← Джавами‘

Джавами‘ · id 20641

جمهرة مقالات محمود شاكر

محمود شاكر، أبو فهر

Полный текст (1 289 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

وأضأت مصباحي وبدأت الجزء أقرؤه حتى شغلنى عن أحاديث نفسي، وردنى إلى شيخى أطوع ما كنت له، وأعقل ما كنت عن بيانه .. كل هذا جيد يا أبا عثمان، ونعم صاحب الرأي كنت! وإنك والله ما تخلو -أيها الشيخ- من لسان ناطق مبين متدفق حتى حين تكتب، فما أقرأ لك إلا رأيتنى أجد الألفاظ تنفذ عن بصري إلى نفسي إلى عقلي إلى أوهامى التي أسمع دبدبة صوتك المتكلم في جوف دمى. ما أنت يا -أبا عثمان- إلا رجل محدث منطلق فياض اللسان، خفيف الروح، قليل البطء فيما تحاوله وما أظنك تكتب شيئا كما يكتب سائر من يتعاطى الكتابة ويعمل لها ويتحامل عليها، وما أحسبك إلا كنت مغلوبا على قلمك، قد غلب اللسان المتكلم فن القلم الصامت. هذه حروف كتابك تتردد على بياض الورق وكأن ترددها صدى صوت يتذبذب في جو الهواء. . . هكذا كنت أقول كلما وقفت على جملة من الكتاب أسكن عندها سكون المتأمل. وقطعت الكتاب حتى أفضيت إلى هذه الحكاية. . . قال أبو عثمان: قال الأصمعي: قال رجل لأعرابي: كيف فلان فيكم؟ قال: مرزوق أحمق! قال: هذا والله الرجل الكامل! ألقيت الكتاب، وجعلت أسمع إلى أبي عثمان وهو يردد: "هذا والله الرجل الكامل"! أجل إن الحماقة المرزوقة من جهود العقل ومتاعبه وعبقريته وتفانيه هي التي تعيش في الناس ظاهرة حاكمة غالبة مستولية على الأمد في السلطان والحكم والسيادة، وإنك لترى الرجل أو المرأة وما لهما من فضل إلا الغني، وأنهما على ذلك لأهل كل جميل وإنهما لغاية كل طامح، وأنهما لَلْقوة الكاملة التي تفيض على ما يطيف بهما روعة وجلالا. . . استبدت بي الرغبة، وألحت إلحاح العناد، أن آوى إلى سريرى بعد وَهْدَة. فأطفأت المصباح، وجعلت أتقلب قليلا قليلا، وأنى لأرى هذه النجوم في جوف السماء زاهرات مضيئات متلألئات، كأنهن عذارى ألقين زينتهن على الشاطئ ثم

стр. 912

انغمسن في لج البحر إلا ما عفا (١) البحر عنه من إهابهن الرقيق المضئ المتبلج .. أيتها النجوم السعيدة الضاحكة أبدًا! حدثينى بأفكارك الجميلة المتجددة! إنك منذ الزمن القديم، وأنت أبدًا تنظرين إلى الأجيال وهي تموج في أشعتك على هذه الأرض في تيار القضاء والقدر، منذ الأزل البعيد والدنيا تتفانى تحت نظراتك الهادئة الساخرة .. أف لك يا أبا عثمان! لماذا وضعت الأحمق المرزوق -هذا الرجل الكامل- بيني وبين هذا الجمال العتيق الذي يروى لعيني لمحات الإشراق الإلهي عن أقصى الأجيال الفانية الغابرة؟ وجعلت قصة أبي عثمان عن الأعرابي تنتشر في نفسي، وتتسرب في سراديب عميقة تحت الظاهر الإنساني المتجسد، وطفقت تأخذ في كل سرداب معنى جديدا، أو تثير معنى قديما، أو تدفع معنى ساكنا، حتى وجدت في أفكارى سطوة البعثرة التي تنفض النفس وتطيرها في وجوه كثيرة. لقد خرجت هذه القصة من معناها إلى معان أخرى كثيرة تتعادى وتتطارد وتغيب في كلمات الفكر البعيد. . . وأجهدنى ذلك إلى أن سبحت الروح في لجة الليل، واستيقظت الأحلام. وحضرنى أبو عثمان، فجاء من بعيد ضاحكا متسرعا نافضًا، وهو يعب عباب الحر، حتى دنا ثم سلم وجلس وأقبلت عليه بين يديه، فبدأت أستمع إليه وهو يروى ويقص وينشد، ويخرج من باب داخلا في باب، وهو خلال ذلك يتنادر على شيوخه وأصحابه ومريديه، ويحدث بكل غريبة وعجيبة ونادرة عن الأوائل وعن رجال العصر، ويروى من طرف الأخبار ما لم أسمع به ولا وقفت عليه .. حتى إذا هدأ قلت: يرحمك الله يا أبا عثمان! إني والله لفي تعب من طول ما أرحت نفسي وأرحت القلم: وما بدأت أكتب إلا وجدتني كالمغشى عليه من فرط ما يتوقف القلم، وإن في النفس من الحديث ما يعيى القلم بقليله فضلا عن كثيره، وإنك لتقول في بعض كتابك:

стр. 913

"وينبغي لمن كتب. . . أن يعلم أن صاحب القلم يعتريه ما يعترى المؤدِّب عند ضربه وعقابه. فما أكثر من يعزم على خمسة أسواط فيضرب مائة! ! لأنه ابتدأ الضرب وهو ساكن الطباع، فأراه السكون أن الصواب في الإقلال، فلما ضرب تحرك دمه، فأشاع فيه الحرارة فزاد في غضبه، فأراه الغضب أن الرأي في الإكثار، وكذلك صاحب القلم. فما أكثر ما يبتدئ الكاتب وهو يريد مقدار سطرين، فيكتب عشرة". وإني والله لأعزم وأهم وأثور وتغلى المعاني في نفسي، وأحمل القلم، وآخذ مجلس الكتابة، أعد العدة، وأريد مائة سطر، فما أجاوز سطرا أو سطرين، ثم كأن القلم قد اعْتُقِل (١)، وكأن الفكر قد بطل، وكأن الذي قد كان لم يكن! فنظر أبو عثمان، وإن الضحك لفي عينيه، ثم قال: من زمنك أتيت -يا بني! أنكم لتعيشون -أيها الكتاب- في زمان غير زمانكم، وأن أحدكم ليحمل من قلمه عبئًا ثقيلًا، كعبء من وقع في الصحراء يضرب في أرجائها، وما يحمل فيما يحمل إلا ثيابا وزينة ومتاعا وفنونا من الحضارة. وهو كان أحوج إلى زاد يزوده، إلى تمرات في جراب وماء في إداوة (٢)، وعصا يستعين بها على بعض أمره. إنكم لفي زمن أهون شيء عليه القلم، وإن الصباح ليخرج عليكم من جنبات الأفق بشهوات كثيرة تجعل الحياة عندكم عملا في استخراج أسباب المتاع باستخراج الدينار والدرهم، وإن الليل ليظل عليكم بشهوات أخرى تجعل الحياة إفناء لعمل النهار، فإذا كان نهاركم إحياء الدينار والدرهم، وليلكم إفناء الدينار والدرهم، فأين تجد يا بني عمل القلم؟ وأين تجد من يبالى بعمل القلم؟ إذا أردت -يا بني- أن تعيش بقلمك في زمانك هذا، فاحمله حين تكتب

стр. 914

على أنه أداة لاستخراج الرزق من الحياة، كما يحمل صاحب الفأس فأسه لاستخراج الرزق من الأرض، أما إن حملت القلم على أنه أداة البيان، وآلة العقل، وزينة النفس، وسر الطبيعة المركبة في سر الإنسانية، فأنت والله تحفي قلمك، وإنك لتبدأ عاملا جاهدًا مشتعلا، ثم لا تلبث أن تمل، فإذا مللتَ فما أيسر أن تنطفئ. ولتعلم -علمك الله الخير- إن فرق ما بين القلمين في هاتين الإرادتين، كالفرق بين من يحمل السيف على أنه آلة النصر غصبا وحربا، ومن يحمله احتياطا، حتى إذا وجد الدنيا تضيق بسلمه وحيلته ورفقه، فما يجد إلا أن ينصب السيف، ثم يحرر ذبابه (١) إلى قلبه ثم يتكئ عليه حتى يموت انتحارًا. فأنت إذا حملت القلم تريد البيان، ولا تريد من قلمك إلا البيان: لا تحفل رزقت به أم لم ترزق، فقد كتب عليك أن تبقي في شقاء القلم وتعبه، حتى إذا طالبتك الحياة بحاجاتها وضروراتها، فزعت وتلفت ودرت ودارت رأسك حتى تعلم أن القلم استخدمك في بيانه طائعا، وأنك لا تستطيع أن تستخدمه في أسباب الرزق طائعا ولا عاصيًا. فإذا مضيتَ على ذلك لا تبالى واحتملت شقاء الضرورة وكابدت طغيانها وأبيت إلا القلم وحده مبينا كاملا عادلا، فقد أبيت إلا أن تنتحر. إن صاحب القلم كصاحب العقل، فإذا أبى صاحب العقل أن يخضع عقله في الحياة لبعض غرورها، وأن يجعل في عقله مكانا لحماقاتها، شقى بالنقص في حياته إذ رضى بالتمام في عقله. فإذا أبى صاحب القلم أن يتهور، في بعض ما ينخسف من أبواب الكتابة، وأن ينحط في بعض الأودية الغامضة البعيدة عن طهارة البيان الحقّ، فما بد له من أن يتهور وأن ينحط في سعير الحيرة والقلق والضيق والشقاء المريض. . . وأنا أسألك: كيف تجدك تشقى وتعانى وتتألم، ولا تزال من فزع إلى فزع، ثم تجد القلم إذا حملته وأنت على هذا البلاء -مطيعا ريضًا سهلا سمحا

стр. 915

لا يشمس (١) بعنان في يدك؟ إن القلم أداة البيان، ولكنه أداة تريد رضاها من صاحبها، فإذا أقبلت عليها وأنتَ تحمل الهم وتتكفأ به كما تتكفأ السفينة المثقلة الموقرة على ثبج الموج، لم تستقم لك نصبتها التي تجعلها أداة صالحة للعمل على صورة يعينها. فإذا أردت -يا بني- إلا القلم النبيل الذي لا يتهور ولا ينحط، فامنع نفسك واحْفَظها وحُطْها، وتدبر لها، وترفق بها، ولا تمسك القلم إلا وقد علمت أنك قد نفيت عن نفسك الهم والخبث، ونكد الدنيا، وشقاء الحياة، وضرورة العيش، ثم اعمل له عمل المجاهد لا يبالى أن يموت، إذ نفي عن قلبه نوازع الحياة، فإذا فعلت فقد نفثت في هذا القلم المعطل روح السمو التي لا يمكن أن تنزل، وإن القلم يومئذ لهو أطوع لك من الحبيبة في هوى من يحبها، إذا أفضت الروح إلى الروح، وبقى الجزء الأرضي في أوحاله أسيرا ممنوعا مكفوفا عن عمل الشر الذي هو طبيعته وسر طبيعته. إن القلم الأحمق الذي لا عقل له هو القلم المرزوق -يا بني- وإن الأقلام أشبه بأزمانها منها بأصحابها، وإن زمنكم. . . ثم انتفضت جالسا إذ خيل إلى أن قنبلة تكاد تسقط علينا من السماء في أزيز الطائرات.

стр. 916

اللغة والمجتمع أدق تعريف للغة وأوجزه. فيما أعلم، هو ما جاء في كتاب الخصائص لابن جنى من أنها: "أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم"، وهو على إيجازه مغن عن التفصيل، ومصيب حد المقطع في الخلاف، ومساير لمدارج اللغات منذ نشأتها الأولى إلى أن صارت أوضاعًا محفوظة يقاس عليها. ففيه تحديد الصوت، وهو أصل الكلام المنطوى كله، وفيه ذكر الجماعة، وهم القوم الذين يتفاهمون بينهم بهذه الأصوات المختلفة، وفيه ذكر الأغراض، وهي حاجات المجتمع الذي يتفاهم بتلك الأصوات المعينة وهذه هي حقيقة كل لغة في كل زمان وفي كل مكان وبين كل جماعة. ولما كانت أداة الصوت، وهي الحلق واللسان وما يكتنفهما، هي بطبيعتها مختلفة في الناس على تباينهم منذ كان الناس، وكانت الأعراض والعلل التي تلحقها تزيد الاختلاف كثرة وشدة، كانت الأصوات المعبرة عن الأغراض عرضة للتباين والاختلاف أيضًا. ولا مراء في أن الحلق واللسان وعملهما في النطق خاضعة لقانون طبيعي كالقانون الذي اكتشفه الإنسان وأصدر عنه أكثر آلات الموسيقى على اختلاف تركيبها، وعرف بذلك كيف يبتدع الأصوات ويقلدها ويفسد منها ويصلح. وكذلك الجماعات أيضًا خاضعة لقانون -أو قوانين كثيرة- تجعل لكل جماعة دستورًا أو دساتير تجري عليه في كل شأن من شؤونها، وتفضى بها إلى غايات أو نتائج لا محيص عنها. وهذه القوانين تنشيء من الأغراض -أو تنشأ هي من الأغراض- ما تصبح به الجماعة فئة ذات حضارة مدنية على اختلاف الدرجات. فمن أجل ذلك كان لابد للغة من قوانين تسير بها وتتغير على قواعدها طبقا لما يلحق أداة التعبير نفسها من التغير والتباين، وبحسب ما تخضع له الجماعة من

стр. 917

تطور إلى علو أو سفل، وتبعًا للأغراض التي تقتضيها طبيعة التبدل التي هي سنة من سنن الله في الحضارات والمدنيات. ومن أجل ذلك نشأ علم جديد يبحث عن هذه القوانين التي تشمل طبائع الألسنة المختلفة في العصور المتطاولة، وهو الذي في شأنه ألف الدكتور وافي كتابه "اللغة والمجتمع". ولا شك أن علماء العربية القدماء لم يؤلفوا في هذا الباب كتبًا قائمة برأسها. وليس معنى هذا أنهم لم يكونوا يعرفون شيئًا من هذه القوانين التي انتهى إليها بحث المحدَثين. كلا، بل كان في كتبهم ما يدل على أنهم ألموا بأطراف من هذه القوانين وساروا في بعض أبحاثهم سيرة من يدرك حق الإدراك طبيعة تلك القوانين ومقتضياتها. ولكن كل ذلك من عملهم كان شيئًا مبعثرًا في كتبهم وفي مطاوى كلامهم، ولم ينتهوا إلى إفراده بالتأليف على النسق الذي انتهى إليه المحدَثون، وتركوا لمن يأتي بعدهم جهد الإبداع فيما أشاروا إليه أو ألموا به، وكان من أعظم من تعاطى القول في بعض ذلك في تضاعيف كلامه، فيما أعلم، الجاحظ أولا، ثم أبو علي الفارسى، ثم تلميذه إمام العربية أبو الفتح بن جنى، في كتاب "الخصائص"، وفي كتاب "سر صناعة الإعراب"، وفي كتاب "المحتسب في شواذ القراءات" بيد أن انتثار القول هنا وهنا يجعلنا نقضى بأنه لم يكن عندهم "علمًا" ولا "فنًّا"، بل كان بابًا من المعرفة غير مضبوط ولا محصور ولا مترابط. أما العلماء المحدثون -من غير أهل اللسان العربي- فقد تدارسوا ما يختلف على اللغات أو أكثرها من تغير وتبدل على مدى عصور متطاولة، فانتهوا إلى شيء كثير من هذه القوانين التي يخضع لها اللسان في أمم كثيرة، وصارت اللغات عندهم ظاهرة من الظواهر الطبيعية تدرس على حدتها، دراسة استقصاء للأطوار التي مرت على مفرداتها ونحوها وإعرابها وبيانها. أما عندنا في العربية فقل ما ألف من الكتب فيها وندر من شغل نفسه بتتبع مثله في مدارج العربية من أول أمرها إلى يومنا هذا. ولعل رجلا أو رجالا لو تتبعوا ذلك في بلاد العرب كلها أن يهتدوا إلى كثير من وافى هذا الفن فيسدوا بذلك إلى العربية في العصر الحاضر خيرًا كثيرا في

стр. 918

إصلاح تعليمها، وتيسيرها على أهل العصر، وتبسيطها لهم حتى يدرك منها الرجل من عامة الناس ما لا يزال يجد العوائق دونه جمة مستعصية. وقد أراد الدكتور وافي بكتابه "اللغة والمجتمع" أن ينقل إلى العربية صفوة ما انتهى إليه الرأي في شأن القوانين التي تسير عليها لغات الأرض قاطبة من حيث هي إحدى الظواهر الاجتماعية على اختلاف ألسنة البشر والناطقين بها. وقد قسم دراسته هذه ثلاثة أقسام: الفصل الأول في تطور اللغة وارتقائها. والفصل الثاني في صراع اللغات بعضها مع بعض. والفصل الثالث في تفرع اللغة الواحدة إلى لهجات ولغات. ففي الفصل الأول طوى المؤلف جمهرة العوامل والمؤثرات التي تعمل في تطور اللغة من حالة إلى حالة أعلى أو أسفل، وهذا الفصل هو أهم الفصول في أمر اللغة ففيه تكمن العوامل الاجتماعية والأدبية والطبيعية واللغوية التي كان لها أكبر شأن في تحول اللغات من لهجة إلى لهجة، ومن أسلوب إلى أسلوب، ومن لغة إلى لغة. ودراسة أسرار هذه العوامل ودراسة آثارها بعد الاستقصاء والتحقيق، لها خطر أي خطر -لا في معرفة التطور اللغوي وحده، بل أيضًا في استخراج أشياء من اللغة نفسها بعد تطورها تتيح للباحث أن يقف على أحوال الشعب الذي كان يتكلم بها، من حيث الحضارة والثقافة والأدب، والأخلاق، وسائر أسباب مدنيته، وتكشف له الغطاء عن علاقاته بالأمم التي جاورته أو احتلته أو عقدت بينه وبينها أواصر الرحم والقربى، وما كان بينهما من تبادل الثقافات والتجارات والفنون وما سواها. فمعرفة القوانين التي تخضع لها اللغات في تطورها أمر لا غنى عنه لمن يريد أن يصور تاريخ الأمم الماضية بصور أقرب إلى الواقع. فما أكاد أرتاب في أن علم التاريخ وحده علم "قاصر" لم يلم كل الإلمام بما ينبغي أن يشتمل عليه من الحالات الاجتماعية السائدة بين الناس، والتي لها فيما أظن أكبر الأثر في حضارة الأمة، ولعل أثرها في ذلك أعظم وأخطر من أثر الأحداث التي عنيت أكثر كتب التاريخ بجمعها واستيعابها.

стр. 919

وقد أتى في هذا الباب طرف مما يتعلق بآثار هذه القوانين في اللغة العربية، غير أنه جاء عرضًا ومن ناحية الاستدلال وحده على صحة القانون الشامل لسائر اللغات. وأظنه يكون أجدر بالأستاذ أن يفرد لمثل هذا الشأن كتابًا يتَّبَّع فيه العربية ولهجاتها واختلافها على العصور وفي البلدان المتباينة. وذلك لأن إدراك ذلك في اللغة التي يعرفها القارئ أتمَّ معرفة، يكون أقرب وأسهل منه في لغة أجنبية عنه، قلما يتاح له أن ينفذ إلى تاريخ ألفاظها نفاذًا يعينه على حسن فهم الموضوع الذي يعالجه المؤلف. وليس في الذي أقول غض من شأن الكتاب في ذاته، بل هو نقص في المكتبة العربية نحب أن يسده من كان أهلًا له وقائمًا به. وقد رأيت الدكتور وافي حسن التهدِّى إلى أشياء من ذلك في كتابه، فلذلك أحببت له وللعربية أن يتولى تأليف كتاب يغني القارئ العربي عن كثير من فضول القول في لغات لا يسهل عليه أن يضطلع بعبئها مستقلًّا، والفائدة التي تهدى إليه من مثل ذلك خليقة أن تحفز الهمة إلى إنجازه. أما الفصل الثاني وهو صراع اللغات، من ناحية نزوح العناصر الأجنبية إلى بلاد فيها لغة قائمة، ومن ناحية تجاور الشعوب المختلفة الألسنة، ومن ناحية العلاقات التجارية والثقافية والأدبية، فهو أقرب إلى دراسة تاريخ اللغات وما كان من أمرها بين الحياة والموت وبين الغلبة والهزيمة، وكيف يتم أحد هذين الأمرين للغة على أخرى، وما هي الأسباب المفضية إلى هذه العاقبة. ومعظم هذه الأسباب كما قال المؤلف نفسهُ تردّ في أخراها إلى العوامل الاجتماعية التي عالج بحثها في الفصل الأول، بل هي في الحقيقة شيء لا مفر منه في العالم الاجتماعي كله. وأما الفصل الثالث: وهو تفرع اللغة الواحدة إلى لهجات ولغات، فهو عندي من أقوم فصول الكتاب. ولو كنت مؤلفًا في مثل ذلك لبدأت بهذا الباب أو بأكثره، لأن اللغة الواحدة تتشعب من أول نشأتها إلى شُعَب من اللهجات قبل أن يلحقها التطور اللغوي الذي بينه المؤلف في أول كتابه. فعندئذ تتشعب مرة أخرى بعامل من العوامل الكثيرة التي تصطلح عليها حتى تستقل لهجة عن لهجة فتصير إحداهما لغة ثانية. والقوانين التي تخضع لها اللغة في انشعابها إلى لهجات

стр. 920

هي أصل القوانين التي تخضع لها في انشعابها في لغات، وهي أشبه شبهًا بالقوانين التي تفضي إلى تطورها وارتقائها أو انتكاسها. والمؤلف فيما أظن كان عارفًا بذلك كل المعرفة، لأنه قدم في أول هذا الفصل ما يفهم وأنه كالملحق بالفصل الأول، وجاء في أثناء كلامه ما يجعل الشبه بين الفصلين أقرب ما يكون. ولعل الذي دعاه إلى تقديم الأول وتأخير الثالث خطر التطور اللغوى في تاريخ الألسنة، وخفاء شأنه في انشعاب اللهجات. وهذا رأي، ولكني أميل إلى الذي قلتُ به. هذا عرض الكتاب، رأيت أن أقتصر فيه على هذا القدر. بيد أنى رأيت المؤلف كان يقف من بعض الآراء التي ينسبها إلى أهلها موقف البصير المتعقب، فكان في أكثر الأحيان موفقًا غاية التوفيق، وكان في أحيان قليلة يميل به كرم طبيعته ترجيح رأي قال به عالم كانت بينه وبينه مودة سابقة، أو لعلى مخطئ، فيكون هو من صاحبه أنفذ بصرًا وأهدى فهمًا في حقيقة ما كان يقول به، غير أنه في حجاجه كان مبينًا كل الإبانة عن حقيقة رأيه. وبقي في الكتاب أشياء كثيرة أخرى لم نتعرض لها بالنقد ولا بالتوضيح، لأن ذلك يقتضيني أن أكتب فيها كلامًا قائمًا بنفسه، فإن موضوع اللغة متشعب تشعبًا يجعل المرءَ أمضى قلمًا في باب التوسع، فلذلك آثرت أن أطوى ذكرها حتى يحين حينها، ونعود إلى بقية آراء المؤلف في سائر كتبه الأخرى، ليكون الموضوع أملأ بالرأي وأَقْوَم بالحجة. هذا، ولابد لقارئ الكتاب من أن ينتهي إلى رأي لا محيص عنه: هو أنه لابد من دراسة اللهجات العامية في البلاد العربية كلها دراسة تبويب وتقسيم وفهم، ولابد من رد كل طارئ على هذه اللهجات إلى الأصول القديمة التي لا تزال باقية متوارثة في سلائق الشعوب التي تنطق بالعربية إلى يوم الناس هذا، وأن نجعل أكبر همنا أن ننتهي إلى معرفة هذه السلائق المشتركة بين العرب على اختلافهم. فإذا وقفنا على ذلك وعرفناه تمام المعرفة، تيسر لنا أن نَنمِّى هذه السلائق، وأن نعلمها العربية على هدى من قوانينها الثابتة، وبذلك تجري العربية

стр. 921

يسيرة سهلة على الألسنة، ونصير في مندوحة عن الخضوع للقوانين التي جعلت اللغة العربية الأولى تنشعب في ميادين المحادثة إلى لهجات متباينة، على الرغم من الجهود الجبارة التي بذلت في سبيل صيانتها والاحتفاظ بوحدتها ومحاربة ما يطرأ عليها من لحن وخطأ وتحريف (كما قال المؤلف في ص ١٣٢). بل نقلب الأمر، ونجعل هذه القوانين خاضعة لسيطرة علماء العربية في تيسير أمرها على متعلميها من أهل اللسان العربي والسليقة العربية. وكفي بهذا غرضًا تبذل في سبيله كرائم الجهود والآراء.

стр. 922

أوطانَ في أواخر القرن التاسع عشر الميلادى وأوائل القرن العشرين، كانت العربية قد بلغت من الانحلال على ألسنة أهلها مبلغًا ليس بعده إلا موت اللغة واندثارها بتةً واحدةً، لولا كتاب واحد كان كالديدبان على مصير هذه اللغة ومصير أهلها -هو القرآن، إذ كانت في كل بلد عربي لهجة عامية تختلف عن عامية أخيه، بيد أن القرآن ظل هو اللغة المشتركة التي يتفاهم بها هذا الجيل المختلط من العرب، وظلت لغته هي الرباط الوثيق الذي يمنع هذه الأمة العربية من أن تنتشر وتتفرق وتنقطع بينها أسباب التفاهم. وفي هذا العصر نفسه كان الشعر العربي، في هذه البلاد المختلفة والأوطان المتباعدة، خليطًا عجيبًا من الركاكة والعبث بالألفاظ وبالمعاني وبالعقول، فكان مصيره أيضًا إلى الاندثار، لولا رجل فرد جاء كالقدر الغالب لينقذ الشعر العربي من أن يصير رِمَّة بالية في تاريخ الأدب، هو محمود سامى البارودى الذي نشأ على سليقة العرب الأوائل، فطرح الركاكة واللهو بالألفاظ، وانتحى الجزالة وقوة الأسر في العبارة في شعره، أو في التعبير عن حقيقة ما يدور في نفسه "هو" من المعاني التي يحس بها إحساس الشاعر، وإن كان يسلك أحيانًا طريق تقليد القدماء فيما لم يحس به ولم يعرفه، كبكاء الديار والأطلال ما إليه من خصائص شعراء الجاهلية وصدر الإسلام. فكانت نشأة البارودى في ذلك العصر إحياء للعربية وللشعر العربي لم نقدره إلى اليوم حق قدره. فلولا كتاب الله، ثم لولا ما شاء الله من هداية البارودى الشاعر إلى حقيقة نفسه وإلى حقيقة الشعر، لما صارت العربية إلى الذي صارت إليه اليوم، حتى لو بعث الجاحظ، وبيننا وبينه أكثر من عشرة قرون ومئتى سنة، لما أعجزه أن يفهم عن العقاد والمازنى وطه حسين من كتاب هذا اليوم، وعن محمود حسن إسماعيل وعلى طه من شعرائنا المعاصرين.

стр. 923

وفي هذا العصر نفسه، بلغت فورة الاستعمار الأوربى ذروتها، وغمرت الشرق والغرب العربي أمواج طاغية متدافعة من البغي والعدوان والعصبية الفاجرة، وأصبح العرب من أطراف مراكش إلى أقاصى العراق غرقى في لجج الاستعمار الأجنبى، ثم لا يجدون شيئًا يتشبثون به إلا الإيمان، وإلا أنهم قوم بُغِى عليهم و"على الباغى تدور الدوائر"! أي أنهم كانوا مستسلمين لعقوبة القدر التي نزلت بهم، وكان مع الاستسلام الذهول والتشتت والحيرة والضلال عن الطريق السوى، طريق الحرية. وفي هذا العصر أيضًا ولد رجلان قدر لاسمهما أن يكونا أعلى الأسماء في شعراء مصر والبلاد العربية، هما شوقى وحافظ، ولد أولهما في سنة ١٨٦٨ وولد الثاني في نحو من سنة ١٨٧١، أي قبيل اليوم المشئوم في تاريخ وادي النيل وتاريخ العرب قاطبة، إذ تم للغزاة البريطانيين أن يطؤوا ببطشهم أرض القاهرة في ١٤ سبتمبر سنة ١٨٨٢. فنشأ الرجلان في حقبة من الدهر كان البلاء فيها محيطًا بالأرض التي ولدا فيها وبسائر بلاد العربية. وكان البارودى يومئذ قد نفي إلى جزيرة سيلان بعد أن استسلم للغزاة كما استسلم إخوانه من رجال الثورة العرابية، وخلا بِغَيْبَتِه ميدان الجهاد من شاعر يؤرث أحقاد أمته على الغزاة، أو يرفع لعينيها أهدافًا نبيلة سامية تندفع إلى بلوغها، أو يملأ قلوبها أشواقًا إلى التحرر من طغيان الغزاة وغطرستهم واستبدادهم. وقد فُتِن هذان الشابان بالشعر منذ حداثتهما وطلبا أن يكونا شاعرين مذكورين كما كان إمامهما البارودى، فإن البارودى كان قد حطم ذلك الوهم الراسخ الذي لم يزل يملأ قلوب الشعراء هيبة تحجم بهم عن الطمع في بلوغ مرتبة الأوائل القدماء في الشعر: من قِبَلِ لغته وجزالتها، ومعانيه وجدّتها، وأغراضه وحداثتها. فأرهف هذا المثل الحي إحساس الشابين، فانطلقَا يطلبان الشعر من معادنه الأولى كما فعل البارودى: طلباه من دواوين شعراء الجاهلية وصدر الإسلام إلى ما وراء العصر العباسى. وتم لهما ما أرادا، فأجادا اللغة وتتبعا ألفاظها، وحرصا على اختيار جيد الكلام واحتذاء مِثَاله في أغراض عصرهما،

стр. 924

حتى صارا شاعرين لا تنزل ديباجة كثير من كلامهما عن ديباجة شعر العصر العباسى، ولكنهما وقعا في أشد مما وقع فيه البارودى، فكانا كثيرًا ما يقلدان شعراء هذا العصر في نهج شعرهما، وفيما لم يحسا به، وفيما لم يعرفاه على وجهه من تاريخ تلك الحقبة من حضارة الدولة العربية، فصارا يستعيران من كلامهم وأسلوبهم ما ليس يغني شيئًا في مثل عصرهما، وإن شئت فقل: ما ليس له معنى في هذا العصر. ولما استقاد لهما الكلام العربي السليم، نظرا فأبصرا سبعين مليونًا من العرب يرسفون في أغلال الاستعمار الأوربى، ومن ورائهم خمسون مليونًا ومئتا مليون مسلم من أهل القرآن يرسفون في هذه الأغلال أيضًا، وفي أغلال مثلها من الجهل والتفرق والتنابذ والتدابر والعصبية الجاهلية. ثم تلفتا فإذا مجد باذخ عريق كان لأسلاف هذه الأمة من خلق الله، ولأوطانها التي تعيش فيها -مجد يضرب بجذوره إلى آلاف من السنين في مصر والشام وبلاد العرب والعراق وتونس ومراكش والجزائر وتركيا وفارس والهند وما والاها. ولم يلبثا أن سمعا صوت جمال الدين الأفغانى، وهو يدور في أرجاء الدنيا ليوقظ هؤلاء المسلمين من غفواتهم، ويحملهم على فضّ تلك الآصار التي ضربت عليهم. ثم لم يلبثا أن سمعا الصيحة الأولى في أرض مصر والسودان- صيحة الجهاد والتحرير التي انبعثت من قلب الفتى مصطفى كامل في نحو سنة ١٨٩٠، ورددتها جنبات الوادي، واستيقظ على رَوْعتها ذلك الجيل المستسلم بعد فُجَاءَة الاحتلال. فانتبه هذان الشابان وتسمَّعا، فإذا صيحات أُخَر تدوى في نواحي الأرض العربية والأرض الإسلامية كلها، داعية إلى التحرر من ضراوة الاستعمار الأوربى، ومن البطش التركى، ومن الجهل المستبد الجاثم على هذه الشعوب، ومن الخوف الذي يقبض الهمم ويُغلُّ النفوس. وإذن فقد نشأ هذان الشاعران في زمن كل ما فيه يدعو الشاعر إلى أداء الفَرْض الأول على أبناء الوطن، وهو الجهاد، فماذا كان من أمرهما؟

стр. 925

كان من البديهي أن ينبعث هذان الشاعران إلى باب من الشعر حقيق بأن يسقط عنهما عبء الجهاد العسير في السياسة أو في الثورة أو في الجماعات السرية التي تعمل لاستنقاذ الوطن الأصغر وهو مصر والسودان، وتحرير الوطن الأكبر وهو ديار العروبة والإسلام، كما فعل رجال كالأفغانى وتلاميذه ومن جاء بعدهم. وهذا الباب من الشعر هو الذي يؤثر الكتاب أن يسموه الشعر الوطنى أو الشعر القومى. وقد عرف الرجلان ذلك وأراداه، وأدركا أن عليهما فرضًا وطنيًّا لابد من أدائه على وجه من الوجوه، ولذلك كثر في شعرهما ما قالاه في المناسبات الوطنية قديمها وحديثها. وليس عليك إلا أن تتصفح ديوان شوقى ثم ديوان حافظ، فتعلم أنهما شاركا مشاركة تامة في ذكر الأحداث السياسية العظيمة التي عاصراها. وكان حقًّا عليهما أن يعرفا أن هذا الضرب من الشعر إنما هو جهاد في سبيل بلادهما وفي سبيل سائر الأوطان العربية والإسلامية، وكان حقًّا عليهما أن يحرصا عليه حرصًا شديدًا، لأن الأمم العربية والإسلامية كانت يومئذ تتحرك وتغلى، وكان وطنهما مصر مُهَاجَر كل مضطهد ومأوى كل مهضوم، وكانت هي نفسها تغلى غليانًا شديدًا عميقًا لقرب عهدها بنعمة الحرية المسلوبة في سنة ١٨٨٢، ولأن الغاصب كان يومئذ جبارًا متغطرسًا شديد الوطأة، لم ينشِّئْ بعد ذلك الجيلَ المستكين إليه، العاملَ على مرضاته، القانعَ بالوظيفة، الراضىَ بخسيس الجهد في خسيس الرزق. وهذا الضرب من الشعر الوطنى الذي قصداه أو ظنا أنهما قصداه كان بلا ريب شيئًا جديدًا عليهما وعلى الشعر في زمانهما، فهل استطاعا أن يعرفا طريقهما إلى إنشاء أسلوب لهذا الشعر غير الأسلوب الذي درج عليه شعر الحماسة وشعر المناسبات. أما "حافظ" فما أظنه فعل شيئًا ولا كان في طوقه أن يفعل شيئًا، ولذلك قصر شعره على المناسبات يقول فيها، وكان قليل المحصول من تاريخ هذه الدنيا، فاتر النفس في عالم مضطرب، مُسْتَغْرَقًا في همم صغارٍ لا تنزع به إلى ثورة ولا إلى تحريض على ثورة، وكان إلى آخر حياته حريصًا على أن يكون مكفيّ

стр. 926

الرزق، فإنه ﵀ قد لقى عنتًا شديدا من ضيق ذات يده في نشأته وفي صباه وفي أكثر شبابه. ولكنه لم يخل شعره أحيانًا قليلة من إحساس وطنى يدفع الشاعر أن يقول شعرًا فيه نفحة من الوطنية، ولكنه شعر على غير نهج وإلى غير هدف، بل كان إذا جاءه القول قال. واستقر في نفسه أن ذلك حسبه من الشعر الوطنى فيما يظن ويتوهم. وكان في حافظ عيب آخر ضلله وزاغ به عن طريق الحق، ووقع به دون الاهتداء إلى النهج الذي يكون به الشاعر صاحب شعر وطنى أو قومى، فقد كان إنسانًا مذعور القلب في غير ذعر، قليل الحمل للمشقة وتكاليفها، كثير الشكوى والتبرم من أهون شيء، فكان إذا جاءه شعر فيه شيء يخشى أن يؤخذ عليه، آثر السلامة فطواه وأبى أن ينشره، كما روى ذلك أكثر الذين عاصروه وصاحبوه، ولما نشر هذا الشعر بعد وفاته كان أفرغ من أن يخافه إنسان من عامة الناس فضلا عن شاعر من خاصة المجاهدين! ثم إن هذا الذعر في غير ذعر كان يحمله على اختيار مناسبات يقول فيها شعرًا تبرأ الوطنية منه، ولا يقوله إلا شاعر متكسب أو خائف أو مقتول إن سكت، كان يقوله وهو يعلم كما يعلم أنه لن يأتيه بخير كثير ولا قليل، ففيم كان عناؤه وكده ذهنه إذن؟ فأي شاعر اهتدى إلى الحق يخطر على باله أن تموت ملكة بريطانيا التي كان زمنها بلاء مصبوبًا على بلاده، فإذا هو يرثيها ويعزى قومها الذين غزوا بلاده وساموها الخسف، وأي خسف؟ هو الخسف الذي شهده حافظ بعينيه وأبصره بباصرتيه! ونشر هذا الرثاء الغث في يناير سنة ١٩٠١، والذي لن يسمعه أحد إلا قومه المساكين، وهو كان يعلم ذلك حق العلم، ولذلك يقول في أولها: "أعزى القوم لو سمعوا عزائي" ولو سمعوا عزاءك لفعلوا ماذا أيها الشاعر الرقيق القلب؟ ثم لما ماتت ملكة بريطانيا التي تعرف في تاريخهم باسم فكتوريا، ولى المُلْك بعدها في يناير سنة ١٩٠١ إدوارد السابع، فإذا الشاعر المصري ينبري بعد أكثر من عام فينشر في أغسطس سنة ١٩٠٢، يهنئ ملك الغزاة البريطانيين بتتويجه بقصيدة مطلعها (١: ١٨):

стр. 927

لمحتُ من مصرَ ذاكَ التاجَ والقمرَا ... فقلتُ للشعر هذا اليوم من شعرَا يا دولةً فوق أعلامٍ لها أسدٌ ... تَخْشَى بوادرَهُ الدُّنيا إذا زأرَا في كلام كثير هو على غثاثته مدخول مرذول، فأي رجل هذا الذي يقول لأبناء أمته إن الدولة المحتلة لبلادكم دولة ذات بأس تخشاه الدنيا؟ وأي تثبيط هذا؟ وما الذي دفع هذا الرجل إلى أن يقول ما قال ثم يشفعه بما هو أرذل منه وأشد تثبيطًا، إذ يقول لبريطانيا: منْ ذا يُنَاوِيكِ والأقدارُ جاريةٌ ... بما تشائين، والدُّنيا لمن قهرَا إذا ابتسمتِ لنا، فالدهرُ مبتسمٌ ... وإن كشرتِ لنا عن نابِهِ كشرَا ألستَ خليقًا أن تقول كما قال القائل الأول: "لا والله لا يخرج هذا الكلام من قلب سليم أبدًا"؟ ثم ندع شيئًا كثيرًا من أمثال هذا وننظر، فإذا يوم "مشئوم" آخر في تاريخ مصر يفجع الشعب المصري كله، وتتسامع به الدنيا وتقشعر له الأبدان، حتى أبدان الإنجليز أنفسهم، لشناعته وشناعة آثاره، هو يوم دنشواى الذي لم يشهد العالم يومًا أفظع منه وحشية ولا اعتداء على الإنسانية. وكانت هذه الحادثة خليقة أن تنشيء رجلا لم يقل الشعر قط فيكون شاعرًا يملأ رحاب الدنيا تفجعًا ونداء وتحريضًا على تقويض دعائم البغي والطغيان، أما إذا كان الرجل شاعرًا وطنيًا، فكانت حقيقة بأن تبعثه بعثا جديدًا فيجرِّد شعره للحرية والجهاد والمصابرة على البأساءِ والضراء، حتى يوقظ نيام قومه من غَفَلاتهم، وينفض المخاوف عن قلوبهم، ويجيش هممهم للصِّراع الذي لا تنطفيء له جمرة أو تنطفيء جذوة الحياة في أبدانهم، ولقد وقعت هذه الكارثة في ١٣ يونية ١٩٠٦، وحافظ يومئذ في الخامسة والثلاثين من عمره، أي في فَوْرة الشباب والعزم والقوة، ودوى صوت مصطفى كامل كأنه الرعود القاصفة في السحاب العرَّاض في الليلة المظلمة، فماذا كان من أمر هذا الفتى الشاعر الوطني؟ إنه استفتح قصيدته بهذه الكلمات الرقيقة وبهذه السخرية اللطيفة التي يقول فيها (٢: ٢٠): أيها القائمون بالأمر فينا ... هل نسيتمْ ولاءَنَا والودادَا

стр. 928

ثم لا تنس أنه يخاطب الإنجليز ويذكر لهم ولاء مصر وودادها! ! خفّضوا جيشكُمْ وناموا هنيئًا ... وابتغوا صيدكُمْ وجوبوا البلادَا وإذا أعوزتكُمْ ذاتُ طوقٍ ... بين تلك الرُّبَى، فصيدوا العبادَا إنما نحنُ والحمامُ سواءُ ... لم تغادر أطواقنا الأجيادَا ثم يطلب من الطغاة إحسان القتل إذا ضنُّوا بالعفو، وأنه لا يليق بالقوى أن يتشفى من ضعيف أسلم إليه قياده، ثم يقول: إنّ عشرين حجّةً بعد خمسٍ ... عَلمتنا السكون مهما تمادَى! إلى آخر ما قاله في هذه القصيدة، وهو كلام لا غناء فيه ولا يمكن أن يعد في جيد الشعر الوطني، فإن فيه من المغامز ما لا يقوم له شيء من عذر أو سواه، بل أكبر من ذلك كله أن هذا الفتى الشاعر لم يلبث أن نشر قصيدة أخرى في ٥ أكتوبر سنة ١٩٠٦ يستقبل بها اللورد كرومر عند عودته من مصيفه بعد حادثة دنشواى (٢: ٢٢) يقول في مطلعها إنه لا يريد بها شيئًا أكثر من أن يعاتب اللورد ويقول له "علمتنا معنى الحياة"، ثم لا يزال يفيض في كلام رقيق سهل حتى يقول له ويذكر ولاء المصريين للبريطانيين! ! رفقًا عميد الدولتين بأمّةٍ ... ضاقَ الرجاءُ بها وضاق المذهبُ رفقًا عميد الدولتين بأمّةٍ ... ليست بغير ولائِها تتعذّبُ كن كيف شئتَ، ولا تَكِل أرواحنَا ... للمستشارِ فإن عدلَكَ أخصبُ فاجعل شعاركَ رحمةً وموَدّةً ... إن القلوب مع الموَدّةِ تكسبُ إنها نصائح غالية يهديها هذا الفتى الشاعر الوطنى إلى الغازى المتغطرس الذي لم تسلم من شروره زاوية في أرض مصر، لكي يكسب قلوب المصريين وينال مودتهم وإخلاصهم له ولبريطانيا، فما أعجب وما أغرب! ! ثم هل يكتفي هذا الفتى ويمسك لسانه عن القول؟ كلا بل هو يبسطه أشد البسط في أوجز قول وأخصره، يصف قومه وما هم عليه فيقول للورد العظيم: وإذا سُئِلتَ عن الكنانة قُلْ لهم: ... هي أمّةٌ تَلهو وشعبٌ يلعَبُ واستبقِ غفلتَها، ونمْ عنها تَنْم ... فالناسُ أَمثال الحوادث قُلَّبُ

стр. 929

"هي أمة تلهو وشعب يلعب"! لم تكن لحافظ مندوحة عن أن يقول هذا القول، فإنها عادة "سيئة" من عاداته لم يزل يرددها في شعره ما استطاع، كأنه ترك هجاء الناس ووكل بهجاء هذه الأمة، لتكون كلماته عونّا للغزاة حين تذيع وتثبت وتجري بها ألسنة الجهال والمنافقين وشذاذ الآفاق الذين نزلوا مصر مع الاحتلال البريطاني. وقد كان ذلك، فمن منا أخطأه أن يسمع هذا المثل المضروب! ! مرات كثيرة في كل مجال قول أو دفاع عن مصر؟ وأقول عادة، لأن حافظ قد أطال الطعن في هذا الشعب على غير هُدًى، فإذا كان يريد به إيقاظ النفوس، فيا سوء المسلك الذي سلك، وإلا فهو يريد الطعن وحده ولا شيء غيره. وهو في سنة ١٩٠٤ قبل دنشواى يقول: (١: ٢٥٦) فما أَنت يا مصر دارَ الأريبِ ... ولا أَنتِ بالبلد الطيّبِ يقولون في النشء خيرٌ لنا ... ولَلنَّشْءُ شرٌّ من الأجنبِي وكم ذا بمصرَ من المضحكاتِ ... كما قال فيها أَبو الطَيّبِ وشعبٌ يفرُّ من الصالحات ... فرار السليم من الأجرب أيجوز لي أن أعلّق على هذا الشعر بشيء إلا أن أقول إن حافظا نفسه كان أشد على مصر من هذا النشء الذي ذمه، وأنه ابن هذا الشعب الذي يفر من الصالحات؟ ولست أدري كيف أنتصف من هذا الرجل، فإن كل كثير في أمره قليل. وهو بهذا الكلام وأمثاله قد نفى عن نفسه خيرًا كثيرًا كان هو أحوج الناس إليه في حياته وبعد مماته. ولست أدري أيضًا ما الذي كان يحمل حافظًا، حتى بعد أن جاوز الأربعين واستقر عيشه وصار رئيسًا للقسم الأدبى بدار الكتب، على أن يرمى بنفسه في غمار هذه الأشياء التي تجلب عليه المذمة والنقيصة، فإن كان يطلب الرزق فقد كفى الرزق، وإن كان يطلب الترقية ليزداد شيئًا إلى شيء فقد كان له سبيل غير سبيل الشعر. ويخيل إليَّ أحيانًا أن حافظًا كان أذنًا يذهب حيث يذهب به من يواليه ويلوذ بكنفه، فقد كان سعد زغلول في ذلك الحين الوكيل المنتخب للجمعية التشريعية وكان حافظ صديقًا له ونديمًا، ثم أعلنت الحماية على البلاد

стр. 930

وأذيلت كرامتها في ١٩ ديسمبر ١٩١٤، وأرسلت بريطانيا أول مندوب سام يحكم مصر تحت ظل الحماية، فخرج وكيل الجمعية التشريعية يستقبل هذا المندوب في محطة مصر يوم ٩ يناير سنة ١٩١٥، وكان مما قاله سعد يومئذ على مسمع من المستقبلين: "إن دلائل الخير بادية على وجهه" وأمّل أن يجزل الله لمصر الخير على يده! ! كما نُشِر في جريدة المقطم يوم ١١ يناير ١٩١٥، فلا تكاد تمضي أيام حتى ينشر حافظ في يناير ١٩١٥ قصيدته التي يقول فيها (٢: ٨٢) مخاطبًا المندوب الجديد: أَىْ مَكْمَهُون قدمت بالـ ... ـقَصْدِ الحميد وبالرعايهْ ماذا حملتَ لنا عن الـ ... ـمَلك الكبير وعن (غِرايه) أَوضِحْ لمصر الفرقَ ما ... بين السيادة والحمايَهْ ثم يمضي على سننه في هذا الكلام الرفيق الرقيق الذي كان كأنه ترجمة شعرية للكلمة التي قالها وكيل الجمعية التشريعية، ثم يسأل العميد الجديد أن يتعهد هو وقومه أرض مصر بالرعاية، وأن يحسنوا عليها الوصاية! ! إلى أن يقول في غزاة بلاده: أَنتم أَطباءُ الشُّعُو ... بِ وأَنبلُ الأقوام غايَهْ أَنَّى حللتم في البلا ... دِ لكم من الإصلاحِ آيهْ وعدلتمُ فَملكتمُ الدُّ ... نيَا وفي العدل الكفايهْ إن تنصروا المستضعَفيـ ... ـين فنحن أَضعفهم نِكايَهْ! ! وَاذُلّاه! فأي شيء أبقى لبريطاني أن يقوله في تسويغ احتلال مصر، وفي الدعوى العريضة التي لا تزال بريطانيا تدعيها على كل شعب وقع تحت سلطانها الباطش؟ ! ونحن قد سقنا هذا للدلالة على موضع الدَّخَل في شعر حافظ وفي عزيمة نفسه، ولو طلبنا أن نذكر شعرًا مما تكون فيه نفحة من الوطنية لوجدنا شيئًا، ولكنه إذا مُحّص وُجِد غير صحيح على التمحيص. وغير ذلك أننا لم نكتب هذا لنجمع ما قاله من الشعر مما فيه ذكر لمصر أو لما حدث فيها، بل أردنا أن نعرف

стр. 931

هل استطاع حافظ أن ينهج شعرًا في الوطنية، وأن يتخذ له أسلوبًا غير أسلوب المناسبات، وغير ترديد أسماء الأمم والأعلام والرجال من العرب الأوائل والمحدثين ممن كان لهم أثر في وطنه الأصغر خاصة أو في وطنه الأكبر عامة. فلما لم نجد لهذا الرجل نهجًا، وأعجزنا أن نجد له إلا كل ما يجعله محالا عليه أن يهتدى إلى مثل النهج الذي نطلبه، آثرنا أن نغفل ذكر شيء من شعره الذي يخيل إلى السامع أنه شعر وطني. * * * أما شوقى فقد برئ من هذه الآفة التي لحقت شعر حافظ، إذ خلا شعره مما يقدح في وطنية الشاعر، ومن طعن على بلاده وأوطان قومه إلا أن تكون فلتة، ومن كل ملق لا خير فيه يتملق به الغزاة البريطانيين. وبذلك سلمت له نفسه، فهل استطاعت هذه النفس الشاعرة أن تلتمس نهجًا للشعر الوطنى؟ وما الذي وفقت إليه؟ وهل أتتنا بشعر حقيق بأن يسلك في عداد الشعر الوطنى كما ينبغي أن يكون؟ كتب شوقى أول شعره في نحو سنة ١٨٨٨، أي بعد الاحتلال بست سنوات، وكان قد صار إلى ما كان يتمناه وهو أن يصير "شاعر الخديو صاحب المقام الأسمى في البلاد"، كما قال في مقدمة ديوانه الأول. وكان خديو مصر في ذلك الوقت هو محمد توفيق الذي تم في عهده احتلال وادي النيل بعد انهزام جيوش عرابي وإخوانه. فليس عجيبًا إذن أن لا تجد في شعره الذي قاله في عهد توفيق شيئًا فيه ذكر ما اعتلج في نفسه من أثر هذا الاحتلال المشؤوم الذي نكبت به مصر والسودان، وهو يومئذ في نحو الخامسة عشرة من عمره -أي أنه كان فتى يعقل ويدرك ويعرف معنى الاحتلال وكان أيضًا يحفظ الشعر ويطلبه ويتهيأ له كما قال في مقدمة ديوانه الأول. وسكوت شوقى هذا السكوت المريب عن أفظع بلوى منيت بها بلاده، لم يكن إلا أنه كان منذ أول عهده يسمو ببصره إلى أن يكون "شاعر الخديو صاحب المقام الأسمى في البلاد"، فحمله هذا المطمح النبيل على أن يخفي شعوره الوطنى كل الإخفاء، أو يغفله كل الإغفال، حتى

стр. 932

لا يعوقه ذلك عن بلوغ المرتبة السامية التي يصبو إليها. فلو هو تنفَّس عن شيء لجرّ ذلك عليه غضب الخديو توفيق الذي تم الاحتلال في عهده، ولكانت عاقبة ذلك أن يقصى عن القصر وعن الحضرة الخديوية الفخيمة لا محالة. وهذا الفعل من شوقى دليل على أن نفسه كانت تؤثر المنفعة الخاصة إيثارًا يصرفها عن الأهداف النبيلة في حياة أحرار الرجال. وهذا أول مغمز يخشى معه أن يضل هذا الفتى كما ضل حافظ من قبل عن الشعر الوطني الحق. ثم قضى توفيق نحبه في ٧ يناير سنة ١٨٩٢، فانقضى بموته السبب الذي كان يمنع الشاعر الفتى أن ينفث خطرات نفسه ويبث قومه أشجانه. وولى الأمر بعد توفيق الخديو عباس الثاني في ٨ يناير سنة ١٨٩٢. وبدأ عباس، منذ عاد من فينا إلى مصر في ١٦ يناير من تلك السنة، يناوئ الإنجليز ويُصِرّ على أن يستَمسك بحقوق مصر وحقوق عرشه. وكان رئيس الوزراء يومئذ هو وزير الاحتلال المشهور مصطفى فهمي باشا، فظل يعمل جاهدًا على نزع السلطان كله من يد الخديو الشاب، ووضعه في يد المعتمد البريطاني اللورد كرومر، ومضى عام، فإذا الخديو الشاب يرسل إلى مصطفى فهمي كتابًا يقيله من رئاسة الوزارة دون أن يستشير كرومر أو يطلعه على ما نواه، وذلك في ١٥ يناير سنة ١٨٩٣. فلما بلغ الخبر كرومر استشاط غضبًا وجن جنونه وثار ثورة بريطانية، فأسرع إلى الخديو وقابله، وأصرّ على عودة وزير الاحتلال، فأصر الخديو على أن اختيار الوزراء حق من حقوقه الشرعية لا يجوز لكائن من كان أن ينازعه فيه. فأخذ كرومر يتوعده وينذره ويهدده، ولكن الخديو الشاب بقى كالطود الراسخ لا يتزلزل ولا يهاب وعيدَه ولا نُذُرَه. هكذا فعل كرومر، أما الشعب المصري فقد انبعث انبعاثًا جديدًا كان فاتحة الحركة الوطنية الخالدة في تاريخ مصر، وكان هذا الشعب يبغض مصطفى فهمي وزير الاحتلال بغضًا ليس بعده ولا قبله، ولكنه كان يطوى جوانحه على هذا البغض، فلما انتهى إليه خبر إقالته، وخبر هذه الجرأة الصريحة على كرومر الجبار المخوف، ابتهج ابتهاجًا عظيما، ولم يلبث أن سارت وفود الناس على اختلاف طبقاتهم، حتى الموظفين والقضاة، ويمموا

стр. 933

شطر قصر عابدين في ١٨ يناير سنة ١٨٩٣ لكي يؤيدوا هذا الفتى فيما فعل. وكان هذا اليوم عجبًا في تاريخ مصر، دل على أن هذا الشعب لا يغفل عن حقوقه، ولا ينام عن عدو أو صديق، وإن ظن الجاهل به أنه راضٍ ساكن قانع بما كتب له أو عليه. ومن يومئذ ظل عباس يناوئ بريطانيا وعميدها كرومر مناوأة العنيد الذي لا يهاب. ولسنا نشك في أن شوقى "شاعر الخديو" قد استفاق يومئذ على روعة هذا العمل الذي اجترأ عليه هذا الفتى الغرير عباس الثاني، كما استفاق خلق كثير ممن أُبْلِسُوا (١) حيرةً وذهولًا بعد احتلال بلادهم في عهد سلفه توفيق. ومن يومئذ، فيما نظن، بدأ شوقي يتطلب أن يكون شعره صدى يردد صوت الأمة المصرية والأمم العربية والإسلامية التي حاق بها بلاء الاستعمار. فماذا فعل؟ في سبتمبر من سنة ١٨٩٤، أي بعد هذه الحادثة بسنة، أُوفِد شوقي مندوبًا إلى المؤتمر الشرقي المنعقد في مدينة جنيف، ويومئذ قال قصيدته المشهورة. (ج ١: ١) هَمَّتِ الفُلْكُ واحتواها الماءُ ... وحَدَاهَا بمنْ تُقِلّ الرجاءُ وهي، كما قال هو في ديباجتها: "قصيدة تاريخية تتضمن كبار الحوادث في وادي النيل من يوم قام إلى هذه الأيام"، وفي هذه القصيدة أول شعر لشوقى تجد فيه إشارة إلى احتلال الغزاة البريطانيين لأرض وادي النيل، بعد سكوته في عهد توفيق، وذلك إذ يقول في ذكر الخديو محمد توفيق: وغزيرِ الهُدَى من "الحمد والتو ... فيقِ" صيغت لذاته الأسماءُ بثَّت العدْلَ راحتَاه، وعزَّتْ ... في حماهُ العلوم والعلماءُ (إن أَتَاها فليس فيهَا ببَادٍ، ... أو جناهَا فذا الوَرَى شركاءُ) (لا يلمْ بعضكُمْ على الخَطْبِ بعضًا، ... أيها القوم، كلّكُمْ أبرياءُ)! ولم يصرح باسم الاحتلال بل كنى فقال: "إن أتاها. . . ." يعني الزلة المردية

стр. 934

التي زلها توفيق بدعوة بريطانيا إلى نصرته على أبناء بلاده الذين ثاروا مطالبين بحقوقهم الدستورية. وشوقى يحفظ جميل البيت العلوى عليه، فيلتمس العذر لتوفيق بأن يشترك الشعب المصري في هذه البلوى التي حلت بهما جميعًا. ثم يذكر في آخر القصيدة عهد عباس الثاني، فإذا فيه إشارة "خفية" إلى ما كان من إقالته لوزير الاحتلال وقلة احتفاله ببطش المعتمد البريطاني، وذلك إذ يقول: كيفَ تشقى بحبّ حِلْمِي بلادٌ ... نحنُ أسيافُها وأنت المَضَاءُ؟ وهذه القصيدة، لا أقول إنها من فاخر شعر شوقى، ولكنها كانت بدءًا جديدًا أراد به هذا الفتى أن يجلو بالشعر تاريخ وطنه، وأن يذكر الناس بماضي أسلافهم وغابر مجدهم وقديم حضاراتهم؛ وهذا بلا ريب باب من أبواب الشعر الوطنى. بيد أن شوقى لم يوفق إلى حقيقة الشعر الوطنى فكانت قصيدته هذه سردًا للأحداث التاريخية في وادي النيل، وردًّا على بعض المطاعن، وسخرية من الغزاة الذين غزوا أرض مصر، حتى إذا ما بلغ عهد توفيق اختصره في الأبيات التي ذكرناها آنفًا، وأعرض عن التصريح بذكر الاحتلال ووقعه في نفسه، ولم ينبض حرف "واحد" من شعره هذا ببغض الغزاة الذين يسومون بلاده سوء العذاب، وهو حي يدرك ويحس ويسمع ويبصر. فأي بلاء هذا؟ شاعران تفخر بهما مصر العربية والإسلام، يضل أحدهما ضلالا مبينًا كما ذكرنا، ويضل الآخر عن الطريق الذي مهده له الخديو بجرأته وقوة جنانه معرضًا عرشه للضياع! كان شوقى رجلا طموحًا إلى أشياء بعينها أخذت عليه المسالك: أن يكون "شاعر الأمير" وأن يظل "شاعر الأمير" وإن اختلفت الأمراء، فمن أجل ذلك تراه لا يزال يخشى أن تتغير الحال بعد قليل فتتغير حاله، فيؤثر أن يمسك لسانه ولا يسترسل مع أميره هذا الجرئ. وكان هذا أول الداء العياء، هو الخوف آفة الأحرار. ومن جراء هذا الخوف القابض على جَنَانِه حار هذا الفتى الشاعر فلم يستطع هو أيضًا أن يهتدى إلى حقيقة الشعر الوطنى الصحيح ولا إلى نهجه الحق. إن أصل الشعر الوطنى هو الحماسة، أي أن تكون ثائر النفس جياش الفؤاد، فتصب ثورة نفسك في بيان يتدفق في قلوب

стр. 935

أبناء أمتك فيثيرهم ويثير أحلامهم، ويجيش همتهم، ويوقظ نائم أحقادهم، ويرفع لهم مثل الحياة الحرة الشريفة العزيزة، ويهزهم هزا إلى صراع عدوهم وإن خيف بطشه وجبروته، ويحبب إليهم احتمال الأذى ولقاء الردى، والجود بالنفس والمال والولد ونعيم العيش وراحة الحياة الدنيا، فكيف يستطيع أن يركب هذا المركب الوعر من تتعلق نفسه بلقب يحرزه ونعمة يتقلب فيها؟ ! وأنت إذا قرأت هذه القصيدة الهمزية التي ذكرناها، رأيت شوقى يتدفع فيها تدفعًا شديدًا على خلاف أكثر شعره، فقد كانت كالموج المتدفق في أسلوبها، وهذا هو الأسلوب المختار لأكثر الشعر الوطنى في أي أغراضه كان. بيد أن شوقى لم يلبث حتى هجر هذا الأسلوب نفسه واتخذ أسلوبًا آخر يناقضه تمام المناقضة، فلان شعره واسترخت قوته، وبدأ يسمو إلى أن يكون حكيم هذه الأمم يضرب الأمثال، ويأتيها بشعر فيه فلسفة وحكمة، تقليدًا للشاعر "صاحب اللواء، والسماء التي ما طاولتها في البيان سماء" وهو المتنبى، كما وصفه في مقدمة الطبعة الأولى لديوانه (ص ٥ - ٧). ومع ذلك لم يخرج شوقى من هذا التقليد إلا بأن يكون شاعرًا واعظًا، لا شاعرًا حكيما كما كان المتنبى وخليفته أبو العلاء المعرى، على شدة التفاوت بينهما. وأما السبب الذي من أجله عجز شوقى عن أن يكون حكيما على شدة تشبثه بهذا الوصف كما جاء في شعره، فشيء ليس هذا مكان بيانه والتدليل عليه. ومن أعجب العجب أن شوقى الذي كان إلى سنة ١٩٠٦ لا يدع شيئًا إلا قال فيه، قد اعتقل لسانه وسكن سكونًا حتى لا حراك به يوم وقعت كارثة دنشواي، فلم يقل شيئًا إلا أبياتًا من أرذل الشعر، قالها بعد عام مر على "حادثة هذه القضية في سبيل طلب العفو عن سجنائها"! كما قال في ديباجتها، وكان غاية ما قاله: (نيرون) لو أدركتَ عهد (كرومر) ... لعرفتَ كيف تنفّذ الأحكام! فمن شاء أن يرشدنى كيف استطاع شوقى أن يملك نفسه، فلا يذكر شيئًا عن احتلال بلاده وضياع استقلالها، وعن هذه الكارثة الوحشية التي حركت الكاتب الإيرلندى "برناردشو" -فليفعل مشكورًا. أما أنا فأرى أن القلب الذي

стр. 936

سكن فلم يتحرك ولم يتمزق على هذين البلاءين الشديدين، لا يستطيع البتة أن ينفخ الحياة في شعر يقال لينفخ الروح في شعوب موات من وطأة الاستعمار والجهل والاستعباد قديمه وحديثه. وهذا هو جوهر الشعر الوطنى والقومى. كانت الأحداث تتوالى في الدولة العثمانية، وتوالت الأحداث أيضًا في مصر، وهبَّ مصطفى كامل كالأسد يزأر هنا وهنا حتى أيقظ الأجنَّة في أرحام أمهاتها، واضطرب أكثر العالم العربي والإسلامي، فأراد شوقى أن يكون بالمرصاد لكل ذلك، فأرصد شعره للمناسبات يقول فيها، فكانت لكل حادثة قصيدة، وألف هذه العادة إلى آخر أيام حياته، وقلده فيها جمهرة من معاصريه الشعراء، ولا يزال يعيش بيننا إلى اليوم من يقلده ويقتفي آثاره خطوة خطوة. وأمثال هذه القصائد التي تقال في فورة الأمر وعنفوانه قلما تخطئ هدفها، إذ تجد النفوس مستعدة للتلقى والاهتزاز من تلقاء نفسها، وإن كان الذي يلقى عليها كلامًا غثًّا لا غناء فيه. وشبيه بذلك ما يجده الخائف المتوجس إذ تروعه النبأة الخافتة وتنفضه نفضّا، فإذا سكن جأشه نام على هدة جبل يندك. ولو قرأت اليوم أكثر ما قاله شوقى في المناسبات الوطنية والإسلامية والعربية، فعسى أن لا تجد فيه شيئًا يثير شيئًا فيك إلا التعجب مما كنت أحسسته يوم قرأته في حينه وأوانه، وكأنما كان ذلك كله من عمل الوهم فيك لا أكثر ولا أقل. ومثل هذا ليس بنافع شيئًا في الشعر الوطنى الصحيح الذي لا يموت بموت الساعة التي قيل فيها. ولو شئت أن أضرب الأمثال بكثير من هذا الشعر لفعلت ولكنه إطالة، فمن شاء أن يلتمس وجه الحق في ذلك فليقرأ ديوانه، فهو واجد فيه تحقيق ذلك عيانًا وتجربة. وشيء آخر أراد به شوقى أن يكون شاعرًا وطنيًّا لكل وطن من أرض العرب والإسلام، ذلك أنه عني كل العناية بدراسة تاريخ عظماء هذا الجيل العربي قديمه وحديثه وحفظ أسماء الرجال والمواقع والأحداث، وجعل ينثرها نثرًا في شعره حتى ما تكاد تخلو له قصيدة من ذكر هؤلاء الرجال كخالد بن الوليد وصلاح الدين وبنى أمية وبنى العباس وفلان وفلان. وصار الأمر عادة حتى أفرط في ذكر الأنبياء بخاصة عيسى ومحمد ﵉، ثم ألح على أسماء الملوك الأقدمين

стр. 937

كالفراعنة والقياصرة ومن إليهم، حتى صار شعره أشبه بسجل تاريخى لقديم هذا العالم وحضاراته. وأكبر الظن أن شوقى ظل يبحث عن الشعر الوطنى فخيل إليه أن هذا الذكر المردَّدَ للأسماء كافٍ وحده في أن يجعل شعره مذكورًا في الشعر الوطنى. والحق أنه ليس كذلك، وإن كان بعضه مما يدخل هذا المدخل على ضعف شديد. وكذلك أخفق شوقى كما أخفق حافظ في التهدى إلى حقيقة الشعر الوطنى والقومى. * * * بيد أنه ليس من الإنصاف في شيء أن نغفل أكبر يد أسداها حافظ وشوقى إلى الأمم العربية والإسلامية. ذلك بأنهما كانا شاعرين يستجيدان الكلام، وإن أخطآ وضلا عن الصواب، وأنهما كانا رائدين لهذا الجيل العربي بعد البارودى، وأن شعرهما قد علم مئات من الكتاب والشعراء في كل نواحي البلاد العربية، وأن تلهف الناس كان على شعرهما هو الذي أغرانا جميعًا ببذل الجهود في دراسة العربية ودراسة تاريخها وآدابها، وأنهما كانا من طلائع النهضة العربية الحديثة في هذا القرن العشرين. فإن كانا قد أخطآ وضلّا، فقد أيقظا ناسًا صاروا مددًا لهذه القوة الجياشة التي سوف تدفع بلاد العرب والمسلمين إلى التحرر من ربقة الاستعمار، ومن أوزار الجهل والتشتت والفرقة، وتجمعهم يدًا واحدة لكي ينشؤوا للعالم حضارة جديدة كالتي أنشأها آباؤنا من قبل، تأنف لنفسها أن تستعبد الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا.

стр. 938

رَسَائِل القُراء (حول قصيدة القوس العذراء) أخي الأستاذ محمد سعيد المسلم . . . شكرًا شكرًا. وبعد، فلست أنكر ما قلت، ولا ما قال من قبل صديقي الأستاذ جمال مرسى بدر. فالذي جرى عليه العملُ -كما يقال- هو ما قلتما. أبدأ بما ختمت به رسالتك، فقد ذكرت هذا البيت (ص ١٧٣؛ مجلة الكتاب، فبراير سنة ١٩٥٢). أغثنى! أجل! باع! ماذا! أباعَ ... نعمْ باعَ! حقًّا! أجل والعجز كما رأيت مختل الميزان، وهو عندي مختلّ المعنى أيضًا، وصوابه: "نعم باعَ! قد باعِ! حقًّا فعلْ! " وسقطت "قد باعَ" في نقلي أنا من نسختى إلى نسخة المطبعة، لما شغلنى به البيت والأبيات قبله من كثرة "البعبعة". أما القسم الأول من رسالتك، فيحتاج إلى إطالة في ذكر العروض والقوافي، وإلى الإفاضة في ذكر بحر الرمل، وما يطيقه وما لا يطيقه. وأختصر القول اختصارًا. فأنا لم أفعل ما أنكرته إلا في أبيات قليلة من بحر الرمل، وكان يسيرًا أن أقيمها بأهون الجهد، ولكني قبلت منذ قديم، أن أخلط في بحر الرمل بين أعاريضه وضروبه على اختلافها، وأن أنتقص بعض تفاعيله أو أزيد عليها، وأن أدخل فيها حشوًا قليلا أحيانًا. وبحر الرمل أقرب بحور الشعر كلها إلى النثر، وتستطيع أن تكتب كتابًا كاملا موزونًا على تفاعيل هذا البحر، وأنت غير متقيد بضروبه وأعاريضه، ولا بأعداد هذه الضروب والأعاريض، ثم يكون الكتاب موزونًا مقبولا في السمع، خفيفًا على اللسان حافلا بالموسيقى التي لا تنتهي. فإن استطعت أن تجرب هذا، وأن تحاول كما حاولت أن تسيغه، فإنك

стр. 939

ستصيبُ في لين هذا البحر، وفي حسن تقلبه معك، وفي سماحته وسخائه بما لا يسخو به بحر غيره - ما تشاءُ من الروح والراحة. فإن لم تسغه، ولم تسغ أبيات قصيدتى هذه، فاجعلها في الشعر كقصيدة عبيد بن الأبرص التي قال فيها ابن كناسة "لم أرَ أحدًا ينشد هذه القصيدة على العروض"، والتي قال فيها القدماء من شيوخنا: إنها "شعر مهزول غير مؤتلف بناء" وأنها "لكثرة ما دخلها من الزحاف كادت أن لا تكون شعرًا"، ثم عدّها شيوخ آخرون من الملحق بالسبع الطوال (المعلقات)، أو من المجمهرات. يحقّ لهم أنّ يعدوها كذلك، فهي من بارع الشعر وفاخره ولم يعبها أنها مهزولة غير مؤتلفة البناء، تكاد تخرج عن مدارج الشعر. فإذا لم تستطع أن تسيغ من قصيدتى هذا ولا ذاك، فاطرحها عنك، فما أظنك تخسر إن فعلت قليلا أو كثيرًا. وأرجو أن لا تعدنى مجددًا أو مخترعًا في بحر من بحور الشعر، فما ذاك أردت، ولا هذا فعلت، ولكني رأيت تفاعيل هذا البحر مطيقة للحركة الشاذة، مطيقة للاحتمال. نغم لم يألفه بحرها المقيد، مطيقة للتوجه بى حيث توجهت، فامتطيتها مما شئت فأطاعتني، ولم أنكر من طاعتها شيئًا، واستوت معى على الطريق. وعسى أن يأتي يوم أبلغ فيه مرضاتك، وأكتب في شأن هذا البحر كلامًا متصلا، حتى تعرف رأيي فيه بأسلوب علمي محضٍ، ولك مني أجزل الشكر والسلام.

стр. 940

صَدَى النقد طبقات فحول الشعراء رد على نقد (١) أشكر أخي وابن أخي الأستاذ أحمد صقر شكرًا يخالطه عَتْب، فقد جاوز القصد في الثناء حتى أوغل في المبالغة، وكان يحسن ظني بنفس أنا إلى إساءة الظن بها أحوج. والإسراف لا خير فيه، وإذا خشيت معرّته على نفسي، فأنا منه على أخي وابن أخي أخوف. وهذا أثر الإسراف بيّن في أول نقده لكتاب "طبقات فحول الشعراء". فقد قال إني رأيت أن أكمل نقص كتاب الطبقات، بكل ما رأيته "مرويًّا عن ابن سلام من الأخبار والأشعار التي تتعلق بالشعراء الذين ذكرهم في الطبقات". إفراط شديد، ولفظ جائر. لم أقل هذا ولا بعضه، ولا أنا كتبته في مقدمتى، ولا أنا فكرت لحظة في أن أفعله. ولو فعلته لأسأت إساءة لا أغتفرها، ولا أحب لأحد أن يغتفرها. والذي قلته في المقدمة (ص: ٢٨ - ٣٢) هو أنى جمعت أسانيد أبي الفرج في الأغانى إلى ابن سلام، فكانت عدتها أربعة وخمسين إسنادًا. منها ثلاثة عشر إسنادًا، أثبت نصها (٢٨ - ٣٠)، ليعلم من يحب أن يعلم، أنها كلها إسناد واحد في الحقيقة، يسوقه أبو الفرج في ثلاث عشرة صورة. فكأن مجموع أسانيد أبو الفرج اثنان وأربعون إسنادًا. وقلت إني لم أنقل شيئًا إلى الطبقات، إلا رواه أبو الفرج عن ابن سلام بإسناده عن "أبي خليفة الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام"، وهو الإسناد الذي يسوقه أبو الفرج في ثلاث عشرة صورة، مختلفة اللفظ، متفقة المعنى. أما الأسانيد الباقية، وعدتها واحد وأربعون إسنادًا عن ابن سلام، وفيها علم كثير من علم ابن سلام، فلم أنقل إلى الطبقات من

стр. 941

روايتها وأخبارها شيئًا قط. وهذا واضح فيما أظن، بل أظن ظنًّا أنه يدل على أننى لا أنقل: "كل ما رأيته مرويًّا عن ابن سلام"، لا في كتاب الأغانى ولا غيره. وقد روى أبو الفرج في أغانيه بإسناده هذا، أو أسانيده الثلاثة عشر إن شئت، "عن أبي خليفة الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام" أخبارًا كثيرة جدًّا، دلت مراجعتها على الطبقات المطبوعة والمخطوطة، على أنها ثلاثة أقسام: الأول: أخبار موجودة بنصها في النسخ المطبوعة، وفي المخطوطة جميعًا، وهو الأكثر. الثاني: أخبار موجودة بنصها في المخطوطة وحدها، وفي زياداتها على ما يقابلها من المطبوع، وهذا كثير. فدل هذان القسمان الكبيران جدًّا على أن ما يرويه أبو الفرج بهذا الإسناد، أو الأسانيد الثلاثة عشر، مما هو روايته عن كتاب الطبقات، الذي أجاز له أبو خليفة روايته عنه، وكتب به إليه، كما صرح في بعض هذه الأسانيد. بل بما ذكرناه مما هو أصرح، عند ذكر شعراء الطبقات (المقدمة ص: ٢٢ - ٢٦). وبقى القسم الثالث: وهو ما رواه بهذا الإسناد، أو الأسانيد الثلاثة عشر، وهو الذي يقع في مواضع من المطبوعتين، ليس عندنا ما يقابلها من المخطوطة. ولما ثبت بالاستقراء أن القسم الأول والثاني، هو من كتاب الطبقات، لم تبق ريبة لمرتاب في أن هذا القسم الثالث هو أيضًا من كتاب الطبقات. والمخطوط قد دلّ دلالة قاطعة، على أنّ المطبوع مختصر وناقص نقصًا فاحشًا، كما دلت أيضًا مراجعة سائر ما نقل عن طبقات ابن سلام في كتب كثيرة، وكما دلّ ما نقله أستاذنا من شرح نهج البلاغة، مصرّحًا بنقله عن الطبقات وليس في المطبوع. فمن أجل ذلك نزلت هذا القسم في منازله من الكتاب، على ما بلغه ظنى واجتهادى، وكله واقع في المواضع التي ضاع ما يقابلها من المخطوطة. وما قلته آنفًا عن الأغانى، أقول مثله عن الموشح للمرزبانى، فقد روى بأسانيد كثيرة عن ابن سلام، لم أنقل منها غير إسناد واحد هو "إبراهيم بن شهاب العطار، عن أبي خليفة، عن محمد بن سلام". وقد أكثر المرزبانى الرواية عن

стр. 942

ابن سلام، وانفرد هذا الإسناد بمطابقة المخطوط والمطبوع، كما ذكرنا آنفًا في شأن الأغانى. وطرحت رواية سائر الأسانيد غير هذا الإسناد الواحد. وبمثل هذا السياق من الاستدلال فعلت فيما جاء في أمالى الزجاجى، وما جاء في الشعر والشعراء. فبيّنٌ إذن مما أطرحت نقله من روايات أبي الفرج الكثيرة في أغانيه، وما أطرحت أيضًا من روايات المرزبانى الجمة في موشحه، أنّى لم أنقل إلى الطبقات "كل ما رأيته مرويًّا عن ابن سلام". فأظن ظنًّا أن ما فعلته دليل قاطع، يمسك سيل الأسئلة التي ساقها الأستاذ صقر على لسان النقاد، وأنطقهم بها في مقاله. أما سائر الكتب التي نقلت عن ابن سلام، غير هذه الأربعة، ففيها علم كثير عن ابن سلام، لم أنقل إلى الطبقات منه شيئًا. ولكنه الإسراف، زلَّ معه اللسان، وأزلنى حتى أطلت في أمر بين لمن تأمل مقدمتى فضل تأمل. * * * ولما أسرف ابن أخي في الثناء وفي البيان، كانت العاقبة أن فرّط في الإبانة عن حجتى في تسمية الكتاب "طبقات فحول الشعراء" لا "طبقات الشعراء". فإني ذكرت في هذا الموضع من المقدمة نصّين عن أبي الفرج أغفلهما الأستاذ في نقده. أحدهما في ترجمة المخبل السعدى، إذ يقول: "ذكره ابن سلام في الطبقة الخامسة من فحول الشعراء". والآخر في ترجمة عبيد بن الأبرص، إذ يقول: "وجعله ابن سلام في الطبقة الرابعة من فحول الجاهلية"، فإذا ضم إليهما قول ابن سلام نفسه: "فاقتصرنا من الفحول المشهورين على أربعين شاعرًا"، كان بينًا لمن يستبين، أن ابن سلام لم يؤلف كتابه إلا لذكر طبقات "فحول الشعراء" في الجاهلية والإسلام، واقتصر عليهم. وكان أيضًا بينًا أنه لم يؤلفه لذكر "الشعراء" بلا وسم ولا صفة. هذا مبلغ جهدى وحجتى، وبها أتوسل إلى الأستاذ صقر أن يعذرنى، وإلى النقاد أيضًا إن استطاعوا إلى العذر سبيلا. * * * وللأستاذ صقر بعد ذلك رأي في الشعر، ومآخذ على ما شرحت منه.

стр. 943

١ - أخذ عليّ شرحي للبيتين الأخيرين من قول دويد بن زيد بن نهد، حين حضره الموت: اليوم يُبنى لدويد بيتُه ... لو كان للدهر بلى أبليتُهُ أو كان قرنى واحدًا كفيته ... يا رب نهب صالح حويتهُ "ورب غَيْل حسن لويته ... ومعصم مخضَّب ثنيتهُ" ولما كنت أعلم، والله أعلم، أن لكل لفظ يأتي به الشاعر دلالة على معنى، وأنه لا يسوغ لي أن أسقط بعض الألفاظ أو دلالة بعض الألفاظ، فقد شرحت الأبيات، على قدر حظى من فهم الشعر، ومن فهم لغة العرب، ومن فهم بعض طبائع البشر. ولكن رأي الأستاذ صقر أن كل ما يمكن أن يؤخذ -من البيتين الأخيرين- هو أنه يذكر شبابه ومتاعه بالنساء ذوات السواعد السمينة، أو كما قال. وللأستاذ رأيه بلا معارضة، وله أن يستعمل لفظ "كل" حيث شاء. ولكني رأيت الشاعر أغفل ذكر الساعد وأتى بالصفة "غيل"، لا لأنه أراد "السواعد السمينة"، بل لأنه أراد ساعدًا يترقرق ماء شبابه، كما يترقرق الغَيْل، وهو الماء السحّ، السهل الجرية على وجه الأرض، يتلألأ بريقه بين الشجر الملتف الناضر، وفي ظله الظليل. وإذا كان ماء شبابه كذلك، فهو ساعد ممتلئ مشرق البشرة، لم يهجّنه إسراف في "سمن"، بل هو "غيل حسن"، وهو نعت يدل على القصد والاعتدال والبراءة من الإسراف. وإذا كان كذلك فصاحبته منعّمة، لم تغذ بؤس معيشة، كفيت شقاء المهنة، وأعفيت من ممارسة العمل، وإذا كانت كذلك فلها وال شريف سرىٌّ، وخدم يحوطونها أن تمتهن. وإذا كانت كذلك فهي في نعمة من عيشها، ومنعة من أهلها وخدمها، وهم جميعًا حراس عليها. أو هذا على الأقل، هو شيمة السادة والأشراف من العرب في شأن فتياتهم ونسائهم. فليس عجيبًا إذن أن أقول: "كنى بالبيت الأول عن تجاوز الأحراس والمنعة إلى الكريمة المنعمة". وقد غفلت في شرح البيت عن بيان معنى "لويتُه". والظاهر على مذهب الأستاذ صقر، أنه أراد أنه لوى ساعدها كما يلوى الحبل. ولكني أعجب: أي

стр. 944

متاع كان لدويد في أن يلوى "سواعد سمينة"، "لوى يده الله الذي هو غالبُه"؟ وأي لذة يجدها في أن يثنى معصما مخضَّبًا؟ وأسأل نفسي: ما فرق ما بين اللذتين: لذة ليّ السواعد السمينة، ولذة ثنى المعاصم المخضبة؟ وكيف يكون هذا اللىّ وهذا الثنى هما آخر ما يذكره من متاع شبابه حين حضره الموت؟ أما عندي، فمعنى قوله "لويته" أن الفتاة راعها إقدامه على تجاوز الأحراس بلا خوف، فعلمت شدة هيامه بها، فأعجبها إقدامه وزادها به صبابة، فلما دنا إليها "عطفت" ساعدها عليه، وضمته ضمة شوق وفتنة وإعجاب، فجاء دويد ونسب إلى نفسه أنه "عطف ساعدها أو لواه"، لأن إقدامه هو الذي استخفها، ففعلت ما لم تكن لتفعله فتاة غريرة منعمة مكرمة عفيفة مثلها. فإقدامه هو الذي زادها صبابة، وهو الذي نفى من قلبها فَرَق العذراء وحياءها، فعطفت عليه ساعدها وضمته. ذكرى جميلة مثيرة، تدل على ما كان له في شبابه من سطوة بالحرائر الغرائر. أما ليّ السواعد السمينة كما يلوى الحبل، فلا أظنه يصلح أن يكون متاعًا، ومتاعًا يتمدح بذكره شيخ يصيخ لداعى المنية. وأما البيت الثاني: فإني رأيت أن ثنى معصم مخضب، لا يتميز شيئًا من أي معصم لم يخضب. ورأيت الحسناء تخضب، والشوهاء تخضب أيضًا، بل هي أحرصهما على الخضاب والزينة والتجمل. وظننت، والله أعلم، أن "الخضاب" لا يدخل لذة جديدة زائدة على لذة ثنى المعاصم التي لم تخضب. وظننت أيضًا أن المعصم لا يخضب، فرأيت أنه أراد المعصم المخضب الكف. وظننت أيضًا أنى أعلم أن الخضاب كان منذ قديم الآباد من زينة العرس، حتى خصُّوا به ليلة سموها "ليلة الحناء". ثم وجدتُ أن ثنى المعاصم المخضبة الأكف، كَلَىِّ السواعد السمينة، لا يصلح متاعًا يستمتع به أحد، ويذكره رجل في سياق الموت متمدحًا بما كان في شبابه. فانتهت بى الأظانين كلها إلى أنه أراد "خضاب العرس"، وإذا كان ذلك كذلك، فهو يذكر غانية حديثة العهد بالزواج، أحصنها بعلها، وكفَّ طِماحها إلى غيره. وهي في عقيب العرس أولى بأن تمهِّد لزوجها وتتقتل له وتبتغى له مما يسره منها ويرضيه. ولكن يأتي هذا

стр. 945

الشيطان، دويد، فاتكًا عارمًا فيتصبَّاها عن حليلها، ويغلبها على نفسها وعفافها، ويستثيرها إليه فتنسى البعل بتحليل، فيخلو بها، فتكون أشد من الفتاة الغريرة جرأة لأنها عرفت الأزواج، وإذا هو قد ملك هواها، وقهر إرادتها، وإذا هي "تثنى" معصمها عليه مشغوفة به، أي تطوقه ذراعها تطويقًا وإذا بينهما ما قال سحيم عبد بنى الحسحاس. توسِّدنى كفًّا، وتثنى بمعصم ... عليّ، وتَحْوِى رجلها من ورائيا ذكرى تشتعل في دم الشيخ الفانى، من شباب كان له عُرام وفتك لا يبالى. هذا بعض ما أخذته، لا "كل ما يؤخذ". ثم نسب أيضًا إلى نفسه أنه هو الذي ثنى معصمها، لأنها ثنته عليه، فتنة به وشغفًا، ثم سلطان له لا يقهر. ٢ - وأخذ علي أيضًا شرح بيت المستوغر في ذكر بنى بنيه: إذا ما الشيخ صمّ فلم يُناجَى ... وأودى سمعُهُ إلا ندايا ولاعب بالعشى بنى بنيه ... كفعل الهِرِّ يَحْتَرِشُ العَظايا فعاب إطالتي في شرح "يحترش"، وقال إن احتراش الإنسان للضب غير احتراش الهر للعظايا، وأرادنى أن أكتفي بأن أقول: "يحترش: يصطاد" وكفى المؤمنين القتال! ورحم الله المستوغر! فيم أتعبنا؟ كان حسبه أن يقول: "كفِعْل الهر يصطاد العظايا" فيستقيم الشعر، ويسقط عنا مؤونة التعب، ونقل ما في لسان العرب! ولكن المستوغر عربي قديم سليم الطبع، فاختار كلامًا -قلت إني لا أستطيع أن أسقط دلالته، وأراد معنى- قلت إني لا أطيق إغفاله. ولما كان ذلك كذلك، نقلت صفة "الاحتراش" كما كانوا يفعلونها، ولم أزعم لنفسي أن احتراش الإنسان للضب، غير احتراش العظايا، فإنه غير صحيح، إذا راقبت هرًّا وعظاء. ولم أرد بما وصفوه من "الاحتراش"، إلا ما يكون فيه من كثرة حركة الهر، ومن الإمساك والإرسال، ومن الغفلة والترقب، ومن الجثوم والقفز، ومن سرعة اليد بضربة، وفرار العظاية منها. وإذا علم من يحب أن يعلم، أن المستوغر، يزعمون، عاش ثلاثمئة وخمسين عامًا حتى أدركه الإسلام فأسلم، فهو خليق أن يعلم أن المستوغر قد

стр. 946

عجز عن أن يفعل فِعْلَ الهِرِّ فيما وصفنا من حركته، وخليق أن يستدل أيضًا بما بدأ به في شعره من ذكر صممه وذهاب سمعه، على أنه ضعف ضعفًا مبينًا ذهب بقوته، فبلغ أرذل العمر، ونسيه الموت نسيانًا تامًّا، أو كما يقولون. ولما كان ذلك كذلك، وكان المستوغر عندئذ غير مطيق أن يفعل فعل الهر المحترش، وظننت أيضًا أن المطيق لهذه الشيطنة، هم العفاريت من بنى بنيه، أجريته على ما جرى عليه كلام العرب من "القلب"، لأنه هنا بين مفهوم من سياق الشعر، ومن صفة المستوغر وعمره، ومن بديهة الفطرة، وأظن أن الأستاذ يذكر مَثَلَهم المضروب في قلب الكلام عن وجهه وهو: "أدخلت الخاتم في إصبعى"، ومثله قول القائل: كانت فَرِيضة ما تقول كما ... كان الزِّناء فريضة الرَّجْمِ أي: كما كان الرجم فريضة الزناء. والفريضة: الحد المفروض عقابًا ونكالا. وقول الأخطل: مثل القنافذ هدّاجون، قد بلغت ... نجران، أو بلغت سوءاتِهم هَجَرُ والسوآت هي التي بلغت مدينة هجر. وهو مذهب لا يحاط به في كلامهم. ولم أفهم اعتراض أستاذنا على "لاعب"، وإيجابه أن يقال -إذا صح ما ذهبنا إليه، وهو صحيح! - "ولاعبه بالعشى بنو بنيه". فالذي أعلمه، والله أعلم، أن قولك "لاعبت الصبى" معناه: لعبت معه، وسواءٌ عندئذ أن تكون أنت البادئ باللعب وهو مستجيب، أم يكون هو البادئ وأنت مستجيب. ولو ذهبنا مذهب الأستاذ لقلنا في قول العرجى: مثل الضفادع نَقَّاقون وحدهم ... إذا خَلَوْا، وإذا "لاقيتهم" خُرْسُ إنهم لا يخرسون حتى يكون اللقاء منك، فإذا كان اللقاء منهم لم يخرسوا. وتصير العربية عجبًا في لغات الناس. وأما ما تبع ذلك من قوله إنه كان ينبغي عندئذ أن يقول: "يلاعبونه وودوا لو سقوه"، فيدخل فيما دخل في السابق. على أنى أرى أجود الروايتين ما ذكرته في التعليق "يفديهم وودوا لو سقوه"، أي هو عليهم بنفسه، وهم يتمنون موته بل قتله بسم يجرعونه إياه بأيديهم. أما ملاعبة الجدود التي ذكرها وظن الشعر يستقيم بها، فربما صحت في جد بلغ

стр. 947

الخمسين والستين، أما جد في أرذل العمر أعشى أصم ميت الأعضاء، فصعب أن يتصور المرء مثله ماشيًا على يديه وركبتيه، يحاور من هنا ويداور من هناك! فوق كل ذي علم عليم. هذا على أن المستوغر لم يكد يقص قصة هذا اللِّعاب حتى ختمها بما يلقى من أذاهم، وأنه لا نجاة له من شرهم إلا أن يموت موتًا مضاعفًا، فقال: فذاك الهم ليس له دواءٌ ... سوى الموت المنطَّق بالمنايا ٣ - وأرجئ ما قاله في أبيات الشماخ، وسأفرد لها كلامًا غير هذا، فإنها تحتاج إلى فضل بيان. ٤ - أما تعليقه على قول اللعين المنقرى: ويترك جِدَّه الخَطَفَى جريرٌ ... وَينْدُب حاجبًا وبنى عِقالِ فإنه قال: "معنى يندب هنا، يجرح أعراضهم بالهجاء". ولم أجد في كتب اللغة: "ندبَ"، أو "أَنْدَب" بمعنى جرح، ولا أظنه يصح من جهة الاشتقاق. وأظن الكلمة محرفة، ولا يزال البيت متطلبًا تصحيحًا ينفع (١). ٥ - أما ما عابه من شرح بيت جرير في هجائه عمر بن لجأ التيمى: ألَّا سوانا ادَّرأتم يا بني لَجَأ ... شيئًا يقارِبُ، أو وحشًا له عُررُ فإني قلت إن جريرًا اشتق "ادرأه من الدريئة، وهي الحلقة التي يتعلم عليها الطعن والرمى". ثم رأيت في تاج العروس مادة "درأ" ما نصه: "ادَّرأوا، وتدرّأوا: استتروا عن الشيء ليختلوهُ"، أو جعلوا دريئة للصيد والطعن. وأستاذنا ينكر هذا، ويراه بعيدًا، ولكني بعد أراه قريبًا. فإن عمر بن لجأ من شعراء تيم الرباب، كانوا قد تعرضوا لجرير بالهجاء فقال يهجوهم وبنى تيم:

стр. 948

قد كنت أحسبُ في تيم مصانعة ... وفيهم عاقلا بعد الذي ائتمروا تعرض التيم لي عمدًا لتهجونى ... كما تعرض لاست الخارئ الحجر ألَّا سوانا ادرأتم يا بني لجأ ... . . . . . . فهو يذكر تعرض شعراء تيم له، إذ جعلوه هدفًا لهجائهم، فقال لهم: هلا اتخذتهم سوانا غرضًا. أما مسألة "لها غِرَر" التي جاءت في الأغانى والديوان، وهما مطبوعتان سقيمتان غير محققتين، فالأستاذ هي أن "الغرر الغفلة"، وأنها أحسن دلالة على ضعف عمر بن لجأ. وأن "عرر"، وهي الأذى والشر، دالة على قوة ابن لجأ، وهذا غير مراد الشاعر بلا ريب. فآثر الأولى. وأخشى أن يكون الذي أوقعه في هذا الرأي، أن شيئًا من شرح البيت سقط مني عند الطبع، وهو قولى: "والوحش: الجائع الذي لا طعام له. يعني سبعًا أو ذئبًا جائعًا جاء يتعرض لغنمهم. يقال: بات وحشًا، أي جائعًا لم يأكل شيئًا فخلا جوفه، قال حميد بن ثور في صفة ذئب: وإن بات وَحْشًا ليلة، لم يَضِق بها ... ذراعًا، ولم يُصبح لها وَهْوَ خاشِعُ" ومع ذلك فقد كان ينبغي أن أزيد الأمر بيانًا حتى لا يقع قارئ في مثل ما وقع فيه الأستاذ صقر، فأقول إن جريرًا كان يهجو التيم بأنهم رِعاء أذلاء، وعيرهم بذلك في شعره، يقول: وقد يحسن التيمى عقد نِجافه ... ولم يُحْسِنوا عَقْدَ القلادة بالمُهر والنِّجاف: جلد يشد بين بطن التيس وقضيبه فلا يقدر على السفاد. يقول: أنتم رعاء أخساء تحسنون هذا، ولا تحسنون شأن الخيل. ويقول لهم أيضًا، يذكر كلاب الرعاة وزرائبهم، وأنهم ليسوا أهل حرب، ولا أهل شرف يفدون على الملوك، ولا أهل حلبات لسابق الخيل: وتَيْم تُماشيها الكلاب إذا عدوا ... ولم تمش تيم في ظلال الخَوافقِ

стр. 949

وتيم بأبواب الزُّروب أذلةٌ ... وما تهتدى تيمٌ لباب السرادقِ تَمْسَح تيم قُصَّةَ التَّيْس واستَه ... ولا يمسحون الدهر غُرَّة سابِقِ فهو إذن أراد أن يقول لهم: هلا رميتم بما تظنونه سهامًا تقتل، شيئًا مما يطيف بأغنامكم، أو ذئبًا ساغبًا جاء يعرّكم، وينزل الأذى والشر ببهائمكم. يعرض بأنهم رعاء أذلاء لا شرف لهم. ٦ - أما هذه السادسة، فقول المتوكل الليثى: إنا أناس تستنير جدودنا ... ويموت أقوام وهم أحياء قد يعلم الأقوام غير تنحُّلٍ ... أنَّا نجوم فوقهم وسماء فعاب قولى: "الجدود جمع جد: وهو الحظ والسعادة والغنى والعظمة، ولو أراد الأجداد والآباء لكان حسنًا"، وأنا أرجو ممن عنده نسخة من الطبقات يضرب بالقلم الأسود، على هذه الجملة الأخيرة، فهي غير حسنة، بل هي مضللة. وأشكر الأستاذ صقر أن دلنى على فسادها وإضلالها. ولكنه هو يقول: "إنه لم يرد إلا الأجداد والآباء، فهم الذين يستساغ التمدح له بإضاءة ذكرهم وسالف مآثرهم بعد دثورهم. وبذلك تصح مقابلة هذا الشطر، وبالشطر الثاني "ويموت أقوام وهم أحياء". وأما إرادة التمدح بالحظ والغنى والسعادة والعظمة، شيء لا غناء له هنا، ولا يسوغ مثله في هذا المقام، ولا يتسق ذكره مع الشطر الثاني". وهو كذلك. ولكني أقول بل أزعم -مع الأسف- أنه عنى بهذا الشعر "أقوامًا" يهجوهم يزدريهم ويضع من شأنهم، ويقابل بين قومه وبينهم، فيقول في الشطر الأول والبيت الأول: "إنا أناس" من شأننا كذا وكذا، ويقول في الثاني: وأنتم "أقوام" نعتكم كذا وكذا، ثم يقول في الشطر الأول من البيت الثاني: وأنتم تعلمون "الأقوام" ما أذكره لكم في الشطر التالى. فقابل بين "أناس" وبين "الأقوام"، وكرر ذكر "أقوام" مرتين. فلعله أصبح واضحًا. يقول: نحن أناس حياتنا حياة، لا يزال مجدنا وحظنا من السعادة والعظمة يُضئ ويستنير على الأيام. وفي الناس "أقوام" حياتهم موت من بعد موت،

стр. 950

لا يزال أمرهم ينطفيء بالذلة والضعة، ولا يزال ذكرهم يموت بالصغار والخمول، أنهم يعدون في الأحياء. أو كما قال ابن رعلاء الغسانى: ليس من مات فاستراح بميْتٍ ... إنما الميْت مَيِّتُ الأحياءِ إنما الميت من يعيش كئيبًا ... كاسفًا باله قليل الرجاء ثم يقول لهم: وأنتم أيها "الأقوام" تعلمون علما ليس بالظن -وهو شيء ولا ننتحله- أننا من فوقكم نجوم تضئ وتزهر، وأن مجدنا وحظنا من الرفعة والعظمة يظلكم بسماء تعجز المتناول. وكل ذلك تعريض بهم، وبما هم فيه من الخِسَّة والسقوط. وقد أطلت، ولكني آثرت أن أنفي الريب من نفس من يرتاب، وأن أصحح طريقى، وطريق أخي الأستاذ صقر، وطريق القراء، في سعينا إلى طلب الحق والبيان عنه. فإن رضى أخي، فلعمرى، لقد أعجبنى رضاه، وذلك يقينى به. وحسبه من الشكر أن أجعله لي معوانًا على تدارك زلتى، وإقالة عثرتى، وتقويم ما اعوج من أمري.
следующие страницы →