فوزان السابق حفظه الله" (١).
والشيخ فوزان بن سابق بن فوزان آل عثمان البريدي القَصيمي الدوسري النجدي، من فضلاء الحنابلة، له مشاركة في السياسة العربية.
ولد ونشأ في (بريدة) من القصيم، وتفقه. واشتغل بتجارة الخيل والإبل، فكان ينتقل بين نجد والشام ومصر والعراق، وناصر الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود أيام حروبه مع الترك العثمانيين في القصيم وتلك الأطراف، واتصل برجالات الشام، قبل الدستور العثماني.
ولما كانت الدولة السعودية في بدء استقرارها عين فوزان (معتمدًا) لها في دمشق، ثم في القاهرة، وهو قائم بأعمال المفوضية العربية السعودية، وجُعل بعد ذلك وزيرًا مفوضًا نحو ثلاث سنوات، ثم انقطع للعبادة والتأليف، توفي في مصر سنة ١٣٧٣ هـ، عليه رحمة الله (٢).
ونطق أحمد شاكر بفضل صديقه الشيخ فوزان، وذلك عند طبعه لكتاب: (القواعد) لابن رجب على نفقته الخاصة سنة ١٣٥٢ هـ (٣).
٢٠ - عبد الله المراغي:
ومن أصدقاء الشيخ أحمد شاكر الأستاذ الشيخ عبد الله
стр. 37
المراغي، وهو صاحب كتاب الفتح المبين في طبقات الأصوليين، وله شغف بالعلم وحرص على البحث والاطلاع، وكان يُطلع الشيخ أحمد على بعض كتبه المخطوطة (١).
٢١ - الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي:
وهو علّامة القصيم الفقيه الأصولي المفسر، ومن أهم آثاره العلمية: (تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن)، وقد خلّف ما يزيد على أربعين مصنفًا في مختلف الفنون، توفي ﵀ سنة ١٣٧٦ هـ (٢).
وكان بينه وبين الشيخ أحمد شاكر صلة وإن لم يحصل بينهما لقاء (٣)، وقد أهدى أحمد شاكر في سنة ١٣٧٦ هـ, للشيخ عبد الرحمن السعدي الجزء الأول من عمدة التفسير الذي هو اختصار لتفسير ابن كثير، فتقبله الشيخ بقبول حسن، وأثنى عليه ثناءً كبيرًا (٤).
стр. 38
٢٢ - الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة:
ولد في مصر سنة ١٣١١ هـ، وتعلم بالأزهر، ثم انتقل إلى المدينة إمامًا وخطيبًا بالحرم المدني سنة ١٣٧٠ هـ، بطلب من الملك عبد العزيز ﵀ وفي سنة ١٣٧٠ هـ انتقل إلى مكة وتولى تدريس الحديث والتفسير بالحرم المكي، وتوفي ﵀ سنة ١٣٩٢ هـ (١).
وأثنى أحمد شاكر على الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة في مواضع متعددة، ووصفه بالأخ العلّامة.
ولما اضطلع أحمد شاكر بشرح اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير ﵀ حرص على أكثر الحواشي التي كتبها الشيخ محمد عبد الرزاق على الكتاب المطبوع في المطبعة الماجدية بمكة سنة ١٣٥٣ هـ (٢).
٢٣ - أبو محمد عبد الحق بن عبد الواحد الهاشمي (٣):
من رجال الحديث، وعندما صدر أمر الملك عبد العزيز ﵀ بطلب الشيخ عبد الحق الهاشمي إلى أم القرى ليكون بالمسجد الحرام مدرسًا ومحدثًا، تكرر اجتماع الشيخ بالشيخ أيام المواسم؛
стр. 39
لأنه كان كثير التزاور فيها، وكان مجلسهما حافل بدقائق مسائل الحديث والرجال (١).
٢٤ - محب الدين الخطيب (٢):
كان للشيخ أحمد شاكر صلة بمحب الدين وإعجاب، وصفه ذات مرة بـ "الكاتب القدير" (٣). أما السيد محب الدين الخطيب فيرى في أحمد شاكر الصديق والعالم والمحقق، وكان يُعجب كثيرًا بنشره لكتب التراث، وقد أشار لذلك في مجلة (الزهراء) (٤)، وتمنى أن يُنشر على يديه كثير من الكتب المفيدة، وعندما عزم محب الدين على نشر كتاب الخراج ليحيى بن آدم القرشي عهد إلى أحمد شاكر بتصحيح الكتاب والتعليق عليه، وطَبَعَه في المطبعة السلفية (٥).
стр. 40
٢٥ - عبد الرحمن الكواكبي:
قال أحمد شاكر: "الزعيم الإسلامي المنسي المجهول السيد عبد الرحمن الكواكبي" (١).
وعبد الرحمن الكواكبي ﵀ رحّالة من الكتاب الأدباء، ومن رجال الإصلاح. ولد وتعلم في حلب، وأنشأ فيها جريدة (الشهباء) فأقفلتها الحكومة، وجريدة (الاعتدال) فعُطلت، وأُسندت إليه مناصب عديدة، ثم رحل إلى مصر، وساح سياحتين عظيمتين إلى بلاد العرب وشرقي إفريقية وبعض بلاد الهند. واستقر في القاهرة إلى أن توفي سنة ١٣٢٠ هـ (٢).
والشيخ أحمد شاكر بَهرته كلمات الكواكبي البرّاقة في الإصلاح، وجهوده الحثيثة في استنهاض الشعوب ضد المستبدين الظالمين. ولم يفطن إلى أنه ينطلق في بعض جوانب الإصلاح من منطلقات خطيرة، ومن ذلك قوله ﵀ (٣): "يا قوم وأعني بكم الناطقين بالضاد من غير المسلمين، أدعوكم إلى تناسي الإساءات والأحقاد، وما جناه الآباء والأجداد، فقد كفى ما فعل ذلك على أيدي المثيرين، وأجلّكم من أن لا تهتدوا لوسائل الاتحاد، وأنتم المتنورون السابقون، فهذه أمم أستراليا وأمريكا قد هداها العلم
стр. 41
لطرائق الاتحاد الوطني دون الديني، والوفاق الجنسي دون المذهبي، والارتباط السياسي دون الإداري ... دعونا ندبر حياتنا الدنيا، ونجعل الأديان تحكم الأخرى فقط (! ) دعونا نجتمع على كلمات سواء، ألا وهي فلتحيا الأمة، فليحيا الوطن، فلنحيا طلقاء أعزاء" (١).
٢٦ - محمد أحمد الغمراوي:
قال أحمد شاكر: "صديقتا الأخ العلّامة الأستاذ محمد أحمد الغمراوي، المدرس بكلية الطب المصرية" (٢).
وحين ذكر الشيخ أحمد شاكر اغترار الناس بصناعة المستشرقين في الفهارس، ووقوعهم في الوهم حين ظنوا أنّ هذه الفهارس شيء لم يعرفه علماء الإسلام والعربية، وأن أنواع المعاجم كلها من ابتكار الإفرنج، وأن ما عندنا منها تقليد لهم واقتباس منهم.
بيّن أحمد شاكر أن لهذا الصديق سبق وفضل في إبطال هذه الدعوى، قال ﵀: " وأول من علمناه نفى هذه الأسطورة، وأكذب هذا الوهم: صديقنا الأخ العلّامة الأستاذ محمد أحمد الغمراوي .. في كتاب (مرشد المتعلم) الذي ترجمه عن اللغة الإنكليزية، وألحق به فصلًا بقلمه في (كتب المراجعة في اللغة العربية)
стр. 42
وصف فيه كثيرًا من المعاجم العربية، وذكر تاريخ مؤلفيها .. " (١).
٢٧ - محيي الدين رضا:
قال أحمد شاكر: "صديقي الفاضل السيد محي الدين رضا" (٢)
والسيد محيي الدين هو ابن أخ الشيخ محمد رشيد رضا، وكان أحمد شاكر يتحسس أخبار أستاذه رشيد رضا من خلال جلساته المتكررة مع صديقه محيي الدين رضا.
٢٨ - محمد عبد الله دراز:
قال أحمد شاكر: "أخي وصديقي الأديب الممتاز، العالم الكبير الشيخ محمد عبد الله دراز" (٣).
والشيخ دراز أزهري له اهتمام بالفلسفة والأدب، وحصل على (الدكتوراه) في الفلسفة من جامعة السربون بفرنسا، وكان من هيئة كبار العلماء بالأزهر، توفي سنة ١٣٧٧ هـ. وكان دراز ينشر في مجلة الهدي النبوي مقالات، بعنوان: (الديانات والفلسفات: إلى أي حدٍّ تلتقي، وفيم تنفصل). وتعقّبه الشيخ أحمد شاكر في بعض ما كتب، فأحفظه ذلك (٤).
стр. 43
المبحث الثالث: شيوخه وأساتيذه
تَلْمذَ أحمد شاكر لطائفة من شيوخ عصره، وصرّح بأستاذية عددٍ من رجال ذلك الوقت. وإن كان المتأمل يرى أن تتلمذه للشيوخ والأساتيذ مختلف، فمنهم من لازمه أحمد شاكر وقرأ عليه وأجازه، ومنهم من اكتفى بسؤاله عمّا أشكل عليه من مسائل العلم دون القراءة والملازمة، كما جادت نفس أحمد شاكر ببعض الألقاب والنعوت على بعض رجال عصره يحسب الناظر أنهم أساتذة له، وليس الأمر كذلك.
ومن الشيوخ والأساتذة الذين وقفت على أسمائهم ما يلي:
١ - الشيخ عبد السلام الفقي:
قرأ عليه - أيام إقامته بالإسكندرية مع والده - أصول كتب الأدب، وكان الشيخ عبد السلام يُحرِّض أحمد، وأخاه عليًّا على طلب الأدب، وصناعة الشعر (١).
٢ - الشيخ محمود أبو دقيقة:
والشيخ محمود من علماء الأزهر، ودرّس في كلية أصول الدين بالأزهر (٢)، وكان أول شيوخ أحمد شاكر في معهد الإسكندرية، وهو أحد العلماء الذين تركوا في حياته أثرًا لا يمحى؛ فهو الذي حبب إليه الفقه وأُصوله، ودرَّبه وخرَّجه في الفقه حتى تمكن منه. ولم يقتصر
стр. 44
فضل الشيخ على تعليمه الفقه بل علمه أيضًا الفروسية، وركوب الخيل، والرماية، والسباحة، توفي سنة ١٣٥٩ هـ, رحمة الله عليه (١).
٣ - الشيخ محمد شاكر:
وهو أعظم شيوخه أثرًا في حياته، وقد قرأ له في التفسير: تفسير البغوي، وتفسير النسفي، وقرأ له في الحديث: بعض صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن الترمذي، والشمائل. وقرأ له في الأصول: جمع الجوامع، وشرح الإسنوي على المنهاج.
وقرأ له في المنطق: شرح الخبيصي، وشرح القطب على الشمسية. وقرأ له في البيان: الرسالة البيانية. وقرأ له في فقه الحنفية: "كتاب الهداية" على طريقة السلف في استقلال الرأي، وحرية الفكر، ونبذ العصبية لمذهب معين، وكثيرًا ما خالف والده في هذه الدروس مذهبَ الحنفية عند استعراض الآراء، وتحكيم الحجة والبرهان، ورجح ما نصره الدليل الصحيح (٢).
٤ - الشيخ محمد مصطفى المراغي
وصفه أحمد شاكر بـ: "أستاذنا الإمام العظيم المصلح الحكيم، الأستاذ الأكبر" (٣).
стр. 45
ولد الشيخ المراغي في سنة ١٢٩٨ هـ, وتعلم بالقاهرة، وتتلمذ للشيخ محمد عبده، وولي أعمالًا منها القضاء الشرعي، فقضاء القضاة في السودان سنة ١٩٠٨ م، ثم عين شيخًا للأزهر سنة ١٩٢٨ م، مكث عامًا، وأعيد سنة ١٩٣٥ م، فاستمر إلى أن توفي بالإسكندرية، ودفن بالقاهرة سنة ١٣٦٤ هـ (١).
وحين شرع الشيخ المراغي في إصلاح مناهج الأزهر، وشكل لجنة المناهج في علوم التفسير والحديث للمعاهد الدينية، اختار الشيخ أحمد شاكر ليكون عضوًا مشاركًا في هذه اللجنة (٢).
٥ - الشيخ إبراهيم الجبالي (٣)
قال أحمد شاكر عنه: شيخي وأستاذي العلّامة الكبير الشيخ إبراهيم الجبالي، من أفذاذ العلماء الذين أنجبهم الأزهر الشريف (٤).
وقد ترأس الشيخ الجبالي لجنة المناهج في علوم التفسير
стр. 46
والحديث للمعاهد الدينية التي شكّلها شيخ الأزهر محمد المراغي، وانضوى الشيخ أحمد شاكر إلى هذه اللجنة تحت رئاسة الشيخ الجبالي ﵀ (١).
٦ - الشيخ عبد الستار بن عبد الوهاب الدهلوي (٢)
كتب للشيخ أحمد شاكر إجازة طويلة ممتعة سمَّاها: (بغية الأديب الماهر بإجازة أحمد محمد شاكر) (٣).
٧ - العلّامة عبد الله بن إدريس السنوسي (٤):
عندما زار حافظ المغرب العلاّمة عبد الله بن إدريس السنوسي مصر سنة ١٣٣٠ هـ, كان لأحمد شاكر شرف ملازمته والقراءة عليه، وقد قرأ عليه من مسند الإمام أحمد، ومن صحيح البخاري من نسخته الخاصة من الطبعة السلطانية (وهي التي أمر السلطان عبد الحميد ﵀ بطبعها بالمطبعة الأميرية ببولاق في سنة ١٣١١ هـ,
стр. 47
واعتمد مصححو المطبعة في تصحيحها على نسخة شديدة الضبط بالغة الصحة، من فروع النسخة اليونينية، المعوّل عليها في جميع روايات صحيح البخاري، وعلى نسخ أخرى خلافها، شهيرة الصحة والضبط. وبعد تمام الطباعة تولى ستة عشر عالمًا من أكابر علماء الأزهر مقابلة المطبوع على النسخة اليونينية).
وأحمد شاكر شديد الاعتزاز بنسخته من الطبعة السلطانية، وله عناية خاصة بها، وأشار إلى ذلك بقوله: "هي جديرة بالإفراد، فقد عُني بها والدي ثم عُنيت بها سنين طويلة، والكتاب إذا عني به صاحبه، وجالت يده فيه، وكان من أهل العلم متحريًّا، زاد صحة ونورًا، وهكذا ينبغي لصاحب الكتب" (١).
وخصصت بالذكر الطبعة السلطانية، ونسخة أحمد شاكر منها؛ لأن العلّامة السنوسي أجاز الشيخ شاكر على هذه النسخة، وكتب الإجازة بخط يده عليها.
وإليك نص هذه الإجازة: "الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله ﷺ وعلى آله. أما بعد: فقد أسمعني محلُّ ولدي الشاب النجيب الأديب الأريب أحمد ابن العلّامة الأجلّ الشيخ شاكر وكيل مشيخة الأزهر: من صحيح علم
стр. 48
العلماء، وقدوة المحدثين الأتقياء، أوله وآخره، وكذلك أسمعني من مسند إمام الأئمة، وقدوة أتقياء أهل السنة، الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، رحمهما الله تعالى وجزاهما عما أديا من نصيحة الأمة. وطلب مني الإجازة في صحيح الإمام البخاري، المكتوب هنا على أول أجزائه، فأجزته بروايته عنّي بسندي فيه وفي باقي كتب السنة، وأوصيه بتقوى الله تعالى، وقوله فيما لا يدريه: لا أدري. وفقني الله وإياه لما فيه رضاه.
كتبه بيده عبد الله بن إدريس السنوسي الحسني، كان الله له وتولاه، في تاسع جمادى الأولى سنة ثلاثين وثلاثمائة وألف" (١).
٨ - الشيخ محمد بن الأمين الشنقيطي (٢):
أخذ عنه كتاب بلوغ المرام. وأجازه بالكتب الستة.
٩ - الشيخ أحمد بن الشمس الشنقيطي (٣):
عالم القبائل الملثمة، وأجازه بجميع علمه.
стр. 49
١٠ - العلّامة طاهر الجزائري (١):
قال أحمد شاكر: "أستاذنا الجليل الشيخ طاهر الجزائري الدمشقي ﵀" (٢)
١١ - الشيخ جمال الدين القاسمي (٣):
قال أحمد شاكر: "أستاذنا عالم الشام السيد جمال الدين القاسمي ﵀" (٤): "كنا في مطلع الشباب متشوفين إلى العلم الصحيح، علم الكتاب والسنة. وكنا أحرص ما نكون على كتب
стр. 50
السلف الصالح، وكتب من نهج منهجهم من المتأخرين، الذين يتمسكون بالهدي النبوي، ويتبعون الدليل الصحيح، دون تعصب لرأي وهوى، ودون جمود على التقليد.
وكان في مقدمة من سار على النهج القويم أستاذنا القاسمي ﵀ وقد زار مصر قبل وفاته، وكنت ممن اتصل به من طلاب العلم، ولزم حضرته، واستفاد من توجيهه إلى الطريق السويّ، والسبيل القويم" (١).
١٢ - أبو الوفاء بن أحمد بن شرقاوي
قال عنه الشيخ أحمد شاكر: "أستاذنا الكبير الحجة .. أعلم من رأيت بكتاب الله وسنة رسوله" (٢). وقد راسله الشيخ أحمد شاكر سنة ١٣٣٠ هـ، يسأله عما ذهب إليه كثيرون من الاستدلال بقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ (٣) على منع مس المصحف إلَّا للمتوضئ، فكتب إليه كتابًا في هذا، يدل على سعة دائرته في العلم (٤).
١٣ - الشيخ محمد رشيد رضا:
قال أحمد شاكر: "أستاذنا الإمام حجة الإسلام السيد محمد رشيد رضا" (٥).
стр. 51
ولد الشيخ رشيد رضا في يوم الأربعاء ٢٧ جمادى الأولى سنة ١٢٨٢ هـ، بقرية (القلمون)، وهي قرية من قرى جبل لبنان، ونظم الشعر في صباه، وكتب في بعض الصحف، وبعد أن جاوز الثلاثين من عمره، ونال الشهادة العالِمية سافر إلى مصر سنة ١٣١٥ هـ، ولازم الشيخ محمد عبده وتتلمذ له، وأصدر مجلته السائرة (المنار)، ومكث قريبًا من أربعين سنة يدافع في مجلته عن الإسلام، ويدافع عن العقيدة السلفية، ويحارب البدع والخرافات والشركيات المنتشرة في كثير من أنحاء العالم الإسلامي. ومن أبرز آثاره العلمية تفسيره للقرآن العظيم، وقد أتم تفسير اثني عشر جزءًا طُبعت كلها، وفسرّ بعض آيات من أول الجزء الثالث عشر، ثم توفي ﵀ فجأة بسكتة قلبية سنة ١٣٥٤ هـ (١).
والشيخ أحمد شاكر يرى أن شيخه محمد رشيد رضا جمّ العلم، وصاحب اطلاع واسع على كتب الحديث، ولا شك أن عناية الشيخ رشيد رضا بعلم الحديث كان لها أبلغ الأثر في انصراف همة أحمد شاكر إلى الاشتغال بالحديث (٢).
стр. 52
١٤ - الشيخ بسيوني بن بسيوني بن حسن عسل:
قال أحمد شاكر: "شيخنا وسيدنا وأستاذنا العالم العامل العلّامة محيي سنة رسول الله ﷺ الشيخ بسيوني بن بسيوني بن حسن عسل" (١).
والشيخ بسيوني ولد ونشأ في مديرية المنوفية، وتفقه على مذهب الشافعي، تخرج من الأزهر، واستقلّ بالتدريس فيه، وله عناية بعلم الحديث، وعنده نزعة تصوف، وجَمَعَ مكتبة كبيرة بيعت بعد وفاته (٢).
وأجاز الشيخ بسيوني أحمد شاكر برواية صحيح البخاري عنه بسنده فيه من طريق الحافظ ابن حجر إلى النبي ﷺ ، بعد العصر يوم الأربعاء ثالث عشر شهر ربيع الثاني سنة ألف وثلاثمائة وتسعة وعشرين من هجرة رسول الله ﷺ (٣).
١٥ - الشيخ عبد الوهاب النجار:
قال أحمد شاكر: "أستاذنا الشيخ عبد الوهاب النجار" (٤).
ولد سنة ١٢٧٨ هـ، وتخرج بمدرسة دار العلوم سنة ١٣١٥ هـ،
стр. 53
واشتغل بالمحاماة الشرعية، وتقلب في وظائف تعليمية متعددة إلى أن كان أستاذًا للشريعة في دار العلوم، فناظرًا لمدرسة عثمان ماهر باشا، وتوفي ﵀ سنة ١٣٦٠ هـ (١).
وأحمد شاكر شديد الإعجاب بالشيخ عبد الوهاب النجار، ويعدّه من أساطين العلم وحماة الإسلام الذين تخرجوا من دار العلوم الأزهرية (٢).
١٦ - الأستاذ علي الجارم:
قال أحمد شاكر: "أستاذنا الكبير العلّامة أمير الشعراء علي بك الجارم" (٣)
والجارم أديب كبير، من رجال التعليم في مصر، له شعر ونظم كثير، ولد سنة ١٢٩٩ هـ، وتعلم في القاهرة وإنجلترا. وجُعل كبيرًا لمفتشي اللغة العربية بمصر، فوكيلًا لدار العلوم، حتى سنة ١٩٤٢ م، ومثّل مصر في بعض المؤتمرات العلمية والثقافية، وكان من أعضاء المجمع اللغوي، توفي ﵀ سنة ١٣٦٨ هـ (٤).
стр. 54
وقد كان أحمد شاكر يعرض على الأستاذ الجارم بعض عمله في تحقيق كتاب الرسالة للإمام الشافعي، ويستنير برأيه ويأنس به.
ومن ذلك أن الشيخ أحمد شاكر نشر كتاب الرسالة عن أصل بخطّ الربيع بن سليمان صاحب الشافعي، وكتبه في حياته.
وهذه النسخة التي كتبها الربيع بن سليمان غاية في الدقة والضبط، كما بين ذلك أحمد شاكر بقوله: "وأما الثقة بها فما شئت من ثقةٍ، دقةٌ في الكتابة، ودقة في الضبط، كعادة المتقدمين من أهل العلم الأولين. فإذا اشتبه الحرف المهمل بين الإهمال والإعجام، ضبطه بإحدى علامتي الإهمال: إما أن يضمع تحته نقطةً، وإما أن يضع فوقه رسم هلال صغير، حتى لا يُشَبَّهَ فيتصحف على القارئ. ومن أقوى الأدلة على عنايته بالصحة والضبط، أنه وضع كسرةً تحت النون في كلمة (النَّذارة) .. وهي كلمة نادرة، لم أجدها في المعاجم إلا في القاموس، ونصَّ على أنها عن الإمام الشافعي، وهي تؤيد ما ذهبت إليه من الثقة بالنسخة، وتدل على أن الربيع كان يتحرَّى نطق الشافعيّ، ويكتب عنه عن بينة.
ومن الطرائف المناسبة هنا أني عرضت هذه الكلمة على أستاذنا الكبير العلامة أمير الشعراء علي بك الجارم، فيما كنت أعرض عليه من عملي في الكتاب، فقال لي: كأنك بهذه الكلمة جئتَ بتوقيع الشافعي على النسخة. وصدق حفظه الله" (١).
стр. 55
١٧ - الشيخ عبد الحيّ الكَتَّاني:
قال أحمد شاكر: "شيخنا الحافظ الكبير السيد عبد الحيّ الكتاني" (١).
عُرف بعبد الحيّ الكتاني، واسمه محمد عبد الحيّ بن عبد الكبير ابن محمد الحسني الإدريسي: من كبار علماء الحديث بالمغرب، ولد وتعلم بفاس، وكان منذ نشأته على غير ولاء للأسرة العلوية المالكة في المغرب، واعتقل سنة ١٣٢٧ هـ في دار المخزن ببلده. وحج فتعرف على رجال الفقه والحديث في مصر والحجاز والشام والجزائر وتونس والقيروان. وعاد بأحمال من المخطوطات، وكان جمّاعة للكتب، ذخرت خزانته بالنفائس، توفي ﵀ سنة ١٣٨٢ هـ (٢).
والذي يظهر أن لقاء أحمد شاكر بعبد الحيّ الكتاني كان في أحد مواسم الحج، والله أعلم.
١٨ - الدكتور منصور فهمي:
قال أحمد شاكر: "أستاذنا العظيم العلّامة الفيلسوف الدكتور منصور فهمي بك، المدير العام لدار الكتب المصرية (٣).
стр. 56
والدكتور منصور فهمي من خطباء مصر، له علم بالفلسفة والتربية والأدب، ومن أعضاء المجامع العربية الثلاثة، وكان أُرسل في بعثة إلى باريس لدرس الفلسفة، وبعد عودته دَرّس في جامعة القاهرة، وتدرج إلى أن كان عميدًا لكلية الآداب، ثم مديرًا لدار الكتب المصرية، فمديرًا لجامعة الإسكندرية إلى سنة ١٩٤٦ م، وكان كاتب السر للمجمع اللغوي المصري إلى أن توفي سنة ١٣٧٨ هـ (١).
ومما يذكر أن الدكتور منصور فهمي فُصل من الجامعة سنة ١٩١٣ م، بسبب رميه النبي ﷺ بحب الشهوات - والعياذ بالله - وأمام هذا العدوان الصُراح ثار العلماء والعامة في وجهه؛ واستجابةً لهذه الضغوط فُصل من الجامعة، وظلّ بعيدًا عن الجامعة بضع سنين، ثم عاد فتقلّد مناصبها! ! (٢).
والذي يظهر أن الشيخ أحمد شاكر لم يتتلمذ للدكتور منصور فهمي بأي وجه من الوجوه، ويؤكد ذلك الأطوار التي مرَّ بها الدكتور، إضافة إلى أن تخصصه في الفلسفة، وهذا العلم ليس من اهتمامات الشيخ البتة.
стр. 57
وغاية ما في الأمر أن الشيخ أطلق هذه الكلمات مبالغةً في الثناء والشكر نظير الخدمات الجليلة التي كان يؤديها الدكتور منصور للباحثين والمحققين، بحكم إدارته لدار الكتب المصرية، وأحمد شاكر من أهم المستفيدين، وذلك عند تحقيقه لكتاب الرسالة للإمام الشافعي، ولهذا قال: "واليد البيضاء التي لا تُنسى، ما لقيت من معونة أستاذنا العظيم ..
أَمر حفظه الله بأن تُصور لي نسخةُ الربيع كلُّها، وأمر بإعارتي نسخةَ ابن جماعة، وبأن يُسهَّل لي كلُّ ما أريد من مصادر ومراجع، أحسن الله جزاءه، ووفقه لخدمة الدين والعلم" (١).
وثمة يدٌ أخرى لمنصور فهمي، ذلك أن أحمد شاكر لمّا علم بوجود نسخة عتيقة كاملة من كتاب (مسائل الإمام أحمد) لأبي داود، في المكتبة الظاهرية بدمشق رجا الدكتور منصور أن يأمر باستحضار نسخة منها مصورة بالتصوير الشمسي، فأجاب رجاءه (٢).
تلاميذه:
انقطع الشيخ أحمد شاكر للتأليف وتحقيق كتب التراث، ولم ينصب نفسه لتدريس الطلاب، ولكن الذين تتلمذوا على كتبه، ونهلوا من علمه في مصر وخارجها لا يحصون كثرة.
стр. 58
المبحث الرابع: مذهبه الفقهي وعقيدته
* مذهبه الفقهي:
تفقه أحمد شاكر على مذهب أبي حنيفة في بداية طلبه للعلم، وكان الشيخ محمود أبو دقيقة أول شيوخ أحمد شاكر في معهد الإسكندرية، وعليه تخرج في الفقه الحنفي وتدرَّب (١).
وقرأ على والده العلّامة محمد شاكر كتاب الهداية في الفقه الحنفي، وكان من طريقة والده في الشرح؛ نبذ التعصب لمذهب الحنفية، وتحكيم الحجة والبرهان، وترجيح ما نصره الدليل الصحيح وإن خالف مذهب الحنفية، وكان لهذه الطريقة في التدريس أبلغ الأثر في استقلال رأي أحمد شاكر، وحرية فكره، ونبذه التعصب لمذهب معين (٢).
ونال الشيخ أحمد الشهادة العالمِية من الأزهر الشريف حنفيًا، ومكث في القضاء زُهاء ثلاثين سنة يحكم بما أُذن له في الحكم به من مذهب الحنفية.
стр. 59
وفي سنة ١٣٢٨ هـ، بدأ بقراءة السنة النبوية قراءة جادة استفرغت عليه جهده ووقته، وكان من أثر عكوفه على دراسة السنّة رفض التقيد بمذهب معين من غير نظر في الأقوال والأدلة، قال ﵀: "فسمعت كثيرًا وقرأت كثيرًا، ودرست أخبار العلماء والأئمة، ونظرت في أقوالهم وأدلتهم، لم أتعصب لواحدٍ منهم، ولم أحد عن سنن الحق فيما بدا لي، فإن أخطأت فكما يخطئ الرجل، وإن أصبت فكما يصيب الرجل. أحترم رأيي ورأي غيري، وأحترم ما اعتقده حقًّا قبل كل شيء وفوق كل شيء" (١).
ومما رفضه الشيخ أحمد شاكر دعوى وجوب اتباع مذهب من المذاهب الأربعة، قال ﵀: "ليس هناك أي دليل على وجوب اتباع مذهب من المذاهب الأربعة، وإنما هذه كلمة شاعت عند العوام في عصور ضعف فيها العلم، واشتدت العصبية بين العلماء لمذاهب الأئمة الذين اتبعوهم، وقد كانت هناك أيام العصبية مذاهب أخرى يتعصب لها أتباعها؛ كمذهب داود الظاهري ومذهب ابن جرير - صاحب التفسير - ومذهب الأوزاعي وغيرهم. ثم ضعف العلماء فقلدوا العوام والجهال في العصبية للمذاهب الأربعة، ومن عجب أن يقلد العالم الجاهل. وأما الأئمة ﵃ فما كان أحد منهم ليرضى أن يقلده أحد، بل كانوا يعلمون العلم ويظهرون الناس على أدلته، ويجادلهم تلاميذهم وأتباعهم،
стр. 60
ويوافقونهم ويخالفونهم، ولم يجعل الله قول أحدٍ من العلماء حجة على الناس؛ بل الحجة في الأدلة الصحيحة من الكتاب والسنة الصحيحة والاستنباط منهما، وكل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله ﷺ ، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، فما علمه العالم من الدليل واقتنع به وجب عليه اتباعه، وحرم عليه أن يخالفه لقول أحدٍ كائنًا من كان، في كل عصر وحين" (١).
ومع رفض أحمد شاكر ﵀ للتقليد إلا أن ذلك لم يمنعه من التصريح بإعجابه الكبير بالإمام الشافعي ﵀ وملكته الفقهية.
قال الشيخ أحمد شاكر: "لو جاز لعالم أن يُقلَّدَ عالمًا كان أولى الناس عندي أن يُقلَّد الشافعي. فإني أعتقد - غير غالٍ ولا مسرف - أن هذا الرجل لم يظهر مثلُه في الإسلام، في فقه الكتاب والسنة، ونفوذ النظر فيهما ودقة الاستنباط، مع قوة العارضة، ونور البصيرة، والإبداع في إقامة الحجة وإفحام مناظره. فصيح اللسان، ناصع البيان في الذروة العليا من البلاغة" (٢).
وقد اتسم فقه الشيخ أحمد شاكر بالتحرر المذهبي، ولا غَرْوَ فإن دراسته المتخصصة في علم الحديث، واحتكاكه بقضايا العصر، ومعايشته لأحوال الناس من خلال ثلاثين سنة قضاها في القضاء، كل
стр. 61
هذا أورثه مرونة وتوسعًا في الخلافات الفقهية (١).
* عقيدته:
سار الشيخ أحمد شاكر على طريقة ومنهج السلف - من الصحابة والتابعين والتابعين لهم بإحسان - من حيث الالتزام بالنصوص والفهم الذي فهموه.
كتب أحمد شاكر في ٨ شوال سنة ١٣٧٤ هـ - قبل موته بثلاث سنوات - إلى صديقه القديم محمد حامد الفقي رئيس جماعة أنصار السنة المحمدية، كتابًا جاء فيه: "تزاملنا وتآخينا منذ أكثر من خمس وأربعين سنةً، لله وفي سبيل الله، نصدر عن رأي واحد وعقيدةٍ سليمة صافية في الاستمساك بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، لا نحيد عنها ما استطعنا، وفي نصرة العقيدة السلفية، والذب عنها ما وسعنا ذلك، لم يصرفنا عما قمنا له وبه، واضطلعنا بالذب عنه ما لقينا وما نلقى من أذًى أو عنت. ولعلنا - فيما قمنا به معًا - من أول العاملين على نشر العقيدة الصحيحة في بلادنا هذه، وما أريد فخرًا بعملي ولا بعملك، فما كنّا نعمل إلّا لله.
وكان من أعظم المصادر العلمية التي استضأنا بنورها - بعد الكتاب الكريم والسنة المطهرة - كتبُ شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه الإمام الحافظ ابن القيّم، ثم كتب شيخ الإسلام (مجدد القرن
стр. 62
الثاني عشر) محمد بن عبد الوهاب، ﵏ جميعًا" (١).
وبهذا يتضح أن الشيخ أحمد شاكر سلفي العقيدة، ومن أوائل الداعين لها في مصر، وقد جرى على هذه العقيدة في مصنفاته وحواشيه على الكتب.
ومن ذلك: قوله في باب الصفات: "ونحن على النهج الصحيح الذي كان عليه السلف الصالح نؤمن بما ورد في الصفات كما ورد من غير تشبيه ولا تمثيل، ولا خروج عن معنى الكلام بالتأويل" (٢).
وقوله فيما جرى بين الصحابة: "الحاضر يرى ما لا يرى الغائب، وهذه الفتن قد تُنسي الحليم حلمه، والذكي عقله، فلا ندري عذر من كان مع معاوية من الصحابة ﵃ وظهور الحجة وقيام الأدلة على أن الحق بجانب علي ﵁ لا يُسيغ لنا أن نحكم بالبغي على الصحابة الذين خالفوه، فقد تكون لهم أعذار لا نعلمها، ومآل الجميع إلى مولاهم يحاسبهم ويقضي بينهم يوم الفصل" (٣).
ومن أكبر الدلائل على حُسن عقيدة الشيخ أحمد شاكر واتباعه لمذهب السلف الصالح عنايته بجملة صالحة من كتب الاعتقاد التي
стр. 63
كتبها علماء أهل السنة والجماعة، ومن ذلك كتب شيخ الإسلام ابن تيمية: الرسالة التدمرية، والفتوى الحموية، والعقيدة الواسطية.
وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز، ولمعة الاعتقاد لابن قدامة، وعقيدة أهل السنة والجماعة لابن الجوزي، وكتب الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب: التوحيد، والأصول الثلاثة، والقواعد الأربع.
стр. 64
المبحث الخامس: آثاره العلمية
المتتبع لآثار الشيخ أحمد شاكر العلميّة يلحظ أن له يدًا باسطة في غير علمٍ من العلوم من فقه وأصول وتفسير وحديث ولغة وأدب، ومصنفاته وتحقيقاته شاهدة على سَعَة دائرته في هذه العلوم، وإليك بيان آثاره مرتبة على الفنون (١).
أولًا: آثار الشيخ في القرآن وعلومه:
١ - تفسير الطبري المسمى (جامع البيان عن تأويل آي القرآن):
يعتبر هذا التفسير من أعظم التفاسير قال عنه الشيخ أحمد شاكر:
стр. 65
"وهو أعظم تفسير رأيناه، وأعلاه وأثبتُه. استحقَّ به مؤلفه الحجة أن يسمى (إمام المفسرين) " (١).
وقد قام الشيخ أحمد شاكر بمراجعة الكتاب وتخريج أحاديثه ودَرْس أسانيده.
أما الأستاذ محمود شاكر فقد اضطلع بتحقيق الكتاب، والتعليق عليه، وصنع الفهارس له، وهو خير من يستطيع أن يحمل هذا العبء، ويقوم بهذا العمل حقَّ القيام كما ذكر الشيخ أحمد شاكر (٢).
وتمنّى الأستاذ محمود مشاركة أخيه أحمد في كل أجزاء العمل:
"وكنت أحبُّ أن يكون العمل في نشر هذا الكتاب مشاركة بيني وبين أخي في كل صغيرةٍ وكبيرة، ولكن حالت دون ذلك كثرة عمله وليته فعل، حتى أستفيد من علمه وهدايته، وأتجنب ما أخاف من الخطأ والزلل في كتاب - قال فيه أبو عمر الزاهد، غلام ثعلب (٣): "قابلت هذا الكتاب من أوله إلى آخره، فما وجدت فيه حرفًا خطأً في نحو أو لغة"، وأنَّى لمثلي أن يحقق كلمة أبي عمر في كتاب أبي جعفر ونحن أهل زمانِ أُوتوا من العجز والتهاون، أضعاف ما أوتي
стр. 66
أسلافهم من الجد والقدرة!
فتفضل أخي أن ينظر في أسانيد أبي جعفر، وهي كثيرة جدًّا، فيتكلم عن بعض رجالها، حيث يتطلب التحقيق ذلك، ثم يخرِّج جميع ما فيه من أحاديث رسول الله ﷺ ، فإن وجدَ بعد ذلك فراغًا نظر في عملي وراجعه واستدرك عليه، فشكرتُ له هذه اليدَ التي طوّقني بها، وكم له عندي من يدٍ لا أملك جزاءها، عند الله جزاؤها وجزاء كل معروف، وحسبُه من معروف أنّه سدّد خُطاي صغيرًا وأعانني كبيرًا" (١).
وعمل الشيخ أحمد شاكر في الكتاب يتجلّى في ما يلي:
أ - تخريج ما فيه من أحاديث رسول الله ﷺ .
ب - النظر في أسانيد أبي جعفر والكلام على بعض الرجال جرحًا وتعديلًا، وكان هذا في الأجزاء الثمانية الأُول، وقد شارك الأستاذ محمود شاكر منذ الجزء الرابع في بيان حال بعض رجال أسانيد الآثار دون الأحاديث، ثم انفرد محمود في الجزء التاسع وما يليه بالمراجعة وتخريج الأحاديث (٢).
وطبع الكتاب بدار المعارف سنة ١٩٥٦ م، وصدر منه ستة عشر جزءًا.
стр. 67
٢ - عمدة التفسير عن الحافظ ابن كثير:
استشعر الشيخ أحمد شاكر القيمة العلمية لتفسير ابن كثير ﵀ فطفق يقول: "تفسير الحافظ ابن كثير أحسن التفاسير التي رأينا وأجودها وأدقها، بعد تفسير إمام المفسرين أبي جعفر الطبري.
ولسنا نوازن بينهما وبين أيّ تفسير آخر مما بأيدينا، فما رأينا مثلهما ولا ما يقاربهما" (١).
لذا صحت عزيمة الشيخ أحمد شاكر على العناية بهذا التفسير العظيم؛ فشرع في اختصاره بعد طول تردد، وعمق تفكير، وكثرة استشارة.
وكان الباعث لذلك عدم انتفاع الناس بهذا التفسير العظيم، لما امتلأت به طبعاته من غلط وتحريف، وقد أشار الشيخ في مقدمة الكتاب لهذه الطبعات وما فيها من أغلاط، وأفرد الشيخ أحمد مخطوطة الأزهر بالوصف وجعلها أصلًا لتصحيح نصوص الكتاب، ثم كشف عن منهجه في هذا الاختصار، وهو منهج متميز متفرد، حافظ فيه على نَفَس ابن كثير ﵀ قال أحمد شاكر ﵀: "حافظت على آراء الحافظ المؤلف وترجيحاته في تفسير الآيات، مجتهدًا في إبقاء كلامه بحروفه ما استطعت" (٢). ومن
стр. 68
منهجه في الاختصار نفي كل الأخبار الإسرائيلية وما أشبهها، ثم اختار من الأحاديث التي يذكرها ابن كثير أصحها وأقواها إسنادًا، وأوضحها لفظًا، وحذف من الكتاب أسانيد الأحاديث، وكل حديث ضعيف أو معلول إلا أن يكون إثباته في موضعه ضرورة عملية لرفع شبهة، وحذف المكرر من أقوال الصحابة في التفسير، وكثيرًا من آراء التابعين، اكتفاءً ببعضها، وتحلّى في ذلك كله بالأمانة العلمية، وترجم للحافظ ابن كثير وذكر مصادر ترجمته، وأثبت ثلاث صور من مخطوطات الكتاب، وقد صنع في آخر كل جزء فهرسًا للأحاديث المرفوعة وما في حكمها على مسانيد الصحابة، وفهرسًا ثانيًا لموضوعات الكتاب، ولكن المنية اخترمت الشيخ قبل إتمام هذا المختصر، حيث انتهى فيه إلى الآية الثامنة من سورة الأنفال ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾.
وقد طُبع الكتاب في دار المعارف بمصر فيما بين سنة ١٩٥٧ - ١٩٥٨ م في خمسة أجزاء.
قال الشيخ بكر أبو زيد - حفظه الله -: " .. ومَوقِفًا من قبل للعالم المتفنن المتقن الشيخ أحمد شاكر المتوفى في سنة ١٣٧٧ هـ - رحمه الله تعالى - الذي سماه: (عمدة التفسير عن الحافظ ابن كثير) هو عمدة لدى أهل العلم، وما زالوا يستمعون في كل حين وآخر، نبأ من يجري الله على يديه إتمام هذين الكتابين الجليلين (١)، على
стр. 69
الجادة: بصيرة العالم المتفنن، وأمانة المفسر، ونفس المحدث، وفقه النفس ...
هذا ولم نسمع ولم نر أن واحدًا من أهل الأرض استطاع أن ينال منهما بحق، ومن فعل فقد شان نفسه، وأزرى عليها، والعصمة لرُسل الله عليهم الصلاة والسلام" (١).
٣ - تفسير الجلالين: جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي:
فسر العلامة المحلي من سورة البقرة إلى سورة الإسراء، وأكمل السيوطي التفسير إلى سورة الناس.
وعمل الشيخ أحمد فيه تحقيق النصّ وتصحيحه، وشاركه أخوه علي محمد شاكر في ذلك، وقد طَبَعْتهُ دار المعارف سنة ١٩٥٤ م.
٤ - جامع البيان في تفسير القرآن:
للإمام معين الدين محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الإيجي الصفوي الشافعي ﵀ وطبع الكتاب أول ما طبع في الهند، ثم طبع في مصر في مطبعة حجازي سنة ١٣٥٥ هـ، في ثلاثة أجزاء، ووقف على تصحيحه الشيخ محمد حامد الفقي ﵀ وقام الشيخ أحمد شاكر ﵀ بمراجعة الجزء الثالث منه، ويبدأ من سورة لقمان، وينتهي بسورة الناس.
стр. 70
٥ - هداية المستفيد في أحكام التجويد للشيخ أبي ريمة:
وهي رسالة احتوت على غالب علم التجويد في صورة سؤال وجواب مختصر، وعمل الشيخ فيها التصحيح والضبط بالشكل، وأول طبعة صدرت لها بتصحيح الشيخ ﵀ في دار المعارف سنة ١٣٧٣ هـ، والطبعة الثانية طبعتها مكتبة السنّة سنة ١٤٠٧ هـ، والثالثة أيضًا مكتبة السنة سنة ١٤٠٨ هـ، وتقع الرسالة في سبع وثلاثين صحيفة.
٦ - منجد المقرئين ومرشد الطالبين للإمام محمد بن محمد الجزري:
ويحتوي على سبعة أبواب: الأول في القراءات، والمقرئ، والقارئ وما يلزمهما. الثاني: في القراءات المتواترة والصحيحة والشاذة واختلاف العلماء في ذلك، وإيضاح الحق منه.
الثالث: في أن العشرة ما زالت مشهورة من لدن قرئ بها وإلى اليوم، لم ينكرها أحد من السلف ولا من الخلف.
الرابع: في سرد مشاهير من قرأ بها، وأقرأ في الأمصار إلى يومنا هذا.
الخامس: في حكاية ما وقفت عليه من أقوال العلماء فيها.
السادس: في أن العشرة بعض الأحرف السبعة، وأنها متواترة فرشًا وأصولًا، حال اجتماعهم وافتراقهم، وحل مشكل ذلك.
стр. 71
السابع: في ذكر من كره من العلماء المقتصر على القراءات السبع، وأن ذلك سبب نسبتهم ابن مجاهد إلى التقصير.
وعمل الشيخ فيها التصحيح والمراجعة. ونشرت الكتاب مكتبة القدسي سنة ١٩٣١ م.
ثانيًا: آثار الشيخ في الحديث وعلومه
١ - المسند للإمام أحمد بن حنبل
" وفي سنة ١٩٤٦ م نَهَدَ أحمد شاكر لنشر ديوان السنة الأعظم: مسند الإمام أحمد، وهو العمل الذي استفرغ فيه جُهْدَه، وأَقدم عليه بعد أن آنس من نفسه نار القيام بأعباء هذا العمل الجليل، فالمسند كتاب تحاماه الرجال، وقديمًا تمنى الحافظ الذهبي - وهو من هو - "أن يُقَيَّض الله لهذا الديوان العظيم من يرتبه ويهذبه، ويحذف ما كرر فيه، ويصلح ما تصحف، ويوضح حال كثير من رجاله، وينبه على مرسله، ويُوَهَّن ما ينبغي من مناكيره" (١) فأقدم أحمد شاكر على هذا العِلْق النفيس، وتفنن في العناية به: ضبطًا وتحقيقًا، وشرحًا وتخريجًا، ثم شفع ذلك بفهرست دقيق فنشر منه سبعة عشر مجلدًا، ثم اعتاقَه ما اعتاقَهُ دون المدى فلم يتمّه" (٢).
قال الشيخ محمد حامد الفقي ﵀: "ولعل دعوة
стр. 72
الذهبي قد أُجيبت بما صنع الشيخ أحمد شاكر في نشر هذه الطبعة الممتازة التي كانت أمنية حياته، وغاية همّه سنين طويلة. فقد جعل لأحاديث الكتاب أرقامًا متتابعة كانت كالأعلام للأحاديث بنى عليها فهارس ابتكرها، منها: فهرس للصحابة رواة الحديث مرتب على حروف المعجم، وفهرس الجرح والتعديل، وفهرس للأعلام والأماكن التي تُذكر في متن الحديث، وفهرس لغريب الحديث.
أما الفهارس العلمية فهي الأصل لهذا العمل العظيم، وما نظن أحدًا سبق الأستاذ المحقق إلى مثلها (١)، وقد بناها على أرقام الأحاديث، فذلل الصعوبة التي يعانيها المشتغلون بالسنة، فإن الحديث الواحد قد يدل على معان كثيرة متعددة في مسائل وأبواب منوعة، مما ألجأ البخاري ﵁ إلى تقطيع الأحاديث وتكرارها في الأبواب، فصار من الميسور للباحث - بعد هذا الجهد البالغ الذي قام به الأستاذ المحقق - أن يجد الباب الذي يريده أو المعنى الذي يقصده بالاستقصاء التام والحصر الكامل.
стр. 73
وبعد: فهذا العمل العظيم حقًا، ليس وليد القراءة العاجلة، أو إزجاء الفراغ فيما يلذ ويشوق ويسهل، وإنما هو نتاج الكدح المتواصل، والتنقيب الشامل، والتحقيق الدقيق، والغوص العميق في بطون الكتب وثنايا الأسفار. وقد أنفق فيه صديقي نحو ربع قرن من الزمان، لو أنفقه في التأليف أو في نشر الكتب الخفيفة لكان لديه منها الآن عشرات وعشرات، ولجمع منها مالًا جزيلًا، وذكرًا جميلًا، ولكنه آثر السنة النبوية، وتقريبها لطالبيها على كل ذلك، فحقق الله أمله، وبارك عمله" (١).
وتعليقات الشيخ أحمد شاكر على الأجزاء التي حققها من المسند تعليقات نفيسة من الناحية الحديثية، ومن الناحية الموضوعية، حيث إن بعضها من السعة والشمول والقوة بحيث يكون كتابًا مستقلًا في موضوعه.
ومع شهادة غير واحد من أهل العلم ببلوغ الشيخ أحمد شاكر في معرفة حديث رسول الله ﷺ روايةً ودرايةً، مبلغًا لم يُجاره أحدُ به من معاصريه ممن يَنْتَحل صناعة الحديث، إلا أنهم لاحظوا أن في أحكامه على الأسانيد والرواة تسامحًا كما هو مَقُوْل بحق الإمام صاحب المستدرك، وبحق الإمام ابن حبان صاحب الصحيح وغيرهما (٢).
стр. 74
ولئن قال هذا من قاله في حق الشيخ العلامة أحمد محمد شاكر فله في هؤلاء سلف وأسوة، وإنما المسألة مسألة منهج يختطّه الإمام في النظر في أحوال الرواة وما قيل فيهم من جرح وتعديل، والنظر في الأسانيد واتصالها أو انقطاعها أو شذوذها أو نكارتها، والنظر في تعدد الطرق؛ وهل يكسب الحديث قوة .. إلى غير ذلك مما يختلف فيه الاجتهاد (١).
٢ - جامع الترمذي:
هذا الكتاب من أنفع كتب الحديث لطالب العلم حيث جمع فيه مؤلفه فقه الحديث ومتنه، فبعد أن يسوق الأحاديث والطرق في كل باب يذكر اختلاف الفقهاء وأقوالهم في المسائل الفقهية، وكثيرًا ما يشير إلى دلائلهم، ويذكر الأحاديث المتعارضة في المسألة. وهذا مقصد من أعلى المقاصد وأهمها؛ إذْ هو الغاية الصحيحة من علم الحديث، تمييز الصحيح من الضعيف، للاستدلال والاحتجاج، ثم الاتباع والعمل، ويتكلم عن درجة الحديث صحةً وضعفًا، ويذكر ما اشتمل عليه السند من العلل، ويفصِّل القول في التعليل والرجال تفصيلًا جيدًا، وعن ذلك صار كتابُه هذا كأنّه تطبيق عملي لقواعد علوم الحديث، خصوصًا علم العلل، وصار أنفع كتاب للعالم والمتعلم، وللمستفيد والباحث في علوم الحديث.
стр. 75
والترمذي بصنيعه هذا جمع بين غرض البخاري، وهو: بيان الفقه في المسألة. وغرض مسلم، وهو: جمع أحاديث الباب، وذكر الطرق في مكان واحد (١).
ولمكانة جامع الترمذي بين كتب السنة المطهرة نَهَضَ أحمد شاكر لنشر هذا الديوان العظيم، وكان تلقاه كله عن والده سماعًا، وله به شبه اختصاص وكبير عناية (٢)، فحققه وأخرجه على أحسن وجوه الضبط والتصحيح: ببيان روايات نُسَخِه وضبط ألفاظه، وتفصيل جُمله، وشرح معانيه، وتحقيق مسائله، والتعليق عليه لاكتمال فوائده (٣).
وجعل في طالعة الكتاب مقدمة حافلة ضمّنها بحثًا عن تصحيح الكتب، وصنع الفهارس المعجمة، وجهود المستشرقين في نشر التراث، وقبل ذلك ذكر النُّسخ التي اعتمد عليها، ووصفها، وأشار إلى الاختلاف بينها.
وقد أبان الشيخ أحمد شاكر في تحقيق هذا الكتاب عن شخصية مستقلة في التصحيح والتضعيف والحكم على الرجال، وكانت