← Джавами‘

Джавами‘ · id 20642

جمهرة مقالات أحمد شاكر

أحمد شاكر

Полный текст (928 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وقد أحصى الدكتور المحقق القصائد والأبيات في كل نسخة من هذه النسخ، وفي هذه الطبعة التي حققها، ووضع لذلك الجدول الآتي: ............. عدد القصائد ... عدد الأبيات الطائفة الأولى ... ٣٢٩ ... ٢٨٦٧ الطائفة الثانية ... ٢٧٥ ... ٢٦٤٣ الطائفة الثالثة ... ٢٠٤ ... ٢٣٢٨ الطائفة الرابعة ... ٢٧٥ ... ٢٢٩٩ هذه الطبعة المحققة ... ٣٦٤ ... ٣٧٢٤ وأما الطبعات الأولى للديوان فلا قيمة لها, ولا تكاد تذكر بجانب هذا العمل الضخم، والجهد النادر في التحقيق والإخراج، وإنما نشير إليها إشارة: فأول طبعة ظهرت في بيروت سنة ١٨٧٣ في المطبعة السليمية في ١٥١ صفحة من القطع المتوسط، يقول الدكتور الدهان: "وهي مشوهة مصحفة مشحونة بالأغاليط، محشوة بالأخطاء، وزاد في ضعفها أنها اعتمدت على أضعف النسخ، فأخذت مخطوطة من نسخ دار الكتب المصرية، لعلها (رقم ٢١٥٠) من الطائفة الرابعة". ثم ذكر مثالاً مما فيها من تحريف (ص ٢٣ من التقدمة).

стр. 212

والطبعة الثانية ظهرت سنة ١٩٠٠ في بيروت بالمطبعة الأدبية في ١٥٩ صفحة، وليست خيرًا من سابقتها، وزادت عليها شرحًا لفظيًّا اعتمد مؤلفه فيه على حل الألفاظ من (القاموس المحيط)، ونسب ناشرها هذا الشرح لنفسه، وقد كشف الدكتور الدهان أنه ليس له كما يدعي: "بل هو لعالم فقيه من علماء القرن الحادي عشر، عرفنا أنه عبد اللطيف البهائي، كان قاضيًا ببلغراد، وحفظ شرحه في إستانبول ومصر"! والطبعة الثالثة صورة من الطبعة الثانية، ظهرت في سنة ١٩١٠. وقد زادت طبعة الدكتور الدهان على هذه الطبعات الثلاث ١٥٢ قصيدة، غير الأبيات التي تزيد في صلب القصائد في تلك الطبعات، ثم تتبع الشعر الذي نسب إلى أبي فراس في كثير من المراجع المخطوطة والمطبوعة "ولم يرد في أمهات المخطوطات، وقد شككنا بصحة نسبتها إلى شاعرنا". وهي ١٢ قطعة (ص ٤٥٠ - ٤٥٥)، ثم ذكر ثلاث قطع نسبت إلى أبي فراس وهي لغيره، اثنتان منها لسيف الدولة، والثالثة لابن المعتز (ص ٤٥٦ - ٤٥٧). ثم أتبع الكتاب بترجمة أبي فراس وأخباره، عن كتب الأدب والتاريخ, ذكرها بنصوصها، توثقًا وتثبتًا، وحرصًا على الأمانة والدقة (ص ٤٥٩ - ٤٨٠)، ثم صنع (شجرة) للأسرة الحمدانية، استنبطها من شرح ابن خالويه، ومن شعر الشاعر نفسه ومن تاريخ ابن خلكان وغيره من مصادر التاريخ.

стр. 213

وأعقب ذلك بعشر فهارس دقيقة متقنة، خيرها وأنفسها أولها وآخرها؛ فإنه في الفهرس الأول تتبع مصادر شعر الشاعر في مطاوي كتب الأدب والتاريخ, اختار منها ثلاثين كتابًا، فأحصى كل ما روته له من شعر، ذكر صدر البيت وبحره وقافيته، وعدد الأبيات ومواقعها من كل كتاب بتعيين الجزء والصفحة. وفي الفهرس العاشر الأخير لخص مضمون القطعة أو القصيدة في جملة قصيرة ترمز إلى هدف الشاعر منها "فإن كان ثمة شرح أو تعليق لابن خالويه اختصرناه، وإن لم يكن اقتبسناه من عبارة الشاعر نفسه، فلم نبتعد عن الأصل" (ص ٥٩١). ولم يخل الكتاب من أغلاط مطبعية وغير مطبعية، تتبع الأستاذ الدكتور كثيرًا منها، ووضع في آخر الكتاب بابًا للتصويب والاستدراك، وأعرض عن كثير مما يدركه القارئ ولا يخفى على فطنة المطالع، خصوصًا ما كان منها في تعليقاته على الديوان. وعندي أن مرد كثرة الأغلاط إلى الحرص على الشكل الكامل للكلمات في متن الديوان، وهذا الشكل الكامل غلو في الأناقة، يتجاوز حد الضرورة، بل يتجاوز حد الكمال والنظر يند عنه حين التصحيح، بل هو قد يضل المصحح عما تحته من خطأ في الكلمة، أو عما يجاوره من خطأ في غيرها، وأرى أن الواجب أن يقتصر في الشكل على ضبط ما يظهر صحة الكلمة من الحروف، فرب حرف

стр. 214

واحد يضبط من الكلمة يضعها صحيحة على لسان القارئ لا تحتمل تصحيفًا، وبعض الكلم يكفي في تعيينها ضبط حرفين، والنادر من الكلم ما يحتاج إلى ضبط كل حروفه، ولعل نصف الكلمات أو قريبًا من نصفها لا يحتاج إلى ضبط، فيكون ضبطها عبثًا وتزيدًا. وأنا أظن أني خبرت هذا ومارسته فيما نشرت من كتب، وأظن أني استطعت أن أستغني عن أكثر الشكل فيما أخرجته من الأجزاء من (المسند) للإمام أحمد بن حنبل، وقد أخطئ بعض الشيء فأشكل ما ليس بمشكل ولكني أحرص على أن لا أتجاوز ما رسمت. وبعد: فلعل أكثر ما آخذه على الصديق الدكتور سامي أنه غلا غلوًّا شديدًا في إثبات اختلاف النسخ التي وقعت له من الديوان، وكثير منها مسخها الناسخون، وأفسدها الرواة الجاهلون، فإذا ما أراد القارئ أن يتتبع اختلاف الروايات في البيت أو الكلمة أضلته هذه الروايات الواضحة الغلط، وكان في بعضها ما يغني، وأنا أرى أن القصد في ذلك أفضل، وأن لا يثبت من اختلاف النسخ إلا ما احتمل التصويب، وما لم نجزم بخطئه قطعًا إلا أن يكون الخطأ في نسخة معتمدة يخشى أن يغتر بها بعض القارئين، أو يكون في طبعة وحيدة للكتاب سارت بين الناس وكثرت في أيديهم، فيخشى أن يعتمدوها حجة إذا غلب عليها الصحة، أما إذا غلب عليها الغلط، فأرى أن التنبيه عليها ووصفها كافٍ عن تتبع أغلاطها، وما أقول هذا إلا عن تجربة وعناء، وأسأل الله التوفيق.

стр. 215

وبعد مرة أخرى: فلو أذن لي الصديق لاقترحت عليه أن يعيد نشر الديوان في طبعة قريبة التناول للقراء والأدباء، وأكثرهم فقراء أو متوسطو الحال؛ فإن ثمانية جنيهات أو عشرة ثمنًا للنسخة الواحدة من هذه الطبعة الفاخرة الغالية، يشق على أكثر الناس، ولا يستطيعه إلا خاصة الخاصة، والمتشوقون إليه والمقدروه قدره ينظرون إليه ثم لا يستطيعون، ولعله مجيب هذا الرجاء، إن شاء الله. * * *

стр. 216

الفتح المبين في طبقات الأصوليين (*) تأليف الأستاذ عبد الله مصطفى المراغي (١) صديقي الأستاذ الشيخ عبد الله المراغي ممن رزق حب العلم، وحب العناية به والتوسع فيه، فكان ديدنه منذ نشأته أن يحرص على البحث والاطلاع، ولا يزال يشغل ما يجد من وقت يخلو فيه من عمله الرسمي بالعلم والتعمق فيه، وهذا الكتاب باكورة ما ينشر من آثاره، فإني أعرف أن له كتبًا غيره لم تنشر، أراني بعضها, ولعله يوفق إلى نشرها إن شاء الله. وهذا الباب الذي صنع فيه هذا الكتاب، باب طريف، هو من باب التراجم، والتراجم محببة إلى القلوب، تنبسط إليها النفس وترتاح، ففيها تعرف لأحوال من سبق من العلماء وغيرهم، وفيها عبرة وعظة، ولكنه باب خاص لم يسبق إليه فيما نعلم، قصَد فيه إلى استيعاب تراجم علماء الأصول وحدهم، ولا نعرف أحدًا ألف فيه كتابًا يحصرهم خاصًا بهم، إلَّا ما حكى السيوطي في (حسن المحاضرة) إذ ترجم نفسه وأثبت في الترجمة مؤلفاته، فذكر منها كتابًا

стр. 217

في (طبقات الأصوليين)، وما رأينا هذا الكتاب قط، ولا علمنا أنه يوجد في مكتبة من مكاتب العالم، مما وصل إلينا خبره، وقد أشار المؤلف إلى ذلك في ص ١٠، وقال: "وإذا تحدثنا بنعمة الله علينا فقلنا: إن عملنا هذا غير مسبوق، فإننا نعتمد في ذلك على الاستقراء والبحث". وأنا أوافقه على هذا. والكتاب سيكون في ثلاثة أجزاء، كما علمت من المؤلف، ورتبه ترتيب الطبقات, أي؛ أنه ذكر تراجم الأصوليين على طبقاتهم في التاريخ: الأقدم فالأقدم، وقد وصل في آخر هذا الجزء الأول إلى ترجمة (أبي القاسم الباجي) المتوفى سنة ٤٩٣، أي إلى أواخر القرن الخامس الهجري. وقدم لكتابه بمقدمة جيدة، في ٢١ صفحة، تحدث فيها عن علم الأصول، وأول من كتب فيه، وعن طرق الأصوليين في التأليف، وعن الأصوليين في عصري الاجتهاد والتقليد. ثم شرع في التراجم، فتحدث عن (الحالة العلمية في القرن الأول الهجري)، ثم بدأ بسيرة رسول الله ﷺ ، ثم ترجم بعض الصحابة والتابعين، وأتبع ذلك بكلمة عن (الحالة العلمية في القرن الثاني)، وترجم لمن عندهم من علماء الأصول في ذلك القرن، ثم صنع مثل ذلك في كل من القرون: الثالث والرابع والخامس. والتراجم في الكتاب متوسطة، بل هي أقرب إلى الإيجاز، ولعل عذر المؤلف في هذا أنه يرمي إلى استيعاب تراجم الأصوليين، وهم

стр. 218

كثيرون، فلعله لو أسهب طال الكتاب جدًّا, وليته فعل، إذن لكان ذلك أجدر به، وأقوى لكتابه، وأكثر فائدة ومتعة للقارئ، خصوصًا الذين تخفى عليهم كتب المتقدمين في التراجم وموسوعاتهم، والذين يضيق صدرهم أن يقرؤوا نفائس ما كتب الأقدمون. ولكن المؤلف على ما أوجز لم يقصر في إرشاد القارئ المجتهد الطلعة إلى مصادر التراجم التي أخذ منها، حتى يشبع نهمه، وييسر له سبل التوسع والبحث. وليت المؤلف الفاضل لم يحرص على السجع في عنوان الكتاب، فهذه طريقة كانت مستحبة في وقت ما، في وقت التكلف في الكلام وفي الكتابة: (الفتح المبين في طبقات الأصوليين)! وما أبدعه اسمًا للكتاب لو كان (طبقات الأصوليين) ليس غير. وعلم (الأصول) علم مستحدث، أول من ألف فيه الإِمام الشافعي محمَّد بن إدريس، المتوفى سنة ٢٠٤، كتب فيه "كتاب الرسالة"، وبعض كتب أخرى صغيرة في مسائل من مسائله، وما أظن أن هذا الاسم (الأصول) كان معروفًا بالمعنى الاصطلاحي الذي يعرفه المتأخرون لا في عصر الشافعي ولا قبله وإنما (كتاب الرسالة) كتاب في أصول استنباط المسائل الفقهية من الكتاب والسنة، وكذلك كتب الشافعي الأخرى، أما أن تكون وضعت لهذا المعنى المتعارف، فما أظن ذلك، وأيًّا ما كان فمن اليقين أنه لم يكن معروفًا بهذا المعنى في عهد رسول الله ﷺ ولا أصحابه ولا تابعيهم، فلذلك

стр. 219

لا أرى ما رآه المؤلف من ذكر سيرة رسول الله ﷺ وتراجم بعض أصحابه وبعض التابعين في كتاب خاص بتراجم الأصوليين، والقارئ لا يستطيع أن يفهم، مهما نحاول أن نتأول أو نتكلف، أن يكون رسول الله وأبو بكر وعمر وسلمان الفارسي وسعيد بن المسيب من (الأصوليين)، بل هو لا يكاد يسيغ أن يعتبر أبو حنيفة ومالك وابن وهب وابن القاسم من الأصوليين؛ إذ ليس لواحد منهم كتاب ولا جزء ولا بحث في (علم الأصول). ومراجع المؤلف التي رجع إليها في تعرف التراجم، مراجع جيدة معتمدة إلَّا قليلًا، فقد اعتمد على بعض المؤلفات المحدثة، التي ليس لمؤلفيها آراء أو أبحاث في مثل هذا الموضوع الجليل، إنما هي نقل صرف عن المصادر الأصلية التي جعلها المؤلف من مراجعه، والنقل قد يخطئ، فما استطعت أن أرجع إلى المصادر الأولى للتاريخ والتراجم، فلن ألجأ إلى من ينقل عنها، وخاصة إذا لم يكن ممن عرف بالدقة والتحري والضبط لما ينقل، وهذه إشارة عابرة، ولا أقصد بها إلَّا الطمأنينة والثقة. * * *

стр. 220

نِحَل عبر النَّحْل (*) لتقي الدين المقريزي تحقيق الأستاذ جمال الدين الشيال (١) ما أجدني في حاجة إلى وصف هذا الكتاب، ولا التنويه بقيمته العلمية، وقد كفانا الأستاذ محققه مؤونة ذلك، بمقال ممتع وصفه فيه وصفًا جيدًا، نشر في مجلة "الكتاب" في المجلد الأول (ص ٨٨٦ - ٨٨٩) قال في آخره: "ولقد بدأت في طبع الكتاب، وأرجو أن أكون قد وفقت في شرحه وتحقيقه، بحيث يرضي قراء العربية". وقد أوفى بوعده، ولكني لا أراه أوفى بشرطه. وأرجو أن يعذرني الأستاذ الشارح إذا لم أرض عن طريقة إخراجه للكتاب، وعما صنع في شرحه، في أكثر ما صنع، فما أريد التعنت ولا تتبع الأغلاط، ولكني أريد الخير له ولقراء العربية. وأول ما آخذ على الكتاب هذا العنوان الإفرنجي الذي وضع في ظهر الكتاب، فما الضرورة إليه؟ ! لقد علمت من الأستاذ الشارح أن هذا ليس من عمله، وأنا أصدقه وأعذره، ولكن يجب أن يعلم الناس أن التعلق بأذيال الإفرنج ومحاولة كسب ثنائهم ورضاهم ليس مما

стр. 221

يسيغه أبناء العروبة في هذا العصر، كتاب عربي ينشر للعرب ولمن يعرف العربية من غيرهم، فما بالنا نضع له عنوانًا بغير لغته؟ ! الإفرنجي الذي يطلب مثل هذا الكتاب يعرف العربية، والذي لا يعرف العربية منهم لا يطلبه. أخشى أن يكون هذا تقليدًا صرفًا لهم حين ينشرون شيئًا من آثارنا, ولكنا لا نستطيع أن نرغمهم على ما يرضينا, ولكنا نستطيع أن نعرف لأنفسنا قدرها, وللغتنا حقها، فنخرج الكتاب عربيًّا أصلًا وعنوانًا. ثم الأخطاء المطبعية في الكتاب كثيرة، لا أحب أن أعرض لشيء منها، فإن ذلك يطول جدًّا، وكثير منها يدركه القارئ المتوسط. وقد اجتهد الأستاذ الشارح في تحقيق متن الكتاب، وتعب فيه تعبًا شديدًا، وهو جهد مشكور، فإنه لم يجد من الكتاب إلا نسخة واحدة مخطوطة، كتبت في شهر شوال سنة ١٢٢٩، ويظهر من وصفها ومن تحقيقات الأستاذ الشارح أنها غير جيدة التصحيح؛ فلذلك اضطر لأن يراجع نصوصها عند تحقيق متنها إلى كل الكتب العربية التي كتبت عن الحيوان. ولكني أراه غلا في ذلك غلوًّا شديدًا، لا أريد الغلو في الرجوع إلى المصادر التي رجع إليها، فهذا عمل واجب، ولكني أريد الغلو في تحكيم النصوص الأخرى في نص المؤلف، حتى إنه ليغيره في أكثر المواضع إلى ما في المصادر الأخرى، دون ضرورة ولا موجب من خطأ يصححه، أو نقص يكمله، فأخرج الكتاب للمقريزي بنصوص كثيرة لم تكن كلام المقريزي، بل كانت كلام غيره، ولو اتبع

стр. 222

الطريق العلمي الصحيح في إخراج الآثار العلمية القديمة، لأثبت النص كما هو، ثم قرن إليه ما يشاء من نصوص غيره، إن وجد إلى ذلك حاجة ملحة أو ضرورة ملجئة. وسأذكر مثلًا من ذلك مما في الكتاب، لا على سبيل الحصر والاستقصاء، وهي تدل على ما وراءها: (ص ١ - ٢ في أول الكتاب) قال المقريزي: "النحل حيوان، وهيئته ظريفة، وخلقته لطيفة، ومهجته نحيفة، وسطه مربع" إلخ. هذا نص المؤلف الذي يؤخذ من التعليقات التي كتبها الشارح، فإنه غيّره في صلب الكتاب، وأثبت في الهوامش ما كان في الأصل ومصدر التغيير، أثبته هكذا: "النحل حيوان [ذو] هيئة ظريفة، وخلقة لطيفة، وبنية نحيفة، وسط [بدنه] مربع". أظن أن القارئ يرى أن معنى النصين واحد، وأن كلام المقريزي سليم، فما الذي دعا الشارح إلى أن يزيد كلمتي (ذو) و (بدنه)، وأن يغير "مهجته" إلى "بنيته"، ثم يقول: إن التصحيح عن القزويني ومسالك الأبصار؟ ! لو كان القزويني وابن فضل الله العمري متأخرين عن المقريزي ونقلا كلامه لكان له عذر أن يعتبر النص فيها نسخة أخرى من كلام المقريزي، ولكنهما متقدمان عليه، والمقريزي لم يزعم أنه نقل كلامهما، بل كل مؤلف يعبر عما يعلم مما قرأ في كتب المتقدمين بالعبارة التي تروقه، فليس لنا أن نلزم واحدًا منهم بكلام الآخر، إلَّا أن يكون خطأ، فنثبت كلامه كما هو، ثم نبين ما نرى من تصحيحه.

стр. 223

ص ١٣: "وجنس النحل ألطف أجناس الحيوان كلها, ولذلك تكره كل رعي يكون منتنًا أو زهم الرائحة [وهي تكره النتن، وتكره أيضًا الروائح الدهنية] والأدهان". فهذه الجملة المزادة بين حاصرتين من الشفا لابن سينا ما الحاجة إليها؟ أليست تكرارًا لما قال المقريزي، وإضعافًا لجزالة الكلام؟ ! ص ١٤: "وتشرب الماء الصافي [العذب تطلبه حيث كان] ". هذه زيادة زادها الشارح في النص من كتاب في الحيوان دون ضرورة، ولا النص يقتضيها، خصوصًا وأنها ستأتي في كلام المقريزي ص ١٨ س ٣. ص ٦١: ([وروى ابن ماجه عن أبي بشير بكر بن خلف قال: حدثني يحيى بن سعيد عن موسى بن أبي عيسى الطحان عن عبد الله عن أبيه، أو عن أخيه عن] النعمان بن بشير [رضي الله تعالى عنه] أن النبي ﷺ قال: "إن مما تذكرون" ... إلخ. ثم قال: [ورواه الحاكم، وقال]: صحيح على شرط مسلم). فهذه زيادات زادها الشارح عن الدميري، لا أدري ما الحاجة إليها، بعد أن ذكر أن في الأصل: "ولابن ماجه من حديث النعمان؟ " المقريزي يروي الحديث، ويكتفي بأن ينسبه لابن ماجه دون ذكر إسناده، فأين النقص في الأصل الذي يدعو إلى أن نغيّر نصه بنص الدميري الذي ذكر الإسناد؟ ثم ماذا يضطرنا إلى زيادة (ورواه الحاكم، وقال)؟ هذه زيادة يحسن أن تكون في الشرح تعليقًا؛ لأن المعنى يتغير بها بعض

стр. 224

التغير، فإن المقريزي محدث معروف، فهو يصحح الحديث على شرط مسلم بأنه يوثق به في ذلك، ولكن هذه الزيادة جعلت التصحيح من كلام الحاكم وحده، أما لو بقي الكلام على أصله لكان لنا تصحيحان: تصحيح الحاكم، وتصحيح المقريزي. وقد أخطأ الشارح هنا خطأ عجيبًا في ترجمة يحيى بن سعيد الذي في الإسناد، فزعمه "يحيى بن سعيد الأنصاري"! مع أنه ذكر أنه مات سنة ١٤٣، وذكر في ترجمة الراوي عنه "بكر بن خلف" أنه مات في سنة ٢٤٠، فأنى يستطيع بكر أن يسمع من يحيى وبينهما هذا العمر الطويل؟ إن يحيى بن سعيد في هذا الإسناد، هو "يحيى بن سعيد القطان" المتوفى سنة ١٩٨، ولو رجع الشارح إلى ترجمة "موسى بن أبي عيسى" في التهذيب لوجد أن من الرواة عنه "يحيى القطان"، ثم إنه أثبت لقبه "الطحان" وهو "الحفاظ" كما في التهذيب، وليس هذا الخطأ منه، بل هو من نسخة الدميري، ولم يتنبه له الشارح. وفي الإسناد خطأ آخر: "عن عبد الله عن أبيه" والذي في الدميري ٢: ٤٠٣ طبعة بولاق "عن عون بن عبد الله عن أبيه"، وهو الصواب. ص ٦٤ في أثر عن كعب الأحبار: "ليس بفاحش ولا بسخاب" هكذا في الأصل، فغيره الأستاذ المحقق إلى "ليس بفحاش ولا صخاب". وذكر في الهامش أن التصحيح عن الدميري. وهذا الأثر نقله المقريزي عن "مسند الطبراني"، وهو غير موجود حتى يتيسر الرجوع إليه، فكان على المحقق أن يثبت الأصل كما هو، ثم إن شاء

стр. 225

أثبت رواية الدميري؛ لأن الأصل صواب غير خطأً، خلافًا لما يوهمه صنيعه، فإن "الفاحش" و"الفحاش" بمعنى، وكذلك "السخاب" و"الصخاب" بالسين والصاد، جاءا كلاهما في الأحاديث، وفي لسان العرب. "والسخب والصخب بمعنى الصياح، والصاد والسين يجوز في كل كلمة فيها خاء". فلم يكن ما في الأصل خطأ حتى يجوز للأستاذ تجاوزه وتغييره إلى غيره. وأعجب من هذا كله أن ينقل المؤلف قطعة من كلام الغزالي في الإحياء، والإحياء كتاب مطبوع متداول، فلا ينشط المحقق لمراجعة النص على أصله، بل يراجعه على نقل الدميري عنه، ويتصرف في نص المقريزي بما نقل الدميري. ثم يزيدك عجبًا واستغرابًا أن يقول المؤلف بالحرف الواحد (ص ٦٦ هامشة ١١): "ونلاحظ هنا أن اتفاق المقريزي والدميري في الصيغة يدل بوضوح على أن الأول ينقل عن الثاني في هذا الفصل نقلًا حرفيًّا"! ولماذا هذا الجزم؟ لا أدري والله! ألا يستطيع المقريزي أن يجد نسخة من كتاب الإحياء ينقل عنها حتى يضطر إلى النقل من الدميري؟ والمقريزي أعلم وأوسع اطلاعًا وأخبر بالكتب من الدميري ألف مرة! أفإذا نقلت أنا هذا الفصل عن الإحياء في بعض ما أكتب أتهم بأني نقلته عن الدميري أو عن المقريزي بأنهما أقدم مني؟ ما أظن أحدًا يزعم هذا أبدًا. ثم قد أطال المحقق هوامش الكتاب بتراجم لكثير من الرجال

стр. 226

الذين يرد ذكرهم فيه، دون حاجة إلى ذلك، وليته لم يفعل! ففي كثير منها العجائب: انظر إلى ص ٤٩: "وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن خيثمة عن الأسود قال: قال عبد الله (؟ ) ". فترجم للأعمش نقلًا عن المعارف، وذكر أنه مات سنة ١٤٨، وترجم لشيخه "خيثمة" نقلًا عن كتاب (الأعلام)! ! فذكر أنه "أبو الحسن خيثمة بن سليمان القرشي الطرابلسي"، وأنه مات سنة ٣٤٣! ! أيعقل هذا أحد؟ الأعمش الذي مات سنة ١٤٨ يروي عن شيخ مات بعده بنحو ٢٠٠ سنة؟ ! وهذا خيثمة الذي يزعمه يروي عن الأسود بن يزيد الذي ذكر المحقق أنه مات سنة ٧٤ أو ٧٥؟ الأستاذ الشارح يرجع كثيرًا إلى تهذيب التهذيب، فلو رجع إليه لوجد ترجمة "خيثمة بن عبد الرحمن الجعفي الكوفي" وهو تابعي يروي عن الصحابة وعن كبار التابعين، فهو الذي يروي هذا الأثر! وقد وضع المحقق بجوار اسم "عبد الله" في الإسناد علامة استفهام؛ ليدل على أنه شبه عليه، فلم يعرف من هو، وهو عبد الله بن مسعود، كما يعرف كل من له خبرة بعلوم الحديث؛ لأن الأسود بن يزيد إذا روى عن "عبد الله" بإطلاق، فهو عبد الله بن مسعود. وكذلك فعل الشارح في أثر بعد هذا عن "عبد الله" ص ٥٠، فوضع بجوار اسمه علامة استفهام، وهو هو. ومما لا يعجبني من تصرف المحقق في التراجم: أن يترجم لابن

стр. 227

سينا في هامش ص ١١, ثم يقول: "انظر دائرة المعارف الإِسلامية مادة ابن سينا، وما بها من مراجع"! ! أفأفلست كتب التراجم من مؤلفات علماء الإِسلام المطبوعة حتى نحيل القارئ على مراجع نادرة يشير إليها مؤلفو دائرة المعارف الإِسلامية الأجانب، وكثير من مراجعهم مطبوعات أوربية نادرة، وأكثرها مصادر غير عربية؟ ! فليت الشارح ترك هذه الترجمة، فابن سينا أشهر عند أبناء العروبة من أن يعرفوا ترجمته من مصادر أجنبية. ومن نحو هذا، أن يترجم للترمذي صاحب السنن مرتين ص ٦٠ وص ٧٠، يخطئ في الأولى، فيذكر أنه مات سنة ٧٩ ويصيب في الثانية أنه مات سنة ٢٧٩ وما كانت به حاجة إلى ترجمته هنا ولا هناك؛ فالترمذي معروف لأكثر القارئين، وكتاب عبر النحل ليس موضع تراجم العلماء، وما إلى هذا قصد مؤلفه! وانظر أيضًا التراجم التي في ص ٤٧، أتجد واحدة منها كانت ضرورية في تحقيق الكتاب؟ ! ومن المعروف بداهة أن المحقق ليس من علماء الحديث، ولا كانت علوم الحديث صناعته، فماذا يلجئه إلى أن يخرج الأحاديث على غير طريقة المحدّثين، ماله ولهذا؟ ! ويذكر المقريزي حديثًا (ص ٥٦) ينسبه إلى سنن أبي داود، فيأتي الأستاذ فيذكر في الهامش: "روي هذا الحديث بإسناد آخر في: ابن قتيبة، عيون الأخبار"! متى كان عيون الأخبار كتابًا من كتب السنة يخرج منه الحديث، وابن قتيبة

стр. 228

لغوي أديب إخباري، وكتابه كتاب أدب، وكتب السنة كثيرة متوافرة؟ ! ومن الأغلاط في الأعلام ما جاء في ص ٧٩ س ٣: "وكتب أبو بكر محمَّد بن عمر، وابن حزم إلى عمر بن عبد العزيز، وهو عامله على المدينة"، وصوابه "أبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم"، وهو الذي كان عامل عمر بن عبد العزيز على المدينة، فظنه المحقق رجلين، وإن كان هذا يناقض سياق الكلام أنه رجل واحد، "أبو بكر محمَّد بن عمر" بحذف "ابن" و"ابن حزم"، وهكذا وضعه في فهرس الأعلام مقسومًا إلى علمين "أبو بكر محمَّد بن عمر" ص ١١١ في الجدول الأيسر، و"ابن حزم" ص ١١١ في الجدول الأيمن، ولما ظنهما اثنين أعرض عن الترجمة لهما، إذ لم يجد في مراجعه ما يرشده إليهما على النحو الذي أثبته. ومنها أيضًا ما جاء في ص ٧٥: "عن سليمان بن موسى؛ أن أبا سيار النسعي (؟ ) قال للنبي ﷺ " ... إلخ. وعلامة الاستفهام من وضع الأستاذ المحقق وصحة هذا الاسم "أبو سيارة المتعي" بضم الميم وفتح التاء المثناة الفوقية، وله ترجمة في الإصابة ٧: ٩٤، وذكر له الحديث الذي هنا، ونسبه لأحمد والبغوي وابن ماجه. وهو في مسند أحمد ٤: ٢٣٦، وسنن ابن ماجه ١: ٢٨٧ ورواه أيضًا ابن حزم في المحلى ٥: ٢٣٢ بتحقيقنا، ورواه ابن سعد في الطبقات ج ٧ ق ٢ ص ١٣٦. ومما يتصل بذلك أيضًا ما جاء في ص ٦٨: "وفي تاريخ أصفهان

стр. 229

في ترجمة أحمد بن الحسن عن عمر ﵁ (برفعه): أول نعمة ترفع من الأرض العسل". وعلق الأستاذ على هذا بأن المقريزي لم يعين اسم مؤلف هذا التاريخ, ثم نقل عن الصفدي أسماء الكتب التي ألفت في تاريخ أصفهان، وذكر أنه لم يطبع منها إلا "أخبار أصفهان لأبي نعيم"، وأنه طبع في ليدن سنة ١٩٣١. وهذا تقصير شديد منه، فإن المحدثين إذا أطلقوا النسبة إلى تاريخ أصفهان فإنما يقصدون كتاب أبي نعيم، وهو مطبوع كما ذكر المحقق، فلو أنه نشط إلى مراجعته بدلًا من مراجعة الوافي للصفدي لوجد هذا الحديث فيه ١: ١١٦ في ترجمة "أحمد بن الحسن بن عبد الملك"، ولوجد أن صحة اسم الصحابي "عبد الله بن عمر" لا "عمر". ثم إن إثباته كلمة "برفعه" بالباء الموحدة خطأ؛ فإن هذه الكلمة اصطلاح للمحدثين، إذا أرادوا أن يختصروا، قالوا: "يرفعه" بالياء المثناة التحتية، فعلًا مضارعًا، يعني يرفع الحديث إلى رسول الله، بدلًا من أن يقولوا: "قال رسول الله". وقد أخطأ الأستاذ المحقق في تحريف نص للمقريزي يحكي فيه اختلاف القراء في قراءة حرف من القرآن؛ إذ لم يعرف اصطلاح علماء القراءات في حكايتهم للروايات، ولم يرجع إلى شيء من كتبهم، وهي كثيرة مطبوعة، ولم يسأل أحدًا من أهل العلم بها، وما ينبغي مثل هذا في التعرض لحروف القرآن: اختلف القراء في كلمة "يعرشون" من آية النحل، فحكى المقريزي قراءتهم قال: "فقرأ ابن

стр. 230

عامر "يعرُشون" بضم الراء، وقرأ الباقون بكسرها إلَّا عاصمًا فإنه اختُلف عنه، فرُوي الوجهان جميعًا". وهذا كلام واضح لا عوج فيه، أكثر القراء قرؤوا بكسر الراء، وابن عامر قرأ بضمها، وعاصم قرأ بهما معًا. روي عنه الوجهان جميعًا. ولكن الأستاذ المحقق أفسد الكلام، ويعذرني الأستاذ إذا استعملت هذه الكلمة، فإني لم أجد خيرًا منها في موضعها، غيّر كلمة "عنه" فجعلها "عنهم"، وغير كلمة "الوجهان" فجعلها "الوجهين"، فصار الكلام هكذا: "إلَّا عاصما فإنه اختلف عنهم، فروى الوجهين جميعًا" وهذا كلام لا معنى له، ولا يجوز لأحد أن يتصرف في كلام المؤلفين إلى هذا الحد، وإن أثبت الأصل بالهامش، فإن هذا عبث وإقدام على العلم وجرأة، نعيذ أبناءنا المتثبتين أن يفعلوه، أو أن يعود إليه من فعله منهم مرة. والله يهدينا جميعًا إلى سواء السبيل. ولو ذهبت أتتبع أمثال هذه الأغلاط في الكتاب، لتعبت وأطلت وأمللت القارئ، وما أريد إلَّا وضع الأمور مواضعها، وتنبيه الأستاذ المحقق إلى أمثلة مما صنع، عساه أن يتحرى في إخراج سائر كتب "مكتبة المقريزي الصغيرة"؛ فيخرجها على النحو الذي يجب أن تخرج فيه بين يدي القراء، حتى تكون تحفة وأثرًا نافعًا، إن شاء الله. وقد رأيت في الكتاب بعض أغلاط لغوية، أحب أن أنبه إلى ثلاثة منها: ص ٨: "سوس المدائن الكثيرة الأهل". قال الأستاذ في تعليقه:

стр. 231

"كذا في الأصل، والصحيح سياسة". وما في الأصل صحيح، فالسوس والسياسة: كلاهما مصدر "ساس يسوس" كما في لسان العرب. ص ٣٢: "فتجدها الرعاة" ذكر الأستاذ في التعليق: "في الأصل: الرعا". والمعتاد في الخطوط القديمة حذف الهمزة، لا حذف الهاء، فالصواب أن تقرأ "الرعاء" بكسر الراء وبالمد، وهو جمع راع، يقال: "راع، ورِعاء"، و"راع، ورعاة". ص ٨١: "ثم قام مسعود إلى مجلس عظيم الأقطار (؟ ) ". فيظهر من علامة الاستفهام أن الأستاذ المحقق اشتبه في أن كلمة "الأقطار" خطأ، وهي صواب، الأقطار: النواحي، واحدها "قطر"، وهي كلمة قرآنية معروفة. * * *

стр. 232

مقتل مالك بن نويرة وموقف خالد بن الوليد (*) أصدر سعادة الدكتور محمَّد باشا هيكل بضعة كتب في التاريخ الإِسلامي في الصدر الأول، وكان عملًا ناجحًا؛ ناجحًا من ناحية النَّفاق تمامًا، فما يكاد الكتاب منها يصدر حتى تتخطفَه الأيدي، وحتى تكادَ نُسخُه تَنْفَد من السوق، وناجحًا من الناحية العلمية بعض النجاح. ولو لم يكن من أثره إلَّا أن يُحبَّبَ إلى شبابنا - الذين كدنا نفقدهم قراءة سيرة رسولهم، وأخبار قومهم وسلفهم، وكانوا من قبلُ يُعرضون عن دينهم وعن عروبتهم، ويتمسحون في أوربة ويقدسونها، ويجهلون كلَّ ميزة لقومهم، بل يكادون ينكرون أنهم أمة من الأمم! لو لم يكن من أثره إلَّا هذا لكفى. وقد تناول الباحثون المحققون كتابه الأوّل "حياة محمَّد" بالنقد، وطال الجدال حوله حتى لقد ذهب ذاهبون إلى أنه منقول أو مقتبس أو مترجم عن كتاب بهذا الاسم لمستشرق يدعى درمنغهام، ولم يكن لنا سبيل إلى تحقيق ما قالوا؛ إذ لم نطلع على كتاب درمنغهام، عن جهلٍ منا باللغة التي كتب بها. وقد ترجم هذا الكتاب إلى العربية أخيرًا، وظهر من عهد قريب، وسيكون لنا في ظهوره فرصة نحقق بها ما رُمي به كتابُ الباشا، فنقول فصوله وأبحاثه إلى مثيلاتها من الكتاب

стр. 233

المترجم، فنعرف ما أخذ أحدهما عن سلفه، بعد أن عرفنا أنه أخذ منه اسم الكتاب "حياة محمَّد"، وإن كان الكتابان - فيما يبدو لنا - متباينين، وسنرى في ذلك رأينا إن شاء الله. وكان فيما قرأنا من هذه الكتب، "كتاب الصديق أبو بكر" فأعجبنا منه حسنُ سرده للحوادث، والعناية بعرضها عرضًا جيدًا مشوّقًا. وأبين مزاياه قوةُ المؤلف ومقدرته في تلخيص الروايات وجمعها، وفي الاقتباس والتضمين، حتى ليبدوَ الكلام نسقًا متقاربًا، فإذا ما تأمله العارف وضح له الفرق بين الكلام المقتبس والكلام المؤلَّف، وقد استيقنّا من ذلك في مواضع كثيرة، قارنّا فيها قصَّهُ للوقائع إلى نصوص الأقدمين من المؤرخين وخصوصًا ابن جرير الطبري. ولهذه الطريقة الطريفة فائدة نحرص عليها، أن يمرن القارئون المحدثون على قراءة النصوص العالية القوية البليغة، التي تحدث بها الفصحاء والبلغاء من الرواة والمؤرخين السابقين، مما كاد يهجره أهل هذا العصر. وكان لنا على كتابه هذا مآخذ، بعضها هيّن، لا يغض من قيمته، وبعضها خطير. وأخطرها - فيما أرى - وأبعدها مدًى في الإبطال، صنيعه فيما كان بين خالد بن الوليد ومالك بن نويرة، وحبه الإتيان بما لم يأت به الأوائل في الدفاع عن خالد، فجاء

стр. 234

حقيقة بما لم يأت به الأوائل! ! فقد لخص المؤلف - أو اقتبس - الروايات التي وردت في واقعة خالد ومالك، وذكر تضارب الأخبار فيها, ولكنهُ أتى في بعض الرواية بشيء لم نجد عليه دليلًا، وما نظنه يصح، فلو أنه صحَّ لم يكن لخالد عذر، ولم يكن أبو بكر ليعذره، ولوجب عليه أن يأخذه بدم مالك بن نويرة؛ فقد قال المؤلف (ص ١٤٥): "إلى هنا تتفق الروايات، ومن هنا يبدأ اختلافها، قال أبو قتادة: إن القوم أقروا بالزكاة وإيتائها. وقال غيره: بل أنكروها وأصرُّوا على منعها"! ! ولم يكن شيء من هذا، فيما نعلم، فقد كان من عهد أبي بكر إلى جيوشه في حروب الردة: "إذا نزلتم منزلًا فأذّنوا وأقيموا، فإن أذنَّ القوم وأقاموا فكفوا عنهم، وإن لم يفعلوا فلا شيء إلَّا الغارة، ثم تقتلوا كل قِتْلَةٍ، الحرقَ فما سواه، وإن أجابوكم إلى داعية الإِسلام فسائلوهم، فإن أقروا بالزكاة فاقبلوا منهم، وإن أبوْها فلا شيء إلَّا الغارة، ولا كلمة". وهذا هو المعقول البديهيّ المعروف من شرعة الإِسلام، ومن أخبار الخلاف بين أبي بكر وعمر في قتال مانعي الزكاة المرتدين، فقد كان عمر يظن أن منع الزكاة ليس ردةً، وأن إظهار الإِسلام وإقام الصلاة كافيان في حقن الدماء، فأقام أبو بكر عليه الحجة، حتى اطمأنّ إلى أن أداء الزكاة كإقام الصلاة شرط في صحة الإِسلام، فقال عمر: "فوالله ما هو إلَّا أن قد شرح الله صدر أبي بكر فعرفتُ أنهُ الحق".

стр. 235

فلو أن أبا قتادة ومن معه، الذين خالفوا على خالد، قبل مسيره إلى البُطاح (١) وبعده، وبعد أخذ مالك بن نويرة، شهدوا أن مالكًا وقومه "أقرُّوا بالزكاة وإيتائها" لم يكن خالد ليأمر بقتل رئيسهم مالكٍ إن شاء الله، فإنما كان مسيره ليرجعهم إلى الإِسلام وليأخذ منهم الزكاة، فماذا بعد أن يعطوا ما سار إليهم من أجله؟ لا شيء إلَّا العدوان وسفك الدم الحرام، ونعيذ بالله خالدًا ومن معه من ذلك. فهذه رواية لم نرها في شيء مما بين أيدينا من المصادر، ولا تكون صحيحة أبدًا، فما ندري من أين جاء بها المؤلف! ! وقد ساق المؤلف مسير خالد هذا المساق: "ثم إنه أزمع السير إلى البطاح يلقي فيها مالك بن نويرة ومن كان معه في مثل تردُّده، وعرف الأنصار هذا العزم منه فتردَّدوا وقالوا: ما هذا بعهد الخليفة إلينا، إنما عهده إن نحن فرغنا من البزاخة واستبرأنا بلاد القوم أن نقيم حتى يكتب إلينا. وأجابهم خالد: إن يكن عهد إليكم هذا، فقد عهد إليَّ أن أمضي، وأنا الأمير وإليّ تنتهي الأخبار، ولو أنه لم يأتني كتابٌ ولا أمرٌ، ثم رأيتُ فرصةً إن أعلنته بها فاتتني، لم أعلمه حتى أنتهزها، وكذلك إذا ابتلينا بأمر لم يعهد لنا فيه، لم ندع أن نرى أفضل ما يحضرنا ثم نعمل به، وهذا مالك بن نويرة بحيالنا، وأنا قاصدٌ له بمن معي من المهاجرين والتابعين لهم بإحسان، ولست أكرهكم". (ص ١٤٣ - ١٤٤) وهذا النص نقله المؤلف من تاريخ الطبري (٣:

стр. 236

٢٤١ طبعة الحسينية) واختصره بعض الاختصار، وحرَّفه بعض التحريف، وإن أتى بجملته ومعناه تقريبًا, ولا بأس، ولكنَّ في هذه الرواية شيئًا من الشذوذ، تحتاج معه إلى نقد وفحص؛ فليس من منطق الحروب ولا منطق الولايات أن يعهد الأمير الأكبر أو القائد الأعلى إلى من دونه من القواد والولاة بعهد ثم يعهد في الوقت نفسه إلى الجند أو إلى من دون القائد والوالي ممن يأتمرون بأمره بعهد آخر خاصٍّ بهم، بل المعروف في الدنيا كلها، وفي تاريخ الولايات في صدر الإِسلام خاصة، أن الأمير أو القائد له الطاعة الكاملة على من هو في ولايته من الجند والقواد، حتى لو كان أرفع درجة منه أو أقدم إسلامًا وهجرة، والمثل على ذلك حاضرة، يعرفها كل من قرأ شيئًا من التاريخ. فهذه الرواية إما أن يكون فيها شيء من الخطأ من رواتها، وإما أن يكون أبو قتادة ﵁ ومن معه من الأنصار سمعوا شيئًا من أبي بكر، ظنوه عهدًا خاصًّا إليهم، فأخطؤوا سمعه أو فهمه، ثم أخطؤوا فيما ذهبوا إليه من الخلاف على خالد، فلما استبانوا خطأهم، بعد أن سار وتركهم، أرسلوا وراءه من استمهله حتى أدركوها ندمًّا على ما كان منهم، ودخلوا معه في أمره. وفي الطبري رواية أخرى تساير منطق الحوادث، وتساير منطق العهود والولايات (٣: ٢٢٥) فهي تقول: "لما أراح أسامة وجندُه ظهرهم، وجمُّوا، وقد جاءت صدقات كثيرة تفضُل عنهم، قطع أبو بكر بالبعوث وعَقَد الألوية، فعقد أحد عشر لواءً، عقد لخالد بن

стр. 237

الوليد وأمره بطُليحة بن خُويلد، فإذا فرغ سار إلى مالك بن نويرة بالبُطاح إن أقام له". فهذا هو العهد الصحيح، وهو المعقول في شأن الولاة والقواد، أن يكون العهد لهم، وأن تصدر الأوامر إليهم، لا إلى من دونهم من القادة أو الجند. ولسنا نأخذ على المؤلف أن أتى بتلك الرواية, ولكنا كنا ننتظر منه أن ينقدها ويظهر ما فيها من ضعف، ونأخذ عليه أن أعْرض عن الرواية الصحيحة التي تصوّر الأمر تصويرًا منطقيًّا معقولاً، وتفسر تلك الرواية وتظهر ما فيها من ضعف أو وهم. ومما يدل على ضعف تلك الرواية أو بطلانها، أن أبا قتادة بعد أن عاد هو ومن معه إلى خالد، وبعد مقتل مالك بن نويرة، عاد إلى سخطه على خالد، فجادلهُ في مقتل مالك بن نويرة، يقول الطبري (٣: ٢٤٢) وصاحب الأغاني (١٤: ٦٥ طبعة الساسي): "فزبره خالد، فغضب ومضى حتى أتى أبا بكر، فغضب عليه أبو بكر، حتى كلمهُ عمر فيه، فلم يرضَ إلَّا أن يرجع إليه، فرجع إليه حتى قدم معه المدينة". فهذا الخليفة، وهو القائد الأعلى إذ ذاك، يغضب على أبي قتادة، على فضله وسابقته، أن خالف عن أمر أميره وقائده، وأن ترك الجيش ورجع إلى المدينة يشكو أميره، لم يقبل له عذرًا, ولم يسمع له شكوى، وأبى إلَّا أن يرجع إلى أميره يكون في طاعته، لم يمنعهُ من ذلك شفاعة عمر، فأطاع وكافي مع أميره حتى وردا المدينة معًا، بعد تمام الغزو الذي خرجوا له.

стр. 238

أفرأيتم هذا يلائم تلك الرواية: أن أبا بكر عهد إلى أبي قتادة ومن معه من الأنصار عهدًا خاصًّا لا يعلمه أميرهم خالد؟ ! وأين احتجاج أبي قتادة بأنه إنما صنع هذا طاعة للعهد الخاص به، وماذا يكون جواب أبي بكر إن حجَّهُ أبو قتادة بما عهد إليه به؟ ! ولست أدري لماذا أعرض المؤلف عن هذا النص القاطع أيضًا؟ إلَّا أن يكون يسوقُ الروايات والأخبار كما يحب ويَرى! ثم قصَّ المؤلف قصة مقتل مالك بن نويرة، وتزوج خالد أو تسرّيه امرأة مالك بعد قتله، وحكى الروايات المتضاربة التي وردت في ذلك، ويطول القول لو أردنا أن نفصل ما فصلهُ أو نجملهُ. ولكن الثابت من مجموع الروايات أن ضرار بن الأزور الأسديّ قتل مالكًا، فبعضها يجعل هذا القتل عن خطأ في فهم اللغة! تزعم الرواية؛ أن خالدًا أمر مناديًا فنادى "دافئوا أسراكم. وكان في لغة كنانة إذا قالوا: دافأنا الرجل وأدفئوه. فذلك معنى اقتلوه، وفي لغة غيرهم أدفئوه من الدفء، فظنَّ القوم أنهُ يريد القتل، فقتلوه. فقتل ضرار بن الأزور مالكًا" (عن الأغاني ١٤: ٦٥، والطبري ٣: ٢٤٢). وهذه رواية باطلة، تشبه أن تكون من خيالات الأدباء وفكاهاتهم، وبطلانها ظاهر من أول سياقها؛ فإنها تبدأ بأن الخيل جاءَت إلى خالد "بمالك بن نويرة وفيهم أبو قتادة، وكان ممن شهد أنهم أذنوا وأقاموا وصلوا، فلما اختلفوا فيهم أمر بحبسهم" وقد بيّنا فيما مضى من قبل أن الأذان وإقام الصلاة مع منع الزكاة لا يحقن الدم ولا يمنع من الحكم عليهم

стр. 239

بحكم الردة، فاختلاف السرية - في هذه الرواية - أو اتفاقها على أنهم أذنوا وأقاموا وصلوا لا يقدّم ولا يؤخر، إذا كانوا لا يزالون مصرين على منع الزكاة، وإنما هذه الرواية أشبه بالأحاجي والألاعيب. وتذهب الروايات غيرها إلى أن خالدًا جادل مالكًا وطاوله، فلما استيقن من أمره أمر بقتله، وإن اختلفت ألفاظها فيما حكت من الحوار بينهما ففي تاريخ الطبري (٣: ٢٤٣) "وكان خالد يعتذر في قتله أنه قال وهو يراجعهُ: ما إخال صاحبكم إلَّا وقد كان يقول كذا وكذا، قال: أو ما تعده لك صاحبًا؟ ! . ثم قدمه فضرب عنقه وأعناق أصحابه". وفي تاريخ ابن كثير (٦: ٣٢٢): "ويقال بل استدعى خالد مالكَ بن نويرة فأَنَّبَهُ على ما صدر منه من متابعة سَجَاحِ - المتنبئة الكاذبة - وعلى منعه الزكاة، وقال: ألم تعلم أنها قرينة الصلاة؟ فقال مالك: إن صاحبكم كان يزعم ذلك! فقال: أهو صاحبنا وليس بصاحبك؟ يا ضرار اضرب عنقه". وفي ابن خلكان (٢: ٢٢٧ طبعة بولاق): فكلمه خالد في معناها - يعني الزكاة - فقال مالك: إني آتي بالصلاة دون الزكاة. فقال له خالد: أما علمت أن الصلاة والزكاة معًا، لا تقبل واحدة دون أخرى؟ فقال مالك: قد كان صاحبك يقول ذلك! قال خالد: وما تراه لك صاحبًا! والله لقد هممت أن أضرب عنقك ثم تجاولا بالكلام طويلًا فقال له خالد: إني قاتلك. قال: أو بذلك أمرك صاحبك! قال: وهذه بعد تلك والله لأقتلنك".

стр. 240

وفي رواية لصاحب الخزانة (١: ٢٣٧ طبعة بولاق) من رسالة لأبي رياش أحمد بن أبي هاشم القيسي، أن أبا بكر بعث خالد بن الوليد "وأمره أن لا يأتي الناس إلَّا عند صلاة الغداة، فمن سمع فيهم مؤذنًا كفَّ عنهم، ومن لم يسمع فيهم مؤذنًا استحلهم، وعزم عليه ليقتلن مالكًا إن أخذه" وإن خالدًا لما أخذ مالكًا قال له: "يا بن نويرة هلمَّ إلى الإِسلام. قال مالك: وتعطيني ماذا؟ قال: ذمة الله وذمة رسوله وذمة أبي بكر وذمة خالد بن الوليد. فأقبل مالك وأعطاه بيديه، وعلى خالد تلك العزمة من أبي بكر. قال: يا مالك إني قاتلك. قال: لا تقتلني. قال: لا أستطيع غير ذلك. قال: فأت ما لا تستطيع إلَّا إياه. فقدمهُ إلى الناس فتهيبوا قتله، وقال المهاجرون: أتقتل رجلًا مسلمًا! غير ضرار بن الأزور الأسدي من بني كوز، فإنه قام فقتله". فهذه الروايات وغيرها تدل على أن خالدًا لم يقتل مالكًا إلَّا بعد حوار وجدال، وأنه لم يقتل لخطأ في فهم الأمر بالدفء كما تزعم الرواية الأولى، وإن كان في الرواية الأخيرة ما يفهم منه أن خالدًا أمّن مالكًا وأعطاه الذمة، فيكون قتله بعد ذلك غدرًا, ولكنها لا تدل هي ولا غيرها على أنه عاد إلى الإِسلام وأقر بالزكاة، وهذه الرواية تساير ما روى ابن خلكان وغيره أن متمم بن نويرة جاء إلى أبي بكر يستعديه على خالد ويعتب على أبي بكر، قال ابن خلكان: "فلما بلغه مقتل أخيه حضر إلى مسجد رسول الله ﷺ الصبح خلف أبي بكر الصديق، فلما فرغ من صلاته وانفتل في محرابه، قام متمم فوقف

стр. 241

بحذائه واتكأ على سِيَة قوسه، ثم أنشد: نِعْمَ القتيلُ إذا الرياح تناوجت ... خلفَ البيوت قَتلتَ يا بنَ الأزْوَرِ أَدَعَوتَهُ بِاللهِ ثُمّ غَدَرْتَهُ ... لَوْ هُو دَعاكَ بِذِمَّةٍ لَمْ يَغْدِرِ وأومأ إلى أبي بكر، فقال: والله ما دعوته ولا غدرتُهُ". وأكثر الروايات وأرجحها تدل على أن خالدًا كان موقنًا من ردة مالك، وإصراره على منع الزكاة، ولم توجد رواية قط تثبت إثباتًا قاطعًا أن مالكًا رجع عن ردته، وأعطى مقاده مخلصًا للدَّين، وإنما أعطى مقاده مغلوبًا على أمره، وكان يرجو أن يضع يده في يد أبي بكر لعله يجد عنده عطفًا أو لينًا، فلم يمكنه خالد من ذلك، وأخذه بالعزم وقتله. وهذا متمم أخو مالك لم يدَّع قط أن أخاه قتل بعد توبةٍ، إنما ادعى أن خالدًا غدر به، بل هو يدعي في شعره أن الغدر كان من ضرار بن الأزور، وإنما أشار إلى أبي بكر أن كان هو الأمير الأكبر، فهو المسؤول عن أعمال عماله؛ خالدٍ فمن دونه. ولو أيقن متمم أن أخاه تاب عن ردته وأقرَّ بالزكاة كما أقرَّ بالصلاة، لكان له قول غير هذا القول، وشأن غير هذا الشأن. وكذلك كان قوله حين قال له عمر: "لوددت أنك رثيت أخي زيدًا بمثل ما رثيت به مالكًا أخاك. فقال: يا أبا حفص، والله لو علمت أن أخي صار بحيث صار أخوك ما رثيته. فقال عمر: ما عزاني أحد عن أخي بمثل تعزيته" (ابن

стр. 242

خلكان ١: ٢٢٨ والأغاني ١٤: ٦٨) فهذه الرواية تدل على أن متممًا لم يكن يجزم بأن أخاه مات مسلمًا، إن لم تدل على معرفته بأنه قتل في ردته؛ لأن زيد بن الخطاب، أخا عمر بن الخطاب، قتل شهيدًا يوم اليمامة، فيشير متمم إلى هذا، أن زيدًا صار إلى الجنة؛ إذ قتل شهيدًا مسلمًا، ويشك - على الأقل - في أن مصير أخيه مالك كمصير زيد. فلم يك خالد متجنيًا ولا عاديًا، وإنما كان حازمًا سريع الفصل، يعرف ما يأتي وما يدع، ويرى الإِسلام في خطر من دعاة الردة، ويرى الموقف على حقيقته بنظرة رجل الحرب، ويعرف عواقب التردد أو التهاون، ويعرف خصمه مالكًا، ويعرف قوته وأثره في قومه، والشاهدُ يرى مالا يرى الغائب، فلن يؤخذ على خالد - إن كان عليه فيما أتى مأخذ، إلَّا أنه تسرَّع، أو تأول فأخطأ، ولا حرج. وأما ما يرجف به المرجفون، من أنه إنما صنع هذا بمالك رغبةً في امرأته ليلى بنت سنان، وأنه كان بينهما هوًى في الجاهلية، فما نظنه إلَّا من نسج الخيال، ومن أقوال الأعداء المغرضين، فالثابت أن خالدًا أخذ ليلى سبيًا بعد مقتل زوجها، وأنه بني عليها بعد انقضاء طهرها، وبعض الرواة يعبر عن هذا بالزواج، ففي الطبري (٣: ٢٤٢) "وتزوَّج خالد أم تميم ابنة المنهال - هكذا سميت في هذه الرواية - وتركها لينقضي طهرها، وكانت العرب تكره النساء في الحرب وتعايره" وهذا تعبير شاذ يذهب الثقة بهذه الرواية وأمثالها؛ فإن كراهة

стр. 243

العرب النساء في الحرب - إن صحت - لا تكون حجة في الإِسلام، وهو تشريع أُنفٌ، لا يقرّ كثيرًا من تقاليد العرب في الجاهلية، بل ينهاهم عن أكثر ما كانوا عليه وما كان عليه آباؤهم من قبل. والظاهر من سياق الروايات في الوقعة وما دار حولها، أن خالدًا سبى نساء القوم، أي أخذهنَّ رقيقًا غنيمة، كحكم الإِسلام في حرب الكفار والمشركين، واصطفى لنفسه من السبي امرأة مالك، والإِسلام يجيز ذلك، وأنهُ استبرأها بحيضة واحدة، ثم دخل بها، وهذا عمل مشروع جائز، لا مغمز فيه ولا مطعن، وأن أعداءه والمخالفين عليه رأوا في هذا العمل فرصتهم، فانتهزوا، وذهبوا يزعمون أن مالك بن نويرة مسلم، وأن خالد قتله من أجل امرأته، وذهبوا ينسجون حول هذا الأكاذيب، حتى بلغوا بذلك عمر، وكان سيئ الظن بخالد، ولم تكن بينهما مودة، يقول صاحب الأغاني (١٤: ٦٦): "فلما بلغ قتلهم عمر بن الخطاب تكلم فيه عند أبي بكر، وقال: عدو الله عدا على امرئ مسلم فقتله ثم نزا على امرأته" وأكثر عمر في ذلك على أبي بكر، حتى قال له: "هبه يا عمر تأول فأخطأ، فارفع لسانك عن خالد". وحمى أبو بكر قائده العظيم من الأراجيف، وقضى على الفتنة بأن أدى دية مالك، وكتب إلى خالد برد السبي (الطبري ٣: ٢٤٢) فهذا من أبي بكر سياسة واحتياط، فإن كان القوم قد تابوا ورجعوا إلى الإِسلام، كما يزعم خصوم خالد والمخالفون عليه، فالدية للقتل الخطأ، والسبي يرد على أهله، وإن تكن الأخرى لم يكن

стр. 244

بذلك بأس. وتجري بعض الروايات، بأن أبا بكر أمر خالدًا أن يفارق امرأة مالك (الإصابة ٦: ٣٦ - ٣٧)، ولكني لا أظنها رواية ثابتة، فإن أكثر الروايات على أن أبا بكر حين جاءه خالد واعتذر إليه، عذره "وتجاوز عنهُ ما كان في حربه تلك". (الطبري ٣: ٢٤٣، والأغاني ١٤: ٦٦) ويروي صاحب الخزانة عن رسالة أبي رياش (١: ٢٣٨): "وأخذ خالد بن الوليد ليلى بنت سنان امرأة مالك، وابنها جراد بن مالك فأقدمهما المدينة، ودخلها وقد غرز سهمين في عمامته فكأن عمر غضب حين رأى السهمين، فقام فأتى عليًّا فقال: إن في حق الله أن يقاد هذا بمالك، قتل رجلًا مسلمًا، ثم نزا على امرأته كما ينزو الحمار! ثم قاما فأتيا طلحة، فتتابعوا على ذلك، فقال أبو بكر: سيف سله الله لا أكون أول من أغمده، أكلُ أمره إلى الله. فلما قام عمر بالأمر، وفد عليه متمم فاستعداهُ على خالد، فقال: لا أرد شيئًا صنعه أبو بكر. فقال متمم: قد كنت تزعم أن لو كنت مكان أبي بكر أقدته به؟ فقال عمر: لو كنت ذلك اليوم بمكاني اليوم لفعلتُ، ولكني لا أرد شيئًا أمضاه أبو بكر. ورد عليه ليلى وابنها جرادًا". ومجموع هذه الروايات وغيرها مما لم نذكر، يدل على أن امرأة مالك كانت سبيًا، كغيرها من النساء اللائي غنمنَ في الحرب، وأن خالدًا أخذها هي وابنها ملك يمين، لم يتزوّجها بعد مقتل زوجها، كما يوهم ظاهر بعض الروايات. وحكم السبي والرقيق في الشريعة

стр. 245

معروف، يخالف حكم الزوجة؛ فالزوجة إذا توفي عنها زوجها لا يحلّ زواجها إلّا أن تنقضي عدتها؛ إن كانت حاملًا بوضع حملها، وإن كانت غير حامل تربصت أربعة أشهر وعشرة أيام، لا يجوز غير ذلك. فإذا عقد عليها في حملها أو قبل انقضاء الأربعة الأشهر والعشرة الأيام كان العقد باطلًا، وكان قربانها سفاحًا حرامًا. وأما السبي والرقيق فإنه يحل ملكها ملك يمين وإن كانت حاملًا؛ لأنه لا عدة عليها إذا سُبيت، وإنما يحرم حرمة قطعيةً أن يقربها مالكها إن كانت حاملًا قبل أن تضع حملها، وإن كانت غير حامل حتى تحيض حيضة واحدة. هذه أحكام بديهية في الشريعة، لا يعذر أحد بجهلها، فلا أدري كيف خفيت على المؤلف العلامة الكبير، حتى جزم في غير تردد ولا احتياط بأن خالدًا تزوَّج امرأة مالك، وأنه "نزا عليها قبل انقضاء عدتها"! ! ولست أتجنى عليه أو أحمل كلامه على محمل سيئ، بل حاولت أن أحمله على أحسن محامله؛ لأنزهه عن هذا الذي قال، فلم أستطع. وهاكم نص كلامه في هذا الخلاف بين أبي بكر وعمر، ثم الاعتذار عن خالد، قال في (ص ١٥١) ما نصه بالحرف: "الرأي عندي في هذا الخلاف أنه كان اختلافًا في السياسة التي يجب أن تُتَّبع في هذا الموقف، وهو اختلاف يتفق وطبائع الرجلين. أما عمر، وكان مثال العدل الصارم، فكان يرى أن خالدًا عدا على

стр. 246

امرئٍ مسلم ونزا على امرأته قبل انقضاء عدتها، فلا يصح بقاؤه في قيادة الجيش، حتى لا يعود لمثلها فيفسد أمر المسلمين، ويسيء إلى مكانتهم بين العرب، ولا يصح أن يترك بغير عقاب على ما أثِمَ مع ليلى، ولو صح أن تأول فأخطأ في أمر مالك، وهذا ما لا يجيزه عمر، فحسبه ما صنع مع زوجته ليقام عليه الحدّ. وليس ينهض عذرًا له أنه سيف الله، وأنه القائد الذي يسير النصر في ركابه، فلو أن مثل هذا العذر نهض لأبيحت لخالد وأمثاله المحارم، ولكان ذلك أسوأ مثل يضرب للمسلمين في احترام كتاب الله؛ لذلك لم يفتأ عمر يُعيد على أبي بكر ويلحَّ حتى استدعى خالدًا وعنّفه على فعلته، أما أبو بكر فكان يرى الموقف أخطر من أن يقام فيه لمثل هذه الأمور وزن، وما قَتْلُ رجل أو طائفة من الرجال لخطأ في التأويل أو لغير خطأ، والخطر محيق بالدولة كلها، والثورة ناشبة في بلاد العرب من أقصاها إلى أقصاها، وهذا القائد الذي يُتَّهم بأنه أخطأ من أعظم القوى التي يُدفع بها البلاء ويُتقى بها الخطر! وما التزوج من امرأة على اختلاف تقاليد العرب، بل ما الدخول بها قبل أن يتم طهرها، إذا وقع من فاتح غزا فحقَّ له بحكم الغزو أن تكون له سَبَايا يصبحن ملك يمينه! ! إن التزمُّت في تطبيق التشريع لا يجب أن يتناول النوابغ والعظماء من أمثال خالد، وبخاصة إذا كان ذلك يضر بالدولة أو يعرضها للخطر"! ولقد ترون ما أرى، أن هذا المؤلف لبس رداءَ المحامي النابه وأخذ بقلم المكاتب الحزبي القدير، وهما صناعتاه المفضلتان،

стр. 247

اللتان مارسهما طول حياته حتى بلغتا به ما بلغ، وهما اللتان تحملان صاحبهما - عن غير قصدٍ - على أن ينظر للأمر من ناحية واحدة، فيبالغ فيها حتى يبلغ الغاية في القوة، حتى إذا ما أراد أن ينظر إليه من الناحية الأخرى غلبته ناحيته الأولى حتى يبلغ الغاية في الضعف! ! فلا يكاد يصل إلى تحقيق، ثم يضطرب في يده ميزان العدل. وهكذا كان شأنه هنا، اتّجه به تحقيقه عن غير قصدٍ إلى أنَّ عملَ خالد جريمة، فصورَّها أقوى تصوير، وخفي عليه الفرقُ بين الزواج والسبي، وخفي عليه الفرق بين العدَّة والاستبراء، وخفي عليه حكم الإسلام فيمن تزوج امرأةً في عدَّتها، أو قارب ثيبًا من الرقيق قبل أن يستبرئها، وخفي عليه بعد ذلك كثير من مقاصد الإسلام وأحكامه، ومن خُلُق المسلمين الأولين وسيرهم، فذهب يجزم بأن خالدًا "عدا على امرئ مسلم، ونزا على امرأته قبل انقضاء عدتها" ينسب ذلك إلى عمر، لا يشك فيه ويجزم بأن الذي كان من خالد زواج ثم دخول قبل انقضاء العدة، ثم يصوّر أثر ذلك في قيادة الجيش وفي مكانة المسلمين بين العرب، ثم يرى رأي عمر أن الحدّ على خالد واجب. فلما أن أراد أن يدافع عن خالد، ويبرّر فعل أبي بكر في التجاوز عنه، تخاذل ثم تخاذل حتى جثا على ركبتيه فلم يصنع شيئًا، إلَّا أن أتى بما لا يقره شرع ولا عدل، لا في دين الإسلام ولا في سائر الأديان، فقد أتى بما لم يأت به الأوائل! ! وسأزيد الأمر بيانًا حتى لا يخفى على من لا يعرف شيئًا من

стр. 248

أحكام الإسلام، فقتل المرء المسلم عمدًا جريمة من أكبر الكبائر، يجب فيها القصاص، لا يملك أحد العفو عنه إلَّا وليّ الدم من عصبة القتيل وحده، لا يملكه خليفة ولا ملك ولا دولة، وتزوج المرأة في عدة زوجها بعد موت أو طلاق، زواج باطل لا أثر له، وقربان المرأة بسببه زنًا ليس فيه شبهة، ويجب فيه الحدّ، الرجم على المحصن والجلد على غيره، لا يملك أحد أبدًا العفو عنه، لا صاحب العرض، ولا المرأة، ولا الدولة، لا أحد قط، وكذلك حكم قربان الأمة المسبية في الحرب إذا كانت ثيبًا قبل استبرائها بحيضة واحدة. ثمَّ هذه المحرمات القطعية البديهية التحريم إذا وقع فيها أحد إنما يجب عليه ما يجب فيها من الحد أو القصاص، إذا كان لا ينكر أنها حرام، أما إذا أنكر أنها حرام واستحلها فإن حكمه في الشريعة أن يكون مرتدًّا خارجًا عن الإسلام، وحكم المرتد معروف، وكذلك يجري حكم الردة على من عرف وقوع ذلك وأقره ورآه أمرًا هينًا لا إثم فيه، أو فيه إثم قليل؛ لأنه ينكر أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة. ثم هذا الدين في عهد أبي بكر وعمر، كان دينًا فقط، لم تشبه شائبة السياسة، ولا شائبة الدنيا والغرور بها، وكان هؤلاء الناس إنما قاموا يقاتلون في سبيل الله، يقاتلون لتكون كلمة الله هي العليا، يقاتلون لترسخ قواعد الإسلام وأخلاقه وآدابه في العرب أولًا، ثمَّ في سائر الأمم من بعد. فإذا بدؤوا في أول أمرهم - كما يصوّرهم المؤلف - بالتهاون في أدق شيء عند العربي، وهو العرض وما يمس

стр. 249

النساء، وفي كبيرتين من أكبر الكبائر، القتل والزنا، فأنّى يستقيم لهم الدين، وأنّى يرجون من الله النصر؟ ثم ممن يكون هذا التهاون؟ من أبي بكر؟ حتى يرميه المؤلف بأنه "كان يرى الموقف أخطر من أن يقام فيه لمثل هذه الأمور وزن" وأنه "ما التزوج من امرأة على خلاف تقاليد العرب بل ما الدخول بها قبل أن يتم طهرها"! ! أتظنون أيها الناس أن يستطيع رجل من عامة المسلمين، فضلًا عن أصحاب رسول الله، فضلًا عن أبي بكر، أن يرى هذا الرأي، ثم يزعم أنهُ مسلم، أو يزعمَ له أحد أنهُ مسلم؟ ! أبو بكر يقول لعمر: "هبهُ يا عمر تأوَّل فأخطأ، فارفع لسانك عن خالد". وهذا هو الحق، وتأول خالد واضح لمن فهم شرائع الإسلام وحقائقه، أيقن من ردة مالك بن نويرة، ولم يوقن من توبته إلَّا بما شهد له ناس أنهم سمعوا الأذان في ناحيته، وإلاَّ قوله لخالد في بعض الروايات أنهُ مسلم، ولم يشهد أحد لمالك أنهُ أقرَّ بالزكاة، ولم يقل هو ذلك أيضًا، بل قال لخالد: "إني آتي الصلاة دون الزكاة". ثم تفلت منهُ بعض كلمات تنبئ عن إصراره، فلا يرى خالد مناصًا من قتله، فتكون نساؤه سبيًا بحكم الشريعة، ثم نجد أخاه متمم بن نويرة لا يكاد يرثيه بكلمة تنبئ عن إسلامه، بل يدّعي غدر خالد وغدر ضرار، ويصرح بالفرق بين استشهاد زيد أخي عمر ومقتل مالك أخيه. أفلا يكون في كل هذا عذر ومتأوَّل لخالد؟ ! ثم بعد هذا كله تبقى ليلى وابنها في يد خالد ملك يمين، مدة

стр. 250

خلافة أبي بكر، وبعض خلافة عمر، حتى يأتي متمم بن نويرة فيستعدي عمر على خالد، وقد صار الخليفة وولي الأمر، فلا يعديه عمر، ويأبى أن يغير حكم أبي بكر، ولكنهُ يرضيه بأن يردّ عليه امرأة أخيه وابنها. ولسنا نفهم هذا الردّ إلَّا بأن عمر طلب إلى خالد أن ينزل عنهما، وهما ملك يمينه، فيرضى ولا يأبى، استجابةً لرغبة عمر، لا طاعة لحكمه، فليس في سلطان أمير المؤمنين أن يأخذ أموال الناس كرهًا، ولم يكن ذلك من عملهم ولا من خلقهم. أفيظن ظانٌّ أن الصدر الأول من أصحاب رسول الله كانوا يقرُّون خالدًا على استبقاء ليلى امرأة مالك وهم يعلمون أنها تعاشره بعقد باطل حرام، كما يصور المؤلف زواجه إياها قبل تمام طهرها! اللهمَّ غفرًا. لشدّ ما أخشى أن يكون المؤلف تأثر بما قرأ من أخبار نابليون وغيره من ملوك أوربة في مباذلهم وإسفافهم، وبما كتب الكاتبون من الإفرنج في الاعتذار عنهم، لتخفيف آثامهم بما كان لهم من عظمة، وبما أسدوا إلى أممهم من فتوح وأيادٍ، حتى يظن بالمسلمين الأولين أنهم أمثال هؤلاء فيقول: "إن التزمُّت في تطبيق التشريع لا يجب أن يتناول النوابغ والعلماء من أمثال خالد"! ! ! وهذا قول يهدم كلَّ دِين وكلَّ خلق. إن هذه النظرية، نظرية تبرير الجرائم والمنكرات، بعظمة العظماء، ونبوغ النوابغ وارتفاع الزعماء، وآثار القادة والكبراء، نظرية خطيرة، لا تقوم معها للأمم قائمة تنحدر بها إلى مهاوي
следующие страницы →