديق، فرده إلى عوامله الأولية؟ وقد تقاصرت جمله متجاوبة كأنها ذرات مادية نتجت عن هذا التحليل". . . والنتيجة! والنتيجة أن الأستاذ أحمد أمين أو أسلوبه أسلوب تحليلي، وفيه قوة مخيفة! والأستاذ طموح متقلقل في شتى السبل، لأنه كتب عن الشمس وعن الليل، يستقرى ما يجوب في ظلام الليل، وما تغدقه الشمس؛ ولا يصف جمالها أو وحشته! وهكذا، ولا أدري كيف أستخرج شيئًا من كل الذي كتبه يدل على الذي أراده مما نقلناه آنفًا؟ ولا كيف عمل هو في الوصول إلى هذه الأحكام التي دمغ بها الآثار الأدبية وأصحابها؟ ولا كيف كان عمله في التحليل النفسي الذي أحس به إحساسًا باطنيًّا! !
إنه لابد لمن يتناول مثل هذا الموضوع أن يفصل القول، فلا يجمله، لأنه بلا شك موضوع جليل، والكلام فيه سلوك في مجهل غامض يحمل على الإبانة والإيضاح، وإلا كان الكلام فيه على هذا تقصيرًا لا ينفع، ويكون أنفع منه أن يترجم لنا الأستاذ كلام النقاد الأوربيين الذين مارسوا هذا العمل وأفرغوا له أوقاتهم واستوعبوا الأصول التي يُسَار عليها في معالجته، وكذلك تتم خدمته للأدب والأدباء. . .
أبو العباس السفاح (١)
كنت أحب أن أستوعب في هذا التعليق كل الرأي الذي عرض لي في أمر أبي العباس السفاح أمير المؤمنين، ولكني رأيته قد خرج عن أن يكون من مادة هذا الباب، فلذلك اقتصرت على أشياء أرجو أن تعين الأستاذ العبادي في تحقيقه الذي بدأه، وعسى أن يكون في هذا القول بعض الصواب الذي يسعى إليه.
стр. 108
فمن ذلك أن أبا العباس السفاح، وأبا جعغر المنصور أَخَوان وليا الخلافة العباسية لأول أمرها، وكان أبو العباس أصغر من المنصور بعشر سنين، وأن اسم أبي العباس وأبي جعفر في نسبهما هو "عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس"، فأبو العباس هو "عبد الله الأصغر"، وأبو جعفر هو "عبد الله الأكبر". فإذا كان ذلك كذلك، وأبو جعفر قد لقب بالمنصور وأن الذي لقبه بذلك أبوه فيما نعلم، فلا غَرْو أن يكون أبو العباس كذلك ملقبًا، وأن يكون أبوه قد لقبه كما لقب أخاه.
وإذا كان أبو العباس "عبد الله" هو الأصغر فالتلقيب هو أولى به للتفريق بينه وبين أخيه أبي جعفر "عبد الله" وهو الأكبر الذي ولد أولًا وسمى "عبد الله" من قبله، ويؤكد أمر هذا التلقيب سيرورته بعد في خلفاء بني العباس جميعًا إلى انقضاء دولتهم، فكأنه كان من "تقاليدهم" وتعاليمهم.
وأيضًا فإنه قد وردَ في الحديث عن أبي سعيد الخُدْري عن رسول الله ﷺ قال: "يخرج منا رجل في انقطاع من الزمن وظهور من الفتن يقال له (السفاح) يكون عطاؤه للمال حَثْيًا"، وأئمة الحديث لا يصرفون هذا الاسم إلى أبي العباس، وإنما هو نبوءة كبقية النبوءات التي وردتْ في القرآن الكريم والحديث النبوي لا يدرى تأويلها إلا أن تكون. . .، ولكن الدعوة العباسية فيما يظهر قد جمعتْ بين هذا الحديث وأحاديث أُخر هي من باب النبوءات أيضًا وجعلت منها حديثًا اتخذته في الدعوة إلى إقامة الخلافة في بني العباس، فكانوا يروون للناس عن ابن عباس ﵁ أنه قال: "والله لو لم يبق من الدنيا إلا يوم، لأدال الله من بنى أمية، ليكونن منا السفاح والمنصور والمهدي"، وهم الخلفاء العباسيون الثلاثة على التتابع. ولا شك في أن هذا كان قبل قيام الدعوة بالفتح بزمن طويل. فلعل الإمام "محمد بن علي" قد لقَّب ولديه بهذين اللقبين تفرقة بينهما، وتفاؤلًا بالذي يروون في أحاديث الدعوة العباسية.
وإذا كان ذلك كذلك فمعنى اللقب إذن ليس من "سفح الدم" -وهو بهذا المعنى مجاز مقصورٌ لغرض بعينه- لكنه من الكرم والعطاء والبذل كما ورد في الحديث الذي سقناه آنفًا من أن "عطاء السفاح للمال حثْيًا" لأنه لا يصح في
стр. 109
العقل أن يلقب أحد ولده بهذه المذمة القبيحة وهو ينصبه للناس خليفة، وقد لقب أخوه من قبل بالمنصور. نعم قد سمت العرب في جاهليتها بالأسماء المنكرة، ولكن الإسلام جاء فحسم ذلك كله، ولم يبق من التلقيب والتسمية بالمنكر من الألفاظ شيء في أكثر البادية العربية، فكيف في الحضر ثم في أعظم بيوت الحضر، وهو بيت العباس؟ وقد كان لهم في رسول الله أسوة حسنة فهو قد غير أسماء كثير من الوافدين عليه من أصحابه "كزحم بن معبد" فسماه بشيرًا، وجميلة امرأة عمر بن الخطاب وكان اسمها "عاصية" وخلق كثير.
وعلى هذا الأصل نرى أن الناس في صدر الإسلام سموا "السفاح" فمنهم: السفاح بن مطر الشيباني، وهو ممن ولد في النصف الثاني من المائة الأولى للهجرة وكان من أصحاب الحديث، والسفاح أخو أبي سلمة بن عبد الرحمن الزبيدي لأمه وهو من التابعين، وقد روى عن أبي هريرة وغيرهما. ولا شك أن التسمية هنا منصرفة إلى المدح لا إلى الذم، فصفة أبي العباس السفاح هي إلى العطاء والكرم كما ذهب الأستاذ العبادي أولًا، ثم رجع حين تعقبه الأستاذ أحمد أمين.
أما النص الذي نقله الأستاذ عن اليعقوبي من أنه قال: عبد الله بن علي الأصغر وهو السفاح"، وهو عمّ أبي العباس والمنصور، فإن أصله منقول من ابن سعد في طبقاته حين ذكر أولاد علي بن عبد الله بن عباس فقال: "عبد الله بن علي الأكبر. . . وعبد الله بن علي الأصغر السفاح الذي خرج بالشام"، فهذا هو الأصل ولا يرى فيه إرادة التلقيب كالذي يرى من نص اليعقوبي، وإنما هي صفة كالسفاك والقتال. نعم، وأنا لا أدري كيف ادعى الأستاذ العبادي أنه اشتهر بذلك فانتقلت هذه الصفة إلى أبي العباس أمير المؤمنين، فإن الطبري وأئمة المؤرخين قد ذكروا عبد الله بن علي عم أبي العباس وأبي جعفر في أكثر من خمسين موضعًا ولم يلقبه أحدهم بهذا اللقب، فكيف يمكن أن ندعي أنه اشتهر به حتى كان من جراء هذه الشهرة أن اختلط على الناس وعلى الأدباء وعلى فلان وفلان كالجاحظ وابن قتيبة فوضعوا صفة "عبد الله بن عليّ" صفة "لعبد الله بن محمد" على قرب العهد. وكيف جاز أن يقع في ذلك الجاحظ في روايته، وهو أدق العلماء
стр. 110
رواية، وهو الذي رد أكثر رواية الهيثم وابن الكلبي وغيرهما من أصحاب الأخبار؟
وخبره الذي رواه وذكر فيه السفاح في البيان والتبيين ج ١ ص ٩٣ أخبره به "إبراهيم بن السندي" وقد قال فيه ج ١ ص ٣٢٦:
"وكان إبراهيم بن السندي يحدثني عن هؤلاء بشيء هو خلاف ما في كتب الهيثم بن عدي وابن الكلبي، وإذا سمعته علمت أنه ليس من المؤلف المزور، وكان عبد الله بن علي وداود بن علي يعدلان بأمة من الأمم. ومن مواليهم إبراهيم ونصر ابنا السندي، فأما نصر فكان صاحب أخبار وأحاديث، وكان لا يعدو حديث ابن الكلبي والهيثم، وأما إبراهيم فإنه كان رجلًا لا نظير له. . . وكان. . . وكان. . . من رؤساء المتكلمين وعالمًا برجال الدعوة وكان أحفظ الناس لما سمع وأقلهم نومًا وأصبرهم على السهر".
فرواية الجاحظ فيما نرى أقوم من رواية غيره، وهي دليل على صحة الصفة التي وصف بها أبو العباس أمير المؤمنين، والجاحظ قد أدرك صدر الدولة العباسية، ولم يكن بين مولده ووفاة أبي العباس السفاح كبير دهر حتى يكون ممن يختلط عليه الحق في مثل هذا الأمر، وبخاصة وهو يروي ما يروي عن الثقات في معرفة أخبار رجال الدولة.
أما سكوت الطبري وغيره -من متأخري المؤرخين عن صدر الدولة العباسية- فليس يعد دليلًا على بطلان هذا اللقب. وإن دل على شيء فربما دل على أنهم جانبوه وتباعدوا عنه وتركوه لما كان قد انتشر في عصرهم من معنى السفاح على أنه السفاك للدماء، وخفاء معنى هذا اللفظ الأول وهو الكريم الباذل الفياض الذي يكون عطاؤه للمال حثيًا.
هذه كلمةٌ صغيرة إلى الأستاذ العباديّ أرجو أن أكون قد بلغت بها بعض رضاه في التعقيب على رأيه الذي انتهى إليه ووقف عنده. ولعله يعود إلى الذي كتبه فإن له بالعلم بصيرة نافذة مسددة إن شاء الله.
стр. 111
العيد
أيتها الأيام السعيدة الهاربة من عمل الدنيا ببراءتها من الشقاء، أيتها الأيام الصغيرة المتلألئة في ظلام الزمن بأفراح السعادة، أيتها الأيام الذاهلة عن معاني الآلام!
أنت هكذا أبدًا، وهكذا أبدًا تعودين. . .
ولكن هل تستطعين أن تمنحي الناس جميعًا بعض سعادتك وأفراحك ولذاتك البريئة؟
هل تستطيعين أن تمنحي العقول المتغَضِّنة من الهم والكِبَر أفكارًا غضَّة ناعمة كأحلام العذارى؟
الحرب
كانت أيام العيد هدنة سكنت فيها الأخبار المحاربة بمعانيها في أذهان الناس وعواطفهم، وانقطعت الصحف الأخبارية أيامًا عن الظهور، فانقطع أكثر الحديث عن الحرب المخيفة بأوهامها قبل حقائقها، وهدأ الناس.
أذكرتني هذه الأيام المسالمة بتأثير الحرب في الأدب، وحملت إليّ صورًا كثيرة مما قرأت في الصحف والمجلات الأدبية، ولا أدري، فيخيَّل إليّ أن المجلات الأدبية منذ بدأت الحربُ إلى اليوم قد أفرغت كثيرًا من صفحاتها للحرب، وشرحت صدرها لكثير مما يتعلق بها، ومع ذلك لا أكاد أجد إلا القليل من هذه الأحاديث يصلح أن يكون من أغراض المجلات الأدبية، وإنما هو بأغراض الصحف اليومية الأخبارية أليق وألصق. ومن الوهم المتفشِّي أن يدّعي مدع أن أثر الحرب لابد أن يكون كذلك، وأن مثل هذه الأحاديث هي سمة الحرب على أدب الأدباء، فإن أثرها في فكر العامة لا يكاد يخرج عن مثل ذلك. أما أثرها على الأدباء فهو أشد تغلغلًا في طوايا النفس، وأشد هزًّا لعواطف
стр. 112
الإنسانية. فإذا أقررنا أن الحرب إنما تتدافع في صدور الأدباء والشعراء ورجال الفن لتكون كالتيار الذي يتدافع بالبحر فينشئ له الأمواج المتصارعة المتدفقة مخافة أن يركد فيأسن، لم نجد بُدًّا من اعتبارها كالمدد للمعاني الخائفة التي تنزوي في كهوف النفس الإنسانية السامية الطامحة، تجرّؤها وتذمرها وتؤلبها من هنا وهنا لتتعارف وتتساند وتندفع إلى غمارها مجدة إلى المثل الأعلى الذي هو أحلام النفوس الرفيعة الدائبة أبدًا إلى الأغراض النبيلة.
فإذا كان ذلك كذلك، فأثر الحربِ إنما هو تنبيهٌ للمعاني والأغراض التي تحيك في صدور الأدباء والشعراء، وتطريقٌ للمسالك الغامضة التي يراد منهم أن يمهدوها ويكونوا أدلاء للناس في مجاهلها ومنكراتها. إن الصحف اليومية الأخبارية عليها أن تمد الناس بأخبار الحرب وصفاتها وصفات بلادها المتحاربة، وعواقبها الدانية أو البعيدة لأحداثها، ولكن مهمة الأدباء الذين يمارسون تحرير المجلات الأدبية أن يتعقبوا مَعاني أسْمَى من هذه المعاني المبتذلة التي توضَعُ عن أفكار الناس حين تضع الحرب أوزارها، عليهم أن يسبقوا أحداث الحرب بتمهيد جديد إلى حياة أخرى تبرأ من الغرائز الدنيئة التي دفعت العالم إلى هذا الشر البغيض الذي لا غرض له إلا استبداد السلطان، واستعباد الناس بعضهم لبعض. وإذن فهم -لابد- يبحثون عن العلل والأمراض التي داخلت المدنية الحديثة، فجعلت قوة الافتراس فيها هي الأصل الذي بنيت عليه عقائدها وأعمالها، غير متحيزين إلى فئة بعينها، فإن الأسلحة المشرعَة الآن في جميع الصفوف لن تعرف بعدُ معنًى إلا معنى الحرب وحدها بوحشيتها وجوعها وقرمها. . . لن تعرف إلا الدَّمَ وشهوة الدم، وتنقرض العواطف الرقيقة التي تملأ النفس ورعًا وتقوى وحنانًا. وإذا استبان لهم مكنون هذه العلل استطاعوا أن يمهدوا السبيل للحياة الجديدة المبرأة من أسبابها الباغية، فمنعونا شرها ثم شر الآثار والعواقب التي تأبى شياطين الحرب إلا أن تزينها للباقين والناجين من أحلاسها (١).
стр. 113
هذا هو عمل الأدباء والشعراء على الاختصار والإجمال. أما أن يتوهم متوهم أن أثر الحرب إنما يكون إذ يلوك أخبارها وأحداثها ويمضغها في لفظه وعبارته مضغ الكلأ، فذلك شيء لا يقع عليه إلا عقل العامة الذين لا ينفذون في المعاني إلا على الوهن والضعف والفساد. إن أفكار الأدباء التي تسمو بألفاظها ومعانيها سمو الروح بين خوافق السماء، وإن أحلام الشعراء التي تختالُ في زينتها رقيقة ناعمة أو ثائرة مُتفجرة -هي أحبُّ إلى نفوس الناس في زمن الحرب، لأنها تنفيس عنهم من كرب الحروب، وإخراج لهم من حمأة الدم الذي ينشر رائحته مع كل نَفَس، ثم هي التمهيد الصحيح لتهذيب النفس الإنسانية وتربيتها والتسامى بها عن المعنى الحيواني الضاري الذي تنشّئه الحروب في مهد من الأشلاء والدم.
العقل المصري ! !
كتب الأستاذ (محمود المنجوري) كلمة في السياسة الأسبوعية (١٥٥) يريد أن يكشف بها عن (طبيعة العقل المصري، ومدى تأثرها بالانقلابات) الاجتماعية أو السياسية أو الدينية. وساق حديثه فيها إلى وزارة الشؤون الاجتماعية. ونحن نتجاوز عن بعض الخطأ الذي وقع الأستاذ فيه عصبيَّة للعقل المصري كما يسمّيه، كدعواه أن إنشاء الأزهر كان نتيجة للأسباب الفكرية والاجتماعية والروحية -التي نشأت في مصر فيما يرى- فأريدَ إقامة الدعوة الفكرية المتميزة عن صواحباتها في سائر العالم الإسلامي بإنشاء هذا المعهد العلمي العظيم. ولا شك في أن هذا تأويل غير جيد لحقائق التاريخ، فإن الفاطميين هم أنشأوا هذا المسجد الجامع لأول فتحهم لمصر، ولم يكن للعقل المصري إذ ذاك كبير شأن ولا صغيره في دفع الفاتحين إلى إقامة هذه العمارة في مصر، وإنشاء الأزهر كان لغرض في نفس الفاطميين أصابوه أو أخطأوه. . . فليس ذلك من شأننا هنا.
وأيضًا فأنا إلى اليوم لا أكاد أعرف شيئًا يمكن أن يسمى "العقل المصري" أو "العقل الإنجليزي" أو "العقل الفرنسي" وهلم جرّا، حتى يوضع في كفة
стр. 114
وحده أعدت له في موازين العقول، وليس قيام المدنيات بأجزائها على "العقل" حتى يمكن أن يقال إن العقل المصري هو الذي استطاع أن يبقى خالدًا والمدنيات من حوله تفنى وتبيد. حقًّا إن مصر -وغير مصر من الأمم التي كانت منزلًا لمدنيات كثيرة متباينة- قد احتفظت مع هذه المدنيات بأشياء امتازت بها، ولكن هذه الأشياء المميزة لم يكن مرَدُّ أكثرها إلى العقل بل كان مردها إلى الطبائع التي أنشأتها إرادة الإقليم المسيطرة على الطبائع الإنسانية، وإلى العادات المتوارثة التي لم تقاومها هذه المدنيات مقاومة الحرب والإبادة، فلذلك بقيت هذه المميزات قائمة سائرة متعارفة، فيخيل لبعض من لم يَغُرْ إلى أعماق هذه المخلفات أنها ظواهر عقلية مع أن الحق غير ذلك. .
ونحن نجد الجنس من الناس ينزل أرضًا غير أرض، فما يمضي الجيل أو الجيلان حتى تفنى المميزات الجنسية في نسلهم من أبنائهم وأحفادهم، ويبدأ الوطن الجديد بطبيعته المستبدة في تحويل هذا النسل إلى طبائعه التي تلائم تربته وسماءه وجوه وحاجات سكانه، فكذلك المدنيات إذا نزلت أرضًا خضعت لما يخضع له الإنسان الحي المتحدر من أصلاب قوم غير سكانه الأوائل، وجعلت تتميز بضرورات الإقليم الطبيعية.
ولماذا يريد كثير من الكتّاب أن يجعلوا عقول أممهم بدْعًا في العقل الإنساني؟ لا أدري، وما يكاد يدري أحد من هؤلاء ما هو العقل، وكيف يتميّز في الإنسان، أو كيف يتبيَّن في الأفكار أو المدنيات مكان العقل من مكان غيره من الغرائز والطبائع والدوافع وما إلى ذلك من الأشياء التي تشترك في نتاج الفرد ثم في إنشاء المدنيات الاجتماعية؟ ولو استطاعوا لأبانوا لنا -على كثرة ما يقولون- عن موضع واحد يقولون فيه هذا "صنع العقل" الفلانِيّ. إن العقل المصري كغيره من العقول يقبل كل شيء، ولكن طبائع الإقليم تريد أشياء وتنفي أشياء لأنها لا تستطيع البقاء في سلطانها. إن جوهر الأشياء كلها لا يتغير في العقل بعد العقل، ولكن الأعراض هي التي يصيبها التبدُّل والتغيير لأنه من طبيعتها أوّلُ، ولأن العقل لا يعمل فيها عملًا إلا للتدبير والتصريف وحسب.
стр. 115
وقد عرضَ الأستاذ (المنجوري) في مقاله هذا إلى عهد الاحتلال وما صنعت سياسته في أخلاق مصر وتعليمها، وكيف حطم بجوره وعدوانه كل الصلات القوية التي يعتمد عليها ترابط الكيان الاجتماعي، فتمزقت الجهرد المصرية في الإصلاح، واستبدَّت الشهوات الجارفة بأخلاق الطبقات كلها، ففشل الاجتماع المصري في إرادته، وقام على أساس فاسد من الأخلاق حتى صار أكثر ما نرمي إليه غرضًا فرديًا لا قيمة له في البناء الاجتماعي، ومن هنا استبد المستبد وصارت السيطرة الفردية في كل أعمالنا هي المبدأ، فلم يقم بيننا التعاون على أساس صحيح، وكذلك تنازعت الشهوات أعمالنا فصار الآخر بأنانيته يريد هدم عمل الأول لينفرد بأحدوثته وَصِيته، كالذي رأيناه في الحكومات الكثيرة التي تعاقبت على الدولة المصرية فشرعت ووعدت وبدأت وسارت، ثم جاءت أختها من بعدها لتقف كل ذلك وتبدأ من جديد بلجانها وتقريراتها واقتراحاتها، تريد أن تخالف وأن تنشئ وأن توجد، ثم هكذا دواليك حتى غدت وعود الحكومات عند المصريين خاصة والشرقيين عامة إلى مثل التي يقول فيها كُثَيِّر عزَّة:
تَمَتَّعْ بها ما ساعفتك، ولا تكن ... عليك شجى في الصدر حين تبينُ
وإن هي أعطتك الليان، فإنها ... لآخرَ من خُلّانها ستلين
وإن حلفت لا ينقض النأي عهدها ... فليس لمَخْضُوبِ البَنَان يَمينُ
فهذه أمراض وأوبئة لا تزال تنتشر، ولابد من مكافحتها مكافحة صارمة بغير هوادة. فهل في الذين يصير إليهم السلطان الوازع العامل من يستطيع أن يتجرد لمكافحة هذه الأوبئة، ولو كان في كفاحها كفاح لنفسه وشهواته وأغراضه؟ هل تجد مصر أخيرًا طبيبها المغامر؟ ليتها تجد. . .
المنطلق
قرأت في العدد ٣٤١ من "الرسالة" أغنية -أو هكذا سمّاها صديقنا- بعنوان "الناى". قال الأستاذ بشر فارس: وهي على بحرين مختلفين رغبة في
стр. 116
تنويع مجرى النغم، والبحر الأول وضعه الشاعر، وأجزاؤه: "فاعلاتن مفاعلتن" مرتين وليكن اسمه "المنطلق" انتهى.
وصديقنا بشر شخصية جوالة في معاني الدعَة والرقة واللطف والظرف والابتسام والمرَح، وسائر هذه الكلمات الراقصة بألفاظها قبل معانيها. وهو كالبحر الذي زعم أنه اخترعه وسماه "المنطلق". . . فهو منطلق في كل أشياء الحياة بأحلام كأحلام الليل جميلة هادئة ساكنة. . . ولكن إذا فجأها النهار تطاردت له هاربة وقد تركت آثارها أخاديد نديّة كذكريات الحبيب الهاجر في قلب العاشق. . .
وهذا البحر "المنطلق" كما يسميه، قد أرسله على مثل هذه الأبيات:
"جَنِّبوا الناي عن أُذني ... أُذُني زلزلتْ طَرَبا
مثلَ قلب تُحَدِّثهُ ... سرَّه السرْدُ فاضطربَا"
وقد زعم "بشرٌ" أنه وضعه، ونحن نُسلِّم لبشر ما يقول، ولكن أصحاب العَروض هم أبدًا كبحورهم لا يهدأون، فقد زعموا أن الأخفش قد تدارك على الخليل بحرًا سموه "الشقيق" يزعمونه أخا "المتقارب"، وسموه المحدث والمخترع والخبب إلى غير ذلك وعُرف عندنا باسم "المتدارك" -أي الذي تداركه الأخفش على الخليل بن أحمد- وأصل تفاعيله عندهم: "فاعلن، فاعلن، فاعلن، فاعلن" مكررة، وله عروضان تامة ومجزوءة، فالعروض المجزوءة هي: "فاعلن، فاعلن، فاعلن" مكررة.
وهذه العروض المجزوءة من بحر المتدارك، هي زنةُ شعر بشر قد دخلها من رِقَّتِه ما جعلها تتأوّد عند قوافيها لتستريح؛ فالبحر ليس إذن "منطلقًا"، ولكنه "خليع المتدارك".
وسائر أبيات القصيدة في قوله مثلًا:
"أوتار الخاطر تغمزها ... أَنَّاتُ الناي فترتجف"
هي أيضًا من عروض المتدارك التامة دخلها التشعيث والخبن كقول ابن حَمديس:
стр. 117
صادَتكَ مَهاةٌ لم تُصَدِ ... فلواحظُها شركُ الأسَدِ
من توحى السِّحر بناظرة ... لا تنفثُ منه في العُقد
هذا في مخترع "بشر" ولكن ما بال هذا الصديق يريد أن يزلزل أذنه، ونحن لم نفرغ بعد من حديث الزلازل التي هدمت ما هدمت في الأناضول، لماذا أيها الصديق؟ ولماذا تريدنا أن نشعر أن أذنك وحدها -دون سائرك- هي التي تطرب، ولا يكون طربها إلا زلزلة.
كفي. . . كفي، فإني إذا نقدت "بشرًا" فلن أجد الراحة بعد، وإن كنت أظن أني لم أفهم الشعر كله جيدًا. . . فلعله شعر جديد، والجديد على من بدأ الشيب يغزوه يبليه ويخيفه فينتشر عليه فهمه فلا يفهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله. . .
стр. 118
الغذاء العقلي والروحي للشباب
ألقى الدكتور طه حسين في قاعة الجامعة الأمريكية كلمة أُريد عليها، كما قال في أول كلامه، فاستغرقت هذه الكلمة من الوقت ساعة أو أشفَّ قليلًا، افتتحت بالتصفيق الشديد للدكتور طه حين خرج على الناس ليتكلم! !
ولستُ هنا في مقام التلخيص لهذه الكلمة، ولكني بالمكان الذي يجب عليَّ فيه أن أشقّ للقراءِ موضع الرأي الذي ينبغي لهم أن يشغلوا أفكارهم به ولو ساعةً من نهارٍ، كما شغل الدكتور طه سامعيه ساعةً من ليل يوم الإثنين ٢٩ يناير سنة ١٩٤٠. وليس في القراء الذين يعرفون الدكتور طه من يجهلُ أن أوّل ما يتكلم به الدكتور إِنْ هو إلا أن يجعل مَردّ كل شيء إلى "يونان" ومدن يونان. . . فلا شك إذن في أن أول نظام عرف للغذاء العقليّ والروحيّ للشباب، إنما كان في المدن اليونانية والحضارة اليونانية والعقلية اليونانية! ! فهذا شيءٌ مفروغٌ منه قد جعله الدكتور طه مذهبًا لا يحيدُ عنه، وأسلوبا لا يسلُك غيرَه، ولا بأس بذلك. . . فأنا أعتقد أن اختلاط المدنيات المتعاقبة على الأزمان المتقادمة، قد جعلت لصاحب الرأي سعةً يذهبُ فيها حيث يشاء. فلو قلت أنا مثلًا: إن أول نظامٍ عرفه التاريخ لتنظيم الغذاء الروحي والعقلي للشباب، إنما كان بالصين، وقد فصَّله لنا ما بقي من آثار "كونفوشيوس" فيلسوف الصين الأكبر، لوجدت من الدليل ما أستطيع أن أقيم بها عِوَجَ الرأي، وأردُّ به على مخالفيّ رد إِلزامٍ وخضوعٍ. . . وكيف لا أستطيع ذلك وفي كل كلمةٍ من كلام هذا الفيلسوف العظيم توجيهٌ لقوى الشاب الصينيّ إلى الخير المحض، وهو الذي يقول: "من حق الشاب أن ننظر إليه بعين الاحترام، فما يدرينا أن علمه في المستقبل سيكون فوق علمنا في الحاضر؟ أمّا من أسند في الأربعين أو الخمسين من عمره ولم يشتهر بعلمٍ من العلوم، فلا يستحق أن ننظر إليه بعين الاحترام". وقد جَعَلَ كل جهده في تدبير شؤون الدولة الصينية، يقول: "إن الاضطراب قد مزّق البلاد بالفوضى، فمن
стр. 119
الذي يُعيدُ نظامها"، "لا يمكن أن أعاشر الطيور والوحوش. . . وإذا أنا لم أعاشر هذه الأمة، فمن أعاشر؟ لو كانت البلاد تحت سياسة عادلة لما كنت في حاجة إلى أن أُحاول إعادة نظامها". . .
هذا وغيره من تاريخ الأمة الصينية وتاريخ فيلسوفها يعلمنا أن أول نظام كان إنما كان بالصين، فإن شئت أن أقول الهند وأسوق الدليل فعلت. فأنت ترى أن المذهب يتسع في الحضارات القديمة لكل رأي يحتمل به صاحبه إن شاء. واليونان من الأمم القديمة ذات الحضارات القديمة، وإنما نفَعَها وجعَلَها مثابة لبحثِ كلُّ باحثٍ يريدُ أن يردَّ إليها مذهبًا من المذاهب، بقاءُ كثير من آثارها. ثم قيام أوربا الحديثة بإحياء ما طَمّ عليه الزمن من مدنيتها، وأخفى أمر الحضارات الأخرى ضياع أكثر آثارها أو بقاؤها في قبر من الإهمال والنسيان، وهمود النشاط في البلاد الشرقية التي هي أحق بإحياء آثارها. هذا قليل من كثير يمكن أن يقال في مثل هذا الأمر من أمور التاريخ القديم.
وبعد هذه المقدمة، ساق الدكتور طه حديثه ببراعته التي لا يستعصى عليها غامض ولا بعيد ولا متشامخ. وأنا وإن كنت أظن أن الدكتور طه لم يوفق في كلمته كل التوفيق ولم يمس أغراضها إلا مسًّا رفيقًا غامضًا بعيدًا، فإني أعترف بأنه قد استطاع بحسن تحدُّره في المعاني أن يثير من الآراء ما يجبُ أن يُثَار في أفكار هذا الجيل، حتى يمكن بعد ذلك أن نستصلح من أمورنا ما أفسده طغيان الجهل واستبداد الحاكمين، وتوالي المصائب المرهقة على شعب نائم لا يستطيع أن يدفع عن نفسه أسبابها، ولا أن يذودَ الوحوش الضارية التي فَرَضَتْ عليه بالاستعباد أقسى ما يمكن أن تبتدعه من ضروب الفتك والعدوان.
الدولة والثقافة
فأهم ما تناوله الدكتور في حديثه هذا هو بيانُ موقف الحكومة من الأمة التي رضيتها أن تقبضَ على زمام الأمر فيها تصرفه بما ينفع الناس ويزيدهم قوة على قوتهم. فالأمم كلها قد أسلمت إلى حكوماتها أمر القيام على الثقافة والتعليم، وأعطها من حُرِّ مالها ما تستطيع أن تنشيء به نظامًا كاملًا للتعليم يكون فيه رضى
стр. 120
الشعب وحياطته وتوفير أسباب النهوض العقلي له، وحماية أفراده من أمراض الجهل وأوبئته التي تهد قوى الشعوب وتفتك بالعقول التي خلقها الله لتعمل في تدبير الحياة الإنسانية للوصول بها إلى الكمال الممكن على هذه الأرض.
وإذا كانت الحكومة -أو الحكومات- تأخذ من الشعب الأموال المتوافرة الكثيرة بالضرائب التي تفرضها عليه في كثير من مرافق حياته كتجارته وزراعته، لتتخذ هذه الأموال في تدبير الجيش وإعداده وتسليحه وتقويته ليدفع عن الأمة شر المطامع الأجنبية التي لا تلبث أن تغزو البلاد إذا وجدت منه ثغرًا مُضاعًا تنفذ إليه منه، فمن العبث أن تهمل شأن الفرد الذي يقوم به معنى الجيش، والذي هو المدد الأول للجيش بروحه وعقيدته وفكره وقوته. فالجيش الذي يتكون ويتجمع من شعب جاهل معذب بالجهل محطم بالضعف العقلي والخلقي، لا يمكن أن يكون جيشًا مؤتمنًا على ثغور البلاد يحميها من غوائل الحروب.
الأغنياء والفقراء
وإذا كانت الحكومات جميعًا لا تفرِّقُ في إمداد الجيش بين طبقات الشعب كلها ناظرة إلى الغني والفقر، فمن الخطل الذي ليس بعده خطلٌ أن يقوم نظام تعليم هذا الشعب على التفريق بين الغني والفقير، فكلاهما قد فرض عليه أن يبذل دمه وماله وقوته وجهده في الدفاع عن أوطانه التي تحكمها هذه الحكومة، فمن حقه على الحكومة أن تمده بالأسباب التي يستطيع أن يدافع بها عن هذا الوطن. والأسلحة المختلفة هي بعض أدوات الدفاع، ولكن الأداة الكبرى في الدفاع إنما هي الرجل الذي يحمل هذه الأسلحة، فيجب أن ينصرف أعظم هَمِّها إلى أحياء الرجل في طبقات الشعب غنيها وفقيرها على السواء بالحرص على إعطاء الشعب غذاءه كاملًا من الألوان المختلفة من الثقافات المتعددة، كلٌّ على قدر طاقته ورغبته واستعداده، مكفولًا له الحرية في الاختيار مع التسديد والحياطة والنصح.
والحكومة حين تنظر إلى قوى الدفاع تفرض الضرائب على نسبة الأموال التي يملكها الشعب غير مفرقة بين الغني والفقير في نسبة الضريبة التي تتقاضاها منه
стр. 121
اقتسارًا وفريضة، فكذلك يشترك الغني والفقير على السواء في تحمل واجبات الحرب. فأولى إِذن أن يشترك الغني والفقير معًا في القيام بأعباء التعليم والثقافة ونشرهما والمساواة في منحهما للغني والفقير على المساواة بغير تفريق. وليست تفرق الحكومات على الحقيقة بين الغني والفقير بقانون موضوع، وإنما هي تفرق بما هو أعظم خطرًا من القانون الوضعي لأنه قانون الطبيعة وقانون القدر. فالغني يستطيع أن يدخل أبناءه جميعًا بيوت العلم من الابتدائي إلى العالي مستعينًا على ذلك بماله الذي استخلفه الله عليه، والفقير لا يستطيع أن يفعل مثل ذلك فيبقي أبناؤه طعامًا للجهل الضاري وبقايا من فرائس الفقر المتوحش.
ومن العجيب الذي لا يعجب إلا منه أن يكون في أمة من الأمم رجل تفضى إليه ثلاثة آلاف جنيه في العام، وليس له من الولد إلا ثلاثة أو أربعة يتكلف في تعليمهم ما لا يزيد عن مائة جنيه في العام كله، ورجل آخر يكون ما لا يدخل عليه مائتا جنيه في العام وله من الولد مثل الذي للأول فهو يدفع مائة مثل مائته أي نصف دخله! فما بالك إذن بالذين ينصبّ عليهم من الأموال ما لا يستطيعون التصرف فيه إلا أن يسفكوه على اللذات والمنكرات من النساء والخمر والقمار وحالِقات (١) المال والخُلُق وليس لهم ولدٌ، ثم يكون في الأمة آلاف مركومة من الإنسانية إلى ملايين تنسل وتلد وتمد الأمة بأسباب حياتها من الأبناء والبنات ولا يملك أحد ما يقوت به نفسه فضلًا عما يقوت به ولده، فضلًا عما يدفعه لوزارة المعارف أجرًا للتعليم. . .! إذن فواجب الأمة أن تحمل الحكومات على تغيير نظام التعليم ونظام الضرائب، فتحصل الضرائب من الشعب كله على نسبة رأس المال والدخل، ليستخدم هذا المال المجموع من الضريبة في تعليم الشعب كله على المساواة بين غنيه وفقيره، ويلغى من وزارة المعارف نظام التحصيل، "تحصيل المصروفات المدرسية من أولياء أمور التلاميذ" ويكون التعليم كله من أوله إلى نهايته مجانًا مبذولًا معرضًا لكل مستطيع وطالب وراغب بغير تفريق.
стр. 122
وأحب أن أقول للدكتور طه، ولغيره من كتابنا، إنه حقٌّ عليهم أن يقوموا بالدعوة، وبالكتابة في مثل هذا الغرض النبيل الذي ينفع الناس ويرفع عن أعناقهم نِير العبودية التي يفرضها الجهل مرة والفقر مرات كثيرة. فإن كلمة الدكتور طه التي ألقاها، إنما سمعها عدد من الناس-أكبر الظن فيهم أنهم قد طرحوا عبء التفكير فيها حين خرجوا من باب "قاعة يورت التذكارية"، كما تطرح الأعباء المثقلة. وليس شيء يحمل الحكومة على الجادة وعلى سواء السبيل كالصحافة وكتابها إذا أخلصت وتطهرت من الغرض والهوى والحقد والبغي والعدوان. . . فهل يمكن أن يكون هذا في مصر؟
فإن تسألينا: كيف نحن؟ فإننا ... عصافير من هذا الأنام المسحَّر
عناصر الثقافة المصرية
وقد حدد الدكتور طه ألوان الغذاء الروحي والعقلي الذي يجب أن يقدم للشباب، فجعله مركبًا من ثلاثة عناصر: العنصر المتحدرُ من تاريخ مصر القديم -الفرعوني- وهو الفن، والعنصر المتغلغل في مصر الإسلامية، وهو الدين والأدب والفن العربي الإسلامي، والعنصر المتلبس بحياتنا الحاضرة منذ اتصلنا بغيرنا من الأمم التي نتعاون معها أو ننافسها، وهو العنصر الأوربي الجديد، وسترى بعد ما هو عند الدكتور طه.
أما العنصر الأول، وهو الفن الفرعوني القديم، فأنا أدعه للكلمة الآتية، فإن اللَّبس كثير فيه، وقد زلّ على مزالقه أكثر أصحابنا ممن فُتنوا به عن صواب الرأي. وأنا أحب أن أتناوله بالبيان الذي يدفع عن مصر شرًّا كثيرًا ويحقق لها ما نتمناه جميعًا من الخير.
وأما العنصر الإسلامي من الدين والأدب والفن، فقد أجاد الدكتور طه في الدعوة إلى العناية به لأنه أصل المدنية، ومن جَهِل في بلاد مصر -أو بلاد العربية على اختلافها- تاريخ الإسلام فقد حطّ في مَهوًى ينقطع به حبله الذي يصله إلى قومه وإلى حضارته وإلى مستقبل هذه الحضارة التي سوف تنبعث بنورها مرة ثانية في جنبات الشرق فيما أرى. ولكن الدكتور طه بعد أن تكلم عن الاجتماع العربي
стр. 123
أو الإسلامي الذي عاشت عليه الأمة المصرية هذه الأجيال ولم تجد به بأسًا -كما يقول- عاد فاستدرك عليه بقوله: "بشرط أن يتابع تطور المدنية الحديثة". فأنا والدكتور طه وكل عربي قد درب بالحضارة وجرَّبها يعرف أن البناء الاجتماعي هو أصل المدنية، وأن الاجتماع إذا صلح استطاعت كل القوى أن تعمل في بناء الحضارة بعقائدها وآرائها وإيمانها وفلسفتها، فإذا أردنا أن نجعل النظام الاجتماعي الإسلامي في العمل والتشريع والسياسة هو النظام فمن الخطأ الذاهب في الفساد أن نخضعه لتطور مدنية أخرى قد بُنى اجتماعها على المسيحية في التشريع والسياسة والأخلاق. فمصر والشرق الإسلامي إذا أراد أن ينهض فلابد له -كما قال الدكتور طه- أن يستمد نهضته من أصول الاجتماع الذي يربطه به التاريخ والدم والوطن واللسان والدين والوراثة، وإذا ساير فإنما يساير في فكرة مطلقة وهي "النهضة والحضارة والمدنية الإنسانية" على الطريق الذي يوافق طبيعة هذا الاجتماع. أما المدنية الحديثة فقد بنيت على غير ذلك وقد تطورت على أصوله، وليس بعد خطبة الملك جورج ملك الإنجليز ما يدع موضعًا للشك، فقد خطب الملك يوم ٢٥ ديسمبر سنة ١٩٣٩ في الاحتفال بعيد ميلاد المسيح -صلوات الله عليه- فذكر الاتحاد الإنجليزي الفرنسي للحرب ضد ألمانيا النازية فكان مما جاء في خطته (ترجمة الأهرام): "إني أومن من أعماق قلبي بأن القضية التي تربط شعوبي معًا، وتربطنا بحلفائنا المخلصين الأمجاد هي (قضية المدنية المسيحية). وليس ثمة قاعدة أخرى يمكن أن تبنى عليها مدنية صحيحة".
ونحن ننظر إلى المدنية الأوربية هذا النظر، وكلام الملك جورج هو من أدق التصوير لحقيقة الحضارة الأوربية في نظر كل باحث نصراني أو يهودي أو مسلم. فإذا أردنا أن نتابع تطوّر هذا الضرب من المدنية بتبديل اجتماعنا -الذي دعا إليه الدكتور طه في حديثه- ليطابقه، فكأنما ندعو إلى "تنصير الإسلام". وما أظن الدكتور طه يرضى أن نصير هذا المصير!
والعجيب بعد ذلك أن يذكر الدكتور طه العنصر الثالث وهو الحضارة
стр. 124
الحديثة الأوربية، فلا يدعو إلى الأخذ بشيء مما فيها دعوة صريحة إلا في الذي يتصل بالخلق ليكون عندنا الرجل الصريح الذي يتحرى ألا يكذب نفسه قبل اجتنابه الكذب على الناس، والرجل الذي يستطيع أن يقول: "لا" أو "نعم" حين يريد أن يقولها، لا حين يكره عليها! !
ألا إن أخلاق المدنية الأوربية قد استعلنت جميعها في هذا البغي المتفجر في الحرب التي لا يعلم خَبْأها إلا عالم الغيب والشهادة، وإن أردنا أن نأخذ -أي أن نقلد- فلنأخذ من تاريخنا، من ديننا، من أخلاق رجالنا .. من الذين استطاع أحدهم أن ينكر على عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، ويقول له: "اتق الله يا عمر"، فيقوم رجل يستأذن عمر في أن يأمره فيه بأمره، فينهاه عمر ويقول: "دعه، فلا خير فيكم إذا لم تقولوها لنا، ولا خير فينا إذا لم نقبلها منكم". فالرجولة هنا ليست أن يقول الرجل، ولكن أن يتقبل صاحب السلطان هذا القول بالخضوع والرضا، فهل فينا من يقبلها يا دكتور طه. . . أو في النفاق الأوربي المتلبس بالرجولة طبقًا للمنافع في أكثر أمره إلا مَنْ عصم الله. . .؟ لا أدري.
стр. 125
الفن
كنت أرجأتُ الحديث عن "الفنّ الفرعوني" الذي أراد الدكتور طه حسين أن يجعله أحد العناصر في "الغذاء الروحي والعقلي للشباب" في عصرنا هذا، وهو رأْي متداولٌ قد دعا إليه فلان وفلان ممن استطارتهم العصبية فعصفت أعاصيرها بعماد الرأي وحسن البصر وكمال التقدير لما ينبغي أن نقيم عليه حضارتنا المصرية الإسلامية. والعصبية هي دليل الضعف، وهي الآفةُ التي تتخون الرأي، وهي الهدْم الذي يأتي بنيانَ العقل والعاطفة من القواعد حتى يدمّره تدميرًا. وسنوجز القول ما استطعنا، فإن الإفاضة والشرح والبيان مما لا يتسع لها هذا الباب.
فالفنان هو القلب النابض الذي يُفضي إليه الدمُ الحي الذي تعيش به حضارة أُمته في عصره، وهو الفكر القلق النافذ المتلقف الذي ينقد الحياة الاجتماعية في عصره يألفها أو يُنكرها، وهو العبقرية المارِدة التي لا تخضع إلا لناموس الحياة الأعظم. والفنان بطبيعته الإنسانية فكرة معبرة عن حقيقة الاجتماع الإنساني الذي يعيش عليه، وعن طبيعة الأرض التي يمشي فيها، والسماءِ التي يَستظلُّ بها، وكل أولئك ينشيء للفنان أفكارًا وأَخيلة وأحلامًا تستمد غذاءَها من ينبوعها الذي يتفجر بين يديه ولعينيه وفي قلبه.
ونحن لو تتبعنا الآثار الفنية وتاريخها في كل أجيال الناس من الهند والصين والعرب والترك والروم، وكل الأمم القديمة، وسائر الأمم الحديثة لم نخطئ أَثر الحياة الاجتماعية في الأثر الفني، ولا أثر الطبيعة الجغرافية في جوّه الفني. ونعني بالحياة الاجتماعية كل ما تقوم عليه من الدين وعقائده وشرائعه، وما يتميز به العصر من الأخلاق والعادات والوراثات والأساطير الشعبية التي انحدرت إليه من القدم، ثم سائر أسباب الحضارة المعاصرة بكل مادتها وألوانها وحقائقها وأباطيلها. وأما الطبيعة الجغرافية، فهي صورة الأرض بنباتها وأنهارها وفدافدها (١)
стр. 126
وحيوانها وغابها وما إلى ذلك، وجو السماء بصفائه والتماعه وشمسه وقمره ونجومه وسحابه وثلوجه وصيفه وشتائه وربيعه، وغير ذلك مما يولّد في نفس الفنان ألوانًا من أخيلة الفن التي يريد تحقيقها أو تمثيلها أو إبداعها، والأثر الفني لا يمكن أن يكون خاليًا من تأثير هذين العنصرين المميزين.
فالفن -ولا شك- نتيجة من نتائج الاجتماع الإنساني والطبيعة التي تحتضنه فهو يتأثر بها تأثرًا بينًا، لمكان الإحساس المرهف البليغ من الفنان القدير المتمكن. فأعظم الآثار الفنية التي يعدها الجيل الأوربي -مثلًا- في طليعة العبقرية الفنية، هي الآثار العظيمة الخالدة، التي نشأت وربت وترعرت وامتدت تحت ظلال الكنيسة والعقائد المسيحية، التي عاش في مدنيتها الفنانون الذين أبدعوها، وتأنقوا فيها وبالغوا في إتقانها، ونحن لا نحتاج هنا إلى أن نضرب المثل بفلان وفلان من الفنانين الإيطاليين والفرنسيين وغيرهم، ولا أن نعدِّد آثارهم التي بقيت إلى اليوم أصلًا للفن الأوربي الحديث. وهذه الآثار كما يشاهدها المشاهدون تختلف باختلاف الطبيعة الجغرافية التي هي سببٌ ثان في إنتاج الفنان. فكذلك الفنون الصينية والهندية تتميز بالاجتماع الوثني الذي يعيش فيه الفنان الصيني أو الهندي، وبطبيعة البلاد الهندية والصينية. ونحن لا نشك أن عظم الفنون والآثار عامة قد كان نتيجةً لازمة للعقيدة الدينية -وثنية كانت أو إلهية- وللطبيعة الجغرافية التي تمد عليها من ظلالها، وأن الدين والعقيدة هما عماد الاجتماع وأصله وأعظم مؤثر في توجيه أغراضه وحياطتها وتدبيرها وتوليدها، فهما إذن أصل قائم في الحضارة التي تدين بهما مهما تطورت بعد ذلك وخرجت عليهما فأهملتهما. وذلك لأن الشعوب تحتفظ من الأديان بخصائص كثيرة لا يمكن أن تؤثر فيها تطوراتُ الحضارة المدنية الخاضعة للعلم والسياسة وما إليهما.
الفن الفرعوني
فالفن الفرعوني -بغير شك- ليس إلا نتاجًا مركبًّا من الوثنية المصرية الفرعونية والطبيعة المصرية الرائعة القوية، وأثرها بيِّن في هذه الأبنية الضخمة
стр. 127
بتماثيلها الغريبة المتقنة المختلفة الدلالات على المعاني الدينية المصرية القديمة، وعلى الأصول الاجتماعية الخاضعة للوثنية الفرعونية التي كان يعيش عليها الشعب المصري القديم. فهذه الديانة القديمة الجاهلية التي عبدت أوثانها وتقدست بعقائدها الباطلة، وخضعت لأساطيرها الرهيبة المخيفة، واستمدت تهاويلها من الإيمان بجَبْريَّة هذه الأوثان والقوى الطبيعية المختلفة كالشمس والنيل والتمساح وكذا وكذا من الأوهام الغالية، هي التي أنتجت هذا الفنَّ المصري القديم بمعابده وتماثيله وكتابته الهرغليفية المعبِّرة أدقَّ تعبير عن حقيقة المدد الفني للآثار المصرية الفرعونية.
والفنَّان الفرعوني لم يستطع أن ينشيء هذه الآثار الهائلة الغريبة التي بقيت هذه القرونَ الطوال تتحدى الزمانَ المُتطاوِل عليها، ولم يمنحها هذا الجبروتَ الهائل والاستبداد الطاغي إلا بالقوة التي أنشأتها ودبرتها له عقائدُه الوثنية الرهيبة، وإيمانُ المجتمع المصري بها إيمانًا خاضعًا مُتعقبًا أيضًا، وأعانتها الطبيعة الجغرافية المصرية العظيمة بشمسها وقمرها وصيفها وشتائها، وصحرائها التي تحفُّ بالنيل العنيف المتدفق بسلطانٍ طاغٍ كسلطان الفراعنة الملوك. كل أولئك أثار الفنانَ وأمد إحساسه المرهف بالمادة التي استطاع أن يصوغ فيها فنه الوثني العبقري.
وعلى ذلك فيجب أن نقرر أن الفن المصري الفرعوني -على دقته وروعته وجبروته- إن هو إلا فنٌّ وثَنىٌّ جاهلىٌّ قائمٌ على التهاويل والأساطير والخرافات التي تمحقُ العقل الإنسانيّ، فهو إذن لا يمكن أن يكون مرة أخرى في أرض تدين بدين غير الوثنية الفرعونية الطاغية -سواء أكان هذا الدين يهوديًّا أم نصرانيًّا أم إسلاميًّا أم غير ذلك من أشباه الأديان.
تمثال نهضة مصر
وهذا "تمثال نهضة مصر" القائم في "ميدان المحطة"، والذي أقامه المَثَّال القدير "مختار"، أنا أراه فلا أرى فيه إلا تقليدًا فاسدًا لآثار حضارة قد دثرت وبادت ولا يمكن أن تعود في أرض مصر مرة أخرى بوثنيتها وأباطيلها وأساطيرها
стр. 128
وخرافاتها. نعم، هو تقليد رائع يدل على قدرة الفنان الذي نحته، ولكنه لا معنى له الآن في مصر الإسلامية. هل يستطيع الفنان الذي نحته وأقامه أن يعيد في مصر تاريخ الوثنية الجاهلية، واجتماع الحضارة الفرعونية، وما يحيط بذلك من الأبنية الضخمة التي شادها أوائله، والتي كانت وحيًا للفنان الفرعوني الذي عبد الشمس وخضع لفرعون وأقر له معاني الربوبية، وآمن بالأباطيل والأساطير والتهاويل الدينية والوثنية الضخمة الهائلة المخيفة التي قذفها في قلبه أبالسة عصره من الجبارين والطغاة؟ وهل يستطيع أن يجعل في أرض مصر شعبًا وثنيًّا مُتَعَبِّدًا للفراعنة والجبابرة بالخوف والرهبة والرعب حتى يتأثر بمعنى هذا الضرب من الفن المصري القديم؟ ولكن أفي مصر الآن من الشعب من يستطيع أن يجد له معنًى أو تأثيرًا أو اهتزازًا إلا من القدم أو أخيلة القدم؟ كلا. . . كلا.
لقد ذهب كل هذا، لقد دثر، لقد باد. إن الأصول الفنية التي يكون بها الفن فنًّا قلما تتغير، وهي ممكنة دانية في كل الآثار على اختلاف أنواعها وبلادها وأراضيها وأديانها، ولكن روح الفن هي دين المجتمع وعقائده وطبيعة أرضه وسائرُ أسباب حضارته، وهي التي تمنح الفنان القوة والقدرة على الإبداع، وهي التي ترفع فنه أو تضعه.
وإذن فدعوة الدكتور طه إلى الاستمداد من الفن الفرعوني -كما استمد "مختار"، ثم دعوته إلى جعل اجتماعنا اجتماعًا إسلاميا، ثم استمدادِنا أيضًا من الفن الإسلامي- تناقضٌ عجيب في أصل الرأي، لا يمكن أن يكون ولا أن يُعمل به إلا إذا شئنا أن نوجِدَ لمصر حضارةً مقلّدة ضعيفة ملفَّقة من أشياء ليست نتيجة ولا شبه نتيجة للاجتماع المصري الإسلامي الحديث الذي ندعو إليه ويدعو إليه الدكتور طه حسين! !
وبشر أيضًا ! !
يقول بشار بن برد لخَلَف بن أبي عمرو في حديث جرى بينهما معابثة ومزاحًا:
أرْفق بعمرو إذا حركتَ نسبته ... فإنه عربيٌّ من قواريرِ
стр. 129
وصديقي "بشر" قارورة عطر نشوان من نفحات روحه، قارورةٌ عربيةٌ معربدةٌ تختال بطيبها تيَّاهةً من الخفة والطرب. وأنا أرفق به ولكنه يأبى -كرمًا منه- ألا أن يتحطم في يدي ليسكب طيبَه عليها فيعبَقُ بها، ويبقى أبدًا يتضوع منها نسيما يسكر، ويَعْلَق بهذا القلم من عِطْره أثرٌ خالد كرائحة الحبيبة في ذكرى المحب، و"للرسالة" بعد ذلك من شذاه ما يفور وما يتوهج وما يسطع من نضخ عبيره.
وبشر -هذا الإنسان الرقيق- يتجهم لي ويملأ عليّ "بريد الرسالة" زلزلة ورعدًا وبرقًا وصواعق. . . ويبصرني بفروق اللغة بين "وَضَع بحرًا" و"اخترعه"! ! وأنا بلا شك لا أستطيع أن أشغل نفسي بتبصيره بمنطق اللسان العربي. ثم لا يكتفي بهذا بل هو يغلو في تقديري فيعدني من "الخَلْق" الذي يقف على معاني الألفاظ العربية من "الإكباب على قراءة الصحف اليومية"! ! كلا، بل يجوز ذلك فيعلِّمني مجاز العربية وحقائق بيانها ودقائق ألفاظها! ! أوَّه، بل هو يعرِّفني بالقرآن لأني "من عامة الناس في هذا الزمان" ممن يفهمون القرآن -كلام الله- بما يغلب عليهم من عامية العصر! ! ولا يكون كل ما يكتبه "بشر" من علمه هذا "إلا على جهة التسلي والتلهي"! بلى، فهو يرحمني ويشفق على أن يدخل بي في المقاييس العربية الدقيقة الغامضة التي تستهلك قوةَ العقل والإدراك، فهو يأخذني من قريب! ! وأنا قد أخطأتُ وأسأتُ وأثمتُ وحَبِط عملى، ومَحَقني اندفاعي إلى شعر بشر "أتلمس" -هكذا قال بشر- أتلمس له الخطأ! !
ولا كلّ هذا أيها العزيز، ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾، وأنا يا بشر لا أطاولك في علم ولا فقه ولا بيان ولا معرفة، فأنت أنت، وأنا حيث أنا من العجز والبلادة، ورحم الله امرءًا عرف قَدْر نفسه.
ومن جَهِلتْ نَفْسُه قدرَهُ ... رَأَى غيرُه منْه ما لا يَرَى
وأنا يا صديقي أقل شأنًا وأضعف من أن أجرى في عنانك، ولكنك -إذ كتبت ورددت وأعطيتني فوق ما أستحق في نفسي- تحملني على المركب
стр. 130
الصعب، فكان أولى بك أن تهملنى، فأما إذ أبيت فلا بأس عليك إذا أنا أقحمت نفسي معك، فاصبر على هذا البلاء "فالحرُّ يظلم أحيانًا فيَظَّلم".
وقد زعموا -أيها العزيز- أنه كان رجل عِبَادِىٌّ بالحيرة البيضاء، فلاقى ضحضاحًا من الماء لابد له أن يجوزه ويخوض فيه، فاستعان الله وأقبل على الماء -وهو إلى الكعبين حسبُ- فلما دخله صاح: "الغريقَ، الغريق! " يستنجد أصحابه، فتناولوه يسألونه: ما دعاك إلى هذا وليس غرقٌ؟ فقال: "أردت أن آخذ بالحزم".
وأنت -أيها الصديق- تأخذ بهذا الحزم، فتهرول إلى "لسان العرب"، و"أساس البلاغة" و"الألفاظ الكتابية" تحشد لي ما جاء فيها من مادة العربية في قولهم "زلزل" ولا تكتفي بهذا بل تسعى إلى "الأغانى" (طبعة بولاق! ) تقلب أوراقه، تستخرج تراجم المغنين وأصحاب الملاهي كإسماعيل بن جامع وإبراهيم ابن ميمون الموصلي -وغيرهما في دواوين العربية وأصولها- فتفلِّي ألفاظها وتجري عينيك وراء إصبعك على حروف الكلمات عساك تقع على جملة يكون فيها "زلزل" وما يخرج منها وما يتداعى إليها، ولا تكتفي أيضًا فتتناول من بين كتبك أحد فهارس القرآن الكريم -"وهو الحجة العليا في مثل هذه المشكلات" -كما قلت وإن لم تقل- فتجد اللفظ في آيات بينات منه. فتجمع ذلك كله في مقالك -أو ردِّك عليَّ- حشدًا بارعًا عظيما تُضاهي به عمل "المستشرقين" الثقات الأثبات المتضلّعين المتقنين المجيدين! الذين لا يدعون للحرف مكانًا إلا نبشوه وتقصوه ورموا بعضه فوق بعض "أخذًا بحزم العبادي. . . ." الذي عَرَفْت. وهو أسلوب فاسد عندنا لا يعول عليه في الحجة، وإنما هو أسلوب ضروري حسن حين راد منه المقارنة والتدبر لاستخراج المعاني من الألفاظ وبيان سرها من الحقيقة والمجاز ودقة التصوير للأغراض التي نصبت لها هذه الألفاظ.
والنصوص التي جمعتها وحشدتها ورتبتها تختلف في حقائقها ومجازها في العربية، وأنت لم تشرح حرفًا واحدًا منها تبين عن وجه مجازه على العبارة التي وقع عليها، ولو كنت فعلت ذلك أو أحسنته لطويت كل الذي نشرته عليّ وعلى
стр. 131
القراء. . . تعلمني به ما غاب عني من "القرآن وهو في صدري، والتفسير والحديث واللغة وهي شواغلى" -كما تقول- وأنا لا أضن عليك، أيها الصديق، بما يجعل لحشدك هذا -الذي رُعْتنا به حين قذفته علينا- قِرانًا ونظامًا يسلك فيه ويمضي عليه، ويَعرف به من لا يعرف سرّ البيان وكيف يكون مجازه على طريق اللسان العربي المبين! !
فأصل الحرف "زلزل" من "زلّ الشيء إذا زلق فتحرك فتدأدأ، فمر مرًّا سريعًا في ذهابه عن مستقره". فلما ضعَّفت العرب الحرف، فقالوا: "زلزل وتزلزل"، ضاعفوا معنى هذه الحركة، فكان معناها الحركة الشديدة العظيمة والاضطراب والتزعزع، وتكرار هذه الحركة مرة بعد مرة، حتى كأن بعض الشيء يَزِلُّ عن مكانه، فينقضّ على بعض ويتساقط ويتقوض. وإذن، فشرط مجاز هذا الحرف أن يكون لشيء يتحرك حركة عظيمة شديدة، فالرجل يتزلزل، والأقدام والأيدي والرؤوس والقلوب وما إليها من أعضاء الإنسان المتحركة حركة ما، وكذلك الحيوان كالإبل جاء راعيها بها "يزلزلها" أي يسوقها سَوقًا عنيفًا كأنها تزلّ معه مرة بعد مرة، والمكيل في مكياله كالبُرّ والشعير، كلٌّ يتزلزل لأنه يحرك فيتحرك، والدار والأرض والدنيا كلها تتزلزل لأنها تتحرك أو يجوز عليها الحركة فيتهدم بعضها على بعض، والنفس كذلك لأنها تضطرب في حيزوم المحتضر اضطرابًا شديدًا يتجلى في الكرب الذي يلحقه والضيق الذي يأخذه، فينتزع الأنفاس، ويضطرب القلب بالنبض الشديد، ويزيغ البصر، وتتحرك اليد والرجل في الحشرجة حركة كثيرة شديدة بتردُّد النفس في نزاع الموت والحياة. ومع ذلك فأنا أدع أشياء كثيرة لا أتناولك منها أيها الصديق.
أما الأُذن. . . فالإنسان من بين جميع الحيوان هو الذي لا يحرك أذنيه البتة، لا في طرب ولا غضب، فما بالك وهي ليست مجرد حركة، وإنما هي حركة شديدةٌ مهدِّمة لأنها زلزلة. فإذا علمت ذلك وتلقَّيته وتدبرته وأحكمته ولم يأخذك العناد عليه عرفت أنه لا يمكن أن تقول "أُذني زلزلت" لأن الزلزلة تتطلب أصلها المقرر وهو الحركة والانتقال والزّلةُ بعد الزّلة من مكان إلى مكان ولو على وجه
стр. 132
المبالغة. فدع أذنك من آذان خلق الله الذين صورّهم فأحسن صورهم إن شئت. وأنا لا أصنع في كلامك هذا تعبًا فأتلمس لك الخطأ كما تزعم، ولكن انظر يا بشر كيف يتكلم الشعراء عن الآذان وعن الزلزلة؛ يقول بشار في مغنية:
لعمرُ أَبي زُوَّارِها الصِّيدِ، إنهم ... لفي مَنظر منها وحسنِ متاعِ
"تُصلّي لها آذانُنا" وعُيوننا ... إذا ما التقينا والقلوبُ دَوَاعِ
إذا قَلّدَت أطرافَها العودَ "زَلْزَلَتْ ... قلوبًا" دَعَاها للوساوِس دَاعِ
يَروحون من تغريدها وحديثها ... نَشاوَى، وما تسقيهم بصُواعِ
لَعوبٌ بألباب الرجال وإن دنت ... أطيعَ التُّقى والغيُّ غير مُطاعِ
فانظر صلاة الآذان بالخشوع والإنصات والسجود للصوت، وتأمل زلزلة أوتار العرد التي تزلزل القلب بوقعها وتوقيعها. وكيف أتم المعنى بذكر الوساوس وهي قلق واضطراب. . . وأما أنت أيها العزيز.
فلا تذهبْ بحلْمِك طامياتٌ ... من الخُيلاءِ ليس لهن بابُ
فإنك سوف تَحْلُمُ أو تَناهَى ... إذا ما شبتَ أو شاب الغرابُ
стр. 133
الهجرة
يا نبيَّ الله! !
إنّ الإسلامَ قد قَعَدَ به أَهْلُه، والزمنُ بالناس يعدُو، والحياةُ في العالم فكْرٌ يتحقَّق، وهي عندنا حُلُمٌ يَتبدَّد، هذه أُمَّتُك تملأ الأرْض، ولكن قد فرغت قلوبها من الإيمان، والإيمانُ في دِينك قولٌ وعملٌ، كانت به المعجزةُ الإسلامية ولكنه عندنا قولٌ وجدَلٌ، تكون به الفُرقةُ الجاهليّة. . .
فاللهمَّ هِجْرةً كهجرَةِ نبيِّكَ بالعزِم والإيمان
اللهمَّ جهادًا كجهادِهِ يُجدِّد القلوبَ والأوطان
الشباب والأدب
الطفل حياةٌ صغيرة غضَّةٌ ليِّنةٌ تقبلُ التشكل وتطاوِعُ على ضغط البيئة التي تكتنفها وتُطيفُ بها وتميل عليها، وبيئةُ الطفل هي أخلاق أبويه، ومعاملتهما وحديثهما وما يحيط بهما من الأقارب والأصحاب والخدم وكل من يعود البيت من زوّاره. وقد حُمِّل الإنسان طبيعة التشكل من أَوَّل عمره ليكونَ بعدُ إنسانًا اجتماعيًّا مقتدرًا على التصرُّف في نظام الجماعة بما لا يخرجه من جوّها ويقذفه وراءَ حدودها التي ضربتها عليها الأحوال الاجتماعية التي يتميز بها الجيل من الناس الذين يعاشرهم. وتتصل بهذه الطبيعة من قريب طبيعة أخرى هي التقليد، ليسوغَ له أن يَثْقف الحياةَ ويتلقَّفَ أسبابَها وطرائقها وأساليبها في مدًى قصير، فلا ينقطع دون إدراك الطلائع الإنسانية السابقة التي بدَرت أمامَه في الحياة ومارستها وعملت لها وجددت فيها بعضَ ما يمكن تجديده في نظامِ الجماعات. ولا يزال الإنسان -من أول عمره- خاضعًا خضوعًا تامًّا لهاتين الطبيعتين ولقانونهما المستبدّ، حتى يأتي عليه زمان يستطيع أن يتحرر في بعض نواحيه بالخضوع في بعض النواحي للتشكل والتقليد في زحمة الجماعات وضغطها لقانون آخر هو
стр. 134
قانون الاستقلال الفكري والعملي الذي تقوم عليه رجولة الإنسان وقوته، ولكنه مع ذلك يبقى أبدًا متلبسًا بأسباب القوانين الأولى التي تخضعه وتأثيرها. فهو إذن لا يبلغ مرتبة الاستقلال إلا بعد أن يكون قد قبل من الأَشكال -بالضعف والتقليد- ما لا يستطيع أن ينفك منه أو أن يتفصَّى (١) من قيوده التي تحبسه على ضروراتها. . .
فمن هنا يَبين مقدار الخطر الذي تنذر به هذه الفترة الأولى من حياة الإنسان، ونحن لا نستطيع أن نحدد عمر هذه الفترة، ولكنها تستمرُّ على الأقل إلى نهاية رَوْقِ الشباب ما بين العشرين والثلاثين، بل ربما جاوزت إلى نهاية العمر إذا ما انتكست الحياةُ في الحيّ وصار إلى حيوانية آكلة شاربة غير مفكرة!
فالشاب حين يخرج إلى الحياة العقلية والفكرية تستهويه أسماءُ المفكرين من الكتاب والشعراء والفلاسفة فتستهيمه وتذهب بهواه وعقله إلى الأخذ عنهم والاقتداء بهم والسير على مناهجهم، ولا يزال كذلك في تحصيل وجمع وتأثر واتباع حتى يتكوَّن له قِوَامٌ عقليٌّ يجرّئه على الاستقلال بفكره ورأيه ومذهبه. فالقدرة والأسوة هي مادة الشباب التي يتم بها تكوينه العقليّ على امتداد الزمن وكثرة التحصيل وطول الدُّرْبَةِ، فإذا كان ذلك كذلك فالكتَّاب والشعراء والفلاسفة وأصحاب الرأي وكل من يعرض نتاجه العقلي للشباب، ويكون عُرضةَ الاقتداءِ والتأسّي والتأثر -يحملون تبعة تكوين العقول الشابة التي ترث علومهم وأفكارهم ثم تستقل بها وبإنتاجها الخاص، وكذلك يكون هذا الإنتاج الخاصُّ ضاربًا بعرق ونسب إلى الأصل الأول الذي استمد منه واتبعه وتَلَقَّى عنه.
هذا. . .، فتبعة الكتُّاب والأدباء أمانة قد تقلدوها وحملوها، ثم ارتزقوا منها أيضًا وأكلوا بها وعاشوا في الدنيا الحاضرة بأسبابها، فهم على اثنتين: على أمانة قد فرض عليهم أن يؤدوها إلى من يخلفهم من الشباب الذي يتبعهم ويتأثر آدابهم، وعلى شكر للمعونة التي يقدمها لهم الجيل الشاب الذي يبذل من ماله ليشترى
стр. 135
منهم ما يكتبون وما يؤلفون وما يقدمون للتاريخ من آثارهم ليكسبوا به خلود الاسم وبقاء الذكر.
وشبابنا اليوم قد تهدَّمت عليه الآراء، وتقسَّمته المدنية الأوربية الطاغية، وهو لا يجد عصامًا يعصمه من التدهور في كل هوة تنخسف بين يديه وهو مقبل عليها بشبابه ونشاطه واندفاعه وعنفوان قوته في الشوط الذي يجريه من أشواط حياته. والمدارس في بلادنا لا تكاد تعطيه من الرأي أو من الفن أو من الأدب ما يبلُّ أدنى ظمأه إلى شيء من هذه الأشياء، وإذن فليس يجد أمامه إلا المجلات والصحف والكتب التي يقدمها له أصحاب الشهرة من كتَّابه الذين تُرفَع له أسماؤهم في كل خاطرة وعند كل نظرة. وهو لا يَنى يستوعب منهم أساليبهم وأفكارهم وآراءهم وما يدعونه إليه من موائدهم.
فهل ينصف هؤلاء الكتاب هذا الشباب؟ أتراهم قد عرفوا قدر أنفسهم عند الشباب فعبَّأوا له قواهم احتفالًا بشأنه وحرصًا على مصيره الذي هو مصير الأمة ومصير مدنيتها؟ أنا لا أرى ذلك إلا في القليل ممن عرفهم الشباب وجعلهم نصب عينه، واتخذ أساليبهم فتنة يهوى إليها.
ناقد يتكلم
وأنا أدع أحد الكتاب من إخواننا الشآميين يتحدث عن بعض ما نحن بسبيله، وهو الأخ "قسطنطين زريق" في كتابه "الوعي القومي" فقد قال في ص (١٦٢ - ١٦٣):
"لسنا نعيش اليوم في عصر ترف عقلي ورفاهية فكرية. في عصور الترف والرفاهية قد يسمح للكاتب أن يقول: "لي الحق أن أكتب ما أريد وأعبر عما في نفسي كما أشاء". . . إن عصرنا عصر أزمة فكرية وضيق عقلي. وكما أنه لا يسمح للناس في زمن الأزمة المالية أن يبذروا أموالهم في سبيل شهواتهم الخاصة وأمورهم التافهة، فكذلك يجب ألا يسمع لقادة الفكر في عصر الضيق العقلي والأزمة الفكرية أن يبددوا قواهم على المسائل الطفيفة والأبحاث الجزئية.
стр. 136
فعلى كل منا عندما يهم بكتابة مقال أن يتساءل بصراحة: "إلى ماذا أرمي؟ أتراني أُضيف بمقالي فوضى إلى هذه الفوضى الفكرية التي يتخبط فيها عالمي، وأقذف بعنصر جديد إلى العناصر التي تتطاحن في محيطي، فأزيد في بلبلة أمّتي واضطرابها الفكري أم أنا أعمل لتوجيه قوى هذه الأمة العقلية نحو فكرة صائبة أو عقيدة واضحة؟
فإذا لم تكن غايته من هذا النوع الأخير، فخيرٌ له وللأمة أن تظل كلماته مدفونة في نفسه، وأن يبحث له عن طريق آخر يخدم بها أمته ولغته". اهـ
إن هذه الكلمات القلائل التي ختم بها الأستاذ زريق بحثه عن الأدب الذي يقود الأمة وشبابها إلى إنقاذ المدنية العربية والإسلامية والشرقية من رَدَغَة الخبال (١) التي تورط أهلها في أوحالها ومستنقعاتها -حقيقة بأن تكون من "محفوظات" كبار الأدباء الذين يرمون عن أقلامهم آراءَ وعقائد وأساليب لا يمكن أن تكون مما يحتملها مخلص لأمته، ينظر إلى المستقبل الذي هو ثمرة الماضي والحاضر، ونتاج اللّقاح الفكري الذي تتقبله عقول الشباب حين تبدأ تتفتح عن أكمامها لتعمل عملها في إنتاج الثمار إما غضًّا شهيًّا وإما فجًّا متعفنًا موبوءًا.
هل يمكن ؟
فهل يمكن أن يكون أدباؤنا ممن يتقبل النصح الخالص الذي لا تحمل عليه ضغينة أو رياء أو حيلة؟ وهل يمكن أن يعرف أحدهم أن ليس في الدنيا أحد هو أعلى من أن يتعلم، ولا أحد أقل من أن يُعلم؟ وهل يمكن أن تفرَغ النفوس التي تتخذها الكبرياء من الروح النّافشة التي لا طائل تحتها؟
لقد جعلت مقامي في هذا الباب مقام المذكِّر الذي يحب أن يؤدي واجبه لمن يقرأ كلامه، فأنا لا أستطيع إلا أن أتكلم بكلامي وإن أغضَب من لا يرضى إلا بما يرضيه من الملق والدهانِ والمماسحة، وقد انقضت أسابيع طوال من أسابيع الأدب وأنا أزداد كل يوم شكًّا في مقدرة أدبائنا على الإنتاج الأدبي الرفيع
стр. 137
الذي يمكن أن يخلد في تاريخ الأدب، وقد تتبعت أقوال هؤلاء وأساليبهم فلم أجد إلا كل ما يحفزني على المصارحة والنصح وإبداء الرأي مكشوفا غير مكفَّن.
وأنا لو كنت أحمل نفسي على تتبع هؤلاء واحدًا بعد واحد أنقد أقوالهم على التفصيل دون الجملة، ثم أقيد ما أريد بالكتابة في هذا الباب من "الرسالة" لما كفاني القدر الذي أكتبه ولما استطعت أن أستوعب الرأي في كل ذلك على أسبوع أسبوع، فلذلك تجنبت جهدي أن أعرض لأشياء كانت تقتضيني أسابيع في تقصيها وتفصيل أجزائها، وبيان مكان الفساد منها، والدلالة على قلة عناية هؤلاء بقرائهم، وصغر احتفالهم بالأدب الذي اتخذوه لهم صناعة عرفوا بها عند الناس، حتى صاروا للشباب أئمة بهم يقتدون. نعم، وكأنهم لا يعرفون أن ما يخرجونه للناس إن هو إلا غذاء جيل من الشبان يأخذ عنهم ويحتذى عليهم، فإن يكن في الذي يأتون به فساد فهو إلى إفساد الشباب الجديد أسرع، وفي طبائعه اللينة أعمل وأوغل؛ فأيُّما خطأ صغير منهم فهو عدة أخطاء كبار في الذين يلونهم من الشباب المقلد المسكين.
إن أمثال الدكتور طه حسين والأستاذ أحمد أمين والدكتور زكي مبارك والأستاذ الزيات وفلان وفلان من كبار الأدباء هم من هذه الأمة الشابة من الناس بمنزلة السراج الذي يضئ للشباب معاني الحياة المظلمة بالجهل، فإذا انقلب السراج فإنما هو الحريق وانتشاره ومعمعته ومضغُه قوة الشباب بفكين من نارٍ حُطَمة.
الرحلتان
ويذكرني هذا ما يقطع عليّ نهاية الرأي. فقد قرأت أخيرًا مقالتين، إحداهما للدكتور طه، والأخرى للأستاذ أحمد أمين، وهما بهذا العنوان "رحلة". وقد تعود الأستاذان أن يتقارضَا المقالات منذ أسابيع طويلة، وأكثرا في ذلك إكثارًا لا يمكن أن يُغْضَى عنه، وكنتُ أحبُّ ألّا أعرضَ لَهُ لعلّه ينتهي إلى نهايته، فإذا هو شيء لا ينقطع. فمن يوم أن كتب الأستاذ أحمد أمين ما كتب وسماه "مدرسة الزوجات" وقارضه الدكتور طه "بمدرسة الأزواج" ثم "مدرسة المروءة" ثم
стр. 138
"مدرسة. . . ." إلى آخر هذه الأشياء، وافتتنا بهذه الطاحون التي تدور على دقيق مطحون قد فُرِغ منه -من ذلك اليوم وأنا لا أرى فيما يكتبان إلا استسلامًا للقلم وبدواته وبوادره، واجتلبا في ذلك من الرأي ما لا يستقرُّ ولا يتماسكُ.
وفي هاتين الرحلتين رأيتُ العجب! ! فالدكتور طه مثلًا قد أطال في تحقير مصر والزراية عليها وعلى أرضها بما احتمله عليه الغضب الذي رغب في إنشاء مدرسة له يسميها "مدرسة الغضب". رحل الدكتور طه بالسيارة في الطريق الزراعية فغاظه التراب الذي يثور من حوله فيطلق لسانه بهذه الأسئلة "لماذا ندفع الضرائب" وفيم تنفق الدولة أموالنا؟ وماذا تصنع الدولة؟ ولماذا ننشيء الدولة؟ ".
فليخبرنا الدكتور طه عن السبيل الذي نتَّقي به الزراية على أرض مصر! ماذا تصنع الدولة في طريق عن جانبيه تلك الأرض الخصبة الواسعة التي تُسْقَى لتطعم أهل مصر من خيراتها؟ كيف تتقي الدولة مرور الناس والدواب وأرجلهم تحمل أوحال الأرض الخصْبَة فتمرُّ بها على الطريق الزراعي الممهَّد، فتأتي الشمسُ المصرية الملتهبة فتجفف الوحل فيثور ترابًا؟ إن هذا كلام يقال في البلاد الباردة التي لا تفعل الشمس فيها ما تفعل في أرض مصر الغبراء، هناك في "قرية من قرى السفوا أو الدوفنييه أو الكانتال، على قمة جبل من هذه الجبال التي ألف الدكتور طه الاعتصام بها إذا أقبل الصيف، والتي فارقها في الصيف وقلبه يتقطع حسرات" أو كما قال. . .! إن مثل هذا يجب أن يلغى من آراء أدبائنا، إن لم يكن من أجل أنفسهم فمن أجل مَن يتولاهم من الشباب. وليس أكثر آراء الأستاذ أحمد أمين في هذا المقال بأقل ابتعادًا عن الحق من الذي عرضنا له.
جناية ! !
والأستاذ أحمد أمين هو الذي حمل على الأدب العربي، وحقر الشعر الجاهلي، ودفع بحجته في وجوب نبذ هذا الأدب وذلك الشعر الجاهلي لأنه كان جناية على أدبنا. وأنا كنت هممت أن أؤدى واجبي للأدب العربي بإظهار فساد هذه الآراء التي لم تنضج ثمراتها، ثم رجعت عن ذلك، رغبة أن يترك مثل
стр. 139
هذا الرأي حتى يفني في نفسه، لعلمي -بالاستنتاج- أن الأستاذ ليس أديبًا ناقدًا، والناقد أديب مضاعَف، وقدرته على الأدب أكبر من قدرة الأديب المحض. وقد أحببت أن أقف على كلمة في مقالة الأستاذ أحمد أمين "رحلة" تدلك على أن رأي الأستاذ في الأدب العربي والشعر الجاهلي رأي لا يؤخذ به، فقد قال: "وهاهم أولاء رفقة كأنّ أخلاقهم سكبتْ من الذهب المُصفَّى، وكأن شمائلهم عصرت من قطر المزن" وهي جملة لا ينطلق بها أديب متمكن البتة، فما ظنك بأديب ناقد، وأنا لا أعرف كيف يعصر قطر المزن (أي الماء)، وهو لا يمكن أن يُعصر. ونحن لا نشك في أن الذنب ليس للأستاذ الجليل، وإلا فهو ذنب الشيخ اليازجي صاحب "نجعة الرائد، وشرعة الوارد، في المترادف والمتوارد". . . إلخ، الذي ذكر هاتين العبارتين بنصهما وترتيبهما في فصل "كرم الأخلاق ولؤمها ص ٧٠ الطبعة الثانية، وهما من حشد الشيخ الذي لا يقوم على أصل من البيان والبلاغة.
أَجَلْ، إن كثيرًا مما وقع في كتاب الشيخ اليازجي -على جلالته- إنْ هو إلّا مجازات واستعاراتٌ كأخيلِة المحموم مادَّتها من الهذيانِ اللغويِّ الذي لا يَصِل إلى الحقيقة بأسباب من منطق العقل. والبلاغةُ ليست إلّا حفظ النسبة بين الحقيقة اللغوية والمجاز البياني، فكل ما لم يكنْ كذلك من المجاز والاستعارة فهو لَغْوٌ يتشدقُ به من ليس لَهُ طبعٌ أدبيٌّ رفيع. وجهدُ اليازجيّ كان حشدًا من كلامِ العصور المتقدمة في العربية، فأخذ من الجيد والردئ على غير نقد أو تمييز.
فكان واجبُ الأستاذ أحمد أمين -الزاري على الشعر الجاهلي وواصمه بالجناية على الأدب العربي- أن ينقُد مثل هذه العبارات الضعيفة المتهالكة التي لا تتصل بسبب إلى البلاغة العربية على اختلاف عصورها لا أن ينقلها إلى كلامه. وإلا فلينظر الأستاذ إلى أثر هذه المجازات في بيان الشباب الذي يحبُّه ويعجب بأدبه، ويتلقى كلامه بالإجلال وحب الاقتداء.
стр. 140
الشعر والشعراء
أخشى أن يكون أهمَّ أركان الشعر إحساسُ الشاعر بمعانيه إحساسًا كاملًا نافذًا متغلغلًا، لا يدعُ للمنطق العقلي المجرّدِ عملًا في تكوين شعوره. وليس معنى ذلك أن يَتَعرَّى الشعر من المنطق العقلي المجرد، بل معناه أن ينقلب المنطق العقلي -بكماله وتمامه وقوته واستوائه واستقامته- حاسة دقيقة مدبِّرة تعمل في حياطة الإحساس والقيام عليه وتصريفه في وجوهه على هُدًى لا يضل معه، فلا يشرُد عن الغرض الذي يرمى إليه في التعبير عن الصور التي تنشأ لهذا الإحساس. وإذن فأكبَرُ عمل المنطق العقلي في الشاعر أن يُمِدَّ الإحساسَ، بما ليسَ لَهُ من الاستواءِ والاستقامةِ والسدَاد، وكذلك تتداعَى إليه الألفاظُ التي يريدُ التعبير بها مقترنًا بعضها إلى بعض، بحيث لا تخرج هذه الألفاظ في الكلام حائرة قلقة، تجول في عبارتها من انقطاع الرباط الذي يربطها بالمعاني التي أحسها الشاعر، فهاجتْه فغلبته فأراد التعبير عنها تعبيرًا صافيًا مهتزًّا متغلغلًا قويًّا، فيه صفاءُ الإحساس، واهتزازه وتغلغله وقوته.
وأداة المنطق العقلي هي اللغة، والعقل بغير اللغة لا يستطيع أن يستوى ويتسلسل ويتصل، ولا أن تتدفق معانيه في مجراها الطبيعي.
فالمنطق العقلي كما ترى هو خزانة اللغة التي تمول الإحساس، فهو يتقاضاها ما تستطيع أن تمده به من المادة التي تمكنه من الظهور والانتقال. فربما أخذ من اللغة ما هو "موصل ردئ" للإحساس، وربما أخذ منها ما هو "موصِّل جيد" يستطيع أن يسرى فيه إلى قارئه أو سامعه، فإذا عرفت هذا أيقنت أن الشعر يتصل أول ما يتصل بإحساس قارئه وسامعه، فيهزه بقدر ما تحمل ألفاظه من إحساس قائله. فإذا أَخفق أن يكون أثره كذلك، فمرجع هذا إلى أحد أمرين:
إما أن الشاعر لم يُوَفَّق إحساسُه في الاستمداد من لغته ما يطابق الإحساس ويكون "موصِّلًا جيدًا" له، لأن منطقه العقلي لم ينبذ إليه من مادته ما هو حق
стр. 141
المعاني التي يتطلبها إحساسه، هذه واحدة. أو لأن مادة هذا المنطق العقلي أفقر من إحساس الشاعر، فهي لا تملك عندها ما يكفي للتعبير عن إحساسه، فهذه أخرى. ولهذه العلة الأخيرة تجد كثيرًا من عامة الناس ليسوا شعراء، ومع ذلك فربما كان أحدهم أدق إحساسًا وأعمق وأعنف، ويكون إحساسه أحفلَ بالمعاني وأغنى، وإنما يقطعهُ عن الشِّعر هذه العلَّة، وهي فقر المنطق العقلي من اللغة التي هي مال له. أو انقطاع المنطق العقليّ دون الوصول إلى المنطقة التي ينقلب فيها هذا المنطق -بكماله وتمامه وقوته واستوائه واستقامته- حاسة دقيقة مدبِّرة تعمل في حياطة الإحساس والقيام عليه وتسديده للغرض الذي يرمى إليه في التعبير عن معاني الإحساس، كما قدمناه آنفًا.
وأما الأمر الثاني -الذي يُخْفِقُ بسببه الشعر في التأثير- فمرَدُّهُ إلى القارئ أو السامع. فإذا كان إحساسُ السامع أو القارئ ضعيفًا بليدًا غثًّا، فمهما يَأتِه من شعر حافل قويٍّ عنيف دقيق العبارة عن إحساس شاعره -فهو لديه شيءٌ فاتِرٌ ضعيفٌ لا يهزُّه ولا يبلغُ منه ولا ينفذُ فيه، وهذا الضرب من العامة الذين لا يتأثرون بالشعر لا يُعتد بهم ولا ينظر إليهم، ولكن هناك ضربٌ آخر يكون بليغ الإحساس جيد التلقي، صالحًا للتأثر بما ينتقل إليه من هزة الإحساس فيهتزُّ لها ويطرب، وقد يكون مع ذلك خِلوًا من اللغة التي يعبِّر بها الشعر، إذ ليس له منطقٌ عقليٌّ سامٍ متخير للكلام يختزن اللغة لنفسه إذا فكَّر، ولفهمه إذا حُدِّث أو أُنشد؛ فهو ربما سمع الشعر الجيد فلم يبلغ منه المبلغ الذي أريد له هذا الشعر، وكثر هؤلاء في عصرنا هذا حتى سقط الشِّعر ولم يحفلْ به إلا قليلٌ؛ وهم لم يكونوا كذلك إلا لفساد التعليم وقلة احتفاله باللغة وبيانها وأسلوب مجازها، ولأن الجهلاء والسخفاء هم سوادُ الناس، وفساد الطبائع فيهم راجعٌ إلى هذين: فمخالطة الجهالة تورث الجهالة والخبال، وترك التعلُّم وسوء التعليم ذريعةٌ مفضيةٌ إلى الجهل والبلادة، فكيف -مع هذين- يخلص أحدهم من فقر العقل وبلادة التأثر بالشعر البليغ الحافل بالإحساس المشبوب العنيف؟
فأنت ترى: أن اللغة المتخيرة المرصدة للتعبير عن الإحساس تعبيرًا مسددًا
стр. 142
بالمنطق العقلي الذي لا يزلُّ على مدارج المجاز فتنقطع صلاتُه بحقائق المعاني التي وضعت لها هذه الألفاظ اللغوية. . .، ثم المنطقُ العقلي الذي يختزن هذه اللغة، ويستطيع أن يتحوَّل حاسة دقيقة مدبرة تقوم على الإحساس وتحوطه من الضلال. . .، ثم المعاني التي يتمثلها إحساس ال شاعر حين يَهيجه ما يؤثر فيه تأثيرًا قويًا عنيفًا -هذه الثلاثة هي، مادة الشعر الجيد، فإذا سقط أحدها أو انحط أو ضعف، سقط الشِّعرُ بسقوطه أو انحط أو ضعف.
وأنا أقول: إن أكثر شعر العصر العربي الحاضر قد انحط وضعف وسقط، لأن أكثر الشعراء قد بلغ منهم العيب مبلغًا أفسد كل ما يعتدُّ به من آثار "الشاعرية" التي بقيت فيهم، ولم يخلص لأحد منهم جميع هذه الثلاثة التي ذكرنا. ولكن بقي لشاعرين أو ثلاثة ما يمكن أن يُلحقهم بأهل المرتبة الأولى من الشعراء العبقريين، وهذه المرتبةُ الأولى إنما نتخيلُها ولا نكاد نعرف أحدًا استوى عليها، فملك فيها بيان العربية وشعرها يصرفهما كيف شاء، فيكون في تاريخ اللسان العربي عبقرية جديدة كامرئ القيس، ومسلم بن الوليد، والمتنبي، وأبي نواس، والبحتري، وأبي تمام، وغيرهم ممن يعد لسانًا وحده. . .
شاعر! !
وأحد هؤلاء الشعراء الثلاثة الذين سيدفعون أنفسهم في مجاز العربية حتى يبلغوا المرتبة الأولى -فيما نتوهم- هو "محمود حسن إسماعيل": فهو إنسان مرهف الحسّ دقيقه، متوهِّجُ النفس، سريع التلقى للمعاني التي يصورها له إحساسه، وإن إحساسه لينشئ له من هذه الصور والمعاني أكثر مما يستطيع أن يطيق صبره، وهو -إذ فقد الصبر على مطاولة هذه المعاني من إحساسه- تراه يثبُ وثبًا من أَول المعنى إلى آخره لا يترفَّق، كأن في إحساسه روح "قنبلة". فلذلك تجد المنطق العقلي في شعره متفجرًا أبدًا لا يبالي "أوقع على اللفظ من اللغة، أم وقع اللفظ عليه"، ولكنه على كل حال منطق يقظٌ حساس بعيد الوثبة، يحاول دائمًا أن يضبط هذا الإحساس الذي لا يهدأ ولا يستقر. وسينتهي -بعد قليل من المصابرة والمرابطة لإحساس مشاعره- إلى القدرة على متابعة إحساسه وكبحه وتزجيته على هدْى واحد مؤتلف غير مختلف، وذلك حين يجتاز الشاعر
стр. 143
السن التي هي علة التوقد الدائم والاهتزاز المتتابع تتابع البرق إذا خفق وومض وضرب بعضه بعضًا بسياط من الضوء في عوارض السحاب. . . وأما لغته، فقد ملك منها ما يكفيه بقدر حاجة بعض إحساسه، فإذا امتدت يده إلى خزائن العربية التي لا تنفد، وتداخل في أسرار حروفها بالمدارسة الطويلة، وتآمرت -ثلاثتُها- على تسنية الأبواب له واحدًا بعد واحد، حتى يستطع أن يستوي على سَرارة (١) المرتبة الأولى للشعر غير مدافع.
هذا. . . وإن في كثير من شعره الذي نشره إلى اليوم، ما يجعلني على ثقة -إن شاء الله - من أنه مدرك ذلك لا محالة، فهو قد استولى على كل ما هو به شاعر، ولا أظن ظن السوء بقدر الله أن يكون هو قاطعه دون المنهج الذي تعبَّد بين يديه، ولم يبق له إلا قليل حتى يبلغ الذروة العليا.
قصيدة الزلزال
وقد قرأت قصيدته (*) الأخيرة في "فاجعة تركيا" -كما سماها- ثم سمعتها، فوجدت لزامًا عليّ في هذا الباب أن أثبت بعض رأيي في الشعر والشاعر، ثم في "محمود حسن إسماعيل" خاصة، ثم في هذه القصيدة، وقبيح أن يجهل مريدو الشعر الجيد هذه القصيدة الفذة، التي تكشف عن السر المستكن وراء هذا الشاعر. وإذ قد عرضنا مرة لبعض الشعر الأسود المظلم، فلا بد إذن من أن نمحو آيته ببعض آيات الشعر المشرق المضئ.
وقد كان "زلزال الأناضول" عذابًا من العذاب الأكبر بأهواله، حتى قالوا إنه أشد ما عرف من الزلازل وأخطرها وأفظعها موقعًا وأثرًا، وقد كان ما تنشره الصحف اليومية من أخباره هولًا هائلًا مفزعًا يكاد يجعل الولدان شيبًا. فلا شك إذن أن يكون هذا الرعب الراجف في إحساس شاعر فزِعٍ "كمحمود" رجفة يُرعد بها رِعدة طائرة مدوية مصلصلة مجلجلة.
стр. 144
وأنت إذا بدأت القصيدة:
هات الشدائد للجريحةِ هاتها ... فالصبر في الأهوال دِينُ أُساتها
واحشُد صروفك يا زمان فربما ... لهبُ العظائم شُب من نكباتها
ولعلها خمرٌ تدور فيستقى ... خَمْرَ الكفاح الشرقُ من كاساتها
رأيت الأمر والنداء، نداء الفزع الطامي بطغيان أمواجه على إحساس الشاعر، فلم يملك إلا إسلام نفسه إلى اليأس، فيستزيد من البلاء ويطلبه فيقول: "هات الشدائد" ثم يعود فيقول: "هاتها" ليثبت إيمانه بالصبر على هذا البلاء، فهو إيحاء، إذ قد يئس أن يصرف عن إحساسه ما طغى به عليه هول ما سمع من صفة الزلزال. ويَدُلُّك على أن هذا المطلع قطعة من اليأس، عودتُه إلى الشك في هذه الشدائد الموقدة بنارها ولهيبها، والتي زلزلتْ أمة من الناس فكانوا كما قال الله تعالى في صفة زلزلة الساعة: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾. فكذلك عاد الشاعر يشك بعد طغيان البلاء عليه أن ينقلب كل ذلك الرعب الذي اضطرب به الناس سُكرًا يجزِّئ هذا الشرق المغلوب على الكفاح، في زمن يرمى من أهواله شدائد ترجف بالشرق رجفة كأشد ما رَجفتْ زلزلة الأناضول، فلذلك قال: "ولعلها خمر. . . .".
هي أمةٌ زلزلتَ جَنبَ مِهادها ... ونفختَ ريحَ الموت في جَنباتها
وهذا البيت يكاد يكون الحد الفاصل بين يأس الشاعر الذي طغى عليه حتى أنساه روح الزلزلة التي كانت في إحساسه، وهو نفسه الذي يردُّه مرة أخرى فزعًا ثائرًا متوثبًا تتقاذقه تهاويل إحساسه في رعب بعد رعب.
شَوَّهتَ صَفحتها بمديةِ جازِر ... الرحمة انتحرت بحدِّ شَباتِها
مجنونةُ الحدّيْن لو هي لَوَّحتْ ... لانهَدَّ رُكن الأرض من حركاتها
ذئبية الشهوات جاع حديدُها ... وأراق جوع الوحش في لَهَواتها
وهنا موضع يوقف عنده، فإن المعنى الذي أراده الشاعر، والصورة التي
стр. 145
نشأت من شدة إحساسه بهول الزلزلة طغتْ فلم يستطع المنطق أن يضبط اللغة على قياسها، فهو يريد أن يقول: إنه ورى هذه المدية الصقيلة الذئبية الجائعة المهلكة المجنونة فيرى على حَدَّيْها وصفحتيها من فِرِندها وضوئها ومائها ما ينسابُ ويتريَّق ويتلألأ ويرمي بأضوائه كأنه ضوء جائع يريد أن يلتهم كل ما يلقاه، وذلك قوله: "وأراق جوع الوحش في لهواتها" فقوله: "وأراق" هنا لا توافق المعنى، وقد أوقعه عليها اختلاط "فرند المُدْيَة" -وهو ماؤها- بالمعنى الذي أراده، ولو قال: "يذكى سعار الوحش في لهواتها" أو ما يقارب ذلك لكان أجود. ثم يمضي الشاعر في تصوير ما تخيله -حين فجأت الزلزلة الأناضول-:
والناسُ غَرْقى في السكون سَجتْ بهم ... سِنَة يَنامُ الهوْلُ في سَكناتِها
بَيْنا همُ فَوْق المهودِ عَوَالمٌ ... غشَّى ضبابُ الصمت كل جهاتها
وإذا بقلبِ الأرض يرجفُ رجفةً ... دُكَّ الصباحُ وذابَ في خَفَقَاتِها
وانشقَّت الدُّنيا لديه فلم يَجِدْ ... أرضًا يغيثُ النورَ في رَبَواتها
فَطوَى المدائن والقرَى وهَوَى بها ... في سدْفَة تهوي على ظلماتِها
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وبنى اللحودَ على المهودِ وهدَّها ... فَنَضَا ستورَ الموت عن عَوراتها
زأرت جراحُ الأرضِ فاهتاجَ الردى ... وتنهد الزلزال في ساحاتها
وإذا الذي أتى به في وصف الزلزلة إلى آخر القصيدة شيء هائل مخيف تقشعر