لا يبالي أن يحترق ولا يحفل أن يعود سالمًا، ثم استشهد بهذا البيت عن شرائع الموت التي أنزله إياها الأستاذ الزيات حين دعاه أن يكتب بعد انقطاع دام خمس سنين. ولولا خشية الإطالة لأتيتك بأدلة أخرى من المقالات الثلاث التي أعقبت هذا المقال، وهي: أبصر طريقك، باطل مشرق، غرارة ملقاة، وهي آخر ما كتب في ٢٣ فبراير ١٩٥٣ وهو في محبس عزلته التي ارتضاها لنفسه منذ ذلك التاريخ. فقد عزم على أن يدع قلمه قارًّا حيث هو في سِنَة لا تنقطع حتَّى يعلوه صدأ لا ينجلى. وكان قبلُ قد نذر على قلمه أن لا يكفَّ عن القتال في سبيل العرب ما استطاع أن يحمله وما أتيح له أن يجد مكانًا يقول فيه الحق ويدعو إليه، ولكن مجلة الرسالة التي وصفها بأنها "ملاذ الأقلام الحُرَّة التي لا تَثْنيها عن الحق رهبةٌ، ولا تصدَّها عن البيان مخافةٌ" قد بات عسيرًا أن يجرى قلمه على صفحاتها، فقد أُغْلِقت مجلة الرسالة بعد آخر عدد كتب فيه مقاله "غرارة ملقاة" في ٢٣ فبراير ١٩٥٣. وإذا كان الأستاذ شاكر قد كفَّ قلمه عن الكتابة، فلم يكف لسانه عن الكلام ونقد النظام السياسي آنذاك فاعْتُقِل مرتين خلال حكم الرئيس جمال عبد الناصر، أولاهما استمرت تسعة أشهر من ٩ فبراير سنة ١٩٥٩ إلى آخر أكتوبر من نفس السنة، وثانيتهما دامت ثمانية وعشرين شهرًا من ٣١ أغسطس عام ١٩٦٥ إلى ٣٠ ديسمبر ١٩٦٧. وكانت الذريعة التي تعلق بها النظام بشأن الاعتقال الثاني أن الأستاذ شاكر كان يرمي إلى إثارة فتنة طائفية بمقالاته التي كتبها ردًا على لويس عوض.
فانظر الآن أي ضرب من الرجال هو! شاعر فذٌّ تجاهل شعره النقاد، ولم يلتفت أحد منهم إلى "القوس العذراء" إلا بعد ثلاثين سنة من نشرها. وباحث عبقري أتى بمنهج فريد في كتابه "المتنبي" لم ينتبه إليه أحد، وكاتب واسع الثقافة يقوم بكل علوم العربية لم يقدره أحد حق قدره، ومجاهد سياسي أفنى حياته يدافع عن وطنه وعروبته، وتراثه وحضارته وعربيته، فذهب قوله باطلًا وضاع صوته مختنقًا، ولم يجن من حياته إلا شقاء انتهى به إلى ظلام السجون.
جعل الرَّجُل كل ذلك ظهريًا، وعاش في عزلة فرضها على نفسه غير مبال
стр. 37
بشيء، ذكره الناس أو نسوه، وقنع بطلاب العلم وأهله الذين كانوا يترددون عليه للنهل من علمه، وضنَّ على جيله وما تلاه من أجيال بعلمه القديم أن يبعثه من رفاته التي قبروها بتجاهلهم وجحودهم. ولم يغب عنه أن هذه العزلة قد فعلت أفعالها بالأجيال التي تعاقبت فحالت بينهم وبينه، يقول "وضعت اسمي في صندوق مغلق، لا يعرف ما فيه إلا عدد من قدماء القراء. أما الأجيال الحديثة فهي تمرُّ عليه بلا مبالاة، ثم لا تجد ما يحفزها على الكشف عما يحتويه الصندوق المغلق، والكاتب إذا وضع قلمه صدئ، وإذا حجب اسمه عن القراء، نُسِى اسمه، وانطمس رسمه، ودخل في حيز الموتى، وإن كان يعد في الأحياء" ص ١٠٧١.
وإذا كانت هذه العزلة قد حجبته عن جيلنا والجيل الَّذي سبقنا، فما بال الأجيال الَّذي تلتنا؟ ألم تكن مقالاته في الرد على لويس كفيلة بنزع الغشاوة عن العيون فتبصر هذا المجاهد السياسي الَّذي شرع قلمه رمحًا حديد السنان مدافعًا عن أمته وعروبته وإسلامه غير عابئ بما يصيبه، ولا يبالي أن يعود من رحى هذه الحروب سالمًا أو مُكَلَّمًا مثخنًا بالجراح، أو مكبلًا بالقيود في غياهب السجون؟ ألم تكن مقالاته "نَمَطٌ صعب ونمط مخيف" زعيمة أن تجعل النقاد ودارسي الأدب يقتفون خطاه في تحليل القصائد العربية القديمة؟
وأين كانت مجامع اللغة العربية منذ تأسست حتَّى انتخابه عضوًا مراسلًا بمجمع اللغة العربية بدمشق ١٩٨٠، وعضوًا عاملًا بمجمع اللغة العربية بمصر سنة ١٩٨٢؟ فهذي أربعون سنة أو تزيد أغفلته المجامع كأنه غير جدير بعضويتها، وقل مثل ذلك في كل مؤسسات مصر الثقافية والتعليمية التي كانت ستفيد من خبرته لو أفسحت له مكانا حين كانت تعج بأشباه المثقفين وأدعياء العِلْم.
وأين كانت الهيئات التي تمنح الجوائز للعلماء والأدباء ورجال الفكر كِفاءَ ما أسهموا به في تقدم أمتهم والتمكين لبقاء حضارتها؟ هل ضُرِب بينها وبين عطائه الَّذي لم ينقطع أربعين حولًا كَرِيتًا بالأَسداد حتَّى عام ١٩٨١؟
стр. 38
وأين كانت الجامعات ومعاهد العلم هذه السنين ذوات العدد، فلم توجه طلابها لدراسة إنتاجه البعيد الغور في أعماق الفكر والمتراحب الآفاق في أجواء الشعر والأدب والنقد واللغة حتَّى سنة ١٩٨٥؟
إذا استطعت أن تكون مُقْسِطًا، وأجبت في حَيْدة دون أن تهوى في مزالق الأهواء فهمتَ لماذا آثر الأستاذ شاكر أن يعيش رهين بيته، وقد صار إحساسه المبهم القديم بانغماسه في "حياة فاسدة من كل وجه" متصاعدًا يقينًا لاشك فيه، وفهمت أيضًا قصة الكتاب التي حكيتُها في صدر هذا التقديم.
وبعد،
فقد خالفتُ الأستاذَ محمود شاكر مرتين، مرة في حياته في صدر شبابي بِنَشْري شعر الأحوص الأنصاري، ومرة بعد مماته بعد أن ولَّى الشباب وأَنَفْتُ على العمر بنشري مقالاته، وكنت محقًا في الأولى، وما أخطأتُ في الثانية، فلعله -طيب الله ثراه- يفيء إلى الحق في هذه كما عاد إليه في تلك.
﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾.
عادل سليمان جمال
دبي، دولة الإمارات العربية
ليلة النصف من شعبان ١٤٢٣ هـ. الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠٠٢ م
стр. 39
نموذج من خط الأستاذ محمود محمد شاكر
стр. 40
جمهرة مقالات الأستاذ محمود محمد شاكر
جمعها وقرأها وقدم لها
الدكتور عادل سليمان جمال
[المجلد الأول]
стр. 41
جمهرة مقالات الأستاذ محمود محمد شاكر
стр. 42
الرسول ﷺ -
قرأتُ في عدد الرسالة الَّذي صدر بتاريخ الاثنين ١٣ ربيع الأول سنة ١٣٥٣ بابًا من القصص الشعري عن (إسلام حمزة) ﵁ وقد وضع هذه القصة واضعُها (١) وهو يَقْصِد بها -إن شاء الله- خيرًا. إلا أن طريق الخير إلى ما قصد إليه قد التوى به التواءً يذهب بكل ما عَمِد إليه، فإنه وضع على لسان الرسول شعرًا نزهه الله عنه بقوله ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾، ثم يلي ذلك أنَّه قد وضع على لسانه ما لم يقله ﷺ .
وليعلم صاحب هذه القصة أن الرسول ﷺ يقول "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوَّأ مقعده من النار" ويقول "من حَدَّث عني بحديث يرى أنَّه كَذِبٌ فهو أحد الكاذبين". فكيف بصاحبنا وهو يُنْطِقُ رسولَ الله ﷺ بما لم يقُلهُ، ثم يكون ما أنطقه به من الكلام مَصُوغًا في القالب الَّذي نزَّه الله عنه نبيه ﷺ ؟
وهذه المسألة مما يريد بعضُ الناس أن يحتال لها بمنافق الكلام ليستحِلَّ ما لا يَحِلُّ أبدًا. وهم يراودون الناس فيها عن عقولهم أولًا ثم عن إيمانهم ثانيًا، لينقادوا لهم في الرضا بها والمتابعة عليها. . . .
والمسألة لو تناولت أحدًا غير صاحب الرسالة لقلنا عسى ولعلَّ. . . .
ولنظرنا في المخرج الذين يتأولونه نظر المنطق، ولكنها تتناول إنسانية وحدها قد جعلها الله بمنزلة فوق منازل سائر البشر، وإن لم تخرج عن منزلة البشر في أعراض الحياة وما يكون فيها وما يأتي منها.
إن إنسانية الأنبياء وحدها هي الإنسانية التي أوجب الله على من حضرها من الناس أن يؤمن بها أولًا، ثم يحافظ على رواية سيرتها ثانيًا، ثم يحترس ويتدبر
стр. 43
فيما ينقل عنها أو يصف منها، لأن نسبة شيء من الأشياء إليها قد يكون مما يتوهم أحدٌ منه وهمًا يخرج -فيما يُقبل من أمر الدنيا- بحقيقة الرسالة التي أرسلوا بها عن القانون الإلهي الَّذي عَمِلوا به ليحققوا كلمة الله التي تعلو أبدًا، وتُزْهِر دائمًا، وتبقى على امتداد الزمن روح الحياة البشرية وميزان أمر الناس في هذه الدنيا.
وليس يقال في قصة صاحبنا أو غيرها أَنَّ ما أُنْطِقَ به الرسول لا يتناول تشريعًا أو أدبًا أو حكمة، وإنما يتناول الكلام المُتَعَاطَى بين الناس فليس به من ثَمَّ بأسٌ. . . . ليس يقال مثل هذا لأن التشريع حين يوضع ويراد به سدُّ أبوابٍ من الشر والفتنة يأتي منعًا مصمتًا لا مَدخلَ فيه ولا ثغر حتَّى يدفع المُحَزِّيين (١) والمفسدين والعابثين ويضرب على أيديهم من كل ناحية. ولو كان الأمر على غير ذلك لتناول كل لصٍّ مفتاحَ الباب الَّذي يريد أن يدخل منه إلى عقول الناس ليستغرَّهم ويزلزلهم من جنة الإيمان إلى جحيم الإلحاد في الدين من الطريق الخفي الَّذي لا تُبْصِر فيه العامة ولا تَهدى به إلى أرشد أمرها في الحياة.
فنحن هنا نتقدم إلى الأستاذ صاحب القصة بأن يتدبر ما شاء، فهو سيدع ما سلك إلى سبيل أهدى، فإن الأدب الَّذي له نعمل لم يقتصر ولم يضق حتَّى ندَع ما أحل الله إلى ما نهي عنه، ونترك سبيل الرشاد إلى سبيلٍ تنحدر بنا إلى هاويةٍ لا قرار لها، ولا عَاصِمَ منها.
стр. 44
الرافعي
رحمةُ الله عليكَ! رحمةُ الله عليكَ!
رحمة الله لقلبٍ حزينٍ، وكبدٍ مَصدُوعة!
* * *
لم أَفْقِدكَ أيها الحبيبُ ولكنِّي فقَدْتُ قَلْبي.
كنتَ لي أملًا أستمسِكُ به كلما تَقَطَّعَتْ آمالي في الحياة.
كنتَ راحةَ قلبِي كلما اضطربَ القلبُ في العناء.
كنتَ اليَنْبُوعَ الرَّويَّ كلما ظَمِئَ القلبُ وأحرقه الصَّدَى.
كنت فجرًا يتبلَّج نورُهُ في قَلْبي وتتنفس نسماته، فوَجدتُ قلبي. . . .
إذ وجدتُ عَلاقتي بكَ.
لم أفقدكَ أيها الحبيبُ ولكني فقدتُ قلبي.
* * *
جزعي عليك يمسك لساني أن يقول، ويرسل دمعي ليتكلم. والأحزانُ تجدُ الدمعَ الَّذي تذوب فيه لتهونَ وتضَّاءَل، ولكنَّ أَحزاني عليك تجد الدمع الَّذي تروَى مِنْه لتنمو وتَنْتَشر.
ليس في قلبي مكان لم يرفَّ عليه حبي لك وهوَاىَ فيك، فليس في القلبِ مكان لم يحرقه حزني فيك وجَزَعي عليك. هذه دموعي تُتَرْجِم عن أحزانِ قلبي، ولكنها دموع لا تُحْسِنُ تتَكَلَّم.
стр. 45
عشتُ بنفسٍ مُجْدِبة قد انصرفَ عنها الخصب، ثم رحمَ الله نفسي بزهرتين تَرِفان نضْرة ورواء. كُنْتُ أجدُ في أنفاسهما ثروة الروضة الممْرعة فلا أحسُّ فقر الجدْب!
أما إحداهما فقد قطفتْها حقيقةُ الحياة، وأما الأخرى فانتزعتها حقيقةُ الموت، وبقيت نفسي مجدبة تستشعِرُ ذلَّ الفقر.
* * *
تحت الثرى. . . . عليك رحمة الله التي وسعتْ كلَّ شيء، وفوق الثرى. . . . عليَّ أحزان قلبي التي ضاقت بكل شيء؛ تحت الثرى تتَجَدَّدُ عليكَ أفراحُ الجنَّة؛ وفوق الثرى تتقادمُ عليَّ أحزان الأرض!
تحت الثرى تتراءى لرُوحِك كل حقائق الخلود وفوق الثرى تتحقَّقُ في قلبي كلُّ معاني الموت. لم أفقِدْك أيها الحبيب ولكنِّي فقدت قَلْبي
* * *
حضَرَ أَجلك، فحضرتني همومي وآلامي.
فبين ضلوعي مأتم قد اجتمعت فيه أحزاني للبكاء؛ وفي روحي جنازة قد تَهَيَّأَت لِتَسير؛ وعواطفي تُشَيِّعُ الميت الحبيب مُطرقة صامتة؛ والجنازة كلها في دمي -في طريقها إلى القبر وفي القلب. . . . في القلب تُحْفَرُ القبورُ العزيزة التي لا تُنْسَى
* * *
في القلب يجد الحبيب روحَ الحياة وقد فرغ من الحياة؛ وتجد الروح أحبابها وقد نأى جُثْمَانها.
في قلبي تجد الملائكة مكانًا طَهَّرَته الأحزان من رجس اللذات.
وتجِدُ أجنحتها الروح الَّذي تهفهف عليه وتتحفَّى به.
هنا. . . . في القلب، تتنزَّل رحمة الله على أحبابي وأحزاني، ففي القلب تعيش الأرواح الحبيبة الخالدة التي لا تَفْنَى، وفي القلب تُحْفَزُ القبور العزيزة التي لا تُنْسَى.
стр. 46
لم تُبْقِ لي بَعدَكَ أيها الحبيب إلا الشوقَ إلى لقائك.
فقدتُكَ وَحْدِي إذ فقدك الناس جميعًا.
سَمَا بكَ فرحك بالله، وقعدت بي أحزاني عليكَ.
لقد وجدتَ الأنْسَ في جوارِ رَبِّك، فوجدتُ الوحشة في جوار الناس.
لم أفقدك أيها الحبيب ولكني فقدتُ قلبي
لم تُبق لي بَعدَك إلا الشوق إلى لقائك
رحمة الله عليك، رحمة الله عليك!
стр. 47
بين الرافعي والعقاد
- ١ -
قرأت ما كتب الأستاذ سيد قطب في العددين السالفين من الرسالة، وكنت حَرِيًّا أَلَّا أعبأ بما يكتبُ عن الرافعي في أوانٍ حولِ وفاته، وقد تهيأ أهله وأحباؤه وأصحابه تتلفَّتُ قلوبهم لذكراه الأولى بعد أن سَلَّه الموت من بينهم اغترارًا.
والأستاذ سيد قطب قد أبى له حسن أدبه، وجميل رأيه، ومروءة نفسه، ونُبْل قلبه، وشرف مقصده، وإشراق نقده إلَّا أن ينبش ماضي الرافعي وما سلف من أمره، ليستخرج حلية يتحَلَّى بها إذ يكتب عن خصومةٍ بين رجلين: أما أحدهما -أنسأ الله في أجله وأمتع به- فما برح يتلطف للناس بما يستجيد من عمل يجدد به مَطَارِفَ آخرته؛ وأما الآخر -رحمةُ الله عليه- بين يدي ربه يتقرب إليه بعمل قد أبلى به أثوابَ دُنْياه. فلولا أن الميت لا يدفع عن نفسه في ساعة موته مثل الَّذي كان يدفع في أيام حياته، وأن ذكر الحي أقرب إلى الناس من ذكر الميت -لكان جديرًا بنا أن ندع الأستاذ المهذب الفاضل يتكلم بالذي يهوى على ما خيَّلَتْ له. فليس للأدب اليوم من الحرمة، ولا فيه من النبل، ولا عليه من الحياطة والحرص ما يحفز أحدًا للمراصدةِ دونَه أن يُمتَهن أو يُسْتَرْذَل.
هذا. . . . وقد جعل الأستاذ الفاضل يستثير دفائن الإِحَن (١)، والأحقاد التي كانت بين الرافعي والعقاد، ليتخذ منها دليلَهُ الَّذي يفزعُ إليه في أحكامه! ! على الرافعيِّ. لا بل على قلب الرافعيِّ ونفسه وإيمانه بعمله وعقيدته فيه! ! ثم لم يرض بذلك حتَّى نفخ فيها من روح الحياة، ما جعلها ممَّا يكتب الأحياء عن الأحياء للإِيلام والإثارة، لا للجرح والتعديل والنقد؛ وكأن الفتنة عادت جَذَعَةً (٢) بين الرافعي نفسه وبين العقاد. ولقد بدا لبعض الناس رأيٌ فيما كتب الأستاذ
стр. 48
المهذب، ولكنا نفيناه إذ سُئلنا عنه، فنحن نعلم أن العقاد لا يرضى اليوم أن يكتب مثل هذا الَّذي كُتب عن الرافعي. ولقد ساء ظن امرئ بالعقاد ألا تكون للموت في نفسه حرمة، حتَّى يكون هو يعين عليه أو يرتضيه أو يسكت عنه إلا سكوت الغَضَبِ والاستهانة.
فنحن إذ نكتب في ردِّ كلام هذا الأستاذ الفاضل سيد قطب لا نبغي أن نسدِّدَ له الرأي فيما يحب أن يرى، فما علينا ضَلَّ أو اهتدى، ولا أن نقيم مذهب الرافعيِّ على أصله وقد ذهب سَببُه وبقى أدبه؛ ولا أن نسوء العقاد حفيظة نتوارثها له عن الرافعي أو من ذات أنفسنا، فما من شيمتنا مثلُ ذلك؛ كلَّا، بل نكتب لنميط الأذى عن حُرَم الموت، وكفى بالموت حقًّا وجلالًا.
ورحم الله الشعبيَّ فقد كان يقول: "تعايش الناس زمانًا بالدين والتقوى، ثم رُفِعَ ذلك فتعايشوا بالحياء والتذمم، ثم رفع ذلك فما يتعايش الناس اليوم إلا بالرغبة والرهبة. وأظنه سيجئ ما هو أشد من هذا". ولقد جاء وفات ما نحن فيه ظنونَ الشعبي. فما يتعايش الناس اليوم إلا بثلْبِ الموتى!
والا فما الَّذي رمَى في صدر الأستاذ سيد قطب بهذه الغضبة الجائحة من أجل العقاد؟ ألم يكتب الرافعي للعقاد يوم كان يملك يكتب ويقول؟ أو لم يكتب العقاد للرافعي ما كتب؟ ثم نامت الثائرة ما بينهما زمنًا كان حده الموت. يقول الأستاذ: إنه -هو لا العقاد- "كان مستعدًّا للثورة والحنق، لو تناول بعض هؤلاء -يعني الرافعي ثم مخلوفًا- أدَبه! بمثل هذا الضيق في الفهم، والاستغلاق في الشعور. . . .". أفكان كلام سعيد العريان -وهو يؤرخ أحقادًا قد سلَّها الموت إذ سَلَّ أسبابها- هو الَّذي أثار هذا الحيّ المستعد للثورة على ذلك الميت العاجز عن دفع الثورة؟ ثم ما الَّذي يحمله على أن يُلبسَ هذه الثورة جلد النقد؟ والعجب أن يثير ما كتب "سعيد" حيًّا ليس شيئًا في الخصومة بين الرافعي والعقاد، وهو ليس يثير العقاد أحدَ طرفي الخصومة، وهو الَّذي يملك أن يقول لسعيد أخطأ أو أصاب. . . .! أشهد أن ما بالأستاذ قطب النقد، ولا به الأدب، ولا به تقدير أدب العقاد أو شعره. فما هو إلا الإنسانُ وجهٌ يكشفه النور ويشف عما به، وباطن قد انطوى على ظلمائه فما ينفذ إلى غيبه إلا عِلْمُ الله.
стр. 49
وأنا أقدِّمُ بين يدي كلامي حقيقة لابدَّ من تقريرها عن الرافعي والعقاد، وذلك أن الرافعي ﵀ لو كان يرى العقاد ليس بشيء البتة، وأن أدبه كله ساقط ذاهب في السقوط، وأنَّ وأن. . . . مما كان يكتب ليغيظ به العقاد من جراء العداوة التي ضربت بينهما -لما حمل الرافعي عناء الكتابة في نقد العقاد وتزييف أدبه وإبطال أصل الشعر في شعره. ولو كان العقاد يرى الرافعي بعض رأيه الَّذي كتب لما تكلف الرد على الرافعي ولا التعرض له. وكم من رجل كتب عن الرافعي وعن العقاد ونال منهما وأوجع! ولأنه ليس يدخل في حسابهما، ولا يقيمان لأمثاله وزنًا، ولا يعبآن بقوله ونقده وثورته- فقد تركاه يقول فيكثر فيملُّ فيسكُت. ولم يكن بين أحد منهما وبين مثله كالذي كان بين الرافعي والعقاد.
فالرافعي والعقاد أديبان قد أحكما أصول صناعتيهما، كلٌّ في ناحيته وغرضه، وأفنيا الليالي والأيام والسنين في ممارسة ما هو فيه وإليه، وكلاهما يعلم عن عمل صاحبه مثل ما يعلم عنه، ولا يُظن بأحدهما أنَّه يجهل قيمة الآخر. فلما كانت العداوة بأسبابها بينهما بدأت قوَّة تعارضُ قوة، ورأيٌّ يصارع رأيًا، وكان في كليهما طبيعة من العنف والعُرام (١) والحدَّة، وَولِعَ العقادُ بإرسال العبارة حين يغضب على هينتها صريحة لا صنعة فيها، وأُغرى الرافعي بالسخرية والمبالغة في تصوير ما نصبه لسخره وتهكمه على طريقة من الفن؛ فمن ثمَّ ظهرت العداوة بينهما في النقد. وفي أذيالها أذى كثير وغبارٌ ملؤه القواذع والقوارص من اللفظ، وعلى جنباته صورٌ ينشئها أحدهما لصاحبه للكيد والغيظ والحفيظة، لا يراد بها إلا ذلك. ولقد شهدتُ أن الَّذي كان يكتبه الرافعي عن العقاد لم يكن عندي مما يحملني على الحط من منزلة العقاد التي كان ينزلها في نفسي، بل أستيقن أن الَّذي يكتبه إنما يراد به النيل من غيظ العقاد لا من العقاد نفسه. وعلى مثل ذلك كُنْتُ أجد ما يكتبه العقاد عن الرافعي، فلم يكن نيل العقاد من الرافعي -وأنا أحبه- مما يحملني العداوة له أو يدفع بي إلى الغيظ والحنق والثورة.
وخليق بنا وبآدابنا أن نطوى الآن سيئة رجلين قد تفارط أحدهما في غيب الله. وبقى الآخر تحوطه الدعوة الصالحة بطول البقاء وامتداد الأجل وسداد العمل.
стр. 50
والكلمة الأولى من كلمتي الأستاذ سيد قطب، إنما تدور رحاها ورحى (بغضائه) للرافعي -أو كما قال- عن نفي الإنسانية من ذلك الإنسان رحمة الله عليه، وخلوه من النفس، وفقدانه الطبع، وفقره إلى الأدب النفسي -وما إلى ذلك من لفظ قد ضل عنه معناه، وتهافت عليه حده- وأنه كان (رحمة الله عليه) ذكيًّا قوي الذهن، ولكنه كان مغلقًا من ناحية الطبع والأريحية، وأن أدبه كان أدب الذهن لا أدب الطبع، فيه اللمحات الذهنية الخاطفة، واللفتات العقلية القوية، ولكن الذي ينقصها أنه ليس وراءها ذخيرة نفسية، ولا طبيعة حية، إلى غير ذلك مما حفظه الأستاذ من شوارد اللفظ، وأوابد المعاني. . . . وأسمع جعجعةً ولا أرى طحنًا (١).
وأنا كنت أتنظر بالأستاذ أن يأتي في كلمته الثانية بشيء من النقد يُنسى إليه ما قدم في الأولى من سوء العبارة وشُنْعَة (٢) اللفظ في ذكر الرافعي الميت؛ ولكن خاب الفأل، وجاءت الثانية تدل مَنْ يَغْفُل عن الدلالة البينة، على أن هذا الأستاذ الجليل لا يزال يستملي ما يكتب من بغضائه. وهان شيئًا أن يكره الأستاذ الجليل رجلا كالرافعي حتى جمله الشلّ من بغضه؛ ولكن الأمر كل الأمرِ حيث ذهب يزعم فيما يكتب أن هذه البغضاء التي يستملى منها هي النقد، وأن أحكامه على الرافعي إنما هي أحكامُ قاضٍ، لزم المتهم حتى أنطقه وأشهد عليه لسانه، فاستوعب كلامه واستنبط الحجة عليه من ألفاظه، واستوثق للتهمة من قوله، ثم بنى (الحيثيات) من فحوى عباراته، ثم حكم وما حكم على المتهم إلا كلامُه، ولا شهد عليه إلا لسانُه.
فلهذا كان علينا لزامًا أن ننظر في الذي أتى من كلام الرافعي. ثم قوله فيه، واستنباطه الدلائل منه، وتحليله نفس الرافعي من لفظه حتى جعله مستغلق الطبع مسلوب العقيدة، ثم هو فوق ذلك لا يزال يبدئ ويعيد في كلامه ذِكرَ أصدقاء الرافعي وأصحابه ويسخر منهم ويتحداهم، ويحملهم على مركب وعر، ويضطرهم بين خُطَّتى خَشفٍ (٣) في أحكامه على الرافعي، ويخيرهم أن يختاروا
стр. 51
للرافعيّ طرفا من طرفين يحسب أنه يُلزمهم شناعةَ شناعاته التي سمَّاها أحكامًا على الرافعي. وسنتولّج فيما لا نحب، لا كرامةً للأستاذ الجليل أو استجابة لدعائه، بل لنميط الأذى عن نَفْسٍ مطمئنة لحقت بالرفيق الأعلى راضية مرضية.
ولولا أن يُقال هَجَا نميرًا ... ولم نَسْمَع لشاعرهم جوابا
رغبنا عن هجاء بني كُلَيب ... وكيف يُشاتِم الناسُ الكلابا
стр. 52
بين الرافعي والعقاد
- ٢ -
نقل الأستاذ الأديب سيد قطب في كلمته الثانية بعض ما نقده الرافعي في قصيدة للعقاد في ديوانه بعنوان (غزل فلسفي؛ فيك من كل شيء)، وذلك حين يقول في حبيبته:
فيك منّي ومن الناس ومن ... كلّ موجودٍ وموعودٍ تُؤام
فقال الأستاذ قطب: فلا يرى الرافعي في هذا البيت الفريد إلا أن يقول: "قلنا فإن (من كل موجود) البق والقمل والنمل والخنفساء والوباء والطاعون والهيضة وزيت الخروع والملح الإنجليزي إلى واوات من مثلها لا تعدّ، أفيكون هذا كله في حبيب إلا على مذهب العقاد في ذوقه ولغته وفلسفته؟ ".
ثم يعودُ فيقول: "إن هذا المثال هو مصداق رأيي في أن الرافعي أديب الذهن لا أديب الطبع، وأنه تنقصه "العقيدة"! التي هي وليدة الطبع أولًا؛ فأيّ "طبع" سليم يتجه إلى تفسير بيت غزليّ في معرض إعجاب شاعر بحبيبته، واستغراق في شمول شخصيتها بأن "كلّ موجود" هو البق والقمل والنمل .. إِلخ" غافلًا عما في هذا الإحساس من "حياة" "واستكناهٍ"! لجوهر الشخصية، و"خيالٍ بارع" تثيره طبيعة فنية، فيرى في هذه المرأة من متنوّع الصفات ومختلف النزعات وشتى المزايا عالمًا كاملا من كل موجودٍ وموعود.
أحد أمرين:
إما أن الرافعي ضيق الإحساس مغلق الطبع بحيث لا يلتفت إلى مثل هذه اللفتات الغنية بالشعور.
стр. 53
وإما أنه يدرك هذا الجمال، ولكنه يتلاعبُ بالصور الذهنية وحدها، غافلًا عما أحسّه وأدركه.
وهو في الحالة الأولى مسلوب "الطبع" وفي الثانية مسلوب "العقيدة! " فأيهما يختارُ له جماعة الأصدقاء".
ثم أتمَّ الأستاذ علينا نعمة نقده بأن قال "إن هذا المثال يمثل تلاعب الرافعيِّ بالصور الذهنية، واستغلاق طبعه دون تملي الإِحساس الفني".
وقد آثرنا أن ننقل في كلامنا كل هذا لا نبدِّله ولا نحرِّفه لنقطع بذلك مادة الشك في صحة النقل من كلام الأستاذ قطب، وليجتمع للقارئ فكرُه على رأي متصل حين ينظرُ في أعقاب كلامنا بالتعرُّف أو الإنكار.
ونحن حين قرأنا قصيدة العقاد لأول مرة في مجلة المقتطف (يناير سنة ١٩٣٣) زعمنا أنها قصيدة مؤلَّفة من مادة غير مادة الشعر، وأن الغزل الفلسفي الذي فيها حديث يتهالك، والفلسفة منطق يتماسك، فهي على ذلك ليست من شعر ولا فلسفة. وهذا هو بديهة الرأي لمن يقرأ هذه القصيدة ويتدبر معانيها، ويقيسها إلى غرض صاحبها فإنه سماها أول ما سمى "غزلًا فلسفيًّا" ثم أتبع هذا -وفي رأسها- مما يشبه التفسير لهذا العنوان، وما يتضمن فحوى القصيدة، ويحدد جملة معانيها، وذلك قوله: "فيك من كل شيء".
ولسنا الآن بسبيل نقد القصيدة كلها، وبيان ما أشرنا إليه قبل في أثنائها وتضاعيفها، وإنما نجتزئ بالقول في البيت الذي نقده الرافعي، ثم عقب على نقده الأستاذ سيد قطب بما شاء له "طبعه" المفتوح غير المغلق، و"عقيدته" الكاملة غير المسلوبة و"خياله البارع" غير المتخلف.
وهذا البيت بعينه:
فيك مني ومن الناس ومن ... كلّ موجودٍ وموعودٍ تُؤام
إنما هو تكرار لقوله في صدر القصيدة: "فيك من كل شيء" حين أراد الشاعر أن يزيده بيانًا ووضوحًا، ويجلوه جلاء المرآة ليصف شخص صاحبته، أو كما قال الأستاذ القطب (لاستكناه جوهر شخصيتها! ).
стр. 54
وقد ذهب الرافعي في نقد هذا البيت مذهب العربي حين يسمع الكلام العربيَّ لا ينحرف بألفاظه إلى غير معانيها حتى يتسع في معاني الألفاظ بغير دلالة ظاهرة أو مُسوِّغ مُضْمر ولا يقبض من معانيها إلا بمثل ذلك مما يجيز انقباض بعض اللفظ عن سائره. وقد قال العقاد لصاحبته في الغزل: "فيك من كلِّ شيءٍ" و"وفيك من كل موجود". والعرب والفلاسفة جميعًا يزعمون أن لفظ (كلّ) إذا دخَل على النكرة أوجب عموم أفرادها على سبيل الشمول دون التكرار. فكذلك أوجب الشاعر على صاحبته أن يشمل (جوهر شخصيتها) جزءًا من كلِّ ما يمكن أن يسمى (شيئًا)، ومن كل ما يسوغ أن يسمى (موجودًا وموعودًا). وهذا الإطلاق من (فيلسوف يتغزَّل) يقتضي شمول الأفراد من (كلِّ شيء)، ومن (كلِّ موجود). وليس يشك أحد -ممن لم يسلبهم الله "الطبع" و "العقيدة" ولم يحرمهم "الخيال البارع" -في أن ما ذكره الرافعي في كلامه- من البق إلى الملح الإنجليزي- شيء من الأشياء وموجود من الموجودات. والفيلسوف حين يتغزل لن يريد هذا بغير شك، ولكن أين تذهب بمعنى اللفظ (كلّ) في العربية؟ وفي حدود الألفاظ التي تدور على ألسنة الفلاسفة؟ وأي دلالة توجب قبض معنى الشمول من هذا اللفظ؟ أو أيُّ مُسَوِّغ يجيز الحد من الإحاطة التي يقتضيها هذا الحرف في مجرى قول الشاعر "فيك من كل شيء" وفيك "من كل موجود"؟ !
هذا بعض القول في فساد ألفاظ هذا البيت، وبطلان معنى الفلسفة فيه. ولا يفوتني في هذا الموضع أن أدل على موضع الضعف في فهم الأستاذ قطب لكلام الرافعي. فالرافعي يقول: "قلنا، فإن من -كل موجود- البق. . . . إلخ"، والأستاذ الأديب البارع يقول وكأنه يشرح معنى الرافعي: "فأي طبع سليم يتجه إلى تفسير بيت غزلي. . . . بأن "كل موجود" هو البق والقمل. . . . إلخ"؟ غافلا عما في هذا الإحساس من "حياة" و"خيال بارع"، تثيره طبيعة فنية، فيرى في هذه المرأة من متنوع الصفات وشتى المزايا عالمًا كاملًا من كل موجود وموعود". والرافعي ﵀ لم يقُل إن (كل موجود) هو البق. . . إلخ، وإنما
стр. 55
قال إن من (كل موجود)، أي من أفراد الموجودات ما يسمى بقّا. . . . إلخ، فالحرف (من) في كلام الرافعي ليس هو الحرف (من) الذي في شعر العقاد حتى يجوز ما ذهب إليه الأستاذ قطب بما ساء من تعليقه.
وقد أطلت القول في تقرير نقد توحى بصحته سلامة الفطرة، وحسن الذوق، وصفاء القريحة، ويوجبه اصطلاح المنطق، وحَدُّ الكلام، وإتقان الفلسفة، ويقتضيه ما ذهب الشاعر يسرده مما هو "في صاحبته" معددًا مبينًا مفصلًا حتى انتهى إلى إجمال المعاني في هذا البيت. فقد قال لها: فيك من الشمس والبدر، ومن الربيع والشتاء، ومن غناء الطير ونوح الحمام، ومن انسياب الماء، ومن طبائع الوحش، ومن حركة الأسماك، وفيك من جوارح الطير، ومن النعام، ومن نار الحياتَيْن، ومن الموت الزؤام، ومن نقص الدنيا، وكمال الآخرة، ومن الملائكة، ومن الشياطين، ومن الخمر، ومن القوت، ومن الماء، ومن الجوع، ومن الأرض، ومن السماء، ومن عمل الأيام والدهور، ومن الهندسة ومن الفن. . . . ثمَّ.
" فيك مني ومن الناس ومن ... كل موجود وموعود تؤام"! !
أفلا يدل هذا على أن الشاعر الفيلسوف كَلَّ (١) التفصيل فرَمى بالجملة في (كل شيء) من (موجود وموعود) بعد الذي تعب في بيانه وتفصيله وذكره وتعداده؟ ؟ وأي شيء بقى له لم يعدده من متنوع الصفات ومختلف النزعات وشتى المزايا والعالم الكامل! إلا هناتٌ هينات كذا وكذا. . . . وما ذكر الرافعي.
هذا. . . وقد اقتصر الأستاذ على نقل بعض كلام الرافعي في نقد هذا البيت ونحن نتمه للقراء بعد ذلك:
"إن ذلك المعنى الذي بَنى عليه هذا المسكين غزلَهُ الفلسفي قد مرّ في ذهن أعرابيّ لم يتعلّم ولم يدرس الفلسفة، ولا قرأ الشر الإنجليزي والفرنسي والألماني والفارسي، وليس له إلا ذوقه وسليقته وطبيعته الشعرية، فصفى المعنى تصفية جاءت كأنما تقطر من الفجر على ورق الزهر بقوله: زهر الآداب ج ٢ ص ٢٦١
стр. 56
فلو كنتِ ماءً كنتِ مَاءَ غَمَامَةٍ ... ولو كُنْتِ درًّا كُنْتِ مِنْ دُرّة بِكرِ
ولو كنتِ لهوًا كنتِ تعليل ساعةٍ ... ولو كنت نومًا كنتِ إغفاءَة الفَجْرِ
ولو كنت ليلًا كنت قمراء جُنِّبَتْ ... نُحُوسَ ليالي الشَّهْرِ، أو ليلةَ القدرِ
(ولو كُنْتِ كُنْتِ) هذا أبدع عنوان لأجمل قصيدة في فلسفة الغزل. وانظر كيف جعل الأعرابي حبيبته أصفى شيء، وأغلى شيء، وأسعد شيء، وكيف صورها شعرًا للشِّعر نفسه. ثم قابِلْ هذا الذوق المصفى بذوق من يجعل حبيبته من كل شيء، ومن كل موجود وموعود تؤامًا وزؤامًا وبلاء عامًا" انتهى كلام الرافعي.
فإن شئت أن تعرف كيف يتناول الشعراء هذا المعنى المغسول من الشعر "فيك من كل شيء" فانظر حيث يقول جرير، وهو فيما نعلم أول من افتتحه:
ما استوصف الناس (من شيء) يروقُهم ... إلا أرى أُمَّ عمرو فوْقَ ما وَصَفوا
كأنها مُزْنَة غزاء واضحة ... أو دُرَّة لا يُوارِي ضَوْءَها الصَّدَفُ (١)
وقد أحسَنَ جرير تحديد المعنى وتجريده من اللغو (من شيء يروقهم) وجعل في صاحبته من ألوان الجمال ما تهفو إليه نفوس الناس على اختلاف أذواقهم وتباين أنظارهم. وكأن أبا نواس نظر إلى هذا المعنى حين قال:
لكِ وجهٌ مَحَاسنُ الخَلْقِ فيه ... ماثلات تدعو إليه القُلوبا
على أن جريرًا قد ناقض وأحال وأفسد ما استصلح من شعره حين رجع فقال في البيت الذي يليه: "كأنها مزنة. . . أو درة" فإن هذا الحرف (كأن) للتشبيه، والتشبيه يدعى قصور المشبه عن المشبَّه به، وهو قد ادعى أنه يرى صاحبته فوق ما يصف الناس (من شيء) يروقهم أو يروعهم أو يفتنهم.
ثم جاء مسلم بن الوليد بعقب جرير يقول:
стр. 57
مِثَالُها زهرةُ الدنيا مصورَّةً ... في أحسن الناس إدبارًا وإقبالا
أَسْتَوْدِعُ العينَ منها كما برزت ... وجها من الحسن لا تُلقى له بالا
فالعين ليست ترى شيئًا تُسَرُّ به ... حتى تُريني لما استودعتُ تمثالا
ففارق مسلم جريرًا حيث جعل صاحبته (زهرة الدنيا مصورة) أي محاسنها وتهاويل جمالها، وأنه يجد عندها تمثالًا لكل حسن تسر به العين.
ثم جاء أبو نواس فألبس الشعر والمعنى من توليده وحسن مأخذه ولطف عبارته فقال:
لها من الظرف والحسن ... زائدٌ يتجدَّدْ
فكل حُسْن بديع ... من حُسنها يتولَّدْ
ثم جاء أبو تمام فَقَصَّر، ولم يحسن اختيار اللفظ، وأضعف روح الشعر فيه فقال:
انْظُرْ فما عايَنْتَ في غيره ... من حَسَن فَهْوَ له كُلُّهُ
وتناوله البحتري، فزاد فيه معنى، ولم يجوِّد نسجه فقال:
وأهيف مأخوذ من النفس شكله ... ترى العينُ ما تحتاجُ أجمعُ فيه
فالزيادة في قوله "مأخوذ من النفس شكله" وهي جميلة لولا شناعة قوله (مأخوذ)، ولو عدل فيها إلى مثل نهجه في صفة الخمر:
أُفرغتْ في الزجاج من كل قلب ... فهي محبوبة إلى كلِّ نفس
لأجاد وبزَّ من سبقه. وقد فطن ابن الرومي إلى معنى البحتري فاتخذه لنفسه وسبَق حين قال:
وفيكِ أحسنُ ما تسمو النفوسُ له ... فأين يرغَبُ عنكِ السَّمْعُ والبَصَرُ
وقد قصر ابن الرومي في الشطر الأول عن المعنى الذي أراده البحتري، ولكنه جاوز البحتري ورمى به خلفه في مقابلة قوله (ترى العين ما تحتاجُ أجمعُ فيه) بما قال (فأين يرغبُ عنك السمعُ والبصرُ). ثم أدار ابن الرومي هذا المعنى ونفَّلَهُ (١) من سواه حين قال:
стр. 58
لا شيءَ إلا وفيه أحسنهُ ... فالعينُ منه إليه تنتقلُ
فوائد العين منهُ طارفةٌ ... كأنما أُخرياتهُ الأُوَلُ
ولقد كنت أتعجب لبيت العقاد كيف نزل مع كل هذا الشعر، وكيف خفى عنه موضع التقييد من مثل قول جرير "من شيء يروقهم"، وقول مسلم "زهرة الدنيا" و"شيئًا تُسرُّ به" وما إلى ذلك، ووجهتُه مع سائر القصيدة فلم يزل مختلًّا ناقصًا معوجًّا لا يستوي. وزادني عجبًا قوله في نهاية الشعر (تُؤام)، ولم أجد للفظ معنى ولا رأيت له وجها يتوجهُه مع مقاصد الغزل الفلسفي حتى وقعت لي أبيات ابن الرومي فإذا قوله (تؤام) ترجمة للفظ آخر هي لفظ (معًا) في قول ابن الرومي ينحو إلى هذه المعاني بعينها:
فالعين لا تنفكُّ من نَظَرٍ ... والقلب لا ينفكُّ من وَطَرِ
ومحاسن الأشياء فيكِ (معًا) ... فَملَا لتِيك مَلالَتي بَصرِي
مُتعاتُ وجهك في بديهتها ... جُدُد وفي أعقابِها الأخَرِ
فكأنّ وجهكِ من تجدُّدِه ... مُتنقل للعين في صُوَرِ
وقول ابن الرومي (ومحاسن الأشياء فيك معًا) هو عمل الشعر في معنى غسيل قدَّم به العقاد لقصيدة غزل فلسفيّ وهو قوله: "فيك من كل شيء" ورحم الله الصولي الذي يقول:
أعرفُ مِنها شَبهًا ... في كل شيء حسَنِ
فقد أتى بالمعنى عاميًّا لطيفا مَجْفُوًّا غير صنيع، وهو على ذلك أرق من فيك مني ومن الناس. . . .
فهذا مذهب الشعر من لدن جرير إلى يومنا هذا ولم نستقصه في غرض واحد من أغراضه، وذاك مذهب العربية في معاني ألفاظها، وسبيل الفلاسفة في تحديد معانيها، وفي ثلاثتها قصَّر بيت العقاد وفسد واستحال معناه وتهالك منطقه. فمن أين يمكن وصف الرافعي -إذا نقد هذا البيت- بأحد أمري الأستاذ قطب: إما أن يكون ضيق الإحساس مغلق الطبع بحيث لا يلتفت هذه اللفتات الغنية
стр. 59
بالشعور. . . . (وأين وأنى وكيف نجدها يا أستاذ الأستاذين؟ ) وإما أنه يدرك هذا الجمال ولكنه يتلاعب بالصور الذهنية وحدها، غافلا عما أحسه وأدركه. . . . وما ندري كيف كان يحسه الرافعي ﵀؟
أكان يحسه ويدركه بقوة الجوع والعطش في البيت الذي يليه:
كيف بي أُعزلُ إن أغنيتني ... أنت، حتى عن شرابي والطعام!
وأخيرًا، فقد خير الأستاذ قطب أصدقاء الرافعي بين أن يحكموا عليه بإحدى كلمتيه أن يكون رحمة الله عليه مسلوب "الطبع" أو مسلوب "العقيدة". وقد تبين بعد الذي قلنا أن نقد الرافعي نقد "محكم" في سياق العربية، وفي جوهر الشعر ونزيد فنقول إن قارئ القصيدة (غزل فلسفي) حين يقرؤها إلى أن ينتهي إلى هذا البيت: "فيك مني ومن الناس. . . ." لا يجد فيها من "الحياة" ولا من "الخيال" ولا من "غنى الشعور" ولا من "الإحساس الفني" -إلى آخر ما يتنبل له الأستاذ قطب- ما يجعل نقد هذا البيت بعينه دليلا على ضيق الإحساس واستغلاق الشعور، والغفلة عن الجمال، وفساد الإنسانية في قلب ناقده.
وعلى هذا فقد سقط الدليل الأول من أدلة أحكامه على الرافعي وبان في ذلك ما امتاز به الرافعي من الدقة وصدق الإحساس في إدراك معاني الشعر وما فيه من غضارة ورُوقة وجمال.
стр. 60
بين الرافعي والعقاد
- ٣ -
ثم ماذا؟ ثم يقول الأستاذ سيد قطب في ثالث أدلته على أحكامه: "يقول العقاد في طرافة ودُعابة عن حِسان شاطئ استانلي! !
ألقى لَهُن بقوسه ... قُزحٌ وأدبر وانصرفْ
فلبسنَ من أسلابه ... شتى المطارف والطُّرفْ
فلا يجد الرافعي في هذه الطرافة إلا أن يتلاعب بالألفاظ فيقول: فقزح لا يلقى قوسه أبدًا إذ لا ينفصل منه. قال في اللسان: "لا يفصل قُزَح من قوس". فإذا امتنع فكيف يقال: "أدبر وانصرف". أما قزح العقاد، فلعله الخواجة قزح المالطي مراقب المجلس البلدي على شاطئ استانلي الذي قيلت فيه القصيدة.
ثم يقول إن هذا المثال "فيه تلاعب وروغان، وهو في هذه المرة (التلاعب) أخسُّ من السابقة، ففي الأولى كان تلاعبًا بصور ذهنية، وهو هنا تلاعبٌ بألفاظ لغوية! ".
أوَّلا، فمن ذا الذي يغفُل عن طرافة هذا "الخيال" الذي يتصور "قُزحًا" ملقيًا بقوسه لهؤلاء الحسان، وهن يتناهبن هذه الأسلاب، بينما هو مدبر منصرفٌ، مغلوب على أمره، لا يستطيع النصفة ممن غلبَ جمالهنَّ جماله! ألا تستحق مثل هذه الطرافة، ومثل تلك الحيوية! من الناقد إلا أن يذهب إلى القاموس أو اللسان، ينظر هنالك، هل يفصل قوس عن قزح أو لا يفصَل؟ ثم يكمل الكلام بتهكم بارد لا يرد على الفطرة المستقيمة في معرض هذا الجمال! !
стр. 61
أهذا هو النقد الذي هو "أقرب إلى المثال الصحيح"؟ وما قلته في المثال الثاني يقال بنصه هنا، فلترجع إليه جماعة الأصدقاء.
ثم يعود فيقول عن هذا المثال أنه يمثل "تلاعبه بالألفاظ اللغوية، والوقوف بها دون ما تُشِعُّه في الخيال من صور طريفة" انتهى كلام الأستاذ الجليل.
* * *
ومن أعجب العَجَب أن يُعدَّ اعتراض الرافعي ونقده هذا البيت تلاعبًا بالألفاظ اللغوية، ولا يكون هذا الشعر نفسه قد بُنى على التلاعب في غير طائل، وعلى تكلف اللفظ لترميم قافية البيت. وأول ما نقول في هذا أننا نخالف بعض رواة العربية ثم الرافعي في أن يلزم أحد هذا الحرفين صاحبَه على كل حالة وفي كل ضرب من ضروب القول.
وبيان ذلك أن لأصحاب العربية في هذا الحرف (قُزَح) ثلاثة أوجه من الرأي:
الأول: أن (قُزَح) اسم شيطان، أو اسم ملك موكل به.
والثاني: أن (القُزَح) هي الطرائق والألوان التي في القوس، والواحدة قُزْحة.
والثالث: أن يكون من قولهم: قزح الشيء، وقحزَ إذا ارتفع.
قلت: وكأنهم أرادوا أن يجعلوه معدولا به عن (قازح)، وهو المرتفع ففي الوجه الأول لا يضير أن ينفصل الحرفان، إذ كان (قوس) اسم جنس، و (قزح) اسم علم بعينه، وأضيف أحدهما إلى الآخر إضافة نسبة. فهو بمنزلة قولك (كتاب محمد). ومن هنا جاز أن يبدلوا تسمية العرب الأوائل فقالوا له: "قوس الغمام" و"قوس السحاب". ويقول ابن عباس ﵁: "لا تقولوا قوس قُزَح، فإن قزح من أسماء الشياطين. وقولوا (قوس الله) . وعلى هذا يجوز قول القائل: "ألقى قُزح قوسه" بإضافة القوس إلى ضميره، على أن الشيطان، أو المَلَكَ الموكل بالقوس قد ألقى (قوسه).
وأما الوجه الثاني والثالث فلا يجوز الفصل معهما البتة على إرادة (الاسم) الذي تعرفُ به هذه الطرائق المتقوّسة التي تبدو في السماء. فإن الحرفين على
стр. 62
حالتهما ينزلان منزلة الكلمة الواحدة إذ ذاك. وللقول في هذا مجال ليس هنا مكانه ولا أوانه.
ونحن نرى أن العقاد قد ذهب -وإن لم يرد ذلك- إلى الوجه الأول، وأن شعره يحمل على رأي جائز في العربية.
هذا، وقد ذهب الرافعيُّ نقد بيت العقاد إلى رأي أصحاب اللغة في امتناع الفصل بينهما، وأن الحرفين كالكلمة الواحدة على تتابعهما. وعلى ذلك لا يقال "ألقى (قُزح) قوسه" وأولى إذن ألا يقال إن (قُزَح) أدبر وانصرف، لأنه ليس بذاته يدُلّ على معنى، أو يقع اسمًا لشيء بعينه، فهو إذن لا يجوز عليه الإسنادُ إسناد الخبر أو الفعل كالإلقاء والإدبار والانصراف. فأين التلاعبُ في هذا الرأي باللفظ اللغويّ؟ ولو قد كان وقع في بعض كلام الرافعي فصل أحدهما عن الآخر لأمكن أن يقال إنه يتلاعب باللفظ، ولكن ذلك لم يكن. .!
وأما الأستاذ العقاد فقد نقد رواية قمبيز في سنة ١٩٣٢، وجعل من ملاحظاته أن هذه الرواية "لم تخلُ من مخالفة للنحو والصرف في القواعد المنصوص عليها"، وأتى في هذا الموضع من نقده بما خطأ فيه شوقي، وليس بخطأ.
يقول شوقي على لسان أحد المجان (ص ٣٢).
أَلقَدَحَا أَلْقَدَحا ... الخمر تنفي التَّرَحا
قصرًا أرى أم فَلَكا ... وشجرًا أم قُزحَا
ثم علق (شوقي) في الوجه (٣٢) نفسه فقال: "قالوا: إن قزح لا يفصل من قوس، ولكن الناظم لم ير بأسًا في فصله لسهولته وكفاية دلالته" انتهي. ونحن نجيز هذا في العربية ولا ننكره.
قال ذلك شوقي في التعليق، ثم جاء الأستاذ العقاد في كتابه (رواية قمبيز في الميزان) يقول ص ١٥ ". . . . ويقول (قُزَح) ولا تذكر قُزَح إلا مع قوس". وَبينٌ أن كلام الأستاذ العقاد ليس عربي العبارة، فإن أصحاب العربية منعوا (فصل) قُزَح من قوس، ولم يمنعوا (ذكر) قزح إلا مع قوس. والفرق بين اللفظين كبير. وبينٌ أيضًا أن هذا ليس نقدًا فإنه لم يأت بأكثر من تكرار ما ذكره شوقي في تعليقه،
стр. 63
وكان الوجه أن يبين فساد رأي (الناظم) إذ لم ير بأسًا في الفصل للعلة التي ذكرها.
ومع ذلك. . . . فقد كان نقد العقاد في يونية سنة ١٩٣٢، ولم تمض ستة أشهر أي في يناير سنة ١٩٣٣ حتى فصل العقاد نفسه بين (قزح) وقوس في شعره هذا! ! فلعل هذا أن يكون بالتلاعب بالألفاظ اللغوية أشبه، وبتصريف النقد على الهوى أمثل. وأما بيتا العقاد:
ألقى لهنَّ بقوسه ... قزحٌ وأدبر وانصرف
فلبسن من أسلابه ... شتى المطارف والطرف
فقد بنيا على ألفاظ يدفع بعضها بعضا عن معنى يولده -من لفظ (القوس) التي هي من آلات القتال. وكان سبيل التوليد هكذا: القوس من آلات القتال، واستعيرت للطرائق في السماء مضافة إلى (قُزَح)، فيكون ماذا لو أنشأ من لفظ هذا القوس صورة للقتال بين (قُزَح) وبين جميلات شاطئ استانلي؟ ويكون ماذا لو زعم أن الجميلات انتصرن على (قُزَح) صاحب القوس، فألقى سلاحه ثم أدبر وانصرف؟ ويكون ماذا لو جعل ألوان (قوس قزح) أسلابًا كأسلاب المحاربين في القتال ظفر بها الجميلاتُ بعد انهزام (قزح)؟ ويكون ماذا لو زعم أنهنَّ اتخذن هذه الألوان مطارف وطرفا يلبسنها ويتحلين بها؟ وهكذا
وهو توليد كما ترى، وتوليد من لفظ واحد. ونحن لا نرى بأسًا -وإن كنا لا نرتضيه- أن يأتي الشاعر بالمعاني مولدة من ألفاظ اللغة، فإن من بعض اللفظ في العربية لما يُضرم الفكر ويُؤرث المعاني ويستفزُّ الخيالَ إلى أعلى مراتبهِ. على أن هذا لا يتحقق إلا أن تستقيم الطريقة للفكرة، ويتراحب المجال للمعاني، ويسمو المدى بالخيال، على أن تصحَّ المقابلةُ بين معاني اللفظ وسائر الصور التي تتولد منه.
والمقابلة في هذا الشعر فاسدة باطلة. فهي مقابلة بين (قزح) وبين الجميلات على شاطئ استانلي، ثم بين الطرائق المقوسة ذات الألوان في السماء (القوس) وبين ما ترتديه الجميلات من مطارفهن. وكان حق المقابلة أن يكون (قزح) هذا
стр. 64
مشتهرًا بالجمال موصوفًا به، حتى إذا ما ذكر في معرض الكلام عن الحسان الجميلات تمت المقابلة بينه وبينهن. فإن لم يكن ذلك كذلك، فلا أقل من أن يكون في الشعر ما يدل على سبب (حالة الحرب) التي أنشبها الشاعر بين حسان شاطئ استانلي، وبين العم (قزح)، ثم ما كان من علة لإلقاء سلاحه ثم انهزامه وإدباره.
فأما إذ لم يكن (قزح) جميلًا، ولم يأت الشاعر بسياق جيد لهذا التوليد، فقد بطلت الأفعال التي أسندها إلى (قزح) من إلقاء قوس وإدبار وانصراف، وما أضافه إليه من الأسلاب، وصار كله لغوًا لا فن فيه. وهذا الضرب خاصة من ضروب الشعر الذي يتضمن التصوير والوصف لا يأتي جيده إلا على دقة الملاحظة، وتقدير النِّسب بين الألفاظ والمعاني والصور. فلو اقتصر الشاعر فجعل (قزح) يهدى إلى الحسان تحاسين قوسه، فاتخذن منها (شتى المطارف والطرف) لكان أجود وأقرب الى الإتقان. أما إعلان الحرب بينهما فليس جيدًا ولا براعة فيه كما رأيت.
وقد أجاد ابن الرومي -ويقال إنها لسيف الدولة- إذ يقول:
وقد نشرت أيدي الجنوب (مطارفًا) ... على الجو دُكنًا، والحواشي على الأرض
يطرّزُها (قوس السحاب) بأصفر ... على أحمر في أخضر وَسط مُبيض
كأذيال خوب أقبَلَت في غلائل ... مُصَبغة والبعض أقصر من بعض
وهو قريب جيد في الوصف
ونحن لا نذهب مع الأستاذ قطب فيما يتخير من اللفظ لوصف هذا الشعر وما فيه، بذكر (الطرافة) و (الدعابة) و (الخيال) و (الحيوية) و (معرض الجمال)، وما إلى ذلك من ألفاظ لو أقيم ضدها مكانها لقام، إذ كان لا يبين أسبابها ولا يوجه معانيها ولا يأتي كلامه في مثل ذلك إلا على طريقة صاحب كتاب
стр. 65
(الوشى المرقوم في حل المنظوم) إذ يقول: "أولا فَمَنْذا الذي يَغْفُل عن طرافة هذا "الخيال" الذي يتصور "قزحًا" ملقيًا بقوسه لهؤلاء الحسان. . . . إلخ".
وقد وضح الآن أن ليس في كلام الرافعي تلاعب بالألفاظ اللغوية، وأنه ليس في هذه الألفاظ ما يجعلها "تشع في الخيال صورًا طريفة"، وذلك لما ذكرنا من تخالف ألفاظها وتدافعها وبُعد صورها عن جودة التوليد، إذ كانت هذه الصور مولَّدة من اللفظ على غير نسق متصل أو طراز جميل.
ثم .. أتى الأستاذ قطب بالمثال الرابع فقال: "ويسمع العقاد صيحات الاستنكار لِلَهْوِ الشواطئ، وما تعرض من جمال، فيصيح صيحة الفنان الحي المعجب بالحيوية والجمال:
عيد الشباب، ولا كلا ... م، ولا ملام، ولا خَرف
فإذا الرافعي يقول: "إن غاية الغايات في إحسان الظن بأدب العقاد أن تقول إن في هذا البيت غلطة مطبعية، وأن صوابه:
عيد الشباب، فلا كلا ... م، ولا ملام، (بلا قرف)!
ثم يقول بعدُ إن هذا المثال يغنيه الرافعي عن الحديث فيه "فهو لم يزد على أن أورد البيت، ثم استغلق دون استيعاب ما يعبر عنه من روح الفنان الحي، الموكل بالجمال حيثما وجد، وكيفما كان، الهازئ بخرف التقاليد، وقيود العُرْف، ولم يجد ما يقوله إلا "بلا قرف" وهو قول لا تعليق لنا عليه".
ثم يعود فيقول: إن هذا يمثل هروب الرافعي "من مواجهة النقد الصحيح إلى المراوغة وكسب الموقف -في رأيه- بنكتة أو تهكم أو شتيمة".
وأنا لا أعجب لكلام الأستاذ سيد قطب، لأنه على طريقته في حل المنظوم، وإن أعجب فعجبي لصاحب "وحي الأربعين" كيف ارتضى أن يثبت البيت في قصيدته، وفي عقب هذه القطعة بالذات، وينتقل من الوصف والتأمل وإمتاع النظر، وإمداد الفكر بأسباب من الجمال، أو كما يقول الأستاذ قطب من الطرافة والدعابة والخيال والحيوية! إلى صيحة الاستنكار والتفزع بقوله: "فلا ملام
стр. 66
ولا كلام" (١) ثم الغضب الذي لا يتورع في قوله: "ولا خرف". إن هذا الانتقال ليس من منطق الفن ولا من نهجه وسبيله.
وما أظن الرافعي أراد أن ينقد البيت -لأنه ليس بسبيل مما يحسن أن يُنقد، وإنما وضعه هكذا للعقاد وهو يريد ما قلناه في كلمتنا الأولى مما جرَّته العداوة التي اضطرمت بينهما.
* * *
وبعد فقد قرأت كلمة الأستاذ الجليل المهذب سيد قطب في البريد الأدبي من العدد السالف من الرسالة، وقد أعلن فيها بعض رأيه فيما نكتب، وحكم بحكمه على ما قلناه، وحاول أن يتهكم، ووعظ وذكر. ونحن ندعه لما به عسى أن يرى يومًا غير هذا الرأي، وله الشكر أحسن أو أساء.
стр. 67
بين الرافعي والعقاد
- ٤ -
وبعد، فقد فرغنا في الكلمات السالفة من الحديث فيما هو "بين الرافعيّ والعقاد"، ممّا جاء في كلام الأستاذ الفاضل سيد قطب. ثم رأينا الأستاذ يبدأ ضربًا من القول هو إلى رأيه في كلام الرافعي وحده، ليس يدخله ذكر العقاد إلا قليلا. وقد كان بدء حديثنا محددًا بالرافعي والعقاد معًا. فنحن نرى أن عملنا قد انتهى إلى نهايته في هذا الغرض من القول، ولذلك، ليس يضيرنا الآن أن نسكت إلى حين يفرغ الأستاذ سيد قطب مَمَّا يسر الله له القول فيه مما يسميه نقدًا.
وأول ما يجب علينا أن نقوله للأستاذ الفاضل بعد الذي كتبناه أنه يسئ بنا الظن بلا دليل ولغير عِلة. يتزعم أن في حديثنا (غمزًا ولمزًا وتعريضًا به) وكذا وكذا، ونحن نكرم أنفسنا وقلوبنا وضمائرنا وألسنتنا عن هذا الضرب من القول، ولو أردناه لمضينا على عادتنا من التصريح دون التلويح، ولقلنا له من القول ما هو حق لا كذب فيه .. حق يدافع عن حقيقته بالبيان والحجة والوضوح، والأدب الذي يعفُّ عن دنيات المعاريض وسفاسف الأخلاق.
وليعلم الأستاذ قطب أني إذا أحببت لا أغلُو، ولا أتجاوز حد الحب الذي يصل القلب بالقلب، ويمد الروح بالروح، ويجعل النفس في فرح متصل بسببه، أو حزن آت بعلته، فهذا أخلق الحب أن يخلو من سوء العصبية، وفساد الهوى، وقبح الغرض. فلا يجدني أرفعُ الرافعي عن الخطأ، ولا أجله عن الضعف، ولا أنزهه عما هو في عمل كل إنسان حي ناطق يأمل ويتشهي. مما يسمى بأسمائه حين يعرض ذكره. وفي كل أحد ممن خلق الله على صورة (الإنسان) ضروبه من الشمائل والسجايا والأخلاق والآداب، ليس يطلع طلعها إلا الله -جل
стр. 68
جلاله-، ورب رجل صافٍ كنور الفجر يخبأ من ورائه مظلمة من سواد الليل.
ولقد عرفنا الرافعي زمنًا -طال أو قصر- فأحببناه ومنحناه من أنفسنا ومنحنا من ذات نفسه، ورضيناه أبًا وأخًا وصديقًا وأستاذًا ومؤدبًا، فلم نجده إلا عند حسن الظن به في كل أبوته وإخائه وصداقته وأستاذيته وتأديبه. ولقد مات الرافعي الكاتب الأديب وهو على عهدنا به إنسانًا نحبه ولا ننزهه، ثم جاء الأستاذ سيد قطب بحسن أدبه يقول في الرجل غير ما عهدناه. . . . يؤوّل كلامه ويأخذ منه ويدع ويتفلسف ويحلل ويزعم القدرة على التولج في طويات القلوب وغيب النفوس فيكشف أسرارها ويميط اللثام عما استودعن من خبيئاتها، ثم هو في ذلك لا يتورع ولا يحتاط، ولا يَرعى زمام الموت (١)، ولا يوجب حق الحي.
لقد كتب الأستاذ ما كتب، فقرأ كلامه من قرأ، أَفَيجدُ في هؤلاء من يقول له أصبتَ؟ ومن يقول له أحسنت؟ ومن يزعم أن ليس له مندوحة عما اتخذ من اللفظ في ذكر الرافعي وصفته والحديث عنه وعن أدبه وشعره؟ أما يجدر بالأستاذ الفاضل أن يعود إلى بيته هادئ النفس مخلى من حوافز الحياة الدنيا، فيقرأ ما كتب مرة أو مرتين. ثم يرى هذا الذي ترك الدنيا بالأمس وحيدًا، وخَلَّف من ورائه صغارًا وكبارًا من أبنائه وحفدته وأصحابه واللائذين به، ثم يراهم يقرأون ما يكتب عن أبيهم وجدهم وصاحبهم بالأمس، ثم يراهم والدمع يأخذهم بين الذكرى المؤلمة والألم البالغ! ولو فعل، لعرف كيف أخطأ ومن أين أساء، ولوجده لزامًا عليه أن يقدر عاطفة الحي، إن لم يعظِّم حرمة الموت، وهذا أمر لا نطيل القول فيه ولا نكثر من لوم الأستاذ عليه، فإن مرجعه إلى طبيعته وما تضمره نفسه، وإلى تقديره لعواطف الناس.
ومهما يكن من شيء، فسندع الأستاذ سيد قطب يقول ما يقول، ويذكر من رأيه في الرافعي ما يذكر، ويصف أدب الرجل وذهنه وقلبه ونفسه بما يوحى إليه،
стр. 69
لا نعقب على شيء منها حتى يفرغ، وحتى يستوفي مادته، ويضع بين أيدينا كل حججه في فن الرافعي. فيوم ينتهي نبدأ نحن القول في الذي قال. . . . لا نرد بذلك عليه قوله، أو نسدد له رأيه، فما لنا بذلك حاجة ولا لنا فيه مأرب، ولكنا نريد إذ ذاك أن نضع رأيه بمنزلة الرأي يقول به فئة من الناس، أو شبهة تحيك في صدر جماعة من الأدباء، فعلينا أن نبين مواضع الخطأ إذا أخطأ، ومكان الصواب إنْ أصاب، وذلك غاية ما نستطيع.
أما ما يوعدنا به الأستاذ الفاضل، وما يسخر به ويتهكم، وما يضمر لنا من (بقايا) كلماته! ! فليقل فيه ما شاء كما يشاء، وسنرده على قدره وفي حد طاقتنا وآدابنا، ولو اجتمع للأستاذ كل سلطان يستطيع به أن يسئ، فأساء إلينا بمثل الذي أساء به إلى الرافعي رحمة الله عليه، فنحن لا نزال -مع كل ذلك- نحترمه. . . . إذ ليس في طاقتنا أن نفعل شيئا إلا أن نحترمه كل الاحترام.
стр. 70
بين الرافعي والعقاد
- ٥ -
" تحرقك النار أن تراها، بله أن تصلاها"
منذ تسعمائة سنة قال الخفاجي حين ذكر البلاغة:
"لم أر أقل من العارفين بهذه الصناعة، والمطبوعين على (فهمها) و (نقدها) مع كثرة من (يدعي) ذلك، ويتحلى به، وينتسب إلى أهله، ويماري أصحابه في المجالس، ويجاري أربابه في المحافل. وقد كنت (أظن) أن هذا شيء مقصور على (زماننا) اليوم، ومعروف في (بلادنا) هذه، حتى وجدت هذا (الداء) قد أعيا أبا القاسم الحسن بن بشر الآمدي، وأبا عثمان عمرو بن بحر الجاحظ قبله وأشكالهما حتى ذكراه في كتبهما، فعلمت أن (العادة به جارية)، و (الرزية فيه قديمة). ولما ذكرته رجوت الانتفاع به من هذا الكتاب، أملت وقوع الفائدة به، إذ كان (النقص) فيما أبنته شاملًا، و (الجهل) به عامًّا، والعارفون به قُرحة الأدهم (١) بالإضافة إلى غيرهم، والنسبة إلى سواهم".
* * *
ومع ذلك. . . فالأستاذ سيد قطب أحد (الأخصائيين! ! ) في اللغة التي نعبر بها.
عاد الأستاذ الفاضل سيد قطب بحديثه عن الرافعي، ثم عقب عليه بالحديث عني وعما كتبت في الكلمات السالفة. وكنت عزمت أن أدعه حتى يشفى ذات صدره من الرافعيّ ومني؛ وكنت أجمعت الرأي على أمر، ثم هأنذا أتحلل من عزيمتي. . . ومرة أخرى أقول كما قلت في الكلمة الأولى: إني سأتولج فيما لا أحب. . لا كرامة للأستاذ أو استجابة لدعائه بل لميط الأذى. . . . بل لميط الأذى حسبُ.
стр. 71
ولقد علم من لم يكن يعلم أني كتبت ما سلف هادئًا لا أهاجم، إلا أن أترفق وأستأنى وأتصبر على كلام ينفد معه صبر الحليم. . . . وأنا وإن كنت لا أبالي بشيء مما يصف الأستاذ الكامل به كلامي فأنا لازلت أحفظ للقراء عهدهم قِبَلَ الكتَّاب، فلا أدع القارئ عُرضَة لرجل يفهم القول الرفيع بالفهم الوضيع، ولا لرجل يسيء القول في الناس ويأبى عليهم أن يقولوا له أسأت فأجمِل. ولا لرجل يرى الظل ممدودًا له -زمن القيظ- فيتجنبه إلى وقدة الشمس. . .
فهكذا أبى الأستاذ أن يأوى إلى مأوى يقيه، وتجرد يختال علينا، ويقتال (١) إلى نفسه جريرة شر. وما ظني برجل يصف الرافعي بألفاظ ملفقة، وهي على ذلك بينة الدلالة على قبح الغرض، سافرة عن شُنْعَة الإساءة، قليلة التذمم في حق الأحياء بَلْهَ الأموات ممن لم تجف عن قبورهم بعدُ دموع أزواجهم وأطفالهم وذراريهم ومن يَمُتون إليهم بالحب والمودة والإخاء؟
وما ظني وظنك وإنسان قد حُمِّل القلم ليستملى، فيتنزل عليه القول من بغضاء مربدة باغية لا تتقي سوء المقال ولا مأثور الكلام؟
وما ظني وظنك بفهم يتعالى على سلاليم من القوارص والقواذع، لا تجد لها في الذي تعرف سببًا قديمًا أو علة محدثة تسوِّغ الأذى أو تحمل عليه؟
ما ظني وظنك بهذا الرجل الذي نترفق به ونستر (نفسه ودافعها في الحياة) بالإشارة اللطيفة، فيأبى إلا أن يترجم القول إلى غير معناه. . . . إذ يسمى ما كتبت له (شتائم). . . . شتائم .. ! أنف في السماء. . . . أأنا يدور في نفسي أن أكتب للأستاذ الفاضل ما يسمى (شتائم)؟ لأنا يا سيدي الأستاذ قطب أحسن ظنًّا بك من هذا. ولقد قلتُ ما قلتُ من أن الناس كانوا يتعايشون بالدين والتقوى ثم رُفِع ذلك -كما قال الشعبيّ- فتعايشوا بالتذمم والحياء؛ ثم رفع ذلك، ثم تعايشوا بالرغبة والرهبة، ثم رفع ذلك، وجاء زمان يتعايش الناس فيه (بثلب الموتى). . . . وهو زماننا هذا. ولو قد كنت (أخصائيًّا! ) في اللغة التي يعبر بها لما زعمت أنى (رحت أتهمك بمجانبة الدين والتقوى، والحياء والتذمم) فأنا لم أقصد إلى
стр. 72
ذلك، فهو أمر قد فرغ من الحكم فيه صاحبنا الشعبيّ. وما كان قصدي إلا أن الذي كتبت أنت عن الرافعي الذي مات وسكت، والعقاد الذي بقى يتكلم، بل عنهما معًا في قران واحد، هو ثَلب للموتى وزُلفى للأحياء. وحق لي أن أقول ذلك فقد جمعتَ بين الرجلين، فوضعتَ الميت موضعًا لا يتنزل إليه حيٌّ في الضعة، ورفعت الحي مكانًا لا يسمو إليه أحد في الرفعة، وضربت الكلام من هنا ومن هنا حتى استبان الغرض ..
أيريد (الأخصائي! ) الفاضل أن نبين له موضع الإشارة في كلامنا هذا. . . .؟ إذن فليسمع.
حين قرأت الكلمة الأولى من حديثه في الرسالة، لم أشك ساعة أنه يختدع القارئ عن نفسه يبتغي أن يُفهمه أنه يريد النقد، والنقد حسب، ولا شيء غير النقد! وألح في ذلك إلحاح الظنين (١) في الإكثار مما ينفي الظِّنُّة عنه، غافلا عن أن تكلف نفي التهمة بالإلحاح يثير الشك ويوقظ الريبة في نفس من أراد الله له الخير. . . . ثم يشرع الأستاذ (الأخصائي في اللغة التي نعبر بها) يأتي بالشواهد من كلام الرافعي في نقد (وحي الأربعين للعقاد) ليثبت صدق ما ذهب إليه من الآراء في الرافعي. كان يشك في "إنسانية" الرافعي، ويزعم أنه خواء من النفس.
ثم قرأ ما كتب الأستاذ سعيد العريان فعدّل حكمه قليلا! ولم يعد يستشعر البغض والكراهية للرجل وأدبه، ولكن بقى الأساس سليما. . . . فما هو؟
كان ينكر على الرافعي "الإنسانية" فأصبح ينكر عليه "الطبع".
وكان لا يجد عنده "الأدب الفني" فأصبح لا يجد عنده "الأدب النفسي".
وكان الرافعي ذكيًّا قوي الذهن، ولكنه مغلق من ناحية الطبع والأريحية.
والرافعي أديب الذهن الوضاء، والذكاء اللماع!
والرافعي مغلق القلب متفتح العقل وحده للفتات والومضات. وهذا في المقالة الأولى، ثم نزل درجة بالرافعي في الكلمة التانية، ثم لم يكد يرمي الثالثة حتى زعم أنه حين عاد بعد ذلك فقرأ رسائل الأحزان أحس أنه (خُدع! ) في
стр. 73
قياس ذكاء الرافعي! ومعرفة طبيعته ودرجته! ولكنه يحس الغضاضة في هذا التراجع فيعزّيه "الصدق"! الذي يعبر عنه حين ينصت لإحساسه ويصور حقيقة رأيه. . . . وتأويل ذلك عنده في مقاله الثالث أنه أخطأ في عدم! تحديد (الذهن). . . . فمن الذهن ما هو سليم أو مريض، وما هو مشرق أو خابٍ، وما هو متفتح أو مغلق، (أو كما قال). . .
لقد قال في الكلمة الأولى ما رأيت، ثم قال في الثالثة ما رأيت من تراجعه، ولقد كان هذا التراجع في الثالثة مطويًّا تحت الكلمات في الأولى وفهمناه وأدركناه، وكان آخر الرأيين هو الغرض الذي يسعى إليه. وإلا فما أظن أحدًا يستطيع أن يعقل أن (ناقدًا) قد فرض على نفسه النقد -أي التتبع والاستيعاب وصدق النظر- يصف رجلا "بالذهن الوضاء" "والذكاء اللماع" والقوة في الذهن، والتفتح في العقل، ثم لا تمضي عشرة أيام. . . . فيقرأ أحد كتب هذا الرجل، فيعود يقول في صفته إن ذهنه مريض غير سليم، "خاب غير مشرق"، "مغلق غير متفتح".
أيريد الأستاذ (الأخصائي في اللغة التي نعبر بها) بيانًا هو أوضح من هذا على سوء غرضِه .. ؟ الناقد رجل عَدل مُنصِف لا يزال يتتبع شوارد اللفظ، وأوابد المعاني يستنبئها أخبار أصحابها ويستنبط من قلوبها أسرار كتابها، ويكشف عنها خبيئة قائليها .. ، ثم يحكم مميزًا مقدرا لا يجورُ فيتجاوز الغاية، ولا يحيف فيقعُ دون المدى. وقد حكم هذا (الأخصائيُّ! ! ) في كلمته الأولى حكمه الأول حين (استطاع أن يكون ناقدًا، لا يكتفي بالتذوق والاستحسان أو الاستهجان، ولكن يعلل ما يحس ويحلّله)! ! كما قال في بدء كلامه.
أو ليس يقتضي هذا -على الأقل- أن يكون قرأ كل ما طُبع من كتب الرافعي دون ما تفرق من كلامه في الجرائد والمجلات على كثرتها .. ؟ بلى.
أو ليس يقتضي هذا -على الأقل أيضًا (أن يكون حين حُكمه قد استردَّ شتات ما بقى في نفسه من آثار كلام الرافعي فيها؟ قالوا بلى.
أو ليس يقتضي حق النقد والحكم -على الأقل أيضًا- ألا يصفَ الرافعي بالذكاء اللماع، والذهن الوضاء. . . . وهذا الكلام المفخم -إلا أن يكون ذلك من آثار ما قرأ له من شيء. . . .؟ قالوا بلى.
стр. 74
إذن فكيف -في عشرة أيام يا سيدي- يستطيع كتاب واحد للرافعي هو "رسائل الأحزان" أن يقلب -هذا (الأخصائي في اللغة التي نعبر بها)، وهذا الذي (استطاع! ! أن يكون ناقدا) -رأسا على عقب، فلا يكتفي بسلب النعوت المفخمة (كالوضاءِ واللماع والمتفتِّح) فيترك الذهن هكذا مجردا، بل يضع مكانها أضدادها فيجعله ذهنا (مريضًا خابيًا غير لمّاع ولا وضاء، مغلقًا غير متفتح".
هآه. . . . إني لأشك كل الشك في براءة الأستاذ مما غاظه من كلمتي الأولى مما سماه (شتائم). ولقد شهدت مرة أخرى "أن ما بالأستاذ قطب النقد، ولا به الأدب، ولا به تقدير أدب العقاد وشعره، فما هو إلا الإنسان وجه يكشفه النور ويشف عما به، وباطن قد انطوى على ظلمائه فما ينفذ إلى غيبه إلا علم الله". ولا زلت أقول له: "إنه لو عاد إلى داره مخلى من حوافز الحياة الدنيا" فقرأ ما كتب قراءة الناقد لوجد الاختلاط في لفظه بينًا، والغرض من ورائها متكشفًا. ولو شئنا أن نقول لقلنا فلم نكذب: إن كلامه لمشترك بين ضربين من العقل أحدهما ظاهره نعرفه ولا ننكره لأنه مما عهدناه زمانًا، والآخر ظاهر أيضًا. . . نعرفه وننكره، لأنه مما استحدث الرافعي رحمة الله عليه.
وأما الأديب الكبير! الّذي لقى الأستاذ (الأخصائي في اللغة التي نعبر بها) فضرب لنا الأمثال "بالجماعة الذين يجلسون في المأتم ويرجمون الناس بالحجارة. فإذا رجمهم الناس صاحوا وولولوا، وملأوا الدنيا تسخطًا ونعيًا على الأخلاق، لأن الناس لا يقدرون حرمة المأتم، وهم الذين استهانوا بهذه الحرمة حينما رجموا المارة". فإن شاء أن يختفي في ألفاظ الأستاذ (الأخصائي! ) فهو عتيق جُبنه، وإن شاء أن يظهر من ورائه فسيرى كيف عرفناه من لفظه ومن أمثاله.
وأيما كان. . . . فالمثل فاسد من وجوهه كلها. . . . فإن الأستاذ سعيد حين كتب لم يرجم أحدًا، وإنما كتب تاريخًا، وحين قال إن رد العقاد على الرافعي سباب وشتائم، فهو لم يكن إلا كذلك، ولا يمكن أن يقال فيه إلا ذلك. . . . إذ ليس فيه شيء مما يسوغ أن يعد ردًّا أو نقدًا. . . . حتى ولا على طريقة الأستاذ (الأخصائي! ) في حل المنظوم ووصفه بالدعابة والطرافة والحيوية. . . وما إلى ذلك من اللفظ الذي لا يتخذه ناقد إلا بعد الإبانة عن محجته وسبيله. أو كما قال
стр. 75
الأستاذ (الأخصائي! ) في كلمته الأولى "في الناقد الذي لا يكتفي بالتذوق والاستحسان والاستهجان، ولكن يعلل! ما يحس ويحلله".
ومع ذلك فهل يرى أحد أن (حل المنظوم) في ألفاظ ملفقة مذيلة، ثم نعته بالطرافة والحيوية. . . . إلخ، هو التعليل والتحليل الذي يتخذه النقاد أسلوبًا لهم؟ .
ومع ذلك أيضًا. . . . فلو فرض أن "سعيدًا" رجم المارة، والمارة ههنا هم الأستاذ العقاد وحده، فلم تطفل الأستاذ (الأخصائي) فقاذف الأستاذ العريان؟ ولِمَ لَم يدع ذلك للمرجوم نفسه. . .؟
ثم وراء ذلك كله. . . . تطفل (الأستاذ الأخصائي! ) للقذف والرجم، فلِمَ لَم يخص سعيدًا وحده دون أصدقاء الرافعي وأصحابه يتحداهم ويتناولهم بالأذى غير متذمم. . . . كأن أصدقاء الرافعي وأصحابه هم الذين كتبوا لسعيد ما كتب! !
* * *
وبعد فهذه كلمة كتبناها لنقرر حقيقة واحدة هي أن الأستاذ (الأخصائي في اللغة التي نعبر بها)، كان في أول حديثه عني -حين انتهى من حديث الرافعي- يضطرب ويؤخذ ويتناوح كأنه قصبة مرضوضة معلقة على عود هش قد يبس. . . أريد أن أقول بلفظ آخر إنه كان يضطرب لأن حججه التي يتعلق بها حجج فاسدة، وإن أصل كلامه عن الرافعي خائر يتصدع، وإن فكره في الذي كتب لم يستقر على شيء صحيح لا يختلف عليه.
وسيرى فيما يستقبل (١) من كلامنا أنه قد عجز كل العجز عن الإتيان بشئ يمكن أن يسمى نقدًا. وسيرى أيضًا أن النقد الذي نأخذ أنفسنا به لا يجور على العقاد، ولا يميل بنا إلى الرافعي. ويكفيه مما مضى في كلامنا وكلامه أن يعلم أنه نزه العقاد ورفعه أرفع درجة، وأننا لم ننزه الرافعي ولم نقل فيه بعض ما يقول هو في الشاعر الكبير صاحبه.