الطريق إلى الحق
كتب الأخ الصديق الأستاذ محمد مندور كلمة في البريد الأدبي الرسالة (٤٨٨) بعنوان "اللغة والتعريب"، عرض فيها مسألتين: إحداهما: مسألة الصواب والخطأ في اللغة، والأخرى: هو عنصر الثبات في اللغة كما سماه. وقد دفعه إلى الحديث عنهما ما كان من تخطئة الأب أنستاس الكرملي إياه في حرف من اللغة استعمله في كلامه، وهو "عثرت بالشيء" وهو يريد "عثرت عليه" وأحبُّ أن أقدم بين يدي كلامي بعضَ ما أعرفه عن "مندور"، قد كنا زميلين في الجامعة، فكان أحد الشبان الأذكياء المدقّقين. وإن فيه من ثورة النفس ما أرجو أن يبقى له على الشبابِ والهَرَم. ثم عرفته من بعدُ مطلعا حريصًا على العلم قليل العِناد فيما لا خطر له، ثم هو لا يزال يدأب إلى الحق في غير هوادة، فكل هذه الصفات تجعله عندي غير متعنّتٍ ولا مكابر، ولكني رأيت الأب أنستاس قد سلك إلى "مندور" طريقًا، فاندفع كلاهما يطاعن أخاه بعنفٍ لا يهدأ. وأنا لا أحب أن أدخُلَ بين الرجلين فيما هما بسبيله، ولكني أحرصُ على أن أدلَّ "مندورًا" على الحقّ الذي كنا ولا زلنا نميل إليه بكُلّ وجهٍ، ونسعى إليه في كل سبيل.
وينبغي لي أن أعرض للكلام على الفرق بين الحرفين "عثرت به" و"عثرت عليه" قبل أن أتحرى إلى "مندور" طريق الحقّ في المسألتين اللتين ذكرهما في كلامه.
فأصل اللغة في هذه المادة "عَثَر يعْثُر عَثْرًا وعِثَارًا"، وهو فِعْل لازمٌ لا يتعدَّى إلى مفعولٍ، ويَأتي هكذا غير مصاحب لحرفٍ من حروف الجرِّ. ولكلِّ فِعلٍ في اللغة مَعْنًى يقومُ بذاته، ودلالات يقتضيها بطريق التضمُّن أو الالتزام.
стр. 282
فقولك "عثر الرجل" معناه "تهيأ الرجل للسقوط": فالمراد بالفعل هو حدوث "حركة سقوط" الرجل، ولا يقصد به السقوط نفسه، أي أنه يدل بذاته على الحركة التي تسبق السقوط. وأما الدلالات التي يقتضيها الفعل فأولها: سبب حركة السقوط، وهذا السبب عقلي محض يتضمنه الفعل ويقوم فيه مقام الفاعل "كالحجر" مثلًا. وثانيها: الفعل الذي فعله هذا السبب وهو "الصدم"، وثالثها: الحالة التي تلحق الرجل من جرَّاء اصطدامه وهي التنبه والتماسك قبل السقوط. أما الدلالة الرابعة. . .
فلو شئت أن تفسر "عثر الرجل" لقلت: "صدم الحجرُ الرجلَ فكاد يسقط"، فكأن "عثر" قامت مقام الكلمات "صدم الحجر. . . فكاد يسقط". وأنت ترى أن "الرجل" هنا هو الذي وقع عليه الفعل (أي المفعول به)، لأنه هو الذي صُدم فكاد يسقط. فلما كتم هذا الفعل "عثر" فاعله الحقيقي -وهو الحجر مثلًا-، وكتم "الصدم" الذي هو فعل الفاعل الحقيقي، نسب فعله إلى الرجل، مع أنه ليس فاعلًا بل مفعولًا به. فهذا يدل على أنه ليس مريدًا للفعل (وهو العثرة)؛ كما يكون مريدًا للفعل في قولك: "قام الرجل" إذ أنه مريد هنا للقيام. وشبيهٌ به قولك: "مات الرجل" و"نام الرجل"، فالرجل هنا -على أنه "فاعل" في عبارة النحاة- ليس فاعلًا في حقيقة المعنى بل هو "مفعولٌ به" لأنه غير مريد في حالة الموت أو النوم.
فإذا صح لديك أن الرجل غير مُريد للعثرة في قولك "عثر الرجل"، رأيت الدلالة الرابعة لهذا الفعل وهي أن الشيء الذي فعل العثرة -وهو الحجر مثلًا- كان صغيرًا لم يتبيَّنْه الرجل، أو لم يتوقع وجوده في المكان الذي كان فيه، فلذلك كاد يسقط على غير إرادة من الرجل لذلك.
وإذا تأملت قليلًا رأيت أن قولك "عثر الرجل" لا يراد به الإخبار عن حدوث الصدم، بل المراد أن تصور هيئة الحركة التي جاءت بعد الصدم، وهي حركة السقوط. ولذلك بني مصدرها على هيئة المصادر التي تدل على عيوب الحركة في أصل الخلقة كالتي تكون في الدابة وغيرها من كل ما يمشي أو يتحرك.
стр. 283
وذلك هو وزن "فِعال" كالشِّماس، والجماح، والنفار، والشراد، والهياج، والطماح، والحران، والعضاض، والخراط، والضراح، والرماح، والفرار. فأنت ترى من ذلك أن المصدر قد نظر فيه إلى أن المراد في الفعل هو حركة السقوط لا الصدم، فإن الصدمة ليست عيبًا، وإنما العيب في هيئة الحركة. وكثيرًا ما يستعمل العثار للخيل يقال: "عثر الفرس" أو غيره من الدواب.
هذا. . . وحروف الجر التي تأتي لمصاحبة الأفعال إنما تأتي لمعان يتعين بها للفعل معنى لم يكن ظاهرًا فيه قبل دخولها، بل ربما اضطر الحرفُ الفعلَ أن ينتقل من الحقيقة إلى المجاز، لذلك تسمى حروف المعاني.
ثم إن كل حرف من هذه الحروف له معنى أصليٌّ يقوم به، ثم تتفرع منه معان أخرى لا تزال متصلة إلى المعنى الأول بسبب. فالباء مثلًا هي في حقيقة معناها تدل على إلصاق شيء بشيء أو دنوه منه حتى يمسه أو يكاد. ففي قولك "ألصقت شيئًا بشيء" تقع الباء في معناها الأول وهو الإلصاق الحقيقي. وفي قولك "مررت بزيد" تكون مجازًا لأنها تدل على الدنو والمقاربة الشديدة، كأنك ألصقت مرورك بالمكان الذي يتصل بمكان زيد. وينتقل الحرف من معناه الحقيقي إلى معناه المجازي بدليل من الفعل الذي يشترك معه في الدلالة. ولذلك تخرج من معناها الحقيقي إلى معنى السببية أو التعليل أو المصاحبة أو الاستعانة مما يذكر في باب معانيها، ولكنها في جميع ذلك تدل على الإلصاق الحقيقي أو المجازي.
فإذا جاءت الباء بعد فعل يقتضي معناه بذاته أو بدلالته معنى من الإلصاق، تعين لها أن تكون واقعة في معناها الحقيقي، ويكون دخولها مبالغة في إظهار معنى الإلصاق. وذلك كقولك: "أمسكت الشيء"، و"أمسكت بالشيء" فالباء هنا تزيد في معنى الفعل تقوية الإمساك إذ أن الإلصاق مما يدل عليه هذا الفعل بدلالة التضمن أو الالتزام.
فإذا قلت "عثر الرجل بحجر" فمعناه كما بيَّنا آنفًا "صدم الرجلَ حجرٌ فكاد يسقط". والباء قد دخلت على الفاعل الحقيقي للعثرة وهو "الحجر"، فهي إذن
стр. 284
مكملة لمعنى الفعل، ولم تأت لتعدية الفعل إلى مفعول، كالذي يكون في قولك "ذهب الرجل" و"ذهب الرجل بمحمدٍ".
فإذا كان الفعل دالًا بالتضمن على الصدم، والصدم يقتضي الإلصاق، وجاءت الباء مكملة لمعنى "عثر" تجرُّ وراءَها الفاعل الحقيقي للصدم، فالباء إذًا ستزيد في معنى الفعل، وذلك بأن تُظْهِر الصدم -المقتضى للإلصاق- بعد أن كان مكتومًا في الفعل، ويُقوي ذلك أيضًا ظهور الفاعل الحقيقي للعثرة بعد أن كان مكتومًا في "عثر".
فقول الأستاذ (مندور) إنه أراد بقوله "عثرت بالشيء" أنه لاقاه اتفاقًا غير ممكن، لأن الباء وافقت الفعل فزادت في الإبانة عما يضمره من دلالة "الصدم" الحقيقي ولم يكن فيها من المخالفة ما يحمل هذا الفعل على الميل إلى المجاز (أي إلى الصدم المجازي). وليس من شك في أن قوله "لاقاه اتفاقًا" مجازٌ في تأويل "عثر بالشيء"، فإذا كانت الباء إنما تزيد حقيقة الفعل قوة وبيانًا، فكيف إذن تصيرُ بعد ذلك مجازًا بغير عامل يحملها إلى المجاز؟
وقد يستخدم مع هذا الفعل حرف آخر هو "في"، فتقول "عثر الرجل في ثوبه" إذا كان واسع الثوب طويل الذيل، فهو يطأ بعض ذيله كلما مشى، فتشد الوطأة الثوب عليه، فيميل كأنه يتهيأ للسقوط فيتماسك.
فهذا الحرف "في" يدل في أصل معناه على الظرفية الزمانية أو المكانية، وينسحب بها على سائر معانيه. وهو بذلك يدل على استقرار لا على حركة كالحركة التي تكون في الإلصاق. ولما كان الفعل يدل دلالة ظاهرة على حركة السقوط وجاء الحرف "في" يطالب الحركة بالاستقرار، أسرع الفعل إليه. وذلك أنه حين يقول لك "عثر الرجل" لم تكد تجاوز تصوُّر حركة السقوط حتى يفجؤك بقوله "في ثوبه"، فيطالبك بإقرار هذه الحركة ثم تصورها في جوف الثوب. وهذه السرعة التي يتطلبها الانتقال تضعف دلالات الفعل التي كان يدل عليها مستقلًا بذاته أي في قولك "عثر الرجل" مجردا، وهي كما ذكرناها آنفًا: فاعل حركة السقوط، وفعله وهو الصدم، وحالة التنبه والتماسك قبل السقوط، وعدم التوقُّع أو الاتفاق.
стр. 285
فدخول "في" على "الثوب" أبعدتْ عن أول التصور أن يكون الثوبُ فاعلَ الصدم المؤدي إلى حركة السقوط، وبذلك أيضًا أضعفت دلالة الفعل على "الصَّدْم"، إذ أن "الصدم" لا يشبه أن يكون من فعل الثوب؛ فيتغير ما يتضمنه الفعل "عثر" من الدلالة، وتضمن وَطْء الثوب المفضي إلى شدِّه.
ولما كان لابس الثوب الطويل ينبغي له أن يعلم أن طوله يؤدي إلى وطء ذيله فيعثر، اختفت من الفعل -إلا قليلًا- دلالة الاتفاق من غير تعمد. ولذلك تستطيع أن تقول "جاء فلان يعثر في ثوبه"، ولا تستطيع أن تقول "جاء فلان يعثر بثوبه"، لأن الأولى قد ذهب منها الاتفاق من غير تعمد، فجائز أن تستمر، وأما الأخرى فمحتفظة بالاتفاق من غير عمد، فهي لا يمكن أن تستمر.
ومع ذلك فهذا الحرف "في" لم يستطع أن يغير من حقيقة "عثر" لأنه دانٍ منها، أو هو مستقر لها، إذ سوف تنتهي حركتها إلى استقراره.
وأما "على" فحرف يدل على الاستعلاء في جميع معانيه دلالة مطلقة، والاستعلاء المطلق لا يوجب الإلصاق كما في الباء، ولا يوجب الاستقرار كما في "في". فاستعمالها مع "عثر" سيحدث في معناها أثرًا جديدًا ينقلها من حال إلى حال.
فحين تقول "عثرت على الكرسي" يقتضيك فيها معنى "عثرت" -وهو تهيؤك للسقوط وتماسكك دون السقوط- ألا تجعل معنى "على" استعلاءَ ملاصقًا كما في قولك "وقعت على الكرسي"، وذلك لأنك لم تسقط بل كدت ثم تماسكت. وإذن فالحرف "على" هنا يدل على الاستعلاء المطلق الذي يقتضي نَفْي الملاصقة كقولك: "فضلت فلانًا على فلان".
والاستعلاء المطلق مناقض كل المناقضة لمعنى "الصدم" لأن الصدم يقتضي الملاصقة، فلما جاءت "على" خلعت عن الفعل "عثر" كل ما كان يتضمنه من معنى الصدم الحقيقي (لا المجازي)، ولما خلعته عن الفعل خلعته أيضًا عن الفاعل (الكرسى) الذي كان فعله الصدم الحقيقي (لا المجازي)، ولكن هذا الفعل لا ينفك من أحد دلالاته وهو "الصدم" سواء أكان حقيقيًّا أم
стр. 286
مجازيًا، فإذا خلعت "على" عنه الصدم الحقيقي بقي الصدم المجازي مكتومًا فيه قائمًا مقام الصدم الحقيقي، وإذا كان ذلك فلابد من حدوث تغير في الفعل وفي معناه، لأن الصدم قد انتقل من معناه الحقيقي إلى معناه المجازي، والصدم وفاعله سببان في "عثر" التي تدل على حركة السقوط. فإذا صار الصدم من الحقيقة إلى المجاز -وهو أحد مقومات حركة السقوط- فلابد من أن تصير "عثر" إلى المجاز أيضًا لأنها صارت مسببة عن مجاز.
فأنت ترى أن هذا الفعل لم ينقله من الحقيقة إلى المجاز إلا حرف واحد هو "على" الذي يدل على استعلاء مطلق يناقض معنى الصدم الحقيقي الذي كان ثابتًا في الفعل بدلالة التضمن أو الالتزام.
وعلى ذلك لا يزال هذا الفعل مع "على" يدل على حركة السقوط المجازية، ويتضمن بدلالة الالتزام فاعل هذه الحركة، وفعله وهو الصدم المجازي، ثم حالة التنبه والتماسك قبل هذه الحركة، ثم عدم التوقع أو الاتفاق، وهذا بعينه ما يريده الأخ "مندور" بقوله في تأويل "عثرت به" أنه لاقاه اتفاقًا.
وانظر الآن إلى سليقة هذه اللغة فإنها إذا كانت قد جعلت مصدر "عثر وعثر به" و"عثر فيه" عِثارًا بوزن "فِعال" الدال على عيوب الحركة، أو على الحركة نفسها: كالمِزَاح والضِّرَاب والنِّزَال، والصِّرَاع، فإنها تجعل مصدر "عثر عليه" عثورًا على وزن "فُعول" الذي يدل أكثره على مجرد الحركة، كالنزول، والسقوط، والقعود، والجلوس، والشرود، والنفور، والجموح، والطموح؟ وبذلك خالفت بين المصدرين مع اشتراك الوزنين في معنى الحركة، لأن الفعل انتقل من الحقيقة إلى المجاز.
وفي الآيتين من كتاب الله: المائدة (١١٠) ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾، وآية أصحاب الكهف (٢٠) ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ جاء الفعل بالمعنى المجازي الذي يقتضي حركة السقوط المجازية، والصدم المجازي، وحالة التنبه والتماسك قبل حركة السقوط. وعدم التوقع أي الوقوف على الشيء بغير طلب أو بحث أو كشف.
стр. 287
ولكن الأخ مندور يقول: "ولم أرد (العثور عليه) أي الإطلاع الذي يدل على علم ومعرفة وبحث وجهبذة لا أدعيها". والذي أوقعه في هذا التأويل قول أصحاب اللغة "عثر على الأمر عثورًا" اطلع، فتفسيرهم مقصر عن الغاية كل التقصير لأنه يدل على جزء واحد من الدلالات التي يتضمنها الفعل، وهي حالة التنبه التي تلحق الرجل من الصدمة فينظر ويتبين ما صدمه، وأهملوا بقولهم (اطلع) المعنى الأصلى للفعل "عثر" وهي حالة السقوط المجازي، والصدمة المجازية، وعدم التوقع. وهذا نقص مخل في عبارة كتب أصحاب اللغة.
وأنا أقرر أن أكثر ما في كتب اللغة عندنا من تفسير الألفاظ إنما هو تفسير مخل فاسد، لأنه قد أهمل فيه أصل الاشتقاق، وأصل المعنى الذي يدل عليه اللفظ بذاته كما رأيت هنا. وإذا أُهْمِل هذان فقد اضطرب الكلام واضطربت دلالاته، وأوقع من يأخذ اللغة بغير تدبر في حالة من التعبد بالنصوص كتعبد الوثني للصنم. وأيضًا فهو يوقع بعض النابهين من الكتاب في أوهام ليست من الحق في شيء، يحملهم عليها تكرار هذا التفسير الفاسد فيسلمون به على غير تبين، كما رأيت في تفسير قولهم "عثرت عليه" أنه "اطلعت عليه"، فإنك حين تقول: "عثر على الكلمة في الكتاب" فلست تقولها إلا حين تريد أن تصور الكلمة كأنها فاعل الصدم، وتصور رؤيتها كأنه صدم لك، وهذا الصدم يستدعي تنبهك فتتماسك وتنظر إلى ما صدمك، وإن هذا كله كان بغير طلب أو بحث وإنما جاءك اتفاقًا على غير تعمد كان منك.
هذا وأنا لم أقصد ببحثي هذا إلى اللغة، بل قصدت إلى الدلالة على طريق الحق إلى فهمها. وأحب أن أظهر من يقرأ كلامي هذا على أنني لا أجعل مفردات اللغة كل الهم في عملي أو عمل غيري. ويقيني أن أكثر من يطيق التدبر والتأمل يستطيع أن يصل إلى فهم اللغة فهمًا صحيحًا نافعًا معينًا على حسن العبارة ودقتها في البيان عن المراد، وهو لم يتكلّف إلى ذلك إلّا قليلًا من الجهد وأحسبني قد سلكت إلى أخي مندور طريق العلم إلى غاية الحق، وهي غايته التي أعلمه لا يعمل إلّا لها، وسواء عليه بعد ذلك أكان الحق له أم عليه.
стр. 288
أما مسألة الخطأ والصواب في اللغة، ومسألة عنصر الثبات فيها، فنتركها إلى العدد التالى من الرسالة، ولأخي مندور تحيتي وشكري.
стр. 289
أدباء . . .!
قرأت في مجلة الثقافة العدد "٢٠٩" كلمة تحت عنوان "الصحافة والأدب في أسبوع"، فرأيت كتابًا من صديقي الشاعر الأستاذ محمود حسن إسماعيل إلى صديقي أيضًا. . . الأستاذ (ق). وفي هذا الكتاب ذكْرُ بعض أصحابنا وذكرى، ويصفنا الصديق الأستاذ الشاعر بصفات جميلة محببة كاللجاج، والتهاتر، والكسل، والجبن، والغفلة، والتخلف عن سير الزمان، ويدعونا إلى ملازمة الصمت على رفوفنا الجامدة حتى يتحرك بنا أو ينسانا الزمان! . . . وهو كذلك لا أدري! فقد سمعت أن الأوائل قالوا: "عقل المرء مخبوءٌ تحت لسانه"، وأنهم قالوا:
إذا لم يكن للمرء عقْلٌ يَكفُّه ... عن الجهل، لم يَسْتَحْيي وانهتَكَ الستر
وللصديقين منِّي تحية المخلص المعجب بأدبهما وبيانهما.
стр. 290
من مذكرات ابن أبي ربيعة جريرة ميعاد
" قال عمر [بن] أبي ربيعة. . . .": ركبتني الحمى ثلاثا حتى ظننت أن الله قد كتب عليّ أن أذوق حظي من نار الدنيا قبل أن أردَ على نار الآخرة. وكنت أَجِد مسها كلذع الجمرات على الجلد الحيّ، وأجدني كالذي وضع بين فكَّيْه ضرسًا من جبل فهو يجرشه جرش الرَّحى، وظللت أَهْذِي وابن أبي عتيق يتلقف عني ما كنت أسِرُّ دونه، حتى إذا قَصَرتْ عني وثاب إلى عقلي قال ابن أبي عتيق: ويلك يا عمر! والله لقد فضحتها وهتكت عنها سترها؛ أما والله لو قد كنت أخبرتني قبل الساعة لاحتلت لها، ولوقيتها مما عرضتها له. قلتُ: ويبك يا ابن أبي عتيق! من تعني؟ قال: من أعني؟ ما زلت منذ الساعة تهذي باسمها غير معجم! إنها الثريا، واليوم ميعادها، ولقد مضى من الليل أكثره وما بقى منه إلا حُشاشة هالك!
ووجم الرجل واعتراني من الهم ما حبب إلى الحمى أن تكون خامرتني وساورتني حتى قضت علي، وطفقتُ أنظر بعيني في بقايا الليل نظرة الثكلى ترى في حواشي الدُّجى طيف ولدِها وواحدِها. وتمضي الساعات عليّ كأنما تطأنِى بأقدام غلاظ شداد لم تدع لي عضوًا إلا رضَّتْهُ. وابن أبي عتيق يذهبُ ويجئ كأنما أصابه مس فهو يرميني بعينه صامتًا يتحزّنُ لما يرهبُ من فجاءات القدر بي وبها. ثم أقبل على يقول: خبرني يا عمر أين واعدتها من داركَ هذه؟ فوالله لكأنما ألقى في سمعي لهبًا يتضرَّمُ، فلم أسمع ولم أُبصر ودارت بي الأرض، فما أدري بم أُجيب، فلقد واعدتها منزلًا كنتُ أحتفي به لميعادها، قد استودعته سري وسرها، فما أدري ما فعل به أهل الدار، وقد ربضتْ بي الحمى بمنأي عنه. ولا والله ما شعرت أن الفجر قد صدع حتى سمعت الأذان كأنه ينعَى إليّ بعض نفسي، فما تماسكت أن أنتحبَ. وابتدر إلى صاحبي يكفكف غَرْبَ (١)
стр. 291
أحزاني. وقال: خَفِّض عليك يا عمر، فإن هذا يهيضُك إلى ما بك. وما تدري لعل الله يحدث بعد عسر يسرا. قم إلى وضوئك أيها الرجل، واستقبل بوجهك هذه البنية، وادع الله جاهدًا أن يستر ما هتكت، فإنهنَّ النساءُ لحمٌ على وضمٍ إلاما ذُبّ عنه (١).
فما كدتُ أفرغُ من صلاتي حتى جاءت جاريةٌ صغيرةٌ تعدو قد أنزفَها الجرى، ورمتْ إليَّ كتابا في سدَقة من حرير يفوح منها العطر، وقالت: سيدتي تقول لك: في هذه شفاءٌ من داء. واستدارت وانطلقت تسعى. فنظرتُ وشممتُ ونشرت الحريرة المطوية عن كتاب مطوي طيّ العَجَلةِ، وإذا فيه: "جئنا لميعادك، فإذا شبحٌ نائمٌ في بُردِك فرميتُ نفسي عليه أُقَبِّلُه، فانتبه وجعل يقول: اعْزُبي عني فلست بالفاسق أخزاكما الله. ودفعني فعدوتُ أفرُّ بنفسي من فضيحة تنالنى فيكَ وما شعرتُ أنك محموم حتى أنبأتني بذلك أختي، فويلى عليك وويلى منك يا عمر! ". فألقيتُ الكتاب إلى ابن أبي عتيق، وأستعفي به أن يدبر منذ اليوم ما أتقي به خَبْءَ الليالي، فنظر إليَّ بعينين زائغتين من سهر وسهاد وقال: والله يا عمر لكأني بك قد ركبتَ إلى بلائك وبلاءِ الثريَّا حين قلتَ:
تشكَّى الكُمَيْتُ الجَرْىَ لمَّا جهدته ... وبيَّن لو يستطيع أن يتكلما (٢)
وما أدري كيف أحتال لك في أمرٍ قد انفلتت من يديك أعنَّته، فدعِ الأمر لله يدبره، ووطن نفسك على الثقة، ولا تجزع لبغية إن جائتك، والق من يلقاك بالفضيحة كأتم ما كنت بشاشةً ورضًى وسكينة؛ فأنت خليق أن تنقذها مما ورطتها فيه. وإياك والتردد، فإنه مدرجة النكبات. ولقد عهدتك صَنَع (٣) اللسان، فإن لم ينفعك اليوم لسانك فلا والله لا نفعك، قلت: جزاك الله عني خيرًا يا ابن أبي عتيق، ما ضرَّني كتماني دونك ما أكتم إلا اليوم، ولو كنت أعلم
стр. 292
الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء. ويلي من نفسي ثم ويلي منها! واعلم أنه ما يكربني أن يلقاني من أحتال له وأصرفه، وإنما يكربني أمر الثريا وهي تقضي الساعات قد ألقى الهَمّ في دمها ناره وفي فكرها ظلمته، ولا والله ما أستطيع أن أحتال لرسول يلم بها فيقول لها بعض ما تسكن إليه.
قال ابن أبي عتيق: فهلَّا حدثتني عنها يا عمر؟ فلقد صحبتك ما صحبتك وما أدري من خبر الثريا وأمرها إلا ما أتسقّطه (١) من حديث الناس. قلت: وما تبغي إلى ذلك؟ أما كفاك ما تعرف من أمر سائرهن؟ وإني لأراك كالمنهوم الذي لا يشبع، فلو كنت مثلي لقلت عسى أن تكون لك في نفسك حاجة، ولكن الله عافاك مما ابتلاني به، فدع عنك الثريا وأخبارها. فورب السموات والأرض وما فيهن ما أمنت على سرها نفسي، فكيف بي إذا بُحْتُ لك؟ قال: إذن فصِفْها لي كيف تراها؟ قلت: أما إنك على ذلك، لشديد الحرص شديد الطمع. وما تبغي إلى امرأة من النساء تسمع من نعتها وحليتها وصفاتها؟ لولا أن كنت اليوم شاهدي لما حدثتك بحرف. يقول الناس: ما فعل الله بابن أبي ربيعة؟ ما زال يمد عينيه إلى كل غادية ورائحة حتى أفضى إلى الثريا، فتعلق منها بنجم لا يناله وإن جَهِدَ. وإنها لعرضة ذلك جمالًا وتمامًا، وإني لخليق أن أفنى فيها نور عيني وقلبي. ويقول الناس: ما الثريا؟ إن هي إلا امرأة دون من نعرف من النساء حسنًا وبهاءً. وقد والله كَذَبَتْهم أعينهم، وإني لبصير بالنساء خبيرٌ بما فيهنَّ، ولئن كنت قد عشت تبيعًا للنساء أنقدهن نقد الصيرفي للدينار والدرهم (٢) فأنا أهل المعرفة أحقق جيادها وزيوفها بأنامل كالميزان لا يكذب عليها ناقص ولا وافٍ.
ما يضيرك يا ابن أبي عتيق أن ترى الثريا أو لا تراها، فإنك لا تراها بعينيَّ، وإنما أنت من الناس تضل عن جمالها حيث أهتدي إليه، وتسألني كيف أراها؟ فوالله إن رأيتها إلا ظننت أني لم أرها من قبل، فهي تتجدد في عيني وفي قلبي مع كل طرفة عين، ولئن نعتها لك فما أنعت منها إلا الذي أنت واجده حيث سِرت
стр. 293
عن النساء: غادة كالفنن (١) الغَض يميد بها الصبا وسكر الشباب، لم ترْبُ رَبْوةَ الفارعات (٢)، ولم تجف جفوة البدينات، ولم تضمر ضمور المهزولات، ولم تُمسح مسحة الضئيلات (٣)، ولم تقبض قبضة القصار القميئات، فتمَّ تمامها بضَّة هيفاءً أُملودًا (٤)، خفاقة الحشا هضيمة الكشحين مهفهفة الخصر، تتثنى من اللين كأنها سكرى تترنح. فلو ذهبت تمسها لمَسْست منها نَعمة وليانًا وامتلاء، قد جُدِلَت كلها جَدْل العصب، فهي على بنانك لدنة تُرْعد من لُطفها واعتدالها. وانظر بعيني يا ابن أبي عتيق، تُبصر لها نحرًا كذَوْب الفضة البيضاء قد مسها الذهب؛ فلا والله ما ملكت نفسي أن أعب من هذا الينبوع المتفجر إلا تُقًى لله أن أدنِّسه بشفتين ظامئتين قد طالما جرى عليهما الكذب والشعر. أما وجهها فكالدرة المصقولة لا يترقرق فيه ماء الشباب إلا حائرًا لا يدري أين ينسكب إلا على نحرها الوضاء، يزينه أنف أشمُّ في دقيق العرنين لطيف المارِن (٥)؛ فإذا دنوت إليها فإنما تتنفس عليك من روضة معطارٍ أو خمرٍ معتقةٍ، فاذهب بنفسك أيها الرجل أن تزول عن مكانك كما يقول صاحبنا جميل:
فقام يجر عطفية خُمارًا ... وكان قريب عَهْدٍ بالمَماتِ
ودَعْ عنك عينيها يا رجل، فلو نظرتْ إليك نظرة لَوَجَدْتها تنفُذ في عينيك تضئ لقلبك في أَكنّته مساربَ الدم في أَغْوار جوفك، ولتركتك كما تركتني أسير بعينين مغمضتين ذاهلتين إلا عما أضاءتْ لك في الحياة عيناها. فإذا دنتْ إليك فكُنْ ما شئت إلا أن تكون حيًّا ذا إرادة تطيق أن تتصرف، وذَرْ كل شيء إلا عطر أنفاسها وضياءَ وجهها، وغمامةً تظلل روحك النشوى طائفة عليك بأطراف شعرها المتهدِّل كحواشي الليل على جبين الفجر، وخذْ بنانا رخْصًا مطرَّفًا (٦) كثمار العُنّاب تغذوها يدٌ بضة بيضاء يحار فيها مثل ماءِ الصفا، فلقد قبَّلتها يومًا
стр. 294
قُبلةً ظننت أن قد أطفأت بها غليلي فزادتني غُلَّةً وصدًى، فما نفعني في نار هذه الحمى إلا ما لم أزلْ أجد من بَرْدِها وطيبها وعذوبتها على شفتي حتى اليوم. ولا والله إنْ (١) رأيتُ كمثلها امرأة إذا حدثت، فكأنما تسكب في روحي سرَّ الحياة يهمس عن شفتين رقيقتين ضامرتين كأنّ الدم فيها مكفوف وراء غلالة من النعمة والشباب. فآه من الثريا! لقد حجبت عني كل نجم كان يلوح لي في الدياجى يُلهمني أو يُغويني. . . وَىْ، ما دهاك أيها الرجل؟
ورأيت ابن أبي عتيق يتخطاني بعينيه ينظر إلى الباب من ورائي، قد انتُسِف وجْهه وغاض من الدم كأنما يرى هَوْلًا هائلًا قد أوشك أن ينقض عليه، وما كدت أرد الطرف حتى سمعت من يقول: السلام عليكما يا عمر! وأنت يا ابن أبي عتيق ما لك تنظر إليّ كالمغشي عليه لا ترفُّ منك عاملة ولا ساكنة؟ وما بك يا أبا الخطاب! أترى الحمى كانت منك على ميعاد؟ لقد أقبلت أمس من سفري، وكان الليل قد أوغل فتلقاني ولدك جوانٌ فأنبأني أن الحمى قد وردتك فأردعت (٢) عليك أيامًا فنهكتْك حتى خيفت عليك بُرَحاؤها (٣)، وأن ابن أبي عتيق جزاه الله عنا وعنك خيرًا أبي إلا أن يتعهدك بمرضك حتى تبرأ وتستفيق، وإني لأراك بارئًا يا أبا الخطاب.
فوالله لقد سكنتْ نفسي لما أتم كلامه وسكتَ، وأدنى يده يجسُّني جسَّ المشفق، ورأيت ابن أبي عتيق يثوب كأنما كان في كرب يغتُّه (٤) ويعصرُه ثم أرسله فعاد إليه الدم. فهذا أخي الحارث (هو الحارث بن أبي ربيعة أخو عمر) سيد من سادات قريش شريفٌ كريم عفيفٌ ديّنٌ، ما رآه امرؤ إلا دخلته الرهبة له حتى تتعاظمه. فما زاده أن كانت أمه سوداء من حَبش إلا رفعة ومكانًا. ولقد كان عبد الملك بن مروان ينازع عبد الله بن الزبير أمر الخلافة، وكان ابن الزبير
стр. 295
قد ولَّى الحارث بعض الولايات، فلما جاءه النبأ بولاية الحارث قال: أرسل عوفًا وقَعَد! ولا حُرّ بوادي عَوفٍ (١). فابتدر من المجلس يحيى بن الحكم وقال: ومن الحارث يا أمير المؤمنين؟ ابن السوداء! فقال له عبد الملك: خسئتَ، فوالله ما ولدتْ أمةٌ خيرًا مما ولدت أمه!
ثم صرف الحارث وجهه إلى ابن أبي عتيق وهو يبتسم له وقال: أما زلت يا ابن أبي عتيق بحيث قال صاحبك فيما بلغنى من شعره إذ يقول لك؟
لا تلمني عتيقُ حسبي الذي بي ... إنّ بي يا عتيق ما قد كفاني
إنَّ بي داخلًا من الحب قد أبْـ ... لَى عظامي مكنونه وبراني
لا تلمني وأنت زيَّنتها لي ... أنت مثل الشيطان للإنسان
فقال ابن أبي عتيق: هُديت الخير، فوالله إن أخاك لشاعر يقذف بباطله، ولقد وقعت في لسانه ولقيت من دواهيه. ثم نظر إليَّ الحارث وقال: أما وقد لقيتك بخير يا عمر، فإني منصرف إلى وجهي، وبالله إلا ما تقدمت إلى أهل بيتك أن يعدوا لي المنزل الذي نزلته بالأمس حتى أعود، وإني أرى الريحان قد ذبل فَمُرْهم أن يستبدلوا به، وأن يطيِّبوا الفراش ويجمروه، وقل لطائف الليل أن لا يلم بنا؛ فلسنا عن حاجته ولا هو من حاجتنا. فما تمالكت أن قلت له: ويحك! أفهو أنت؟ قال: أجل هو أنا أيها الفاسق! قلت: إِذن فوالله لا تمسك النار أبدًا وقد ألقت نفسها عليك وقبَّلَتك. فقام مغضبًا يفور وقال: اعزُبْ، عليك وعليها لعنة الله!
وانطلق الحارث واستفقت من غشيَة الحُمَّى وما نزل بي عن الغم لما فاتني من الثريَّا. وقال ابن أبي عتيق: قد والله أسأت فما تراني كنت أحدثك من جوف الليل أنهاك أن تجزع لبغتة إن جاءتك، فوالله لشد ما جزعت وخانتك نفسك وأرداك لسانك! ولبئسما استقبلت به أخاك! ولقد كنت أقول لك إن التردد
стр. 296
مَدْرَجَة النكبات فإذا جرأة لسانك مدرجَة إلى كل بلاء، وإلا (١) والله لا تفلح أبدًا أيها الرجل.
فلقد اضطرب عليَّ أمري حتى ما أدري ما أقول، ثم سكَّنت نفسي وقلت له: أفرخ روعك يا ابن أبي عتيق، ولتعلمن اليوم دهاء عمر، فأرسل في طلب ابنتي "أمَة الوهاب" والحق أنت الحارث فردّه علي. وانطلق ابن أبي عتيق، ولم ألبث حتى جاءتني أمَةُ الوهاب، فقلت لها: يا بنية! أشعرت أن عمك الحارث قد نزل بنا الليلة؟ قالت: كلا يا أبَهْ! قلت: إذن فانطلقي إلى هذه الغرفة التي إلى جواري وتباكى وانتحبي ما استطعت حتى أنهاك. ففعلت، وجاء الحارث وابن أبي عتيق، فقلت له: جعلت فداءك! مالك ولأمة الوهاب ابنتك؟ أتتك مسلمة عليك فلعنتها وزجرتها وتهددتها، وها هي تيك باكية. فقال: وإنها لهي! قال: ومن تراها تكون؟
فانكسر الحارث كأنما اقترف ذنبًا لا يعفو الله عنه إلا رحمة من عنده، وقال: فما بالك وما كنت تقول؟ فقال ابن أبي عتيق: ذاك هذيان المحموم يا ابن أخي، ولو أنت كنت الليلة إلى جانبه لسمعت من بوائق (٢) لسانه ما تصطك منه المسامع. وإني لأظن الحمَّى هي التي خيلت له حتى أُنطقته ببعض تكاذيبه. قال الحارث: والله لشد ما يغمني أن يدع عمر كل خير في الدنيا، وكل ثواب في الآخرة، وأن يحبط أعماله بما يسول له شيطان نفسه وشيطان شعره، فيهتك عن الحرائر ما ستر الله. ولقد طالما نهيتك يا عمر عن قول الشعر فما زلت تأبى أن تقبل مني، أتراك فاعلًا لو أعطيتك الساعة ألف دينار ذهبًا على ألا تقول شعرًا أبدًا. قلت: قد رضيت! قال: فهي منذ الساعة في ملكك.
قال عمر بن أبي ربيعة: فما أخذتها منه إلا لأهديها إلى الثريا عطرًا ولؤلؤًا وثيايًا من تحف اليمن. أما الشعر فوالله لا أتركه لأحد، رضى الحارث عني أو غضب.
стр. 297
الحرف اللاتيني والعربية
ربَّ رجل واسع العلم، بحر لا يزاحم، وهو على ذلك قصير العقل مضلّل الغاية، وإنما يعرض له ذلك من قِبَل جُرأته على ما ليس له فيه خبرة، ثم تهوره من غير روية ولا تدبر، ثم إصرارُه إِصْرارَ الكبرياء التي تأبى أن تعقل. وإن أحدنا ليقدمُ على ما يُحسنُ، وعلى الذي يعلم أنه به مضطلع، ثم يرى بعد التدبر أنه أسقط من حسابه أشياء، كان العقل يوجبُ عليه فيها أن يتثبت، فإذا هو يعود إلى ما أقدمَ عليه فينقضه نقض الغَزْل.
ومن آفة العلم في فن من فنونه، أن يحملَ صاحبه على أن ينظر إلى رأيه نظرة المعجب المتنزّه، ثم لا يلبثُ أن يفسده طول التمادى في إعجابه بما يحسنُ من العلم، حتى يقذفه إلى اجتلاب الرأي فيما لا يُحسِن، ثم لا تزال تغريه عادة الإعجاب بنفسه حتى ينزل ما لا يحسن منزلة ما يحسن، ثم يُصرّ ثم يغالى ثم يعنُفُ ثم يستكبر. . . ثم إذا هو عند الناس قصيرُ الرأي والعقل على فضله وعلمه.
فمن ذلك أني قرأت في عدد مجلة "المصور" ١٠١٥ بتاريخ ٢٩ ربيع الأول سنة ١٣٦٣ حديثا لصاحب المعالي عبد العزيز فهمي باشا عن "الإسلام والحروف العربية" فرأيته يفتتح حديثه بهذه الكلمة، إذ يقول لسائله:
"إني لا أُعَنِّي نفسي البتة بالإطلاع على ما قد يقال من هذا الهراء الذي هو أهونُ علي من الغبار الذي يمس ردائي وحذائي، فما بالك أنت تهتم بما لا أكثرث له؟ ".
وعبد العزنر فهمي رجل كنا نعرفه بالجد والحرص والفقه وطول الباع في القانون، وكنا نظنه رجلًا محكم العقل من جميع نواحيه، لا يتدهور إلى ما ليس له به عهد، ولا يرمي بنفسه في غمرات الرأي إلا على بصيرة وهدى. فلما قال
стр. 298
ما قال عن الحروف العربية في المجمع، ونشرت الصحف قوله ورأيه، قلنا: عسى أن يستفيق الرجل ويعودَ إلى سالف ما عهد فيه من الحكمة والمنطق، وأن يكون ما قال خالصًا لخدمة العربية، فإن يكن في رأيه شيء من الصواب فسيحقق الجدل الذي يدور بينه وبين الناس فضيلة رأيه على الآراء، وإن يكن أخطأ فهو خليق أن يرجع إلى صواب الناس غير معاند ولا لجوج.
كان هذا ظننا فيه، فلما قرأت فاتحة حديثه التي رويتها قبل، علمتُ أن الرجل لن يستفيق، ولن يعودَ، ولن يعقلَ ما يقول الناس -وما ظنك برجل من رجال القضاء- رجلٍ مارس العقلَ والفهم وتقليب الرأي، والتثبت من الحجج المتضاربة الموهمة، والحرصَ على أدق الصغائر لا تخدَعُه عن عَدْله وإنصافه؟ ما ظنك برجل هذه صفته يزعم أنه لا يطّلع، بل لا يعني نفسه بأن يطلع على آراء خصمه! ثم ماذا؟ ثم ترى هذا القاضي العادل، بعد أن شهد على نفسه وأقرَّ أنه "لا يعني نفسه البتة بالاطلاع على ما قد يقال"، يصف هذا الذي لم يطلع عليه ولم يقرأه ولم يتعب فيه، بأنه "هراء"؟ ! فمن أين عَلم؟ وكيف حكم على شيء لم يقرأه؟ ثم يزيد فيقول إن هذا الهراء الذي لم يقرأه، أهون عليه من الغبار الذي يمس رداءه وحذاءه! ثم يبالغ فيعنف سائله ويتعجب له ويسخر منه، ويقول له: ما بالك أنت تهتم بما لا أكترث له؟
وهذا التسلسل العجيب الذي كنا لا نظنه مما ترضى عنه بصيرة رجل مفكر، فضلًا عن قاض حريص، فضلًا عن رأس من رؤوس القانون، فضلًا عن نابغة من نوابغ مصر، قد كان، ورضى عنه عبد العزيز فهمي باشا، وجعله حجته ومنطقه في حومة الرأي والجدال. ولعلَّ الغضبَ هو الذي احتمله حتى أضله عن مواطيء حجته، ثم تركه يتضرّبُ في كلامه، حتى اقترف من اللفظ والمنطق ما لا يليق به.
ونحن سنرضى أن نكونَ في الغبار الذي يمسُّ رداء الباشا، وفي الغبار الذي يمس حذاءه! ونسأل الله أن يجعله بركة للناس وخيرًا، وأن يسبغ عليه من نعمه ما هو له أهل، وأن يسدد خطاه حيث ذهب، فحيثما اهتدى الباشا كنا من الغبار الذي يهتدى بهَدْى حذائه! وسواء علينا بعد ذلك أقرأ هذا الهراء أم لم يقرأه!
стр. 299
نحن نسلم للأستاذ الجليل بما يقول عن صعوبة الحرف العربي المكتوب، وبأنه يعوق القراءة، وأنه يجعل العربية أبعد متناولًا عن عامة الناس، نسلم له بهذا، ثم ننظر كيف يكون الرأي الذي اعتسفه مظنة للتسهيل، ومدعاة لنشر العربية! وكيف يكون هو الذي يخرج الحرف العربي الغامض إلى البيان والوضوح، فلا يكون مضللًا ولا معوقًا، فإنه زعم أن "ليس لدى المسلمين وغيرهم من أهل البلاد العربية وقت فائض يصرفونه في حل الطلاسم"! هذا هو محصول رأيه.
فما هذا التضليل الذي زعم؟ لقد قال من قبل إن الذي دفعه إلى هذا الرأي هو تيسير الكتابة العربية، "لأن حروف هذه اللغة ليس بينها حروف حركات! وكثيرًا ما يحدث فيها التصحيف والتحريف لهذا النقص، فمهما تعلمها الإنسان فلابد أن يخطئ في قراءتها، وقد عالج الأقدمون هذا المشكل الكبير بوضع الشكل، ولكن هذا الشكل قد أفلس، بل كان مجلبة لزيادة التحريف والتصحيف".
ودليل الاضطراب لم يزل يظهر في هذا المنطق كما ظهر في حديث محرر المصور، وهو سؤال وجواب لا عنت فيهما، فأول الوهن وأول الفساد في هذا المنطق أننا رأيناه في اقتراحه قد أبقى الحروف المعجمة (المنقوطة)، وقصر ما ادعاه من التضليل والعسر على (حروف الحركات). وهذا عجب. فالإعجام (النقط) هو في التصحيف والتحريف بمنزلة الشكل أو أقل منه قليلًا، فكان لزامًا أن يبحث مسألة الحروف المعجمة، ويخلص العربية منها ليدرأ عنها التصحيف والتحريف! ولكنه لم يفعل، ولم؟ لا ندري!
ومع ذلك، فلنفرض أننا أدخلنا ما سماه (حروف الحركات) في كلام عربي مكتوب باللاتينية، ثم لنفرض بعد ذلك أنه قد أجدى ونفى التضليل من هذا الوجه. ولكن يبقى أن ننظر: أينتفي التضليل البتة، أم هناك نوع آخر من التضليل يجره هذا العمل؟ وأي التضليلين أهون شأنًا؟ فإذا تساويا بطلت الحجة المرجحة، وإذا غلب أحدهما كان الانصراف إلى أخفهما ضررًا هو الوجه الذي
стр. 300
لا معدل عنه، أليس هذا هو منطق الناس يا صاحب الحروف اللاتينية، أم تراه ينبغي أن نسير على هَدْى منطقك؟ !
فخذ إليك مادة من العربية مثل "قام"، ثم اجعلها فعلًا، ماضيًا ومضارعًا وأمرًا، وألحق به ما يلحقه من الضمائر، وأدخل عليه ما يدخله من قبل أوله وآخره مثل "فليقمهنَّ" وفي التثنية والجمع، والخطاب والغيبة، ثم أخرج جميع مشتقاته من الأسماء، وألحق بها ما يلحقها، وضعها في حالة الإضافة إلى الاسم الظاهر والضمائر، في التثنية والجمع أيضا، ثم أجمع الأسماء على اختلاف صور الجموع الممكنة فيها، ثم افعل ذلك بالمادة حين يزاد فيها ما يزاد مثل "أقام وقوّم واستقام"، وصرّفها في الوجوه التي ذكرناها، وتبين حركات الإعراب في سياق الكلام، وضع كل ذلك أمامك مكتوبًا بالحرف العربي، ثم بالحرف اللاتيني ذي الحركات التي تجعل الكلمة مرسومة كمنطوقة، ثم انظر إليهما، فهل تستطيع، غير معاند ولا لجوج، أن تميز بين كلمة وكلمة، وأن تتبين الشبه بين هذه المتقاربات من مادة واحدة في اللغة؟ نحن قد جرينا على أسلوب صاحب اللاتينية، فجربنا ذلك بأنفسنا فما اهتدينا ولا أدركنا، وصارت الكلمة الواحدة التي لا تخطئها العين في العربية، ولا تخطئ الشبه بينها وبين صواحباتها، كلمات لا يُدرى ما هي! وهذا شيء قائم على الحس والتجربة والعيان (*).
فإذأ عرف، من لا يستكبر عنادًا ولجاجًا، أن ذلك مما يُضِل ويعمى، نظر فإذا هو يرى أن أول التضليل في رسم العربية باللاتينية، أن يضيع على القارئ تبيّن اشتقاق اللفظ الذي يقرؤه، فإذا عَسُر عليه ذلك صار اللفظ عنده بمنزلة المجهول الذي لا نسب له، وصار فرضًا عليه أن يعمد إلى رسم المادة الواحدة من اللغة في جميع صُورها التي تكون في السياق العربي، ثم عليه أن يحاول تقريب الشبه بالذاكرة الواعية، ثم عليه أن يحفظ معاني ذلك كله. فإذا كان هذا شأنه في المادة الواحدة فما ظنك باللغة كلها؟ يومئذ تصبح العربية أجهَدُ لطالبها من اللغة
стр. 301
الصينية. نعم، وإذا ضل عن تبين الاشتقاق والتصريف، فقد ضل عن العربية كلها، لأنها لم تُبْن إلا عليهما. وهي من هذا الوجه مخالفة لجميع اللغات التي تكتب بالحرف اللاتيني، لأن الاشتقاق والتصريف يعرضان لها من قبل بناء الكلمة كلها، حتى تختلف الحركات على كل حرف في كل بناء مشتق أو مصرف، ثم يزيد على ذلك ما يدخل على الكلمة من جميع ضروب الحروف العاملة وغير العاملة، ثم عِلل الإعراب والبناء والحذف. . . . إلى آخر ما يعرفه كل مبتدئ في العربية.
فإذا كان هذا هكذا، وكان التضليل كائنًا، وكان هذا التضليل واقعًا في أصول الاشتقاق والتصريف، الذي يردّ القارئ إلى أصل المادة اللغوية، وإذا كان الضلال عن أصل المادة ضلالًا عن معناها، فأي السبيلين أغمض وأضل: سبيل عُسر القراءة لعدم (حروف الحركات)، أم سبيل امتناع الفهم لامتناع الاهتداء إلى أصل الاشتقاق؟ ونحن لا نشك في أن كل رجل ذي بصيرة حسن المنطق، سيجد في هذا وحده من المشقة والعسر، وما لا يدع اختيارًا في الاعتراف بالضلال المطبق الذي تجلبه الكتابة بالحرف اللاتيني، وأن التصحيف والتحريف الذي يدخل الحرف العربي أهون بكثير من الاختلال والفساد والمضلة والعبث التي يجرها الحرف اللاتيني.
وإذن فغاية المشروع الذي انتحله، أن ييسر نطق الكلمة المكتوبة في حال إفرادها، غير ناظر إلى سهولة الاهتداء إلى الاشتقاق الذي هو أصل العربية، وأراد أن يأمن الخطأ في الإعراب، والتحريف في ضبط الكلمة، فنسي كل شيء، ولم ينظر ماذا يجلب مشروعه من التضليل والتشويه والتعسير والاستحالة، والغموض الأعمى الذي لا يهدى إلى شيء في هذه اللغة العربية! وهذا وحده عجب أي عجب.
هذه واحدة، ثم زعم الباشا أن الحروف العربية تعوق القراءة، فمهما تعلمها الإنسان فلابد أن يخطئ! وأن هذا المشكل قد عالجه الأقدمون بوضع الشكل، ولكن هذا الشكل قد أفلس، بل كان مجلبة لزيادة التحريف والتصحيف!
هما علتان، ثم علتان ملفقتان قد غلغل فيهما البطلان، ونخرتهما المغالطة
стр. 302
في الصميم وفي المنطق. ونحن لن نناقش اليوم هاتين العلتين إلا من وجه واحد يظهر به فسادهما، أما سائر الوجوه فندعها حتى يحين وقتها ومكانها من الكلام. فالخطأ عندنا لا يعود إلى صعوبة الحرف المكتوب، وإنما يعود إلى القارئ المخطئ نفسه، وهذا هو وضع القضية عندنا: إذا كان المتكلم حين يتكلم يستطيع أن يسوق كلامه على العربية الصحيحة غير مخطئ، فمحال أن يخطئ فيها عند القراءة مهما اختلف الخط عليه سهولة وصعوبة، لأن النطق سابق للقراءة، فالذي لا يخطئ وهو يتكلم (أي كأنه يقرأ من حرف غير مكتوب)، لا يتأتى له أن يخطئ وهو يقرأ حرفًا مكتوبًا ظاهرًا مميزًا ببعض الدلالات. وإذا عولج بعض العسر بوضع الشكل على الحروف، فالخطأ عندئذ أشد استحالة لوجود دلالات صريحة لا تقل في إفصاحها وبيانها عن حروف الحركات التي أرادها صاحب هذا المشروع اللاتيني، ومن ثم فهي ليست مجلبة لزيادة التصحيف والتحريف كما زعم. أما قوله، في خلال ذلك، إن الشكل قد أفلس، فهذا حكم باطل في قضية باطلة بطبيعتها، وما دامت القضية في أصلها لا تصح على الوضع الذي لفقه، فالحكم نفسه لم يدخل إلا زيادة في التلفيق. لقد نسى صاحب الحروف اللاتينية أن الإعراب في العربية شيء يختلف اختلافًا كبيرًا عن سائر اللغات المكتوبة بالحروف اللاتينية، وأن الخطأ فيه لن يكون من قبل الكتابة سهلة أو صعبة، بل هو راجع إلى المتكلم أو القارئ من قبل الضعف والقوة والعلم والجهل ليس غير.
وأما ثالثة الأثافي، كما يقولون، فهو زعمه أن "ليس لدى المسلمين، وغيرهم من أهل البلاد العربية، وقت فائض يصرفونه في حل الطلاسم"! فأي طلاسم؟ أهي الطلاسم التي تدخل على كل حرف من الحروف في المادة الواحدة، ألوانًا من الحركات تكتب بين كل حرف وحرف، وفي أواخر كل كلمة، وتقف فواصل متباينات بين حروف مادة واحدة من لغة بنيت على الاشتقاق وعلى الاختصار، وجاء فيها الجموع المختلفة، والصفات والأبنية ذوات المعاني، والبناء للمجهول، وأحكامُ المعتل في التصريف، واختلاف
стр. 303
المصادر وأسماء الزمان والآلات، والترخيم والنسبة، والإضافة والتقاء الساكنين، وأحكام الإعلال والإبدال والإدغام، إلى آخر هذا كله، ممَّا يغيّر الأبنية والأطراف والأوساط، هذا إلى كثير من أحكام النحو الأخرى التي تفزع من يتتبعها إذا هو أراد جدال صاحب الحرف اللاتيني! أهذه هي الطلاسم أم تلك؟ وأيهما أفسد لوقت المسلمين وغيرهم من أهل البلاد العربية؟ بل أيهما أضرَى وأشنع فتكًا وشراسة؟ بل أيهما الذي يغول العقل لا الوقت وحده!
ولكنها فتنة! فتنة اغتر بها شيخ صالح، فاستغلها من لا يرى للعربية حقًّا ولاحُرمة، ولولا بعض حسن الظن لقلنا:
لا تأمنوا قومًا يَشبٌّ صبيُّهم ... بين القَوابِلِ بالعداوة يُنشَعُ (١)
فَضِلَتْ عداوتُهم على أحْلامِهِم ... وأبتْ ضِبابُ صدُورِهم لا تُنْزَعُ (٢)
إن الذين تَروْنَهم إخوانَكم ... يشفي غليلَ صدورهم أن تُصرعُوا
وأي مصرع يا صاحب المعالي! علَّمك الله الخير وهداك إليه وسددك وحفظك.
стр. 304
من مذكرات عمر بن أبي ربيعة صديق إبليس
" قال عمر بن أبي ربيعة":
"لم أزلْ أرى كَلْثم "هي بنت سعد المخزومية زوجة عمر" أجزلَ النساء رأيًا وأصلبهنَ مكسِرًا (١)، وأقواهُن على غيرة قلبها سلطانًا، حتى إذا كان مُنذ أيام رأيتُ امرأة قد استعلن ضعفها، وتهتَّك عنها جَلَدُها، وعادتْ أنثى العقلِ يُغويها الذي يغريها.
"وإن أنسَ لا أنسَ يوم احتلتُ عليها حتى دخلت إليها، وقد تهيأت لي أجملَ هيئة وزينت نفسها ومجلسها، وجلست من وراء الستْر؛ فلما سلمتُ وجلستُ، تركتني حتى سكنت، ثم رفعت الستْر عن جمال وجه يخطفُ الأبصارَ، ثم رمت في وجهي تقول: أخبرني عنك أيها الفاسق! ألست القائل كذا وكذا؟ تعني أبياتا لي، فما زلت أفتِلُ في الذِّرْوَة والغاربِ (٢)، وهي تَنِدُّ عليّ وأنا مقيم عندها شهرًا لا يدرى أهلي أين أنا، ولا أدري ما فعل الله بهم. ولا والله ما مرّ عليَّ يوم إلا حسبتها امرأة قد خلقتْ بغير قلب، لما ألقاه من عنادها وامتناعها، وإني لآتيها بالسِّحْر بعد السحْر من حديث تحنُّ عليه العوانس المعتصمات في مَرَايئ الزمن، وأنا يومئذ شاب تتفجَّر الصَّبْوة من لساني، ويتلألأ الغزلُ في عينيَّ، وهي يومئذ غادة غريرة لو نازعها النسيم، فيما أرى، لاستقادتْ له من دَلِّها ولينها وغضارة العيش. ولبثت شهرًا أقول وأحتال وأستنزل عُصْمها (٣)
стр. 305
برُقى السحر، حتى إذا قلت قد دانتْ، انفلتت مصعَّدَة قد تركتني شاخصًا أنظر إلى صيد قد طار، ثم أطرق ناظرًا إلى سحر قد بطل. فلما اشتد ذلك عليّ استأذنتها في الخروج إلى أهلي، وقد يئست منها ومن هواها، فما سمعت حتى قالت: "يمينَ الله أيها الفاسق! بعد أن فَضَحتني؟ لا والله لا تخرج أبدًا حتى تتزوجني! " فتزوجتها وهي أحبُّ النساء إليّ أن أتزوَّج، ومازلتُ معها وأنا لا أنكرُ منها شيئًا، وأقول الشعر تأخذه الألسن لتشيعه إلى الآذان، وأدخل بيتي فألقاها فلا أسمعُ منها قلتَ وقلتَ! فيكربنى إغفالُها لما يبلغها من الشعر، فألحُّ على النسيب، وأذهب كل مذهب في التشبيب، وأتبعُ النساء بعينيّ وقلبي، وأقولُ، فلا والله ما نَبَضَ لها قلب ولا تحركت لها جارحة، ولقد أدخُل عليها فإذا هي تلقاني ضاحكة لاهية، حتى أقول: لعلها لم تسمعْ! فأنادي مولاي وأملي عليه، وهي بحيث تسمعُ ما أملي، وأتخلل الإملاء بالشكوى والحنين وأرفع بهما صَوْتي، ثم أنهضُ ألقاهَا فما أرى وجْهها يربَدُّ أو يتمعَّر (١)، فكان ذلك غَيظي وشِقْوَتي، لا تزيدُهما الأيام إلا اتقادًا. ويْلُمِّه كيلًا بغير ثمن! كم ذا أُغِيرُها فلا تغارُ!
وأقبلتُ ذلك اليوم، بعد مرجعي من الكُوفَة بشهر أو أكثر، فاستقبلني جُوان (هو ولد عمر من كلثم) فقال: "يا أَبَهْ. أُمي، ما فعلت بها؟ ". قلت: "أُمك! بخير يا بُني وَعداهَا السوء". قال: "كلاَّ يا أَبَهْ، وما أدري ما بها، غير أني ظللتُ أيامًا أستخبرها، وهي خالية، عما يريبها أو يؤذيها، فلا أسمعُ منها إلا ما تنشده من شعرك.
كُنا كَمِثل الخمْرِ كان مِزَاجَها ... بالماء، لا رَنْقٌ ولا تكديرُ
فإذا وذلك كان ظِلَّ سَحَابة ... نَفحَتْ به في المُعْصراتِ دَبورُ (٢)
"ثم تنظر إليَّ وتقول: يا جُوان، امضِ لشأنِكَ، ولا تَنْسَني في صلاتك، فوربّ هذه البنيَّةِ، لقد حملتُك ووضعتُك وأنا أدعو الله أن يُجنّبني الشيطانَ، وأن
стр. 306
يجنبَ الشيطانَ ما يرزُقني، فكنتَ أنتَ يا بُنيّ دَعوتي، فادعُ ربَّك يا جُوان لأمك التي حملتك وهنا على وَهن.
فابْكِ ما شئتَ على ما انقضَى ... كل وَصْل مُنْقَض ذاهبُ
لو يردُّ الدمعُ شيئا، لقد ... ردَّ شيئا دمعُك الساكِبُ
فأقول: "يا أماه لقد أفزعتِني! " فتقول: "اذهبْ يا بُنيّ "لو تُركَ القَطَا ليلًا لَنام" (١). ثم تشيحُ وتنصرفُ، ولا والله ما قدرتُ منها على أكثر من أن أسألها فتجيبني بمثل ما أخبرتُك. فبالله، يا أَبَهْ، لا تدع أمي تموتُ بحسرة تتساقط عليها نَفْسُها! ارحمها يرحمك الله.
ويذهبُ جُوان ويَدَعُني لما بي، ويأخذني ما حَدُث وما قَدُم، وكيف ولم أُنْكِر منكِ يا كلثمُ شيئًا منذ رجعت من غيبتي بالكوفة؟ وإني لأدْخُلُ عليها فتُدَاعبُني وتضحك لي وتذهبُ بي في لهوها مذاهبَ، ولا والله إن وقعتُ منها على مَسَاءة تضمرها أوهمّ تكتمه، وكأن الحياة قد منعتْ دونها غِيَرَ النفس فهي لا تتغير. وهذا جُوان يقول، فلئن صَدَقَ لقد كذبتني عيناي وكذبَ عليّ قلبي، وإن كلثم لَتلهُو بي وتتلعبُ وأنا في غفلة عن كُبْر شأنها وأساها! وأذهب من ساعتي أدور في الدار أنظر، فإذا كل شيء أراهُ قد لبس من همّ نفسي غلالة سوداء نشأت بيني وبينه، وإذا أيامنا المواضى قد بُعثتْ في أَسْمال هلاهيل تطوف متضائلة في جنباتِ البيت وهي تنظرُ إليّ نظرة الذليل المطرَّد المنبوذ، وإذا كلثم قد خرجت إليهنَ كاللبؤة المُجْرِية (٢) رِيعتْ أشبالُها، وإذا أنا أسمعُ همهمة كأنين الجريح تنفذُ في أذنيّ من حيثما أصْغَيتُ، وما هو إلا أن أراني في فراشي قد توكأتُ على مرفقي، والغشيةُ التي أخذتني تنقشعُ عني شيئا بعد شيء. وبعد لأي ما ذكرت ما كان من حديث جُوان كما كان، فنهضت من مكاني أَطلب كلثم في غِرَّتِها حيث هي من البيت.
وقصدت مقصورتها فإذا هي قد أجافت الباب (٣)، فذهبت أفتحه وإنّ يدي
стр. 307
لتأبى عليّ أن تمتد خشية أن أطلع منها على ما يسوؤني، وهي أحب إليَّ من أن أراها مغمومة أو مكروبة على غير ما عودتني وعودتها. فأستأذنها من ورائه قالت "مهلا يا أبا الخطابِ، وبخير ما جئت". فقلت لنفسي "كذب والله جُوان وما كان كاذبًا". فلما فتحتْ لي الباب رأيتُ سُنَّة وجه كالسيف الصقيل يبرق شبابًا ورضى، وقالت "مرحبًا بك يا عمر، لو رأيت الساعة جاريتي وهي تدخلُ على ساعية تجري تقول: سيدتي أَدْركي مولاي فقد سمعت الناس يتناشدون من شعر قاله اليوم، وإذا فيه.
ليس حُب فوق ما أحبَبْتُها ... غير أن أقتل نفسي أو أُجَن
فاحفظيه يا سيدتي من روعة المصيبتين. فقلت لها: لقد وقى مولاك السوءَ أن ليس بينه وبين الناس إلا لسانه! ولا يقتل مولاك نفسه أو يجنّ حتى يقتل الحمام نفسه على هَدِيله (١) أو يجنُّ".
لم أدر ما أقول، فقد كانت كلماتُ جوان قد تشبحَّتْ لعينيَّ ودوَّت في أذني، فما أطقتُ صبرًا أن أسألها: "ما يقولُ جوان؟ زعم أنك لا تزالين مهمومة لأمر يستخبرك عنه فلا تخبرينه، ولقد مضت السنون بيني وبينك، ولا والله ما علمتُ إلا خيرًا ولا رأيت إلا خيرًا، وما قال إلا ما يجعلني آسَى على ما كان مني إليك مما ساءك أو رابك". وما كدتُ أتم حتى رأيتها تنتفض كالرشأ المذعور أفزعته النبأة (٢)، وبَرقَت فتخاذلت وغَرِقَ صوتها فما تنطقُ فخاصرْتها (٣) ومشيت بها إلى مجلس في البيت وجلست أتحفَّى بها حتى تهدأ. وبعد قليل ما قالت: "أما إذا كان هذا يا أبا الخطاب فوالله إنْ كتمتُك شيئًا".
ثم أطرقت ساعة، وأنا أنفُذُها ببصرى أطلب غيب ضميرها، ثم رفعت إليَّ بَصَرها ونظرت نظْرَة المرتاب ثم قالت "إني مُحَدِّثتك يا أبا الخطاب عما كان
стр. 308
كيف كان. هذه جاريتي ظمياءُ تدخل عليَّ كالمجنونة منذ أيام تقول: "سيدتي، يمين الله أن تكتمي عليَّ ما أقول". فأقول: "أمنت يا ظمياء! ما يروعك"؟ فتقول: "لا والله ما يروعني إلا أن أدع مولاتي توصم بين نساءِ قريش وبني مخزوم، ويتحدث أهل مكة أن أم جوان قد لقيت من البلاءِ كذا وكذا". فأقول: "ويبك يا ظمياء! انظري ما تقولين! ". فتقول: "لا والله إن هو إلا الحقّ، أرأيت إلى تلك البيضاء الصهباء ذات العينين التي مازلت تجيئني منذ أيام، لقد قالت لي في عُرض حديثها: يا ظمياء لقد جئت مكة من بلادٍ بعيدة، وإني لأسمع الناس على الطريق يذكرونها ويذكرون بيت الله الحرام، فما ازددت إلا شوقًا أن أرى بيت الله الحرام، وأن أرى الناس يجاورون هذا البيت العتيق، وما وقع في قلبي إلا أن أرى دنيا لم أرها، وقومًا كتب الله لهم أن يكونوا أطهر وأتقى الناس لله. ولقد خرجتُ من بلادي وهي أبغضُ إليَّ لما أرى من فجور أهلها وانغماسهم في كل إثم وباطل، وكنت أرى أشد أهلنا فجورًا ولجاجًا أولئك الشعراء. ثم دخلت بلادكم وطوّفت فيها ما طوّفت حتى إذا انتهيت إلى أرضكم هذه، لم أزل أعرف الشعراء فيكم أَفْجَر وأفسق وأضلّ".
"فما أطقت أن أصبر يا مولاتي حتى قلت: "مَهْ يا صهباء، وكذبتِ. وأين بنو الأصفر (١) من بني يعرب؟ فإن شاعر العرب ليقول، وإن قلبه لأطهر من أن يدنسه ما يدنس به شعراؤكم أنفسهم يا بني الأصفر. وهذا مولاي وهو أغزل العرب لسانًا، وما علم أحد عليه سوءًا. قالت صهباء: ما أحسن ما رباك أهلك يا ظمياء! وأحسني ما شئت ظنك في مولاك. قلت: تبًا لك. وإنك لَتُرِيغين (٢) إلى مولاي منذ اليوم، فلا والله لقد كذبتِ وخسئت أيتها الصهباء الطارئة التي لا مولى لها، فقالت صهباء: كذبتُ وخسئتُ! ما أصدق ما قال مواليك "من دَخلِ ظَفار حَمَّرَ" (٣)! وإنك لغريرة يا ظمياء، وأنا الصهباء الطارئة من بنات الأصفر لأَخبَرُ منك بغيب مولاك عمر. قلتُ: كيف قلتِ؟ قالت: إنه الحق، وإن لمولاك غيبًا
стр. 309
عميت عنه عينك وعين مولاتك، وهو أحرص عليه من أن يطلع على خَبئه أحد قلت وأنَّى لك أيتها الغريبة؟ قالت: دعي عنك، فهو الذي أحدثك.
"ثم دنتْ مِني كالتي تُسِرُّ إليّ، وقالت: ما كذبتُك أيتها الحُلْوَة الغريرة، فهذا مولاكِ قد ذهب إلى الكوفة منذ زمن، ألم يكن ذلك؟ وهذا مولاكِ قد نزل بأفسق خلق الله وأخْبثهم عبد الله بن هلال الحميريّ الذي يزعُم أنه صديق إبليس وخَتَنُه (١) وصاحب سرَّه، وإذا هذا الفاجر يخرجُ إليه قَينتين من أجمل خلق الله وأَحسنه يغنيانه بشعره حتى ذهبَ عَقْلُه، وإذا هو يديرُ مولاك يومًا بعد يوم على أن يُفتَتَن بهما، حتى إذا بلغ منه ما أراد ضمن له أن تكونا بالطائف بحيث لا تراهما عينُ بشر. لا تنظري إليّ كالمرتابة، فهذا الخبيث ابن هلالٍ قد ألقى الطاعة إلى إبليس حتى عظُم أمره عنده فهو يُخْدِمُه (٢) ويُناطقه، وحتى لقد ترك له صلاة العصر تقربًا إليه، وحتى أباحه إبليس أن يأمر الشياطين تتلعَّب ببني آدم، ومن شرطه عليه أن لا يزال أبدًا يجمَعُ بين الرجال والنساءِ في الحرام. وهو رجل كما يقول مولاي. . . .". قالت ظمياء: وإن لك لمولى يا صهباء؟ قالت صهباء: دَعيني حتى أتمّ يا ظمياء .. هو رجُل قد أوتى من القُوَّةِ على السِّحْر والقدرةِ على تلبيس أنظار الناس ما لم يجتمع لأحد من شياطين السَّحرة قبله، فلو هو مسَّ وجْه امرئ بمنديله الأزرق ذي الوشي لم تأخُذْه عينُ بشر. وهكذا هو يفعل بمولاك وصاحبتيه حتى لا يراهم الناس. قالت ظمياء: وإنَّ هذا يكونُ؟ ! قالت صهباء: نعم! وليس في الأرضِ أحدٌ يطيق أن يَدْرأ شرّ هذا الشيطان الخبيث إلا مولاي. فقالت لها ظمياء: ولكن أنَّى لمولاك يا صهباء أن يكونَ عَرَف الذي خبرتني به إن كان ما تقولين عن مولاي مما سمعته منه؟ قالت ظمياء: فدنت مني ونظرتْ في عَيني بعينين مذعورتين يخفِقُ فيهما مثل شقائق البرق، ثم قالت: ما من شيء يفْعَله هذا الخبيث ابن هلالٍ حيث كان إلا كانَ عند سيّدى خبرُه. فقالت لها ظمياء: وَيْبى! أحقا قلت يا صهباءُ؟ قالت: وَىْ، أو كنتُ كاذبة عليك وما أنا
стр. 310
وأنت إلا من هذه الجواري الغريبات المستضعفات؟ ومالك تكذبيني وإنْ عندي من برهانِ ذلك ما لا قِبلَ لك بردّه. قالت ظمياء: بالله! قالت: بالله، فاذهبي إلى صِوَان سيّدك في هذه الغرفة التي إلى جوارنا، وأخرجي من بين المِطْرف السابع والثامن من ثياب مولاكِ ما تجدين!
[قالت كلثم امرأة ابن أبي ربيعة]:
"فهبت ظمياء فدخلت إلى صِوَانك (تعني عمر) فأخرجت شيئًا رجعتْ به إلى صهباء. ثم إذا هي تدخلُ عليّ وتقصُّ قصة ما كان، فأمرتها أن تأتيني بصهباء لأسمع ما تقول، فروت لي كل ما حدثتك به يا أبا الخطَّاب.
(قال عمر بن أبي ربيعة):
"فما تمالكت أن قلت لكلثم: ما تقولين؟ وأي شيء هذا الذي كان بين مطرفي السابع والثامن؟ فقالت كلثم: رُويد يا عمر، إما أن تدعني أتمّ وإلَّا والله لا سمعتَ مني شيئًا حتى يقطَع الموت بيني وبينك. قلت: ويحك، فأتمي.
قالت كلثم: "ثم إني سألت صهباء عن سيدها ومولاها فقالت إنه رجل صالح يسيح في الأرض، وإنه قد جاء فَحجَّ حِجَّتَهُ وهو على سَفَرِه بعد قليل يضرب في البادية حيث يشاء الله. قلت لها: أو يعلم مولاك من أمر ما تحدثيني عنه أكثر مما قلتِ؟ قالت: لا أدري يا مولاتي، فإنه ربما دعاني ويجعل يحدثني ويحدثني حتى أقول لن يَسْكُت، وما هو إلا كخاطفة البرق حتى يقطع فلا يتكلم. فربما عدت فسألته فلا والله ما يزيد على أن ينظر إلي ويبتسم. قلتُ لها: أو تستطيعين يا صهباء أن تأتيني بمولاك، ولك عندي مائة دينار؟ كلا لا نلت من مال مولاتي شيئا، ولكني سأديرُه حتى يأتيك لما أرى في وَجْهك من الخير والسَّعْدِ.
стр. 311
من مذكرات عمر بن أبي ربيعة صديق إبليس
(بقية ما نشر في العدد الماضي)
"وذهبت صهباء وبقيت أترقَّبُها ثلاثة أيام ولياليها وهي لا تجئ، حتى إذا كانت ليلة خرجتَ إلى الطائف آخر خَرْجة، جاءتني صهباء في جِنْح العَتمَة ودخلت هي وظمياء. قالت: لقد أطاع مولاي مرضاتك، فإن أذنتِ جئتُ به الساعة. قلت لها: لبِّثِي حتى يأوىَ جوان. فلما كان بعد هدأة الليل وفقدنا الصوت، ذهبت صهباء ساعة ثم جاءت. وَدَخَل عَليَّ رَجُل أسمر طُوالٌ نحيل البدن مَعْروق الوَجْه أبيض اللحية أشعث أغبر، كأن عينيه جمرتان تَقِدان في وقْبَين (١) غائرين كأنهما كهفان في حِضن جبل ونظر في عيني فوالله لتمنيتُ أن الأرض ساخَتْ بي ولم أنظر في عينيه، فما هو إلّا أن سلَّم حتى سمعت نغمةَ صوتٍ شجى كحنين الوالهة، فوالله لتمنيت أن يتكلم ما بقيت. ولم أدر ما أقول ودَهِشْت وهلك صوتي، فنظرت فإذا هو يبتسم إليَّ ثم يقول: "يا أم جوان! لقد سعيت إلى بيتك وما سعيت من قبل إلى بيت إلا إلى هذه البَنِيَّة "يعنى الكعبة". وقد جاءتني فتاتي صهباء تحدثني عما كان منها إليك، وقبيحٌ بامرئ أفزع قلبًا ساكنًا أن يدعه أو يطمئن، ولو كنت أعلم أنها مفتوقة اللسان، ما حدَّثتها بشئ أبدًا". قالت كلثم: فكأن الله جعل لي قوة سيلٍ جارف فقلت له: كذبت يا رجل وكذبت بنت الأصفر، ووالله لئن لم تأتني ببرهان ما تقول، لتركت شيبتك هذه أباديدَ (٢) في أكف صبيان مكة. ووالله لو صدقت لأسترنَّك
стр. 312
ولأكفينَّك ما عشتُ. فقال: "جزاك الله خيرًا يا أم جوان أما إذ كذبتي فآيتى أن تذهبي فتستخرجي من جوف حقيبة عمر الحمراء بين جلدها ومفرشها كتابَ عبد الله بن هلال الفاسق بخط يده، قد جعله تميمة لزوجك أن لا يراه أحد إذا خرج إلى مأوى الفتاتين بالطائف، ومعه منديلُ ابن هلال الأزرق ذو الوشى، يمسح به وجْهَه قبل أن يرحل". فما كذبت أن طِرْتُ إلى ما زعم، فوالله لقد صَدَق وبَرَّ.
"قال عمر"، قلت: ما تقولين؟ قالت: صه يا عمر فوالله لقد صدق وبرّ، وقلت له: أيها الشيخ! أفأنت تعلَمُ أين تجد هاتين الخبيثتين؟ قال: لا. قلت: فما تزعمُ فتاتك من أن لا شيء يفعله الخبيث ابن هلالٍ إلا كان عندك خبره؟ قال صدقتْ. قلت: فكيف لا تعلم؟ قال: إنه أخبث وألأم وأضل وأدهى وأقرب إلى إبليس وبنته بَيْذَخْ ذات العرش من أنْ أُطِيق معرفة ما انقطع بيني وبينه. قلت: وما بيذخ ذات العرش؟ قال: إنها ابنة إبليس التي اتخذت عرشها على الماء حولها سودٌ غلاظ يشبهون الزُّطَّ، حفاة متشققو الأعقاب، ولا يصل إليها إلّا من قدّم لها القرابين من حيوان ناطق وغير ناطق، وترك لها من الصلاة والصوم، وقدم إليها من الذهب والفضة واللآلئ حتى ترضى، فإذا فعل ما تريد وصل إليها فسجد تحت عرشها، فَتُخدِمه (١) من يريد وتقضي حوائجه. قلت: وما علمك بهذا أيها الشيخ؟ قال: ذاك شيء قد كان، والله هو التواب الرحيم. قلتُ: قد كان! قال: نعم أما اليوم فلا، وما يأتيني بأخبار اللعين الزنديق ابن هلال إلا صاحب من الجن قد آمن بإيماني، ولكنه محجوبٌ عن الأسرار. فقالت أفلا تكرمني أيها الشيخ فتسأل صاحبكَ أن يحتالَ ليعرف؟ قال: لا أدري! ولكن ائتينى بطستٍ أُناطِقْ صاحبى.
"فأتيته بطست فكبَّه، وأخرج من كُمِّه غلالةً سوداءَ فنثرها عليه، وأَمَر بالفتائل فأطفئت، وطلب جمرات في طبق فلما تم ذلك أخرج عُودًا من المندلى فطيَّر دُخَانه، وجلس حتى وإن عينيه لتبِصَّان (٢) في الظلماءِ، وجعل يتمتم
стр. 313
ويدندن ويُهَمْهِم حتى كدتُ أنشقُّ، ثم قال: يا زوبعة! فإذا صوت يأتي كأنما يخرجُ من جوف بئرٍ شَطون (١) يقول: لبَّيك يا أبا الحسن! وقال: أتدري أين أنا؟ قال: بلى دَرَيْتُ! قال: لقد حضرني من الأمر ما تَعْلم، أفأنت بمُدْركي بمأوى قينتي ابن هلالٍ؟ قال: لقد علمتَ ما لي ببيذخَ طاقة إيماني بالله ورسوله! قال: أفلا تحتال؟ قال: تبًّا لك! أترومني أن أَرتَدَّ إلى الكفر بعد الإيمان؟ قال يا زوبعة! أَمالك مِنْ صديق ترفقُ به حتى تستلَّ منه السرّ؟ قال زوبعة: هذا فراقُ بيني وبينك أيها الخبيث. ووالله ما تركتَ السِّحْرَ إلا وفي قلبِك رَجْعَة إليه. خسئتَ أيها الفاجر! ". وإذا الطستُ يتحرَّك فينقلبُ فأرى كمثل شرارة النار تنطلقُ مُدَّة ثم تخْفَى. قال الشيخ: يا أمّ جوان، لقد رأَيت، ومالي من حيلةٍ. قلت: احتَلْ لي وقاكَ الله السوءَ، ولا والله لا تخرج من هذه الدار حتى تعطيني المواثيق بأن تفعلَ ما أريد. قال: أم جُوَان، وكيف بعذاب الله؟
"قالت كلثم: فوالله ما إن سمعتُ مقالته حتى خانتني قدماي فوقفت أبكي ويرفضُّ دَمْعي كلذْع الجمْر، ورأيت الدُّنيا قد أطبقت عليَّ، وما هو إلّا أن أَنشِجَ بالبكاء. فدنا الشيخُ وأسر إليَّ أَنْ أبْشري أمَّ جُوان، فلا والله ما أدعُك أبدًا حتى يطمئن قلبك، واصبري غدًا تأتيك الصَّهْباءُ. وما أفقتُ حتى رأيتُني كالمأخوذة وظمياءُ تنضَحُ وجهي بالماءِ. وبقيت الليل كلَّه أطويه ساعةً بعد ساعةٍ حتى أصبَحَ الناسُ، وقلبي يجِفُ، ودمعي ينهل، وكأنّ في سَمْعي دويَّ النَّحْل، حتى إذا قام قائم الظهيرة جاءتْ صهباء، فقالت: يقول لك مولاي إنه يَبغِي رَفْرفَين من الديباج، وعشرة أثواب من الإبريسَم، وبُرْدين كذّابين (٢) من الخز، وخمسين لؤلؤة لم تثقب. فما كذّبتُ أن أعطتها ما طلبتْ. وغابت يومين ثم جاءتني مع العشى وقالت: يقول لك مولاي: لو أطاقَ أن لا يكلّفك لفَعَل، ولكن الأمرَ قد
стр. 314
استعصى عليه بعد توْبته، وإن بَيذَخ (بنت إبليس) لتتقاضاه كِفاءَ ما عَصَاها في طاعة الله. وإنها قد طلبت أن يذبحَ لها من الذبائحَ ما يسيلُ على جنباتِ الغَوْرِ (مسكن الجن) حتى ترضَى. قلت: كم يريد مولاك؟ قالت: بين المئتين والثلاثمئة. فوالله ما كذبتُ أن أعطيتُها. فما غابت إلَّا يومًا أو بعضه حتى جاءت تطلبُ المنديلَ الذي أعصبُ به رأسي، فما كذّبتُ أن أعطيتُها. ثم جاءتني من الغَدِ عند الأصيل، فقالت: يقول لك مولاي لا تصلي العشاء الآخرة الليلة حتى يُؤذِنَك. فوالله لقد كبر على ولكني أطعتُه، وإذا أنا أسمعُ في سُدْفَة (١) الفجر صوتا كالمتحدِّر ما بين جبلين يقول: قُومِي إلى صلاتِك. فقمتُ فصلَّيتُ وما كدتُ حتى أذن الفجر. فلما كانَ بعد أيامٍ جائتني صهباءُ تقول: أبشري! سيأتي مولاي الليلة. قلت: مرحَبًا به من ضيف. فلما دَخَلَ الليل وسكن الناس، جاءَ الشيخ لميعاده فسلَّم وسكتَ ثم قال: انظري إليّ يا أم جوان. فنظرت في عينين كالنار المشعلة في الليلة الدّامسة، وجعل يُمر يده بين عيني وعينيه، فكلما احتجبتا عني أظلمت الدنيا في عيني، وإذا وقعت عيني في عينه أضاءَ ما بيني وبينه كالسراج المتوهج، فوالله ما شعرت إلا وظمياءُ تنضحني بالماءِ حتى أفيق. قلت: يا ظمياء! أين الشيخ؟ قالت: لقد أَذنتِ له أن ينصرف بعد أن أعطيته من المال ما طَلَب .. قلت: تبَّا لي أين كان عَقْلي؟ وكم أعطيته؟ قالت: ألف دينار ذَهَبًا، وواعدَك أن يأتيك بعد سبعة أيام بمأوى الخبيثتين.
"قالت كلثم: وهذا اليوم ميعاده، ووالله لئن صدقتني يا عُمَر لقد حفظتك ما عشتُ في قلبي".
"قال عمر بن ربيعة": "فوالله ما كنت أدري ما أقول، إلا أني قلت لها: أَصْدُقُكِ؟ لقد ضللتِ إذن أيتها الحمقاء". قالت: "أنا حمقاء أيها الفاجر الفاسق! ثم قامت إلى صوانها فاستخرجت منه شيئًا ونشرته لعيني، فإذا سَرَقةٌ (٢) من حرير أبيض عليها صورتان، فما تأملتها إلا كانتا والله قينتي ابن هلال حيث رأيتهما وسمعتهما بالكوفة، ولقد كانتا في السَرَقة أجمل وأفتن وأحبَّ إليَّ مما
стр. 315
كانتا. قلت: إنهما والله يا كلثم قينتا ابن هلال! قالت: وصدق الشيخ أيها الفاجر! أَتَدَع حرائر بني مخزوم إلى الخبيثات الدنيئات من بغايا الكوفة، تخالف إليهن تحت الليل والسِّحر والكفْر وعبث الشيطان بك وبعقلك.
[قال عمر]: وإذا جوانٌ بالباب ينظر إلى الصورتين، ثم يتقدم ويقول: ما بك يا أمَّاه! فتقول: هذا الخبيث الفاجر يدع الحرائر من بني مخزوم ملطَّمات (١) ويختلف إلى زواني الكوفة يقتادُهن إليه الخبيث ابن هلال بالسحر والطلاسم. وهذا منديله يمسح به غبارَ وجهه لا يراه الناس ساعيًا إلى فجوره.
[قال عمر]: وجعلت تقص على جوان قصة ما كان، وهي تنظر إليَّ كاللبؤة المُجْرية ريعت أشبالها، فما كادت تفرغ حتى جاءت ظمياء مُعْجَلة تقول: مولاتي، صهباء بالباب. قالت كلثم: إيذني لها. فما كدت أراها حتى فزعت قائمًا إليها وأخذتُها بغدائرها: "وإنك لأنتِ أنتِ أيتها الشيطانة. فانقضتْ عليَّ كلثم تذودنى عنها وتقول: دعها أيها الفاجر قلت: إنها فِتَن جارية الخبيث الفاجر عبد الله بن هِلال ولطالما خدمتني بالكوفة! أليس كذلك يا فتن؟ قالت: أراك يا سيدي فما أنا إلا جارية بائسة مسكينة يركبني هذا الشيطان بخبثه وخبائثه. قلت: وأين ابن هلال صديق إبليس؟ قالت: ما تدركه يا مولاي! فقد ارتحل الليل وتركني والثَّقَل. قلت: وما جئتِ تبغين؟ قالت: أرسلني أطلب المال من مولاتي.
قالت كلثم: دعها يا عمر الآن، لقد ضللتُ إذن ما فعلتُ، ووالله لقد خدعني الشيطان ابن هلال. أين كان.
فقال جوان: والله يا أمَّه! لقد كان فجور أبي بخَبِيثتين من بغايا الكوفة، أحبَّ إليَّ من شِركك بالله وكفاك. قُومي يرحمك الله فتوبي إلى الله مما كان من ضلالك وكفرك.
стр. 316
من وراء حجاب
أخي الأستاذ الزيات:
السلام عليكم ورحمة الله، وبعد، فقد أكرمتني ودعوتني لكتابة مقالتي لعدد الهجرة من الرسالة، فجعلت أماطل الساعات كعادتي حتى تضطرّني إلى مأزق أجد عنده مفرًا من حمل القلم، والإكباب على الورق، وترك الزمن يعدو عليَّ وأنا قارٌّ في مكان لا يتغير وزمان لا يتحول. فلما كارب الرقت وأزفت الساعة، فزعت إلى ذلك الكتاب القديم الذي طال عهد "الرسالة" به، وهو "مذكرات عمر بن أبي ربيعة"، حملت الكتاب حريصًا عليه، ووضعته على المكتب بين يديّ، وترفقت بصفحاته وأنا أقلبه كما يقلب العاشق المهجور تاريخًا مضى من آلام قلبه. ووقعت على ورقة حائلة اللون قد تخرّمها البِلى، وإذا فيها هذه الأبيات الثلاثة، لم ينل منها شيء، لا تزال ظاهرة السواد بيِّنة المقاطع:
"فصروف الدهر في أطْباقه ... خِلْفَة فيها ارتفاع وانحدارُ (١)
بينما الناس على عليائها ... إذ هوَوْا في هوَّة منها فغاروا
إنما نَعْمَة قوم مُتْعة ... وحياة المرء ثوب مستعارُ"
لم أدر لِمَ نقل "عمر بن أبي ربيعة" هذه الأبيات في مذكراته، فإنها قائمة وحدها ليس قبلها ولا بعدها شيء يدل على ما أراد من ذكرها، فجعلت أداور الأوراق لعلي أبلغ مبلغًا من توهُّم خبرها الذي سيقت من أجله، وجعل معناها يداور قلبي ويساوره حتى كفت يدي عن الحركة، وسكن بصري على مكانها، وأحسست كأن القدر قد نام في ظلالها كالمارد الثمل طرحه طغيان السكر حيث
стр. 317
استقر، وأطاف بنفسي جو من السكون والرهبة والجلال، وأخذت أستغرق في تأمل هذه الحياة المتكررة المتطاولة الدائبة منذ عهد أبينا الشيخ آدم ﵀ إلى يوم الناس هذا. فآنست فترة (١) تأخذني، ثم نعسة تتغشَّاني، وسبحت في غمرة طويلة لذيذة لا عهد لي بمثلها منذ عَقَلْتُ.
وإذا أنا أفضي من غمرتي إلى ميدان فسيح أخضر الجوانب متراحب الأرجاء، وإذا مسجد بعيد يستقبلني كأحسن ما رأيت من مسجد بناءً وبهاءً، قد تباعدت أركانه وتسامت في جو السماء مآذنه، ويبرق بابه ويتلألأ شعاع الشمس عليه. فقصدت قصده، ولم أكد أدنو حتى رأيت جموعًا غفيرة من الخلق يستقبلون الباب خارجين، في ثياب بيض وعمائم بيض كأنها غَمامٌ تزجّيه الرياح (٢). فوقفت وسألت أول من لقيت: ما الذي جمع الناس؟ قال: إنه الشيخ أيها الفتى. قلت: فمن الشيخ يرحمك الله؟ قال: غريب والله، إنه الشيخ أبو جعفر الطبري إمام أهل السنة، وشيخ المفسرين، وعمدة المحدِّثين، وثقة المؤرخين، ردّ الله غربتك يا فتى. قلت له: جزاك الله خيرًا ورضي عنك وأرضاك، أتراني أدركه الساعة؟ قال: هو رهين هذا المسجد لا يبرحه، فادخل تلقه.
ولم أزل أحتال للدخول وأمواج الناس تتقاذفني عن الباب حتى كدت أيأس من لقاء الشيخ، وظننت أني لو بقيت دهرًا لم تنقطع هذه الأمواج المتدفقة من باب المسجد. وظللت أزاحم حتى بلغ مني الجهد، وانتهيت إلى صحن المسجد وقد انفضّ جمع الناس، ولم يبق فيه غيري. وجعلت أسير أتلفت وأنظر في مقصورة بعد مقصورة، حتى رأيت بصيصًا من ضوء في مقصورة بعيدة، فلما وافيتها، وكانت الشمس قد آذنت بغروب، رأيت مسرجة معلقة وحجرة واسعة، وآلافًا مؤلفة من الكتب قد غطت الجدران. فاستأذنت ثم سلمت فلم أسمع مجيبًا، فدخلت، وإذا في جانب منها شيخ ضافي اللحية أبيضها جميل الوجه، قد اتكأ وأخذته سنة من نوم، وقد مالت عمامته عن جبين يلمع كأنه سُنَّة مصقولة من ذهب، وبين يديه كتب وأوراق مبعثرة أو مركومة ومحابر وأقلام.
стр. 318
سرقت الخطو حتى قمت بين يدي هذا الشيخ النائم، ثم جلست وجعلت أقدم ثم أحجم أريد أن أمسك شيئًا من ورقه لأقرأه، ثم عزمت فأخذت ما وقعت عليه يدي، فإذا هو تتمة تاريخ أبي جعفر الطبري الذي كان سماه "تاريخ الأمم والملوك"، وكان الجزء الذي فيه يبدأ من سنة خمس وستين وثلاثمئة بعد الألف من الهجرة (سنة ١٣٦٥ هجرية الموافق لسنة ١٩٤٦ م)، فانطلقت أقرأ تاريخ هذا الزمن وما بعده. وعسير أن أنقل لك كل ما قرأت، فسأختار لك منها نتفًا تغنى، كما كتبها الإمام أبو جعفر، وبعضها منقول بتمامه، وبعضها اختصرت منه حتى لا أطيل عليك. قال أبو جعفر:
[ثم دخلت سنة خمس وستين وثلاثمئة بعد الألف]
ذكر ما كان فيها من الأحداث:
فمن ذلك ما كان من إجماع المجلسين الأمريكيين على فتح أبواب فلسطين لشذاذ المهاجرين من اليهود. وكتب إليَّ السُّدّى، وهو مقيم هناك في أمريكا، أن موقف الرئيس ترومان الذي كان ادَّعاهُ من إيثاره العقل على الهوى في هذا الأمر، إنما كان حيلة مخبوءة أراد بها أن يغرر بالبلاد العربية والإسلامية، ثم يفاجئها بحقيقته. وهو في ذلك إنما يعمل للظفر بمعونة اليهود في الانتخاب الآتى للرياسة. ولما كان هواه هو الذي يُصرّفه، فقد علم أنه طامع في الرياسة حريص عليها، وأن اليهود في أمريكا هم أهل المال، أي أهل السلطان، أي هم الأنصار الذين إذا خذلوه فقد ضاع. قال السدّى: وقد سمعت بعض أهل العقل والرأي في أمريكا يستنكرون ما كان منه ومن قرار مجلسيه، ويرون أن الديمقراطية اليوم قد صارت كلمة يراد بها التدليس على عقول البشر، ليبلغ بها القوى مأربه من الضعيف المغرور بهذه الرقية الساحرة التي يدندنون بها في الآذان. وقد أخبرني الثقة أن الرئيس ترومان قد أَوْحى إليه بعض بطانة السوء أن العرب والمسلمين قومٌ أهل غفلة، وأن دينهم يأمرهم بالصبر ويلح فيه، فهم لا يلبثون أن يستكينوا للأمر إذا وقع، ولا يجدون في أنفسهم قوة على تغييره أو الانتقاض عليه، وأن الزمن إذا تطاول عليهم في شيء ألفوه ولم ينكروه. فإذا دام دخول اليهود فلسطين وبقى
стр. 319
الأمر مسندًا إلى الدولة المنتدبة (وهي بريطانيا)، وانفسح لحمقى اليهود مجال الدعوى والعمل والتبجح، وألح على العرب دائمًا إجماع الدنيا كلها (أي الديمقراطية) بأن الدولة اليهودية في فلسطين حقيقة ينبغي أن تكون وأن تتم كما أراد الله، فيومئذ يلقى العرب السَّلَم، ولا يزالون مختلفين حتى ينشأ ناشئهم على إلف شيء قد صبر عليه آباؤه، فلا يكون لأحد منهم أدنى همة في تغيير ما أراد الله أن يكون، مما صبر عليه آباؤهم وأسلافهم -وهم عند العرب والمسلمين- أهلُ القدوة.
وفي هذه السنة كتب إليَّ السُّدّى أيضا يقول إنه لقى أحد كبار الدعاة من اليهود، وكان لا يعرفه، فحدثه عن أمر اليهود في فلسطين، فقال له الداعي اليهودي: لا تُرَعْ، فنحن لابدَّ منتهون إلى ما أردنا، رضي العرب أم أبوْا. وما ظنك بقوم كالعرب خير الحياة عندهم النساء، وقد قال نبيهم: "حُبِّبَ إليَّ من دنياكم النساء والطيب، وجعلتْ قُرَّة عيني في الصلاة"، ولقد سلطنا عليهم بنات صهيون، وهن من تعلم جمالا ورقة وأبدانًا تجرى الحياة فيها كأنها نبع صافٍ يتفجر من صفاة شفافة كالبلَّوْر. وهن بنات صهيون دلال وفتنة، وعطر يساور القلوب فيسكرها ويذهلها ثم يغرقها في لذة يضن المرء بنفسه أن يصحو من خُمارها أو نشوتها، منصرفا عن أمر الدنيا كله لا عن الصلاة وحدها التي جعلت قرة لعين نبيهم. فهن في فلسطين، وهن في الشام، وهن في مصر والعرأق وتونس والجزائر ومراكش، ولولا تلك البقعة العصية التي لا تزال نخشى بأسها على ضعفها وقلتها وفقرها -أعني الحجاز وما جاوره- لقلت لك: لقد قضينا على هذه العرب، وعلى هذا الدين الدخيل الذي سرق منا التوحيد وادعاه لنفسه. . . .
[ثم دخلت سنة ست وستين وثلاثمئة بعد الألف]
ذكر ما كان فيها من الأحداث:
فمن ذلك ماكان من اجتماع ملوك العرب وأمراؤهم ووزراؤهم بعد الحج من
стр. 320
السنة التي قبلها، اجتمعوا في مدينة رسول الله ﷺ ، وقرَّ قرارهم على أن يعلنوا للناس جميعًا وينذروهم بما رأوا وبما أجمعوا عليه:
الأول: أن ميثاق الأطلسي ومواثيق الدول الكبرى كلها تغرير بالضعفاء وتلعب بعقولهم.
الثاني: أن فلسطين ستجاهد، ومن ورائها بلاد العرب والمسلمين جميعًا تظاهرها بالمال والولد.
الثالث: أن الفتك والغدر والاغتيال ليس من شيمة العرب ولا من دين المسلمين، وأن حوادث الاغتيال الشنيعة المنكرة التي اقترفها اليهود ينبغي أن تقابل بالصدق والصراحة لا بالغيلة والغدر.
الرابع: أن الأمم العربية والإسلامية تعلم أن ليس لديها اليوم من السلاح ما يكفي لقتال الأمم المعتدية التي تظاهر اليهود بالمال والسلاح، ولكنها ستقف كلها على بكرة أبيها صفًّا واحدًا تقاتل بما تصل إليه يدها من مقاطعة ومنابذة وكبرياء. وأنها تفعل ذلك ما استطاعت، ولكنها لن تظلم يهوديًا ولا نصرانيًّا ولا أحدًا من أهل الأديان، ولن تضطهد بريئًا ولا لاجئًا، وأنها لن تقنع بشيء بعد اليوم إلا بجلاء المعتدين والمستعمرين من بلادها، وجلاء اليهود عن أرض فلسطين، ومن شاء أن يبقى فيها من يهود، فله ما لنا وعليه ما علينا.
الخامس: أن الأمم العربية الإسلامية قد عزمت على أن تبدأ منذ هذا اليوم في انتخاب مجلس عام تمثّل فيه جميعًا، وهذا المجلس هو الذي سيضع الدستور العام للدول العربية والإسلامية، حتى إذا تمَّ وحّدت هذه الدول سياستها الداخلية والخارجية، وصارت يدًا واحدة في العمل، لتقاوم بذلك اتحاد الأمم الديمقراطية الغربية، التي لم تزل تريد أن تجعل الشرق سوقًا وأهله عبيدًا.
[ثم دخلت سنة ثمان وستين وثلاثمئة بعد الألف]
ذكر ما كان فيها من الأحداث:
ففيها أراد اليهود في بعض البلاد العربية أن يظاهروا إخوانهم في فلسطين،