ولقد علم من لم يكن يعلم أني كتبت ما سلف هادئًا لا أهاجم، إلا أن أترفق وأستأنى وأتصبر على كلام ينفد معه صبر الحليم. . . . وأنا وإن كنت لا أبالي بشيء مما يصف الأستاذ الكامل به كلامي فأنا لازلت أحفظ للقراء عهدهم قِبَلَ الكتَّاب، فلا أدع القارئ عُرضَة لرجل يفهم القول الرفيع بالفهم الوضيع، ولا لرجل يسيء القول في الناس ويأبى عليهم أن يقولوا له أسأت فأجمِل. ولا لرجل يرى الظل ممدودًا له -زمن القيظ- فيتجنبه إلى وقدة الشمس. . .
فهكذا أبى الأستاذ أن يأوى إلى مأوى يقيه، وتجرد يختال علينا، ويقتال (١) إلى نفسه جريرة شر. وما ظني برجل يصف الرافعي بألفاظ ملفقة، وهي على ذلك بينة الدلالة على قبح الغرض، سافرة عن شُنْعَة الإساءة، قليلة التذمم في حق الأحياء بَلْهَ الأموات ممن لم تجف عن قبورهم بعدُ دموع أزواجهم وأطفالهم وذراريهم ومن يَمُتون إليهم بالحب والمودة والإخاء؟
وما ظني وظنك وإنسان قد حُمِّل القلم ليستملى، فيتنزل عليه القول من بغضاء مربدة باغية لا تتقي سوء المقال ولا مأثور الكلام؟
وما ظني وظنك بفهم يتعالى على سلاليم من القوارص والقواذع، لا تجد لها في الذي تعرف سببًا قديمًا أو علة محدثة تسوِّغ الأذى أو تحمل عليه؟
ما ظني وظنك بهذا الرجل الذي نترفق به ونستر (نفسه ودافعها في الحياة) بالإشارة اللطيفة، فيأبى إلا أن يترجم القول إلى غير معناه. . . . إذ يسمى ما كتبت له (شتائم). . . . شتائم .. ! أنف في السماء. . . . أأنا يدور في نفسي أن أكتب للأستاذ الفاضل ما يسمى (شتائم)؟ لأنا يا سيدي الأستاذ قطب أحسن ظنًّا بك من هذا. ولقد قلتُ ما قلتُ من أن الناس كانوا يتعايشون بالدين والتقوى ثم رُفِع ذلك -كما قال الشعبيّ- فتعايشوا بالتذمم والحياء؛ ثم رفع ذلك، ثم تعايشوا بالرغبة والرهبة، ثم رفع ذلك، وجاء زمان يتعايش الناس فيه (بثلب الموتى). . . . وهو زماننا هذا. ولو قد كنت (أخصائيًّا! ) في اللغة التي يعبر بها لما زعمت أنى (رحت أتهمك بمجانبة الدين والتقوى، والحياء والتذمم) فأنا لم أقصد إلى
стр. 72
ذلك، فهو أمر قد فرغ من الحكم فيه صاحبنا الشعبيّ. وما كان قصدي إلا أن الذي كتبت أنت عن الرافعي الذي مات وسكت، والعقاد الذي بقى يتكلم، بل عنهما معًا في قران واحد، هو ثَلب للموتى وزُلفى للأحياء. وحق لي أن أقول ذلك فقد جمعتَ بين الرجلين، فوضعتَ الميت موضعًا لا يتنزل إليه حيٌّ في الضعة، ورفعت الحي مكانًا لا يسمو إليه أحد في الرفعة، وضربت الكلام من هنا ومن هنا حتى استبان الغرض ..
أيريد (الأخصائي! ) الفاضل أن نبين له موضع الإشارة في كلامنا هذا. . . .؟ إذن فليسمع.
حين قرأت الكلمة الأولى من حديثه في الرسالة، لم أشك ساعة أنه يختدع القارئ عن نفسه يبتغي أن يُفهمه أنه يريد النقد، والنقد حسب، ولا شيء غير النقد! وألح في ذلك إلحاح الظنين (١) في الإكثار مما ينفي الظِّنُّة عنه، غافلا عن أن تكلف نفي التهمة بالإلحاح يثير الشك ويوقظ الريبة في نفس من أراد الله له الخير. . . . ثم يشرع الأستاذ (الأخصائي في اللغة التي نعبر بها) يأتي بالشواهد من كلام الرافعي في نقد (وحي الأربعين للعقاد) ليثبت صدق ما ذهب إليه من الآراء في الرافعي. كان يشك في "إنسانية" الرافعي، ويزعم أنه خواء من النفس.
ثم قرأ ما كتب الأستاذ سعيد العريان فعدّل حكمه قليلا! ولم يعد يستشعر البغض والكراهية للرجل وأدبه، ولكن بقى الأساس سليما. . . . فما هو؟
كان ينكر على الرافعي "الإنسانية" فأصبح ينكر عليه "الطبع".
وكان لا يجد عنده "الأدب الفني" فأصبح لا يجد عنده "الأدب النفسي".
وكان الرافعي ذكيًّا قوي الذهن، ولكنه مغلق من ناحية الطبع والأريحية.
والرافعي أديب الذهن الوضاء، والذكاء اللماع!
والرافعي مغلق القلب متفتح العقل وحده للفتات والومضات. وهذا في المقالة الأولى، ثم نزل درجة بالرافعي في الكلمة التانية، ثم لم يكد يرمي الثالثة حتى زعم أنه حين عاد بعد ذلك فقرأ رسائل الأحزان أحس أنه (خُدع! ) في
стр. 73
قياس ذكاء الرافعي! ومعرفة طبيعته ودرجته! ولكنه يحس الغضاضة في هذا التراجع فيعزّيه "الصدق"! الذي يعبر عنه حين ينصت لإحساسه ويصور حقيقة رأيه. . . . وتأويل ذلك عنده في مقاله الثالث أنه أخطأ في عدم! تحديد (الذهن). . . . فمن الذهن ما هو سليم أو مريض، وما هو مشرق أو خابٍ، وما هو متفتح أو مغلق، (أو كما قال). . .
لقد قال في الكلمة الأولى ما رأيت، ثم قال في الثالثة ما رأيت من تراجعه، ولقد كان هذا التراجع في الثالثة مطويًّا تحت الكلمات في الأولى وفهمناه وأدركناه، وكان آخر الرأيين هو الغرض الذي يسعى إليه. وإلا فما أظن أحدًا يستطيع أن يعقل أن (ناقدًا) قد فرض على نفسه النقد -أي التتبع والاستيعاب وصدق النظر- يصف رجلا "بالذهن الوضاء" "والذكاء اللماع" والقوة في الذهن، والتفتح في العقل، ثم لا تمضي عشرة أيام. . . . فيقرأ أحد كتب هذا الرجل، فيعود يقول في صفته إن ذهنه مريض غير سليم، "خاب غير مشرق"، "مغلق غير متفتح".
أيريد الأستاذ (الأخصائي في اللغة التي نعبر بها) بيانًا هو أوضح من هذا على سوء غرضِه .. ؟ الناقد رجل عَدل مُنصِف لا يزال يتتبع شوارد اللفظ، وأوابد المعاني يستنبئها أخبار أصحابها ويستنبط من قلوبها أسرار كتابها، ويكشف عنها خبيئة قائليها .. ، ثم يحكم مميزًا مقدرا لا يجورُ فيتجاوز الغاية، ولا يحيف فيقعُ دون المدى. وقد حكم هذا (الأخصائيُّ! ! ) في كلمته الأولى حكمه الأول حين (استطاع أن يكون ناقدًا، لا يكتفي بالتذوق والاستحسان أو الاستهجان، ولكن يعلل ما يحس ويحلّله)! ! كما قال في بدء كلامه.
أو ليس يقتضي هذا -على الأقل- أن يكون قرأ كل ما طُبع من كتب الرافعي دون ما تفرق من كلامه في الجرائد والمجلات على كثرتها .. ؟ بلى.
أو ليس يقتضي هذا -على الأقل أيضًا (أن يكون حين حُكمه قد استردَّ شتات ما بقى في نفسه من آثار كلام الرافعي فيها؟ قالوا بلى.
أو ليس يقتضي حق النقد والحكم -على الأقل أيضًا- ألا يصفَ الرافعي بالذكاء اللماع، والذهن الوضاء. . . . وهذا الكلام المفخم -إلا أن يكون ذلك من آثار ما قرأ له من شيء. . . .؟ قالوا بلى.
стр. 74
إذن فكيف -في عشرة أيام يا سيدي- يستطيع كتاب واحد للرافعي هو "رسائل الأحزان" أن يقلب -هذا (الأخصائي في اللغة التي نعبر بها)، وهذا الذي (استطاع! ! أن يكون ناقدا) -رأسا على عقب، فلا يكتفي بسلب النعوت المفخمة (كالوضاءِ واللماع والمتفتِّح) فيترك الذهن هكذا مجردا، بل يضع مكانها أضدادها فيجعله ذهنا (مريضًا خابيًا غير لمّاع ولا وضاء، مغلقًا غير متفتح".
هآه. . . . إني لأشك كل الشك في براءة الأستاذ مما غاظه من كلمتي الأولى مما سماه (شتائم). ولقد شهدت مرة أخرى "أن ما بالأستاذ قطب النقد، ولا به الأدب، ولا به تقدير أدب العقاد وشعره، فما هو إلا الإنسان وجه يكشفه النور ويشف عما به، وباطن قد انطوى على ظلمائه فما ينفذ إلى غيبه إلا علم الله". ولا زلت أقول له: "إنه لو عاد إلى داره مخلى من حوافز الحياة الدنيا" فقرأ ما كتب قراءة الناقد لوجد الاختلاط في لفظه بينًا، والغرض من ورائها متكشفًا. ولو شئنا أن نقول لقلنا فلم نكذب: إن كلامه لمشترك بين ضربين من العقل أحدهما ظاهره نعرفه ولا ننكره لأنه مما عهدناه زمانًا، والآخر ظاهر أيضًا. . . نعرفه وننكره، لأنه مما استحدث الرافعي رحمة الله عليه.
وأما الأديب الكبير! الّذي لقى الأستاذ (الأخصائي في اللغة التي نعبر بها) فضرب لنا الأمثال "بالجماعة الذين يجلسون في المأتم ويرجمون الناس بالحجارة. فإذا رجمهم الناس صاحوا وولولوا، وملأوا الدنيا تسخطًا ونعيًا على الأخلاق، لأن الناس لا يقدرون حرمة المأتم، وهم الذين استهانوا بهذه الحرمة حينما رجموا المارة". فإن شاء أن يختفي في ألفاظ الأستاذ (الأخصائي! ) فهو عتيق جُبنه، وإن شاء أن يظهر من ورائه فسيرى كيف عرفناه من لفظه ومن أمثاله.
وأيما كان. . . . فالمثل فاسد من وجوهه كلها. . . . فإن الأستاذ سعيد حين كتب لم يرجم أحدًا، وإنما كتب تاريخًا، وحين قال إن رد العقاد على الرافعي سباب وشتائم، فهو لم يكن إلا كذلك، ولا يمكن أن يقال فيه إلا ذلك. . . . إذ ليس فيه شيء مما يسوغ أن يعد ردًّا أو نقدًا. . . . حتى ولا على طريقة الأستاذ (الأخصائي! ) في حل المنظوم ووصفه بالدعابة والطرافة والحيوية. . . وما إلى ذلك من اللفظ الذي لا يتخذه ناقد إلا بعد الإبانة عن محجته وسبيله. أو كما قال
стр. 75
الأستاذ (الأخصائي! ) في كلمته الأولى "في الناقد الذي لا يكتفي بالتذوق والاستحسان والاستهجان، ولكن يعلل! ما يحس ويحلله".
ومع ذلك فهل يرى أحد أن (حل المنظوم) في ألفاظ ملفقة مذيلة، ثم نعته بالطرافة والحيوية. . . . إلخ، هو التعليل والتحليل الذي يتخذه النقاد أسلوبًا لهم؟ .
ومع ذلك أيضًا. . . . فلو فرض أن "سعيدًا" رجم المارة، والمارة ههنا هم الأستاذ العقاد وحده، فلم تطفل الأستاذ (الأخصائي) فقاذف الأستاذ العريان؟ ولِمَ لَم يدع ذلك للمرجوم نفسه. . .؟
ثم وراء ذلك كله. . . . تطفل (الأستاذ الأخصائي! ) للقذف والرجم، فلِمَ لَم يخص سعيدًا وحده دون أصدقاء الرافعي وأصحابه يتحداهم ويتناولهم بالأذى غير متذمم. . . . كأن أصدقاء الرافعي وأصحابه هم الذين كتبوا لسعيد ما كتب! !
* * *
وبعد فهذه كلمة كتبناها لنقرر حقيقة واحدة هي أن الأستاذ (الأخصائي في اللغة التي نعبر بها)، كان في أول حديثه عني -حين انتهى من حديث الرافعي- يضطرب ويؤخذ ويتناوح كأنه قصبة مرضوضة معلقة على عود هش قد يبس. . . أريد أن أقول بلفظ آخر إنه كان يضطرب لأن حججه التي يتعلق بها حجج فاسدة، وإن أصل كلامه عن الرافعي خائر يتصدع، وإن فكره في الذي كتب لم يستقر على شيء صحيح لا يختلف عليه.
وسيرى فيما يستقبل (١) من كلامنا أنه قد عجز كل العجز عن الإتيان بشئ يمكن أن يسمى نقدًا. وسيرى أيضًا أن النقد الذي نأخذ أنفسنا به لا يجور على العقاد، ولا يميل بنا إلى الرافعي. ويكفيه مما مضى في كلامنا وكلامه أن يعلم أنه نزه العقاد ورفعه أرفع درجة، وأننا لم ننزه الرافعي ولم نقل فيه بعض ما يقول هو في الشاعر الكبير صاحبه.
стр. 76
من صاحب العصور إلى صاحب الرسالة
أخي الأستاذ الزيات:
السلام عليك ورحمة الله، وبعد فإني أحمد الله إليك وأستعينه وأسأله لك التوفيق والسَّداد. أبيتَ أيها الرجل إلّا كرمًا من جميع نواحيك، فما كدتَ تستقبل العام السابع من عمر "الرسالة" حتى عدت عليّ بفضل من ثنائك وحسن ظنك، فذكرت "العصور" ثم أثنيت فأغنيت.
لقد وافتني كلمتك، وأنا بعدُ أنفض عن يديّ غبار "العصور" وأتخفف من أثقالها التي حملتها راضيا غير كاره، لأنقلب إلى هذه الغرف العزيزة التي نشأت في حجور الشيوخ من سكانها أستخبرهم علم ما أجهل، وأستنبئهم أخبار ما مضى، لأستوحِيَ الظن فيما يستقبل، وأجدّد بعاديِّ (١) قوتهم قوة النفس التي لا تهدأ ولا تنام.
لابد من كلمة -أيها الشيخ الجليل- وقد كان الصمت أولى بي وأحبّ إليّ. لابدّ من كلمة أعتذر بها للذين استقبلوني بفرحة المحبّ أمتع باللقاء على غير ميعاد. فأنت تعلم أني يوم عزمت على إصدار "العصور" لم أكن قد أعددت لها من مال إلا ما ادخرته في نفسي من جهد أعوام طالت في معاناة العلم والأدب، وبقية من خلق ضننت بها أن تذيع في أطرافها ونواحيها مهزعات العصر الحديث التي صرّفت الأخلاق في وجوه الغي والضلال، وأطلقت دنيَّات الغرائز من عقال الشرائع، وأرسلتها ترعى حمى أبى الله ورسوله أن يكون مرعى لمن آمن بالله واليوم الآخر.
ولكن لابد من مال مَشكوك معترف به، مصدّق على الاعتراف به من "محافظ البنك الأهلي"، وإن قليل ما عندي من هذا المال لا يغني غناءه في
стр. 77
عمل أوّلُه استهلاكٌ بغير نتاج وأنت أخبر بهذا الأمر. فلم يبق إلا الصديق الذي يعين على نوائب الحق. . . . فبدأنا إصدار "العصور" يَعُولها الجِدُّ من قِبَلي، والعون من قبل الأصدقاء الكُتاب من أصحاب مذهبنا، والمَدَد من "جيب" الصديق الذي أبدى بشاشته، واستظهرها بعاجل البر، وسِرنا على اسم الله. فما كان إلا كلا ولا (١) حتى قلت كما قال الأول:
سعتْ نُوَب الأيام بيني وبينهُ ... فأقلعن مِنَّا عن ظلوم وصارخ
فإني وإعدادي لدهري "محمدًا" ... كملتمس إطفاء نار بنافخ
وأبيتُ أن أخفض عن نفسي أو أرُدّ غُلَواءَها، فرددتُ المالَ إلى صاحبه غير منقوص ولا مُهْتَضَم. وقلتُ إنّ أمرًا قضاهُ الله لابُدّ له من تمامٍ وأجل، وما شاءَ الله كان وما لم يشأ لم يكنْ. وخيرُ الأمر أن ألجأ إلى الله ثم أستعين بما عندي على قضاءِ الحق الذي يقتضيه ما أقررت به على نفسي، وما أقررتها عليه في كلمة العدد الأول من "العصور". فلم أبخل ولم أتراجع، وأقدمتُ على إصدار العدد الثاني مستبشرًا مؤملًا راجيًا معتمدًا على ثقتي بالله، ثم ثقتي بحسنِ التقدير الذي لقيته. فلم يلبث أن لقَى العدد الثاني من "العصور" حفاوة الناس في كثير من بلاد العربية، ولكن هذه الحفاوة المستبينة في بيع مجلة -تكاليفها أكثر من دخلها بهذا البيع- لا يمكن أن تكونَ هي الرُّقية التي تجذب إليَّ رقاب المال من كهوف "البنك" فأحويها وأروضها وأتصرَّف فيها تصرُّف الناس فيما هُم به "ناس"! !
وقلت: عسى أن يقضي الله لأمرٍ ضاق بالفرج، وتوجهت بقلبي إلى الله، وبوجهي إلى من أتوسم فيه سمة "الخزانة" المُعَدَّة لاحتِجان المال (٢). ولكني وجدت القفل بعد القفل على الخزانة، وافتقدت المفتاح الذي يتسنى له كل مُغْلَق. إن هذا المفتاح ليس عندي، ولستُ أملكه، وما أحسبنى أرتضى -بعد أن جربت- أن أملكه أو أَحوزه. إنه لا يملكه إلا من قدّم رهينةً، والخُلُق
стр. 78
لا يُعترف به في باب الرهائن، ولست أملكُ غيره، فلا رهينةَ، أي لا قَرضَ ولا معونة. وإنه لا يملك المفتاح بعدُ إلا اللص الذي يلين له ما أُعْضِل من قُفْل غَلِق وأنا بحمد الله لم أُخْلَق على طبيعة السارق بل سُويت على هيأة المسروق، كلّ من شاء أن يأكلني أكلني؛ قد رضيتُ أن أحوطَ جوهري بالعَرَضِ المُضيَّع.
ومع ذلك فقد أعددت العدد الثالث للطَّبْع، وتصرَّفتُ في وجوه التدبير، ثم وُفّقت إلى من أرضى عنه ويرضى عني. . . . ولكن أبى خُلُق الدُّنيا معي أن يتم جميل تستودعنيه، أو معروف تربّبه عندي. فرجعت عَودي على بدئي راضيًا عن الله شاكرًا لله واثقا بالله، أستعينه وأستحفظه، وأشكره ولا أكفره.
لا أقول الله يظلمني ... كيف أشكو غير مُتَّهم
وأنا لا أزال أقول: يَصنَعُ الله، يصنَعُ الله، إن لله تدبيرًا يصرّفنا به كيف شاء إلى مواقع علمه ومنازل حكمته. وأنا مذ كنت، كنت مطية القدر حيثما وجهني استقبلتُ المضيقَ والطريقَ بنَفس مسلمةٍ وجهها لله، بأن الزّمامَ في يد الله.
فإن تسأليني، كيف أنتَ! فإنني ... صَبورٌ على رَيْب الزمانِ صَليبُ
يعزُّ علي أن تُرى بي كآبة ... فيشمتَ عادٍ أَو يُسَاءَ حَبيبُ
وعلى ذلك فأنا مُنتظِرٌ، و"العصور" إلى جانبي تنتظِر! وشكر الله لك، وجزاك خَيرًا من صديق.
* * *
(الرسالة) تألم الرسالة أشد الألم أن يُثبط هذا القلمَ البارع وهذا الفكر الرشيد مثبطات المادة، وتدعو الله مخلصة أن يلهم أهل المال معونة أهل العلم حتى لا تتخلف "العصور" عن صفها في الجهاد إلا ريثما تواتيها العدة. وعسى أن يضن القواء بهذه الثروة الأجية على الضياع فيعينوها على الصدور بإسلاف (١) الاشتراك.
стр. 79
من مذكرات عمر بن أبي ربيعة ذات النطاقين
(قال عمر بن أبي ربيعة بعَقِب حديثه):
. . . . فوالله لقد جَهدَنا البلاء -يا أهل مكة- ولقد صبرنا على حصار الحجّاج سبعة أشهر أو تزيد عن غير حصن ولا منعة، وإنّ أحدَنا ليُرى وقد لحقت بَطنُه بظهره من الجوع والطَّوَى، ولولا بركة تلك العين (يعني زمزم) لقضينا، وصدق رسول الله ﷺ "إنها مباركة، إنها طعامُ طُعمٍ" لقد أشبعنا ماؤها كأشد ما نشبع من الطعام، وما ندري ما يُفْعَلُ بنا مُنذُ اليوم. فلقد خَذَل "ابنَ الزُّبَير" أصحابُه خذلانًا شديدًا، وما من ساعة تمضي حتى يخرج من أهل مكة من يخرج إلى الحجاج في طلب الأمان. ألا شاهتْ وجوه قوم زعموا أنْ سينصرونه، يحمون "البيت" أن يُلحَد فيه، ثم ينكشفون عنه انكشافة كما تَتفرق هذه الحمامُ عن مَجْثمها على الرَّوْع. . . .
وخرجتُ، ومكة كأنها تحتَ السَّحَر خليَّة نحل مما يدوِّي في أرجائها مِنْ صوت داعٍ ومكبر وقارئ، وصَمَدت (١) أريد المسجد فأسمع أَذان "سعد" مؤذِّنِ ابن الزبير فأصلي ركعتي الفجر، فيتقدم ابن الزبير فيصلي بنا أتمَّ صلاة، ثم يستأذن الناس ممن بقى من أصحابه أن يُوَدّع أمه "أسماء بنت أبي بكر الصديق" فأنطلق وراءه وما أكادُ أراهُ مما احتشدَ الناس في المسجد، وقد ماجوا وماجَ بهم يتذامرون ويحضَّضُون ويُحرّضون، وزاحمت الناس المناكب أرجو ألا يَفوتني مَشهد أسماء تستقبل ولَدها وتودِّعه ولقد تَعلمُ أنه مقتول لا مَحَالة، فما أكاد أدركهُ إلا وقد انصرف من دارها يريد المسجد، وإذا امرأة ضَخْمة عجوز عمياء
стр. 80
طُوالة كأنْ سرحةٌ (١) في ثيابها، قد أمسكت بعُضادتي الباب تصرف وجهها إليه حيثما انتقل، فوالله لكأنها تثبتُه وتُبصرُه، وقد برقَت أسرَّةُ وجهها تحت الليل برق العارِض (٢) المتهلل، ثم تنادى بأرفع صوت وأحنِّه وألينه، قد اجتمعت فيه قوة إيمانها وحنينُ قلبِها: "يا عبد الله! يا بُني، إني أُمك التي حملتك، وإني احتسبتك فلا تَهِن ولا تجزع. يا بني ابذُل مُهجة نفسك، ولا تَبعد إلا من النار. . . يا عبد الله! لا تبعد إلا من النار، أستودعك الله يا بُني! " ثم تدور لتلج الدار فكأنها شِرَاعٌ قد طُوِى.
رحمة الله عليكم يا آل أبي بكر، لأنتم أصلبُ الناس أعوادا وألينهم قلوبًا. وأحسن الله عزاءك يا ذاتَ النطاقين، فلقد تجملتِ بالصبر حتى لقد أُنسيت أنك أمٌّ يجزع قلبها أن يَهلكَ عليها ولدُها فيتقطع عليه حَشاها.
وانصرفتُ عنها بهمِّي أَسعَى، فوالله ما رأيت كاليوم أَكْسَبَ لعجب وأجَدّ لحُزنٍ من أُم ثكلى يحيا ظاهرُها كأنه سراجٌ يَزهرُ، ويموتُ باطنها كأنه ذُبَالةٌ توشكُ أن تنطفئ، وذهبتُ ألتمسُ الوُجوه وأحزانها، فما أَرَى وُجُومَها وقُطُوبَها وانكِسَارَها ورهقَها وصُفرَتها إلَّا ذِلّة النفس وخضوعَها واستكانتها وضعفَها وعلَّتها، وأن المؤمنَ حين يحضُرُه الهمُّ أَشْعَثَ أغبرَ يَردُّه إيمانُه -حين يؤمن- أبلجَ يتوقَّد، ليكون البُرهانَ على أنَّ الإيمانَ صيقَلُ الحياة الدُّنيا، يَنْفي خَبَثَها ويجلو صَدَأَها، فإمّا رَكِبها من ذلك شيءٌ، عادَ عليها يُحَادثها ويصقُلها حتى يتركها بيضاءَ نقيَّة. . . .
وما بلغتُ المسجدَ حتى رأيتُ ابن ذاتِ النِّطاقين قائما بين الناس كأنه عمودٌ من طُولِهِ واجتماعه، ووثاقَة بنائِه، وحضَرته وهو يقول: "أيها الناس، عجِّلوا الوِقاع، ولا يرعِكُم وَقْع السيوف، وصونوا سيوفكم كما تصونون وجوهكم، فلينظرْ رجلٌ كيف يضرب، لا تخطئوا مضاربكم فتكسِرُوها، فإن الرجُلَ إذا ذهب
стр. 81
سلاحُه كان أعزَلَ أعضبَ (١) يؤخَذُ أخذًا كما تُؤخذ المرأة. لِيَشْغَلْ كل امرئٍ قِرْنَه، ولا يُلهينكم السوًالُ عني: أين عبد الله بن الزبير؟ ألا منْ كان سائلًا عني فإني في الرَّعيل الأول". . . . ثم يدفَعُ أسدٌ في أَجَمةٍ، ويحيصُ أصحابُ الحجاج حيصة (٢) في منازلهم من الرعب، فلقد رأيتُه يقفُ ما يدنو منه أحدٌ، حتى ظننت أنه لا يُقْتَلُ، حتى إذا كان بين الركن والمقام رمي بحجر فأصاب وجْههُ فبلغ منه حتى دَمِىَ، وسال دَمه على لحيته، وأُرعشت يده. . . . وغشيهُ أصحابُ الحجاج من كلّ ناحية وتغاوَوا (٣)، عليه، وهو يقاتلهم جاثما أشد قتال حتى قُتِل.
وارحمتا لك يا بنتَ أبي بكر! ! أيُّ كبِدٍ هي أشد لوعة من كبدك! لقد والله رُحمتِ رحمةً إذ كف الله منك البصر، لئن لم تكوني، تحزعين لموته، لقد كنتِ جزعتِ لما مثلوا به وحزوا رأسهُ، ورفعوه على خشبةٍ منكسًا مصلوبًا. . . .
وما كدتُ حتى أقبلتْ أسماءُ بين يديها كفنٌ قد أَعدته ودخنته (٤)، والناسُ ينفرجون عن طريقِها في أعينهم البكاء، وفي قلوبهم الحزن والرعب، قد انتُسفت، وجوههم كأنما نُشروا من قُبورهم لساعتهم، وسكتت الأوصالُ، وجالت، الأحداقُ في مَحاجرها وكأنها همَّت تخرُج، وتمشي أسماء صامدة (٥) إلى الخشبة صمدًا وكأنها ترى ابنها المصلوب، وكأنها تستروِح رائحة دَمِهِ، حتى إذا بَلَغَتْهُ -وقد وجم الناس وتعلقت بها أبصارهُم ورجفت بهم قلوبُهم- وقفتْ، وقد وجدت رائحة المسك تحت ظِلاله فقالت: "يا بني طبتَ حيًّا وميّتًا، ولا والله ما أجزعُ لِفراقك يا عبد الله، فمن يَكُ قُتِلَ على باطل فقد قتلتَ على حق، والله لأثْنِيَنّ عليك بعلمي: لقد قتلوك يا بُني مُسلمًا محرمًا ظمآن الهواجر مصلّيًا في ليلك ونهارك".
стр. 82
ثم أقبلتْ وجهها السماءَ ومدّت بيديها تدعو: "اللهمَّ إني قد سلَّمته لأمرك فيه ورضيتُ بما قضيتَ له، فأثبني في عبد الله ثوابَ الشاكرين الصابرين. اللهمّ ارحم طولَ ذلك القيام في الليل الطويل، وذلك النحيب، وبرَّهُ بأبيه وبي".
ووجم الناس وجمةً واحدةً، وخشعوا خشعةً لكأن السماءَ والأرض صارتا رتقًا فما يتنفسُ من تنفّس إلا من تحتِ الهم والجهد والبلاء. وكأنّ مكة بيتٌ قد غُلِّقتْ عليه أبوابهُ لا ينفُذُ إليه أحد ولا يبرحه أحد. وكأن الناس قد نزعت أرواحهم وقامت أبدانهم وشخصت أبصارهم، وبدت أسماءُ بينهم وكأن وجهها سراج قد نُصّ على سارية، لا يزال يزهر ويتلألأ، ثم تتلفت كأنما تتطلع في وجوه هذه الأبدان الخوالد (١)، وأضاء ثغرها عن ابتسامة. والله لقد بلغتْ من العمر وما سقطت لها سنٌّ، ومازال ثغرها ترف غروبه (٢) ثم قالت: "يا بَنيَّ، لشد ما أحببتم الحياة وآثرتم دنياكم، فخذلتم أخاكم، وفررتم عن مثل مصرعه. يا بني يغفر الله لكم، وجزاكم الله عن صاحبكم خيرًا".
وأطرقت أسماءُ إطراقةً ثم رفعت رأسها تُومِئُ إلى الخشبة، فوالله لقد رعدت فرائصى حتى تَزَايلتْ أوْصالى، وصَرَّ الناسُ كأنما تقصفت أصلابُهم (٣)، وإذا هي تقول: "أَلَا مَنْ مُبلغ الحجّاج أن المُثْلَة سبّة للحىّ وما تضرّ الميّت. ألا مَنْ يبلِغ الحباجَ عنِّي أن الشَّاةَ إذا ذُبحَتْ لم تألم السلْخ".
وحامتْ أسماءُ وطافت بين الناس وبين هذه الخشبة ساكنةً صابرةً، لا يُرَى إلّا بريق وجهها يومِضُ كأنه سيف صَقِيل، ثم طفقت تردّد "يا بَني، أمَا آن لهذا الراكبِ أن ينزل؟ أما آن لهذا الراكب أن ينزل! يا بَني ليستأذنْ أحدُكم حَجَّاجَكمُ هذا أن يَدفَع إلي هذه العظام. أَدوا عني، يرحم الله من أَدَّى عنِّي".
فيجئ الرسول من قِبل الحجاج يأبى عليها أن تُدفَعَ إليها عظَامُ ابنها
стр. 83
المصلوب، ويَجئُ على أثره موكلون قد وكلهم بجثَّته يقومون عليها يحرسونها، كأنما خَشِى أن يَحيا ميت قد حُز رأسه أن تمسهُ يَدُ أُمِّه. فوالله، فوالله لقد سمعت أسماءُ وخُبِّرتْ فما زادت على أن وَلتْ عنهم كما جاءت ما تقطر من عينيها قطرةُ دمع، وما تُجاوز قويًّا إلا جاوزتهم كأنهم فُسطاط يتقوَّض، حتى ولجت بابَها وغلقَته عليها.
وانطلقتُ أنفضُ الناس بعيني، فرأيت أخي الحارث (ابن عبد الله بن أبي ربيعة) وابن أبي عتيق (هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق) ما في وجهيهما رائحة دم من الحزن والفرقِ. فقلت: ما هذا أوان جزع، انطلقوا بنا -يرحمكم الله- إلى دارها نواسيها ونترفقُ لها، فوالله لقد تخوَّف أن يذهبَ بها الحزن عليه، وإنه لفالق كبدَها ما لَقِيته. ويطرق الباب ابن أبي عتيق، فيجيبُ الصوت من داخل: قد أسمعتَ فمهْ. فيقول: أنا ابن أبي عتيق يا أمَّاه. ويؤذن لنا فندخل دارها تَجِفُ قلوبنا من الروع والرّهبة، ونأخذ مجلسنا عند بنت أبي بكر الصديق خليفة رسول الله ﷺ وزوج حواريه ﵇، وكأن قد تركنا الدنيا وراءنا وأقبلنا على الآخرة.
استضحكت أَسماءُ حتى بدت نواجذُها وقالت: "مرحبا بكم يا بَنّي، جئتم من خلل الناس تعزون أمكم في عبد الله. يرحم الله أخاكم لقد كان صواما قوَّاما ما علمتُ. وكان ابن أبيه الزبير أوّل رجل سل سيفه في الله، وكان أشبه الناس بأبي بكر.
يا بَني، والله لقد حملتُه على عُسرَة، والمسلمون يومئذ قليل مستضعفون في الأرض يخافون أن يتخطَّفَهُم الناس، ولقَدْ سعيت به جنينا بين بيت أبي بكر وغار ثور بأسفل مكة في هجرة رسول الله ﷺ وصاحبه أبي بكر ﵁ آتيهما تحت الليل بما يصلحهما من الطعام، ويسكن الطلب عن رسول الله ﷺ ، فأتيتهما بسفرتهما وسقائهما ونسيت أن أتخذَ لهما عِصامًا (١)، فلما ارتحلا
стр. 84
ذهبتُ أُعلِّق السُّفرة فإذا ليس لها عِصامٌ، فوالله ما أجدُ ما أعلقهما به، ووالله ما أجِدُ إلا نطاقي وأنا حُبلى مُتِمٌّ. فيقول أبو بكر يا أسماءٌ شقيه اثنين؛ فأشقه فأربط بواحد منهما السقاء وبالآخر السفرة؛ فلذلك ما سمّاني رسول الله ﷺ "ذات النطاقين" يعني في الجنة. وأعود بعبد الله يرتكض في أحشائى، قد احتسبتُ نطاقي في سبيل الله، فوالله ما أجدني احتسبتُ بنىّ عبدَ الله اليوم إلا كما احتسبت نطاقي ذاكم. وأَعود إلى دار أبي بكر ويأتي نفرّ من قريش فيهم أبو جهل فوقفوا ببابها، فأخرج إِليهم فيقولون: أين أبوك يا بنت أبي بكرٍ؟ فأقول: لا أدري والله أين أبي، فيرفع أبو جهل يده -وكان فاحشا خبيثًا- فيلطم خدي لطمة يطرح منها قُرطى فتغُول بي الأرض الفضاء، فوالله لما لقيتُ من حَجّاجكم هذا أهون عندي مما لقيتُ من لطمة أبي جهل وأنا بعبد الله حاملٌ مُتم. يا بَنى إني آخرُ المهاجرين والمهاجراتِ، لم يبق على ظَهرها بعد عبد الله منهم غيري، فلا والله ما حَسنٌ أن يَجزَعَ من هاجَرَ -وإنّ شأن الهجرة لشديدٌ- وما حَسنٌ أن يجزع من شَهد المشاهد مع رسول الله ﷺ ، وكيف وقد أربيت (١) على المائة.
يا بني جزاكم الله عني وعن أخيكم خيرًا، قوموا لشأنكم وذرونى وشأنى يرحمكم الله".
وودَّعنا وانصرفنا، ولا والله ما نجد لأسماء في الرجال ضَرِيبة (٢) فأين في النساء؟ ولكنها كانت تصبر صبر المهاجرين الأولين على الجهد والبلاء.
وما كان صبح خامسة من مقتل ولَدها حتى استجابت لدعوة ربّها ﵂ وأرضاها، وهي أم حنث تكتم حنينها ولكأنه عجل بها موته فقطع نياطها وصدع فؤادها، وفلق كبدا عليه حنينها إليه. . . .
стр. 85
منهجي في هذا الباب
عهد إليّ الأستاذ "الزيات" أن أتولى تحرير هذا الباب (١) من "الرسالة"، فأجبت إرادته بالتسليم، وأنا أجد المعاني في نفسي حائرة لا تكاد تقر، فقد لحقتني إرادته والحياة من حولي تفترني حتى ما أحس من فورتها إلا القليل، والنفس منبوذة على حدود النشاط في كسل مجدب بالقحط والظمأ لا يهتدى إليه رِىٌّ ولا شِبَع. وإذا كانت النفس كذلك لم يأت خيرها إلا من طول الإحساس بالحرمان والألم، فهي تريد أن تتكلم من نوازعها بألفاظ ثائرة ضائعة حائرة كأنما تبحث عن نفسها في معانيها. . . . ثم لا تتكلم، وهي على ذلك لا تطيق التأمل في المادة التي تعرض لها إلا بمقدار من الرغبة في البحث عن نفسها في سر نفس غيرها لتجد عند ذلك أسبابًا تهتاج بها وتضطرب وإذا لم تجد النفس لذتها المؤلمة إلا في انتزاع الآلام المحرقة مما ترى وتسمع وتتخيل، فكيف تعيش أفكارها إلا في دخان من الأحزان الصامتة صمتَ الفكرة المختنقة التي لا تجد أنفاسها ولا جو أنفاسها. هكذا أَجدُني.
وهذه النفس المنبوذة بما جنت وبالذي لم تجن من شيء، هي النفس التي أريد أن أتولى بها النظر فيما يعرض لي من شؤون الأدب في أسبوع من أسابيع "مصر"، ولقد تشاكلا ووقع حافرٌ على حافر في حَلْبة مغلقة. فنفسي الآن هي نفسي التي لا أكاد أجمعها وألم أشتاتها إلا قليلًا، وما هو إلا أن أراها مبعثرة تَفِرّ مني أوابدها في كل وجه، وأقف أنا أتلفَت. . . . أنظرها وهي تغيب في ظلام الأحزان، وتترك عندي أطيافًا من الذكرى تطوف في تأملاتي مرسلة من مزاميرها ونايها أنغامًا حزينة مهجورة متفجعة كأنما تقول: هذا مكان كان أهله ثم بادوا، وهكذا أيضًا أَجِدُني.
стр. 86
في بعض الإنجيل هذه الكلمة: "من وجد نفسه أضاعها، ومن أضاع نفسه من أجلي وجدها"، أفيكون معنى ذلك أن النفس الإنسانية لا توجد باقية أبدًا إلا وهي مستهلكة، وأن الأشياء الشريفة التي تهلك هي بعينها التي تُحيى، وأنه لا معنى للشيء الحىِّ إلا أن يجتمع فيه معنى الأشياء الشريفة، الموت والحياة معًا، وأن استغراق النفس واستهلاكها في الأحزان النبيلة وتعذيبها بها هو استحياؤها وتنعيمها، وأن العمل المهلك والفكر المهلك هما العمل الإنساني الجليل الذي خُلِقَتْ من أجله الحياة على الأرض! وعلى ذلك لا تكون النفْس حيَّة أبدًا إلا وهي سائرة بالحياة في مَسبَعَةٍ (١) من الموت، يتخطفها كل شيء حتى الأسباب التي يستوجب بها الحىّ صفة الحياة! إذن ما أعجب الحياة.
* * *
وإذن فقد فرَّت مني المعاني التي أحمل نفسي الآن على علاجها، واستجهلتني الآلام في عواصفها حتى ذهبت هذا المذهب الحزين من القول لأقدِّم به الكلام في هذا الباب الذي عقده "الزيات" للأدب، ومع ذلك فإني لأرى الصلة التي تصل أصل هذا الباب بالأصل الذي في نفسي، فإن تتبع "الظواهر الأدبية" ينبغي أن توفر له أسباب الاستقرار النفسي حتى يستطيع الكاتب أن يجمع إليه المعاني ويضرب عليها الحصار حتى يفندها أو ينقدها أو يحصيها أو يبين عن غامضها أو يكشفَ أستارها أو يقدم لها بالنظر والفكر والتوهم ما يوجب بعض النتائج التي تفضي به الآراء إليها، وبذلك يمكنه أن يوجد للأدب ميدانًا تستعرض فيه أعماله التي يدأب الأدباء والكتاب والشعراء وأصحاب الرأي في صنعها وتجويدها. فإذا تناول هذا الأمر بالنفس التي لا تستقر ولا تهدأ كان عمله أقرب إلى الثورة -أي إلى الفوضى- من حيث يريد أن ينظم، ومع ذلك فإن الخير كل الخير أن نحاول الحياة كما تحاولنا بالاقتسار والعنف، وأن نقبل عليها وهي مدبرة بالبرهان على إمكان احتمالها جافية كانت أو ناعمة، ومؤلمة كانت أو مريحة،
стр. 87
ومنصفة كانت أو باغية، وأن نأخذها من حيث نرى الرأي أنه هو أجدى وأنفع، وأيضا فإن المصدر الحىّ للأدب إنما هو النفس، فهو يصدر عنها موسومًا بسمتها، إمّا مستقرة هادئة مفكرة في جو من الراحة، وإما ثائرة لمّاحة متخطفة في مسبح الأحلام والآلام والأماني المعذبة بالحرمان، فليس إذن من المُنْكَر أن ينصب امرؤ لا تهدأ نفسه لمثل هذا الباب الذي وصفناه وأن يتناول هذا الأدب بما يتداولُه من الإحساس المشبوب والنظر الخاطف والرأي العنيف أو أي ذلك كان. وأحب أن أعهد قبل أن نكلم، فإني رأيت الأدباء قد أكل بعضهم بعضًا بألسنة كظهر المبرد، وتشاحنوا بينهم للكلمة التي لا ترفع ولا تضع، وتنابذوا على الأهواء الغالبة المستكلبة، ومن كان ذلك هجيراه (١) ودأبهُ، فهو عند النقد أو الاعتراض كالوَحش الجوع (٢) الغرثانِ قد أُجْهِض عن أشلاء فريسته، يكاد يَنْقَد عليه إهابُه من الغيظ والحِقد والرغبة في الإيقاع بمن يصرفه عن أحلام مَعِدته. وهذا أسوأ الخلق وأبعده عن صريح نهج الأدب، وأقله غناءً في تهذيب الأديب، وما أظن أن في الدنيا العاقلة أديبا تخيّل له أوهام "العبقرية" الطائفة به أنه قد سبق السهو والخطأ وبقى النقد والنقاد لَقًى وراءه يتلوذون بظلاله -في طلب البركة! ومع ذلك فإن بعض من عناه القدر فرمى في غيل الأدب العربي يتصيد، . . . . يقتات من أوهام العبقرية حتى حبط بوهمه في نفسه، واستكرش ونفش بما أكل حتى تضلَّع، ثم استلقى على الأفياء يتخيَّل أن الأدب كله قد وقف عليه من عند قدمه إلى رأسه يُهدهده حتى ينام في ظلال هذا الملك الهنئ. ومن كان هذا مثاله من الأدباء، وعرضنا لبعض قوله بالنقد، فلا يتخيلن أنَا نعنيه هو بذاته- فهو موفور الأحلام على نفسه إن شاء الله -وإنما نعرض للقول على أنه كلام مقول فيه السهو والخطأ، وتتعاوره الصحة كما يتعاوره السقم، وأنه كلامٌ مصبوبٌ على الناس وعلى أسماعهم وأذهانهم، فنحن بنقدنا كلامه، إياهم نريد، وإياهم
стр. 88
نخاطب، وعسى بعدُ أن يكون له في هدأةٍ من نفسه رأيٌ يتابعنا به إن أصبنا أو يسدِّدنا ببيانه إن أخطأنا، وما نألو في الاجتهاد، ولكن ربما حُرم الإنسان التوفيق فيما يأتي وما يذر.
هذه واحدة فيما نبدأ به، أما ما يقع بين الأدباء من المجادلات والمنافرات، فحقها من هذا الباب التسجيل، فإن بقى لنا في القول مقال نقوله -نتعقب به الأصل الذي يقع عليه الاختلاف والتنافُر- لم نقصر في تحقيق البيان وتحريره، متعاونين في جعل الحقيقة أسرع إلى إثبات وجودها والدلالة على نفسها حتى تتجلى.
وأما الشعر والشعراء وما يلوذ بهما، فأنا حين أغمض عيني لأجمع على خيالي ورأيي وفكري، أنتهي إلى مثل الغيبوبة من الحسرة واللهفة والألم. فقد فرغ الشعر من بيانه ومعارضه وصاريته الفاتنة، ووقع إلينا أوزانا تَتخلَّج بما تحمِلُ تَخلج المجنون في الأرض الوحلة، وما أظنه يعتصم في هذه الأيام بشاعرين أو ثلاثة، ولكل منهم مذهب، وكل قد قذفت به الحياة في مهنتها وابتذالها حتى صار أكثر فراغه مستهلكا على صناعة أو وظيفة تطعمه العيش وتحرمه لذته، ومع ذلك فيهم يقولون ويتكلمون والسامعون ينصرفون عنهم لسوء رأيهم في الشعر الحاضر أول، ثم لكثرة ما يسمعون من كلام لا يحرك عاطفة لأنه لا يصدر عن عاطفة، وما يزال ذلك يتوالى عليهم، حتى إنهم لا يكادون يعرفون الشعر إلا هكذا ثقيلًا غثًّا باردًا، فكيف لا ينصرفون عنه، ومن ذا الذي يرضى أن يحمِل نفسه إلى "ثلاجة" وهو يُعَد في العقلاء. فكذلك ضاع شعر هؤلاء الثلاثة في غثاثة الكثرة، ثم فترت أنفسهم ولا تزال تفتر -إلا أن يشاء الله- لما يحسون من غفله السامعين عنهم، وليس كلهم يستطيع أن يقول كما قال صاحبهم الأول:
لم يَبقَ من جُل هذا الناس باقيةٌ ... ينالها الفهمُ إلّا هذه الصُّوَرُ
أهزُّ بالشعر أقوامًا ذوى وَسَن ... في الجهل، لو ضُربوا بالسيف ما شعروا
علىَّ نَحتُ القوافي من مَقَاطِعها ... وما عليَّ لَهم أن تَفْهَم البَقَر
وكذلك نخشى أن يأتي على الناس زمان يضيع فيه الشعر الجيد أو يرفع حتى
стр. 89
من صدور هؤلاء الثلاثة. ولست أدري الآن كيف يتاح لي أن أنهج مع الشعر والشعراء نهجًا يكون رضا ومَقنعا وباعثًا علي تجويد الأساليب والمعاني حتى ينقذ الشعراء فنهم من الضياع؟ فلندع هذا إلى حينه، وإلى رأي الشعراء في "مطالبهم"، فقد صار لكل أصحاب صناعة مطالب وحتى النساء، فكيف لا يعرف الشعراء مطالبهم وحقوقهم وهم أرهف إحساسا وأنبل مقصدًا وأبين بيانًا! !
وأما الكتب التي تصدر في خلال الأسبوع أو قبله بكثير أو قليل فسننهج لها نهجًا مخالفًا لمنهج العرض الكامل أو النقد الشامل، فإن هذا أحق به باب "الكتب" و"النقد" وإنما نعرض لها من حيث يتوجه لنا الرأي في غرض الكتاب الذي يرمى إليه، وأين يقع منه. وربَّ كلمة واحدة في صدر كتاب أو ذيله، لم يعرضْ لها الكاتب إلا شاردًا أو كالشارد، ثم تكون هي تربو بمعانيها على الكتاب كله وعلى أغراضه أيضا، فربما وقفنا عند هذه وقفةً تَجيش لها النفس من نواحيها، فنحتفل لها أشد احتفال وأعظمه لتكون كالعَلَم علي المعاني النبيلة التي تضيع في خرائب الكتب.
وبقيت كلمة. . . .، فقد أحسن "الزيات" إذ تنبه إلى هذا الباب -الآن- من أبواب مجلته وقد أغفله كل هذه السنين. فإن الحرب والثورة وما في معناهما هي اضطراب عنيف يهز أعصاب الحياة ويقضقض أوصالها، فلا جَرَم إذن أن تدور الرؤوس وعقولها دورات كثيرة حول نفسها، فتختلّ الأوزان والمقاييس في كل شيء، وأن تبدأ الحياة بعد الحروب بدءًا جديدًا، ويكون الناس إذ ذاك كالناشر من باطن الأرض وقد خرج من أكفانه ليرى ظاهرها كل شيء غريب وغير مفهوم، ومع ذلك فهو جديد لذيذ لا يملُّ وإن كان كله خطأ وفسادًا واستحالة وسببًا من أسباب الفناء، وكذلك يكون الأدب والأدباء بعدَ الحرب، كما أخرجت الحرب الماضية ثم الثورة المصرية سنة ١٩١٩ جيلًا من الأدباء استفحل أمرهم وذاع صيتهم وضربوا في الأدب بأسهم مفلولة محطمة، ومع ذلك. . . .
فهذا الباب في هذه الأيام -إلى ما بعد الحرب- يصوِّر بعون الله وتوفيقه
стр. 90
وهدايته الطريقَ الذي كان عليه الأدب إلى اليوم، ثم أين انتهى وكيف؟ ثم غيب ذلك كله موقوف على نوع الحرب وأساليبها وما تُبدع من فنون الشر، وما تثير من طبائع الإنسان -من أنثى وذكر-، وما تحفِزُ أو تُبِير (١) من أحلام الإنسانية المتحدرة من أطباق الماضي البعيد مع الإنسان الوارث الحي على هذه الأرض.
стр. 91
الإصلاح الاجتماعي
من عادتي -إذا ما استبهمَ علي نَفاذُ الرأي- أن أعدل بأفكاري إلى الليل، فهو أحصنُ لها وأجمع. فإذا كان الليلُ، وهدأتِ النائرةُ، وأَوَى الناسُ إلى مضاجِعهم، واستكنت عقاربُ الحياةِ في أجحارِها، تفلتُّ من مكاني إلى غرفتي أُسدِلُ ستائرها وأغلِّقُ أبوابها ونوافذها، وأَصنعُ لنفسي ليلًا مع الليل، وسكونا مع السكون، ثم أقعد متحفزا متجمعًا خاشِعًا أملأ عيني من ظلام أسود، ثم أدعُ أفكاري وعواطفي وأحلامي تتعارف بينها ساعة من زمان، حتى إذا ماجت النفس موجها بين المد والجزر، ثم قرَّت وسكنت، وعاد تيارها المتدفق رهوًا ساجيًا كسعادة الطفولة، دلفت إلى مكتبي أستعين الله على البلاء.
وأمسِ، حين أيقظني من غفوتي داعي "الرسالة" جمعت إليَّ ما عزمت على قراءته من الصحف والمجلات والكتب -التي هي مادة هذا الباب- وطفقت أقرأ وأقرأ، ولا أكتم أني كنت أقرأ في هذا اليوم -على خلاف عادتي في أكثر هذه الأيام- قراءة المتتبع اليقظ الناقد المتلقِّف لأضع يدي على أغزر الأصول مادة وأعظمها خطرًا وأشدها بِنية. . . . وأدسمها شحما، فإنّ حق القراء علينا أن نتخذ لهم صنيعًا ومائدة تكون أشهى وأمرأ وأقرب متناولًا وأردَّ على شهواتهم فائدة. فلما فرغت من إعداد ما أعددت لهم وأويت إلى ليلى المختلق المزيف، جعلت أستعيد في نفسي ما قرأت، وأين وقفت منه، وما تنبهت له مما تعودت أن أستشفُّه من وراء الألفاظ المعبرة، ومن تحت السياق المهدِف إلى غرضه -مما هو بأخلاق الكُتاب وعاداتهم ونوازعهم وخفايا نفوسهم ألصق منه بأغراض الكاتب فيما كتب. فما كدت أقدح الظلام بعيني وأفكر في هذا الأمر وأستدرجه إلى نفسي حتى رأيتني أكاد أنفر من مكاني لما عراني من سوء الرأي وقسوة الظن، فإن طول تغلغلي في معاني الكُتاب والشعراء، أو في معاني أنفسهم، يدلني على أن أكثر من يكتب إنما يدفع بعض الكلام إلى قلمه ليعبر عنه، غيو محتفل بما يقول، فكذلك يخرج الكلام متخاذلًا مفككا كأنه ناقة من وباء مرض، ويخيل
стр. 92
إلي أن أكثر كتابنا إنما يتناولون المعاني والأغراض من عَيبةٍ (١) جامعة غير متخيَّرة ولا منتقاة ولا مصنفة، وأنهم إنما يعرض لهم اشتهاء القول فيقولون للشهوة المستبدة لا للرأي الحاكم، وأنهم إنما يكتبون ليبقوا كُتابًا في عقول الناس وعيونهم من طول ما تعرض عليهم المقالات متوجة بالأسماء مذيلة بها، وأن الكلام عندهم هو أهون عليهم من ضغطة النائم المتلفف زرَّ الكهرباء فإذا هو نور مستفيض. لابد للعرب والعربية أن يبرأ هؤلاء من أمراضهم ثم يقولون، وأن يعتدوا بجمهرة القراء اعتداد من لا غنى له عنهم ولا فقر بهم إليه، فبذلك أيضًا يصلح ما فسد من القراء الذين يقرأون الأسماء دون معاني هذه الأسماء. ويومئذ لا يشكو الكُتاب من بوار أسواقهم، لأنهم يعرضون للناس الحَسَن الذي ينشئ في القلوب الإحساس بالحُسن والرغبة في اختيار الأحسن، ويتشوق الناس الجميل لأنه جميل يسمو بالروح في سُبحات المثل الأعلى من الجمال الروحاني. . . ثم لا يجيزون إلا الجميل. وكذلك يترافد الكاتب والقارئ ويمدُّ أحدهما الآخر بأسباب حياته وخلوده لكن خوافق الأدب السامي الرفيع. هذا هو بعض الرأي أدعو إليه كتابنا، والأدب على شفا جرف هار إلى البوار والبلى والفساد.
* * *
والآن، وقد تحدَّثت النفس ببعض كلامها، أعود إلى "أدب الأسبوع" ويخيل إلى أن "وزارة الشؤون الاجتماعية" هذه التي استحدثت بعد أن لم تكن، قد كان من فضل اسمها أن أيقظ أكثر كتَّابنا إلى حقيقة ملموسة كانوا يَغُضُّون دونها أبصارهم لما تلبس صاحبها من لباس الخزي والعار: وهي بقاؤنا بين الأمم أمة لا قوام لها من نفسها وأصلها وتاريخها، وأن مركز مصر الاجتماعي والسياسي والشرقي أيضًا قد سما في ظن الناس ولكنه في حقيقته أقل مما يُحمل عليه من الزينة والتألق والزخرف المستجلب بالإيحاء وإرادة الاستغلال. فقد كتب الدكتور هيكل في "السياسة الأسبوعية" عدد (١٥٢) كلمة في "نهضة الإصلاح في مصر" استقصى بها تاريخها وقواعدها وأغراضها من عهد الثورة الفرنسية إلى هذا الوقت. وكذلك كاتب الدكتور "طه حسين" في "الثقافة" عدد (٥٢) يقترح
стр. 93
إنشاء "مدرسة المروءة". وجاء "الزيات" في ختام فاتحة "الرسالة" لعامها الثامن يشكو إلى الله: "إن كبراءنا عطلوا في أنفسهم حاسة الفن فَلَم يعودوا يدركون معنى الجميل، وإن أدباءنا قتلوا في قلوبهم عاطفة الأدب فليسوا اليوم من كرمها في كثير ولا قليل، كان زعماءنا تفرقت بهم السبل بتفرق الغايات، فِلكُلّ غاية دعوة ولكل دعوة سبيل". وكل هذه تلتقي على أصل واحد، وهو أن الحياة الاجتماعية لا تزال تحبو في مدارجها، وأن "لين العظام" يُخشى أن يطول علينا بقاؤه في صدر الحياة حتى نقعد دون شبابها، وأن الإصلاح لابد أن يتعجل حدوثه. . . . ولكن كيف يكون ذلك؟ ! .
وقد ساق الدكتور طه حديثه عن المروءة ساخرًا من هذا الجيل الذي طبع على سفاسف الأخلاق، وتحطمت عنده مكارم الإنسانية النبيلة، وامتاز عظماؤه وصغاره باعتبار الأخلاق ضربًا من التجارة يلبِّسها الغش والخِلابُ والمواربة وتلقِّي التاجر للبائع بالدهان حتى يكون هو في باطنه أظلم شيء، وظاهره يتلألأ بمعاني الشرف والأمانة والنزاهة وإرادة الموافقة وتغليب منفعة المشتري على منفعته، وغير ذلك من حيل التُّجار والسماسرة. فأراد أن يمزح، فيدعو إلى اقتراحه إنشاء مدرسة للمروءة ليسخر من "تنازع الاختصاص" في وزارتنا بل في أعمالنا كلّها. وهذا كله في مدرجه جيد لا يحاول أحد أن ينازع عليه أو يختلف فيه، ولكن التهكم في هذا الدهر المائج بصنوف العذاب والبلاء لا يكاد يجدي شيئًا في الإصلاح. وهل يظن الدكتور طه أن كل هؤلاء الذين أقامتهم الأمة المسكينة على حياطة شؤونها ومرافقها وأسباب عيشها -لا يستشعرون من ذلك ما نستشعر، ولا يجدون من معانيه مثل الذي نجد؟ أجل؛ ولكنهم كالذي يصف هو فيما سبقَ من الحديث، فمن أين يأتي الشفاء إذا كان كلُّ الطبيب هو بعض المريض! إن أعمال الإصلاح الكبرى لن تأتي من وزارة الشؤون الاجتماعية، ولا وزارة المعارف، ولا غيرهما إذا بقى الشعب ينظر إلى هذه كلها ليرى ما تعمل. والرأي لا يمكن أن يتجه في هذا الأمر إلى تسديد وزارة المعارف ووزارة الشؤون الاجتماعية وتوقيفها على ما يجب عمله باقتراحات ومذكرات وبيانات. . . . إلى آخر هذه الجموع. إن عمل الإصلاح الآن موقوف على شيء واحد، على ظهور
стр. 94
الرجل الذي ينبعث من زحام الشعب المسكين الفقير المظلوم يحمل في رجولته السراجَ الوهَّاج المشتعل من كل نواحيه، الرجل المصبوب في أجلاده من الثورة والعنف والإحساس بآلام الأمة كلها، وآلام الأجيال الصارخة من وراء البنيان الحي المتحرك على هذه الأرض الذي يسمى في اللغة "الإنسان". وليس ظهور هذا الرجل بالأمر الهين، ولا إعداده بالذي يترك حتى يكون؛ بل هنا موضع للعمل وللإنشاء. وكبرُ ذلك مُلقًى على الأدباء والكتاب والشعراء، وعلى كل إنسان يحترم إنسانيته؛ فالأدباء ومن إليهم قد وقع عليهم التكليف أن يرموا بما يكتبون إلى إيقاظ كل نائمة من عواطف الإنسان، وإلى إثارة كل كامنة من نار الهداية المحاربة التي لا تخمد، ولا يكون ذلك شيئًا إلا بأن يعدّ كل أحد نفسه كالجندي عليه أبدًا أن تكون حماسته هي روح الحرب فيه، فهو يمشي بها في كل عمل، ولو في نقل البريد من مكان إلى مكان. إذن فأول الإصلاح الاجتماعي هو إدماج عواطف الفرد في مصالح الجماعة على أَتم صورة من صور الحماسة أي القوة التي تنبعث من الدم لتطهير الدم؛ وهذا بعض ما نتوافى عليه مع الدكتور هيكل إذ يقول في مقاله الذي أشرنا إليه آنفًا "لم يفكر أحد في مشكلاتنا الاجتماعية واضعا نصب عينيه غاية قومية يريد أن يحققها، بل ترانا إذا فكرنا في الأمر كان الدافع لتفكيرنا فيه عواطف الشفقة أحيانا، والبر بالإنسان أحيانًا أخرى، وهذه عواطف قد تحمد في الأفراد، لكنها لا قيمة لها في حياة الجماعة ويوم فرض الله الزكاة في الإسلام وقرن بها الصدقة لم يقم الشارع ذلك على أساس العاطفة الفردية، بل أقامه على أساس النظام الاجتماعي".
والكتابة هي زكاة العلم، فيجب أن تقوم على هذا الأصل الفردى المتحمس المتدفق بتياره في أعصاب النظام الاجتماعي، فإذا اتخذها كتابنا على هذا وتكلموا بقلوبهم قبل ألسنتهم وأقلامهم كان ذلك قمينًا أن يبعث الرجل الذي سوف يضئ للحياة الاجتماعية سُدَف (١) الجهل والضعة والبغى والاستبداد.
стр. 95
أبو العباس السفاح أمير المؤمنين (١)
أثار الأستاذ العبادي في "الثقافة" عدد (٤٧) مشكلة ابتغَى حلها، وذلك أنه وصف حلية "أبي العباس أمير المؤمنين" أول خلفاء بني العباس كما رواها المؤرخون من أنه كان "ذا شعرة جعدة، طويلًا أبيض، أقنى الأنف، حسن الوجه واللحية" وكان "شابًّا متصوِّنًا عفيفًا حسن المعاشرة، كريمًا معطاءً" إلى نهاية ذلك من كريمات الخصال. ثم استبعد أن يكون بهذا الإنسان الرقيق أهلًا لتلك الصورة البشعة الطاغية التي تخلعها عليه معاني هذا الحرف "السفَّاح" من الجريمة وسفك الدَّمِ والرغبة في ذلك والمبالغة فيه. واحتفل الأستاذ للحوادث التاريخية فلم يجد فيها ما يسوِّغ أن يكون "أبو العباس أمير المؤمنين" سفاحًا سفاكا للدماء، وزاد أن ثقات المؤرخين كالطبري والدينوري لم يذكروه إلا مجردًا من هذه الصفة، ثم رجح بدليل بياني جيد أن السفاح محمول هنا على الأصل اللغوى أي الكريم المعطاء الذي يتلف الأموال ولا يبخل بها. ولكن الأستاذ "أحمد أمين" رد عليه بعض أدلته في العدد (٤٩) فردها الأستاذ العبادي عليه في العدد (٥٠) وهكذا إلى العدد (٥٢). وأنا قد أعجبت كل الإعجاب ببحث الأستاذ العبادي، وإن كنت أخالفه كل المخالفة، وذلك لأنه مبنى على منطق تاريخي جيد، ولأنه أراد أن يفرق فرقًا جيدًا بين كتب التاريخ وكتب الأدب القديمة من حيث الحجة في برهانات التاريخ. فإنا نجد كتبًا من أعظم كتب الأدب تحمل على الخلفاء من غث الأخلاق ما تناقضه سير هؤلاء الخلفاء كالذي يروون عن الرشيد -وهو بالمنزلة من الشرف والعلم والسياسة وطول الانبعاث للغزو والحجِّ- من معاقرة الخمر والملاهي والاطلاع على الحرم واستباحة الأعراض وغير ذلك مما لا يمكن أن يصح بوجه من الوجوه.
هذا، وإني أخالف الأستاذ العبادي، فإنه حين رده الأستاذ "أحمد أمين" رجع عن تفسيره لفظ "السفاح" بالكرم والسخاء لغير علة ظاهرة وأصرّ على أن
стр. 96
"أبا العباس أمير المؤمنين" لم يلقب "بالسفاح" البتة في حياته، ولا ذكر ذلك عنه أئمة المؤرخين، وأصر مع ذلك أيضًا على أن صفات أبي العباس وحليته تنفي عنه أن يكون سفَّاكا للدماء؛ ولا كل هذا! فإن هذه الصفات لم يُروَ لنا إلا أقلها حتى يمكن أن نجعلها أصلا يستشف خلق أبي العباس من ورائها، وإن الرقة والدعة والجمال ولين الخلق تخفي وراءها أحيانًا قسوة لا تدانيها قسوة، كالذي يكون في النساء، فإنهن قد عرِفن بين الناس بالرقة "وهن أغلظ أكبادًا من الإبل" وإن المرأة إذا ثارت لم يبلغ مبلغها في القسوة (أقْعد) الوحوش في باب الوحشية ومع ذلك. . . . فهي الزهرة غِبُّ الندى، وهي النسيم في السَّحَر، وهي. . .
وكنت أحب أن أستوفي هنا القول في تحقيق هذه الصفة لأبي العباس أمير المؤمنين، ولكني رأيت أن الكلام قد جاوز حده، وأن الدليل يقتضيني إثباتَ كثير مما يُخِلّ تركه بالفائدة فموعدنا الكلمة التالية إن شاء الله.
стр. 97
أسواق النخاسة
مازلت أُضحك إِبْلي كلما نظرَت ... إلى من اختضبت أخفافها بدم!
أسيرُها بين أَصنام أشاهِدُها ... ولا أشاهِدُ فيها عِفَّةَ الصنم
هكذا يقول المتنبي في صفة أصحاب السلطان الأدبي والسياسي من أهل عصره، ولا يزال هذا ينطق إلى اليوم على البلاد الشرقية والعربية إلا قليلًا قليلا. لقد أذكرتني أشياءُ رمت إلى ما كنت أَسُوس النفس على تناسيه ونبذه والتباعد عنه، ولكن صِناعة الأدب هي من بين الصناعات أشدُّها التحاما بالحياة. . . . لا، بل الأصول النفسية التي تقوم عليها وبها أسواق المجتمع الإنساني، وهي ترمي بالأديب في تنّور متسعِّر من نزاع الغرائز والشهوات والأحقاد، وهو بين اثنتين: إِما أن ينحط في هوى غرائزه التي تثيرها هذه النار الآكلةُ، فيفسد بفسادها، وإما أن يتحصن دونها، فيروض غرائزه الوحشية، حتى تألفَ وتنقاد لحكم العقل النبيل والعواطف السامية. فكذلك يوطن نفسه على الحرمان والألم والتفرد والوحشة. . . . ثم على الصراع الذي لا رحمة فيه ولا هوادة بين تَضَرُّم النزغات المستبيحة، وبين زهادةِ النفس المتورعة المطمئنة. وكان أحق الناس بالتسامي ومطاولة الغرائز في هذه الحرب الموقدة - الأدباء، فالأدب في أَصله تنزيهٌ للنفس وكبحٌ من جماحها، ورفق في سياستها، فإذا انقلب الأدب تضرية للوحوش الرابضة في الدم من الطبائع والغرائز، خرَج عن أصله وفقدت ألفاظه معانيها، وصارت أسواق الأدب تعتمد في معاملتها على البغي والظلم والعدوان والتهجم والاستبداد. وفقدت كل معاني الحرية والعدل والإنصاف والتمييز بين الخبيث والطيب، وهي أصول الفطرة الأدبية السامية.
إن الأديب الحر ينتفض تَقَزُّزًا واشمئزازا كما انبعثت روح حقارة المجتمع من
стр. 98
وراء الرّمم الأخلاقية المموَّهة بالنفاق، والتي أقيمت عليها أصنام منصوبة للعظمة الباطلة الجوفاء، وهو أشد انتفاضًا وانتقاضًا حين يرمى بصره إلى الأدب والعلم وهذه المعاني السامية فيرى الأدباء والعلماء أذلّاء مستعبدين قد خضعت أعناقهم للحاجة والضرورة والبؤس، فهم نواكس الأبصار إلى الأرض بين يدي فئة منهم قد أخذوا عليهم أفواه الطرق المؤدية إلى بعض الرزق، حين واتاهم القدر ببعض السلطان والجاه والسيطرة، وأقامتهم الشهرة الذائعة أنصابًا تهوى إليها الأغراض، وتناط بها الوسائل، وتعتمد عليها الحكومات في تقدير العلم والأدب وأهلهما والعاملين عليهما، وكذلك لا يستطيع أديب أو عالم أو فيلسوف أن يجتاز إلا بإجازة من أيديهم وبأختامهم، وإلا أن يشهدوا له شهادة التقدير، وأن يعبُروا له السِّعر في "تسعيرة" السوق الأدبي الذي أقامتهم الحظوظ عليه حكّامًا ومقوِّمين.
إن الشهرة والشهادة هما شيئان لا قيمة لهما في العلم والأدب، فبناءُ العلم على نجاح التجربة واستواء المنطق وإقرار العقل، وبناء الأدب على صدق الإحساس وحدة الإدراك وسمو العاطفة وقوة الحشد وبراعة العبارة والأداء. فإذا لم تكن الشهرة من هذا تستفيض وعنه تَشرع، فما غناؤها على صاحبها إلا بعض الأباطيل التي تنفش في عقول الأمم الضعيفة والأجيال المستعبدة بالأوهام والتهاويل. والشهادة ما هي إلا إجازة الدولة لأحد من الناس أنه قد تحرَّر من طلب العلم والأدب على القيود التي تتقيد بها المدارس والجامعات في أنواع بعينها من الكلام، وأنه قد حصل في ورقة الامتحان ما فُرض عليه تحصيله بالذاكرة، ثم ترفع الشهادة يدها عن معرفة ما وراء هذا التحصيل وما بعده وما يصير إليه من الإهمال أو النسيان أو الضعف أو الفساد. فحين يغادر أحدهم الجامعة حاملًا شهادته مندمجًا في زحمة الجماعة تفقد الشهادة سلطانها الحكومي -أو هكذا يجب أن يكون- ولا يبقى سلطان إلا للرجل وأين يقع هو من العلم أو الأدب أو الفن؟ وهل أصاب أو أخطأ؟ وهل أجاد أو أساء؟ وهكذا فهو لا ينظر إليه إلا مغسولًا غفلًا من "مكياج" الدبلوم والليسنس والماجستير والدكتوراه .. وما إليها، وإذَن، فأوْلى ألا ينظر إليه عن شهادة قوم لم يكن سبيلهم إلى التحكم في أسواق العلم والأدب إلا الشهادات المستحدثة، والشهرة النابغة على حين فترة
стр. 99
وضعف واختلاط وجهل كان في الأمة حين كان أقلُّ العلم وأشَف (١) الأدب يرفعان صاحبهما درجات من التقدير والإجلال والكرامة.
إن هذه التجارة التي تقوم على استعباد العلم والعلماء والأدب والأدباء تجارة باغية ينبغي أن تَفْنى نخاستها وأن تغلق أسواقها، وينبغي أن يتحرر الأدباء والعلماء المستعبدون قليلًا من أغلال الضرورات المستحكمة ليحاربوا بغي هذه التجارة بالنبل والسمو والترفع، وليهتكوا تلك الأستار الحريرية الرفيعة المسدلة على بيوت الأوثان الجاهلية التي تستعبد الأحرار باستغلال ضراعة الضرورة والحاجة والفقر، ينبغي. . .
وينبغي لكاتب هذا الباب الجديد في "الرسالة" أن يرفع القلم عند هذا القدر الآن، ويعود إليه بالتفصيل والبيان فيما يستقبل.
معهد الصحراء بيت الحكمة
كتب صديقي "إسماعيل مظهر" -في مقتطف يناير سنة ١٩٤٠ - كلمة بليغة يصف فيها "رهين المحبسين"، محبِس الصحراء، ومَحْبس النسيان، وهو معهد الصحراء القائم على مشارف الصحراء المترامية، في "مصر الجديدة"، وقد شيده "الأسد المصريُّ" الملك فؤاد رحمة الله عليه من ماله خاصة، ليكون مأوى للعلماء الذين يدرسون طبائع الصحراء ومعادنها وأجواءها، ولكنه لم يتم بناؤه لما عرض من مرض الملك العالم ثم وفاته على شدة الحاجة الى جُرأته وإخلاصه وعزمه، وإنفاذ هذا العزم بالبصيرة والحكمة والمثابرة.
وكنت كلما صحبت أخي "إسماعيل" لبعض الرياضة، تهاوينا إلى البيداء المقفرة الصامتة بأحزانها الحائرة، وسرنا نتقاوَدُ (٢) في جوفها فترمى بنا أرُجلنا إلى بناء شامخ قد أقْعى على ربوة من الأرض كأنما يتجمّع للوثبة، ومع ذلك فأكاد أجد في سمعي بيان هذا الأعجم الصموت، وهو يُهمهِمُ بأنَّاته من ذلّ الوحشة والأسر والنسيان والخراب، فأنشد "إسماعيل" قول الرضيّ:
стр. 100
ولقد رأيتُ "بديْر هِنْدٍ" منزلًا ... أَلِمًا من الضَّرَّاءِ والحَدَثانِ
أغضى كمستَمِعِ الهوانِ، تغيَّبَتْ ... أنصارُهُ وخلا من الأعوانِ
وكان هذا البناء المسكين همةً من همم الملك النبيل ﵀. ولقد سمعت أنه قد أحاطه بما يزيد على عشرة أفدنة ليقوم فيها، وفي متنزهاتها، وليؤدي أهله إلى صحراء مصر المجهولة حقَّها من الدرس والكشف والاستنباط، هذا، وقد ضَرَع "إسماعيل" إلى خليفة "فؤاد" في ملكه وعلمه وعزمه وبصيرته، إلى "الفاروق" صاحب مصر الأعلى وحاميها وهاديها إلى الخير، أن يُتمّ ما بدأ الملك الأول من البناء، وأن يعيد لملكه الزاهر تاريخ العرب والعربية في عصر المأمون الذي أنشأ "بيت الحكمة"، وجعله مُسْتَقر النَّقَلة من العلماء الذين استوعبوا نقل حكمة "يونان" إلى اللسان العربي؛ فأسسوا للعلم ملكًا لم يطاوله في العصور إلا عظمة المأمون. . . قال:
"ومعهد الصحراء -يا مولاي- عظيمٌ متسع الأرجاء اتساع العقل الخالد الذي فكر في إنشائه، فهل نطمع في أن يضم إليه بضعة علماء يقفون جهودهم على ترجمة علوم أوربا إلى اللغة العربية؟ وفي مصر -يا مولاي- علماء أقعدهم النسيان عن العمل ومنعهم الخجل عن السؤال، وعزّ عليهم أن يهينوا العِلْمَ باستجداء العطف. أَنطمعُ -يا مولاي- أن تفيضَ عليهم من فضلك الواسع ما يسدُّ حاجتهم من حطام الدنيا، ليكونوا نواة لبيت الحكمة في عهدك، فيتركوا للأجيال القادمة آثارًا لا يبزها من حيث الأثر في العالم العربي إلّا عظمتك، ولا يفوقها في الجلالة إلّا جلالتك؟ ".
وكل أديب وعالم ومفكر في العالم العربي يضم صوته إلى صوت "إسماعيل" في هذه الضراعة النبيلة إلى "وارث مُلْك مصر، ومجد العرب"، ويستيقن في قلبه أن "الفاروق" سيحمي العلم والأدب بحماية ملكية ترفع عنه الظلم والاستعباد، وتحرر العلماء والأدباء من غطرسة الأدعياء المتشدقين بقليل العلم ومنقوص الأدب، مما أطاقوه وحملوه بفضل الرحلة إلى أوربا بضع سنين، تزودوا فيها بالمعاشرة والمخالطة -لا بالدرس والمثابرة- بعض ما جهله أصحاب
стр. 101
الفضل والعلم والأدب من قومهم لقعودهم بالضرورة والعجز عن مثل الذي ساروا إليه، وهم بالعلم والأدب أَقْوَم، وعليه أحرص، وطبائعهم إليه أشد انبعاثًا.
الشباب والسياسة
في يوم الخميس السالف (٤ يناير سنة ١٩٤٠) ألقى بهي الدين بركات باشا محاضرة عظيمة القدر درس فيها معنى "السياسة" وحق "الشباب" في المساهمة في أصولها وفروعها، ودافع عن حرية الشاب في أن يهتم "بالعمل العام الذي يتصل في وقت من الأوقات بتسيير دفة الحكم في البلاد". وهذا هو تعريف السياسة عنده، وبذلك يخرج منها النزاع الحزبي الذي شهدته السياسة المصرية خاصة، على وجه من التنابذ والتعادي والتسفيه والاعتداء على حرية الفرد وحرية الجماعة. فإذا أُخرج هذا الضرب من معنى السياسة أوجب العقل أن يكون لكل أحد الحق في أن يشارك أصحاب الرأي في آرائهم، بل إن الشعور بالحرية الفطرية توجب عليه أن يشارك بالرأي وأنْ يُضَحِّيَ في سبيل المبدأ الوطني العام الذي لا تقوم الدولة إلا بقيام معانيه في أعمال الأفراد والجماعات، وقد ناقش المحاضرُ جماعةً من الأساتذة ولكنهم في مناقشتهم كانوا لا يزالون متأثرين بالمعنى (المصريّ القديم) للسياسة، وغفلوا عن الغرض الذي رمت إليه محاضرة المحاضر في الفصل بين ما كان وما يجب أن يكون عليه معنى السياسة، وكيف يشارك الشباب فيها بالرأي والعمل. والسياسة -كما قال عزام بك في موقفه- لا يمكن أن تكون بحثًا فلسفيا مجردًا، لأن الإيمان بعقيدة ما يقتضي التضحية في سبيل الدفاع عنها، فإذا كانت السياسة عملًا قوميا يراد به المصلحة العامة ومجد الوطن، فهي أمر يستحق كل تضحية. وأما إذا صارت السياسة إلى المعنى الذي شهدناه في مصر من الخلاف الحزبي على مطامع الحكم فهي أمر لا يستحق أتفه التضحية.
ونحن نعتقد أن الإنسان الحر لا يعرف معنىً لهذا السؤال القديم: "هل ينبغي أن يشتغل الشاب بالسياسة أو لا ينبغي؟ " فهو سؤال عليه سيمياء الذل والعبودية! إن كل أحد في مصر وغيرها من بلاد العالم -شابًّا أو شيخًا، غنيًّا
стр. 102
أو فقيرًا- عليه دَيْن للأرض التي تَغْذُوه وتَعُوله وتُؤْويه وتمده وتحفظ له نسله جيلًا بعد جيل، وأداءُ هذا الدَّيْن لا يكون إلا عملًا في حفظها وحياطتها والمدافعة عنها بالسلاح والعلم والعمل والفكر والنفس، فإذا أخلَّ أحد بشيء من ذلك خان أمانة هذا الديْن وأسقط مروءته.
وكيف يمكن أن يمتنع الشاب أو الطالب عن الاشتغال بالسياسة؟ أيمتنع عن قراءة الصحف والكتب لئلا يعرض له الفكر في ذلك والتمييز بين صوابه وخطأه والعمل على بيان مواضع الخطأ ومعاونة الصواب على الاستمرار؟ أم يقرأ أخبار الأمم وأحداثها فإذا أقبل على أمر بلاده طوى الصحيفة واستغفر؟ أم يقرأ ويقرأ ولا يكون إلا كالخزانة، يُلقِي فيها ما يلقي ليحفظ ويصان من لصوص الفكر التي يطلقها عقله في آثارها؟ أم يقرأ ويفكر، ثم يحبس آراءه بين جدران الجمجمة إلى أن يذهب بها الإهمال؟ وكذلك تضعف النفس وتصدأ وتتآكل، لأن الإيمان والعمل هما جلاءُ النفس وصقلها لتبقي أبدًا مشرقة.
إن الشباب -ولابد- مشتغل بالفكر في السياسة، ونصرة مذاهب الحق فيها -كما هو- مشتغل بالعلم والأدب والفن، ولكن الإشكال كله في انفساخ القوة الخلقية التي يجب أن يقوم عليها العلم والأدب والفن والسياسة، وكل عمل فتربية الخلق أوَّل. ثم ارموا -بالشباب- حيث شئتم فإنهم عصام الشعب، وهم ذادة الوطن، وهم أصحاب المستقبل.
المرأة والرجل
لشدّ ما اجترأت المرأة في هذا العصر! ! وإذا أخذت المرأة أسلحتها -من الزينة والتطرية (١) والجمال والفتنة، وجيَّشت غرائزها- من الحذر والحيلة والضعف والإغراء، لم يبق للرجل إلا أن يستقتل أو يفر. . . وقد أقامت "وزارة الشؤون الاجتماعية" مناظرة بين الأستاذ "محمد فريد أبو حديد" والسيدة "زاهية مرزوق" وكان غرضها هو "كيف ننهض بالأسرة؟ ". والظاهر أن السيدة
стр. 103
الكريمة قد اعتقدت في قلبها معنى "حرية المرأة" بالإصرار والتعصب فأخذت تنتزع رجولة الرجل شيئًا فشيئًا حتى ليخيل لسامعها أنه مخلوق وحشي منطلق من كل قيود النبل، فهو عندها أناني لا يؤثر على نفسه، وهو معنى متجسم للفوضى في بيت الأبوة والأمومة، وهو جاهل متحامل على ضعف المرأة لا يرحمها ولا يحس بآلامها، وهو فاجر متوقح يستجر الأخطاء ويجنيها ثم يرمى المرأة بها وينسَلُّ منها.
وأنا لا أريد الآن أن أدافع عن الرجل، ولكني أريد أن أسأل السيدة الكريمة ومن يذهبُ مذهبها من النساء: إذا كانت هذه صفة الرجل في أنفسكن، وإذا تحدثتن بمثله فبلغ الأسماع في بيوت العقائل، فوقع في آذان الأم والزوجة، والفتاة الجاهلة الطياشة، فاعتقدنه ومالت إليه أهواؤهن، فبأي عين تنظر المرأة إلى زوجها والفتاة إلى خاطبها؟ وأيُّ معاملة يلقاها الرجل بعدُ على أيديهن وبألسنتهن! كلا يا سيدتي، إن المرأة هي تجني أكثر الذنب فيما نعلم، ثم تتنصل، وهي كل الأنانية إلا أن يتصل أمرها ذلك بمصدر الأمومة في غرائزها، فهي عندئذ مثال الإيثار والتضحية، وهي صاحبة الفضائل كلها إذا أُثيرت أمومتها وإحساسها بالمحافظة على النوع الإنساني، وأما بغير ذلك، فهي المرأة بضعفها وأنوثتها وحاجتها إلى عون الرجل وتضحيته ورحمته. وليس للمرأة عمل إلا أن تعمل دائمًا على أن تجعل الرجل في عينيها تمام إنسانيتها، وبذلك تستصلح منه ما عسى أن يكون فاسدًا، وتتم ما وقع إليها ناقصًا، ويبنى البيت -بَيتهما- على أساس من القوة الداعية للبقاء، فمن الرجل الرحمة والإخلاص، ومن المرأة الاحترام والعفاف، ومنهما النسل الجميل المحفوف بالفضيلة من جميع نواحيه.
أبو العباس السفاح
لم تتسع كلمة هذا الأسبوع لتحقيق لقب السفاح أبي العباس عبد الله بن محمد أمير المؤمنين، فأرجأنا ذلك إلى العدد القادم ..
стр. 104
التقليد
لم أكد أفرغ من قراءة ما تيسر لي أن أقرأه في هذا اليوم وما قبله حتى عاودني الفكر في أصول ما قرأت من كلام الكتّاب والشعراء، ووقفت أستعيد في نفسي تلك التيارات الكثيرة التي تموج بنفوسهم من تحت اللفظ والعبارة والمعنى والغرض. ولقد ظننت -حين أقدمت على قبول كتابة هذا الباب من الرسالة- أن انبعاثي للكتابة وطول ممارستي لمادتها كفيلان بنهنهة النفس عن بعض ثورتها، ولكني أخطأت، فإن أكثر ما حملت نفسي على قراءته يكاد يؤرِّث النار كلما خبت، ويعيدها جَذَعة (١) كلما طفئت، ويدفعني إلى مثل الحريق من الألم والحسرة والغضب للأدب العربي أن يكون إلى مثل هذا الضعف والفساد والقبح مصيرُه وعقباه.
إن أصحاب هذا اللسان العربي والناطقين به قد أصابتهم في عصور متتابعة مصائبُ الجهال والغفلة والضعف فتحطمت عروش الدولة في بلادهم كلها وعدا عليها كل عادٍ من ذؤبان الأمم فاستذلوهم وأخذوهم وفتكوا بهم وقَضْقَضُوا أوصالهم بالعنف والاستبداد تارة، وبالرِّفق والسياسة المتدجِّية، تارة أخرى. ثم جاءت أيام بعثت من تحت الليل جمرات تفرقت ثم اجتمعت ثم استطار شرارها فرمى في كل هامدة بعض الحياة، وكذلك ثارت أحلام النائمين بتحاسينها وتخاريجها وفنونها فانتفضوا يطلبون تحقيق أنوار لياليهم في سواد أيامهم، ولكنهم قاموا وهبوا على غير نظام ولا تدبير ولا تعبئة فانتشرت القوى الجديدة وتمزقت، فضعفت وأخفقت، ولم يكن منها ما كان يُرْجَى لها من الغلبة والظفر والسيادة، وبقي الضعف في هذه الأمم العربية هو عمادها وعماد أعمالها في عصر من القوة الأوربية الطاغية يمتد ويتراحب وينساح في الأرض كلها متدافعًا متدافعًا لا يقف ولا يفتر.
ومن بلاء الأمم الضعيفة بنفسها أن انبعاثها إلى التقليد -تقليد القوي- أشد
стр. 105
من انبعاثها لتجديد تاريخها بأسباب القوة التي تدفع في أعصابها عنفوان الحياة. والضعف يجعل محاكاة القوى أصلًا في كل أعماله. فلما فسدت قيادة أصحاب الرأي عند هذه الأمم الضعيفة، وكان لابد للمستيقظ من أن يعمل، كان عمل الأفراد متفرقين منسحبًا على أصلين: ضعفٌ أورثهم إياه ضياع كيان الدولة السياسي، وضعف كرثهم (١) به تفرُّق القيادة وشتات الأغراض، فلا جرم أن يكون كل عمل موسومًا بسمَةٍ من ضعفٍ مُظَاهر بضعف صاحبه، ولا جرم أن يكون أعظم أعمالنا هو تقليد أعمال الناس على الهوى والجهل والدهشة المتصرفة بغير عقل.
هذا كل شيء تحت أعيننا وبأيدينا: بيوتنا، مدارسنا، أبناؤها، رجالنا، نساؤنا، علمنا، أدبنا، فننا، أخلاقنا. . . كل ذلك على الجملة والتفصيل قد وُسم بميسم الضعف والتفرق وانعدام التشاكل بين أجزائه التي يتكون من مجموعها معنى الأمة، وكلها تقليد قد تفرقت في جمعه أهواء أصحابه من هنا وهنا. والتقليد بطبيعته لا يتناول من الأشياء إلا ظاهرها، فكل مآخذنا من أجل ذلك ليست إلا مظهرًا.
هذه المرأة -وهي فن الحياة الذي يَشْتهِي أبدًا أن يبدع حتى في الأذى- ما تكادُ ترَاها عِندَنا إلا دُمْيَة ملفّقةً من الحضارات وبدعها. . . ثيابها، زينتها، حليها، تطريتها (٢)، شعرها، تطريف (٣) بنانها، مشيتها، منطقها. . . كل ذلك أجنبي عنها متكلف منتزع من مظاهر غانيات باريس وعابثات هوليوود، ليس له من جنسها ولا أصلها شبَةٌ تَنْزِع إليه، وأسمَجُه أنه ملفَّق لا يتشاكل تشاكل المصدر الذي اجتلب منه بالتقليد.
وهذا الكاتب وهذا الشاعر -وهما فن الحياة الذي يعمل أبدًا في تجديد معانيها بالتأثير والبيان- لا تجد فيما يكتب أكثرهم إلا المعاني الميتة التي نقلت
стр. 106
من مكانها بالاعتناف والقسر فوضعت في جو غير جوها فاختنقت فمات ما كان حيا من بيانها في الأصل الذي انتزعت منه.
وهكذا. . . هكذا كل شيء تأخذه العين أو يناله الفكر، إنما هو دعوى ملفقة وتقليد مُسْتَجْلَبٌ وبلاءٌ من البلاء. ولا نزال مقلدين حتى يستطيع الأحرار -وهم قلة مشردة ضائعة- أن يبسطوا سلطانهم على الحياة الاجتماعية كلها، ويردوا إلى الأحياء بعض القلق الروحي العنيف الذي يدفع الحي إلى الاستقلال بنفسه والاعتداد بشخصيته، والحرص على تجديد المواريث التي تلقاها من تاريخه، ويغامر في الحضارة الحديثة بروح المجدد لا بضعف المقلد، فعندئذ ينتزع من الحضارة الأسباب التي تنشأ بقوتها الحضارات، ولا يكون موقفه منها موقف المسكين الذليل المطرود من المائدة. . . ينتظر وفي عينيه الجوع ليتقحَّم من فتاتها (١).
صورة النفس
عرضت لي مقالة في مجلة الثقافة عدد (٥٤) عنوانها "الأدب صورة النفس" كتبها الأستاذ "محمد مندور"، وقد استوقفني عنوانها قبل أن أقرأها، لأن هذه هي الحقيقة التي نقولها ولا نصل فيها إلى حق. وقد تغاوى (٢) النقاد عليها ومع ذلك فما تظفر من أقوالهم إلا بالمُبهم بعد المُبهم، ولا نجد لأكثرهم شرحًا لها يفي بمدلولها أو بسرها أو يزيل الإبهام عن مسالكها. . . يقول الأستاذ: "وإذن، فالآثار الأدبية والفنية تطلعنا بغير تحفظ على أسرار واضعيها النفسية بأسلوبها الخاص. . . ونحن نقصد بذلك إلى البحث عن نفس الكاتب والشاعر في تضاعيف ما يكتب. . . وعمل الناقد إذن عمل كشف عن أسرار لا تقع تحت البصر لأول نظرة، وسبيله إلى ذلك لا يمكن أن يكون إلا حسًّا باطنيًّا ترهفه التجارب والمعرفة الطويلة بمختلف النفوس. . . .". وكل هذا جيد من القول،
стр. 107
وهو كالشرح على عنوان المقالة. ولكني رأيت الأستاذ ينظر في آثار أدبية لأستاذين جليلين هما: أحمد أمين وطه حسين، وشرع يتكلم عن بعض آثارهما. تكلم عن مقال "في فيض الخاطر" هو: (صديق). فإذا كل الذي قاله وصف يمكن أن يقع على كل كلام، فيقول: "سترى كيف حطم الأستاذ هذا الصديق، فرده إلى عوامله الأولية؟ وقد تقاصرت جمله متجاوبة كأنها ذرات مادية نتجت عن هذا التحليل". . . والنتيجة! والنتيجة أن الأستاذ أحمد أمين أو أسلوبه أسلوب تحليلي، وفيه قوة مخيفة! والأستاذ طموح متقلقل في شتى السبل، لأنه كتب عن الشمس وعن الليل، يستقرى ما يجوب في ظلام الليل، وما تغدقه الشمس؛ ولا يصف جمالها أو وحشته! وهكذا، ولا أدري كيف أستخرج شيئًا من كل الذي كتبه يدل على الذي أراده مما نقلناه آنفًا؟ ولا كيف عمل هو في الوصول إلى هذه الأحكام التي دمغ بها الآثار الأدبية وأصحابها؟ ولا كيف كان عمله في التحليل النفسي الذي أحس به إحساسًا باطنيًّا! !
إنه لابد لمن يتناول مثل هذا الموضوع أن يفصل القول، فلا يجمله، لأنه بلا شك موضوع جليل، والكلام فيه سلوك في مجهل غامض يحمل على الإبانة والإيضاح، وإلا كان الكلام فيه على هذا تقصيرًا لا ينفع، ويكون أنفع منه أن يترجم لنا الأستاذ كلام النقاد الأوربيين الذين مارسوا هذا العمل وأفرغوا له أوقاتهم واستوعبوا الأصول التي يُسَار عليها في معالجته، وكذلك تتم خدمته للأدب والأدباء. . .
أبو العباس السفاح (١)
كنت أحب أن أستوعب في هذا التعليق كل الرأي الذي عرض لي في أمر أبي العباس السفاح أمير المؤمنين، ولكني رأيته قد خرج عن أن يكون من مادة هذا الباب، فلذلك اقتصرت على أشياء أرجو أن تعين الأستاذ العبادي في تحقيقه الذي بدأه، وعسى أن يكون في هذا القول بعض الصواب الذي يسعى إليه.
стр. 108
فمن ذلك أن أبا العباس السفاح، وأبا جعغر المنصور أَخَوان وليا الخلافة العباسية لأول أمرها، وكان أبو العباس أصغر من المنصور بعشر سنين، وأن اسم أبي العباس وأبي جعفر في نسبهما هو "عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس"، فأبو العباس هو "عبد الله الأصغر"، وأبو جعفر هو "عبد الله الأكبر". فإذا كان ذلك كذلك، وأبو جعفر قد لقب بالمنصور وأن الذي لقبه بذلك أبوه فيما نعلم، فلا غَرْو أن يكون أبو العباس كذلك ملقبًا، وأن يكون أبوه قد لقبه كما لقب أخاه.
وإذا كان أبو العباس "عبد الله" هو الأصغر فالتلقيب هو أولى به للتفريق بينه وبين أخيه أبي جعفر "عبد الله" وهو الأكبر الذي ولد أولًا وسمى "عبد الله" من قبله، ويؤكد أمر هذا التلقيب سيرورته بعد في خلفاء بني العباس جميعًا إلى انقضاء دولتهم، فكأنه كان من "تقاليدهم" وتعاليمهم.
وأيضًا فإنه قد وردَ في الحديث عن أبي سعيد الخُدْري عن رسول الله ﷺ قال: "يخرج منا رجل في انقطاع من الزمن وظهور من الفتن يقال له (السفاح) يكون عطاؤه للمال حَثْيًا"، وأئمة الحديث لا يصرفون هذا الاسم إلى أبي العباس، وإنما هو نبوءة كبقية النبوءات التي وردتْ في القرآن الكريم والحديث النبوي لا يدرى تأويلها إلا أن تكون. . .، ولكن الدعوة العباسية فيما يظهر قد جمعتْ بين هذا الحديث وأحاديث أُخر هي من باب النبوءات أيضًا وجعلت منها حديثًا اتخذته في الدعوة إلى إقامة الخلافة في بني العباس، فكانوا يروون للناس عن ابن عباس ﵁ أنه قال: "والله لو لم يبق من الدنيا إلا يوم، لأدال الله من بنى أمية، ليكونن منا السفاح والمنصور والمهدي"، وهم الخلفاء العباسيون الثلاثة على التتابع. ولا شك في أن هذا كان قبل قيام الدعوة بالفتح بزمن طويل. فلعل الإمام "محمد بن علي" قد لقَّب ولديه بهذين اللقبين تفرقة بينهما، وتفاؤلًا بالذي يروون في أحاديث الدعوة العباسية.
وإذا كان ذلك كذلك فمعنى اللقب إذن ليس من "سفح الدم" -وهو بهذا المعنى مجاز مقصورٌ لغرض بعينه- لكنه من الكرم والعطاء والبذل كما ورد في الحديث الذي سقناه آنفًا من أن "عطاء السفاح للمال حثْيًا" لأنه لا يصح في
стр. 109
العقل أن يلقب أحد ولده بهذه المذمة القبيحة وهو ينصبه للناس خليفة، وقد لقب أخوه من قبل بالمنصور. نعم قد سمت العرب في جاهليتها بالأسماء المنكرة، ولكن الإسلام جاء فحسم ذلك كله، ولم يبق من التلقيب والتسمية بالمنكر من الألفاظ شيء في أكثر البادية العربية، فكيف في الحضر ثم في أعظم بيوت الحضر، وهو بيت العباس؟ وقد كان لهم في رسول الله أسوة حسنة فهو قد غير أسماء كثير من الوافدين عليه من أصحابه "كزحم بن معبد" فسماه بشيرًا، وجميلة امرأة عمر بن الخطاب وكان اسمها "عاصية" وخلق كثير.
وعلى هذا الأصل نرى أن الناس في صدر الإسلام سموا "السفاح" فمنهم: السفاح بن مطر الشيباني، وهو ممن ولد في النصف الثاني من المائة الأولى للهجرة وكان من أصحاب الحديث، والسفاح أخو أبي سلمة بن عبد الرحمن الزبيدي لأمه وهو من التابعين، وقد روى عن أبي هريرة وغيرهما. ولا شك أن التسمية هنا منصرفة إلى المدح لا إلى الذم، فصفة أبي العباس السفاح هي إلى العطاء والكرم كما ذهب الأستاذ العبادي أولًا، ثم رجع حين تعقبه الأستاذ أحمد أمين.
أما النص الذي نقله الأستاذ عن اليعقوبي من أنه قال: عبد الله بن علي الأصغر وهو السفاح"، وهو عمّ أبي العباس والمنصور، فإن أصله منقول من ابن سعد في طبقاته حين ذكر أولاد علي بن عبد الله بن عباس فقال: "عبد الله بن علي الأكبر. . . وعبد الله بن علي الأصغر السفاح الذي خرج بالشام"، فهذا هو الأصل ولا يرى فيه إرادة التلقيب كالذي يرى من نص اليعقوبي، وإنما هي صفة كالسفاك والقتال. نعم، وأنا لا أدري كيف ادعى الأستاذ العبادي أنه اشتهر بذلك فانتقلت هذه الصفة إلى أبي العباس أمير المؤمنين، فإن الطبري وأئمة المؤرخين قد ذكروا عبد الله بن علي عم أبي العباس وأبي جعفر في أكثر من خمسين موضعًا ولم يلقبه أحدهم بهذا اللقب، فكيف يمكن أن ندعي أنه اشتهر به حتى كان من جراء هذه الشهرة أن اختلط على الناس وعلى الأدباء وعلى فلان وفلان كالجاحظ وابن قتيبة فوضعوا صفة "عبد الله بن عليّ" صفة "لعبد الله بن محمد" على قرب العهد. وكيف جاز أن يقع في ذلك الجاحظ في روايته، وهو أدق العلماء
стр. 110
رواية، وهو الذي رد أكثر رواية الهيثم وابن الكلبي وغيرهما من أصحاب الأخبار؟
وخبره الذي رواه وذكر فيه السفاح في البيان والتبيين ج ١ ص ٩٣ أخبره به "إبراهيم بن السندي" وقد قال فيه ج ١ ص ٣٢٦:
"وكان إبراهيم بن السندي يحدثني عن هؤلاء بشيء هو خلاف ما في كتب الهيثم بن عدي وابن الكلبي، وإذا سمعته علمت أنه ليس من المؤلف المزور، وكان عبد الله بن علي وداود بن علي يعدلان بأمة من الأمم. ومن مواليهم إبراهيم ونصر ابنا السندي، فأما نصر فكان صاحب أخبار وأحاديث، وكان لا يعدو حديث ابن الكلبي والهيثم، وأما إبراهيم فإنه كان رجلًا لا نظير له. . . وكان. . . وكان. . . من رؤساء المتكلمين وعالمًا برجال الدعوة وكان أحفظ الناس لما سمع وأقلهم نومًا وأصبرهم على السهر".
فرواية الجاحظ فيما نرى أقوم من رواية غيره، وهي دليل على صحة الصفة التي وصف بها أبو العباس أمير المؤمنين، والجاحظ قد أدرك صدر الدولة العباسية، ولم يكن بين مولده ووفاة أبي العباس السفاح كبير دهر حتى يكون ممن يختلط عليه الحق في مثل هذا الأمر، وبخاصة وهو يروي ما يروي عن الثقات في معرفة أخبار رجال الدولة.
أما سكوت الطبري وغيره -من متأخري المؤرخين عن صدر الدولة العباسية- فليس يعد دليلًا على بطلان هذا اللقب. وإن دل على شيء فربما دل على أنهم جانبوه وتباعدوا عنه وتركوه لما كان قد انتشر في عصرهم من معنى السفاح على أنه السفاك للدماء، وخفاء معنى هذا اللفظ الأول وهو الكريم الباذل الفياض الذي يكون عطاؤه للمال حثيًا.
هذه كلمةٌ صغيرة إلى الأستاذ العباديّ أرجو أن أكون قد بلغت بها بعض رضاه في التعقيب على رأيه الذي انتهى إليه ووقف عنده. ولعله يعود إلى الذي كتبه فإن له بالعلم بصيرة نافذة مسددة إن شاء الله.