الدافعان الأولان اللذان يوجدان فيه معانيه التي تحمله حملا على التعبير، وأن التعبير يتناول المادة اللغوية من الألفاظ فيدورها على أسلوب وطريقة وترتيب ينتهي إلى شيء واحد: هو حفظ النسبة والعبارة بين اللفظ اللغوى والمعاني الجديدة التي يعلق بها الأديب أسبابه بأسباب معانيه. إذا علمت ذلك علمت أن الحرب وهي الهَزّ الدائم المستمر بين صباح اليوم وليله -توجد في أدب الأديب بيانًا جديدًا ومجازًا مبتكرًا وعبارة متناسبة تتجدد بها اللغة وتثرى، وتختزن في خزائنها أموال الأدب التي يسهبها (١) لها هذا الأديب.
ولا يذهبن بك ما ترى منْ رَأْينا إلى أن ذلك لا يتناول إلا الألفاظ، كلا، فالأغراض والمعاني والآراء كما قلنا هي الأصل واللغة تبع كمتبوع، وليس ذلك حسب، بل أن النهج والأسلوب والمأخذ والمرمى والمقطع والحد، وكلٌّ يتميز به الكلام الأدبى والنهج الأدبى العام، هو أيضا يتأثر تأثرًا ظاهرًا بينا بالأثر الذي يحدث من جراء الرجفة الحربية التي تزلزل أعصاب المجتمع البشرى في هذه الأيام.
والحرب الحديثة هذه لا تزال قائمة تدمدم دمدمة مفزعة متغولة بالرعب الوحشى الذي يزأر زئيره في ميادين القتال الهائلة، وستستمر كذلك إلى أن يقضى الله قضاءه على هذا العالم الظالم أهله، ولن تضع الحرب أوزارها إلا بعد أن تصفي الأوضار الخبيثة التي تراكم ثقلها (٢) على البشرية، وحتى ينهك التعب شياطين الحرب وهي تتداك وتتزاحم إلى أن تسقط إعياء من طول ما طوفت على العقول المختبلة تضع فيها مادتها الشيطانية النارية الملتهبة بالشر والعدوان والبغي والطمع وسائر الرذائل الماحقة التي تعمل في خراب العالم من ناحية، ليقوم العقل البشرى الخالد من ناحية أخرى فيعمره بتوفيق الله وهدايته، واتباع طريقه والتسلم لقضائه، والإيمان بأن منه الرحمة في الخير والشر يداوى بها الكلم الدامى المتفجر حتى يرقأ دمه وتنحسم مادته.
стр. 877
ومادامت هذه الحرب قائمة على هذا الهول وهذا العنف وذلك الجبروت الطاغى، فنحن لا نستطيع أن نقول كيف هو أثر هذه الحرب بالتحديد في أدب العالم، وذلك لأن تأثير الحرب لن ينتهي الآن لأنه يتجدد في كل يوم بأهواله، بل في كل ساعة بل بين كل دقيقة ودقيقة، والتأثير لا يعرف ولا يتميز إلا بعد أن تمر فترة تكفي على قدرها أن يستوى التأثير على حالة باقية يمكن أن يتصورها العقل أو يُلِمّ بها فيتفهمها، وعلى ذلك فليس من الممكن أن نجد أساسا نقول فيه إنه هو الأساس. ولكن لسنا نشك البتة في أن هذا الانفجار العظيم المتقصف في كل مكان سيجعل في أعصاب العالم كله بعد انقضائه انفجارا يتقصف زمنا بمثل ذلك الهول والفزع، وأن الحياة الاجتماعية في نواحي العالم الحي بعد ذلك ستجد اختلالا هائلا يسمع هده ودويه في كل ثنية من ثنايا الدنيا، وأن كل دار يسكنها حي باق سوف تسمع من أرجائها ضجيجا هائلا يودى بالحياة الاجتماعية السالفة التي تعاقبت على العالم بعد الحرب الماضية، وأن المرأة سوف تستغل لشهواتها هذه الرجولة الظامئة التي أطارت الحرب ريها زمنا طويلا، وأن العالم على ذلك سيجد بلاء جديدا لم يسبق له شبيه في التاريخ الإنساني، وأن الأديب سيعيش في هذا الاجتماع الإنساني العالمى بعد آثار الحرب في نفسه فيرى ويسمع ويحس ويفكر ويتأمل ثم ينتج للأدب إنتاجا جديدًا فيه من ذلك كله آثار تشتعل في نواحيه.
إن الأدب هو تعبير الروح الإنسانية السامية النبيلة، والحرب الحاضرة هي تعبير الروح الإنسانية التي اختبلها مَسٌّ من الشيطان المتدلِّي إلى هوة سحيقة من الغرائز الوضعية، وسنرى -والله يعصمنا ويعصم القارئ، وهو الحافظ- كيف يعبر المعنى السامى حين يهتز بالمعاني الوضيعة، وسنرى أبالسة الأدب ينطلقون في كل فج ومن كل حدب ينسلون على الناس بشهواتهم المتكلمة في شعرهم ونثرهم وأفكارهم المستكلبة. وإنا لا ندرى ما خَبَأَ الله للناس، ولكنا نرجو أن ينجينا الله أن نكون بعض هؤلاء، فإن الرجل -وصدق رسول الله- ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها قيد ذراع، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها.
стр. 878
وإنما القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يصرفها كيف شاء! فاللهم اهدنا بهديك واعصمنا، فلا عاصم اليوم من أمر الله.
стр. 879
إلى على ماهر باشا
هل يأذن لي -صاحب الرفعة- أن أنتحل لنفسي صفة الأديب الذي يريد أن يتكلم بلسان مصر الخالدة التي أرسلت أجيالها تطل علينا من لدن عصر التاريخ الأول إلى القريب القريب ممن توفاه الله من آبائها وأبنائها؟
إنني لن أنتحل بهذا شيئا ليس لي، فإن الأدب الذي وقفت نفسي عليه هو نفسه ليس إلا تعبير الوطن كله بأرضه وسمائه وسكانه بألفاظه من اللغة على لسان رجل واحد، فما ينكر أحد على أديب مجهول مثلي -يجد في دمه تلك الأمواج الثائرة المتدفقة، وهي تتدافع في بنيانه تيارا من الإحساس- أن يطلب بألفاظه التعبير عن حقيقة هذا التيار تعبيرا صريحا يدل بروحه على أن الغفلة المظلمة لم تطبق دياجيها على القلب المصري الحر بعد.
حين بدأ الموقف المصري السياسي يرسل تلك الرعدة النافضة في أعصاب الوطن المستيقظ، بادرت فكتبت كلمة كنت أجد ألفاظها جائلة تدور في نفسي. كان الموقف غامضا، ولكني كنت أجد الهواء ينشق عن رائحة الفجر ويترقرق بأنواره فعلمت ساعتئذ بعض واجبي، فسارعت إليه. فلما قرأت اليوم ذلك البيان الفاصل الذي فرق بين الحق والباطل جعلت أستعيده مرات. ثم قلت لنفسي: "ويحك يا نفس! أي رجل هذا الذي أشرق من قلبه النور الخالد الذي أضاء لمصر وللعالم الإسلامي طريقا سوداء داجية"، وعندئذ علمت من واجبي بعضًا آخر.
إن مصر قد لقيت في هذا القرن من أحداث الدهر ما لا طاقة لوطني بالصبر على لأوائه وشدته، فقد قامت جماعات أريد لها يوما أن تنصب أنفسها كالأعلام الشامخة في تاريخ مصر، فكان ذلك. ومع ذلك فإن القلب المصري الذي لا يندفع وراء صوت الناعق، قد وجد هؤلاء -حين استوى لهم الأمر- قد أفرغوا
стр. 880
على شعلة الوطن التي أوقدتها قلوب أبنائه ذَنوبا (١) من ماء، فأطفأوا نورًا ونارًا - لو هما بقيا واستمرا إلى غاية، لأضاءا للتاريخ المصري الحديث مرتقاه إلى الذروة.
ولكن لا يخذل الله إلا هالكا، فاصطفاك الله لمصر في أيام من المحن، فما ندرى! !
لقد كانت مصر تجهل أن هذا الرجل الذي استطاع أن يلم شعث الوطن في أيام عاصفة، هو الرجل نفسه الذي سيكون عمله فيما بعد تعبيرًا عن روح النار المصرية الخالدة التي تأبى أن تنطفيء. نعم، لقد وقفت اليوم على قمة المجد الوطنى تكشف الحجاب عن ذلك المارد العاتى الذي جعل همه أن يغرر غرره بالوطن المصري، فنزعت من قلبك الرهبة، وسموت بروحك عن حاجة البدن وضرورة المادة، فتوهج بك النبراس المنير الذي سيضئ لمصر مرة أخرى -بعد مصطفى كامل- طريقها إلى معراج مجدها الخالد الذي لا يتهدم.
أبشر أيها الرجل المبارك! ! ! إن هذه القلوب المصرية المشعلة قد جعلت تسمع معمعة نيرانها تتردد في أرجاء الوطن قاصيها ودانيها. وإن الجرأة الكامنة في ضلوع هذا الشعب قد وجدت تعبيرها في مثال روحي سام نبيل، فهي تمد بقوتها وتستمد منه استمرارها ودوامها، ليس في مصر اليوم إلا أمة على قلب رجل واحد، اجتمعت على معرفة الحقيقة التي أحاطت بها، فهي لن تتوانى ساعة من نهار في إعلان حقيقتها هي. تلك هي الحقيقة التاريخية الخالدة في بلاد الشرق حقيقة الروح الباقية بإيمانها، بعد أن ينضم الثرى على رمَّة ورُفاتها.
إن الأسد لا يعرف من معاني وجوده إلا معنى واحدا: هو معنى العظمة الباذخة تستعلن بخيلائها من عضله إلى لبدته، وتتجلى بتيهها من نظراته إلى مشيته، لأنه هو قوة تفرض سلطانها بنفسها، وهو متبوع لا تابع، وهو صرامة
стр. 881
ماضية تلطم فتحطم، وما يؤذيه أو يضره أن يصاب خيانة أو غدرا. فإذا لاقاه من يلاقيه عيانا، فالأسد الأسد، لا يفر ولا ينهزم.
وقد مد الله لك صحيفة بيضاء في عهد الفاروق، فاكتب فيها تاريخك المجيد الحي في المحاماة عن هذه الأرض التي حملتك صغيرا، ورعتك شابا، وعظمتك كبيرًا. اكتب تاريخك، وسيكون توقيع الأمة كلها شهادة على أن مصر تستطيع أن تلد أبناءها أحرارًا، لا يستذل أعناقهم خوف ولا حرص ولا طمع وسيكون توقيع الأمة عملا مجيدًا لعملك وصرامة ماضية كصرامتك، وجرأة تتحفز كجرأتك.
إن الله قد أعطاك سَورة من عز مصر، وعز العرب، وعز الإسلام، فاعمل على ألا يراك الله إلا بحيث أحبَّ، فإنه تعالى يقول:
﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾.
إن مصر قد أعدت لك قلوبها، فانزل منها حيث شئت، ومن أنكر عليك موضعك فما ينكر إلا نفسه، ومن أغمض (١) في ضلاله فدعه، فقديمًا قالوا: "خرقاء وجدت صوفا" (٢) فهي تفسده بحماقتها، وسيأتي على الناس يوم تعلم فيه الشاة علما ليس بالظن: أنها إن تك بقرنيها تناطح، فمن قرنيها تصرع، ويومئذ لا يغني عنها علمها شيئا. فاللهم ادفع عنا وانصرنا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 882
لا تبكوا. .! لا تنوحوا . . .! !
من يوم أَن سقطت تلك المدينة العبقرية التي فتنت الناس وأغوتهم، ورمت في قلوبهم أعوانها وأشياعها، وأطلقت عليهم لذاتها فأطلقوا عليها شهواتهم .. من يوم أن سقطت باريس الفرنسية: لا أكاد أستريح من نفسي ولا من قلقها واشتياقها واضطرابها الى أمر غامض لم تنجل غمامته بعد. إني من ذلك اليوم لأنطوى بين جدرانى أفكر، أو آوى إلى ليل الحرب المظلم أسبح وأتخيل وآخذ لقلبي متاعه من الفرح، أو لوعته من الحزن. نعم! لقد آثرت أن أنفرد في هذه الأرض أعيش وحدى، وآكل وحدى، وأفكر وحدى، كما أفرح وحدى، وأتألم وحدى، فإن يكن في هذه الوحدة متاع ولذة، فذاك بعض فنون الدنيا، وإن يكن منها شجو وحسرة، فذاك بعض شجونها.
ولكن. . هل استطعت أن أكون أبدًا وحدى؟ كلا، كلا! ما ظنك بإنسان قد فرض عليه -أو فرضت عليه إنسانيته- أن يكون حيًّا يتداخل في الحياة كما تتداخل عليه، وأن يؤدي وظيفتها كِفاء ما وظفت له من أسباب الحياة: من هواء ونور وحرارة وحركة. وقد جعلت وظيفتى في هذه الحياة في شيء أحسنه بعض الإحسان، ألا وهو هذا الأدب الذي نعيش به، و .. و .. ونحيا له إن شئت.
فهذه الوظيفة تحملنى على أن أدع ما أحب إلى ما لا أحب، وأن أضرب النفس على واجبها بالسوط والعصا حتى تنقاد، فليس يحسن بمن هذا عمله وتلك وظيفته أن يقطع نفسه عن إنتاج الأدباء الذين يعاشرونه ويعاصرونه، ولا أن يتخلف عن شهود مواكبهم أو مآتمهم في راحة أو تعب فلذلك كان لزاما على أن أقرأ لأصحابنا -أطال الله بقاءهم ومدّ في أعمارهم- كل ما يكتبون، فإن لم
стр. 883
يكن كله فأكثره، فإن لم يكن أكثره فبعضه، وذلك أقل ما يجب على الأديب من حق الأدب وحق المعاصرة.
وقد جاءت الحرب الطاغية، فأوقدت عليَّ أفكارى فهي أبدًا تغلى بما فيها مما يخص وما يعم، ومما أسر به أو أعلنه، ومما أرضاه، أو ما أسخطه. وعلى ذلك أقرأ أفكار أصحابنا، وفي هذه الحال أتناول آراءهم وإنتاجهم، فإن وجدوا في بعض كلامي حرارة تحرق، فإن الذي ألقى من هذه الحرارة أشد مما يلقون. وأنا أقاسى فأتكلم، وهم يقرأون كلامي فيشعرون ثم يتناسى منهم من يتناسى، وفرق بين الحالين كبير. وقد قيل في المثل: "تحرقك النار أن تراها بله أن تصلاها".
ولم أزل كلما أخذت صحيفة أو مجلة أجد أصحابنا يعيشون في دنيا غير الدنيا، وينظرون في أشياء، لو أنصفوا لكفوا أنفسهم مؤونة الفكر فيها، فضلا عن الإلحاح عليها، فضلا عن معاناة الكتابة في أغراضها.
فلما سقطت باريس مدينة فرنسا تحت سطوة الجيوش الألمانية الغازية، لم أكد أتناول شيئا من ذلك إلا وجدت هؤلاء قد لبسوا الحداد، فهو في سطورهم حسرات، وذرفوا الدمع، فهو في كلماتهم قطرات، وتأوهوا وأنوا وتصدعت أكبادهم، وتزايلت أنفسهم، وأظلمت الدنيا في عيونهم، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت! ! وكأن كل أحد منهم قد أخذ أخذًا على أن يحمل القلم، ليثبت أن البكاء الذي في قلبه، يستحيل أيضا بكاء من قلمه.
لم يرد أحد منهم أن ينظر إلى الحقيقة التي يجب أن يفرض على نفسه طلبها والعمل لها. لم يرد أحد منهم أن يعرف أن الأدب أو ما يجرى مجراه -ليس هو الكلام يقال أو يكتب، وإنما هو في أصله وفي أخراه هو طلب الحقيقة وإظهار هذه الحقيقة، ثم يختلف الأسلوب على هذه الحقيقة. إن الأدب المصري أو العربي أو الشرقي عامة، قد فرضت عليه أمته أن يبحث لها عن حقيقتها هي، ليعلق لها هذه الحقيقة، في أسلوب بعد أسلوب، يكون من كل واحد منها أثر
стр. 884
يدفع إلى غاية، وتكون الغاية إثباتا لهذه الحقيقة وتقريرا لها في روح الشعب، حتى يتكون من جميع الآثار التي يرمى إليها الأدباء، ما نسميه في هذا العصر بالرأي العام.
فإذا كان إنتاج الأدباء ذاهبا عن هذه الغاية ضالا على وجهه، ليس يهتدى ولا يبصر ولا يستوضح طريقه، فهو إنتاج مخمور، كأنه قد استنقع في كأس من الخمر فهو يمشي متخلعا يتطوح بين حائطين من الضلال، كلما صدم أحدهما قذف به إلى الآخر، ولا يزال كذلك حتى يتهالك مجرحا محطما، لا يتماسك شيء منه على شيء.
لقد سقطت باريس! ! هذا شيء -لا أقول مؤلم أو محزن- بل أقول: هذا شيء كان الظن فيه غير ذلك. فما الذي يؤلم المصري أو الشرقي من سقوط باريس في أيدى الطغاة الذين حملوا على أصحابهم حملة واحدة حتى فرغوا؟ نعم لست أجهل مواقع الحجة لمن يريد أن يحتج منهم، ولكن إن كان الكاتب يألم، فالشعب الذي يكتب له لا يستطيع أن يألم كألمه، أو أن الضرورة الوطنية تحمله على أن يوفر على الشعب عواطفه التي تتألم، لشيء غير هذا. ليس أحد من هؤلاء يجهل أين ينبغي أن تتوجه آلام عواطف الشعب، فالأمر أوضح من أن يحتاج إلى بيان أو دليل، وإذن فواجب هذا الأديب -أو هؤلاء الأدباء- أن يتخذوا من سقوط باريس وأخواتها مادة لتوجيه عواطف الشعب إلى الحقيقة الوطنية العظمى، الحقيقة الوطنية التي لا يعيش الشعب إلا بها، لأنه ليس له قوام إلا بها، ولا بقاء له إلا عليها.
إننا نعانى من قرون بعيدة آلاما كأشد الألم إذا تمكن حتى يفقد صاحبه الشعور به، من طول إلحاحه عليه حتى يعتاده ويقر عليه. وهذه الآلام يعوزها من يقوم على تصويرها لشعبه تصويرًا جديدًا حتى يتمثلها في دمه آلاما جديدة قد ولدت له خاصة في جيله هذا، وبذلك يبقى الشعب أبدًا وهو يجد في دمه تاريخه الموروث بآلامه، فيعرف واجبه في العمل على دوائها والقضاء عليها، فكان يجب على هؤلاء أن ينتزعوا من سقوط هذه المدينة أمثالا جديدة لقرائهم -أي
стр. 885
للقوم الذين يتكوَّن منهم الرأي العام- ليوقظوا ذلك التاريخ المنسى الذي طمست عليه فتنة المدنية الحديثة التي أتت إلى بلادنا، فأحالت رجالنا إلى رجال ليسوا منا، وما هم إلا كترجمة فاسدة في لغة ركيكة لكتاب بليغ في لغة أخرى. هذا مَثَلُهم. . .
إن الحياة -أيها المعاصرون الأصدقاء- قد كتبت على الأرض مدنيات كثيرة، علت مدنية وجاءت أخرى فبغت عليها بطوفانها حتى ذهبت بها إلا آثار للتاريخ. لقد قامت مدنية الهند والصين وآشور والكلدان، ومدنية مصر والعرب وغيرهم مما نعلم وما لا نعلم، ثم ألقى الدهر عليها كَلْكَله فسوّاها، فكم من باكٍ بكى على هذه المدنيات المسكينة التي دفنت تحت أجساد متجمدة من الدم؟ كم من باكٍ بكى عليها من غير أهلها؟
ونحن! ! نحن الشرقيين! ! نحن المصريين! ! نحن العرب! ! هذه أعظم جرائم التاريخ قد فتكت بنا وبرجالنا وبمجدنا، وسلبتنا حتى العقل، حتى الروح، حتى الآمال والأماني والأحلام، من بكى علينا يومئذ؟ ومن يبكى علينا اليوم؟ أين هؤلاء الكتاب الذين فتنتهم باريس بالأمس وأبكتهم على لذاتها اليوم، أين هم من تلك الصور الفظيعة المخيفة التي يعرضها عليهم التاريخ في كتبه؟ صور آبائهم وأجدادهم، ومن يتبجحون بالانتساب إليهم والتحدر من أصلابهم؟ ؟ وهم يتعذبون ويشردون ويطاردون بين خوافق السماء وفي جوانب الأرض! ! ! أولئك هم الغافلون: لهم قلوبٌ لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذانٌ لا يسمعون بها.
ثم انظروا .. انظروا .. أليس الجنرال بيتان هو ابن فرنسا وابن باريس وابن المجد الفرنسي الذي توارثه عن أجداده وعن تاريخه وتاريخ بلاده. لقد قام الرجل الفيلسوف الجندي الحزين يصور للشعب الفرنسي. . . حقيقة حضارته التي كان سرها وخلاصتها وأجودها ممثلًا في باريس. لقد وصفها صفة خالدة الميسم على الحضارة الفرنسية الباريسية، حضارة اللذة واللهو، حضارة المجون والعبث، حضارة من يأخذ لذة ولا يعطى أمته فائدة ولا مجدا. لقد كان حكم بيتان على
стр. 886
قسوته حكما مشوبا بالملق لتاريخ حضارة أمته، وإلّا فالتاريخ أَمْضَى حكمه على هذا الضرب الساقط من المدنية الخبيثة ولكن بيتان الرجل معذور في ملقه، لأنه فرنسي يحب فرنسا بدمه قبل أن يحبها بأفكاره وآرائه.
ولكن ما عذرنا نحن إذا قام كاتبنا. . وكاتبنا. . . وكاتبنا. . . إلى آخر هذه القائمة الطويلة، يمجد تلك المدينة -باريس- التي حكمت بأسلوبها في الحضارة على فرنسا بذل الأبد وعار الدهر. لا تقولوا إنا نذكر ونحن نسبح بخيالنا في جمال باريس وفن باريس وعقل باريس وعلم باريس. . . إن تمجيد باريس ليس إلا تمجيدًا لذلك النوع الفاسد من الحياة التي سلبت باريس وأم باريس الحياة. إنكم حين تتكلمون وتكتبون لا تذكرون شوارع باريس ولا حيطان باريس، فإن ذلك كله لا نفع له إن لم يكن ذكركم لها ذكر الروح التي تحيى بها هذه المدينة العبقرية اللذات وهذه الروح هي التي أرهقت روح المدينة الفرنسية وما يشابهها ويلف لفّها في التلذذ والشهوة والفساد.
يا أحبابنا، ويا أصحابنا: إني أكتب هذه الكلمات، لكل من يقرأ ومن لا يقرأ، ومن ينسى ومن لا ينسى، ولكني أعلم أنى أؤدى واجبي، فليس يسوء أحدكم أن أكون له مخالفا ما كان خلافي عليه نصيحة له وحبا لهذا الشعب الذي يغذونى ويغذوكم بما تقوم به حياتى وحياتكم. فانظروا إليه أولا وانظروا إلى ما هو فيه من البلاء، وخذوا من أحداث الدنيا ما يكون لنظره عبرة، ولرأيه فكرة، ولروحه قوة، ولمستقبله حافزًا. لا تبكوا. . . لا تنوحوا، فإن كنتم لابد فاعلين، فابكوا له، ونوحوا عليه:
موت بعض الناس في ... الأرض على البعض فُتوحُ
فعلى نفسك نُحْ إن ... كنت لابد تَنوحُ
стр. 887
تجديد التاريخ المصري ساعة واحدة
ساعة واحدة، وتتوالد منها ساعات تلمع في الأيام كبسمات النجوم في قبة الليل. ساعة واحدة في تاريخ الأمة، وتأتي الساعات بعدها تنفث في الشعوب رقى من السحر تجعل الساكن البليد الغافل شعلة متوقدة تتوهج من نشاطها وإقبالها وذكائها وحسن تصرفها في المضيق المتلازم الضنك. ساعة واحدة، وتنبعث حرارة الإيمان في القلب حتى ما يدع شيئا إلا قهره وأذابه ورده بعدُ سبيكة من الجمال والحق والقوة والحرية والنبل. ساعة واحدة، وتكون المعجزة قائمة على الدهر جديدة حية كالحياة نفسها.
هكذا يبدأ تاريخ الشعوب، وهكذا يكون يوم يتجدد التاريخ القديم ليكون مرة أخرى على الناس في عنفوانه كالموج المتلاطم لا يتفانى إلا ليكتسب قوته من تياره فيتجدد. وهكذا يقوم على الأرض بناء الحضارات من يوم أن كانت الأرض. وهكذا تتجلى فضائل الشعوب على الزمن الشعبى فتجعله فضيلة تاريخية متوارثة متبعة، تقف الأمم إليها تقتبس من نورها هدى تمشي به خطاها في تاريخ الأمم. إن من يجهل حقائق الحياة الإنسانية العالية المتسامية، يخيل إليه جهله أن الزمن إذا وقف بأمة في مربط من الحيوانية التاريخية النازلة لا يمكن أن يمد لها مرة أخرى في طِوَل (١) أو زمام، وأن الحياة التي وقفت يصعب بعد ذلك أن يستمر مَرِيرها (٢) فتقوى على المشى المتعب، وأن ساعات الاستبداد، وعد الأنفاس، ومراقبة الهمس، والتوجس من النجوى، والتفتيش عن أسرار القلب وخطرات النفس وخلجات العقل -هي ساعات من البلاء تمسك الحياة على ذلها وقلتها، فلا تعز بأمر ولا تزيد ولا تكثر.
ولكن الحق يختلف بطريقته عن طريق هؤلاء الظانين به غير الحق، فإنه
стр. 888
يمتحن الإنسانية بالاستبداد والتعذيب والمحاصرة وطول الحرمان وشدة البلاء، ليخلص الحق بقوته من كل ضعف، وإذا خلص الحق من رعاع الأخلاق وأنذال الطبائع وجبناء الغرائز، اتصلت كالسيف ما مس من شيء قطع، وهو يومئذ لا يُغْلَب لأنه لا يَتهيّب، ولا يذل لأنه لا يطمع، ولابد أن ينتصر لأنه لابد أن يجنى.
هذا، وإن تقصير أصحاب الصوت الذين يصلون بأصواتهم إلى أسماع الجماهير، هو البلاء الذي يتفلت به تاريخ الأمة من أيدى الشعب، فتضيع الفرص السانحة التي تعرض على الشعب مجدًا وعزا وحرية وبقاء وذكرًا حسنا في التاريخ، فإن هذه الساعة التي وصفناها إنما هي اهتبال للفرصة وتعلق بها وحرص عليها، ثم حسن التصريف والتدبير والأهداف إلى أغراض من المجد، ثم حث للأمة على اليقظة وتنبيهها إلى علم الحقيقة التي تعيش فيها، والحقيقة الأخرى التي ينبغي أن تعمل لها لتعيش بها.
فإذا عرضت للأمة هذه الساعة التاريخية الخاطفة، فلم تجد أصوات قادتها -من أدبائها وشعرائها وكتابها، وأصحاب الرأي فيها، وذوي السلطان منها- فقد استحقت كلمة العذاب في التاريخ، وتأتي الأجيال بعد الأجيال لتقرأ فتعرف، فتصب اللعنات على ماضيها وأهل ماضيها، لعنات كأنها شواظ من النار مصبوب على السلف الذي فرط في حقوق الأرض التي تغذوه وتربيه وترعاه وتحوطه، وتجعل له نسبا ينتهي إليه وخلفا يستمر به حيا في التاريخ.
ونحن اليوم قد وقفنا وعرضت لنا هذه الساعة الخالدة في تاريخ مصر، بل في تاريخ العرب، بل في تاريخ الإسلام، بل في تاريخ الشرق كله، واشتعل لها رجل واحد فأضاء عليها وجلاها كشفها لِكل ذي عينين مبصر، وجرد معها نفسه للفداء والتضحية. . . هذا هو على ماهر، ولكنه آثر الرفق فلم يعنف ولكن الأمة التي فداها بنفسه لم تعرف بعد أن هذا هو يومها الذي تستطيع فيه أن تجدد تاريخ الشرق وتاريخ مصر، وإن أكثر أصحاب الصوت فيها قد خرسوا وأَرَمُّوا (١)
стр. 889
وسكتوا وأطبقوا أفواههم، وخَنَسُوا في جِحَر (١) الحياة المظلمة التي تخاف النور وتعشى ببرقه، وتخشى فواضحه التي تكشف الضعف وتميز للناس الخبيث من الطيب.
إن هذه السكتة التي خاطت شفاه الثرثارين -كانوا- بخيط الرعب والفزع والحرص على شهوات العيش، قد أضرت بمصر بل بالشرق ضررا نرجو أن لا يتلاحق أوله بآخره. نعم أنهم كانوا لعهدهم فيما مضى قد اتخذوا عقول الناس مطايا لما يشتهون، فارتحلوها وركبوها بالشهرة والصيت ونبوغ الاسم، فلما جاء يومهم يوم الجد والحزم، وأن ينزلوا عن مراكبهم هذه ليترنَّموا بالحداء والغناء والنشيد، فيبعثوا قلوبا حرة تستهدف للبلاء بإيمان وصبر وعزة وإرادة: استكانوا وهوَّموا (٢) وأخذتهم نعسة الخوف، فارتاحوا بها واطمأنوا لها، ورضوا بالحياة كما تقبل عليهم بعد ثورة وصخب وجَعْجَعَة من رأي وكلام.
إن سبيل التجديد الذي يطلب التاريخ منا أن نمتهدها ونسلكها، قد انشقت لنا أوائلها وصدورها، وقد بطل العذر وستموت المعاذير في المستقبل، فلم يبق إلا الإقدام وحده، ولم يبق إلا تجريد القوة الكامنة في أنفس الناس. فإذا أمكننا أن نبدأ وأن نتحرر في البدء مما يعوقنا من الخوف، وما يقطعنا من الحرص، وما يقف بنا من الجزع -أمكننا أن ندير الأيام على مدار ينتهي بنا إلى الغرض الذي نرمى إليه.
فالصراع العالمى الدائر بين القوى الفكرية والأدبية والسياسية والحربية، قد مهد السبيل لكل عامل أن يعمل، وأعطى النائمين نصيبًا من اليقظة، وكسر عن المقيدين بعض القيود التي كانت تعض على كل جارحة. فالعمل واليقظة والحركة في هذا الأوان كفيلة بأن تورث الشعوب -إذا أحسنت حق استعمالها- قوة ومضاء وعزمًا، لا ينثنى شيء منها لما يعترضه من الحوائل التي أوجبت بعض
стр. 890
الظروف قيامها في سبيل هذا المدد الحي الذي أمدت به شعوب الشرق في ساعة التاريخ العظيمة.
وطبيعة الصراع قائمة على انتهاز كل فرصة عارضة واستغلالها بالمضاء والعنف والاقتسار وجعل أوائل الفرص إذا أقبلت على المصارع خاضعة للإرادة التي تتحكم في الغايات التي ينتهي إليها في صراعه. فعمل الشرق الآن عمل حقيقي لا وهمي، والفرص العارضة له حقيقة مستمرة باستمرار الحالة الدولية التي نشبت في أعصاب الأمم المتعادية المتنازعة على أغراضها وأطماعها، وتاريخ الشرق منذ اليوم قد افتتح صفحة جديدة من كتابه ليثبت فيها هذا الشرق حقيقة الوراثة البعيدة التي جعلته فيما مضى حارسا على العقل الإنساني وإنتاجه وعبقريته.
وسبيل الشرق إلى هذا التجديد في تاريخه، وسبيل مصر -وهي رأس الشرق اليوم- في تجديد تاريخها، هي طرح الأناة والغفلة والخمول، واحتمال مؤونة العذاب في العمل على إنتاج الشعب الذي يستعد بفطرته للدخول في المعركة الحاسمة التي تقطع عهدا مضى عن عهد يستقبل. وسبيل ذلك أن نتعاون ونتظافر ونتظاهر على إحياء التراث القومى الذي لا يعرف المسامحة في محاسبة أصحاب التهاون في مصير أوطانهم، وأصحابهم الحرص على منافعهم التي ينتهشونها من أيدى الجبارين والطغاة، وأصحاب اللهو والعبث بروح الأمة وعقلها وحقائق وجودها.
وإن كل أحد منا قد أقامته مصر -أو أقامه الشرق- حارسا على ثغرة من ثغور البلاء، وكتبت عليه أن يدافع دونها دفاع المستميت حتى الموت، وأن ينذر بالعدو إذا أقبل عليه وأجلب (١)، فإنما كل أحد منا طليعة لجيش أو ربيئة، فلابد أن يكون في عينيه ذلك الضوء النافذ الذي يخترق ظلمة المخارم (٢) والثنايا
стр. 891
ومجاهل الأرض وأن يكون في حزون (١) ذلك الصوت القاصف الذي يجلجل في الهواء بقوة وصليل ورعد وبرق وصواعق ولابد أن يكون بعد ذلك كله حيًّا قد وهب حياته للموت تحت البارقة في كل ساعة وعند كل فزع لا يختلجه إلى الحياة سبب من أسباب العيش أو شهوة من شهوات البقاء في لذة الدنيا ومتاعها.
هذه هي الدعوة الصحيحة إلى العمل عمل الأدباء والشعراء والكتاب وعمل كل ناطق من أهل هذا الشرق، وكل مطيق لحمل هذا العبء الروحي الجليل، وليس يغر الناس ما هم فيه من الضعف، فإن كل ضعفة في الإنسان مقتولة بقوة من إرادة الرجل إذا عقد العزم عليها، وكل مخوف يبعث الرعب وينشره ويجلب له بالدعاية والأكاذيب وفوضى العقل المرسلة على لسانه، يمكن أن تبددها صرامة رجل واحد يقف على رأس الناس يقول:
"ها أنذا فاعرفوني! لقد كذبتم وتكذبتم! ! ". إن هذا الرجل إذا صرخ بالناس بعد ذلك صرخة إلى الجد، عمل بصرخته في الناس ما لا تجد الأكاذيب معه بعد ذلك حياة تحيى بها لتستجيش الذعر لقتال إنسانية الإنسان الحي الذي يريد أن يعيش لوطنه وأمته، جنديا يقاتل عنها ويحميها من عدوان الاستبداد والطمع، ويحسم عنها شر الضمير المدخول بالوحشية الاقتصادية الغالبة على أمم هذا العصر.
إن العقل يجب أن يستبطن المعاني ليستطيع أن يطابق بينها وبين وقائع الحياة، وفي كل كلمة معنى إذا اتصل سره بسر النفس، اهتزت له وأقبلت عليه، وجعلت تفسر به الحياة تفسيرًا واضحًا يقيم البناء على أساسه الحق، أو يفتح الطريق إلى الغاية المرجوة. وإذا كنا اليوم لا نستطيع أن ندع ألسنتنا تنطلق بكل ما يحملها على الطلاقة، فإننا نستطيع أن نجعل قلوبنا في عالم واحد لا يتغابى ولا يتجاهل، ولا يتعادى في الحق ولا يتدابر، ونستطيع أن نجد عند "الرجل" ما وجدناه قبل من القدرة على الاستعلاء على جبروت العناد الأحمق الشره، الذي يريد أن يجعل قانونه في المظالم هو القانون.
стр. 892
إن الروح لا تموت، لأنها تستمد سلطانها من سلطان الله، وإن القلب لا يسكن، لأن سكونه هو حقيقة الموت، وإن العقل لا يؤسر أو يقيد، لأنه حر لا يستعبد، وإن الزمن قد أشرف بنا على مجد وعزة، فينبغي أن نجدد تاريخنا القديم بمجد مستحدث مستجد.
стр. 893
أحلام مبعثرة
ليس يخفى على أحد لمن يتعاطى الأدب والشعر والفلسفة وما إليها من مادة الأفكار القلقة التي تعيش بأشواقها الظامئة إلى حقائق الوجود أن هذه الفنون الجميلة الرفيعة لا يتلقاها عامة الناس في مصر إلا بالاستهانة والسخرية، ومع أن من هؤلاء الناس من يجد الحاجة إلى تناول بعض هذه المواد العقلية من أصحابها فإنه مع ذلك يجد من رغبته إلحاحا يحمله على النظر إليها وإلى أصحابها نظرة الساخر المستصغر.
وعدوى الرأي والفكر حقيقة قائمة في الطباع كحقيقة الجرثومة إذا التبست بالبدن المستعد لقبول المرض الذي تقوم به، فالعامية الطاغية على الشعوب العربية في هذا العصر تعدى جراثيمها كل متعرض لها، فمن هنا كان كثير من طلبة الأدب، ومن يجدون في أنفسهم رغبة واستعدادًا وشغفا به، ربما تناولوا المادة الأدبية بشغفهم من ناحية، ولكن تغلبهم من الناحية الأخرى عامية العصر، فلا يزالون ينظرون إلى الإنتاج الأدبى نظرة فاترة، ساكنة باردة على الأغلب والأعم. وبذلك تقل حماسة الطالب لما يطلبه من الأدب، وإذا قلَّت الحماسة ضَعُفَ النظر واختلج الرأي وضاعت حقيقة الأدب.
وإذا تم ذلك كانت هذه العدوى مؤثرة أثرا قويا بالغا في أصحاب الإنتاج أنفسهم، أي في الأدباء، فترى الأديب يتهالك في أدبه بقدر ما يأخذ من جرثومة الداء العامي، لأنه لا يستطيع أن يتخلص من روح الاجتماع الذي يتنفس في جوه، ولأنه أيضا يريد أن يتدلى إلى عامية الشعب ليكتسب لنفسه قراء أيا كانوا يشعر بنظراتهم وهي تجري على كلامه الذي يكتبه من أجلهم، ليجد صيته وشهرته عندهم حتى يرضى ويطفئ ما يتوقد في نفسه من حب الشهرة.
стр. 894
وهذه العامية العصرية في الفكر والرأي والإحساس، قد تناولت كل شيء في الحياة الاجتماعية العربية، حتى ما تكاد تجد معنى من معاني الحياة يتسامى عن الإسفاف العامى الهابط إلى أردأ ما تعرف من القبح والسماجة. ولو أردت أن أظهر لك قبح ما نتورط فيه من عامية العصر، فذهبت بك إلى الأصل الذي لا يكاد يتخلى منه إنتاج أدبى صحيح: وأخص الشعر، لرأيت أن منبع الوحي الأدبى في عصرنا هذا، منبع وحل قد تضرب طينا في ماء في حمأة في عفن الحياة الإنسانية الرديئة.
فالشاعر حين يشتعل في روحه ذلك السراج الإلهي الطاهر المقدس، فيمشي بضوئه في الأرض ليبدأ رحلته في الأعماق النفسية الهائلة المرصدة لشاعريته فيتقدم إلى باب المعبد الروحي، يجد هذا الباب قد دار به في أقبح ما يتصور العقل من مستنقع طينى نازل زلق. فالمرأة باب المعبد: لا يزال الشعراء يعرفون بها طريق الحقائق العليا للوجود الأسمى، فإذا بدأتهم بأوحالها فما يزال الشاعر على أوحالها ينزلق يرفع رجلا ويهوى بأخرى لا يكاد يستقر حتى على هذه الحقيقة الطينية الطبيعية.
وعامية العصر أعظم تمثلا في المرأة منها في الرجل، لأنها بطبيعتها أقدر على مداورة الحياة الاجتماعية بأسلوبها الرقيق السحرى الذي اختصت به ودربت عليه وتفننت فيه، فهي اليوم في عاميتها، وسوء تركيبها وقلة احتفالها بالعقل النبيل وغفلتها عن حقيقة ما يتطلبه شعبها من جهودها الصامتة التي لا تعرف إلا نظرة الحنان، تلك النظرة التي تبعث بضعفها في قلب الرجل أقوى القوة -أقول: هي اليوم قد نزلت بالأدب والشعر والفن نزولا عاميا كنزولها حتى ما ترى شاعرا يستطيع أن يسمو أو يتغلغل لأنه لا يزال ينزلق في الأوحال التي تسيل أمامه ومن خلفه وحواليه وتحت قدميه.
ولو ذهبنا نتتبع سائر ما يحيط بالأدب وأهله، وما يجعل العوامل العامية أشد أثرًا في كل إنتاج أدبى لطال بنا ما نتولجه من القول في هذا الباب، ولكنك إذا أَسْدَدْتَ النظر إلى هذا الأمر عرفت أن الحقيقة هي ما ذكرت لك، وأن العمل
стр. 895
على التخلص من عوامل الضعف في الأدب يحتاج إلى جهد هائل من الأدباء أنفسهم حتى يبلغ بهم جهدهم، يريدون من تمحيص أدبهم، وجعله مادة حقيقية تعمل في الحياة عملا نافعا يشفي من داء العامية ليجد في قوة الشعب قوة يمتلئ بها شبابا وعزما ليكون أجمل مما هو وأسمى مما هو.
وفي هذا الجو العامى يجب على الأدباء أن يبحثوا لأنفسهم عن أساليب جديدة لكفاح هذه الجرثومة المبيرة المهلكة لهم ولأدبهم، وينبغي أن تبدأ الأساليب كلها من باب واحد يكون هو الأصل، وهذا الباب هو باب الاعتزال عن المغريات التي تدفع الأديب لشهوة الصيت والاحتفال بذلك لتقوية الروح المقاتلة التي لا تعرف الهزيمة في العمل دون الموت. فإذا تم ذلك للأديب - أو الأدباء استطاعوا أن يمحقوا جراثيم الداء في كل مكان بالإرادة الصارمة والعزم النافذ.
ولكن الأدباء في بلادنا ومن أهل لغتنا لا يحبون أن يأخذوا أنفسهم بالجد والاعتزام وطول الحرمان ومجاهدة الطائع المعادية للواجب، فهم ينساقون في طريقهم على الهوى والهوادة ومتابعة الشهوات الغالبة، ومحاباة العواطف المريضة، التماسا للراحة بعد الإنتاج السريع. وبذلك لم يكن لأحد ممن نعرف مذهب يستقل به ويقوم عليه، ويذب عنه بالروح القوية التي تحمله على التضحية بكل شيء في سبيل المذهب الذي يعمل في تمهيده وتطريقه للناس بعده، وكذلك ليس لهم غاية يجد لها أحدهم القلق الدائم المستمر الذي يدفعه من كل ناحية إلى بلوغها وإدراكها والظفر بها.
من أجل ذلك أصبحت تجد أدب الأدباء وشعر الشعراء وفن الفنانين خطرات من الرأي أو الفكر أو الخيال ليس لها جامع يجمعها، ولا رابط يربط بين متفرقها حتى يمكن أن يتكون من مجموعها للأديب الواحد -أو الشاعر الواحد أو الفنان الواحد- مذهب صحيح يفضى إلى غاية على ترتيب ونظام ومساوقة، ومن أجل ذلك أيضًا كان هؤلاء تمثيلا صحيحا لصورة الشعب الذي لا رأي له. ولا مذهب ولا غرض ولا غاية، ، ومن أجل ذلك أيضا صار الأدباء أتباعا للشعب لا قادة له،
стр. 896
فمن أجل ذلك كله انتبذهم الشعب أو استقلهم وأنكرهم وسخر منهم، لأن الشعوب لا تعرف بل لا تحب إلا صرامة الصارم وقوة القوى لأن الطبيعة والفطرة تدعو إلى البحث عن المثل الأعلى، أي عن أحلام الشعب في المثل الأعلى، أي عن الأحلام المتمثلة في قائد الجماهير، وإلا فلا فضل لأحد على أحد مادام أمر القيادة قائما على المتابعة دون الاستقلال، وعلى الممالأة دون العزم والإصرار والقوة.
وأنت لو تتبعت أدب الأدباء وشعر الشعراء، لعرفت يقينا أن الألفاظ التي تقرأها، فيها من كثرة الملل قدر ما فيها من قلة الجهد، وفيها من الفتور أكثر مما فيها من عدم الفكر، وأن أكثر ما تجده من الأفكار والأخيلة والأساليب ما هو إلا أحلام نائم لا حقيقة لها -أي لا رابطة بينها وبين الحقيقة، وربط الأحلام العقلية بحقائق الوجود هي العمل الصحيح للأديب والشاعر، فإذا تركا أحلامهما تضيع وتشرد وتند عن حظائرها من الحقيقة ضاع الأدب وبقي مبعثرا شاردًا لا قيمة له، فإذا لم تكن للأدب قيمة، فلا جرم أن يكون مدعاة للاستهانة، ومظنة للسخرية والاستهزاء.
ونحن اليوم مقبلون على زمان من التاريخ لابد فيه من العمل المرهق والجهد المميت، فواجب الأدباء والشعراء لا يتم إلا بنفض الكسل والخلاعة واللين والطراوة وقلة المبالاة، ثم إقبالهم على الحياة بنشاط المجاهد المضحي، لا بانبعاث اللاهي المتلذذ، ثم إقدامهم على أفكارهم وآرائهم وخيالاتهم وأحلامهم بالنظر الخاطف، والعقل المسيطر، والتدبير الحازم، والنظام المتساوق، فإذا فعلوا فقد أنشأوا حكومة عقلية جديدة قوية من هذه الأحلام المبعثرة، ويومئذ تنال هذه الحكومة العقلية الفائدة من احترام الشعب ما يجعل الأدب ساميا أبدا، حتى ما تستطيع العين إلا أن تنظر إليه طامحة سامية جادة، في مثل جده وسموه وطموحه، وبذلك يصبح الأدب احتراما يتجلى لا هزأة تمحو ضوءها ابتسامة المبتسم وسخرية الساخر.
стр. 897
أهوال النفس
سبحان خالق نفسي! ! كيف لذتها ... فيما النفوس تراه غاية الألم؟
الدهر يعجب من حَمْلِي نوائبه ... وصبر نفسي على أحداثه الحُطُمِ (١)
وقت يضيع، وعمر ليت مدته ... في غير أمته من سالف الأممِ
أتى الزمان بنوه في شَبِيبته ... فسرَّهُم وأتيناه على الهرمِ
في ظل الأيام الصامتة الثقيلة، وفي سوادها المظلم الممتد تحت غمام الحياة، تتململ النفس من عنت وضيق وحيرة، وتجد من أحداث القدر ما يتركها تتقلب على نار موقدة من أفكارها وأشواقها وآلامها، وتتجمع من حولها أطياف ماضيها وأحلام مستقبلها، ثم تتنازعها هذه الهاوية في الأبد، وتلك السابقة في الغيب، حتى تكون بينهما تتمزق بين جاذبين قويين متعارضين لا يضعف أحدهما في قوته فتذهب النفس معه على وجهها إليه.
وفي هذه الحالة التي تدرك النفس يعيش أحدنا في أنفاس من الجحيم والعذاب المستعر، وتنشأ له في جنون اللهب أحلام مفزعة حمراء الحواشى والأطراف، تندلع في تاريخ إنسانيته، وتثبت فيه أثر النار التي تنضرم عليه فيكتوى بها وليس يستطيع أحد أن يخلص بنفسه من هذه الأحوال الفظيعة، لأن سبيل الخلاص لا يمتد إليه من خارجه، وما سبيل الخلاص إلا من النفس وحدها، فإذا كانت هي التي تعيش في حيرة وآلام مكفوفة عن قوة تفكيرها في إطفاء النار بإيمانها، فليس إلى نجاتها طريق تتخذه، أو باب تنفذ منه.
وهذه الأيام التي نحياها في دنيا الاضطراب العالمى المختبل المجنون، تشعل تحت النفس تنُّورًا هائلا طعامه تاريخ الإنسانية كلها من لدن آدم إلى هذا اليوم، وتملأ النفس أفكارًا كثيرة قد انطوت عليها، فهي تغلى بها غليان المرجل
стр. 898
المصمت فلا يزال في تفزُّع وتقلقل يتنزَّى بضغط البخار، فلا يستقر ولا يرجى له أن يستقر.
إننا لا نفقد آمالنا في الحياة إلا أن نفقد الإحساس بالحياة، فنفقد الرغبة فيها، ومادامت لنا في الحياة رغبة أو شهوة، فآمالنا أبدًا حية تتحرك بل تتجدد بل تزيد وتتكاثر، وأيما أمل تعتاقنا عنه ضرورة لا نملكها ولا نُعْطَى القدرة على تصريفها كما نشاء -فهو أمل يتوالد آمالا كثيرة صغيرة تكبر وتتعاظم وبذلك نعيش العيش في حالة تستجيش جيوشا حاشدة من الآمال تقاتل أحكام القدر التي لا تعرف إلا حقيقة الحياة الاجتماعية، ولا تلقى بالا إلى الحياة الفردية المستأثرة الطامعة التي لا تشبع.
ولكن الفرد لا يستطيع أن يحقق وجوده، ويستيقن من قدرته على العمل والإنتاج إلا باتساع فرديته اتساعا يعطيه من الحرية ما يكفل له إرضاء نفسه في بعض آمالها التي يريد أن تتحقق، فإذا استطاع الفرد أن يحقق بعض آماله تحقيقا كاملا، استيقن من حقيقة وجوده، فإذا استيقن من حقيقة وجوده بذلك، كانت قدرته على الحياة أبلغ وأقوى وأمتن وبذلك يكون دائما ثابتا في تقدير أعماله وإتقانها وإيجادها بالقوة الصارمة، فإذا أمكن ذلك، وجدت نفسه في الحياة المضطرمة منفذا تستعين به على تلطف الحياة أو تبريد السعير الملتهب الذي يكتنفها بألسنته المتكلمة بألفاظ من النار اللذاعة.
وإذا بدأ الإنسان يخفق في آماله، ولا يحقق من نوازعها العظيمة شيئا يسكن اليه أو يهدأ عليه، كان إحساسه بنقصان حياته أو ببطلان وجوده عاملا ثائرا دائبا يجعله أبدا في تعذيب من قوة النزاع الهائل بين الحقيقة التي تتطلبها فرديته وشخصيته وبين الأمر الواقع الذي يكفُّه عن الشعور بمعاني هذه الحقيقة في نفسه شعورا واضحا بينًا متمما لإنسانيته.
ولكن بعض النفوس تعيش مهما أخفقت في إدراك تام لحقيقة وجودها وعلى يقين ثابت عن أنها أحق بالوجود من النفوس الغبية الفاترة المتلذذة التي تعيش كما
стр. 899
تعيش البهائم ترعى حيث طاب لها المرعى. فهذه النفوس المستيقنة المؤمنة بحقها إيمانًا لا يتزعزع تبقى دائما في تجديد لمعانيها وآمالها ولا ترتد عن أعمالها التي ينبغي لها أن تعملها، وتمضي في الحياة تتكلف أثقال العيش، وتتوثب في نيران الأفكار، وتقاتل عن حقها قتالا لا يلقي السلاح أبدا إلا أن تفرغ الحياة من تحريك النفس بنفحاتها المنعشة.
وهذه النفوس لا تعرف كيف تستقبل أعمال الحياة في بُلَهْنِيَة (١) من العيش المترفِّه الناعم الرقيق، ولكنها تريد أن تعرف كل ساعة كيف تغتصب أعمال الحياة اغتصابا بالافتراس والانقضاض والسقوط على رغباتها كما ينقضّ النسر على أفكار عينيه المتمثلة في فريسته. فإذا أعطى القدر هذه الفرائس طريقا إلى النجاة من مخالبه! لم يرتد هذا النسر إلى صخرته العالية إلا لينفض الجو بعينيه مرة أخرى، حتى يقع بصره على أفكار جديدة تتخايل له، ويبقى حياته على ذلك يعاني آلام الشوق المتضرم الدائم حتى تقول له الحياة: مكانك، لقد فرغتَ فاسكن الآن!
وفي هذه الحالة المؤلمة تجد النفس شيئا كثيرا من المضض والحسرة، ولكنها لا تضعف، بل يزيدها الألم عنادا في المطالبة بحق وجودها، لإثبات شخصيتها في داخلها إثباتًا صحيحا بالعمل، أنتج العمل أو لم ينتج، لا تبالى أي ذلك كان، وعندئذ تكون في جو من الأهوال القاسية الفظيعة التي لا تفتر، وتعيش في تهاويل من خيالها وأحلامها وآمالها، وتنقض عند كل بارقة بقوة الحياة التي تندفع في أنحائها اندفاع التيار الأعظم أمسك عن تدفقه لحظة ثم أطلق. أي شيء في الحياة بعدئذ يستقر على دفاع هذا التيار؟ وأي شاطئ عندئذ يستطيع أن يحتمل صدمات هذه الأمواج المجنونة، وأي سد يحتمل الثبات في وجه هذه القوى الهائلة المفزعة التي لا تلتفت وراءها، وليس لها إلا الأمام يطالبها ويجذبها ويتطارد لها لتدركه بعنفوانها وطوفانها المجنون؟
стр. 900
إن الأعصاب التي يتكون من مجموعها إنسان هذه النفس، تجد من الجهد في ضبط الأمواج المنفجرة المتدفعة أشد ما يجد حيٌّ من الجهد، ويكون العقل المدبر لهذه الأعصاب في حالة لا يستطيع معها إلا أن يفقد هدوء التأمل الذي ينبغي له ويكون في حياة صاحبه مادة جديدة لتعذيبه، لأنه يُنْشِئ من هذا البحر أفكارًا جديدة يضع فيها مادة عقلية متفجرة، لا تكاد النفس تتناولها حتى تنفجر، فتزداد أمواجها ارتفاعا وثورة واضطرابا وتدفقًا، وكذلك يتعاون العقل والنفس على إشقاء الحي، وجعله بحرا من الآلام لا يسكن ولا يطمئن.
هذا العذاب كله وهذه الحركة المستمرة في أعصاب الحي، وهذه الأمواج المتطوحة الصاخبة في أودية النفس، هذه كلها تعود في حياة من يمارسها ويصبر عليها لذَّات متتابعة يجد فيها سموًّا وعبقرية وقدرة متجددة في دمه، لذات مؤلمة، ولكنها تنعش النفس بالآلام، لذات محرقة، ولكنها تجدد الحياة بالحريق الدائم، لذات على علاتها توجد للحياة اليائسة معنى من الآمال الحية.
أيتها النفس، خوضى غمرة الحياة واسبحي، فلن تعرفي حقيقتك إلا وأنت على الشاطئ الآخر، أيتها النفس المعذبة؟ انغمسى في العذاب ما استطعت فإنك لن تستريحي إلا أن تجدى راحتك كلها في القدرة على احتمال العذاب! أيتها النفس! أنت قوية الإرادة، ولكن القدر أقوى إرادة منك.
стр. 901
وقاحة الأدب أدباء الطابور الخامس
نحن لا نشك في حقيقتين ظاهرتين متمايزتين متحزبتين بطبيعة الفطرة الإنسانية الاجتماعية. فالحقيقة الأولى هي مطالب الفرد لنفسه ورغباته وأمانيه وأحلامه. والحقيقة الأخرى هي: مطالب الجماعة المكونة من الأفراد على اختلاف نزعاتهم في أنفسهم وخاصتهم. وكل عمل فردى لا يكاد يفلت أثره في الجماعة، وتوجيهه في الحياة الاجتماعية عامة إلى جهة بعينها، وخاصة إذا كان مرد أعمال الأفراد إلى قاعدة عامة تطلق لهم من الحرية ما يجعل أعمال الفرد استقلالا على طريقة المصلحة الفردية التي لا تحترم قيود الجماعة، وقيود الجماعة عندنا هي المصلحة التي لا ترقى بها هذه الجماعة المختلفة قوة وضعفًا، ولؤما وكرما، وعقلا وسفاهة، وحكمة وضلالا. وأخطر الأشياء في حياة الجماعات والشعوب هي القواعد العامة التي يأتي من تفسيرها وتوجيهها سيل طام متدفق من تيارات الأفكار المتنازعة التي تتنابذ ولا تتعاون.
فلذلك نحن نعد المبادئ العامة التي تسيرها أعمال الأفراد مستقلة عن الفكرة الاجتماعية الرحيمة التي تخاف سوء المغبة في جسم الجماعة، هي الأصل الذي يجب أن يمحص ويحقق ويضبط، حتى لا تتنازع عليه الأهواء أو الشهوات ودناءات الأخلاق الفردية المستأثرة، والتي تعيش بلذاتها قبل حقائق لذاتها. فإن طغيان الوحشية الفردية يفضى بالعالم إلى فوضى في الجماعة لا تقاومها حسنات المجتمع أو مصالحه أو حقيقة حياته.
فأنت ترى من ذلك أن أهم ما يجب علينا أن نتوجه إليه، هو ضبط النسبة بين حاجة الفرد المستقل باعتباره فردًا من جماعة مستقلة أيضا، تريد هذه الجماعة أن تجتنب أكبر قسط بل أعظم كارثة من بلاء التشقق الاجتماعي الذي يأتي من وراء
стр. 902
القانون الذي يضبط دولة الجماعة ويقوم على حياطتها، طلبا لإسعادها والترفيه عنها، ووقايتها من التدهور الأدبى والعقلي والسياسي والاجتماعى.
وقد كان من بلاء المدنية الأوربية الفاجرة، أن انفجرت في الأخلاق الفردية انفجارا بعد انفجار بعد انفجار حتى صارت مِزَقُ الأخلاق نثرا متطاورا لا يجمعه جامع يكون للجماعة -من صعلوكها إلى مليكها- جِماعا ومِلاكا واستحصادا، يمسح عن آلام البشرية تلك الدموع الغزيرة التي تجري تحت ظلام الأثرة والبغي والاستبداد والشهوات المظلمة في نفوس مظلمة مثلها وأنشأت هذه الطريقة الدنيا من الشهوات المستحكمة الغالبة، مبادئ يتخذها الأفراد شعارًا، ثم جعلت تتخذها بعض الجماعات رمزا لحياتها، ولكنها مع ذلك لا تعد نظاما لجماعة، بل تبديدا لنظام الجماعة أو لما ينبغي أن يكون عليه نظام الجماعة.
فمن هذا البلاء ما يقوم في عقول بعض المتأدبين من حرية الإنتاج الأدبى على أي صورة من الصور، أي أن يدور الأديب بإنتاجه حول شهواته الخاصة التي يبثها أدبا في أمته، ويدعى مع ذلك أن هذه الحرية الشخصية في نظرته إلى الحياة وأعماله في الحياة، وتصوير هذه النظرات والأعمال، عمل أدبى حر يكفل له الناس الانتشار والذيوع، وأن يدخل على الأحرار في بيوتهم، وعلى العقائل في خدورهن الطاهرة وعفافهن النبيل، وأنه ينزل على الأمهات والزوجات والعذارى وحيًا جديدًا من الفن الذي تضمن له فنيته حرية التغلغل في حصون الأمة المقاتلة عن الذرارى والأبناء وكيان الشعب المولود للمستقبل.
ولا يبالى هؤلاء أن يكون في داخل هذه الحصون الشعبية الهائلة معنى جديد يخذل القوى العاملة على إنشاء الحياة الاجتماعية إنشاء يضمن لها البقاء والاستمرار والتفوق والسمو بالشعب إلى القوة الحاكمة التي تدفع عن أرض الوطن بلاء الاستعباد. فإن الرجل إذا استعبدته الشهوة، فهو يدور أبدا في تصريفها مستعبدًا ذليلا لا يدفع عن نفسه إذا ما أوتى من هذه الحاسة المتلينة الخاضعة بطبيعتها لسلطان اللذة غير متورعة عن التدلى إلى الحضيض، وغير حافلة إلا بالساعة الحاضرة العمياء المظلمة ظاهرا أو باطنا.
стр. 903
وإذا أفسد الأدب أول ما يفسد هذه الحصون فقد أمد الشعب بهلاكه، وأدخل عليه هذه النوازع المحطمة، وبث فيه سراياه وأعوانه من (الطابور الخامس) الذي يعمل على إيجاد حركة ارتداد تشقُّق وحَيْرة ووَجَل، فإذا تم لهذا الطابور الخامس تمامه، استولى على الأمة فمحقها بالفزع والتسليم والرضا بالخضوع والذل، قبل أن يمحقها العدو بالآلة والسلاح والجيش الغازى.
وفي هذه الأمم التي لا تملك من سلطان القوة ما تسوغ به السيطرة على ميادينها في صراع الأمم إذا تصارعت، أي في هذه الأمم الشرقية، وأخص الأمة العربية، يعيش هذا الطابور الخامس من الأدباء، ويرى أنه قد أجاد المذهب والمسلك، واتخذ لأمته أهدى السبيلين وخير المنزلتين. وعقيدة هذا الطابور الخامس أن حرية الفن يجب أن لا تتقيد بمصلحة الجماعة، أي أن يكون إنتاج هذا الطابور على ما يثور في أنفس أفراده من النزعات المستكلبة والنزغات المنفجرة في أعصابه بروح الشهوات.
فالأدباء والشعراء خاصة يرون أن أدبهم وشعرهم لابد أن ينطوى على تلك المعاني النفسية النازلة التي تستولغ في دماء الناس وأعراضهم المذبوحة بالآلات الحديدة الماضية التي لا تقاوم بالشهوات الغريزية المجنونة التي تضئ لأعينهم سراج اللذة المحرمة تحت جناح الليل، بين الأخلاق المتهالكة في حانات الفجور، تستنقع بأحلامها وهذيانها في كأس تفوح نشوة وتسيل عربدة، ثم ماذا، ثم يأتي هؤلاء فيدفعون إلى المجتمع نتاجا مركبا من جميع هذه الرذائل المنهوكة المخمورة، ثم تتغلغل هذه المساخط كلها في بيوت الشعب في أوهام الزوجات البريئات، في عيون الفتيات الجاهلات، في أحلام العذارى المتأملات في هدأة الحياة ينتظرن من وراء النفس والعقل تحقيق أحلام الفطرة الغالبة على كل حي في هذه الأرض.
ثم يكون ماذا؟ ثم يكون هذا التفكك والتخاذل بين الأوصال الشعبية التي يجب أن تتماسك وأن تجعل من تماسكها وارتباطها قوة، وأن تنفث فيها روح الجماعة روحا سامية طامحة راغبة جادة تريد أن ترتفع بالجميع فوق شهوات
стр. 904
الجميع، لتحقق للكيان الاجتماعي كله سيادة تامة على الأسباب التي يصير بها الشعب قوة عاملة على إيجاد السعادة للشعب وسلالة الشعب في مستقبل أيامه وأعوامه.
فأدباء الطابور الخامس الذين اتخذوا لأنفسهم شعارًا من حرية الفن وحرية الأدب، وحرية التعبير عن ثورة النفس المشتهية المستكلبة، هم أعدى أعداء هذا الشعب المسكين، وهم البلاء الماحق، وهم الذل الحاضر والقيد الربوض، وهم سفالة الإنسانية، إذ كانت الإنسانية لا تستطيع إلا أن تنزل بهم إلى الحضيض الأوهد من الخضوع لسلطان الشهوة، وهم الهلاك المحقق، لأنهم سبب التفرقة إذ كان بناء أدبهم على الاستقلال الفردى المحض الذي لا يقدر للجماعة معنى الجماعة بل يأتيها بكل أسباب التمزيق والتعاند والخلاف بين القوى إذا تحررت فانطلقت فاتخذت كل قوة سبيلا مناقضا لاتجاه صاحبتها، فتصبح قوى الشعب كلها في نزاع دائم لا خير فيه، بل فيه كل الشر وكل البلاء وكل المحق.
إن أحدًا من الناس لا يستطيع أن يفرغ دمه من معاني الشيطان، لا يستطيع أن ينقي أعصابه من وراثة الغرائز الإنسانية القديمة الآتية مع الإنسان من الخطيئة الأولى لآدم صلوات الله عليه. وإن أحدا لا يعطى التحكم في تصريف القدر على الوهم والأحلام، ولكن الإنسان أعطى العقل، وأعطى مع العقل الإرادة وأعطى مع الإرادة طبيعة التعاون وأعطى مع هذه الطبيعة نظام الجماعة فأعطى مع نظام الجماعة حقيقتين عظيمتين.
فالحقيقة الأولى، هي قدرة الفرد في بعض حياته على الحياء وعلى التضحية، وبذلك يستطيع أن يضع تحت أعين الجماعة قدوة حسنة ومثلا أعلى، ينبل ويسمو ويترفع ويضئ في الأجواء البعيدة بروح الجمال والحق. والحقيقة الأخرى، هي سرعة استجابة الجماعة للمثل الأعلى بالاقتناع من ناحية والتقليد من ناحية أخرى، وبجميع ذلك تستطيع الجماعة أن تجعل نظامها ساميا أبدا عظيما دائما، متماسكا على مر الزمن.
стр. 905
فأدباء الطابور الخامس -هم كسائر الناس- يستطيعون أن يستخدموا العقل والإرادة وطبيعة التعاون ونظام الجماعة، لإيجاد المثل الأعلى للشعب، باذلين من أنفسهم تضحية واحدة، هي أن يستحوا قليلا من الناس ومن أنفسهم، وأن يجعلوا مصلحة هذا الشعب المسكين نصب أعينهم وعلى مد أفكارهم، وأن يكونوا عاملين على إيجاد القوة في بناء الأمة وإصلاح أفرادها، لا أن يكونوا خبلا خابلا وفسادا، ونزولا بالإنسانية السامية إلى الحضيض المظلم الذي تعيش فيه أرواح الشر المهلكة، تلك الأرواح التي لا تريد من معنى الحرية إلا استعباد الآخرين للشهوات.
أما نحن فعلينا أن نحارب هذا الطابور الخامس قبل أن نحارب أعداءنا من غيرنا، لأن هذا هو العدو الحقيقي الذي يخذل قوانا، ويفسد استحكامنا، ويحطم قواعدنا الحربية التي بنتها الأجيال من قديمنا الأول، هذا الطابور الخامس هو من رسل المدنية الخربة التي تهدمت، ولا تزال تتهدم، وستتهدم في ميادين القتال إلى هذا اليوم. فلنعمل جميعا على أن نكون من الفرق الواقية من دسائس الطابور الخامس.
стр. 906
قلوب جديدة
تأتي النائبة من وراء الغيب مسرعة متوهجة تتوقد، ثم تنغمس في الدم فتسمع الحياة نشيشها فيه، وتضطرب الروح، وتتفرق النفس، ويتألم القلب، وتتبعثر الإرادة، ويحار العقل، ويكون مع ذلك كله أمل ممض نافذ يجعل الحي يستشعر معاني الموت وهو لا يزال حيا بعد. فالمصيبة بطيعتها توجد في الحياة حركة سريعة طائرة مخبولة تخرج الحياة كلها عن دستورها ونظامها بعنف وقسوة، فيعقب هذه الموجة المتلاطمة السريعة فترة خاملة بليدة تنقل الحي من جو إلى جو حتى يتسنى له أن يستقر ويهدأ. فإذا لم يقرر لنفسه هذا النظام الذي تتطلبه المصائب لم يزل في موج واضطراب وفزع وحيرة، وتتضاعف المصيبة الواحدة حتى تكون -من جراء عواقبها عليه- مصائب عدة.
وقد تنزل المصيبة بالرجل فينفتر لها ويتبلد عليها، ويستنيم في بعض أحزانها ولكنه لا يلبث حتى يشعر أن في دَمِه أصواتا تتداعى فيه كما يتداعى الجند إذا تفرق على ضربة عدوه في الميدان، يجتمع المتفرق ويتألف الشاذ وتتضام القوى، ويعود الأمر على أشده كأحصن ما كان. فإذا تداعى الدم، وزأر القلب، واهتزت الروح، وأصاخت النفس، وارتدت العواطف المنهزمة إلى مواقعها وحصونها من إنسانها، وجد الرجل كأن قلبا جديدا قد انتفض في صدره، فنفض المصيبة وأعوانها نفضة الطل عن غصن مورق.
والشعوب كالرجال، وأمرها كأمرها. والشعب إذا ابتلى ببلاء مصبوب عليه بمصائبه ونواكبه (١)، يستطيع أن يسترد ما يضيع من قوته في تيار المصيبة، وأن يستعيد شبابه الثائر مرة أخرى، ولكن الفرق بينهما هو فرق ما بين الواحد إذا استقل، والجمع إذا تعاون. فشرط الاستقلال الإرادة والنفاذ بها، وشرط التعاون
стр. 907
المشاركة بين الأفراد المستقلين بالإرادة والعزم، والحرص على اجتناب التخالف، واطراح الفرقة، ونبذ الهوى والعناد على الهوى.
وأمر الشعب هم أغمض الأمرين وأشدهما وأحقها بالرعاية والنظر والتدبير، فإن مصائب الشعوب قلما تكون فتراتها إلا جيلا أو أكثر يقع في خلاله من النقص والتدمير والضعف وذهاب النشاط الحافز، وطغيان الجهل المستبد، واضطراب أمر الجماعة ونظامها إلى ما وراء ذلك، يكون تحطما كاملا لأكثر الإنسانية الشعبية، وإذا تحطمت إنسانية الشعب في المصيبة أردفت وراءها مصائب، إذ يقع النسل إلى الحياة لتقتله الحياة بفتورها وبلادتها وقلة احتفالها ويتبدد ذلك النور الإلهي الذي يأتي مع المولود من وراء الغيب، ويبدأ يمشي في الحياة المظلمة بالبصر المكفوف عن النفاذ في أسوار المستقبل.
وعلاج الشعوب في هذه الحالات لا يتأتى ولا يمكن ولا يكون، إلا بعلاج الأفراد أنفسهم، وأخذهم بالجد في تدبير الحياة والاستعداد لها، وتحمل المشقات العظيمة في سبيل إيجاد الفرد الذي يستطيع أن يجعل في صدره قلبا جديدا أبدا بعد كل نازلة أو مصيبة، والقلب الجديد المتجدد هو سر الشعلة الذاهبة دائما إلى السماء سامية طامحة، مُطالبة بحقها في السمو، عالمة بواجبها في إضاءة الظلمات المتكاثفة من حولها بنور جديد.
أما استكانة الأفراد وإخلادهم للراحة واستمتاعهم باللذة وإغماضهم في طلب المنفعة الفرديه المستأثرة ونفضهم عن أنفسهم تكاليف النظر الاجتماعي الشعبى، ودبيبهم إلى الغايات بالخطو المسترق من أسماع الشعب لا يبالون أن يكون هلاك غيرهم من أمتهم في بعض ما يجتلبون به قليلا من أسباب الحياة لأنفسهم. . . فذلك كله جريمة بعيدة الأثر في قتل الروح المعنوية للشعوب وفي إيجاد المثل الأسوأ للنسل، بل هو سرقة صحيحة الشرط الذي يوجب عقابها. فالشعب كلٌّ كامل، فكل جزء منه انتفع بشيء كان من حق الجميع أن ينتفع به على تقدير حق الانتفاع، فذلك استبداد بحق الغير، واستلاب منه لما يوجب الاجتماع أن يكون على صورة بعينها ولغرض بذاته، وفي تسليمه بقدرتنا، وفي موضع هو له.
стр. 908
وليست السرقة في الحقيقة إلا هذا الضرب من الاستلاب، فسارق الشعب يخون الشعب ويخون نفسه ويمنع غيره من الانتفاع بحق الحياة التي أوجدوا فيها جميعا ليعملوا لها جميعا متعاونين متظافرين.
وعدم شعور السارق المُغْمِض (١) في سرقته المستطيل بها المصر عليها، دليل قائم أبدًا على انعدام إحساس القلب فيه، وإذا عدم القلب إحساسه -أي حركته في الحياة- رق وتخرق وبلى وأخذه المَحْق من كل وجه، فلا يمكن أن يعد في القلوب ولا أن يجرى عليه حكم القلب الحي في قبوله للتجدد والحياة المستأنفة من أولها مشرقة كميلاد الفجر مع كل صباح.
وإذا ابتلى الشعب، ثم أخرج منه هذا البلاء رجالا كان من صفتهم ما ذكرنا من الاستكانة واللهو والعبث واهتبال اللذات على مدها وتطويحها، كان هؤلاء بلاء آخر على الشعب ومستقبل الشعب، وكانوا فوق ما وصفنا جثثا مطروحة على طريق الشعب تعتاقه عن مسيره إلى الغاية التي تنبغي له أن يسير إليها. وإذن فهو بين اثنتين: أما أن يطأ الشعب على جثث الشعب، وإما أن ينتظر حتى يمتهد لأجياله طريقا آخر يكون فيه السير حثيثًا لا تقوم في سبيله عقبات كهذه. وكلا الأمرين تعويق وتخذيل وإضاعة وبلاء من البلاء.
ومن ذلك، فإن الحياة تأبى إلا أن تجعل لأحيائها أساليب كثيرة منها ينفذون، فاليأس -من أن يكون في هذه الجثث صلاح بعدُ- أمرٌ لا تكاد تقبله الحياة إلا بعد طول التجربة والامتحان، ولم يبق إلا الأمل في أن يكون إصلاح هذه الجثث وبعثها، وإيجاد قلوب جديدة في جثمانها، أمرا مقاربا ممكنا مستطاعا يجب العمل له، والحرص عليه، والاحتيال في تصريفه احتيالا صحيحا مدبرا يفضى بنا إلى الغاية منه.
وقد تسهل في هذا العصر خاصة ما لم يكن في العصور الخالية، فالطريق إلى إسماع الناس ودعوتهم وتنبيههم صارت أقرب وأسرع، فالطباعة والصحافة
стр. 909
والمذياع وسائر أساليب الدعوة تمكن لصاحب الصوت أن يبلغ بصوته حيث أراد إلى من شاء على الوجه الذي يحب.
ولكن نشأت مع هذه الأشياء عوائق بقدرها جعلت الدعوة بهذه الطرق أقل أثرا مما يراد منها أو يرجى فيها، ولم يكن وجودها في الحقيقة إلا طريقا جديدًا لإفساد الأساليب الصحيحة في الدعوة للإصلاح الكامل الذي يراد به تجديد القلوب، أي تجديد حياة الشعب تجديدًا نفسيا عميقا ثابتا.
ومع هذا فما أحسب أن الأمر قد أحبط إلا من ناحية واحدة، هي فقدان الصوت المستجاب في كل قلب. فإذا وجد هذا الصوت للعالم، فقد يتغير كل شيء، ويصبح تجديد القلوب أمرًا سهلا على صاحبه ومالك أمره والقائم عليه. وإذا أتت ساعة خلاص العالم من فتنة الحضارات المتجبرة الطاغية المتوحشة، فقد يكون عمل العامل في تجديد قلوب البشر هو الفتح الصحيح للتاريخ الجديد للعالم ويمضي عصر ويأتي عصر، ويومئذ يقف لفظ واحد في التاريخ ليدل على نوع الحضارة التي نعيش فيها، فيسمى هذا العصر "عصر القلوب المتحجرة".
"قلوب جديدة": هذه هي غرض الحضارة الجديدة التي يتمخض عنها العالم اليوم، فإذا عرفنا الغرض فما يصعب علينا أن يقوم كل أحد منا بالتجربة بعد التجربة لإيجاد قلب جديد في صدره مكان قلبه المتحجر، إن الشباب لا يضيع مع طول العمر، ولكنه يضيع مع طول العبث، والحياة لا تفنى مع شدة الجهد، ولكنها تفنى في شدة الغفلة، والعقل لا يكل مع طول الفكر، ولكنه يكل مع طول الاستخفاف بالفكر. وشباب الشعوب وجهودها وأفكارها هو الحضارة كلها، وأصل الحضارة في القلب الشاب العامل المفكر الذي لا يسكن ولا ييأس ولا يقسو حتى يتحجر.
فهل يستطيع العالم أن يبدأ التجربة على الانفراد، فإذا جاء الداعى للحق بالحق، وجد أعوانه لإنشاء القلوب الجديدة في كل مكان في الأرض.
стр. 910
من أحلام الفجر
القلم المعطَّل
بقيت أسابيع وأنا كالسجين المعذب في وحدة الغربة ووحشة التشريد، وكنت أجد المعاني في نفسي وفي قلبي وفي أفكارى، وكأنها ظاهرة على لسانى ولكني إذا جئت إلى القلم أحمله لأكتب وجدته صامتا جافيا نابيًا عن أوراقه، ثم أتحامل عليه أقسره على المطاوعة فإذا هو حائر عَيِىّ تَمْتام متردد لا يفصح ولا يُبِين، وعجزت عن علاج هذا العجز الذي لحق بأنيسى وصاحبي وكاتم سرى، والمخبر عن نفسي، والمبين عن معاني روحي، فلما أعيانى وغاظنى وهدد حولي، وبدد حيلتي، لجأت إلى الكتاب أستخبره وأستنبئه وأطويه وأنشره، وصرفت أوقاتى في القراءة.
وأقبل على يوم كاللعنة المرسلة حائرة طاغية ماحقة، ولم أجد ملجأ ولا ملاذًا ولا مغيثا حتى جاء الليل يؤنسنى بسواده ووحشيته، فلما ضقت انصرفت إلى بيت كتبى فجعلت أتلفت حائرًا لا أدري ما آخذ وما أدع، حتى استقر بصري على كتاب أسود مظلم موحش مضطجع على صف من الكتب، فأخذته وانصرفت إلى غرفة نومي أملأ بحديث هذا الجزء من كتاب "الحيوان" للجاحظ فراغ الليل الساكن الموحش.
أيتها النجوم الخاشعة المشرقة في معبد الزمن السرمدي! أنت دائما أنسى وراحتى وصديقي، ولكن الكتاب أيضا صديق يحدثني حديث العقول الناسكة المضيئة في معبد العقل الأبدي. أفتأذنين -أيتها النجوم! - أن أخلو إلى شيخى أبي عثمان ساعة من ليلك أسمع في صمت كتابه صدى لسان المتكلم من أقصى الماضي؟ قولى نعم! وخلاك ذم.
стр. 911
وأضأت مصباحي وبدأت الجزء أقرؤه حتى شغلنى عن أحاديث نفسي، وردنى إلى شيخى أطوع ما كنت له، وأعقل ما كنت عن بيانه .. كل هذا جيد يا أبا عثمان، ونعم صاحب الرأي كنت! وإنك والله ما تخلو -أيها الشيخ- من لسان ناطق مبين متدفق حتى حين تكتب، فما أقرأ لك إلا رأيتنى أجد الألفاظ تنفذ عن بصري إلى نفسي إلى عقلي إلى أوهامى التي أسمع دبدبة صوتك المتكلم في جوف دمى. ما أنت يا -أبا عثمان- إلا رجل محدث منطلق فياض اللسان، خفيف الروح، قليل البطء فيما تحاوله وما أظنك تكتب شيئا كما يكتب سائر من يتعاطى الكتابة ويعمل لها ويتحامل عليها، وما أحسبك إلا كنت مغلوبا على قلمك، قد غلب اللسان المتكلم فن القلم الصامت. هذه حروف كتابك تتردد على بياض الورق وكأن ترددها صدى صوت يتذبذب في جو الهواء. . . هكذا كنت أقول كلما وقفت على جملة من الكتاب أسكن عندها سكون المتأمل.
وقطعت الكتاب حتى أفضيت إلى هذه الحكاية. . . قال أبو عثمان: قال الأصمعي: قال رجل لأعرابي: كيف فلان فيكم؟ قال: مرزوق أحمق! قال: هذا والله الرجل الكامل!
ألقيت الكتاب، وجعلت أسمع إلى أبي عثمان وهو يردد: "هذا والله الرجل الكامل"! أجل إن الحماقة المرزوقة من جهود العقل ومتاعبه وعبقريته وتفانيه هي التي تعيش في الناس ظاهرة حاكمة غالبة مستولية على الأمد في السلطان والحكم والسيادة، وإنك لترى الرجل أو المرأة وما لهما من فضل إلا الغني، وأنهما على ذلك لأهل كل جميل وإنهما لغاية كل طامح، وأنهما لَلْقوة الكاملة التي تفيض على ما يطيف بهما روعة وجلالا. . .
استبدت بي الرغبة، وألحت إلحاح العناد، أن آوى إلى سريرى بعد وَهْدَة. فأطفأت المصباح، وجعلت أتقلب قليلا قليلا، وأنى لأرى هذه النجوم في جوف السماء زاهرات مضيئات متلألئات، كأنهن عذارى ألقين زينتهن على الشاطئ ثم
стр. 912
انغمسن في لج البحر إلا ما عفا (١) البحر عنه من إهابهن الرقيق المضئ المتبلج .. أيتها النجوم السعيدة الضاحكة أبدًا! حدثينى بأفكارك الجميلة المتجددة! إنك منذ الزمن القديم، وأنت أبدًا تنظرين إلى الأجيال وهي تموج في أشعتك على هذه الأرض في تيار القضاء والقدر، منذ الأزل البعيد والدنيا تتفانى تحت نظراتك الهادئة الساخرة .. أف لك يا أبا عثمان! لماذا وضعت الأحمق المرزوق -هذا الرجل الكامل- بيني وبين هذا الجمال العتيق الذي يروى لعيني لمحات الإشراق الإلهي عن أقصى الأجيال الفانية الغابرة؟
وجعلت قصة أبي عثمان عن الأعرابي تنتشر في نفسي، وتتسرب في سراديب عميقة تحت الظاهر الإنساني المتجسد، وطفقت تأخذ في كل سرداب معنى جديدا، أو تثير معنى قديما، أو تدفع معنى ساكنا، حتى وجدت في أفكارى سطوة البعثرة التي تنفض النفس وتطيرها في وجوه كثيرة. لقد خرجت هذه القصة من معناها إلى معان أخرى كثيرة تتعادى وتتطارد وتغيب في كلمات الفكر البعيد. . . وأجهدنى ذلك إلى أن سبحت الروح في لجة الليل، واستيقظت الأحلام.
وحضرنى أبو عثمان، فجاء من بعيد ضاحكا متسرعا نافضًا، وهو يعب عباب الحر، حتى دنا ثم سلم وجلس وأقبلت عليه بين يديه، فبدأت أستمع إليه وهو يروى ويقص وينشد، ويخرج من باب داخلا في باب، وهو خلال ذلك يتنادر على شيوخه وأصحابه ومريديه، ويحدث بكل غريبة وعجيبة ونادرة عن الأوائل وعن رجال العصر، ويروى من طرف الأخبار ما لم أسمع به ولا وقفت عليه .. حتى إذا هدأ قلت: يرحمك الله يا أبا عثمان! إني والله لفي تعب من طول ما أرحت نفسي وأرحت القلم: وما بدأت أكتب إلا وجدتني كالمغشى عليه من فرط ما يتوقف القلم، وإن في النفس من الحديث ما يعيى القلم بقليله فضلا عن كثيره، وإنك لتقول في بعض كتابك:
стр. 913
"وينبغي لمن كتب. . . أن يعلم أن صاحب القلم يعتريه ما يعترى المؤدِّب عند ضربه وعقابه. فما أكثر من يعزم على خمسة أسواط فيضرب مائة! ! لأنه ابتدأ الضرب وهو ساكن الطباع، فأراه السكون أن الصواب في الإقلال، فلما ضرب تحرك دمه، فأشاع فيه الحرارة فزاد في غضبه، فأراه الغضب أن الرأي في الإكثار، وكذلك صاحب القلم. فما أكثر ما يبتدئ الكاتب وهو يريد مقدار سطرين، فيكتب عشرة".
وإني والله لأعزم وأهم وأثور وتغلى المعاني في نفسي، وأحمل القلم، وآخذ مجلس الكتابة، أعد العدة، وأريد مائة سطر، فما أجاوز سطرا أو سطرين، ثم كأن القلم قد اعْتُقِل (١)، وكأن الفكر قد بطل، وكأن الذي قد كان لم يكن!
فنظر أبو عثمان، وإن الضحك لفي عينيه، ثم قال:
من زمنك أتيت -يا بني! أنكم لتعيشون -أيها الكتاب- في زمان غير زمانكم، وأن أحدكم ليحمل من قلمه عبئًا ثقيلًا، كعبء من وقع في الصحراء يضرب في أرجائها، وما يحمل فيما يحمل إلا ثيابا وزينة ومتاعا وفنونا من الحضارة. وهو كان أحوج إلى زاد يزوده، إلى تمرات في جراب وماء في إداوة (٢)، وعصا يستعين بها على بعض أمره.
إنكم لفي زمن أهون شيء عليه القلم، وإن الصباح ليخرج عليكم من جنبات الأفق بشهوات كثيرة تجعل الحياة عندكم عملا في استخراج أسباب المتاع باستخراج الدينار والدرهم، وإن الليل ليظل عليكم بشهوات أخرى تجعل الحياة إفناء لعمل النهار، فإذا كان نهاركم إحياء الدينار والدرهم، وليلكم إفناء الدينار والدرهم، فأين تجد يا بني عمل القلم؟ وأين تجد من يبالى بعمل القلم؟
إذا أردت -يا بني- أن تعيش بقلمك في زمانك هذا، فاحمله حين تكتب
стр. 914
على أنه أداة لاستخراج الرزق من الحياة، كما يحمل صاحب الفأس فأسه لاستخراج الرزق من الأرض، أما إن حملت القلم على أنه أداة البيان، وآلة العقل، وزينة النفس، وسر الطبيعة المركبة في سر الإنسانية، فأنت والله تحفي قلمك، وإنك لتبدأ عاملا جاهدًا مشتعلا، ثم لا تلبث أن تمل، فإذا مللتَ فما أيسر أن تنطفئ.
ولتعلم -علمك الله الخير- إن فرق ما بين القلمين في هاتين الإرادتين، كالفرق بين من يحمل السيف على أنه آلة النصر غصبا وحربا، ومن يحمله احتياطا، حتى إذا وجد الدنيا تضيق بسلمه وحيلته ورفقه، فما يجد إلا أن ينصب السيف، ثم يحرر ذبابه (١) إلى قلبه ثم يتكئ عليه حتى يموت انتحارًا. فأنت إذا حملت القلم تريد البيان، ولا تريد من قلمك إلا البيان: لا تحفل رزقت به أم لم ترزق، فقد كتب عليك أن تبقي في شقاء القلم وتعبه، حتى إذا طالبتك الحياة بحاجاتها وضروراتها، فزعت وتلفت ودرت ودارت رأسك حتى تعلم أن القلم استخدمك في بيانه طائعا، وأنك لا تستطيع أن تستخدمه في أسباب الرزق طائعا ولا عاصيًا. فإذا مضيتَ على ذلك لا تبالى واحتملت شقاء الضرورة وكابدت طغيانها وأبيت إلا القلم وحده مبينا كاملا عادلا، فقد أبيت إلا أن تنتحر.
إن صاحب القلم كصاحب العقل، فإذا أبى صاحب العقل أن يخضع عقله في الحياة لبعض غرورها، وأن يجعل في عقله مكانا لحماقاتها، شقى بالنقص في حياته إذ رضى بالتمام في عقله. فإذا أبى صاحب القلم أن يتهور، في بعض ما ينخسف من أبواب الكتابة، وأن ينحط في بعض الأودية الغامضة البعيدة عن طهارة البيان الحقّ، فما بد له من أن يتهور وأن ينحط في سعير الحيرة والقلق والضيق والشقاء المريض. . .
وأنا أسألك: كيف تجدك تشقى وتعانى وتتألم، ولا تزال من فزع إلى فزع، ثم تجد القلم إذا حملته وأنت على هذا البلاء -مطيعا ريضًا سهلا سمحا
стр. 915
لا يشمس (١) بعنان في يدك؟ إن القلم أداة البيان، ولكنه أداة تريد رضاها من صاحبها، فإذا أقبلت عليها وأنتَ تحمل الهم وتتكفأ به كما تتكفأ السفينة المثقلة الموقرة على ثبج الموج، لم تستقم لك نصبتها التي تجعلها أداة صالحة للعمل على صورة يعينها.
فإذا أردت -يا بني- إلا القلم النبيل الذي لا يتهور ولا ينحط، فامنع نفسك واحْفَظها وحُطْها، وتدبر لها، وترفق بها، ولا تمسك القلم إلا وقد علمت أنك قد نفيت عن نفسك الهم والخبث، ونكد الدنيا، وشقاء الحياة، وضرورة العيش، ثم اعمل له عمل المجاهد لا يبالى أن يموت، إذ نفي عن قلبه نوازع الحياة، فإذا فعلت فقد نفثت في هذا القلم المعطل روح السمو التي لا يمكن أن تنزل، وإن القلم يومئذ لهو أطوع لك من الحبيبة في هوى من يحبها، إذا أفضت الروح إلى الروح، وبقى الجزء الأرضي في أوحاله أسيرا ممنوعا مكفوفا عن عمل الشر الذي هو طبيعته وسر طبيعته.
إن القلم الأحمق الذي لا عقل له هو القلم المرزوق -يا بني- وإن الأقلام أشبه بأزمانها منها بأصحابها، وإن زمنكم. . .
ثم انتفضت جالسا إذ خيل إلى أن قنبلة تكاد تسقط علينا من السماء في أزيز الطائرات.