المذاهب الإسلامية في تفسير القرآن (*)
تأليف جولد تسيهر (١)
يعرض المستشرقون لعلوم الإسلام وتاريخ الإسلام عرضًا علميًّا في بعض أحيانهم، وعرضًا كله غرض في بعض أحيانهم.
ولقد كان المسلمون - ولا يزالون - في حاجة إلى معرفة آراء هؤلاء، سواء منها ما كان رأيًا عن معرفة وثبت وإنصاف، وما كان عن هوى وغرض، حتى يدركوا مقاصد القوم ونياتهم نحوهم ونحو بلادهم، فما أُتي المسلمون في القرنين الماضيين إلَّا من جهلهم ما يضمر بعض أولئك القوم لهم وما يقولون فيهم.
وكنا - نحن الأزهريين في هذا العصر - نجتهد بكل وسيلة نستطيع، أن نتعرف آراء أولئك في تاريخنا وعلومنا، ونقرأ كل ما يترجم عنهم في الكتب والصحف والمجلات، ونتصل بمن عرفوا اللغات الأجنبية وبمن تعلموا في أوربة من المصريين، ونقتني آثارنا النفيسة التي ينشرها المستشرقون، نستطلع بذلك كله الأخبار والآراء، ثم بُعثت بعض البعوث منا إلى أوربة للدرس والمعرفة والتنقيب، وعاد بعض من بعث، فتوقعنا أن يقوموا ببعض هذا
стр. 177
الواجب، واجب تعريفنا تعريفًا علميًّا بآراء علماء أوربة فيما عرضوا له من دقائق العلم الإسلامي، فلم يفعلوا، ولا نزال نتوقع أن يفعلوا، ولعل لهم من أحداث هذه الحرب بعض العذر، فقد كان أثرها شديدًا على الورق والطبع والنشر.
ولكن أخانا علي حسن عبد القادر لم تقف دونه العقبات فيما يستطيع، فأخرج لنا هذا الكتاب في هذا العام، ونحن على ثقة أنْ سيتبعُه كتبًا أخرى، ولعل في نشاطه وعمله هذا ما يحفز إخوانه على أن يقوموا بحركة مباركة في الترجمة والنشر، قيامًا ببعض الواجب عليهم نحو أزهرِهم.
وقد اختار المترجم هذا الكتاب؛ لأنه "لشيخ من شيوخ المستشرقين (وهو مجري) معروف بطول الباع معرفة مستفيضة، وقد كان هذا الكتاب آخر كتاب له، ملأه بتجاربه في البحوث الإسلامية ... حتى إنَّه ليعدُّ كافيًا لتعرف آراء المستشرقين، ومصادرهم ومؤلفاتهم، وزبدة ما يمكن أن يعرضوا له من نقد وتقدير في هذا الصدد".
وفي هذا الكتاب من الخطأ ما يحتاج من أجله إلى درس كل مسألة من مسائله درسًا دقيقًا وافيًا، حتى لا يغتر قارئه بظاهر القول؛ فيقع فيما وقع فيه المؤلف، ولعلنا نوفق إلى صنع ذلك في إحدى المجلات الخاصة بمثل هذه الأبحاث أو في كتاب خاص، بعون الله وتوفيقه.
ولم يكن المجال واسعًا في ترجمة الكتاب أن يتعقب الأستاذ
стр. 178
المترجم مسائله تفصيلًا، ولكنه تعقبه إجمالًا في عشر صفحات ألحقها بآخر الكتاب، أجاد فيها جدًّا قال: "إن نظرة عابرة في هذا الكتاب تجعل القارئ لأول وهلة يقف موقف الحائر المتردد في الحكم عليه: فبينما نرى فيه اطلاعًا واسعًا في الكتب الإسلامية، وفكرة طريفة في عرض الموضوع عرضًا علميًّا، نجد في الوقت نفسه أن المؤلف قد تخلى عنه قلم العالم النزيه في نقد المسائل نقدًا سليمًا ... ولعل هذه الفرصة في عرض هذا الكتاب تبين للناس بعض ذلك، حتى يقفوا موقف الحيطة والحذر إزاء ما يقرؤون (للمستشرقين)، وموقف الريبة لهم، حتى يتبينوا، ويعرضوا ذلك على مصادره الأصلية" ص ١٧٤.
والذي نراه نحن فوق هذا أن الهوى قد يغلب حتى يضع المؤلف موضع الشك في أمانته في اختيار ما ينقل.
فقد عرض المؤلف - مثلًا - لأول سورة الروم ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾. فالذكر المعروف في القراءة والتفسير والسير والتاريخ: أن الفرس انتصروا على الروم، ففرح المشركون بهزيمة النصارى أهل الكتاب، وحزن المسلمون، وأن الآية بشرتهم بنصر الروم على الفرس في بضع سنين. ولكن المؤلف لا يرضيه أن يسير على الجادة الواضحة، ويريد
стр. 179
أن يتبع طريق التشكيك في قراءات القرآن فيقول ص ١٩: "ولكن قراءة هذه الآية على هذا الشكل (١) لم يتفق عليها عند جميع القراء فقد قرأها أكثرهم: (غَلَبَتْ) (٢) ... وأن ذلك يتعلق بانتصار الروم على بعض القبائل العربية بالشام وأصحاب هذه القراءة يذكرون أن فيها تنبؤًا للنبي بما حصل بعد تسع سنين بعد هذا الوحي من انتصار المسلمين على البيزنطيين. ونحن نرى أن القراءتين متناقضتان في المعنى، فالغالبون في القراءة المشهورة هم المغلوبون في القراءة الأخرى، ومتعلق الفعل في قراءة على الفاعلية، وفي أخرى على المفعولية".
وهذا الذي حكاه غير صحيح، أعني؛ ادعاءه أن أكثر القراء قرؤوها (غَلَبَتْ) بالبناء للفاعل، و (سَيُغْلَبونَ) بالبناء للمفعول، وليس هذا عن سهو منه أو قصور في البحث، فإن اطلاعه واسع جدًّا على كتب التفسير والقراءات، كما يبدو من كتابه، وإنما قصد إلى غير الصحيح.
وذلك أن كل القراء السبعة ورواتهم، وسائر القراء العشرة، وسائر القراء الأربعة عشر لم يقرؤوها إلا ﴿غُلِبَتِ﴾ بالبناء للمفعول، و ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ بالبناء للفاعل، قولًا واحدًا وقراءة واحدة، والقراءة
стр. 180
الأخرى التي نسبها إلى أكثر القراء قراءة شاذة جدًّا نقلها ابن خالويه في كتاب "القراءات الشاذة" الذي نشرته جمعية المستشرقين الألمانية بتصحيح المستشرق برجشتراسر سنة ١٩٣٤ ص ١١٦، ونسبها للنبي ﷺ وعلي بن أبي طالب وابن عمر، وهذه نسبة ضعيفة لم تثبت بإسناد صحيح ولا ضعيف عن النبي ﷺ ولم يروها أحد من أهل الحديث. نعم، روى الترمذي في سننه بإسناده عن أبي سعيد ما يشبه هذا، وحكى عن شيخه نصر بن علي الجهضمي أنه كان يقرؤها (غَلَبَتْ) بفتح الغين، ولكن إسناد حديثه ضعيف جدًّا، وأخطأ الترمذي فحكم بأنه حديث حسن (انظر: الترمذي ج ٢ ص ١٥٤، ٢٠٦ طبعة بولاق، وشرح المباركفوري على الترمذي ج ٤ ص ٥٩ - ٦٠، ١٦٠ طبع الهند). وقد رد على الترمذي وبيّن أن الحديث ضعيف.
وروى ابن جرير الطبري في التفسير ج ٢١ ص ١١ من طريق "الحسن الجفري عن سليط" أنه سمع ابن عمر يقرأ ذلك، وهذا إسناد ضعيف جدًّا، الحسن بن أبي جعفر الجفري ضعيف منكر الحديث، وشيخه سليط مجهول، فمثل هذا الإسناد لا تثبت به قراءة ولا كرامة، ثم بين الطبري الصحيح من القراءة فقال: "والصواب من القراءة في ذلك عندنا، الذي لا يجوز غيره ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾. بضم الغين؛ لإجماع الحجة من القراء عليه".
لا نظن بعد هذا أن مؤلف الكتاب أخطأ فيما حكى، إنما الواضح الذي لا نشك فيه أنه علم الصحيح وعدل عنه ونقل غيره
стр. 181
عارفًا أن القراء أجمعوا تقريبًا على القراءة المعروفة، ثم نسب القراءة الشاذة المنكرة إلى أكثرهم.
وبعد: فإن في الكتاب حافزًا إلى البحث والتوسع، بما يضمه من نقول وآراء لم ينشر من مثلها في العربية كثير، ويجدر بالعلماء أن يعنوا به وبأمثاله ليستفيدوا طرق البحث والنقد، بما يرسم من المناهج، ثم ليعرفوا ما يقال من حق ومن باطل، وليروا ما يثار من شُبه وشكوك، يجب عليهم أن يدفعوها، وفاءً بميثاقهم، وأداءً لأمانتهم.
* * *
стр. 182
ثمار المقاصد في ذكر المساجد (*) ليوسف بن عبد الهادي (١)
قصد المؤلف إلى ذكر المساجد التي عرفت في عصره (القرن التاسع الهجري) في دمشق وما قرب منها، أحصاها إحصاءً جيّدًا، وأرخها تأريخًا مختصرًا، ثم ختم الكتاب بفصول في أحكام المساجد، ما يجوز فيها وما لا يجوز، وآداب دخولها وآداب المكوث فيها، إلى نحو ذلك مما عرف في كتب الفقه.
والكتاب تحفة طريفة من آثار علماء الشأم الأعلام، مؤلفه نِدُّ السيوطي وشبهه وعصريّه، كلاهما عالم واسع الاطلاع، مؤلف مكثر، يخوض في كل علم، ويؤلف في كل فنّ. ابن عبد الهادي مات سنة ٩٠٩، والسيوطي مات سنة ٩١١، وأكثر مؤلفاتهما جمع أو تلخيص، وكلاهما أنتج كثيرًا، ولكن السيوطي أشيع ذكرًا، وأبعد صيتًا بما نشر من مؤلفاته.
وميزة هذا الكتاب أنه ابتكار جميل، لم يسبق إليه المؤلف فيما نعلم. وكم تمنينا على وزارة الأوقاف المصرية أن تصنع مثل هذا
стр. 183
الصنيع، تحصي مساجد المملكة المصرية في كتاب مستوعب يذكر فيه تاريخها مفصلًا، وأماكنها مبينة محدودة، وقد بلغني أخيرًا أنهم فكروا في ذلك واتجهوا إلى تحقيقه، ولعلهم فاعلون إن شاء الله.
وأما إخراج الكتاب فقد أوفى فيه الدكتور أسعد على الغاية، إتقان مع أناقة، في تحقيق علميّ تاريخيّ دقيق، زيَّن حواشيه بنفائس من نتاج بحثه في مصادر التاريخ وغيرها، ومن آرائه ودراساته ومشاهداته، ونحن نقدِّر ما لقي من صعوبات في إخراج الكتاب؛ فإنه نشره عن نسخة وحيدة من مخطوطات دار الكتب الظاهرية بدمشق وهي بخط المؤلف، وخطه من الخطوط التي تصعب قراءتها إلَّا على الخبراء الذين مارسوا مثل هذه الخطوط، بل هو جديرٌ بأن يوصف بما وصفه به الدكتور أسعد أنه "رديء الكتابة"، وقد أظهرنا على مثال منه بتصوير الصفحتين الأخيرتين من الكتاب.
وكلمة الدكتور أسعد في أواخر مقدمته تصور بعض ما لقي من صعوبة، وما بذل من جهد: "والنسخة التي نقدمها اليوم لقراء العربية نسخة وحيدة في مكاتب العالم، رأيتها منذ سنوات فأعجبتني وعزمت على نشرها، وأخذت أفتش عن مصادر أستعين بها في عملي هذا فلم أهتد إلى شيءٍ سوى تاريخ ابن عساكر، وتنبيه الطالب وإرشاد الدارس للنعيمي وبعض مختصراته، ومنادمة الأطلال لبدران، وخطط الشام لكرد علي، فقرأت هذه المصادر كلها قراءة أعانتني على اكتشاف بعض الأسماء والأمكنة، وما اكتشاف هذه الأمكنة بالأمر
стр. 184
السهل؛ فإن للبلاد والأرض انقلابًا وتطورًا عجيبًا كما للإنسان - على رأي ابن خلدون - والله وحده يعلم كم كانت مهمتي عسيرة، وما أقول: إني بلغت فيه الغاية. ولكنني بذلت الجهد، واستعنت بالمصادر من شرقية وغربية، وسألت العلماء وهم جد قليلين في هذا الباب، فكان لي من ذلك بعض العون".
وقد وضع للكتاب ذيلًا، وهو حافل نفيس؛ إذ أحصى فيه مساجد دمشق الموجودة إلى نهاية سنة ١٣٦١، وقد زارها مسجدًا مسجدًا، وهي أكثر من ثلاثمائة مسجد، وصفها وصفًا كاشفًا، وحاول تعيين تاريخها مما وجد في نصوص المصادر التاريخية، ومما قرأ على جدرانها من كتابات ونقوش، ومن طرز البناء وأساليب عمرانه، وذكر من النقوش والكتابات ما لم يكن منشورًا في كتاب فرنسي سماه، وليته استوعب ذكر النقوش والكتابات في هذا السفر القيم؛ ليكون عمله تامًّا وافيًا، ولأنه ليس من المفروض على الباحثين والمنقبين من الأمم العربية أن يعرفوا اللغة الفرنسية، أو أن يستوعبوا قراءة ما كتب بها في علومهم وآثارهم ومفاخر بلادهم.
وقدَّم الدكتور أسعد الكتاب بمقدمة جيدة، ترجم فيها مؤلفه ترجمة وافية، وأحصى مؤلفاته الباقية في دار الكتب الظاهرية، وعرَّفها للقارئ تعريفًا كافيًا.
وصنع للكتاب فهارس متقنة، للبقاع والمساجد والأعلام، وختم الكتاب بمصور جغرافي "خريطة" ذكر فيها المساجد الموجودة
стр. 185
بدمشق، قسّمها إلى مربعات صغيرة رمز لها بحروف وأرقام، وذكر هذه الحروف والأرقام عقب الكلام على كل مسجد؛ ليسهل على القارئ تعيين موضع المسجد في "الخريطة".
ولكننا لاحظنا أن "الخريطة" موضوعة في الأصل باللغة الفرنسية؛ وأنها صنعت بين سنتي ١٩٣٠ و ١٩٣٤، فهي على أكثر تقدير تنتهي في سنة ١٣٥٣ هـ، وقد صرح المؤلف أنه أحصى مساجد دمشق إلى سنة ١٣٦١ هـ.
وقد علمنا أن هذا العمل الجليل قد توِّج بقرار نبيل من المجمع العلمي العربي بدمشق تنفيذًا للمادة ٤٨ من النظام الداخلي للمجمع، وهي تنص: "أن المجمع يوزع سنويًّا ثلاث جوائز نقدية على ثلاثة مؤلفين سوريين صنفوا أو ترجموا كتبًا قيمة، وعلى ذلك منح المجمع الدكتور أسعد طلس إحدى الجوائز الثلاث لسنة ١٩٤٤؛ لإجادته في نشر هذا الكتاب".
وهذا القرار النبيل وسامٌ أدبيّ ناله المحقق عن جدارة، وشهادة وضعت موضعها، ليس تقديرها بما فيها من جائزة مادية، بل بصدورها عن رجال هم من أساطين العلم.
* * *
стр. 186
لمحة من سيرة الملك عبد العزيز (*)
تأليف السيد محيي الدين رضا (١)
من شهرين في صفر سنة ١٣٦٥ (يناير سنة ١٩٤٦) استقبلت مصر سيد الجزيرة الملك عبد العزيز آل سعود، وبذلت ما تستطيع من جهد في الحفاوة بالضيف الكريم، فرحة مسرورة بمقدمه، وبما ينطوي تحته من معان قومية سامية، وكان لكتابها وأدبائها وشعرائها وصحافييها القدح المعلى في الإشادة بفضل أسد الجزيرة ومناقبه.
وهذا الكتاب أثر من آثار هذه الزيارة المباركة، أجمل فيه المؤلف سيرة الملك العظيم، ونوه بمواهبه ومناقبه، وبما يلقى الحجاج إلى بيت الله الحرام من أمن شامل وطمأنينة نادرة، بعد أن كان الحجاز دار خوف ووجل، وكان الحاجّ لا يأمن على نفسه ولا ماله، حتى جاء عبد العزيز، فصار مضرب المثل في الأمن، وتحدث عن حزم الملك وشدة بأسه في القضاء على المفاسد الخلقية، وهي العلة الأولى التي كانت سببًا في ضعف شأن العرب، وعن اهتمام جلالته بإنجاح بعض الزراعات المصرية في نجد والحجاز، والعمل على توفير المياه لها، ثم وصف رحلة الضيف العظيم إلى مصر في
стр. 187
المرة الأولى، حين جاء بصفة غير رسمية، فقابل صاحب الجلالة الملك فاروق، والمستر رزفلت الرئيس السابق للولايات المتحدة، والمستر شرشل الرئيس السابق للوزارة الإنكليزية.
ثم أشاد بما يولي جلالة الملك عبد العزيز من عناية بالغة بفلسطين، وأثبت في الكتاب النص الرسمي لكتاب جلالته إلى المستر رزفلت في شأنها، وإجابة الرئيس رزفلت، وهما مستندان رسميان لهما قيمتهما في هذا الموضوع الخطير.
ووصف المؤلف أول مقابلة تشرف فيها بالمثول بين يدي جلالته، ثم فصل مسألة اللاجئ السياسي "رشيد عالي الكيلاني"، ثم عرض لما يكنه جلالته من الحب والود لبلاد العروبة عامة، ولجلالة الملك فاروق خاصة.
وختم الكتاب بالحديث عن الجيش السعودي، وعن صاحب السمو الأمير فيصل نائب جلالة الملك في الحجاز، وعن صاحب السمو الأمير منصور، ثم عن بعض رجال الدولة السعودية الكبار، الذين لهم أثر جميل في نهضة هذه المملكة، التي يتمنى لها العرب جميعًا كل خير وسعادة.
* * *
стр. 188
نقد الكتب والمقالات
١ - أي نعم في التأني السلامة
٢ - "كلمة" في الرد على العقاد
٣ - تفسير المنار
٤ - ديوان أبي فراس الحمداني تحقيق سامي الدهان
٥ - الفتح المبين في طبقات الأصولين تأليف عبد الله المراغي
٦ - نِحَل عبر النَّحْلِ للمقريزي تحقيق جمال الدين الشيال
٧ - مقتل مالك بن نويرة وموقف خالد بن الوليد د. محمد هيكل
٨ - الفاروق عمر د. محمد هيكل (١)، (٢)
٩ - أسامة بن منقذ تأليف محمد أحمد حسين
١٠ - الخطيب البغدادي تأليف يوسف العش
١١ - دراسات عن مقدمة ابن خلدون
١٢ - عصر النبي ﷺ وبيئته قبل البعثة
١٣ - فقه القرآن والسنة والقصاص محمود شلتوت
١٤ - استدراك على مقال
١٥ - تحقيق سن عائشة
١٦ - صَدَى النقد
١٧ - تصحيح القاموس
١٨ - ابن محيصن
стр. 189
أي نعم: في التأني السلامة (*)
بهذا العنوان نشرت جريدة (الوفد المصري) مقالًا للأستاذ المحدث الشيخ أحمد محمد شاكر يرد على كلمة الأستاذ العقاد التي نشرها في مجلة الرسالة بعنوان (في التأني السلامة) ردًا - زعم - على نقد الأستاذ الشيخ شاكر لكلمة جانبت الصواب، وتجافت عن الحق في موضع من مواضع كتابه (الصديقة بنت الصديق) وهذا النقد نشرناه في العدد الماضي من (الهدي النبوي) وها نحن أولاء نطرف القراء بهذا المقال القيم، حتى يعرفوا الفرق بين تهور الباطل، ورزانة الحق.
ولقد قدمت جريدة الوفد لهذا المقال العلمي النفيس بتقدمة بارعة جاء فيها:
(ونحن يسرنا أن ننشر هذا النقد القويم، ويسرنا أن يتصدى لذلك أستاذ محقق له علمه ورأيه مثل الأستاذ أحمد محمد شاكر؛ لأن المسألة ليست مسألة العقاد وما يكتب، بل ليست مسألة أشخاص الذين كتب عنهم في حدودهم الذاتية، ولكنها مسألة تاريخ حافل طويل، وما يتصل به من تشريع للناس، وقدوة يأخذون أنفسهم بها، وتحقيق فرغ له الثقات من العلماء والمحققين).
كتبتُ كلمة للأخ الأديب الأستاذ (قاف) نقدًا لخبر حكاه الكاتب الجريء، الأستاذ عباس العقاد في بعض كتبه، ونقدت طريقه وطريق
стр. 190
أمثاله، في الجرأة على السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي بالإثبات والنفي من غير دليل ولا حجة، إلا ما يرضي آراءهم. ونشر الأستاذ (قاف) كلمتي في العدد ٢٦٤ من الثقافة وعلق عليها برأيه فيما نقدت، فثارت ثائرة الكاتب الجريء وكتب مقالًا طويلًا في العدد ٥٥١ من الرسالة، يدعي فيه أن الحقد عليه هو دافعي إلى النقد، وأني تتبعت كتبه التي نشرها في العبقريات فلم أجد إلَّا هذه الغلطة الواحدة (وإن كان لا يسلِّم بأنها غلطة) ثم فخر فخرًا عجيبًا بما حكم على الروايات الصحيحة من الكذب أو الخطأ، في أن النبي ﷺ تزوج عائشة وهي بنت ستة سنين، وبنى بها وهي بنت تسع سنين، فَكذّب عائشة أو خطأها فيما حكت عن نفسها، مما ثبت عنها بالأسانيد الصحاح، التي ادعى أننا نجهل ما وراءها "من الزور الأثيم والبهتان المبين"، ثم ملأ مقاله بعد بما نعرض عنه، بل نعفو ونصفح، وأحب أن يعلم (الأستاذ عباس محمود العقاد) أن (أحمد محمد شاكر) لا يحمل في قلبه ضغنا ولا حقدًا على أحد من الناس، كائنًا من كان، صغر أو كبر، وأنه جرى على الطريقة التي نعيبها عليه وعلى أمثاله من الجرأة في الاستنباط من غير حجة ولا دليل؛ إذ ادعى أن كلمتي تشهد عليَّ وعلى طويتي وبواعث نقدي، وأن ما نقله منها كاف للدلالة على دخائل الصدور وكوامن النيات، فبهتني بما لا دليل عليه في شيء من كلمي، وبما ليس من سجيتي وخلقي، وسواء عليَّ بعد ذلك أرَضي أم سخط، آمن أم لم يؤمن، وإنما أنا رجل أكتب في العلم، وأجتهد في البحث لله وفي سبيل الله.
стр. 191
ومهما يقل أو يفعل فما هو بمستطيع أن يثير حفيظتي عليه أو أن يخرجني عن جبلتي، وعما رسمت لنفسي من حدود.
وليعلم - غير معلم - أن المطبعة العربية تخرج للقراء من الكتب والكتابة ما يعجز أسرع القارئين، وإنا نقرأ الكثير منه، إن لم يكن أكثره، وإنا لو شئنا أن ننقد مواضع النقد فيما نقرأ لنفد العمر قبل أن ينفد النقد، وإنا قرأنا ما كتب في العبقريات ولم نرض عنه كله، ولم نسخط عليه كله، وإنا رأينا له أغاليط، وأعاجيب، لعلنا لم ننشط إلى تتبعها عليه، وقد نفعل إن شاء الله. ولكنني أحب أن يثق بأن ما وصفته به إجمالًا عن خطته في البحث حق كله: أعجبه رأيي أو لم يعجبه.
وبعد؛ فسنعود إلى ما نحن بسبيله من البحث العلمي في القصة التي روى، والشعر الذي نسب إلى عروة وإلى المصدر الذي أشار إليه في رده؛ ليعرف مبلغ ما في قوله وروايته من قوة وضعف، ومن صحة وبطلان، ولنظهر على ما في كتبه من طرق البحث والتحري والتوثق، حتى يقدرها الناس قدرها.
فقد روى الكاتب الجريء هذه القصة ثلاثة مرات، نحكيها عنه بلفظها أولًا، ثم نذكر المصدر الذي أشار إليه، ثم ما رأينا في مصادر أُخر.
قال في كتاب (عبقرية الصديق) ص ٢٠٩ - ٢١٠ ما نصه بغلطه:
(فمن ذلك أنه كان ﵇ يصلح نعله في يوم قائظ، فتندى جبينه، وتحدر العرق على خده، وهي تلحظه من قريب، وكان بها وجدًا عليه، فسألها: "ماذا دهاك؟ " فقالت: لو رآك الشاعر
стр. 192
لكنت المعنيّ بقوله يا رسول الله. فعاد يسألها: "أي قوله؟ "
فأجابت: حين يقول:
فلو سمعوا في مصر أوصاف خده ... لما بذلوا في سور يوسف من نقد
لوامى زليخا لو رأين جبينه ... لآثرن بالقطع القلوب على الأيدي
فقام النبي إليها يقبل ما بين عينيها ويقول لها: "سررتني يا عائشة سرك الله".
وأعترف للأستاذ العقاد وللقارئين الكرام أني قرأتها في ذلك الكتاب عقيب صدوره، فلم ألق لنقدها بالًا وإن وقع في نفسي إذ ذاك أنها تشبه ما نقرأ من الأحاديث الموضوعة، بما يدركه عقل رجل اشتغل بعلوم الحديث أكثر من ثلاثين سنة، وصارت له فيها فطرة خاصة، وملكة غالبة، يفقهها أهل العلم.
ثم رأيته أعادها بشكل آخر في كتابه (الصديقة) ص ٥٢ - ٥٣ فقال:
(وكانت - يعني عائشة - تحفظ من شعر عروة بن الزبير نفسه، وتسوق الشاهد منه في موقعه، كما قالت وهي ترى النبي ﵇ تندى عرقًا في يوم قائظ، وقد جلس يصلح نعله: لو رآك عروة لكنت المعنيَّ بقوله: (وذكر البيتين) ولكنه ذكر في الأول كلمة (سوم) على الصواب بدل كلمة (سور) التي هي خطأ مطبعي واضح، وذكر في البيت الثاني كلمة (لواحي) بدل (لوامى)، ولست أدري أيتهما في روايته أصل، وأيتهما تحريف، ثم عاد إليها في الكتاب
стр. 193
نفسه ص ٧١ فقال: (وتقدم أنها رأته في يوم قائظ وقد توهج خده، فقالت تتمثل بكلام عروة بن الزبير) وأعاد البيتين. فحين قرأت هذا مع ذكر عروة لفت نظري الخطأ الواضح البديهي، إذ لا يجهل أحد ممن يعرف رواة الحديث أن عروة بن الزبير من التابعين، وليس من الصحابة، فمن المحال عقلًا أن يكون له شعر في حياة رسول الله تنشده إياه عائشة إذ لم يكن وجد بعد، سواء أصحت نسبة الشعر إليه أم بطلت، فبحثت وحققت ثم كتبت نقدي.
وأعترف للأستاذ العقاد مرة أخرى أني لم أُراجع (شرح الشمائل للعلامة محمد بن قاسم جسوس) حينذاك؛ لأني أسقطته من حسابي دائمًا في المراجعة، وأعرف قيمته العلمية، ولكني راجعت فيما راجعت (شرح الشمائل) للعالم المحدث الحقيقي العلامة (ملا علي القاري).
ولرجوعي إلى هذا المصدر الذي طار به الأستاذ فرحًا قصة صغيرة: ففي يوم الجمعة ٢١ يناير ١٩٤٤ زارني الأخ محمد أفندي فؤاد عبد الباقي، وفيما جرى بيننا من الحديث سألني عن شروح (سنن الترمذي)، فذكرت له ما حضرني منها: شرح ابن سيد الناس الذي أتمه العراقي، ولم يطبع، وشرح القاضي أبي بكر بن العربي، وقد طبع بمصر، وشرح العلامة المباركفوري، وقد طبع بالهند - وهما عندي ومن مراجعي والحمد لله - ثم شرحي أنا على قسم منه، وقد طبع منه جزآن يعرفهما الأخ محمد أفندي فؤاد، فأعاد إليَّ القول؛ أنه سُئل عن شرح آخر معين اسمه (الجاسوس)، فضحكت
стр. 194
وفهمت ما يريد، وأخبرته أنه لا يسمى (الجاسوس) وإنما هو (جسوس)، وأنه ليس شرحًا على سنن الترمذي، وإنما هو شرح على (شمائل الترمذي)، ثم فهمت منه أنه سئل عن هذا الكتاب من أجل الأستاذ العقاد، فظننت أنه لعله رأى القصة فيه ونقلها منه، وأنه إن أخطأ فإنما أخطأ في ذكر (عروة بن الزبير) فيها؛ لأنه محال أن يذكره على هذا الوجه رجل يعرف الحديث، أو التاريخ، مهما يكن مبلغه من العلم، ثم أحضرت له الكتاب فوجدنا النص الذي يشير إليه الكاتب الجريء، فوجدنا في (ج ١ ص ٢٩) النص الذي سأكتبه، فأسفت حين قرأته، خشية أن يذكره الأستاذ العقاد فيقيم حجة أخرى على أنه يعجل ولا يتأنى، وأنا أثق أن الأستاذ خُدع به على لسان غيره، وأنه لم يقرأه حين كتب مقاله يحجني ويسبني، وينفي عن نفسه الاختراع والاعتماد على كتب الأسمار، وأنا لم أتهمه بالاختراع بل نفيته عنه، ولكنني ظننتُ أنه أخذ من كتب السمر. وهذا نص ما ذكر في شرح (سيدي محمد بن قاسم جسوس على شمائل الترمذي)، لم أزد فيه حرفًا ولم أُنقص منه حرفًا:
(ومما ينسب لعائشة ﵂:
فلو سمعوا في مصر أوصاف خده ... لما بذلوا في سوم يوسف من نقد
وصحب زليخا لو رأين جبينه ... لآثرن بالقطع الفؤاد على الأيد)
فأين من هذا النص القصة الطويلة التي حكى الأستاذ في كتابه؟ وأين ذكر عروة فيه؟ فهذا جسوس ينشد البيتين على رواية غير رواية
стр. 195
الأستاذ، وهو أمرٌ هينٌ، ولكنه ينسبهما لعائشة نفسها، وإن كان لا يوثق بهذا الكتاب ولا بما ينقله، ثم هو لا يذكر شيئًا قبلهما ولا بعدهما مما قص الكاتب الجريء.! !
ويبدو لي أنه قد عجز عن البحث عن مصدر قصته، أو عجز الذين يبحثون له، فلم يجدوا إلَّا هذا المصدر، وهي خطوة لا بأس بها، عرفنا منه شيئًا عن البيتين، سواء أكانا صحيحين أم باطلين، وسواء رواهما على الوجه الذي رواهما به جسوس أو تصرف فيهما، وإن كان لا يفيده شيئًا في مصدر القصة التي حكى، ولا في نسبة الشعر إلى عروة، ولا في موضع احتجاجه بالقصة والشعر على شيء معين وهو (أن عائشة كانت تحفظ من شعر عروة بن الزبير نفسه وتسوق الشاهد منه في موقعه)؛ لأن ذكر البيتين في مصدره منسوبين إلى عائشة نفسها، نسبة صحيحة أو باطلة، لا يكون أبدًا حجة على أن الشعر لعروة، وعلى أن عائشة كانت تسوق الشاهد منه على موقعه! ولا أدري ماذا يُسمَّى من طرق البحث والنقد من يدعي القضية، ثم إذا طولب بدليلها، أتى بدليل ينفيها أو ينقضها؟ .
ولكن الأمانة العلمية توجب عليّ أن أخطو بالكاتب خطوة أُخرى في سبيل البحث لعلها ترشده إلى ذكر المصدر الذي نقل منه ما نقل، فأذكر له مصادر أُخر لم يهتد إليها، وإن كان ما سأذكر لا يؤيد دعواه ولا قصته.
فقد نقل الحافظ السيوطي في شرح شواهد المغني (ص ٨٢) ما نصه:
стр. 196
(أخرج أبو نعيم في الدلائل والخطيب وابن عساكر بسند حسن عن عائشة قالت: كنت قاعدة أغزل والنبي ﷺ يخصف نعله، فجعل جبينه يعرق، وجعل عرقه يتولد نورًا، فبهت، فقال: "مالك بهت؟ "
قلت: جعل جبينك يعرق، وجعل عرقك يتولد نورًا, ولو رآك أبو كبير الهذلي لعلم أنك أحق بشعره حيث يقول:
ومبرأ من كل غبر حيضة ... وفساد مرضعة وداء مغيل
وإذا نظرت إلى أسرة وجهه ... برقت بروق العارض المتهلل
وهذه الرواية نقلها البغدادي في خزانة الأدب (ج ٣ ص ٤٧٣) عن السيوطي، وذكر قبل ذلك ص ٤٦٩، أن البيتين من أبيات لأبي كبير في حماسة أبي تمام، وفي الشعراء لابن قتيبة، وأنهما من قصيدة طويلة في أشعار الهذليين، ونقل بعض المؤلفين القصة أيضًا فاختصرها ولم يزد عليها، فإن الاختصار إذا لم ينقص أصل المعنى جائز، وأما الزيادة فلا تجوز؛ لأنها في عرف المحدثين، تكون من باب الوضع؛ إذ هي تنافي الصدق، فنقلها عماد الدين يحيى بن أبي بكر العامري في كتاب (بهجة المحافل ج ٢ ص ١٨٦) بلفظ: (وقالت عائشة: بأبي وأُمي أنت، لو رآك الشاعر لعلم أنك أحق بقوله). وذكر بيتي أبي بكر الهذلي على الصواب.
وكذلك فعل الشيخ حسين عبد الله باسلامه عضو مجلس الشورى بمكة، فنقلها كما نقلها العامري مختصرة في كتاب (حياة سيد العرب) المطبوع بجدة سنة ١٣٥٣ (ج ٤ ص ٢٠٦)
стр. 197
فأين هذه النصوص مما زعمه العقاد؟ الذي أظنه أن الكاتب الجريء، قرأ شيئًا هنا وشيئًا هناك، ثم اختلطت هذه النصوص وغيرها في رأسه واضطربت، فخرجت كما ترى، شيئًا ليس بالجديد البديع ولا بالقديم الصحيح، بل هي كما قلت من قبل (سواد في بياض).
ولكن بقي بعد هذا كله شيء واحد، هو أصل دعواه: أين موضع عروة بن الزبير؟ وأين موضع شعر عروة من هذه النصوص؟ هنا حلقة مفقودة، على الأستاذ العقاد أن يبحث عنها في مواضع علمه أو في حيث شاء.
وأما ادعاء الكاتب الجريء، على قاعدته المعروفة، أن يصدق ما يريد ويكذب ما يريد؛ إذ يستبعد أن يكون عروة ولد في سنة ٢٣ أو بعدها، فهذا إفساد للتاريخ العربي، وما هو بتحقيق، وإنما هي محاولة لستر موقفه، مبينة عن زيف حجته، وما هي بسبيل ما نحن فيه، فإنه إذا صح أن تاريخ ولادة عروة خطأ فليس ذلك بنافعه في موضوعه، فلئن كان الخطأ في سنة أو في عشر سنين لكان عروة مولودًا بعد وفاة رسول الله، بل لو كان الخطأ في عشرين سنة، لكان عروة طفلًا في حياة النبي ﷺ (١) ولم يكن شاعرًا (تحفظ عائشة من شعره وتسوق
стр. 198
الشاهد منه في موقعه) في حياة رسول الله تخاطبه به! !
وقد تعب أئمة الحديث ومؤرخو الرجال في التنقيب عن تراجمهم، وحصر ما أمكنهم حصره، وتركوا لنا ثروة ضخمة من العلم الغزير لا يضيعه ولا ينقضه غضبة من الكاتب الجريء يدفع بها خطأه، ولم يذكر أحد منهم قط أن عروة كان صحابيًّا، وإنما ذكروه في التابعين، بل إن الحافظ ابن حجر لم يذكره في (الإصابة) في الأطفال الذين ولدوا في حياة النبي ﷺ ، وأين العقاد من هؤلاء العلماء؟
لقد غضب العقاد إذ ظننت له أنه نقل قصته من كتب السمر، وليت ظني كان صادقًا، إذن لكان أكرم له وأجدر به، ولكان كل خطئه أنه اعتمد على رواية تحمل دليل بطلانها في نصها، وأنه قصر في البحث عن ترجمة عروة في أي مصدر من مصادر التاريخ الجمة بين يديه، وما طالبناه قط بأن يعرف الزيف من الصحيح من روايات الحديث والأثر، فما هو بسبيل هذا، وما هو من عمله ولا من فنه، ولم يزعم أحد قط أن العقاد درس علوم الحديث أو عرف منها شيئًا.
أما الذي تبين لنا من صنيعه بعد ذكره المصدر الذي قيل له: إن النص موجود فيه، وبعد أن ذكر لنا نص مصدره ونص مصادر أُخر، فليس هذا من صنيع أهل العلم بالحديث، ولا هو من عمل الثقة في الرواية والنقل، ولو قرأ العقاد شيئًا من علم مصطلح الحديث لعرف
стр. 199
أن صنيعًا دون هذا يسقط الراوي ورواياته أجمع، ويرفع الثقة بنقله كله، وليسخط بعد ذلك أو ليرض.
وبعد؛ فإن القول يطول لو شئنا نقض كل ما رد به الكاتب الجريء، وليس في طول الجدل فائدة علمية، فلذلك أعرضنا عنه.
وإن لنا لكلمة في نفيه حديث عائشة عن سنها حين تزوجها رسول الله، أو تخطئته إياها في معرفة سنها إذ ذاك، ولعلنا نجد فرصة مواتية في نقض ما ذهب إليه إحقاقًا للحق ودفعًا عن الأحاديث الصحيحة, إن شاء الله.
* * *
стр. 200
كلمة (*)
وبعد؛ فلا نكاد نفرغ من شأن للعقاد حتى يبدو لنا شأن؛ فإنه يكبر عليه أن يقول له إنسان: "أخطأت". أو يجادله في كلمة مما يقول، وإنما يريد من الناس الخضوع والتسليم، أصاب أم أخطأ، وهو يعرض كتبه على الناس، وفيها الصحيح الجيد، وفيها الزيف الباطل، ولكن هكذا هو.
فقد كتب الأستاذ بشر فارس كلمة في المقتطف قال فيها رأيه في كتاب "الصديقة بنت الصديق" فذكر مزايا رآها في الكتاب، وبدا له أن ينقده بعض النقد الهادئ اللين، فكان العقاد على سجيته، ثار به ثورته المعروفة، وقرعه وندد به، بل أراد أن يوقع بينه وبين قرائه بالتزيد عليه في تحميل كلامه ما لا يحتمل، وحذف آخره يزعم أنه يبهته بأوله.
فقد قال العقاد في كتابه (ص ١٠٢) في شأن قصة الإفك: "على الذي يقبل وشاية كتلك الوشاية الواهية أن يروض عقله على تصديق أمور كثيرة لا موجب لتصديقها؛ لأنها تفتقر إلى كل دليل، والأدلة على ما يناقضها كثيرة، عليه أن يصدق أن صفوان بن المعطل كان رجلًا لا يؤمن بالنبي ولا بأحكام الإِسلام، وأن يصدق أن السيدة
стр. 201
عائشة كانت - وهي زوج النبي - لا تؤمن به ولا تعمل بدينه، ولا دليل على هذا ولا ذاك". وهذا كلام حق في ذاته لا شبهة فيه، ولكن الدكتور بشر فارس رأى أنه ليس من نوع البحث العلمي البحت، وأنه من نوع الدفاع والحذق في الجدل؛ فقال: "والذي أراه أن هذا الاستدلال مجتلب بل محض ذاتي، وذلك لأننا نعلم من طريق المشاهدة والملاحظة أن البشر يتفق لهم أن يزلوا إن كانوا من أهل التصديق والإيمان, ولولا هذا ما احتاجوا إلى رب تواب ... وكيفما كانت الحال فإن قصة الإفك لا تحتاج إلى مثل ذلك الاجتهاد ... (١)، فسيرة الصديقة في أيام النبي وبعده تبدو فوق الشبهة، وأما سيرة صفوان فنزيهة بشهادة الرسول نفسه".
وهذا كلام صحيح أيضًا، فعائشة في إيمانها ودينها وتقواها وسيرتها في حياة النبي وبعده فوق مستوى الشبهات، سيرة الأطهار والأبرار، ولا يمكن لمنصف أن يفهم من كلام الدكتور بشر غير هذا، ولكن الأستاذ العقاد لم يتورع عن أن يرمي الدكتور بشرًا بما لا يُفهم من كلامه بأي وجه من وجوه التأويل، فهو يقول (أي العقاد): "وإذا كان لهذا الكاتب عذر من قلة الفهم، فكان ينبغي أن يتجنب قلة الذوق؛ لئلا يجمع بين الفقرين السيئين، وفي واحد منهما كفاية، فلا يحسب علينا أن نطيل القول في حديث الإفك دفاعًا وتصحيحًا، وهو يطيل القول فيه للتوهين والتشكيك".
стр. 202
هكذا والله يقول العقاد، وما ندري أين التوهين والتشكيك في كلام بشر؟ إلَّا أن يكون سوء الطوية من العقاد، والحقد الذي يدفعه إلى أن يرمي كل من تعرض لكلامه وآرائه بغير الاستحسان والتقريظ، فإن بشرًا لم يخالفه في معنى من المعاني، وخاصة في تفنيد الإفك من وجهة العقل والخبرة بسيرة السيدة عائشة وطهرها ونقاء تاريخها من كل شائبة، وأن "سيرتها في أيام النبي وبعده تبدو فوق الشبهة" كما قال بشر.
* * *
وما أردت إلى الدفاع عن الأستاذ بشر، فإنه يعرف كيف يدافع عن نفسه، ويعرف كيف يوقف العقاد عند حدّه، وإنما أردت أن أصور عدوان العقاد وطغيانه؛ ليحذر الناس من تحريفه الكلام عن مواضعه.
* * *
стр. 203
الانتقاد على المنار وتفسيره (*)
مولاي الأستاذ السيد العلامة حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
قرأت في العدد السابع من المجلد ٣١ من المنار الزاهر في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: ١٠١] ص ٥٠٩ ما نصه: (وفي مسند أحمد عن ابن مسعود: خطبنا رسول الله ﷺ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "إن منكم منافقين فمَن سميته فليقم". ثم قال: "قم يا فلان". حتى سمى ستًّا وثلاثين). وروى غير هذا في معناه.
ولما كنت أعمل - كما تعلمون - في وضع فهارس دقيقة مفصلة لمسند الإِمام أحمد فقد استغربت أن يكون فيه هذا الحديث، ثم رجعت إلى فهارس المسند التي عملتها، فأيقنت أنه لم يروِهِ أحمد أصلًا من حديث ابن مسعود؛ فإنه لم يروِ من حديثه فيما يتعلق بالمنافقين إلا خمسة أحاديث هي: حديث المواظبة على إجابة النداء بالصلاة وفيه: "ولقد رأيتني وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم نفاقه". رواه مرتين في صفحة ٣٨٢ و ٤١٤ ج ١.
стр. 204
وحديث: "إن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه" إلخ. وهو ليس نصًّا في وصف المنافقين، ورواه ثلاث مرات في ص ٣٨٣ ج ١.
ولم يروِ من حديث ابن مسعود في خطب النبي ﷺ إلا أربعة أحاديث، هي أحاديث خطبة الحاجة، رواه بأربعة أسانيد في ص ٣٩٢ و ٣٩٣ و ٤٣٢ ج ١.
وروى في التفسير من حديث ابن مسعود ٣٦ حديثًا ليس منها هذا الحديث على اليقين، ولولا خوف الإطالة لذكرتُها بصحتها.
وقد رجعت إلى الدر المنثور للسيوطي فوجدته روى قريبًا من هذا المعنى من حديث ابن عباس ونسبه لابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وأبي الشيخ وابن مردويه، وهو في تفسير ابن جرير الطبري كما قال السيوطي ولفظه: (قام رسول الله ﷺ خطيبًا يوم الجمعة فقال: "اخرج يا فلان فإنك منافق، اخرج يا فلان فإنك منافق". فأخرج من المسجد ناسًا منهم ففضحهم) ... إلخ. ونسبه صاحب كتاب جمع الفوائد للطبراني في الأوسط وقال: (يُضَعَّف). وحقيقة أن في إسناده عند ابن جرير ضعفًا. وكذلك نقله ابن كثير عن السدي عن أبي مالك عن ابن عباس، ولم يذكر مَن أخرجه، وظاهر أنه أخذه من تفسير ابن جرير.
وذكر السيوطي في الدر المنثور حديثًا آخر لابن مردويه عن أبي
стр. 205
مسعود الأنصاري قال: لقد خطبنا النبي ﷺ خطبة ما شهدت مثلها قط. فقال: "أيها الناس إن منكم منافقين فمن سميته فليقم، قم يا فلان، قم يا فلان". حتى قام ستة وثلاثون رجلًا). وذكر باقي الحديث ولم يتكلم على إسناده من الصحة والضعف فلا ندري ما هو، وليس انفراد ابن مردويه بحديث مما يطمئن معه القلب إلى صحته.
وأظن أن هذا الأخير هو الأقرب إلى رواية المنار الزاهر، ولكنه من حديث أبي مسعود البدري الأنصاري لا من حديث عبد الله بن مسعود، ومن رواية ابن مردويه لا من رواية الإِمام أحمد بن حنبل في المسند.
هذا ما بدا لي في استخراج هذا الحديث، أرجو من أستاذي الجليل أن يتفضل بنشره في المنار، وأن يمن على تلميذه بذكر مصدر الرواية إن كانت منسوبة للمسند من حديث ابن مسعود حقيقةً استدراكًا لفائدة نفيسة كهذه حتى نقيدها عندنا على نسختنا من مسند أحمد، لا زلتم أهلًا للفضل ومنارًا للعلماء والسلام.
تلميذكم المخلص
أحمد محمَّد شاكر، القاضي الشرعي
(المنار)
أشكر لأخينا الكريم خادم السنة بحثه العلمي عن الحديث المذكور، وإيذاننا بنتيجته، وأخبره بأنني نقلته من كتاب (فتح البيان
стр. 206
في مقاصد القرآن) وأنني اطَّلعت على ما ذكر في معناه في تفسير الطبري والدر المنثور وابن كثير وغيرهما، فاقتصرت عليه لاختصاره، بعد أن كنت نقلت غيره، ولم أنشره لأنني أعتقد أنه لا يصح شيء في فضيحة أولئك المنافقين في المسجد بالتصريح بكفرهم بأعيانهم؛ لما صرحت به من تعليل ذلك عقب نقله، ولولا هذا لما ذكرت هذا الحديث أيضًا.
وإنني قد استغربت سكوت السيوطي عن هذا الحديث في الدر المنثور, ولكنني أعلم أنه لم يستقصِ كل ما ورد، وقد راجعت جدول الخطأ والصواب من فتح البيان، لعلي أرى فيه تصحيحًا لخطأ وقع في عزو الحديث إلى المسند، أو إلى ابن مسعود فلم أره فيه، وأنا أعلم أن مؤلفه ﵀ كان يتحرى في نقل الأحاديث، ويقال: إنه كان يستعين في تأليف تفسيره هذا بلجنة من علماء الحديث وغيرهم، ومن الكتب التي كان يعتمد عليها تفسير الشوكاني، فإن وجد الحديث في هذا التفسير يكون ناقلًا له عنه، وإن لم يوجد فيحتمل أن يكون وجده في نسخة للمسند خطية في خزانة كتبه الحافلة، ويحتمل أن يكون عزوه إلى مسند ابن مسعود عند الإِمام أحمد خطأ، ويرجحه عدم نقل السيوطي إياها عنه في الدر المنثور, على أنني قد حذفت هذه الرواية مما طبعته على حدته وكذا من مختصره الذي شرعت فيه، بل قلما أذكر فيه شيئًا من الروايات الصحيحة بألفاظها وتخريجها، وأختم هذا التعليق بإعادة ما بدأت به من شكر أخينا الأستاذ. جعله الله تعالى خير عون على العلم وتحرير كتبه.
стр. 207
ديوان أبي فراس الحمداني (*)
تحقيق الدكتور محمَّد سامي الدهان (١)
أما هذا فكتاب عظيم، بلغ الذروة العليا في إتقان التحقيق والإخراج، لا يكاد يدانيه في هذا كتاب، إلا في الندرة بعد الندرة.
فشعر أبي فراس من الشعر الغالي النفيس، وكان ديوانه محجوبًا أو كالمحجوب، فقد طبع ثلاث مرات وكأنه لم يطبع، مما وقع في طبعاته من النقص والمسخ والتحريف والتبديل.
وقد وفق الأخ الأستاذ المحقق إلى العناية بجمع نسخه المخطوطة في أقطار الدنيا والاطلاع عليها، ورحل من أجله رحلات واسعة، حتى يخرجه صحيحًا كاملًا، بما في الوسع الإنساني من قوة ومن ضعف، فبلغ فيما صنع الغاية أو كاد.
وجعل الأستاذ العلامة هذا الديوان رسالته إلى جامعة باريس، فتقبلته أحسن قبول، ونوقش فيه هناك في العام الماضي، وأجازوه عليه (دكتورية الدولة)، وهي أعلى الشهادات عندهم فيما نعلم.
стр. 208
والدكتور سامي الدهان بلدي أبي فراس، من حلب الشهباء، فرأى أن يخدم شاعر بلده، بإخراج ديوانه إخراجًا صحيحًا، بل إنه شغف بشعره منذ عهد بعيد، واستظهر منه شعرًا كثيرًا: "ثم أردت أن أقول فيه، وأن أظهره مع أقرانه، لعلي أنصفه من ظلمٍ، وأنصره من جور، فلما يممت باريس عام ١٩٣٦ عملت له وقرأت في شأنه، ولكني انتهيت إلى أن الديوان أبتر، قد ركبه الاضطراب وعمه الفساد، وما علمت بمعدنه من خزائن الغرب حتى شمرت إلى الفهارس، وكتبت إلى الخازنين، وراسلت المستشرقين، ولما كان مؤتمر المستشرقين في بروكسل عام ١٩٣٨، سافرت إليه، وسألت من يضطلع بالعربية فيه، وتزودت بما ينير سبيلي الجديد، فكان الرأي أن أسير إلى مكامنه بأمهات العواصم". فذكر رحلته إلى برلين، ثم عودته إلى باريس "وفيها نسخ أخرى من الديوان، أقبلت إليّ تحمل الشاعر، من إنكلترة، وإيطالية، ومراكش، وسورية، وتركية، فسألتها عن شعره، وشرح راويه، فجلت ووضحت، ومحت بعض الظن، وأكدت بعض اليقين، وطالت بي الطريق، فأدركني الملال، وأصابني الكلال، وكاد يستحوذ اليأس على قلبي، لولا تشجيع أساتيذي وعونهم، ونصائح المستشرقين ومددهم، ولا ينتهي العمل بإعداد الديوان، فأنا في جامعة غربية أقدم إليها رسالتي وجهدي، فعلي أن أخط بلسانها ما علمت من الشاعر، وما يضيف الديوان الجديد إلى الديوان العتيق، ففعلت وتقدمت بما كتبت إلى جامعة باريس، فرضيت عنه، ومنحتني الموافقة". وهكذا يسير على سننه،
стр. 209
ولا يضن بجهد ولا وقت ولا مال، حتى يتم طبع الكتاب في أوائل سنة ١٩٤٥ "راجيًا أن يكون قربانًا للأدب وخدمة لحلب، وزكاة للعلم، وأحتسب عند الله ما أنفقت في سبيله من شباب وجهد" (ص ٦٢٣ - ٦٢٥).
وأبو فراس شاعر رقيق العاطفة، عذب اللفظ، قوي العارضة، جزل فصيح، وهو عربي النسب والدار، فارس محارب، غاض الغمار، ولقي الأخطار، ووقع في الإسار، في شهر شوال سنة ٣٥١، ونقل إلى القسطنطينية، فأكبر فيه الروم البطولة والصراحة والنفس العربية، فأكرموه إكرامًا لم ينله أسير قبله، وأعطاه ملكهم دار البلاط الإمبراطوري (وهو قصر كبير على البحر)، وخصص له خادمًا يقوم بأمره، وأذن له فيما يشاء من الثياب والسلاح، وكان لهذه الفترة من حياته أبلغ الأثر في شعره، حتى يقول الدكتور الدهان (ص ١٧ من التقدمة): "هذا كله شعر شامي، جميل صادق، جزل فصيح، سهل لين، قد نجد لصوره وتعابيره مثيلًا فيما سبق من أدباء، ومر من شعراء، ولكنه لا يشبه في شيء هذه "الروميات" التي نظمها خلال أسره، ففجرت من نفسه عيونًا، وخلدته على الزمان، فيها شكوى العليل الذي لا يحس حوله بعطف قريب، أو عناية حبيب، تطول عليه الساعات، وتمتد به الأيام، وتتأخر عنه الكتب، فيشتاق منازل الشباب وملاعب الصبا، ويرثي لهذه العجوز العليلة [يريد أمه] التي يقلقها ذكراه".
стр. 210
ولم يعن أبو فراس بجمع ديوان لشعره، شغلًا بما اضطلع به من جلائل الأمور في الحرب والسياسة، وإنما كان يلقيه إلى أستاذه ابن خالويه (الحسين بن أحمد الإِمام النحوي اللغوي المقرئ، المتوفى بحلب سنة ٣٧٠)، ويحظر عليه نشره، فلما قتل أبو فراس في جمادى الأولى من سنة ٣٥٧ جمع أستاذه ما ألقاه إليه، وشرحه، وقدم لكثير من قصائده بمقدمات تاريخية تشرح مناسبة القول والغرض فيه، ويقول ابن خالويه في مقدمة الديوان (ص ٢): "وما زال ﵀ إيجابًا لحق الأدب، ورعاية للصحبة، وعلمًا بأهل المحافظة، يلقي إلي دون الناس شعره، ويحظر عليّ نشره، حتى سبقتني وإياه الركبان، فجمعت منه ما ألقاه إليَّ، وشرحته من مزيد أخباره في الأيام المذكورة فيه، بما أرجو أن يقرنه الله بالصواب والرشاد، بمنه وطوله، وقوته وحوله".
وقد بلغ عدد المخطوطات من ديوان أبي فراس، التي وقعت للدكتور الدهان واعتمدها في إخراجه وتحقيقه ٣٢ مخطوطة، غير يتيمة الدهر، ومصادر التاريخ والأدب التي فيها شعر أبي فراس، وقد صنف هذه المخطوطات إلى أربع طوائف، بتقارب روايات كل طائفة، وتشابهها في عدد القصائد والأبيات، وفي الشروح، واتحادها في الخطأ والصواب. فالطائفة الأولى ٦ نسخ، والطائفة الثانية ٨ نسخ، والطائفة الثالثة نسختان، والطائفة الرابعة ١٦ نسخة، وتختلف هذه النسخ في عدد القصائد وعدد الأبيات اختلافًا واسع المدى.
стр. 211
وقد أحصى الدكتور المحقق القصائد والأبيات في كل نسخة من هذه النسخ، وفي هذه الطبعة التي حققها، ووضع لذلك الجدول الآتي:
............. عدد القصائد ... عدد الأبيات
الطائفة الأولى ... ٣٢٩ ... ٢٨٦٧
الطائفة الثانية ... ٢٧٥ ... ٢٦٤٣
الطائفة الثالثة ... ٢٠٤ ... ٢٣٢٨
الطائفة الرابعة ... ٢٧٥ ... ٢٢٩٩
هذه الطبعة المحققة ... ٣٦٤ ... ٣٧٢٤
وأما الطبعات الأولى للديوان فلا قيمة لها, ولا تكاد تذكر بجانب هذا العمل الضخم، والجهد النادر في التحقيق والإخراج، وإنما نشير إليها إشارة:
فأول طبعة ظهرت في بيروت سنة ١٨٧٣ في المطبعة السليمية في ١٥١ صفحة من القطع المتوسط، يقول الدكتور الدهان: "وهي مشوهة مصحفة مشحونة بالأغاليط، محشوة بالأخطاء، وزاد في ضعفها أنها اعتمدت على أضعف النسخ، فأخذت مخطوطة من نسخ دار الكتب المصرية، لعلها (رقم ٢١٥٠) من الطائفة الرابعة". ثم ذكر مثالاً مما فيها من تحريف (ص ٢٣ من التقدمة).
стр. 212
والطبعة الثانية ظهرت سنة ١٩٠٠ في بيروت بالمطبعة الأدبية في ١٥٩ صفحة، وليست خيرًا من سابقتها، وزادت عليها شرحًا لفظيًّا اعتمد مؤلفه فيه على حل الألفاظ من (القاموس المحيط)، ونسب ناشرها هذا الشرح لنفسه، وقد كشف الدكتور الدهان أنه ليس له كما يدعي: "بل هو لعالم فقيه من علماء القرن الحادي عشر، عرفنا أنه عبد اللطيف البهائي، كان قاضيًا ببلغراد، وحفظ شرحه في إستانبول ومصر"!
والطبعة الثالثة صورة من الطبعة الثانية، ظهرت في سنة ١٩١٠.
وقد زادت طبعة الدكتور الدهان على هذه الطبعات الثلاث ١٥٢ قصيدة، غير الأبيات التي تزيد في صلب القصائد في تلك الطبعات، ثم تتبع الشعر الذي نسب إلى أبي فراس في كثير من المراجع المخطوطة والمطبوعة "ولم يرد في أمهات المخطوطات، وقد شككنا بصحة نسبتها إلى شاعرنا". وهي ١٢ قطعة (ص ٤٥٠ - ٤٥٥)، ثم ذكر ثلاث قطع نسبت إلى أبي فراس وهي لغيره، اثنتان منها لسيف الدولة، والثالثة لابن المعتز (ص ٤٥٦ - ٤٥٧).
ثم أتبع الكتاب بترجمة أبي فراس وأخباره، عن كتب الأدب والتاريخ, ذكرها بنصوصها، توثقًا وتثبتًا، وحرصًا على الأمانة والدقة (ص ٤٥٩ - ٤٨٠)، ثم صنع (شجرة) للأسرة الحمدانية، استنبطها من شرح ابن خالويه، ومن شعر الشاعر نفسه ومن تاريخ ابن خلكان وغيره من مصادر التاريخ.
стр. 213
وأعقب ذلك بعشر فهارس دقيقة متقنة، خيرها وأنفسها أولها وآخرها؛ فإنه في الفهرس الأول تتبع مصادر شعر الشاعر في مطاوي كتب الأدب والتاريخ, اختار منها ثلاثين كتابًا، فأحصى كل ما روته له من شعر، ذكر صدر البيت وبحره وقافيته، وعدد الأبيات ومواقعها من كل كتاب بتعيين الجزء والصفحة.
وفي الفهرس العاشر الأخير لخص مضمون القطعة أو القصيدة في جملة قصيرة ترمز إلى هدف الشاعر منها "فإن كان ثمة شرح أو تعليق لابن خالويه اختصرناه، وإن لم يكن اقتبسناه من عبارة الشاعر نفسه، فلم نبتعد عن الأصل" (ص ٥٩١).
ولم يخل الكتاب من أغلاط مطبعية وغير مطبعية، تتبع الأستاذ الدكتور كثيرًا منها، ووضع في آخر الكتاب بابًا للتصويب والاستدراك، وأعرض عن كثير مما يدركه القارئ ولا يخفى على فطنة المطالع، خصوصًا ما كان منها في تعليقاته على الديوان.
وعندي أن مرد كثرة الأغلاط إلى الحرص على الشكل الكامل للكلمات في متن الديوان، وهذا الشكل الكامل غلو في الأناقة، يتجاوز حد الضرورة، بل يتجاوز حد الكمال والنظر يند عنه حين التصحيح، بل هو قد يضل المصحح عما تحته من خطأ في الكلمة، أو عما يجاوره من خطأ في غيرها، وأرى أن الواجب أن يقتصر في الشكل على ضبط ما يظهر صحة الكلمة من الحروف، فرب حرف
стр. 214
واحد يضبط من الكلمة يضعها صحيحة على لسان القارئ لا تحتمل تصحيفًا، وبعض الكلم يكفي في تعيينها ضبط حرفين، والنادر من الكلم ما يحتاج إلى ضبط كل حروفه، ولعل نصف الكلمات أو قريبًا من نصفها لا يحتاج إلى ضبط، فيكون ضبطها عبثًا وتزيدًا.
وأنا أظن أني خبرت هذا ومارسته فيما نشرت من كتب، وأظن أني استطعت أن أستغني عن أكثر الشكل فيما أخرجته من الأجزاء من (المسند) للإمام أحمد بن حنبل، وقد أخطئ بعض الشيء فأشكل ما ليس بمشكل ولكني أحرص على أن لا أتجاوز ما رسمت.
وبعد: فلعل أكثر ما آخذه على الصديق الدكتور سامي أنه غلا غلوًّا شديدًا في إثبات اختلاف النسخ التي وقعت له من الديوان، وكثير منها مسخها الناسخون، وأفسدها الرواة الجاهلون، فإذا ما أراد القارئ أن يتتبع اختلاف الروايات في البيت أو الكلمة أضلته هذه الروايات الواضحة الغلط، وكان في بعضها ما يغني، وأنا أرى أن القصد في ذلك أفضل، وأن لا يثبت من اختلاف النسخ إلا ما احتمل التصويب، وما لم نجزم بخطئه قطعًا إلا أن يكون الخطأ في نسخة معتمدة يخشى أن يغتر بها بعض القارئين، أو يكون في طبعة وحيدة للكتاب سارت بين الناس وكثرت في أيديهم، فيخشى أن يعتمدوها حجة إذا غلب عليها الصحة، أما إذا غلب عليها الغلط، فأرى أن التنبيه عليها ووصفها كافٍ عن تتبع أغلاطها، وما أقول هذا إلا عن تجربة وعناء، وأسأل الله التوفيق.
стр. 215
وبعد مرة أخرى: فلو أذن لي الصديق لاقترحت عليه أن يعيد نشر الديوان في طبعة قريبة التناول للقراء والأدباء، وأكثرهم فقراء أو متوسطو الحال؛ فإن ثمانية جنيهات أو عشرة ثمنًا للنسخة الواحدة من هذه الطبعة الفاخرة الغالية، يشق على أكثر الناس، ولا يستطيعه إلا خاصة الخاصة، والمتشوقون إليه والمقدروه قدره ينظرون إليه ثم لا يستطيعون، ولعله مجيب هذا الرجاء، إن شاء الله.
* * *