وأباطيل الحاضر، فيمتلك من سلطان روحه ما يستطيع به أن يهدم الأسداد التي ضربت عليه، ويجتاز الخنادق التي خسفت (١) حوله.
لقد لقينا بهؤلاء العنت حين استحكم لهم أمر الناس فتسلطوا عليهم بالرأي وأسبابه، فخلعوا بسوء آرائهم على الشرق ليلًا من الاختلاف لا يبصر فيه ذو عينين إلا سوادًا يختفي إذ يستبين. وكانوا له قادة فاعتسفوا به كل مضلَّة مهلكة تسلّ من قلب المؤمن إيمانه، وتزيد ذا الريبة موجًا على موجه. فلما كتب الله أن يدفع مكر هؤلاء بقوم جردوا أنفسهم للحق، رأوا أن يلبسوا للناس لباسًا من النفاق يترقون به إلى التلبيس عليهم ما حذقوا من المداورة، وما دربوا عليه من فتن الرأي، وما أحسنوا من حيلة المحتال بالقول الذي يفضى من لينه إلى قرارة القلوب، حتى إذا استوى فيها لفها لف الإعصار، واحتوشها من أرجائها، ثم انتفض فيها انتفاض الضرمة على هبة الريح في هشيم يابس.
وقد أقبلت اليوم على الشرق أيامٌ تتظاهر فيها الأقدار على أن تسلم إليه قيادة مدنيته الجديدة بعد طول الابتلاء وجفاء الحرمان، وجاءت مع هذه الأيام فتنٌ يُخشى أن تضرب أوّله بآخره حتى لا يقوم شيءٌ هو قائمٌ، ولا يبقى من أعلام الماضي إلا آثار التاريخ التي تقف شواهد على ما مضى وآيات لما يستقبل. فإذا كان ذلك، فإن الحكمة والحزم والجِد أن نميز الخبيث من الطيب، وأن نختار لأنفسنا قبل البدء، وأن يلي منا أمر القيادة من هو حق صاحبها والقائم عليها والمحسن لتصريفها وتدبيرها وسياستها، وإلا انفلتت من أيدينا حبال الجمهور المتحفز، فانتشر على وجوهه وتفرق، وكأن ما كان لم يكن، وكأن الفرصة قد عرضت لنا لتدع في قلوبنا بعد ذلك حسرة لا تزال تلذع بالذكرى.
إن أكثر هؤلاء الذين وصفنا قد وجدناهم يمدون أعناقهم يتطاولون مرة أخرى للوقوف في مقدمة الطلائع الشرقية، ورأوا -من أجل ذلك- أن يماسحوا الرأي العام على بعض أهوائه وعلى طائفة من أغراضه، ليستمر لهم ذلك المكان الذي
стр. 247
حازوه من قبل، وليكونوا في الشرق الجديد ما كانوا في أيامه السالفة. فهم يبدون له ما لا يعتقدون عليه نياتهم، ويحدثونه حديث مَن طَبَّ لمَن حَبَّ (١)، وهم كانوا قبلُ أعانوا عليه، إذ أفسدوا صالح أعماله بالآثم من أعمالهم وآرائهم، وهم كانوا عليه حربًا، إذ نزعوا من يديه سلاح القتال في سبيل حريته واستقلاله وانفراده بخصائصه التي ورثها وخص بها، وعمل الجيل بعد الجيل في تنقيتها له تنقية المدَرة (٢) من بين الحَب.
ليس اليوم أوان يترك الشرق عنانه في الأيدي التي لعبت به وغررت، ولا هو يوم التهاون في القليل لأنه قليل، ولا هو يوم إحسان الظن بمن يحتال للظفر بحسن الظن، ولكنه اليوم الذي يتفلت فيه من كل ضلالة وعبث، ومن كل مرتفق للنفع متشوِّف (٣) للمصلحة، ومن كل سبب من أسباب التدمير. فإذا فعل ذلك، وأعطى كل ذي حق حقه، وامتاز المجرمون، وخلص له المخلصون واستعان بحرية اختياره على إقرار الناس في مواضعهم وعلى مراتبهم، فيومئذ يجد القدرة على انتزاع حريته من أنياب الغاصبين، ويصيب مهاد الطريق إلى الغاية التي ينظر إليها بآماله وأشواقه نظرة العامل لا نظرة الحالم المتخيل.
وأخوف ما نخافه هو ما أوتى هؤلاء من الرفق واللين وحسن المجاملة، وأنهم قد أحكموا معرفة الأسباب التي بها يأخذون بأيدي الناس وعقولهم، وأنهم قد أوتوا نصيبًا من الصيت يتغلب بهم على ما يعترضهم أو يردهم، وأن الناس أسرع اتباعًا لما ألفوا وحنينًا إليه، وأن البلبلة التي تأتي مع الحروب وتمتد في أذيالها، تدع الناس حيرى غرقى يتلمسون في كل شيء شيئًا يتعلقون به، فإذا لم نأخذ من الآن في جد من الأمر، ولم نصرف جهودنا إلى اختيار الأصلح في كل شيء، فما بد من أن تنجلي العمايات بعد عن الدنيا لتطبق علينا عماية مصفقة كالظلام المصمت. ويومئذ نرتدّ على أعقابنا حسرى عُناة كأسوأ ما مر بنا من زمن، وتضيع الفرصة السانحة ونحن غرقى في بحر طام قد نزح عنا شاطئه بعد الدنو.
стр. 248
فعلينا الآن أن نثق بأنفسنا غاية الثقة، لأن الثقة بالنفس هي جيش الحرية، وأن نشك كل الشك في أصحاب الرأي ومن يتعرضون للإمارة عليه، لأن الشك في هؤلاء هو حارس الحرية، وأن نشتد في مطاردة الضلال والعبث، لأن هذه الشدة هي سلاح الحق وسلاح الحرية. فإذا غلب علينا التهاون في شيء من ذلك، فإنها ثغرة تتدفق منها على الشرق مرة أخرى ضلالات وفتن كقطع الليل المظلم، ويعجز أهله عن حمل أعباء الحضارة الجديدة التي اختارهم الله مرة أخرى للعمل عليها والقيام بها. فما بد من أن ينفض الشرقي بعينيه ورأيه كل بارقة وكل غمام، مخافة أن تنزل الصواعق عليه من حيث ظن الغيث.
ليس في الشرق قوًى تضارع تلك القوى الهائلة التي صبت من الحديد والنار وأسرار الكون، وليس فيه ذلك الغنى غنى الاستبداد والجبروت والسياسة، وليس فيه ذلك الجمهور العظيم من العقل العامل لإيجاد القوة في كل شيء لاستخلاص المنافع من كل شيء، ولكن هذا الشرق لا يزال يحتفظ بأعظم قوة تخضع كل هذه الأشياء لسلطانها الذي ينال النصر ما تعاون ولم يتفرق. وتلك هي قوة الروح، وقوة الخلق، وقوة الاستمرار إلى النهاية مصابرة لا ذلًّا، وإيمانًا لا عنادًا، وتسليما لا غفلة، فعلينا أن نعرف فضائلنا التي توارثناها، وأن ننفي عنها ما خالطها من خبهث الجهالات القديمة التي تراكمت عليه فقعدت به أزمانًا طوالًا، حتى استرخى نائمًا والناس يقظى.
إن الشرق إذا خلص من شر النفايات الطافية على سطحه، وإذا وثق بسلطان الروح السامية التي لا تذل، وإذا نهج النهج لا يتهيب، فما بدٌّ من أن يحوز من القوة ما يضارع قوة المدنية الأوربية المتهالكة، وأن يجعل في هذه القوة من النظام الروحي النبيل ما يرد كل غائلة ويمنعها كل عدوان، ويرفع الإنسانية درجات في طريقها إلى السماء. وهذه أيَّامٌ فيها عِبَرٌ كثيرةٌ لمن يعتبر، فإن حقائق المدنية الأوربية تستعلن كلها في هذه الرجة العظيمة التي ترجف بالعالم ساعة بعد ساعة.
ولكن علينا أن نثق، وعلينا أن نشك، فإذا رفعت الثقة أسباب الشك، فإن الخير كله آت على طول الجهاد وترك التهاون وعلى استجادة العمل ومرابطة
стр. 249
النفس عليه، وعلى الأناة دون العجلة، فإن الغَرس الصغير يكبر على التعهد حتى يؤتى الثمرة، ومن استعان بأسباب الحق أُعين، ولا يهلك الناس إلا من هيبة أو تهور.
стр. 250
يوم البعث
إن أحدنا لتستبد به في بعض عمره فترات يجد فيها الحياة قد وقفت في دمه كالجدار المصمت لا تميل ولا تنثني ولا تتحول، ويجد النفس متماوتة لا ترف رفة واحدة تشعر العقل أن الحي الذي فيه لا يزال حيًا يعمل، ويجد الدنيا كأنها بساط ممدود يمشي فيه بعينيه، ولكن البساط لا يمنحه حركة من هموده وسكونه وانعدام الحياة ذات الإشعاع فيه. ويتمنى أحدنا يومئذ أن تحل بأيامه قارعة تملأ عليه الزمن ضجيجًا ونزاعًا، عسى أن يتحول كل ما يجده من الفتور إلى نشاط ويقظة وخفة تبعث ميت نفسه من رمس الحياة الخاملة.
وهذا العارض إذا ألمَّ جعل الأيام مقعدة تزحف في زمانه زحفًا بطيئًا مرهقًا كأنها أمسكت على مرفأ الحياة بسلسلة ربوض، ويجعل الحي يعيش في كذب وباطل وفراغ من الروح، أي في حيرة وقلق وملل، فإذا حار وقلق ومل، جاءت أعماله كلها جسدًا لا ينبض نبض الحياة، وكذلك يختلف ما بين الحي وعمله، ويقف أحدهما من الآخر موقف المثَّال العاجز من تمثاله، يقول له: أين أنا فيك أيها التمثال الغبي؟ فيجيبه الصامت البغيض: أين أنت في نفسك أيها الأحمق؟
الحياة هي حركة الروح في العمل، فإذا خلا العمل، فلم تتمثل في كل أنحائه حركة الروح العاملة، فذلك دليل على أن الروح مضروبة بالموت أو ما يشبهه، وأنها قد فقدت شرطها ونعتها وحقيقتها، وأنها إن عاشت على ذلك فستعيش في قبر منصوب عليها في تمثال إنسان. وإذا بلغ الإنسان ذلك أريقت كل إنسانيته على أيامه المقفرة فلا يثمر، فإن يثمر فما يطيب له ثمر، وإنما هو حسَك (١) وأشواك وحطب وكل ما لا نفع فيه إلا أذى وبلاءً عليه وعلى الناس.
وكما يكون ذلك أمر الفرد الواحد، يكون هو أمر الأمة من الناس، والجيل
стр. 251
من الأمم، فإن الفرد هو خلاصة الجماعة وأصل الجماعة. فالأمة تصاب بمثل الفترة التي يصاب بها الواحد منها، ولا يمنع ذلك أن يكون في بعضها ما يخرج على ضرورة هذا العارض من الفتور الذي وصفناه. وعندئذ تتمنى الأمة أن تنزل القارعة لتهز الجو الذي تعيش فيه هزة مدوية مجلجلة، ترمى في سمع أبنائها الصوت الموقظ الذي يفزع عليه النائم ينفض عن نفسه الخمول والأحلام الهائمة والأماني الباطلة المكذوبة.
وقد عاش الشرق من قرون طويلة وهو يجد الحياة من حوله فاترة ساكنة بليدة ميتة الظلال عليه، وجاء بعض أبنائه من سراديب الفكر البعيدة يصرخون ليوقظوا الأحياء الذين ضُرِب على آذانهم بالأسداد، وغشاهم النعاس عجزًا وذلًّا ومهانة، ولكن هؤلاء رجعوا وارتدوا، ولم يسمع الناس، وإنما سمعوا هم صدى أصواتهم وهي تتردد في قفر خراب موحش.
أما اليوم الذي نحن فيه، فقد جاءت الشرق القارعة التي حلت بديار الناس وبدياره، وهو يسمع صليل صواعقها بأعصابه كلها لا بآذانه وحدها، وهو يفيق من نومة طويلة على ما لا عهد له بمثله. فهل يحق لنا أن نؤمل أن هذا الصليل المفزع سيجعل الشرق يلم ما تشعث من حياته ليستقبل حياته الجديدة قد جمع قواه للنهضة والوثبة والانقضاض على أوثان المظالم القديمة التي تُصِبت فعَبَدَها مَن عَبَد ممن خشعوا وذلوا، وطمعوا في رحمة الطواغيت فما نالوا -على أوهامهم- إلا فُتاتًا من موائد هذه الطواغيت المتوحشة المستبدة الطاغية؟
إن الشرق اليوم يجب أن يسأل سؤالًا واحدًا يكون جوابه عملًا صارمًا نافذًا لا يرعوى دون غايته، وهذا السؤال هو أول سؤال ينتزع إنسانية الحي من الموت الفادح، إذا كان الدافع إليه هو رغبة النفس في تحقيق إرادتها تحقيقًا لا يبطل. من أنا؟ هذا هو السؤال؛ فإذا أخذ الشرق يسأل يحاول أن يصل إلى حقيقته المضمرة في تاريخه، فهذا بدء النصر على الأيام الخاملة التي غط غطيطه في كهوفها المظلمة.
ولكن البحث عن الحقيقة هو أبدًا أروع شيء وأخوف شيء، فإن السائل
стр. 252
شاك حائر، فإذا لم يستعن في حيرته بالسداد في الرأي وطول التقليب وحسن الاختيار وبالله التوفيق، فإن السؤال سوف ينزع به وَيَنبُثُ (١) عليه ويأخذه ويدعه حتى تتحطم قوته على جبل شامخ قد انغرست فيه أشواك صخرية من الحصا المسنون، ويرجع مجرحًا تدمى جروحه، يتألم ويتوجع ويشتكي قد أعياه الصبر على الذي يلقاه من أوجاعه.
فحاجتنا في البحث عن الحقائق التي يتطلبها هذا السؤال، أن نتدرع بقوة اليقين مما نحن مقبلون عليه من مجاهله ومنكراته، وأن نستجيش للنفس كل ما يزعها ويكفها عن الشك والتردد، وأن نقبل على دراسة أنفسنا بفضيلة المتعلم المتواضع، لا برذيلة المتعالم المتشامخ، فإن بلاء التعلم والدرس هو كبرياء الحمقى وغرور ذوي العناد والمكابرة.
والأمر كله الآن بيد الشعب أفرادًا أفرادًا، فإن العادة المستقبحة في هذا الشرق أنه يكل كل أمره إلى حكوماته التي أثبتت بوجودها إلى اليوم أنه لا وجود لها في حقيقة الحياة الشرقية. فالحكومات لا تستطيع أن تضع في روح الشعب هذا الإلهام الإلهي السامي الذي يشرق نوره على الإنسانية فيجلى لها طريقها، وينفي عنها خبثها، ويغسلها بأضوائه المنهلة من أعراض البلادة وجراثيم التفاني والانقراض.
ليس لشرقي أو عربي بعد اليوم أن يقف مستكينًا يقول لحكومته: افعلي من أجلي ياحكومتي العزيزة! ! بل يجب أن تكون كلمته: اعملي يا حكومتي فإذا أسأتِ فأنا الذي سيصحح أخطاء أعمالك الرديئة! ويجعل كل أحد منا همه ساميًا إلى غاية، وأمله معقودًا بغرض، ويبيت ليله ونهاره يتَدارَس في نفسه وفي أهله وفي عشيرته وفي شعبه، وفي التاريخ النبيل، وفي التراث المجيد حقيقة ما يجب أن يتعرّفه من شُعَب هذا السؤال الواحد: من أنا؟ ؟
والدعوة الجديدة إلى اليقظة الشرقية والعربية والإسلامية يجب أن تقوم على إثارة الشعب كله ليسأل كل أحد نفسه هذا السؤال: من أنا؟ فالعالم والأديب والشاعر والفيلسوف والعامل والصانع وأعضاء الأمة على اختلاف منازعهم ونوازعهم يجب
стр. 253
أن يشعروا في قلوبهم بحاجتهم إلى هذا السؤال، وأنهم موكلون به لا يهدأون، وأنهم دائمًا في طريقهم إلى جمع الحقائق للجواب عن هذا السؤال الواحد.
أما قيام الدعوة على البحث عن طريق الإصلاح وأساليب الإصلاح وتحقيق ذلك بالطرق العلمية. . . إلى آخر ما يقال في هذا الباب من القول، فما يجدى على الأمة شيئًا إلا ما أجدى قديم ما رددوه ولاكوه ومضغوه من الآراء التي عانوا وضعها، فلما وضعوها ماتت في المهد. وليس يمنع البحث عن مثل هذه الأشياء أن نكون أول ما نكون سباقين إلى الأصل الذي يجب أن تقوم عليه هذه الأشياء كلها.
إن الأمم لا يُصلحها مشروع ولا أسلوب من الحكم، ولا باب من الإصلاح، وإنما يحييها أن يكون كل فرد فيها دليلًا -بما فيه من الحركة النفسية- على أن الحياة التي يعيشها هي إثباث لوجوده. ولا يثبت الوجود للحي إلا بقدرته على الاحتفاظ بشخصيته، ولا يحتفظ المرء بشخصيته إلا أن يكون قد استوعب فهم ما يستطيع من حقيقة هذه الشخصية، وهو لا يفهم هذه الشخصية إلا أن تكون كل أفكاره متنبهة لتحليل كل شيء يعرض له، وذلك حين يكون كل همه في البحث عن أشياء هذا السؤال الواحد: من أنا؟
فإذا استطعنا في هذه الساعة الهائلة من تاريخ العالم وتاريخ الإنسانية أن نجعل طبقات الشعوب الشرقية تثور ثورتها على الفتور والجهل والغباء والبلادة وقلة الاحتفال بالحياة، وأن نجعل سلاح الثورة على أحسنه وأجوده وأمضاه في هذا السؤال، فقام كل أحد يسأل مَن أنا؟ فتجديد الحياة في الشرق حقيقة لا مناص للعالم بعدها من الاعتراف بأنها واجبة الوجود على الأرض. وأما إذا انطلقت مع أحلام النوم وفلسفة الأحلام، وجعلنا نلبس مُسُوح العلماء والمفكرين، وجلابيب الوقار والسمت. . . أي البلادة! فقد هلك على أيدينا من كان حقه علينا أن نجعل هذه الأيدي خدمًا في حاجاته ومرافقه.
إن من الهراء أن تأتي مجلس قوم من بلداء المهندسين قد اختلفوا في الأرض: هل تصلح لوضع الأساس أو لا تصلح؟ فتحدثهم أنت أن الرأي أن يتحولوا إلى مكان آخر من صفته ومن نعته. . . مما يصلح عليه البناء! فإن هؤلاء إذا بدأوا أمرهم بالاختلاف على ما يجدون عنه مندوحة، فاعلم أنه لا فلاح لهم، وإنما
стр. 254
الرأي أن تتحول أنت عن هؤلاء البلداء إلى من تجد عنده من الانبعاث إلى العمل ما لا يجد معه وقتًا يضيعه في ترجيح بعض ما يختلف عليه على بعض آخر.
فالطريق الآن إلى الحياة الجديدة أن يتحول الشرق عن أصحاب الاختلاف والمنابذة وعلم الآراء التي يضرب بعضها وجوه بعض تناقضًا وتباينًا وافتراقًا، وأن يصغى إلى حنين النفوس المتألمة التي تحن وتئن من أشواقها، فيتجاوب حنينها نغمًا روحيًا فيه حركة الحياة، وحرارة الوجد، وأضواء الأمل. وعندئذ يستجيب القلب للقلب، وتستمد الروح من الروح، وتثور الأشواق الخالدة في القلوب الطامحة والأرواح السامية، وبذلك تستحث الحياةُ الحياةَ إلى الغاية التي يرمى إليها الشرق بأبصاره من تاريخه ومن وراء التاريخ.
إن عمل العامل في أول الطريق غير عمله في آخره، فنحن سوف نبدأ -وسنبدأ بإذن الله-، فعملنا الآن هو إنقاذ أرواح الملايين من الموت ومن الفتور ومن الكسل، وليس عملنا أن نضع الأسس العلمية أو السياسية أو الأدبية لأرواح موات لا حركة فيها ولا انبعاث لها. وما جدوى علم لا روح فيه؟ أو سياسة لا نشاط فيها؟ أو أدب لا قلب له؟
إن عمل من يريد أن يعمل اليوم هو أن ينفخ في صور جديد يكون صوته فزعًا جديدًا مع الفزع الأكبر الذي نحن فيه، حتى تنبعث الأمم الشرقية من أجداثها ثائرة حثيثة قد احتشدت في ساحة الجهاد تلمع قسماتها بذلك اللهيب المتضرم الذي يتوقد بالأشواق، وتلمح نظراتها لمحًا بالشعاع الظامئ المتوهج بالأماني المرهقة المتسعرة، وتتجلى في كل عضو منها تلك القوة المعروفة في العضلات المفتولة، يخيل لمبصرها أنها تكاد تنفجر من ضغط الدم في أنهارها وأعصابها لولا ما يمسكها من جلدة البدن.
يومئذ يكون جواب الشرق عن سؤاله: من أنا؟ عملًا صامتًا لا يتكلم، لأنه لا يضيع أيامه في إسماع الزمن الأصم أساطيره الباطلة التي يرويها عن أحلام البلادة والجهل والخمول.
стр. 255
الحضارة المتبرجة
أعطت هذه الحضارة الأوربية الحديثة أعظم روح من الفن كان في الأرض من لدن آدم إلى يوم الناس هذا. وهذه الروح الفنية -على سموها في بعض نواحيها إلى غاية ما يتسامى إليه الخيال الفني- تتساقط وتتدنى وتنحدر من جوانبها إلى أدنأ ما يبتذل من الفن العامي المثير لأشأم الغرائز الحيوانية في الإنسان. وبهذه الرُّوح الفنية عالجت الحضارة الأوربية مشكلة الحياة السريعة الدائبة المثقلة بأعباء العمل، فاتخذت لكل مَلَل راحة واستجمامًا بلغت بهما غاية اللذة الفنية، تلك اللذة التي تجعل الأعصاب المجهدة إذا أوت اليها كأنما تأوى إلى بيت ذي رونق وزخرف وعطر وضوء يغمغم ألحانًا من الفن الموسيقي، فإذا بلغته استنامت بإجهادها على حشايا الخز والديباج، نعومة ولينًا ترسل في الأعصاب لذة تمسح الجهد حتى يسكن ويخف ثم يتبدد.
وكانت المرأة هي فنُّ الفنِّ للإنسانية، وهي الشاطيء الوادع لبحر الحياة المتموج، وكانت الظل الرطيب في بيداء موقدة تحت أشعة الشمس المحرقة، وكانت هي السكن للقلب المسافر دائمًا في طلب أسباب العيش والحياة. فجاء فن المدنية الحديثة فجعل الشاطيء بحرًا آخر يموج موجًا فنيًا مغريًا يجعل السباحة المجهدة فيه ضربًا من الراحة، وتركت الظل الرطيب حرارة مستعرة تحرق، ولكنها تحرق بلذة، وفرشت السكن حتى مدته طريقًا بعيدًا متراميًا يسافر فيه القلب سفرًا بعيدًا في أحلام وفتنة وجديد لا يتقادم.
وبدأت المرأة بدءها لتجعل الحضارة فنًّا جديدًا من تجميل الحياة للمكدودين. ثم جاءت الحرب الماضية، فخرجت المرأة من وطيسها المتوقد قد إستوت ولذَّت وطابت، وتجدّدت عقلًا وروحًا وجمالًا، وشاركت أسباب
стр. 256
الحضارة في إيجاد حل جديد لمشكلة الإنسان العامل المنطلق في أعماله بسرعة وكدٍّ وإرهاق وعناء، فاتخذت فن العقل السامي عبدًا تصرفه في إنشاء لذات الحياة إنشاءً عبقريًا تخشع لسلطانه النفس خشوعًا راضيًا، ثم تمشي في جنّاته. تأْبى أن تجد راحتها إلا راحة فيها ذلك السحر الناعم الرقيق الفاتن، الذي يصنعه بنان مؤنث يقول للأشياء كوني جميلة، فتكون.
وأعطت العين للمرأة أشواقها المستبدة، وزَينت المرأة للعين متاعها المتجدد، فاستيقظت الغرائز كلها من هزة الأشواق وحب الاستمتاع، وانحدرتْ في دم الرجل قطرات الفتنة المؤنَّثة، وسطعت في كيانه كله نفحات العطر المعربد، وألقت المرأة ظلها على كل شيء ألوانًا تتخايل بالفن المنسَّق البديع، وصبغت كل شيء في حلاوة أنوثتها، حتى لم يبق للرجولة ولا للإنسانية هوًى في الحياة إلا وهو من المرأة وإلى المرأة وفي سبيل المرأة.
وصارت المرأة هي المحور الذي تدور عليه الإنسانية في فلك الشهوات الضارية التي تنزع منازعها في حياة الإنسان باقتدار وقسر، وسار العالم كله على ذلك حتى ما يُحس ذو شعور أنه يعمل من أجل المرأة، مع أنه ما يعمل عامل إلا من أجلها. فهو في نشوة متصلة لا تنقطع في عمله، لأن الغرائز المنتشية هي التي تحكم وتصرّف، وبذلك لم يبق له من الفكر ما يستطيع به في هذا الأمر أن يتبين حقيقة التيار المسكر الذي يتدافع به في حياته.
أصبحت الحضارة الأوربية بعد ذلك فنًا جميلًا يتوالى فيه زخرف الحسن مبعثرًا ومنتظمًا، لأن الأعمال كلها قد احتملتها إرادة واحدة، هي إرادة جعل الحياة أجمل مما هي لتكون أمتع للعين والقلب والنفس والغريزة، مع إسقاط مطالب الروح السامية المتحررة من استعباد الشهوات.
ومن عجيب تصريف القدر في الحياة أن يجعل أعظم شيء فيها هو أقل الأشياء حظًّا من الحياة، فالروح التي هي أعظم ما وجد في الحياة، ترجع في غمرة اللذات والشهوات وأمواج الغريزة الطاغية، أقل ما وجد في الحياة، حتى ما يكون لها نصيب منها إلا ذلك الجو الأغبر القائم في عزلة موحشة، بعيدة عن
стр. 257
تحقيق لذاتها الروحانية الحلوة التي تبقى حلاوتها خالدةً في الهرم بعد الشباب، وفي العجز بعد القدرة، وفي السكون بعد الحركة وفي الموت بعد الحياة. وتقف الروح متغضنة جافة متكسرة تنظر نظرة متألمة إلى ما يصيب الإنسان من اللذات الطارفة الطارئة التي تتحول في نار الشهوات رمادًا بعد توقد واشتعال.
فاعتزال الروح في هذه المدنية الأوربية قد جعل العالم يعيش ليحترق بأسرع ما يمكن أن يحترق، وهذا هو العلة في امتياز هذه المدنية بالسرعة والنشاط والتوقد، واحتمالها متاعب الجهد المضني في سبيل استغلال أقصى ما يستطيع الإنسان من الإنتاج في العمل، ثم امتيازها بنظام الطبقات الذي تجهد جهدها أن تستره بتلك الزينة الفنية العلمية الظاهرة، لئلا يكون معنى ذلك أن المدنية تريد أن ترتد بالناس إلى الحالة الطبيعية الوحشية اللئيمة التي ينتجها اجتماع همجي مستبد لا يعقل، وإنما يكون فيه اللذة التي تسكر العقل، والظلم الذي يثير العقل، والأثرة التي تطغى العقل.
وجاء اشتراك المرأة اشتراكا عمليًّا في الحياة الأوربية العامة ليقذف الروح بعيدًا في عزلتها، ويدنى غريزة تشتاق إلى غريزة تشوق، فكذلك بدأت الأنظمة الأدبية والاقتصادية والمدنية تخضع لسلطان الأشواق وحدها دون سلطان الروح والعقل، وسلطان الأشواق هو الذي يكون غرضه دائمًا أن يضيق ويتخصص وينفرد بأسباب شوقه، وسلطان الروح والعقل هو الذي يتراحب ويشمل ويعم ويوجد المساواة بين الناس، مهما لقى من العنت والقسوة في وضع النظام الذي يريد أن يجعل به الناس أحرارًا في قيود من الإنسانية السامية المترفعة عن الذل كما تترفع عن بغى السطوة، والتي تستنكر العبودية الخاضعة كما تستنكر الحرية الفوضى، والتي تأبى تحكم طبقة في طبقة كما تأبى ثورة طبقة على طبقة.
ولكن تبرج الحضارة الأوربية في ذلك الخَلق الجميل الفتان ذي الحيلة والفتنة والسحر الذي يعيش في صورة الأنثى، قسر هذه المدنية على الخضوع لسطوة الشوق المتمرّد، فقام النظام كله على هوى واحد إلى المرأة. فالعامل الذي يعمل يريد أن يستغل الحياة بين يديه لا ليعيش ويعيش معه أهله وبنوه وتلك الدولة
стр. 258
الصغيرة التي تسمى البيت، بل هو يعمل ليجد أولًا تلك اللذة الحاكمة الممتعة التي يستمتع بها في ظل تلك الدولة العظيمة التي تسمى المرأة.
وإذا بدأت الطبقة العاملة من الشعب تجد حوافز أعمالها في شيء بعينه، كانت كل أعماله من الأدنى إلى الأعلى لا تجد في أعمالها إلا هذا الحافز الواحد، وإذا تشابهت الحوافز تشابهت الغايات، وما يفترق هذا عن ذاك إلا بأن لكل شيء أسلوبًا، ومهما اختلفت الأساليب في هذا فلن تختلف في الدلالة إلا بمقدار الأصل العملي الذي يوجب هذا الاختلاف.
والمكان الذي نصت عليه عروس النفس الإنسانية في هذه المدنية الحديثة، هو الحافز وهو الغاية، ولذلك تجد هذه المدنية قد تبرجت لأبنائها تبرج الفن العبقري الحافل بأسباب التحكم المستمر في أعمال كل حي. ولما كانت هذه الحوافز على تعددها إنما هي في الحقيقة اختصاص فردي لكل واحد من الناس -لأن اللذة لا تقبل الشركة والتعدد- ولكل اختصاص عيب هو الأثرة، والإصرار على التفرد، ومعاندة الناس بعضهم بعضًا في سبيل هذا التفرد -وقع التضارب والتعادى والانتقاض في كل عمل، وصار ما يبنى لا يكاد يتم حتى يلقاه ما يهدمه، وبذلك كان نظام هذه الحضارة مع روعة ما يبنى يقابله نظام آخر في الهدم والتدمير، يخيف هذا بقدر ما يروع ذاك.
ولولا هذا التبرج الفاجر في هذه المدنية، ولولا هذه الشهوات التي انطلقت ترشف من مسكرات الفن المتبرج، ولولا هذه الغرائز الجامحة في طلب السيطرة لإدراك غاية اللذة، لما كان النظام الاقتصادي الحاضر في هذه المدنية هكذا مهدَّمًا مستعبدًا مستأثرًا باغيًا، ولما تعاندت القوى الدولية هذا التعاند الذي أفضى بالعالم إلى الحرب الماضية ثم إلى هذه الحرب المتلهبة من حولنا اليوم؛ وذلك في مدى خمسة وعشرين عامًا، لم يستجمع العالم خلالها قوته، ولم يتألف ما تفرق، إلا ليضيع قوته مرة أخرى ويتفرّق.
إن الحضارة في هذه السنوات التي تبعت الحرب الماضية كانت ترفه عن المكدودين ترفيهها الحُلو الغني المتبرج لتعطي القُوى العاملة نشاطًا جديدًا من
стр. 259
النشوة، أي من الحالة التي يفقد فيها العقل والروح قدرتهما على التحكم في نظام الحياة. وأقدمت المرأة الأوربية إقدامَها الجرئ فجلبت زينتها من كل خيال ومن كل فن ومن كل سحر، لتعين الحضارة على الحياة والبقاء في هذا الجوّ الذي اختارته وعملت له. وكان هذا الإقدام ضرورة طبيعية للمقدمات التي سبقت عصر الحرب الماضية، ثم للحرب نفسها. فإن المرأة التي فقدت زوجها، والفتاة التي أضلت حبيبها، والبنت التي أضاعتْ قَيِّمها من أب أو أخٍ أو عمٍ، . . . وبقيت في موج الحياة حَيرى متلَدّدة (١)، لم تجد بُدًّا من الإقدام على الطريق المجهول بجرأة واندفاع وتهور، فلما أوضعتْ (٢) في الطريق المجهول وأسرعت خطاها جرى العالم وراءها يطلبها، فلم تجد بدًّا من أن تأخذ منه أكثر ما تستطيع لتجتلب لزينتها أحسن ما تستطيع، وتطارد الصيدُ للصائد في كل وجه حتى اصطدم العالم كله هذا الاصطدام الهائل الذي لا يدري إلى أين ينتهي ولا كيف ينتهي.
وستخرج المرأة من هذه الحرب أيضًا كثيرة فاتنة حائرة لا تجد أباها ولا زوجها ولا أخاها ولا حبيبها، وستكون في عينيها تلك النظرة الحزينة الضارعة التي تقول لك: أنقذني! أنقذني! ! أنا وحدي، لا أجد من يعولني! وسينظر العالم الجديد إلى هذه المرأة بالرحمة والعطف والحنان، كما نظر للّواتي كنَ بعد الحرب الماضية. وستعمل المرأة يومئذ لتكتسب الرجل في كل وجه، ثم لا تلبث أن تُوجِد من بقايا العالم المتحطم سحرًا جديدًا لمدنية ساحرة، وبذلك يرتد العالم إلى النظام الاقتصادي الفاجر المبني على اللذة وطلبها والبحث عنها، فتكون أنظمته كلها قائمة على الاستبداد والفجور في الاستبداد.
ويومئذ يبدأ تحقيق نبوة رسول الله ﷺ في أشراط الساعة وما يكون في أعقاب الدهر، إذ "يُرفَع العِلْمُ، ويكثر الجهل، ويكثر الزنا، ويكثر شرب الخمر، ويقل الرجال، ويكثر النساء حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد"، وحتى
стр. 260
"ترى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة يلذن به". وما يكون ذلك إلا يوم يتحقق للحياة المعنى الفني المحض الذي لا يعرف قاعدة اجتماعية يحرص على تحقيقها للاجتماع، والذي يرى الحرية انطلاقًا من قيد الأخلاق التي تقسره على مصلحة الجماعة دون لذة الفرد، وتتبرج الحياة تبرجًا هائلًا يجعل العقل غريزة جديدة تشتهى، والروح خلقًا منبوذًا حائرًا يطوف على هذه الفتن كما يطوف الصعلوك على مائدة ملكية. ويومئذ يُرفَع العِلْمُ لأنه سيُستعبَدُ في إيجاد اللذات، وتفارقه الروح النبيلة التي لا يكون العلم إلا بها علمًا، ولا يبقى في الأرض إلا الجهل الأحمق الذي لا يعرف إلا السيطرة بحماقة، والأثرة بكَلب، وتكون المرأة هي علم الحياة الجديدة الذي يمزق الرجولة القليلة في جذب الشهوات العنيفة، ويغرق الفضيلة في طوفان المتعة الجميلة التي تبعث في الأعصاب المجهدة نشوة مسكرة.
стр. 261
١ - اقتطف !
قرأت سؤال الأخ الفاضل "رشاد عبد المطلب"، وكنت أرجو أن أكون مخطئًا، كي أقرَّ له بخطأ ما جاء في قولي: "وجعل يقتطف منها حيث أراد"، وذلك لحسن أدبه، ولطف سياقه.
والقول في "اقتطف" إنها خطأ، وإنها لم ترد في كتب اللغة: كاللسان والأساس والقاموس والنهاية والمصباح. . . إلى آخر هذه الجملة -قول قديم، قد ذهب إليه المتأخرون من فضلاء المشتغلين باللغة في عصرنا وما قبله بقليل.
ولو لم يرد هذا الحرف في اللغة لوجب أن يوجد للغة وجوبًا بيانيًا من عدة وجوه، وليس هذا موضع تفصيل ذلك ولا هذا أوانه. وأنا لا أستطيع الآن أن أقف في الطريق لأتلفت إلى ما ورائي مما قد مضى زمنه. وإذ كان لابد في إقامة الدليل على صواب هذا الحرف، من شاهد عربي، فنحن نأتي به، وذلك من قول نابغة بني شيبان "عبد الله بن مخارق":
تُسْبِي القلوبَ بوجه لا كِفاء له ... كالبدر تَمَّ جمالًا حين ينتصفُ
تحت الخمار لها جَثْل تعكِّفُه (١) ... مثل العَثاكِيل سودًا حين تقتطف
لها صحيفةُ وجهٍ يُستضاء به ... لم يعل ظاهرها بَثْرٌ ولا كَلَفُ
وفي قديم الشِّعر من الرجز ما أحفظه ولا أُثبت موضعه: "يقتطِفْنَ الهاما" (٢)، يصف السيوفَ. وبيت النابغة كافٍ في الدلالة والشهادة، وأدع ما وراء ذلك لمن يجعل همَّه اقتناص الكلمات الهاربة من معاجم اللغة.
وما دمنا في ذكر شاهد من شعر نابغة بني شيبان، نقول: إن أبا الفرج الأصفهاني زعم أنه نصراني، لأنه زعم أَنه وجد في شعره يحلف بالإنجيل
стр. 262
والرهبان وبالأيمان التي يحلف بها النصارى، وذلك كله وهمٌ فاسدٌ، استغرّ به صاحب شعراء النصرانية لويس شيخو اليسوعيّ، فاحتمله فيمن احتمل من شعراء العربية. وشعر النابغة ليس فيه حرفٌ واحدٌ مما زعم أبو الفرج.
هذا، وأبوه "مُخَارِق بن سُلَيْم الشيباني" صحابيٌّ جليلٌ روى له أحمد بن حنبل في مسنده ج ٥ ص ٢٩٤، والنسائي ج ٧ ص ١١٣، وروى عبد الله (هذا الشاعر) وأخوه "قابوس بن مخارق" عن أبيهما. وكان عبد الله يكثر رواية الحديث، ثم انصرف إلى الشعر، وله في انصرافه إلى الشِّعر خبرٌ.
٢ - باريس !
قرأت في عدد الرسالة الماضي كلمة يذكرني فيها صديقنا الأخ "زكي مبارك" ويزعم أنه قرأ في "الدستور" كلمة بإمضائي، عدها هو تعقيبًا على المقال الذي نشره في "الرسالة" بعد سقوط باريس تحت أيدي الألمان.
ولو أحسن الدكتور زكي فأخرجني من عداد من ذكر لكفى نفسه مؤونة الفكر في أنى أتعقب كلامه. ولو كان ما قاله الدكتور زكي صحيحًا لكان للسان مقال غير الذي قلت. والذي كتبته كان حديثًا عامًّا لم أرد به أحدًا بعينه وخاصته، وكثير غير الدكتور بكى باريس وناح، فكيف يريد أن يخص نفسه دون سائر مَن أَعْوَل على هذه المدينة؟
وإذن فسائر ما جاء في كلمة الدكتور زكي ليس يعنيني. ولا هو مما أستطيع أن أشتغل به، والمذهب الذي يجري فيه الدكتور غير مذهبنا، وبينهما من الفرق ما يوجب علي أن أصرف خطابه -في هذا المكان من الرسالة- إلى من شاء غيري. وللدكتور مني تحية، وعليه سلام.
стр. 263
وزارة المعارف العمومية عُدْوان لطيف
حضرة المحترم ناظر مدرسة. . . الثانوية
قررت الوزارة (أي وزارة المعارف) كتاب المكافأة لأحمد بن يوسف للسنة التوجيهية في العام الدراسي الحالي ٤٠/ ٤١، والوزارة تطبع هذا الكتاب الآن بالمطبعة الأميرية، بعد أن عهدت في تهذيبه وتصحيحه وشرحه إلى حضرتى الأستاذين أحمد أمين عميد كلية الآداب، وعلي الجارم بك وكيل دار العلوم.
"وقد ظهرت أخيرًا لهذا الكتاب طبعة أخرى قامت بنشرها المكتبة التجارية الكبرى بالقاهرة، وهي طبعة فيها فحش وتحريف ونقص في الشرح والتعريف بأعلام الرجال، وغير ذلك من العيوب".
فنلفت نظر حضرتكم إلى أن الطبعة التي ينبغي استعمالها والاقتصار عليها بالمدارس الأميرية والحرة هي طبعة الوزارة التي ستصدر من المطبعة الأميرية قريبًا.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام
١١/ ١١/ ١٩٤٠
السكرتير العام
حسن فائق
* * *
وكان من قصة هذه النشرة الظريفة التي أذاعتها وزارة المعارف على المدارس الأميرية والحرة، أني نشرت كتاب المكافأة لأحمد بن يوسف في المكتبة التجارية الكبرى في ١٤/ ١٠/ ١٩٤٠، بعد أن حققت أصله وراجعته على الأصول، وشرحت ما يعرض للقارئ من غامضه، وكتبتُ لأحمد بن يوسف ترجمة وافية جمعتها من بين سطور كتب التاريخ والتراجم، إذ أن ترجمة أحمد
стр. 264
ابن يوسف لا تبلغ عشرة أسطر في الكتاب الفرد الذي ترجم له، وهو معجم الأدباء لياقوت الحموي.
وكان حقًّا على وزارة المعارف، أو على الأصح، كان من الأدب المتبع أن تشكرني على الجهد الذي بذلته في تصحيح هذا الكتاب. ولكن الوزارة أبت أن تكافئ الجميل من العمل بالجميل من القول، وقذفت الكتاب وناشره وطابعه قذفًا جارحًا لا مسوغ له، وإذ كنت أعلم علم اليقين أن ليس بيني وبينها عداوة مستحدثة، أو حقد متوارث، فقد أذهلني اجتراء هذه الوزارة على الطعن في الكتاب طعن المنتقم المتضرم المغيظ الذي يفقده الغيظ سلطان الإرادة الحكيمة.
والقارئ يعلم -ووزارة المعارف تعلَم أيضًا- أن القانون يقدُعها ويردها عن الطغيان كما يقدعني ويردني، وأن هذه الجملة التي وضعتها بين الأقواس في نشرة الوزارة، إن هي إلا حشو لا معنى له، وأن قد كان لوزارة المعارف مندوحة عنها، وأن الكلام يستقيم بإسقاطها، وأن أمرها لنظار مدارسها وأساتذتها وطلبتها واجب الاتباع. فإذا قالت الوزارة لهؤلاء إن الطبعة التي ستصدر من المطبعة الأميرية قريبًا! ! هي الطبعة التي ينبغي استعمالها والاقتصار عليها، فهذا كفاية وفوق الكفاية في منع الأساتذة والطلاب! ! من اعتماد طبعتي في الدراسة.
ومع ذلك، فمما لا شك فيه أن السنة الدراسية الحالية، قد انقضى من عمرها أكثر من الثلث ولم تصدر طبعة وزارة المعارف. أفيكون ثمة بأس على الأساتذة والطلبة أن يوفروا من الوقت المضاع أشهرًا أخرى بالنظر في نسختي، حتى إذا ظهرت نسخة وزارة المعارف اتبعوها وألقوا نسختي ومضوا في دراستهم في كتاب الوزارة؟ إنه مهما يكن في نسختي من العيوب، فلا يمكن أن يكون الأصل الذي طبعتُه من الكتاب غير الأصل التي تطبع عنه وزارة المعارف، ومادام الأصل واحدًا، والنص واحدًا، فليس على الأساتذة والطلبة بأس. فهل تستطيع الوزارة أن تدَّعي أن نص الكتاب الذي طبعتُه -مهما يكن فيه من الخطأ والتحريف- غير النص الذي يطبعونه؟ وبالطبع نقول: لا وكلا، وليس معقولًا.
وإذن، فالجميل الذي أوليته وزارةَ المعارف، وإخوانَنا الأساتذة والطلبة،
стр. 265
جميل يوجب الشكر على من قدَّم له. وأنت تعلم -ووزارة المعارف تعلم أيضًا- أن الأساتذة والطلبة مكلفون بشراء كتاب الوزارة كما اشتروا كتابي. فتكليف الأساتذة والطلبة بالاقتصار على طبعة الوزارة التي ستصدرها المطبعة الأميرية قريبًا! ! إيجاب عليهم بشراء كتابها وطبعتها، فليس يضير الوزارة على ذلك شيء، مادامت ستنتهي إلى النهاية الطبيعية وهي بيع كتابها ورواجه بين المكلفين بدراسته.
ونحن نعلم -ووزارة المعارف تعلم أيضًا- أن المفروض في أمر هذه الكتب، أن الوزراة لا تتجر بها للربح، فإذا فُرِضَ وهذا مستحيل بعد أمر الوزارة للمدارس بالاقتصار على طبعتها التي ستصدر من المطبعة الأميرية قريبًا! ! -أن بقيت جميع نسخ الوزراة معطلة موقوفة لا تباع ولا تشترى ولا ترهن! ! كالأوقات والحبوس، لما كان في ذلك شيء، مادام الغرض من طبع هذا الكتاب قد حقق للطلبة والأساتذة على ما قد يكون في طبعتي من العيوب.
وبعد الاقتصار على هذا، أظن وزارة المعارف قد استطاعت أن تفهم الآن مقدار ما أساءت به، مع صرف النظر عن المسئولية الأدبية والقانونية التي وقعتْ فيها في نشرتها التي أذاعتها على المدارس الأميرية والحرة.
وسأدع المسئولية القانونية التي يكفلها القانون لي ولصاحب المكتبة التجارية الكبرى إلى أن يحين حينها وتأخذ طريقها الذي تقتضيه، وأنصرف الآن إلى المسئولية الأدبية التي أغمضت فيها هذه الوزارة بغير رفق ولا حكمة ولا حرص.
إن عمل وزارة المعارف ليس إلا الإشراف على التعليم، وكل أمر أو نهي يصدر منها يجب اتباعه على المدارس الأميرية والحرة ونظارها وأساتذتها وطلبتها، هذا ما نعلمه -وأظن وزارة المعارف تعلمه أيضًا- وليس من عمل وزارة المعارف فيما نعلمه -وأظن هذه الوزارة تعلمه أيضًا- أن تكون حكما قاضيًا على ما يصدر من الكتب غير مرسوم برسمها واسمها، وإن كانت هذه الكتب مما قررته الوزارة لمدارسها. ومادمتُ لم أُشر بحرف واحدٍ في كتابي إلى أني قد نشرته لطلبة السنة التوجيهية للمدارس الأميرية والحرة، فليس من حق وزارة المعارف أن تعرض للحكم عليه أو الطعن فيه على الأصح.
стр. 266
ومع ذلك فأنا وأنت نعلم -ووزارة المعارف تعلم أيضًا- أن حكمها على الكتاب قد صار، وأن هذا الحكم ليس نقدًا ولا شبيهًا بالنقد، وإنما هو طعن وتجريحٌ وطغيانٌ كلاميٌّ مُؤذٍ كان يجب على هذه الوزارة أن تترفع عنه.
ومع ذلك كله، فالوزارة تقول إن هذه الطبعة التي نشرتها المكتبة التجارية الكبرى فيها "فُحْشٌ"، هذا الحرف، بهذا النص، على هذه الصورة، في هذا الوضع! فأنا أتحدّى هذه الوزارة في هذا المكان وأطالبُها باستخراج "الفحش" الذي وقع في طبعتي، أين هو؟ فإذا فعلتْ، فسنرى أيُّ الفُحشين أفحش، أهذا الذي تدعيه وزارة المعارف على كتابي ادِّعاءً، أم الذي هو قائمٌ مقررٌ في الكتب التي قررتها وزارة المعارف وطبعتها وأذاعتها، وأمرت مدارسها بدراستها أعوامًا طوالًا؟
وتقول وزارة المعارف إن في طبعتي "تحريف"؛ هذا الحرف، بهذا النص، على هذه الصورة، في هذا الوضع! فأنا أتحدَّى هذه الوزارة أيضًا في هذا المكان، وأطالبها باستخراج هذا "التحريف"، ليعلم من لم يكن يعلم أي التحريفين أقبح، ما أقع أنا فيه، أم ما وقعتْ فيه هي في الكتب التي صححتها وشرحتها وأذاعتها وقررت دراستها أعوامًا طوالًا؟
ومع ذلك كله، فأنا أقرر في هذا المكان أن "الفحش"! هذه واحدة، وأن "التحريف"! وهذه أخرى، ليسا سوى دعوى من الوزارة لا برهان لها عليها ألبتة، وأن الجرأة والطغيان قد بلغا مبلغًا في هذه النشرة الرسمية، وأن كتب وزارة المعارف قد عرضت لي صفحتها، فإن شئت قضيت وإن شئت أمسكت.
أما ثالث أقوال الوزارة من أن الكتاب فيه "نقص في الشرح"، فليس صحيحًا بوجه من الوجوه، إذ كان شرحي مختصرًا مبينًا عن وجه العبارة والمعنى؛ وقاعدتي في الشرح أن أدع نص أصحاب اللغة في شرح اللفظ اللغوي، إلى عبارة أعبر بها معنى الجمال على الوضوح والبيان. وبذلك أسقط من الكلام ما تحشو به وزارة المعارف كتبها من الشروح التي لا معنى لها، وسأضرب في كلمة أخرى أمثلة كثيرة أزعم أنها هي التي بغضت إلى الطلبة أكثر كُتب الأدب التي وزعتها عليهم، وصرفتهم عن الاستفادة منها.
стр. 267
هذا، ومن قرأ كتاب أحمد بن يوسف يعلم -ولعل وزارة المعارف تعلم أيضًا- أن الكتاب مجموعة من القصص القصيرة، في عبارة قريبة واضحة ليس فيها من غريب اللغة إلا القليل، ورب غريب فيها يبين عنه سياق الحكاية، فلا معنى لإرهاق نظر الطالب والتهويل عليه بالشروح المستفيضة التي تخوفه أو تثقل عليه. ورب شرح قصير موجز واضح يكون أعظم بركة على القارئ من تَعالُم غليظ ثقيل وتقعر.
وعندنا أن الأسلوب الذي جرت عليه وزارة المعارف في شرح كتبها أسلوب غير منتج إلا أسوأ النتائج، لأنه يصرف الطالب عن الاستمتاع بالنص، وعن التقليب له والنظر فيه، وعن التردد لطلب المعنى بالجهد القليل، وتجعله حائرًا بين الكلام الذي يقرأ وبين الشرح الطويل الممل الذي تتدلى حواشيه على كل كلمة أو حرف من عبارة قصيرة قريبة المعنى دانية البيان، وأن هذه الطريقة المضحكة هي التي تجعل الطالب لا يهتم كثيرًا بالإصغاء إلى أستاذه اعتمادًا على ما يتوهمه في الشرح الطويل العريض من الإبانة الصحيحة عن المعنى، فإذا فعل ذلك، ثم رجع إلى كتابه وقرأ شرح الشراح وأصحاب الحواشي لم يفهم، وربما أضله هذا الشرح عن بعض الصحيح من الفهم الذي فهمه قبل قراءة الشرح. وأنا لا أقول هذا عن رَجْم وَتَظَنٍّ بل أقوله وقد وقفت عليه من ملاحظتي لأكثر من عشرين طالبًا من أبنائنا الذين كتب عليهم أن يتعلموا العربية في وزارة المعارف. ولست أشك أن أكثر أساتذة العربية في المدارس الأميرية، لو أتيح لهم أن يتكلموا لأظهروا هذه العيوب كلها لما يقاسونه مع الطلبة في دراسة النصوص العربية التي شرحتها وزارة المعارف.
ومع كل ذلك، فأنا أوافق وزارة المعارف على أن كتابي فيه نقص في الشرح! فهل يعيبه هذا! إنما العيب أن يطول الشرح ويكثر، وتلج لجاجته، ثم يكون هذا الشرح تضربًا في خطأ بعد خطأ، وفي سوء فهم للعبارة، وفي إبهام آت من قلة المعرفة بأساليب العرب في كلامها. وأنا أتحدى وزارة المعارف أن تخرج من كل ما صححت من الكتب، بل من كل ما أكتب، شيئًا يدل على ذلك.
стр. 268
وما دامت الوزارة تأبى إلا أن تعتدي عليَّ فسأضع يدها على ضرب مدهش من الشروح التي وقعت فيها فيما طبعت من الكتب، يدل كل الدلالة على أن الشراح لم يفهموا حرفًا واحدًا مما قرأوا، وأنهم ينقلون من الكتب ما يصادفون من المعاني، لا ما توجبه الجمل من معاني اللغة، وأنهم لا يتذوقون الأدب إلا بالوظيفة وعن طريقها! !
أما النقص في التعريف بأعلام الرجال -كما تقول وزارة المعارف- فلا أظن أحدًا قرأ كتاب أحمد بن يوسف ورأى ما فيه وعلم غرض مؤلفه منه، إلا وجد من عيب وزارة المعارف لكتابي بهذا النقص -كما تسميه- أسلوبًا مضحكا في النقد. أتظن الوزراة أنها تستطيع أن تعرف بفلان وفلان وفلان ممن ذكر في هذا الكتاب في سطرين أو ثلاثة، ثم يكون هذا تعريفًا؟ كيف تستطيع هذه الوزارة أن تعرف قارئ كتابها في سطرين أو ثلاثة: بإبراهيم بن المهدي، وابن طولون، وابن بسطام، والمأمون، وابن مدبر، وخاله العشرى، وابن أبي الساج، وخمارويه، وفلان وفلان ممن لا نحصى كثرة؟ ؟ وهل تعتقد أن التعريف بأحد هؤلاء إن هو إلا ذكر سنة مولده أو سنة وفاته أو وظيفته في الدولة؟ وقضى الأمر الذي فيه تستفتيان! هذه طريقة في التعريف بالرجال مضحكة، لا نلجأ نحن إليها ولا نقرها، ونعلم أن لا فائدة فيها للطالب أو غير الطالب بتة. وستخرج طبعة وزارة المعارف التي تطبع بالمطبعة الأميرية قريبًا وسنعلم كيف فعلت! وندلها على الصواب في كل ذلك إن شاء الله.
وأخيرًا. . . وأخيرًا، أيها القارئ، تقول وزارة المعارف بعد أن أنهكها تعداد عيوب كتابي، وبلغ منها، وكَدَّها، وأَوْهَى مَتْنَها، واستصفى نشاطها، وحيَّرتها الكثرة التي لا تحصى من بلادتي وغفلتي وأخطائي. . . أخيرًا تقول: وفي هذا الكتاب الذي نشرته: "غير ذلك من العيوب": ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنعام: ٤٥].
وأخيرًا أيضا، أشكر وزارة المعارف على حسن جزائها في كتاب لم أتقدم به إليها، ولكني تقدمت به إلى قراء العربية ثم أشكرها على توصيمها لاسمي واسم
стр. 269
هذا الكتاب بالنشرة التي أذاعتها على مدارسها. وإذا كانت وزارة المعارف تجهل من أنا، وما عملي، وكيف هو -ووزارة المعارف تجهل أشياء كثيرة- فكل ذلك لا يبيح لها أن تتهجم على الناس بالسئ من القول.
إني أعلم كيف كتبت هذه النشرة، ومن الذي أملاها ولأي غرض أمليت على من كتبها، ومن المضحك أن يجوز إنسان كل درجته في هذا الأمر تأتي من قبل وظيفته. أو أن يجرؤ إنسان كل علمه يأتيه من قبل شهادة نالها، ثم من وظيفة قدر له أن يحرزها أو تحرزه، ثم من ثالثة الأثافي التي هي أَلحظ أقول: من المضحك أن يجرؤ أحد هذين أن يدعى لنفسه من الحكم على عمل أعمله مستترًا وراء نشرة تصدرها وزارة المعارف وهو لو وضعته بين ثلاثتي التي أمسك بها هذا القلم لمزقت كل الوشى المصنوع الذي يكتسبه ويتجمل به. . . ومع هذا فسوف نرى.
стр. 270
إمتاع الأسماع
قرأت -في الرسالة عدد ٤١٢ - كلمة الأخ الصديق الأستاذ محمد عبد الغني حسن عن كتاب "إمتاع الأسماع" الذي ألّفه المقريزي، وكان لي شرف تصحيحه وشرحه، وإني لأشكر للأخ الكريم ثناءه وحسن ظنه بأخيه. جزاه الله عني أفضل الجزاء.
وقد استدرك الأخ الأستاذ بعض ما فاتني من الخطأ، فله الشكر على اهتمامه وحسن تهَدّيه ويقظة عينيه، وإن صحّ لي أن أقول شيئًا تعقيبًا على استدراك الأستاذ، فلست أزيد على أن التصحيح المطبعي صناعة وفنّ قبل أن يكون علمًا ورواية. وكل ما استدركه -إلا الفقرة الأولى يدخل في باب تصحيح الأخطاء المطبعية، فالأخيرة منها مثلًا، وهي: "من هوزان" ص ٤٠١ مذكورة في هذا الوجه نفسه مرات كثيرة على الصواب "هوازن" بتقديم الألف على الزاي- لا كما جاءت في تصحيح الأستاذ نفسه "هوزان" كما في الإمتاع! ! -ولكن تَنَبُّه الأستاذ إلى مثل هذه الأخطاء يدل على دقة وبصر، وأنه يحسن التصحيح المطبعي وذلك لما جُبِل عليه من الهدوء والوداعة.
وأما الفقرة الأولى من استدراكه، وهي التي جاء فيها على هذا الرجز: ص ٢٢٢
"اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصَدّقنا ولا صَلَّينا
. . . .
إن الأُلَى قد بغوا علينا ... . . . .
وقوله: إن صواب الأول: "لا هُم لولا أنت ما اهتديْنا، وإن صواب الأخير: "إن الألى لقد بغوا علينا"، ثم تعجّبُه من أن يفوتني ذلك الاختلال في وزن الرجز، وأنا شاعر وعروضيٌّ! فإني أبرأ إليه من نسبة العروض، فطالما أَفْسَد العروض ما بيني وبين أصحابي من الشعراء، وليس الأمس ببعيد. ورواية الأول:
стр. 271
"اللهم لولا أنت ما اهتدينا". هي الواردة في الأصل، وفي البخاري وفي مسلم (شرح النووي، ج ١٢، ص ١٦٦)، وفي أكثر كتب التاريخ والسير والحديث. وقد جاءت الرواية التي ذكرها الأستاذ في كتاب الطبقات الكبير لابن سعد ج ٢ ص ٥١، وجاءت رواية أخرى: "والله لولا الله ما اهتدينا" في البخاري ج ٥ ص ١٠٩، وأخرى: "والله لولا أنت ما اهتدينا" في مسلم (شرح النووي) ج ١٢ ص ١٧٠، وقال النووي في ذكر الرواية الأولى ج ١٢ ص ١٦٦ ما نَصُّه "كذا الرواية"، قالوا: وصوابه في الوزن "لاهم"، أو "تالله"، أو "والله لولا أنت" كما في الحديث الآخر: فواللهِ لولا الله. . . .".
رواية الأخير: "إن الألى قد بغوا علينا" هي الواردة في الأصل أيضًا، وفي البخاريّ في مواضع، وفي مسلم ج ١٢ ص ١٧١، وفي أكثر كتب السير والتاريخ والحديث. وجاء في مسلم ج ١٢ ص ١٧٠: "والمشركون قد بغوا علينا"، وفي ص ١٧١ منه ما نصه: "وربما قال [يعني رسول الله ﷺ ] "إن الملا قد بَغَوْا علينا"، وهي في اختلال الوزن كالرواية الأولى التي أثبتناها. ومثلها في ذلك أيضًا رواية من روى: "إن الأعادي بغوا علينا".
وقد نصّ شُرّاح كتب السير، وشراح البخاري على أن هذا الرجز ليس يتَّزِن (انظر العيني ج ١٤ ص ١٣٢، وابن حجر ج ٧ ص ٣٠٩)، ولم يصححوه أو يبدلوه إلى ما يتزنُ، مما جاء في الروايات الأخر، كالذي ذكر الأستاذ "إن الألى لقد بغوا علينا"، وهي رواية ابن سعد ج ٢ ص ٥١.
فإذا كان أصحاب العلم والدراية والبصر بالرواية لم يفعلوا ما أرادني الأستاذ على أن أفعله -من حيث أني عَروضي كما يقول، فلى العذر تابعًا لهم، مقتديًا بهم، حريصًا على ألّا أبدِّل أو أُحرف ما اتفق عليه الأصل الذي أطبع عنه، والروايات المتعددة التي جاءت في أصحّ الكتب إسنادًا أو رواية بعد كتاب الله.
هذا، والكلام عن مثل هذا الرَّجَز -وما يقع في بعض أوزانه من الاختلال والاضطراب- يفضي إلى القول في المواضع التي كان يُنْشَد فيها، وكيف يكون إنشادُه؟ ولِمَ يُتجاوز فيه عن الوزن؟ ولو نظر الأستاذ الشاعر إلى صلة هذا الرَّجَز
стр. 272
بما كان من الصحابة في حفر الخندق، وحملهم التراب في المكاتل، وسيرهم مصعّدين ومصوِّبين، متوافقين في الإنشاد يمدُّون به أصواتهم مختلطة مرتفعةً، لعَلِم عِلْم ذلك، ولكفانا مؤونة الجرى وراءَ العروض، أهو يتَّزنُ أو لا يتزن؟ حتى يبلغ بنا ذلك إلى تبديل الروايات وتحريفها، وقد جاءت عمن كان أعلم منا بالشعر والعروض.
وأخيرًا، أشكر للأستاذ هذه الهمة التي دفعته إلى النظر والتنقيب، والبحث والتنقير؛ وأثنى عليه بما هو له أهل، وأسأله أن يتغمد خطأ أخيه بما أعرفه من نبله وعلمه وفضله، والسلام.
стр. 273
من مذكرات عمر بن أبي ربيعة أيام حزينة
" قال عمر بن أبي ربيعة. . . .": وجاء ابن أبي عَتيق [هو عبد الله بن محمد أبي عتيق بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق]، فوالله لَأَن كنتُ بين ضِرْسين من الجبل يدوران عليَّ دَوَرانَ الرَّحَى، أهونُ عليَّ من أن أكون لقيتُ هذا الرجلَ الحبيبَ!
كانَ رجُلًا ضَرْبًا خفيفَ اللَّحم أحْمَر ظاهِرَ الدَّم كأنّ إهابَه شُعْلَةٌ تَشِبُّ (١) وتتلهَّب، أفرعَ فينَانَ الشَّعَر، مخروطَ الوجه، أزهَرَ مُشْرِقًا كأنّ بين عينيه نجمًا (٢) يتألّق، يُقْبل عليك حُرُّ وجْهِه بعينين نَجْلاوين قد ظَمِئ جَفْناهما حتى رقَّا، يرسِلُ إليكَ طَرفَهُ فترى الضحكَ في عينيه خِلقَةً لا تكلّفًا، ما أَحسبني رأيتُه مَرة إلّا خِلْتُه دُعابةً قال لها الله: كوني! فكانَتهُ. وكأني به قد دَخَل على أمّ المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق وهي تَكِيد بنفسها (٣) -في مرضها الذي ماتت فيه- يَقُول: كيف أصبحت يا أماهُ؟ جعلني الله فِدَاكِ! فتقول عائشة: أجِدُنِي ذاهبةً يا بُنَي! فيقول: فلا إذَنْ يا أمَّ المؤمنين! ! فتتبسم عائشة وتقول: حتى على الموت يا ابن أبي عتيق! ! فيقول: أَرضاكِ الله يا أمَّاه! لو جَاءني الموتُ كأكرهِ ما يأتي على حيٍّ، ما تركتُ له دُعابتي حتى يَستضحكَ، فيرحَل بي عن الدُّنيا بوجْهٍ غير الذي جاء به!
فلو أنّ امرأً من عُرض الناس لا أَعرفه، جاءني فزعم أنّ نجمًا في السماءِ
стр. 274
بكى، وأن القَمَر مَدّ إليه مثلَ اليَد فكفكف من عَبَراته، لكانَ أقربَ إلي منْ أنْ يأتي آتٍ يقول هذا ابنُ أبي عتيق يمشي في الناس بعينين ضارعتين خاشعتين ذاهلتين يُعرفُ فيهما البُكاءَ!
رجل صالح تقي خفيف الروح نشوان القلب، قد انحدر إليه من جده [عبد الرحمن بن أبي بكر الشاعر]، حنين الشاعر حين يرى الدنيا كالغانية المنعّمة تتصبَّى له وتتقتَّل، فيحن إليها بصبَوات الشباب المتوهّج. . . وآب إليه من جده [أبي بكر الصديق] حَنَانُ التقى وهو يرى الدنيا كالناشئة الغريرة لا تزال تنشُدُ تحت جناحه دِفءَ الأبوّةِ فتأوى إليه وتتضوّرُ، فهو يخفض لها من رحمة الوالد المتحنن. . . فابن أبي عتيق من هذين الأبوين كالربيع: جمال وشباب، ورقة وحنان، وفرح لا ينتهي.
وكنتُ أجدُه فيما يتوقَّدُ علي من الكُرَبِ كالغمامة الغادية: ظِلٌّ ورِيٌّ، ثم لا يزالُ بي حتى أَنام إلى دُعابته، فإذا آلامي تطوف بي من بعيد كأنها أَحلام، بعد أن كانت في دمي جمرةً تتلذّعُ. ولقد أكونُ مما أستعصي عليه بأحزاني، فأريدُ أذهب عنه نافرًا أبتغي أن أعكفَ على آلامي كما يعكُفُ العابد على بُدّه (١)، فما هو إلا أن يأخذَ ينشد:
مَتى تَرَ عَيْنَي مالكٍ وجرَانَه ... وجنبَيْه، تعْلَم أنه غيرُ ثائِر (٢)
حِضَجْرٌ، كأمٍّ التَّوْأمَينِ توكلَتْ ... على مَرفِقَيها مُستهِلَّةَ عاشِر (٣)
فينشد أغربَ إنشادٍ وأعجبه، ولا يزال يحرِّك ويشير ويمثِّل، فوالله ما من ساعة أنشدنيها هذين البيتين، وأقبل عليَّ يُريني ما يأتي به، إلا نَبَع الضحك من قلبي دفعة حتى ما أتماسك معه.
فكيف به اليوم وقد سكنَ كأنه دمعةٌ خافتة تئنُّ تحت الزفراتِ، يمشي إليَّ
стр. 275
كأن أيَّامه تطوفُ به ثاكلاتٍ نائحاتٍ، يغض طرفه كأنما يُمسك عبرةً همَّتْ هاربة من الأسر، يطأطئ هامته كأنما يقول للزمن: تَخَطَّ، فلم يبق بيني وبينك عَملٌ أيها الجبَّار، يستكين حتى لإخالُه يجمعُ أطرافَ نفسه لا يزاحمُ أفراحَ الناس بما يريدُ أن يتنفَّسَ من أحزانِه.
لك الله يا ابن أبي عتيق! لقد كانتْ لك كالجدول النَّامي النمير: هو سرُّ الأرض، وسرُّ العود، وسرُّ الزَّهر، وسرُّ العطر؛ فلما جَفَّتْ عنك همدت أرضُك، وظمئ عودُك، وصوَّحَ (١) زَهرُك، وتهاربَ عطرُك. . . زوجةٌ كانت تستودع روحك مع كل شارق، ما تتملَّى به أفراحك ولهوك ودُعابتك، فتخرج إلى أحبابك لتحمل عنهم همومهم فتغرقها في ذلك البحر الخِضَمِّ من الفرح والابتسام والرضى!
* * *
ودخل ابن أبي عتيقٍ فسلَّم سلام الذاهل المتوَلِّه، ثم جلس كأنما هو يلقى عبئًا ثقيلًا كان يمشي به، ثم نَظَر في عينيَّ بعينين نديَّتين ترى في غَوْرهما ذلك التنُّور المتضرِّم يتقاذفُ شُعَلَه في ثنايا النفس وفي مسارب العاطفة. وأدامَ النَّظر لا يرفعه عني كأنما يقول: انظر واعرفْ ولكن لا تتكلَّم! فأشهد أني افتقدتُ ما أقولُ أعزِّيه به أو أُرفِّه عنه، بل كأنما أفرغَ بعينيه في عينيَّ من أحزانه، حتى أراني أجد مسَّ النار في صدري وهي تستعر.
ولكني خفتُ على صاحبي ورفيقي إن أنا سكت له، أن أكون قد خلَّيت بينه وبين همِّه، وإن أحدنا لو قَعَد يمارسُ أحزانه يومًا بعد يوم لصرعتْه. أجلْ! وإن الحزن ليهجُم على النفس كالسَّبُع الضاري، حتى إذا عَبَر إليها وقف يستأنس متلفِّتًا يريد ما يختلج أو يتحرَّك، فما هو إلا أن يُهوِي إليه فيبطش به، أو ينشِب فيه براثنه ينفُضه ثم يقضقضُه حتى يهمَد، وإذا خُلِّي السبع لا يُذَاد ولا يُطْرد يبقى حتى يتأبّد ويستوحش. ولا يزال على عادته يستمرئ كل ساعة فريسته يغمس في دمها أو يَلِغُ، ثم لا يكفُّ حتى تكفَّ الحياة عما ينبض أو يتنفَّس.
стр. 276
وأخذْت أزوِّر له الأحاديث في نفسي. فلما هممت بها لم أقل إلا ما يقول الناس: عزاءك يا أبا محمد! فوالله كأنما هِجْت بها الطير الجثوم، وظل وجه ابن أبي عتيق يروح الدم فيه ويغدو، وجعلت عيناه ترسلان على نظراتهما الدمعَ الذي لا يسفح، والعَتْب (١) الذي لا يتكلم، وظلّ صامتًا، وراحت نفسي تنخزل عما أقدمت عليه، ولكنه لم يلبث أن زَفَر إليّ زفرةً خلت في نفثاتها شررًا يتطاير. ثم قعد يتململ حتى قال:
إن أيامي -يا أبا الخطاب- قد استحالت تيهًا أمشي فيه على مثل هذه الجَمَرات، ولقد كنت مما عَهِدتُني، والأيام من حولي عُرسٌ لا أعدم فيها ما أُطربُ له. كنت إذا ما حَزِن بعض أيامي، أجد من أفراح الماضي ما أهرب إليه بالذكرى، وأتوهَّم من نشوة الآتي ما أترامي إليه بالأمل، فكنت أعيش بفرحةٍ أحضرُها أو تحضرُني، لا أخاف ولا أجزع ولا أتوهم في الحياة إلا الخير. فأنا وقد أبتْ بغتات القدَر إلا أن تنتزع من كَفَّىَّ ما كنت أضنّ عليه، فهيهات لها بعد اليوم أن تطيقَ انتزاعَه من فكري. آهِ. . . آهِ يا عمر! كانت مِلْء عيني وروحي وقلبي. كنت أعيش تحت نسيمها كالنشوان ذاهلًا عن الألم مهما أمضَّ، مستصغرًا للكبير وإن فَدَح، راضيًا باسمًا متحفِّفًا (٢). . . إذ كانتْ هي هي الأمانيُّ تتجدَّد مع أيامى عليّ وتتبلّج مع كل فجر في قلبي، ما كنت جزوعًا ولقد جزعت! كيف قلت: عزاءً يا أبا محمد! ها الله يا ابن أبي ربيعة.
كيف صَبري عن بعض نفسي! وهل يَصبِرُ عن بعض نفسه الإنسان؟
كانت بيني وبين الدنيا، وكانت آية الرفق والفرح، فكنت أرى الدنيا بعينيها مشرقة من تحت غياهب الأحداث، فالآن إذ نامت عني، كيف أرى إلا قِطعًا من الليل تغتالني من كل وجه، أو أشلاءً من الدياجى تجثم لي بكل سبيل؟
ثم رأيت في عينيه الملَل وهو يطوى على نظراته ما نَشَرتْهُ الحياة من همة
стр. 277
النفس؛ وتخيلته -حتى كدت أتبينه- شبحًا ينساب في ظُلمة الليل فردًا قد انخلع من الحياة وأسبابها، فهو يضربُ في حَشا الظلماء بسآمةٍ لا تهتدي ولا تريد أن تهتدي، وقد كدت مما شجيتُ له أن أدع إليه الحديث حتى يَستَتِمَّه، ولكني أعرف في قلبه الرقَّةَ، فخشيتُ أن يَمضِي به الحزن على غُلَوائه، فقلت له:
مَهْ مَهْ يا أبا محمد، والله ما أنكرتك منذ عرفتك، ولكني اليوم منكر لك أو كالمنكر؟ أليس لك في إيمانك وإيمان آبائك معتصم أيها الشيخ؟ ما إسلامُك النفس للجزع وما غلوُّك فيه؟ إن امرأ يؤمن بالله واليوم الآخر لخليق أن يستكين إلى قضاء الله استكانة الوليد إلى أمه. وإن أمرًا يختاره الله لامرئ هو أهدى سبيليه لا رَيب، شَقِى بذلك أم سَعِد، وما يمسك النفس على أحزانها للأمر من قدر الله إلا الشيطان. خبرني يا أبا محمد! هل ابتُلىَ الناس فيما ابتُلوا به بما هو أفظع من فجيعتهم برسول الله ﷺ ؟ كلا! فقد حزن الناس حتى أخذتهم آخذة، وحتى أنكر أحلمهم حلمه، وحتى إن بعضهم ليوسوس، فقام إليهم جدُّك الصديق فرد الناسَ إلى أحلامهم، وهو أشدهم حزنا على صاحبه ورفيقه؛ فعلَّم الناس أن الحزن للقلب وحده، وأن العقل والجوارح إنما هي للعمل، وأن هذا هو طريق الإيمان بالله وبقضائه: خيره وشره، أفأنت من يَجور عن سنة الله وسنة المهتدين من آبائه يا أبا محمد؟ كنتَ المرءَ الصالحَ الذي يرى الدنيا بعيني زائلٍ، فما بالك اليوم تراها بِعَيْني متشبث قد أنشب فيها أمثال البراثن من عقله وفكره، فهو يتأبَّى أن يدور في وهمه أنه مفارقها؟
قال ابن أبي عتيق:
حنانيك يا عمر! فوالله ما تعلمني يا ابن أبي ربيعة إلا ما علمت. لقد عَجمتْ (١) مني الحوادث صخرة مُلملمة لا تضرع. كم سخرت من الدنيا وأحداثها، فجعلْت أطويها في دُعابتي طَىَّ المُلاءة! كنت أتخفَّفُ منها بنشوة
стр. 278
أُحْدثها في قلبي، فلو كان عليه مثل الجبل من الهمِّ لطار فيها كما تطير خافية (١) من جناح، ولكني اليوم. . . آه! لقلَّ ما جرَّبتَ يا عمر! أسلمتُ لله مُقْبِل أمري ومُدْبرهُ يصرِّفه كيف شاء. ولكني أجدُ هذا القلب المُعَنَّى لا يزال يخفق بالذكرى، أفأنت منكرٌ عليّ يا عمر أن أذكرها نسيمًا رَفْرَفَ بين الجوانح والقلب؟ أنَّى لي أن أَلوِي النفس عن آثارها، وما أكاد أرى شيئًا إلا خلته يحدثني حديث الثاكِل: أنينٌ وحنين؟ فأين المهرب؟ دع عنك يا أبا الخطاب! أَأَراكَ تَلْحاني (٢) على الجَزَع، وما على ظهرِها أشقى ممن يُصبح ليفتقد في نهاره حُلمًا ضَلَّ عنه مع الفجر؟ كم خلوت إلى هذه النفس ألومُها كالذي تلوم؟ وكم وقفت على هذا القلب أذكره ما يذكرُ الناس مني، فإذا الذي كان بالأمس قد أصبح وكأنه أديمٌ مرقوم قد تَفَرَّى (٣) عاثَ فيه البلى فمحاه. أريد، ويا لضلَّتى فيما أريد! أنا كالساري في لُجَّة الليل يلطم في سوادها، قد أضاع لؤلؤة يَبحثُ عنها بين الحصى والرمال! . . . لن أعودَ إلى الناس حتى أجد لؤلؤتي يا أبا الخطاب. . . لن أعود.
ورأيتُ الرجل ينتفض انتفاضة المحموم من هول ما يجد، فَرَحِمْته، ولكني آثرت أن أدور على بُنَيَّاته، عسى أن يَأْوِى لهن (٤) فيؤوب إلي كبعض ما كان، قلت: ظلمتَ نفسَك يا ابن أخي فظلمت من لا يلوذ إلا بظلك صغيراتٌ ضعيفات ضائعات: فمن لهن بعدك؟ لو كنتَ وشأنك لهان الأمر، ولكنك استُحْفِظتَ من لا يحفظه بعد الله إلا رحمتك، ومن لا يغذوه بعد الطعام إلا حديثك، ومن لا يضئ له وجه الدنيا بعد النهار إلا ابتسامك، ومن إذا أهمل ضاع عليك ضيعة الأبد. إنهن بناتُك منها وبناتُها منك، فوالله ما تذكرها ذِكرًا في شيء هو أكرم وأحب وأرضى عندها منهن، أجْمِلْ يا أبا محمد، أجْمِل! فرفع إليَّ رأسه ونظر، ثم ربا صدره بالزفرات وهو يقول:
стр. 279
لقد كنت أخشى لو تمليتِ خشيتي! ... عليكِ الليالي كرَّها وانفتالَها
فأما وقد أصبحتِ في قبضةِ الرَّدَى ... فشأن المنايا، فلتُصِب من بَدَا لها
. . . لولا علمتَ يا عمر! كيف -بربك- كنتَ تراني أحبوهنَّ من قلبي خفقات لامعات باسمات؟ كنتُ لو أطقتُ أن أجعل قلبي بينهن لهوًا يَتَلَعَّبنَ به لفعلت! فانظر إليك ماذا ترى؟ ما شيء أجتلب به على قلبي ألمًا كنوافذ الإبر إلا رؤية هؤلاء الصغيرات الضعيفات الضائعات، وإن إحداهن لتعدو إليَّ تستأوى فأحملها، فكأن قد والله حملتُ بها صخرة مسرفة (١) يُعيى حملها، لولا بقية من رحمةٍ -يا عمر- لنفرتُ عنهن نفرةً واحدة لا أراهن ولا يرينني.
أفزعني والله الرجل، ولكني فهمت عنه ما يأتي به. إنه لا يزال يراها بعينيه تحول بينه وبين صغاره. إنه يريدها ويريدهن جملة واحدة، فإذ ذهبت هي، فكأنما ذهب منهن الذي كان يراه فيهن. يرحمك الله يا ابن أبي عتيق! فأما إذ بلغ به حبها هذا المبلغ من اليأس، فلا والله ما ينجيه إلا أن يُحْتال، فقلت له: أأراك أُنسيت ذكر ربك يا أبا محمد! أتُرانا نعيش في هذه الأرض إلا بما نرجوه عند الله في غيب الله؟ فلولا ما نمثله في أنفسنا من الرجاء، ما نبض لامرئ عرق مما يأخذُه من السَّأم. وأنت، أفيغبى (٢) على امرئ في مثل عقلك أن يجعل من مفقودٍ يحبه رجاءً يستمسك به؟ انظرها يا ابن أبي عتيق بين عينيك، ولا تدع البَدن الراحل يَغلبُك على ما يحضرُك من روحها. إنك بعينيها ما عشت، فلا تحسبنَّ أحزانك التي تبتغى أن تتسلَّب بها في حياتك، تجعلها تنظر إليك راضية مطمئنة.
لا تشكَّنَّ يا ابن أخي، فوالله إن الجسد ليذهب إلى البلى، وإن الرُّوح
стр. 280
لتخلد، فما تُرضِي من يحبك بأمثل من أن تكون في غيْبِه ما كنت في مَحْضَرِه: "إِن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، ولا نقول ما يغضب ربنا" وصدق رسول الله (١). وما ذلك إلا أن نقصر الحزن، وأن نجعل أقوالنا وأفعالنا مرضاة لمن نحب وطاعة. ولا تستطيلنَّ ما بين الحي والميت، فإنما هي ساعات قلَّت وإن أطلت لها. يا أبا محمد! أرض ربك وأرض صاحبتك، واجهد أن تكون كما أحبت لك، فإنك عن قليل تلقاها، فلا يلقاها منك إلا ما تعرفه دون ما تنكره. . .
стр. 281
الطريق إلى الحق
كتب الأخ الصديق الأستاذ محمد مندور كلمة في البريد الأدبي الرسالة (٤٨٨) بعنوان "اللغة والتعريب"، عرض فيها مسألتين: إحداهما: مسألة الصواب والخطأ في اللغة، والأخرى: هو عنصر الثبات في اللغة كما سماه. وقد دفعه إلى الحديث عنهما ما كان من تخطئة الأب أنستاس الكرملي إياه في حرف من اللغة استعمله في كلامه، وهو "عثرت بالشيء" وهو يريد "عثرت عليه" وأحبُّ أن أقدم بين يدي كلامي بعضَ ما أعرفه عن "مندور"، قد كنا زميلين في الجامعة، فكان أحد الشبان الأذكياء المدقّقين. وإن فيه من ثورة النفس ما أرجو أن يبقى له على الشبابِ والهَرَم. ثم عرفته من بعدُ مطلعا حريصًا على العلم قليل العِناد فيما لا خطر له، ثم هو لا يزال يدأب إلى الحق في غير هوادة، فكل هذه الصفات تجعله عندي غير متعنّتٍ ولا مكابر، ولكني رأيت الأب أنستاس قد سلك إلى "مندور" طريقًا، فاندفع كلاهما يطاعن أخاه بعنفٍ لا يهدأ. وأنا لا أحب أن أدخُلَ بين الرجلين فيما هما بسبيله، ولكني أحرصُ على أن أدلَّ "مندورًا" على الحقّ الذي كنا ولا زلنا نميل إليه بكُلّ وجهٍ، ونسعى إليه في كل سبيل.
وينبغي لي أن أعرض للكلام على الفرق بين الحرفين "عثرت به" و"عثرت عليه" قبل أن أتحرى إلى "مندور" طريق الحقّ في المسألتين اللتين ذكرهما في كلامه.
فأصل اللغة في هذه المادة "عَثَر يعْثُر عَثْرًا وعِثَارًا"، وهو فِعْل لازمٌ لا يتعدَّى إلى مفعولٍ، ويَأتي هكذا غير مصاحب لحرفٍ من حروف الجرِّ. ولكلِّ فِعلٍ في اللغة مَعْنًى يقومُ بذاته، ودلالات يقتضيها بطريق التضمُّن أو الالتزام.
стр. 282
فقولك "عثر الرجل" معناه "تهيأ الرجل للسقوط": فالمراد بالفعل هو حدوث "حركة سقوط" الرجل، ولا يقصد به السقوط نفسه، أي أنه يدل بذاته على الحركة التي تسبق السقوط. وأما الدلالات التي يقتضيها الفعل فأولها: سبب حركة السقوط، وهذا السبب عقلي محض يتضمنه الفعل ويقوم فيه مقام الفاعل "كالحجر" مثلًا. وثانيها: الفعل الذي فعله هذا السبب وهو "الصدم"، وثالثها: الحالة التي تلحق الرجل من جرَّاء اصطدامه وهي التنبه والتماسك قبل السقوط. أما الدلالة الرابعة. . .
فلو شئت أن تفسر "عثر الرجل" لقلت: "صدم الحجرُ الرجلَ فكاد يسقط"، فكأن "عثر" قامت مقام الكلمات "صدم الحجر. . . فكاد يسقط". وأنت ترى أن "الرجل" هنا هو الذي وقع عليه الفعل (أي المفعول به)، لأنه هو الذي صُدم فكاد يسقط. فلما كتم هذا الفعل "عثر" فاعله الحقيقي -وهو الحجر مثلًا-، وكتم "الصدم" الذي هو فعل الفاعل الحقيقي، نسب فعله إلى الرجل، مع أنه ليس فاعلًا بل مفعولًا به. فهذا يدل على أنه ليس مريدًا للفعل (وهو العثرة)؛ كما يكون مريدًا للفعل في قولك: "قام الرجل" إذ أنه مريد هنا للقيام. وشبيهٌ به قولك: "مات الرجل" و"نام الرجل"، فالرجل هنا -على أنه "فاعل" في عبارة النحاة- ليس فاعلًا في حقيقة المعنى بل هو "مفعولٌ به" لأنه غير مريد في حالة الموت أو النوم.
فإذا صح لديك أن الرجل غير مُريد للعثرة في قولك "عثر الرجل"، رأيت الدلالة الرابعة لهذا الفعل وهي أن الشيء الذي فعل العثرة -وهو الحجر مثلًا- كان صغيرًا لم يتبيَّنْه الرجل، أو لم يتوقع وجوده في المكان الذي كان فيه، فلذلك كاد يسقط على غير إرادة من الرجل لذلك.
وإذا تأملت قليلًا رأيت أن قولك "عثر الرجل" لا يراد به الإخبار عن حدوث الصدم، بل المراد أن تصور هيئة الحركة التي جاءت بعد الصدم، وهي حركة السقوط. ولذلك بني مصدرها على هيئة المصادر التي تدل على عيوب الحركة في أصل الخلقة كالتي تكون في الدابة وغيرها من كل ما يمشي أو يتحرك.
стр. 283
وذلك هو وزن "فِعال" كالشِّماس، والجماح، والنفار، والشراد، والهياج، والطماح، والحران، والعضاض، والخراط، والضراح، والرماح، والفرار. فأنت ترى من ذلك أن المصدر قد نظر فيه إلى أن المراد في الفعل هو حركة السقوط لا الصدم، فإن الصدمة ليست عيبًا، وإنما العيب في هيئة الحركة. وكثيرًا ما يستعمل العثار للخيل يقال: "عثر الفرس" أو غيره من الدواب.
هذا. . . وحروف الجر التي تأتي لمصاحبة الأفعال إنما تأتي لمعان يتعين بها للفعل معنى لم يكن ظاهرًا فيه قبل دخولها، بل ربما اضطر الحرفُ الفعلَ أن ينتقل من الحقيقة إلى المجاز، لذلك تسمى حروف المعاني.
ثم إن كل حرف من هذه الحروف له معنى أصليٌّ يقوم به، ثم تتفرع منه معان أخرى لا تزال متصلة إلى المعنى الأول بسبب. فالباء مثلًا هي في حقيقة معناها تدل على إلصاق شيء بشيء أو دنوه منه حتى يمسه أو يكاد. ففي قولك "ألصقت شيئًا بشيء" تقع الباء في معناها الأول وهو الإلصاق الحقيقي. وفي قولك "مررت بزيد" تكون مجازًا لأنها تدل على الدنو والمقاربة الشديدة، كأنك ألصقت مرورك بالمكان الذي يتصل بمكان زيد. وينتقل الحرف من معناه الحقيقي إلى معناه المجازي بدليل من الفعل الذي يشترك معه في الدلالة. ولذلك تخرج من معناها الحقيقي إلى معنى السببية أو التعليل أو المصاحبة أو الاستعانة مما يذكر في باب معانيها، ولكنها في جميع ذلك تدل على الإلصاق الحقيقي أو المجازي.
فإذا جاءت الباء بعد فعل يقتضي معناه بذاته أو بدلالته معنى من الإلصاق، تعين لها أن تكون واقعة في معناها الحقيقي، ويكون دخولها مبالغة في إظهار معنى الإلصاق. وذلك كقولك: "أمسكت الشيء"، و"أمسكت بالشيء" فالباء هنا تزيد في معنى الفعل تقوية الإمساك إذ أن الإلصاق مما يدل عليه هذا الفعل بدلالة التضمن أو الالتزام.
فإذا قلت "عثر الرجل بحجر" فمعناه كما بيَّنا آنفًا "صدم الرجلَ حجرٌ فكاد يسقط". والباء قد دخلت على الفاعل الحقيقي للعثرة وهو "الحجر"، فهي إذن
стр. 284
مكملة لمعنى الفعل، ولم تأت لتعدية الفعل إلى مفعول، كالذي يكون في قولك "ذهب الرجل" و"ذهب الرجل بمحمدٍ".
فإذا كان الفعل دالًا بالتضمن على الصدم، والصدم يقتضي الإلصاق، وجاءت الباء مكملة لمعنى "عثر" تجرُّ وراءَها الفاعل الحقيقي للصدم، فالباء إذًا ستزيد في معنى الفعل، وذلك بأن تُظْهِر الصدم -المقتضى للإلصاق- بعد أن كان مكتومًا في الفعل، ويُقوي ذلك أيضًا ظهور الفاعل الحقيقي للعثرة بعد أن كان مكتومًا في "عثر".
فقول الأستاذ (مندور) إنه أراد بقوله "عثرت بالشيء" أنه لاقاه اتفاقًا غير ممكن، لأن الباء وافقت الفعل فزادت في الإبانة عما يضمره من دلالة "الصدم" الحقيقي ولم يكن فيها من المخالفة ما يحمل هذا الفعل على الميل إلى المجاز (أي إلى الصدم المجازي). وليس من شك في أن قوله "لاقاه اتفاقًا" مجازٌ في تأويل "عثر بالشيء"، فإذا كانت الباء إنما تزيد حقيقة الفعل قوة وبيانًا، فكيف إذن تصيرُ بعد ذلك مجازًا بغير عامل يحملها إلى المجاز؟
وقد يستخدم مع هذا الفعل حرف آخر هو "في"، فتقول "عثر الرجل في ثوبه" إذا كان واسع الثوب طويل الذيل، فهو يطأ بعض ذيله كلما مشى، فتشد الوطأة الثوب عليه، فيميل كأنه يتهيأ للسقوط فيتماسك.
فهذا الحرف "في" يدل في أصل معناه على الظرفية الزمانية أو المكانية، وينسحب بها على سائر معانيه. وهو بذلك يدل على استقرار لا على حركة كالحركة التي تكون في الإلصاق. ولما كان الفعل يدل دلالة ظاهرة على حركة السقوط وجاء الحرف "في" يطالب الحركة بالاستقرار، أسرع الفعل إليه. وذلك أنه حين يقول لك "عثر الرجل" لم تكد تجاوز تصوُّر حركة السقوط حتى يفجؤك بقوله "في ثوبه"، فيطالبك بإقرار هذه الحركة ثم تصورها في جوف الثوب. وهذه السرعة التي يتطلبها الانتقال تضعف دلالات الفعل التي كان يدل عليها مستقلًا بذاته أي في قولك "عثر الرجل" مجردا، وهي كما ذكرناها آنفًا: فاعل حركة السقوط، وفعله وهو الصدم، وحالة التنبه والتماسك قبل السقوط، وعدم التوقُّع أو الاتفاق.
стр. 285
فدخول "في" على "الثوب" أبعدتْ عن أول التصور أن يكون الثوبُ فاعلَ الصدم المؤدي إلى حركة السقوط، وبذلك أيضًا أضعفت دلالة الفعل على "الصَّدْم"، إذ أن "الصدم" لا يشبه أن يكون من فعل الثوب؛ فيتغير ما يتضمنه الفعل "عثر" من الدلالة، وتضمن وَطْء الثوب المفضي إلى شدِّه.
ولما كان لابس الثوب الطويل ينبغي له أن يعلم أن طوله يؤدي إلى وطء ذيله فيعثر، اختفت من الفعل -إلا قليلًا- دلالة الاتفاق من غير تعمد. ولذلك تستطيع أن تقول "جاء فلان يعثر في ثوبه"، ولا تستطيع أن تقول "جاء فلان يعثر بثوبه"، لأن الأولى قد ذهب منها الاتفاق من غير تعمد، فجائز أن تستمر، وأما الأخرى فمحتفظة بالاتفاق من غير عمد، فهي لا يمكن أن تستمر.
ومع ذلك فهذا الحرف "في" لم يستطع أن يغير من حقيقة "عثر" لأنه دانٍ منها، أو هو مستقر لها، إذ سوف تنتهي حركتها إلى استقراره.
وأما "على" فحرف يدل على الاستعلاء في جميع معانيه دلالة مطلقة، والاستعلاء المطلق لا يوجب الإلصاق كما في الباء، ولا يوجب الاستقرار كما في "في". فاستعمالها مع "عثر" سيحدث في معناها أثرًا جديدًا ينقلها من حال إلى حال.
فحين تقول "عثرت على الكرسي" يقتضيك فيها معنى "عثرت" -وهو تهيؤك للسقوط وتماسكك دون السقوط- ألا تجعل معنى "على" استعلاءَ ملاصقًا كما في قولك "وقعت على الكرسي"، وذلك لأنك لم تسقط بل كدت ثم تماسكت. وإذن فالحرف "على" هنا يدل على الاستعلاء المطلق الذي يقتضي نَفْي الملاصقة كقولك: "فضلت فلانًا على فلان".
والاستعلاء المطلق مناقض كل المناقضة لمعنى "الصدم" لأن الصدم يقتضي الملاصقة، فلما جاءت "على" خلعت عن الفعل "عثر" كل ما كان يتضمنه من معنى الصدم الحقيقي (لا المجازي)، ولما خلعته عن الفعل خلعته أيضًا عن الفاعل (الكرسى) الذي كان فعله الصدم الحقيقي (لا المجازي)، ولكن هذا الفعل لا ينفك من أحد دلالاته وهو "الصدم" سواء أكان حقيقيًّا أم