← Джавами‘

Джавами‘ · id 20642

جمهرة مقالات أحمد شاكر

أحمد شاكر

Полный текст (928 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

جمهرة مقالات العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر مع أهم تعقبات الشيخ على دائرة المعارف الإسلامية جمعها وأعدها واعتنى بها عبد الرحمن بن عبد العزيز بن حماد العقل [الجزء الأول]

стр. 2

الطبعة الأولى ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للمؤلف رقم الْإِيدَاع: ١٤٧٨٤/ ٢٠٠٥ دَار الرياض ٤٠ ش مُحَمَّد كَمَال - غرب أَرض اللِّوَاء خلف مَدِينَة المهندسين - جيزة ت: ٧١٥٨١٠٠ يُطْلَب مِنْ: هَاتِف: ٠٥٠٥٤٧٠٢٦٠ الرياض بريد إلكتروني: roq@hotmail.com

стр. 3

الإِهْدَاءُ إلى حضرة سيدى الوالد .. عبد العزيز بن حماد بن عبد الله العقل حُبًّا وَبرًّا وَإِجلالًا وَتَقْدِيرًا لأَفضَالِه الَّتِى طَوَّقَتْ عُنُقِى اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ ذَنْبه كلَّه وأَسعِده وَارفَعْ دَرَجَتَهٌ فِي الدَّارَيْنِ اللَّهُمَّ آمين

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ طلائع الجَمْهَرة الحمد لله القاهر فوق عباده، بيده ملكوت السموات والأرض، لا إله إلا هو الكبير المُتعال. وصلى الله على البشير الدَّاعينا بترغيبه إلى جنته، والنذير المُبْعِدِنا بترهيبه عن ناره صلاةً تُبْلِغُنا رضاه سبحانه، وتحفُّنَا برَفْرَف رحمته يوم لا ظل إلا ظله، وتُصّفي كَدَرَ أعمالنا يومَ لا يشفع شافع إلا من بعد إذنه، وهو الغفور الرحيم، يُقيل عثرة عباده برأَفته، ويتغَّمد إساءتهم بإحسانه. وبعد، فقد كان العلّامة المصري الشيخ أحمد محمد شاكر مُتفننًا وعالمًا مُبرَّزًا في علوم كثيرة؛ فهو إمام أهل عصره في علم الحديث، وفقيه مجتهد، ومُفسر رَكين، وعالم باللغة، وبحاثّة ثَبْت مع فكر درّاك وعلم واسع، وريادة فذّة في ميدان تحقيق التراث ونشره. وقد انتقل إلى رحمة الله في يوم السبت ٢٦ من ذي القعدة سنة ١٣٧٧ هـ الموافق ١٤ من يونيه سنة ١٩٥٨ م، ومضت الأيام، وصَمَتَ أصدقاؤه وتلاميذه ومحبوه فلم يخصوه بدراسة جَادّة، وظَلّ تراثه العلمي مُوزعًا في تَضاعيف المجلات والدوريات المختلفة مع نُدرته ونَفَاسته، واحتفاء العلماء بآراء الشيخ أحمد شاكر وتحقيقاته واضح كل الوضوح، ومع ذلك أطبقوا على العقوق، فلم يقضوا حق العلم والتاريخ (١).

стр. 5

حين ذلك صحَّت عزيمتي على جمع مقالات العلّامة أحمد محمد شاكر ونشْرها أداءً لهذا الدين. وجَعلْتُ بين يدي هذه المقالات ترجمة لحياته الشخصية ومسيرته العلمية. وقد رَتبتُ المقالات ترتيبًا موضوعيًا، على نحو ما يلي: ° تحقيق الترات. ° التعريف بالكتب. ° نقد الكتب والمقالات. ° بين أحمد شاكر وحامد الفقي. ° الدفاع عن الحق. ° مسائل علمية. ° تراجم وأعلام. ° مناسبات. وختمت الكتاب: بأهم تعقبات الشيخ على دائرة المعارف الإسلامية، وهذه الدائرة موسوعة علميّة كتبها لفيف من المستشرقين، رُتبت موادها على حروف المعجم، واشتملت على ألوان متفرقة من العلوم. وكان للمستشرقين فيها مغالطات ظاهرة، وشُبه وسموم نثروها في تضاعيف هذه الدائرة، وقد شارك الشيخ أحمد شاكر في التعقيب والمناقشة ودفع الشبه ما أمكن. ورغبتُ في إلحاقها بالمقالات لأَهميتها وغفلة أهل العلم عنها. الحقّ أنّ الشيخ أحمد شاكر حَمَلَ أمانة هذا القلم وصدع بالحق في غير جَمْجَمَة ولا إدْهان فصال وجال في الدفاع عن العربية والإسلام؛ قاوم الدعوة إلي كتابة اللغة العربية بحروف اللاتينية، وقاوم دعاة التجديد من شُذّاذ الآفاق، أولئك الذين يأتون كل حين

стр. 6

ببدعة يزينونها ويزعمون أنّ بها نجاح العرب والمسلمين؛ بدعة التبرج والسفور، وبدعة العامية، وبدعة اللادينية، والانبهار الأعمى بكل ما هو غربي، وكم ذا شغلت هذه البدع - وأمثالُها كثير - هذا الشرقَ المستبَدَّ به عن مطامحه العليا، وأضاعت من مجهوداتٍ جليلةٍ هي ذَوْب القلوب الملتاعة، وحرارة الإيمان الصادق؟ (١) وهذا الرجل الفذّ نَسِيج وحْدِه فقد كانت جهوده في نشر التراث بَعْثًا جديدًا لذخائر الأمة وإحياءً لثمرات عقولها، ويلحظ المُتَتبَّع لجهوده أن له يدًا باسطة في غير عِلْمٍ من عُلومِ الثقافةِ العربيةِ الإسلاميةِ من فقهٍ وأصولٍ وتفسيرٍ وحديثٍ وعربيةٍ (٢). ويوم أن مضى أحمد شاكر لِطَيَّتِه توجّع أخوه محمود شاكر لفقده، وقد كان شريكه ودليله في تحقيق تفسير الطبري، فكتب كلمة عالية تفيضُ صدقًا وإحساسًا: "وبعد، فقد أبليت شبابي وصدرًا من كُهُولتِي، وأخي يومئذٍ رُكنٌ من العلم باذخٌ، آوي إليه إذ حزبني أمرٌ، أو ضاقَ عليَّ مسلك. فأصبحت فإذا الركنُ قد سَاخَ، وإذا أنا قد أُفْرِدْتُ إفرادَ الساري في فَلاة بغير دليلٍ. كان نُورًا يضيءُ الطريق، فلما طَفِئَ، أصبحتُ في ظلماءَ يَنهاني سوادُها أن أسير. وكنتُ أعمل في هذا التفسير وحدي بعيدًا عنه، هكذا كان. لم يكن يشاركني في قراءة نَصَّه، ولا في كشف مُبْهمِه، ولا في تقويم ما اعوَجَّ من نَهْجِه، ولا في تخِريج ما تولَّيتُه من رواية حديثه. وَقَضيتُ دهرًا وأنا أظنُّ أنَّ الأمر كُلَّه ثَمرةُ جُهْدي وعملي! ! فلمَّا قبضَ الله عبدَه الصالحَ - رحمة الله عليه - وبقيتُ أيضًا أعمل وَحدي بعيدًا عنه

стр. 7

أيَّ بُعْدٍ! ! فعندئذٍ وجَدتُ مَسَّ الحقَّ في فقده، وإذا هو كانَ يكون مَعِي وإن خِلْتُه بعيدًا، وكانَ يكونُ مُعيني وإن لم أسْتَعِنْه، وكان يكون نورَ طَريقي، وإن خلتُ الطريقَ مُضيئًا من ذات نَفْسِه! فأَيُّ هَدْي طُمِس عنَّي بفقْدِك! وأَيُّ دليلٍ نأى عنِّي برحيلك! وأَي نورٍ غارَ عني بغيابِك! وأَيُّ حُزْنٍ بَقِي لي بفَنائِك! فيا ابنَ أبي وأمَّي: لَوْ كَانَ يُنجِي من الرَّدَى حَذَرُ ... نَجَّاكَ مِمَّا أصابَكَ الحَذَرُ يَرْحَمُكَ الله من أَخِي ثِقةٍ ... لمَ يْكُ في صَفْوِ وُدَّهِ كَدَرُ فَهَكَذَا يَذْهَبُ الزَّمَانُ ويَفْنَى العِلمُ فِيِه وَيدْرُسُ الأَثَرُ" (١) وسيظل هذا الرجل أثرًا ضخمًا في ضمير هذه الأمة بما أسداه للعربية والإسلام من آثار علمية ذاهبة في الندرة والنفاسة، وجهاد صادق في الدفاع عن الحق. رحمك الله يا أبا الأشبال رحمة واسعة، وبَرَّدَ مضجعك، وجعلَ ما قدمته في ميزان حسناتك يوم تلقاه. أسأل الله أن يمهد لي طريق الصواب، وأن يغفر لي زلتي، وأن يعينني بحوله وقوته، فقد برئت إليه سبحانه من كل حول وقوة، وهو وحده المستعان، وله الحمد والمنة، ومنه الجزاء والثواب، وإليه المرجع والمآب. عبد الرحمن بن عبد العزيز بن حمَّاد العقل

стр. 8

العلّامة أحمد محمد شاكر حياته الشخصيّة ومسيرته العلميّة وفيه المباحث التالية: المبحث الأول: اسمه ونسبه وولادته وأسرته المبحث الثاني: حياته ورحلاته وصلاته المبحث الثالث: شيوخه وأساتيذه المبحث الرابع: مذهبه الفقهي وعقيدته المبحث الخامس: آثاره العلمية

стр. 9

المبحث الأول: اسمه ونسبه وولادته وأسرته أحمد بن محمد شاكر بن عبد القادر، من آل أبي علياء، ينتهي نسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄ وسماه أبوه (أحمد شمس الأئمة أبو الأشبال). ولد بعد فجر يوم الجمعة ٢٩ من جمادى الآخرة سنة ١٣٠٩ هـ، الموافق ٢٩ من يناير سنة ١٨٩٢ م (١). إلماعة عَجْلى عن أسرة أحمد شاكر والده هو: الشيخ محمد شاكر، شخصية أزهرية كبيرة، ومن كبار علماء مصر، ولد بجِرْجَا (٢) في منتصف شوال سنة ١٢٨٢ هـ، وحفظ القرآن الكريم، وتلقى مبادئ التعليم، ثم رحل إلى القاهرة، إلى الأزهر الشريف، فتلقى العلم فيه عن كبار الشيوخ في ذلك العهد، وفي ١٥ رجب سنة ١٣٠٧ هـ، عين أمينًا للفتوى مع أستاذه الشيخ العباسي المهدي (٣)، مفتي الديار المصرية إذ ذاك.

стр. 10

ثم ولي منصب نائب محكمة مديرية القليوبية في ٧ شعبان سنة ١٣١١ هـ، ومكث فيه أكثر من ست سنين. وكانت له جهود في إصلاح أحوال المحاكم الشرعية، ثم ولي منصب قاضي قضاة السودان في يوم ١٠ ذي القعدة سنة ١٣١٧ هـ. وفي سنة ١٩٠٤ م صدر الأمر بتعيينه شيخًا لعلماء الإسكندرية، فبعث فيها نهضة علمية عمّت أرجاء مصر، فوضع أسس النظام في التعليم، وأحسن اختيار الكتب والمقررات في الدراسة، وجعل من المقررات بعض العلوم الحديثة مع علوم الدين والعربية. وفي أواخر سنة ١٣٢٤ هـ، نُدب للقيام بأعباء منصب مشيخة الجامع الأزهر بالإضافة إلى عمله في مشيخة الإسكندرية، أربعة أشهر فقط. وفي سنة ١٣٢٧ هـ صدر الأمر بتعيينه وكيلًا لمشيخة الجامع الأزهر فسار فيه سيرته في الإصلاح، وظَلَّ في منصبه إلى أن أنشئت

стр. 11

الجمعية التشريعية سنة ١٩١٣ م، فعُيِّن عضوًا فيها، واعتزل وظائف الحكومة، وتوفي ﵀ سنة ١٣٥٨ هـ (١). وجده لأمه هو: العلامة الكبير الشيخ هارون بن عبد الرازق بن حسن بن أبي زيد البنجاوي الأزهري، ولد بقرية (بنجا) بالصعيد في يوم الخميس ٢٥ جمادى الأولى سنة ١٢٤٩ هـ، إمام من أئمة العربية، كان شيخ رواق الصعايدة في الأزهر، ثم من أعضاء مجلسه الأعلى، ومن مصنفاته: حسن الصياغة في فنون البلاغة، وعنوان الظرف في علم الصرف، والمبادئ النافعة في تصحيح المطالعة، توفي ﵀ بالقاهرة سنة ١٣٣٦ هـ (٢). وأمه هي: أسماء هارون عبد الرازق، توفيت - رحمها الله - بعد ظهر يوم الأحد ٢٢ شعبان ١٣٤٤ هـ، بمنزل والده محمد شاكر بشارع رحبة عابدين بالقاهرة (٣). وأشقاء الشيخ أحمد شاكر ثلاثة ذكور، وثلاث إناث: أَسنّ الذكور - بعد أحمد - عليّ، وُلد بالقاهرة وقت أذان العصر من يوم السبت ٢٦ ذي الحجة سنة ١٣١١ هـ، ونال شهادته العالِمية من

стр. 12

الجامع الأزهر في يوم الاثنين ١٤ محرم سنة ١٣٣٩ هـ، وعين قاضيًا بالمحاكم الشرعية في رمضان سنة ١٣٤٥ هـ (١)، ثم كان عضوًا عاملًا بالحزب الوطني (٢)، وساهم مع أخيه أحمد في نشر عددٍ من كتب التراث العربي، وله من الأبناء: عبد الرحمن وزهير وعلي (٣). وثاني الأشقاء محمد، ولا أعرف عنه شيئًا سوى أنه لم يُكمل تعليمه (٤). وأصغرهم محمود، وقد تَسنَّم ذُرى المجد الأدبي، وطارت شهرته في الآفاق. ولد ﵀ بالإسكندرية يوم الاثنين، العاشر من المحرم سنة ١٣٢٧ هـ، وفي صيف ذلك العام الذي ولد فيه انتقل إلى القاهرة، حين عُيّن والده وكيلًا للجامع الأزهر. وحصل على شهادة البكالوريا (الثانوية العامة) القسم العلمي سنة ١٩٢٥ م (٥). وفي أثناء ذلك، وتحديدًا في بداية العشرينيّات، اتصلت أسباب محمود بأسباب اثنين من كبار أهل العلم بالأدب هما: سيد بن علي

стр. 13

المرصفي (١)، ومصطفى صادق الرافعي (٢)، أما المرصفي فهو إمام العربية في زمانه، وكان له أكبر الأثر في تشكيل ملكة التذوق والنقد لدى محمود (٣). أما الرافعي فقد ملك على محمود نفسه، ورأى فيه الأديب "الذي شارك الأوائل عقولَهم بِفكْرِهِ، ونَزعَ إليهم بحَنينه، وفَلَجَ أهل عصره بالبيان حين استعجمت قلوبُهم، وارتَضَختْ عَربيتُهم لُكْنَةً غير عربية" (٤). وطَفَحَ قلب محمود بحب الرافعي فَطَفِقَ يقول: "وتبدت لي إنسانيةُ هذا الرجل كأنها نغمة تجاوب أختها في ذلك الأديب الكاتب الشاعر، وظفرت بحبيب يحبني وأحبه؛ لأن القلب هو الذي كان

стр. 14

يعمل بيني وبينه، وكان في أدبه مسُّ هذا القلب؛ فمن هنا كنت أتلقى كلامه فأفهم عنه ما يكاد يخفى على من هو أَمثلُ مني بالأدب، وأَقْومُ على العلم، وأبصَرُ بمواضع الرأي" (١). وفي سنة ١٩٢٦ م، التحق محمود بالجامعة المصرية طالبًا في كلية الآداب: قسم اللغة العربية، لكن مكثه لم يَطُلْ في الجامعة، فقد نشب بينه وبين أستاذه طه حسين (٢) خلاف حول منهج دراسة الشعر الجاهلي، وظهر له مدى انبهار أستاذه بالمناهج المنتزعة من ثقافات أخرى، واتكائه على نتائج البحث الاستشراقي دون إدراك صحيح للعلاقة بين المنهج والثقافة التي أَنْتجتْه (٣). وأفضى ذلك الخلاف إلى هجرته إلى الحجاز سنة ١٣٤٧ هـ - ١٩٢٨ م، وفي جدة أنشأ بناءً على طلب من الملك عبد العزيز آل سعود مدرسة جدة السعودية الابتدائية، وعمل مديرًا لها، ولكن ما لبث أن عاد إلى القاهرة في أواسط عام ١٩٢٩ م. وانصرف إلى

стр. 15

الأدب بكُليّته، فتأهل، وبلغ في العربية المبالغ. قال إحسان عباس (١): "معرفة محمود بالتراث، وإحاطته به، وتمثله لأبعاده المختلفة، وحضوره في وجدانه أمر كالنهار لا يحتاج إلى دليل" (٢). وقد حارب أديب العربية الكبير محمود شاكر في جبهات كثيرة، وخاض معارك كثيرة؛ حارب الدعوة إلى العامية، وكتابة اللغة بحروف لاتينية، وكشف القناع عن وجه الاستشراق، وأهدافه الخفية في مصر (٣). أما جهوده في نشر التراث فهي من أدل الشواهد على نبالة قدره، وعلو كعبه في العلوم التي عُني بنشرها، وتجلّى ذلك في ما نشره من ذخائر التراث: طبقات فحول الشعراء لابن سلام، وتفسير الطبري، وأجزاء من تهذيب الآثار، وجمهرة نسب قريش، وغيرها. وشقيقات أحمد شاكر: عزيزة، وصفية، وفاطمة الزهراء. وله من الولد ثلاثة بنين، وست بنات.

стр. 16

أَسنّ الذكور أسامة، وحصل على الشهادة الجامعية في تخصص العلوم السياسية من كلية التجارة بجامعة فؤاد سنة ١٩٤٥ م، وعمل في المكتب الفني لوزير التجارة، ثم في وزارة الاقتصاد، ثم في مصلحة الشركات، ثم بديوان محافظة القاهرة، ووصل إلى منصب مدير عام الشؤون المالية إلى أن بلغ سن التقاعد. ويقيم الآن بالقاهرة. ويجيد اللغة الإنجليزية، واستفاد منه الشيخ أحمد في ترجمة مقدمة كتاب (الكامل للمبرد) للنسخة المطبوعة في أوربة (١). الثاني: فرناس، وحصل على الثانوية العامة، ثم التحق بكلية الهندسة، ولم يكمل دراسته، وسافر إلى ألمانيا، وجلس بها أربع سنوات، ثم التحق بهيئة قناة السويس، ووصل إلى منصب كبير مراقبي حركة قناة السويس، ثم انتقل إلى المعاش في سبتمبر ١٩٩١ م، ويقيم بالإسماعيلية. الثالث: سعود، وحصل على شهادة عليا، ويمتلك محلًّا تجاريًّا في القاهرة. وبنات الشيخ: كوثر، وتماضر الخنساء، وسبا شجرة الدر، ورباب، ونعمت الله، وفاطمة الزهراء. وتوفيت شجرة الدر في يناير سنة ١٩٩٠ م، ونعمت الله في سنة ١٩٣٥ م، عليهما رحمة الله (٢).

стр. 17

المبحث الثاني: حياته ورحلاته وصلاته لما صدر الأمر بإسناد منصب قاضي قضاة السودان إلى والده الشيخ محمد شاكر، في ١٠ من ذي القعدة سنة ١٣١٧ هـ، رحل بولده إلى السودان؛ فألحق ولده (أحمد) بكلية غوردون، فبقي تلميذًا بها حتى عاد أبوه من السودان، وتولى مشيخة علماء الإسكندرية سنة ١٣٢٢ هـ، فألحق ولده من يومئذٍ بمعهد الإسكندرية الذي يتولاه. وفي الإسكندرية توجهت همته لطلب العلم، وشغف في أول أمره بحب الأدب والشعر، ثم انصرف في سنة ١٣٢٧ هـ، إلى دراسة علم الحديث بهمة لا تعرف الكلل. ولما انتقل والده من الإسكندرية إلى القاهرة وكيلًا لمشيخة الأزهر في ربيع الآخر سنة ١٣٢٧ هـ، التحق أحمد شاكر بالأزهر، فكانت إقامته في القاهرة بدء عهد جديد في حياته، فاتصل بعلمائها ورجالها، وعرف الطريق إلى دور كتبها، وكانت القاهرة يومئذٍ مستردًا لعلماء البلاد الإسلامية. وهذا الإكباب الدائم على العلم، واللقاء المتتابع للعلماء؛ هو الذي مهَّد لظهور هذا العالم المتفنن، حتى استطاع أن يقف في منتصف القرن السابق علمًا مشهورًا في غير علم من علوم الإسلام من حديث وفقه ولغة وأدب.

стр. 18

ولما حاز شهادة العالِمية من الأزهر في سنة ١٩١٧ م، عُين مدرسًا بمدرسة ماهر، ولكن لم يبق بها غير أربعة أشهر، ثم عُين موظفًا قضائيًا ثم قاضيًا، وظلّ في القضاء حتى أُحيل إلى المعاش في سنة ١٩٥١ م (١). رحلاته: في سنة ١٣٤٧ هـ، سافر الشيخ أحمد شاكر إلى مكة لأداء فريضة الحج، وكان يتردد في مكة على المكتبات الخاصة والعامة، وعند الشيخ عبد الوهاب الدهلوي (٢) وجد نسخة جيدة من كتاب (ذخائر المواريث في الدلالة على مواضع الحديث) للعلّامة عبد الغني النابلسي (٣)، مكتوبة بخط أحد أحفاد المؤلف، وتاريخ نسخها سنة ١٢١٥ هـ، وكتاب الذخائر من الكتب النادرة جدًا في زمن الشيخ أحمد شاكر، لذلك حرص الشيخ على استعارة النسخة من الشيخ

стр. 19

الدهلوي من أجل طبعها (١) وسافر إلى الرياض سنة ١٣٦٨ هـ، وقابل فيها الملك عبد العزيز ﵀ وعرض على مسامعه حاجة العلماء والطلاب إلى اقتناء المسند للإمام أحمد بقيمة ميسرة بعد نفاد الطبعة الأولى من الجزء الأول؛ فأمر بطبعه مرة أخرى (٢). وسافر إلى الرياض في جمادى الأولى سنة ١٣٧٣ هـ، والتقى بمفتي الديار السعودية سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ وأخيه فضيلة الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم (٣)، وطلبا منه تصحيح شرح الطحاوية لابن أبي العز وطبعه في مصر (٤). ومن الرحلات المهمة في حياة الشيخ رحلته إلى دمشق، وزيارته للمكتبة الظاهرية، واطلاعه على ما فيها من نوادر الكتب المطبوعة،

стр. 20

ونفائس المخطوطات. وحفلت زيارته للمكتبة الظاهرية بلقاء عددٍ من العلماء وطلبة العلم؛ منهم الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀ (١). صلاته وصداقاته: من الجوانب التي لا تُغفل في مسيرة الشيخ أحمد شاكر العلمية، تلك الصداقات التي انعقدت مع صفوة من الأدباء والعلماء والمحققين والناشرين، والصلات الفكرية مع ثُلّة من دعاة الإصلاح ورجال العلم والأدب في عصره. وتتبع هذه الروابط يكشف عن جوانب مهمة في شخصية أحمد شاكر. ومن الأعلام الذين وقفت على أسمائهم ما يلي: ١ - مصطفى صادق الرافعي: الشيخ أحمد شاكر شديد الإعجاب بالرافعي وبأسلوبه النثري، وكان يصفه بـ "الأستاذ الحجة البليغ" (٢). ٢ - محمد خميس هيبة: والشيخ محمد من أصدقاء الشيخ أحمد شاكر القدماء. قال أحمد شاكر: "صديقي وزميلي من أول طلب العلم، العالم

стр. 21

المتقن المتفنن، الشيخ محمد خميس هيبة" (١)، وقد قرأ عليه تحقيقه لكتاب الرسالة للإمام الشافعي حرفًا حرفًا، ورجع له في كل مشكلٍ عرض له في تحقيقه للكتاب. ٣ - الدكتور زكي مبارك (٢): وصفه أحمد شاكر بـ "الأخ الصادق الود" (٣). وأخبرني أسامة بن الشيخ أحمد شاكر أن الدكتور زكي كان من أصدقاء الشيخ، وزاره في بيته مرات. ويرى أحمد شاكر أن زكي من الأدباء الكبار، وصاحب قلم بليغ في الكتابة، وإن لم يكن له معرفة بعلوم الشريعة، واطلاع على كتب المتقدمين منهم، وطرق تأليفهم (٤). ٤ - الشيخ محمد نور الحسن، والشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد: وعند تحقيق الرسالة أفاد الشيخ أحمد شاكر من أستاذي العربية - بكلية اللغة العربية بالأزهر - العالمين الجليلين الشيخ محمد نور

стр. 22

الحسن، والشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد (١)، وقد عرض عليهما كثيرًا من مشكلات العربية في الكتاب (٢). ٥ - لويس سركيس: قال أحمد شاكر: "صديقي الفاضل الأديب لويس سركيس" (٣). وقد عهد إلى أحمد شاكر بتصحيح كتاب "لباب الآداب" لأسامة بن منقذ ﵀ وقام بنشره في مكتبة سركيس. ٦ - السيد محمد السنوسي الأنصاري: قال أحمد شاكر: "ابن عمتي السيد محمد السنوسي الأنصاري، والأخ المخلص البار" (٤)، وكانت تربطه بالشيخ أحمد شاكر روابط علمية أيضًا؛ منها معاونته في إخراج كتاب الرسالة الذي اضطلع أحمد شاكر بتحقيقه.

стр. 23

٧ - الشيخ محمد نصيف: قال أحمد شاكر: "صديقنا الحبيب السلفي الكبير الكريم الأخ السيد محمد نصيف (١) - حفظ الله -" (٢). والشيخ محمد نصيف من كبار وجهاء مدينة جدة في وقته، وكان مضرب المثل في الأخلاق والكرم، مع حُسن العقيدة، وقد جمع مكتبة كبيرة، وصار مرجعًا ومحطًّا لكثير من العلماء والأدباء والمهتمين بنشر كتب التراث، توفي ﵀ سنة ١٣٩١ هـ (٣). وكان الشيخ محمد نصيف يرى مكانة صديقه العلمية، وفي إحدى زيارات أحمد شاكر للحجاز رغب إليه الشيخ محمد نصيف أن يعيد طبع كتاب المسح على الجوربين للشيخ محمد جمال الدين القاسمي بعد أن صار نادر الوجود، وطلب منه مراجعة الكتاب قبل طبعه وكتابة مقدمة له (٤)؛ فاستجاب الشيخ أحمد شاكر لرغبة صديقه

стр. 24

"الجليل النبيل .. محمد بن حسين نصيف" (١). ٨ - الشيخ محمد حامد الفقي: محمد حامد بن سيد أحمد عبده الفقي، ولد سنة ١٣١٠ هـ، وحفظ القرآن في صغره، ودرس في الأزهر، وفي سنة ١٣٤٥ هـ، أسس جماعة أنصار السنة المحمدية، وأخذ على عاتقه الدعوة للعقيدة السلفية، ثم سافر إلى مكة ودرس فيها زهاء ثلاث سنوات، ثم رجع إلى مصر، وأنشأ مجلة الهدي النبوي، ثم أنشأ مطبعة السنة المحمدية، وعُني بنشر كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وبعض كتب الحنابلة، وتوفي ﵀ سنة ١٣٧٨ هـ. والإخاء بين الشيخين أحمد شاكر ومحمد الفقي امتد لأكثر من ثمان وأربعين سنة، وكانا أول العاملين على نشر العقيدة الصحيحة في مصر، وصدرا عن رأي واحد وعقيدةٍ سليمة صافية في الاستمساك بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وفي نصرة العقيدة السلفية، والذب عنها (٢). ومع أن الشيخين الكريمين كانا جليسين لا يكادان يفترقان، وصديقين متواصلين لا يكادان يتصارَمَان، إلا أنه في سنة ١٣٧٤ هـ، شاب هذه المودة ما يُكدَّر صفوها، وكان ذلك حين كتب الشيخ حامد

стр. 25

الفقي في مجلة الهدي النبوي تعليقًا على رسالة منشورة في المجلة، من رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية، فَهِمَ أحمد شاكر من هذا التعليق أنه يتضمن تكذيبًا لشيخ الإسلام، يكاد يكون صريحًا في ذلك، فكبُر عليه الأمر، فكتب مقالًا يوم الثلاثاء ٣ رمضان سنة ١٣٧٤ هـ، وأرسله بالبريد المسجّل، تبرئة لشيخ الإسلام من هذه التهمة، وأحفظ أحمد شاكر أن مقاله طُوي فلم ينشر، وأن عدد الهدي النبوي الجديد حمل مقالًا للشيخ حامد الفقي يبرأ فيه من رمي شيخ الإسلام ابن تيمية بالكذب، ويتأول كلامه لينفي عن نفسه التهمة بطريقة لم تعجب أحمد شاكر. فرأى أحمد شاكر أن يؤدي الأمانة التي اؤتمن عليها؛ فنشر كتابًا بعنوان (بيني وبين حامد الفقي)، أثبت فيه مقاله كاملًا، ومقال الشيخ الفقي كله، ثم تعقبه في بعض ما كتب. وبعد أن صدر الكتاب فزع كثير من محبي الشيخين وحزنوا أشد الحزن، فكتب الشيخ حامد الفقي مقالًا بعنوان: (بيني وبين أخي الشيخ أحمد شاكر)، ومما جاء فيه: "أقول وأؤكد القول إن الذي جرى بيني وبين أخي العمر: هو الذي عليه عشنا ما عشناه، في ظل هذا الإخاء، المتين العرى، الوثيق الأواصر؛ لأنه نسج - بحمد الله - على نوْل العلم، وحِيكَ من خيوط مذهب السلف الصالح ﵃ واليد التي نسجته وحاكته: يد الكتاب والسنة. ونحن - بحمد الله، رغم أنف كل حاسد وحاقد - لا نزال نكتسي

стр. 26

بهذا الثوب الكريم، وننعم بزينته وتقاه. ونسأل الله سبحانه أن يديم علينا ذلك الثوب سابغًا حتى نلقاه على ذلك. ولن نترك ثغرة لأيًّ ممن حاول أن يسعى بالوقيعة لتأجيج نار الفتنة. وأخي الشيخ أحمد شاكر، يعلم علم اليقين: أن أخاه حامدًا أعرف الناس بفضله، وأشكر الناس لجميله، وأصبرهم على صداقته، وأحفظهم لعهده، وأحرصهم على وده، وأبعدهم عن مساءته، وأسرعهم إلى مسرته. ومهما نزغ الشيطان بيني وبينه، فالفيئة إلى معقِل الودِّ - إن شاء الله - سريعة، والإخاء السلفي كفيل بالإسراع إلى هذه الفيئة" (١). وتجاوب أحمد شاكر مع كلمة حامد الفقي السابقة، وفاء إلى المودة الراسخة، فقال ﵀: "أما وقد عتب عليّ الأخ الشيخ حامد الفقي فيما كتبتُ، فله العُتْبى. وما كنت لأرضى أن يكون بيننا اللدد في الخصومة. بل ما أرضى هذا بيني وبين أي إنسان، وليس من اليسير هدم الصداقة القديمة والأخوة في الله، وفي سبيل نصر الإسلام والحرب على أعدائه" (٢). ٩ - عبد العزيز الميمني: عبد العزيز الميمني الراجكوتي، باكستاني من كبار الباحثين

стр. 27

والمحققين، له عناية بالأدب واللغة، خبير بالمخطوطات ونوادر الكتب، ومن أبرز تحقيقاته: "سمط اللآلي في شرح أمالي القالي" لأبي عبيد البكري، توفي ﵀ سنة ١٣٩٨ هـ (١). وكان الشيخ أحمد شاكر معجبًا بعلم الأستاذ الميمني وتحقيقه، أرسل إليه بعد أن قرأ كتابه (أبو العلاء وما إليه) رسالةً جاء في آخرها: "أرجو أن تقبل تهنئتي على ما أوتيت من بسطة في العلم، ومن سعة في الاطلاع، ومن قدرة على امتلاك ناصية القول، وأسأل الله أن يزيدك من فضله. وأن ينفع بك العرب واللغة العربية، والمسلمين والإسلام" (٢). ١٠ - عبد الوهاب عزام: انعقد إخاء بين أحمد شاكر وعبد الوهاب عزام (٣)، وقد اقتبس

стр. 28

أحمد شاكر من كلمة عبد الوهاب عزام - التي أُعجب بها - في الرد على عبد العزيز فهمي (١) حين اقترح كتابة العربية بالحروف اللاتينية (٢). وقدّم الدكتور عبد الوهاب عزام لكتاب المعرب للجواليقي الذي عُني الشيخ أحمد شاكر بنشره، وأظهر إعجابه بعلم الشيخ وجهده في تحقيق الكتاب (٣). ١١ - عبد السلام هارون (٤): العلّامة المحقق الثبت من الأفذاذ الذين عُنوا بنشر التراث الإسلامي نشرًا علميًّا ممتازًا، وهو ابن خال الشيخ أحمد شاكر، وتوثقت الصلة العلمية بينهما يوم كان عبد السلام طالبًا في دار العلوم، والشيخ أحمد شاكر في مناصب القضاء، وكان إذ ذاك يعمل على تحقيق كتاب الرسالة للإمام الشافعي، الذي نهج فيه نهجًا ممتازًا

стр. 29

لم يعهده الناس من قبل، في أمانة التحقيق وأمانة الأداء، وكان الشيخ أحمد شاكر يُطْلِعُ عبد السلام هارون على عمله في تحقيق الكتاب، فكان ذلك مما أدخل في روعه أن يقتدي به ويسير على منواله. وكان لأحمد شاكر فضل آخر على عبد السلام هارون، ذلك أنه عقد صلته بأسرة الناشرين؛ إذ قدمه إلى دار إحياء الكتب العربية لتحقيق كتاب (الحيوان للجاحظ)، وصلة أخرى عقدها له مع دار المعارف لنشر (همزيات أبي تمام) و (المفضليات الخمس). ولم يقف أحمد شاكر عند ذلك، حتى أشركه معه في تحقيق كتاب (إصلاح المنطق) لابن السكيت، ثم شاركه في إخراج (المفضليات) و (الأصمعيات) وهما الكتابان اللذان يحتلان مكانًا مرموقًا في الدراسات الأدبية المعاصرة للتراث (١). ولهذا ظلّ عبد السلام هارون وفيًّا لأحمد شاكر، عارفًا لفضله، وحين أخرج كتاب (مجالس ثعلب) كتب في مقدمته: "وأخص بالشكر والاعتراف بالفضل حضرة الأخ العلامة المحقق الأستاذ الشيخ أحمد محمد شاكر الذي أفدت كثيرًا من رأيه وعلمه في إخراج هذا الكتاب" (٢). وكتب في مقدمة الطبعة الثالثة لكتاب (المفضليات) سنة ١٣٨٣ هـ: "أستاذي المغفور له الشيخ أحمد شاكر الذي قاسمني

стр. 30

بذل الجهد والعناية بهذا الكتاب، فكان نعم العون، ونعم المرشد، ولست أملك إلا أن أستمطر له رحمة الله ومغفرته ورضوانه" (١). ١٢ - السيد أحمد صقر (٢): تحدث الشيخ أحمد شاكر عن العلاقة بينهما، فقال: "الأستاذ السيد أحمد صقر مني بمنزلة الأخ الأصغر، نشأ معي، وعرفته وعرفني، وتأدبنا بأدب واحد في العلم والبحث، وفي فقه المسائل، والحرص على التقصي ما استطعنا" (٣). ويتملّك أحمد شاكر الإعجاب بصديقه الأديب النابه السيد أحمد صقر، حين يرى أن له مدى مديدًا في الاطلاع والتقصي، ونفذات صادقة في الدقائق والمعضلات، يندر أن توجد في أنداده، بل في كثير من شيوخه وأساتيذه (٤). أما الأستاذ السيد أحمد صقر فيرى أن أحمد شاكر في طليعة

стр. 31

الناشرين المرموقين، وأنه أكثر منه خبرةً، وأوسع اطلاعًا (١). وتوطُّد العلاقة بين الرجلين لم تمنع السيد أحمد صقر من نقد تحقيق الشيخ أحمد شاكر لكتاب الشعر والشعراء في مجلة (الكتاب) حين رأى في عمله ما يستوجب النقد. ومما يذكر ويشكر أن الشيخ أحمد شاكر لم يتسامى على النقد، ولم يضق به ذرعًا، بل جعله في صدر كتاب الشعر والشعراء. ١٣ - الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي: قال أحمد شاكر: "صديقي الفاضل محمد فؤاد عبد الباقي" (٢). ولد ﵀ سنة ١٢٩٩ هـ، ونشأ في القاهرة، ودرّس في بعض مدارسها، ثم عمل مترجمًا عن الفرنسية في البنك الزراعي، ثم انقطع إلى التأليف. وضعف بصره إلى أن كف قبيل وفاته. وتوفي بالقاهرة سنة ١٣٨٨ هـ، كان صائم الدهر، قوي العزيمة، له عناية كبيرة بوضع الفهارس للأحاديث النبوية ولآيات القرآن الكريم (٣). وتوثقت الصلات العلمية بين الشيخ أحمد شاكر والأستاذ محمد عبد الباقي في دار المنار فقد كانا يكثران الاختلاف إلى هذه الدار، وكثيرًا ما كان الأستاذ محمد عبد الباقي يستشير الشيخ أحمد شاكر ويَفيد منه (٤).

стр. 32

١٤ - الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي (١): حين تَهَدَ الشيخ أحمد شاكر لنشر كتاب المسند للإمام أحمد ناشد في شوال سنة ١٣٦٦ هـ, علماء الحديث في أقطار الأرض بأن يرسلوا له كل ما يجدون من ملاحظة أو استدراك أو تعقيب أو بحث في أسانيد المسند، كلما وصل إليهم جزء من أجزائه. ووعد أن تكون هذه الملاحظات منهم موضع العناية والدرس. فاستجاب الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي لهذه الدعوة، فأرسل كتابًا لأحمد شاكر في ذي القعدة سنة ١٣٧٥ هـ, وطواه على استدراكات وتعقبات دقيقة من الجزء الأول إلى الجزء الثامن، فَسُّرَ أحمد شاكر بهذه الأبحاث الدقيقة، ووفّى بما وعد، فنشر هذه التعقبات والاستدراكات في آخر الجزء الخامس عشر من المسند، ووافقه على أكثرها، وتعقبه في بعضها. والشيخ أحمد شاكر لم يكن يعرف الشيخ الأعظمي من قبل، وعرف من كتابه فضله وعلمه وتحققه بالبحث الدقيق، ولهذا وصفه بالأخ العالم الكريم العلامة (٢).

стр. 33

١٥ - أبو السمح: قال أحمد شاكر عنه: "صديقنا العلّامة" (١). وأبو السمح هو: نور الدين محمد عبد الظاهر، إمام وخطيب الحرم المكي، ومدير ومنشئ دار الحديث بمكة المكرمة. نشأ في بيت علم ودين، فحفظ على والده القرآن، وطلب العلم في الأزهر، ثم اشتغل بالتدريس في القاهرة ثم انتقل إلى الإسكندرية معلمًا خاصًا. ثم انتقل إلى الحرم المكي فكان إمامًا وخطيبًا له بطلبٍ من الملك عبد العزيز ﵀ وتوفي في مصر سنة ١٣٧٠ هـ، ﵀ (٢). وكان أحمد شاكر على صلة وثيقة بأبي السمح، وصلى الجمعة خلفه مع الملك عبد العزيز في رحلته للحج سنة ١٣٤٧ هـ (٣). ١٦ - محمد أفندي محمد عبد اللطيف: قال أحمد شاكر: "صديقي محمد أفندي محمد عبد اللطيف صاحب المطبعة المصرية" (٤). ولما شرع محمد أفندي صاحب المطبعة المصرية في طبع كتاب

стр. 34

الترمذي: السنن، ومعه الشرح المسمى (عارضة الأحوذي) للقاضي أبي بكر بن العربي، استعار من الشيخ أحمد شاكر المجلد الأول من نسخته الخاصة من كتاب الترمذي طبعة بولاق؛ ليصحح الكتاب عليها، وخرج الكتاب في ثلاثة عشر جزءًا، طبع منها سبعة أجزاء بالمطبعة المصرية سنة ١٣٥٠ هـ، وطبع الباقي بمطبعة الصاوي سنة ١٣٥٢ هـ. قال أحمد شاكر: "وهذه الطبعة لا يوثق بشيء منها، لكثرة الغلط والخلط فيها من المصححين ثم لما رأيت الجزء الأول من المطبوع الجديد خشيتُ أن تكون لي يدُ في إفساد كتب السنة والتلاعب بها؛ إذ وجدت الأغلاط فيه لا حصر لها، حتى لقد وجدت مصححيه أدخلوا في متن الكتاب بعض التعليقات التي كتبتها بحاشية نسختي، وجعلوها من كلام الترمذي، فاستعدت ما أعرتُه إياهم، آسفًا متألمًا" (١). ١٧ - أحمد علي الطاهر: من أصدقاء الشيخ أحمد شاكر، ولد بنابلس، ونشأ بها وسافر صغيرًا إلى مصر، فلما كانت الحرب العالمية الأولى اعتقله الإنجليز مع عدد ممن كان لهم نشاط ظاهر، أصدر بعد الحرب جريدة أسبوعية باسم (الشورى) سنة ١٩٢٤ م، وكان الشيخ أحمد شاكر يذهب إلى

стр. 35

مقر الجريدة، ويلتقي بالأستاذ محمد الطاهر، وبعدد من الكتاب، وتدور بينهم الأحاديث والمناقشات العلمية (١). وكتب في جريدة الشورى كثيرون من كتاب العرب دفاعًا عن قضاياهم المختلفة في سوريا وفلسطين والعراق ومصر والمغرب، وأُقفلت الجريدة، وطورد الطاهر ففر مرات من وجه الشرطة، وقبض عليه سنة ١٩٤٠ م، وسجن. وحياته مليئة بالكفاح، ولما كانت ثورة عبد الناصر سنة ١٩٥٢ م غادر إلى بيروت سنة ١٩٥٥ م، ومكث بها إلى أن توفي سنة ١٩٧٤ م، ﵀ (٢). ١٨ - أحمد أمين: قال أحمد شاكر: "صديقنا الأستاذ أحمد أمين بك" (٣) عميد كلية الآداب بالجامعة المصرية سنة ١٩٤٠ م، وهو معروف لدى الأوساط العلمية، وله مشاركات في الأدب، ومن أهم آثاره العلمية سلسلة: فجر الإسلام، وضحى الإسلام، وظهر الإسلام (٤). ١٩ - فوزان السابق: قال أحمد شاكر: "سعادة الصديق الكبير والوزير الجليل الشيخ

стр. 36

فوزان السابق حفظه الله" (١). والشيخ فوزان بن سابق بن فوزان آل عثمان البريدي القَصيمي الدوسري النجدي، من فضلاء الحنابلة، له مشاركة في السياسة العربية. ولد ونشأ في (بريدة) من القصيم، وتفقه. واشتغل بتجارة الخيل والإبل، فكان ينتقل بين نجد والشام ومصر والعراق، وناصر الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود أيام حروبه مع الترك العثمانيين في القصيم وتلك الأطراف، واتصل برجالات الشام، قبل الدستور العثماني. ولما كانت الدولة السعودية في بدء استقرارها عين فوزان (معتمدًا) لها في دمشق، ثم في القاهرة، وهو قائم بأعمال المفوضية العربية السعودية، وجُعل بعد ذلك وزيرًا مفوضًا نحو ثلاث سنوات، ثم انقطع للعبادة والتأليف، توفي في مصر سنة ١٣٧٣ هـ، عليه رحمة الله (٢). ونطق أحمد شاكر بفضل صديقه الشيخ فوزان، وذلك عند طبعه لكتاب: (القواعد) لابن رجب على نفقته الخاصة سنة ١٣٥٢ هـ (٣). ٢٠ - عبد الله المراغي: ومن أصدقاء الشيخ أحمد شاكر الأستاذ الشيخ عبد الله

стр. 37

المراغي، وهو صاحب كتاب الفتح المبين في طبقات الأصوليين، وله شغف بالعلم وحرص على البحث والاطلاع، وكان يُطلع الشيخ أحمد على بعض كتبه المخطوطة (١). ٢١ - الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي: وهو علّامة القصيم الفقيه الأصولي المفسر، ومن أهم آثاره العلمية: (تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن)، وقد خلّف ما يزيد على أربعين مصنفًا في مختلف الفنون، توفي ﵀ سنة ١٣٧٦ هـ (٢). وكان بينه وبين الشيخ أحمد شاكر صلة وإن لم يحصل بينهما لقاء (٣)، وقد أهدى أحمد شاكر في سنة ١٣٧٦ هـ, للشيخ عبد الرحمن السعدي الجزء الأول من عمدة التفسير الذي هو اختصار لتفسير ابن كثير، فتقبله الشيخ بقبول حسن، وأثنى عليه ثناءً كبيرًا (٤).

стр. 38

٢٢ - الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة: ولد في مصر سنة ١٣١١ هـ، وتعلم بالأزهر، ثم انتقل إلى المدينة إمامًا وخطيبًا بالحرم المدني سنة ١٣٧٠ هـ، بطلب من الملك عبد العزيز ﵀ وفي سنة ١٣٧٠ هـ انتقل إلى مكة وتولى تدريس الحديث والتفسير بالحرم المكي، وتوفي ﵀ سنة ١٣٩٢ هـ (١). وأثنى أحمد شاكر على الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة في مواضع متعددة، ووصفه بالأخ العلّامة. ولما اضطلع أحمد شاكر بشرح اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير ﵀ حرص على أكثر الحواشي التي كتبها الشيخ محمد عبد الرزاق على الكتاب المطبوع في المطبعة الماجدية بمكة سنة ١٣٥٣ هـ (٢). ٢٣ - أبو محمد عبد الحق بن عبد الواحد الهاشمي (٣): من رجال الحديث، وعندما صدر أمر الملك عبد العزيز ﵀ بطلب الشيخ عبد الحق الهاشمي إلى أم القرى ليكون بالمسجد الحرام مدرسًا ومحدثًا، تكرر اجتماع الشيخ بالشيخ أيام المواسم؛

стр. 39

لأنه كان كثير التزاور فيها، وكان مجلسهما حافل بدقائق مسائل الحديث والرجال (١). ٢٤ - محب الدين الخطيب (٢): كان للشيخ أحمد شاكر صلة بمحب الدين وإعجاب، وصفه ذات مرة بـ "الكاتب القدير" (٣). أما السيد محب الدين الخطيب فيرى في أحمد شاكر الصديق والعالم والمحقق، وكان يُعجب كثيرًا بنشره لكتب التراث، وقد أشار لذلك في مجلة (الزهراء) (٤)، وتمنى أن يُنشر على يديه كثير من الكتب المفيدة، وعندما عزم محب الدين على نشر كتاب الخراج ليحيى بن آدم القرشي عهد إلى أحمد شاكر بتصحيح الكتاب والتعليق عليه، وطَبَعَه في المطبعة السلفية (٥).

стр. 40

٢٥ - عبد الرحمن الكواكبي: قال أحمد شاكر: "الزعيم الإسلامي المنسي المجهول السيد عبد الرحمن الكواكبي" (١). وعبد الرحمن الكواكبي ﵀ رحّالة من الكتاب الأدباء، ومن رجال الإصلاح. ولد وتعلم في حلب، وأنشأ فيها جريدة (الشهباء) فأقفلتها الحكومة، وجريدة (الاعتدال) فعُطلت، وأُسندت إليه مناصب عديدة، ثم رحل إلى مصر، وساح سياحتين عظيمتين إلى بلاد العرب وشرقي إفريقية وبعض بلاد الهند. واستقر في القاهرة إلى أن توفي سنة ١٣٢٠ هـ (٢). والشيخ أحمد شاكر بَهرته كلمات الكواكبي البرّاقة في الإصلاح، وجهوده الحثيثة في استنهاض الشعوب ضد المستبدين الظالمين. ولم يفطن إلى أنه ينطلق في بعض جوانب الإصلاح من منطلقات خطيرة، ومن ذلك قوله ﵀ (٣): "يا قوم وأعني بكم الناطقين بالضاد من غير المسلمين، أدعوكم إلى تناسي الإساءات والأحقاد، وما جناه الآباء والأجداد، فقد كفى ما فعل ذلك على أيدي المثيرين، وأجلّكم من أن لا تهتدوا لوسائل الاتحاد، وأنتم المتنورون السابقون، فهذه أمم أستراليا وأمريكا قد هداها العلم
следующие страницы →