← Джавами‘

Джавами‘ · id 20642

جمهرة مقالات أحمد شاكر

أحمد شاكر

Полный текст (928 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

تُذَكِّرُ هذه الأصنامُ والأوثانُ أحدًا بجاهليته، فيثور في نفسه إليها حنين، أما الذين صفت قلوبهم لله وتطهرت نفوسهم من كل عبادة إلَّا عبادته جل شأنه، فأولئك لا خوف عليهم أينما صَلَّوْا، وأولئك يرون وجه الله في كل خلقه، جلَّ ثناؤهُ وتباركت أسماؤه! " هكذا قال، حتى علامة التعجب وضعت في أصل الكتاب، ونعوذ بالله من حكاية هذا القول، لولا الضرورة إلى التحذير منه ما حكيناه، وكل مسلم يعلم أنه لا تجوز الصلاة إلى التماثيل وإلى ما يوهم عبادة غير الله، والذي أراد أن ينفيه عن عمر قد صحَّ عنه وعن غيره، ففي صحيح البخاري (ج ١ ص ٤٤٣ - ٤٤٤ من فتح الباري طبعة بولاق) "قال عمر: إنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها الصور. وكان ابن عباس يصلي في البيعة إلَّا بيعة فيها تماثيل". فلا موضع لما افتعله المؤلف من رد الرواية عن عمر برأيه وهواه. ويخيّل إليَّ أن للمؤلف في الوثنية رأيًا خاصًّا، لا يقره عليه أحد، يرجع بها إلى عهد الجاهلية وآراء الجاهلية، وقد جاء القرآن بحربها وهدمها؛ فإن المؤلف عاد إلى مثل هذا المعنى عند الكلام على فتح مصر (ج ٢ ص ٧٩) قال: "فالتوجّه الديني أصيل في الشعب المصري بحكم طبيعته، كذلك كان شأنه في عهود الفراعنة، وكذلك ظلَّ شأنه على القرون، ولعلَّ بساطة عقيدته، مع تغير الأديان التي دان بها، كانت ذات أثر في تمسكه بمذهبه، فهو موحَّد من أقدم العصور، وهو على توحيده يشعر بأن الإله الخالق المنعم جلَّ شأنه أعظم من أن

стр. 282

يسموا سواد الناس إلى الاتصال بذاته وإن تطهرت قلوبهم، فلا بد من زلفى تقرّبهم إليه، وتحلّهم منه محل الرضا"! ! فإن لم يكن هذا تمجيدًا للوثنية ودعوةً إليها، فخيرٌ للناس أن يلغوا عقولهم! ! وأين ما جاء به موسى من التوحيد في عصر الفراعنة، والكفر بألوهيتهم وبما كانوا يعبدون من دون الله؟ ! وإن الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ الآية ٣ من سورة الزمر، ويقول تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾. الآية ١٠٦ من سورة يوسف. وليت المؤلف لم يتقحم مثل هذه المآزق، أو سأل عنها من يرشده إلى وجه الحق فيها، أو اجتهد في البحث عنها في مصادرها، واصطنع الأناة والحكمة في اجتهاده! ! ليته ليته. ١٦ - (ج ١ ص ٢٩١ س ٩) "أمراء الأنصار" خطأ مطبعي صوابه "أمراء الأمصار" كما هو واضح. ١٧ - يقول المؤلف (ج ١ ص ٣٠٠): "فأول ما يقضى به الإيمان الصحيح ألَّا يهاب الجندي الموت، وأن يقدم عليه مغتبطًا به، فإن استشهد ففي سبيل الله وفي سبيل الوطن وفي سبيل القضية التي ينصرها". وقال أيضًا (ج ٢ ص ٢٢٠): "وما ضر أحدهم أن يقتل في سبيل الله وفي سبيل الإمبراطورية الإسلامية". وهذا تعبير موهم، وفي نسبته إلى "الإيمان الصحيح" مغالطة؛ فإن الإسلام لا يعرف

стр. 283

الاستشهاد إلا أن يكون في سبيل الله فقط، ففي الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد وأصحاب الكتب الستة عن أبي موسى الأشعري قال: (سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياءً، فأيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"). ١٨ - (ج ٢ ص ٤٩ - ٥١) نقل المؤلف عن الطبري قصة فتح فَساودزا بجرد، والطبري ذكر القصة بروايتين (ج ٥ ص ٥ - ٦) فأخذ المؤلف إحدى الروايتين وبقية الأخرى، وأعرض عن صدرها، ليتم له تأويله الذي يبغي، ففي الرواية الأولى أن عمر أري في المنام خطر موقف المسلمين، وأنهم إن استندوا إلى الجبل انتصروا، فنادى في الناس "الصلاة جماعة" فجمعهم في الوقت الذي رآه في نومه وقتًا للوقعة وأخبر الناس بما أريَ، ثم قال: "يا سارية الجبلَ الجبلَ" ثم أقبل عليهم وقال: إن لله جنودًا ولعلَّ بعضها أن يبلغهم. هذا ملخص الرواية الأولى، ساقها المؤلف مفصلة في قليل من التحوير. والرواية الأخرى: "كان عمر قد بعث ساريةَ بن زُنيم الدئِلي إلى فساودزا بجرد فحاصرهم ثم إنهم تداعوا فأصحروا له وكثروه فأتوه من كل جانب، فقال عمر وهو يخطب في يوم جمعة: يا سارية ابن زنيم الجبلَ الجبلَ. ولما كان ذلك اليوم وإلى جانب المسلمين جبل إن لجؤوا إليه لم يؤتوا إلَّا من وجه واحد، فلجؤوا إلى الجبل، ثم قاتلوهم فهزموهم". ثم ذكرت الرواية ما أصابوا من المغانم

стр. 284

ومسير رسول سارية إلى عمر وعوده إلى البصرة، وأن أهل المدينة قد كانوا سألوه: "عن سارية وعن الفتح، وهل سمعوا شيئًا يوم الوقعة؟ فقال: نعم سمعنا "يا سارية الجبل"، وقد كدنا نهلك، فلجأنا إليه ففتح الله علينا". وقد أعرض المؤلف عن هذه الرواية واقتبس منها حديث الغنيمة وما أرسل منها إلى عمر وغداء رسول سارية معه، فضمه إلى الرواية الأولى بنصه، ثم ذكر سؤال أهل المدينة عن سارية وعن الفتح وجوابه كأنه رواية أخرى. فهذه هي القصة التي رأى المؤلف - فيما نقلناه عنه آنفًا (رقم ٢)، أن يثبتها من روايات الخوارق؛ لأنه "تضافر المؤرخون على روايتها تضافر تواتر يدعو إلى النزول على حكمهم فيها"! ! وهي من روايات التاريخ، إسنادها لا يكاد يصل إلى الصحة؛ لانقطاع في إسناديها اللذين رواها بهما الطبري، فضلًا عن أن يتضافر المؤرخون على روايتها تضافر تواتر! ! ولا يبعد أن تصح فما ينكر الخوارق إذا صحت إلَّا من ينكر ما وراء المادة، ومن ينكر كل غيب لا يصل إليه حسُّه، أو لا يأتيه خبره إلَّا عمن يثق بهم من الأجانب. ١٩ - (ج ٢ ص ٥٩) ذكر المؤلف "دائرة المعارف البريطانية باسمها الإفرنجي مرسومًا بحروف عربية "الانسيكلوبيديا بريتانيكا" وما كانت به حاجة إلى هذا التكلف والإغراب، فإن أسماء الكتب تترجم إلى ما يقابل معانيها في اللغات الأخرى غالبًا، وقد ترجم هذا الاسم وعرف بين قراء العربية وهو أقرب إلى إفهامهم أن يذكر اسمها

стр. 285

المترجم الذي عرفت به. ٢٠ - (ج ٢ ص ٨٤) تحدَّث المؤلف عن إسلام عمرو بن العاص، فلم يجد له إمامًا يقلده غير العقَّاد، في كتابه الذي ألفه عن عمرو بن العاص في سلسلة "أعلام الإسلام" فإنه زعم أن عمرًا كانت نظرته إلى الدنيا نظرة عملية، وأن مناط الرجحان في تلك النظرة الأخذ بالأحوط والأنفع "حتى ليكاد الأحوط والأنفع أن يكون عنده مقياسًا للحق أو لصحة الأشياء"، ثم ذهب يضرب على هذه النغمة ويحكي بعض الروايات يتأوَّلها عليها (ص ٢٧ - ٢٨ و ٥٧ - ٦١) فنقل عنه سعادة المؤلف هنا مناقشة بين عمرو وبين فتى من قريش، ثم قال: "ولئن صحت تلك الرواية لتكوننَّ بالغة في الدلالة على اتجاه عمرو في تفكيره، وعلى أنه كان يؤمن بنظرية المنفعة إيمانًا قويًّا". ومعاذ الله أن نظن ذلك بأصحاب رسول الله، وخاصة بمثل عمرو بن العاص. وقد نقض المؤلف على نفسه ما قلّد فيه العقّاد، فصرَّح بعد بأن عمرًا "بادر إلى الإسلام عن بيّنة وإيمان، لا عن خوف ولا عن إذعان". فما ندري لم قال من قبل ما قال، ولم هذا الاضطراب؟ ! . ٢١ - (ج ٢ ص ٢٠٣ - ٢٠٤) نسب المؤلف لعمر أن تأسّيَه بالرسول لم ينسِه أن يفرق بين الثابت على الزمان من سنته ﷺ وبين ما قضت به أحداث الوقت، فمن المستطاع مراجعته وإعادة النظر فيه، من غير أن يكون ذلك إنكارًا له، اقتناعًا بأن رسول الله لو امتدّ به الأجل لراجعه وأعاد النظر فيه". وهذه نظرية خطيرة، لم ينسبها أحد قط لعمر،

стр. 286

ويبرئ الله عمر من التهمة بها، فإنها ليست إلَّا مخالفة السنة بالرأي والهوى، وما هي إلَّا نسخُ شيء من السنة بعد وفاة رسول الله، وما قال هذا أحد قط، ولعل للمؤلف رأيًا يحوم حوله، لا يكاد يصرح به، فإني أراه قال في أواخر الكتاب (ص ٣٢٢): "فحق لعمر أن يُدفن مع صاحبيه، ليَنعم بجوارهما، وتطمئن روحه إلى أنه سار على سنتهما، وأنه أتم على الأرض ما قضى الله أن يَتم حين أوحى إلى نبيه رسالة السماء، وقد أتم عمر هذه الرسالة"! ! ولست أدري، أهو يعتقد حقًّا أن عمر أتمَّ على الأرض هذه الرسالة، أم هو يرى أن شؤون النبوة والرسالة كبعض ما يعرف من شؤون الدولة والسلطان، أم هو يلقي الكلام على عواهنه، لا يلقي له بالًا؟ ! اللهم غفرًا. واسمعْ - يا سيدي - بعض ما قال إمام الأئمة محمد بن إدريس الشافعي في وجوب اتباع سنة رسول الله على كل أحدٍ، وهو قول كافة أهل العلم: "وكلُّ ما سَنَّ فقد ألزمنا الله اتباعه، وجعل في اتباعه طاعته، وفي العنود عن اتباعها معصيته التي لم يعذر بها خلقًا، ولم يجعل له من اتباع سنن رسول الله مخرجًا". (الفقرة ٢٩٤ من كتاب الرسالة للشافعي بتحقيقنا". وقال أيضًا في الفقرة ٣٢٦: "فيما وصفتُ من فرض الله على الناس اتباع أمر رسول الله: دليلٌ على أن سنة رسول الله إنما قبلت عن الله، فمن اتبعها فبكتاب الله تبعها، ولا تجد خبرًا ألزمه الله خلقه نصًّا بينًا إلَّا كتابه ثم سنَّة نبيه، فإذا كانت السنةُ كما وصفت، لا شبه لها من قول خلق الله، لم يجز أن

стр. 287

ينسخها إلَّا مثلها، ولا مثل لها غير سنة رسول الله؛ لأن الله لم يجعل لآدمي بعده ما جعل له، بل فرض على خلقه اتباعه، فألزمهم أمره؛ فالخلق كلهم له تبع، ولا يكون للتابع أن يخالف ما فرض عليه اتباعه، ومن وجب عليه اتباع سنة رسول الله لم يكن له خلافها، ولم يقم مقام أن ينسخ شيئًا منها". أي لا عمر ولا غير عمر، لا أصغر من ذلك ولا أكبر، وقال أيضًا في الفقرة ٥٩٩ فيما يقع من أقوال بعض العلماء مخالفًا للسنة: "وليس ذلك لأحد، ولكن قد يجهل الرجل السنة فيكون له قول يخالفها، لا أنه عمد خلافها، وقد يغفل المرء ويخطئ في التأويل". وقال أيضًا في الفقرة ٩٠٥: "وإذا ثبت عن رسول الله الشيء فهو اللازم لجميع من عرفه، لا يقويه ولا يوهنه شيء غيره، بل الفرض الذي على الناس اتباعه، ولم يجعل الله لأحد معه أمرًا يخالف أمره". وكان عمر يقضي في دية أصابع اليد بالتفريق بينها، فجعل للإبهام ١٥ من الإبل، والتي تليها ١٠ وللوسطى ١٠ وللتي تلي الخنصر ٩ والخنصر ٦ ثم ثبت عند أهل العلم أن رسول الله قال: "وفي كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل". فأخذوا به كلهم وتركوا قول عمر، فقال الشافعي في ذلك في الفقرتين ١١٦٧، ١١٦٨: "ولم يقل المسلمون: قد عمل فينا عمر بخلاف هذا بين المهاجرين والأنصار. ولم تذكروا أنتم أن عندكم خلافهُ ولا غيركم، بل ساروا إلى ما وجب عليهم، من قبول الخبر عن رسول الله، وترك كل عمل

стр. 288

خالفه، ولو بلغ عمر هذا صار إليه، إن شاء الله، بتقواه لله، وتأديته الواجب عليه في اتباع أمر رسول الله، وعلمه، وبأن ليس لأحدٍ مع رسول الله أمر، وأن طاعة الله في اتباع أمر رسول الله". وسيرة عمر في السنة معروفة، كان يجتهد فيما يعرض له، مما ليس فيه نص كتاب ولا يعلم فيه سنة، فإذا بلغته سنة رسول الله، عدل عن رأيه واتبع السنة، بل هو كان أشدَّ اتباعًا للسنة وتمسكًا بها في كل شأنه، وأقوى حجةً في ذلك موقفه حين مقتله؛ إذ يستدبر الدنيا ويستقبل الآخرة، قال له ابنه عبد الله بن عمر: "إني سمعت الناس يقولون مقالة فآليت أن أقولها لكم، زعموا أنك غير مستخلف. فوضع رأسه ساعة ثم رفعه فقال: إن الله يحفظ دينه، وإني إنْ لا أستخلف فإن رسول الله ﷺ لم يستخلف، وإن أستخلف فإن أبا بكر قد استخلف. قال: فوالله ما هو إلا أن ذكر رسول الله وأبا بكر فعلمت أنه لم يكن يَعدلُ برسول الله أحدًا، وأنه غير مستخلف". وهذا حديث صحيح جدًّا، رواه الإمام أحمد في مسنده (ج ١ ص ٤٧) ورواه أيضًا مسلم في صحيحه (ج ٢ ص ٨٠ - ٨١) وأبو داود في السنن (ج ٣ ص ٩٣ - ٩٤ من شرح عون المعبود) ورواه أيضًا البخاري مختصرًا (ج ٩ ص ٨١ من الطبعة السلطانية). فهذا عمله كما ترى في شيء سلبي سكوتيّ، لم يستخلف رسول الله، ولكنه لم يَنْهَ عن الاستخلاف، واستخلف أبو بكر، وهو الصاحب الأول، والوزير الأول، والخليفة الأول، وهو كان أعلم برسول الله من عمر ومن غير عمر من الصحابة، وأقرَّه عمر

стр. 289

وأقرَّه المسلمون جميعًا فكان اتفاقًا منهم على أن الاستخلاف جائز غير ممنوع، ومع ذلك فإن عمر أبى إلَّا أن يتبع فعل رسول الله في ترك الاستخلاف، وعَرف ذلك منه ابنه عبد الله، وهو أعرف الناس به "فوالله ما هو إلا أن ذكر رسول الله وأبا بكر فعلمت أنه لم يكن يعدل برسول الله أحدًا" فهذا هو عمر وعلى حقيقته "بتقواه لله، وتأديته الواجب عليه في اتباع أمر رسول الله، وعلمه" كما وصفه الشافعي حقًّا، لا على الصفة المنكرة التي اخترعها المؤلف، أنه يلعبُ بالسُّنة برأيه، فيفرق بين الثابت على الزمن وبين ما قضت به أحداث الوقت، فيراجعه ويعيد النظر فيه، توهمًا من المؤلف - لا اقتناعًا من عمر - "أن رسول الله لو امتدَّ به الأجل لراجعه وأعاد النظر فيه"! ! وهذا هو عمر التابع المطيع والخادم الأمين، ليس كما يصوّره المؤلف، مخالفًا كلَّ نصًّ وكل معقول، أنه أتمَّ على الأرض هذه الرسالة! ! وعمر يعلم أن الله أنزل على رسوله في يوم عيد، يوم عرفة يوم الجمعة في عرفة ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]. ٢٢ - (ج ٢ ص ٢٢٢) يتحدَّث المؤلف عن عمر يقول: "ولقد كان يرى نفسه مسؤولًا أمام ضميره وأمام الله". وهذا تعبير إفرنجيّ مستحدث، ومعنى باطل لا يعرفه عمر ولا يعرفه الإسلام، فإنما الذي يدين الناس ويسألهم عن أعمالهم، والذي يجب عليهم أن يتقوه ويخشوه هو الله وحده.

стр. 290

٢٣ - (ج ٢ ص ٢٣٦) يقول المؤلف في شأن تدوين الدواوين: "فقد كان من أصحاب رسول الله ﷺ من يكتبون له الكتب والرسائل، وكانت هذه الكتب تحفظ صورها وتحفظ الردود عليها في داره بالمدينة". وهذا نقل طريف، لا أذكر أني رأيته أو سمعت به قط، فعسى أن نُفيد من علم المؤلف وسعة اطلاعه، فيرشدنا إلى المصدر الذي نقله منه. ٢٤ - (ج ٢ ص ٢٤٠) في إشارته إلى عبد المطلب بن هاشم قال: "وتذكر كيف أدى نذره". وما نظن هذا التعبير دقيقًا، فإن المعروف في كلام العرب أن يقال: "وفى بنذره" أو "أوفى بنذره" أو نحو ذلك. ٢٥ - تحدَّث المؤلف عن صور النكاح في الجاهلية، فذكر منها أن يتزوَّج الرجل امرأةً فيذرها في قومها، ينزل عندها في رحلاته، وقد تعقبناه في ذلك المقال الذي نشر في مجلة "الكتاب". ثم عقب المؤلف كلامه السابق بقوله: "ويذهب بعض المؤرخين إلى أن هذا الزواج أصل زواج المتعة الذي أبيح في صدر الإسلام إلى أن حرَّمه عمر". ولم يكن شيء من هذا، ولم يقل أحد من المؤرخين ما قال، بل نكاح المتعة كان أحد صور النكاح في الجاهلية، وقد أبيح في صدر الإِسلام ثم نسخ وثبت الأمر على تحريمه، وليس يصح ادّعاء المؤلف أنه بقي مباحًا إلى أن حرَّمه عمر، إلا على نظريته التي أنكرناها عليه: أن عمر كان يعيد النظر في سنة رسول الله، وأنه أتمَّ

стр. 291

الرسالة! ! وأما الثابت عند أهل العلم: "أن عمر لم ينه عنه اجتهادًا، وإنما نهى عنه سندًا إلى نهي رسول الله ﷺ "، كما قال الحافظ ابن حجر، وانظر فتح الباري (ج ٩ ص ١٤٣ - ١٥١). ولم يكن عمر ولا غيره يملك أن يحرّم الحلال، ولم يجعل الله ذلك لأحد من خلقه بعد رسول الله. ٢٦ - (ج ٢ ص ٢٥٨) استعمل المؤلف فعل "تعمق" متعديًا بنفسه وهو فعل لازم، لا شك في ذلك ولا خلاف، وفي اللسان: (عمَّق النظر في الأمور تعميقًا، وتعمق في كلامه، أي؛ تنطَّع. وتعمق في الأمر: تنوق فيه فهو متعمق). والذي ابتدع هذا الخطأ ولهج به وأشاعه، هو الدكتور طه حسين بك، فقلده المؤلف وغيره من الكتَّاب، عن غير تدبر ولا بحث. * * *

стр. 292

أسامة بن منقذ (*) تأليف الأستاذ محمَّد أحمد حسين (١) وهذا كتاب آخر من كتب التراجم، مما ألف شبابنا المتوثب إلى المجد، في درس سيرة بطل من أبطال الإسلام الكبار، وأديب من أدباء العرب الفصحاء، وسياسي من الطراز الأول. ولي بهذا المترجم البطل شبه اختصاص، فقد أخرجت له في سنة ١٩٣٥ كتاب "لباب الآداب"، ونشرته مكتبة سركيس بالفجالة بمصر، وهو كتاب من عيون كتب الأدب، وترجمت للمؤلف ترجمة متوسطة في ١٧ صفحة، وكنت شرعت فيها ترجمة وافية، ثم وجدت مجال النشر ضيقًا إذ ذاك، فأوجزت فيها، ووعدت أن أكتب له ترجمة في جزء خاص، أستوعب فيها أحواله وأحوال أسرته، وأستقصي ما أجده من شعره ومناسباته، ولكني لم أجد الفرصة المواتية للوفاء بهذا الوعد، وقد قام الأستاذ المؤلف بما كنت حريصًا على الوفاء به. وأسامة بن منقذ رجل فذ ممتاز، يمثل فروسية العرب وشهامتهم، وكرمهم وشجاعتهم، ويمثل عصره وبيئته أصدق تمثيل، وعنه وعن أمثاله اقتبس الإفرنج في الحروب الصليبية كثيرًا من محاسن العرب وتقاليد الإسلام. قلت في وصفه في ترجمته التي أوجزتها في أول

стр. 293

"لباب الآداب" ص ٢٠ - ٢١: "نشأ أسامة في كنف أبويه وعمته وجدته، وفي وسط أسرة من أعظم الأسر العربية، أكثر رجالها فرسان محاربون من الطبقة الأولى، وبعد ولادته بنحو سنتين بدأت الحروب الصليبية في بلاد الشأم سنة ٤٩٠، ورباه أبوه على الشجاعة والفتوة والرجولة، ومرنه على الفروسية والقتال، وكان يخرجه معه إلى الصيد، ويدفع به بين لهوات الأسود، فأخرج منه فارسًا كاملًا، وسياسيًّا ماهرًا، ورجلًا ثابتًا كالرواسي، لا تزعزعه الأعاصير، ولا تهوله النكبات والرزايا، فهو يقول عن نفسه بعد أن جاوز التسعين، إذ يحكي بعض ما لقي من الأهوال: "فهذه نكبات تزعزع الجبال، وتفني الأموال، والله سبحانه يعوض برحمته، ويختم بلطفه ومغفرته، وتلك وقعات كبار شاهدتها، مضافة إلى نكبات نُكبتها، سلمتْ فيها النفس لتوقيت الآجال، وأجحفتْ بهلاك المال" (الاعتبار ص ٣). ويقول أيضًا: "فلا يظن ظان أن الموت يقدمه ركوب الخطر، ولا يؤخره شدة الحذر، ففي بقائي أوضحُ معتبر، فكم لقيت من الأهوال، وتقحمت المخاوف والأخطار، ولاقيت الفرسان، وقَتلت الأسود، وضُربت بالسيوف، وطُعنت بالرماح، وجرحت بالسهام والجروخ (١)، وأنا من الأجل في حصن حصين إلى أن بلغتُ تمام التسعين ... فأنا كما قلت:

стр. 294

مع الثمانين عاثَ الدَّهْرُ في جَلَدِي ... وساءَنِي ضَعْفُ رِجْلِي واضطرابِ يَدِي إذا كَتَبْتُ فَخَطِّي جِدُّ مضطرب ... كَخَطِّ مُرْتَعِشِ الْكَفَّيْنِ مُرْتَعِدِ فاعْجَبْ لِضَعْفِ يَدِي عَنْ حَمْلِها قَلَمًا ... مِنْ بَعْدِ حَطْمِ الْقَنا فِي لُبَّةِ الْأَسَدِ وَإِنْ مَشيتُ وفِي كَفِّي الْعَصا ثَقُلَتْ ... رِجْلي، كأنِّي أَخُوضُ الْوَحلَ فِي الجلدِ فَقُلْ لِمَنْ يَتَمَنَّى طُولَ مُدَّتِهِ: ... هَذِي عَواقِبُ طُولِ الْعُمْرِ والْمَدَدِ (الاعتبار ص ١٦٣ - ١٦٤). وقد عمر أسامة عمرًا طويلًا، عاش ٢٥ يوم ٢ شهر ٩٦ سنة؛ لأنه ولد يوم الأحد ٢٧ جمادى الآخرة سنة ٤٨٨ (يوليو سنة ١٠٩٥) ومات ليلة الثلاثاء ٢٣ رمضان سنة ٥٨٤ (نوفمبر سنة ١١٨٨). وكان المستشار الحربي لصلاح الدين الأيوبي، بما نال من خبرة طويلة، في الحرب والسياسة، وبما خاض من غمار الحروب الصليبية، وقد نشأ في عنفوانها، نقل أبو شامة في الروضتين (ج ١ ص ٢٦٤) عن العماد الكاتب، مؤرخ صلاح الدين ولسانه الناطق، يصف مجيء أسامة إلى دمشق باستدعاء صلاح الدين، وهو شيخ قد جاوز الثمانين، قال: "فلما جاء مؤيد الدولة - يعني أسامة، فذا لقبه - أنزله أرحب منزل، وأورده أعذب منهل، وملكه من أعمال المعرفة ضيعة زعم أنها كانت قديمًا تجري في أملاكه، وأعطاه بدمشق دارًا وإدارًا، وإذا كان - يعني السلطان صلاح الدين - بدمشق جالسه وآنسه، وذاكره في الأدب ودارسه، وكان ذا رأي وتجربة، وحنكة مهذبة، فهو

стр. 295

يستشيره في نوائبه، ويستنير برأيه في غياهبه، وإذا غاب عنه في غزواته، كاتبه وأعلمه بواقعاته ووقعاته، واستخرج رأيه في كشف مهماته، وحل مشكلاته". فهذا الفارس كما قال المؤلف في تصدير الكتاب: "مثل أعلى للفروسية العربية التي ثقفها الغربيون عن فرسان العرب زمن الحروب الصليبية، فهو فارس حمل علم الجهاد في أعنف صراع شهده العالم الإسلامي، حينما وجه الغرب حملاته الصليبية عليه لانتزاع بيت المقدس". فهو جدير بأن يترجم وتدرس حياته وأحواله وآراؤه السياسية والاجتماعية والعلمية دراسة واسعة وافية؛ ليكون مثالًا يحتذى، وكما قال المؤلف أيضًا: "فنحن إذ ندرس سيرة أسامة بن منقذ، ندرس الخطوات التي خطاها العالم الإسلامي في جمع شمله وتوحيد صفوفه، حين نهض ليرد عادية الصليبيين، ويزيد في شأن هذه الدراسة التاريخية، قدرًا أن أسامة نفسه قد خلف في كتابه "الاعتبار" صورة لأحداث عصره، وقد اعتمد عليه كثير من المؤرخين في دراساتهم لهذه الحقبة الصاخبة من تاريخ الجهاد الإسلامي". وهذا الكتاب سيرة ممتعة، درس فيها المؤلف حياة أسامة وحياة أسرته، والعصر الذي نشأ فيه، وتتبع آثاره العلمية والأدبية تتبعًا لا بأس به، وعني بتحقيق مسائل تاريخية هامة، وعني بجمع كثير من شعر أسامة، فقد كان شاعرًا فحلًا، وله ديوان مفقود، رآه ابن خلكان بخطه في مجلدين، وليت المؤلف أو غيره من الباحثين المتقنين ينشط

стр. 296

إلى البحث عنه لينشره، فإذا لم يوجد جمع كل ما يجد من شعره مفرقًا في الكتب، وينسب كل شيء منه إلى موضعه الذي نقل منه، فيخرج لنا كثيرًا من هذا الديوان الفريد النادر. والكتاب مطبوع في مطبعة دار الكتب المصرية، وسيكون مرجعًا مفيدًا في أيدي العلماء والباحثين والأدباء، فكنا نرجو أن يخلو من الأغلاط المطبعية الكثيرة، وبعضها مما لا يجوز التساهل فيه، مثل قوله في (ص ٩) في شعر لأسامة: ظلومٌ أبت في الظلم إلا التماديا ... وفي الصد والهجران إلا تناهيا ومن البين أن صواب الشطر الأول "إلا تماديا" دون حرف التعريف. وفي (ص ٢٥ س ٣) "لم يشأ الفرنج أن يتركوا شيرز في هدوء هامدة طويلة"! وصوابه "في هدوئها مدة طويلة". (وفي ص ٣٧ س ١٦): "ما لم يكن يره فيه" وصوابه "ما لم يكن يراه فيه". ومثل بيت لأسامة في (ص ٥٤): هل فيهمْ رجل يغني عَنَائي إذ ... جلَّى الحوادثَ حدَّ السيف والقلم وصحته "فيهمُ" و"غَنَائي" بالغين المعجمة و"حدُّ السيف" بالرفع. وفي البيت الذي بعده "ذَرَع الرجالُ" وصحته "ذَرْعُ الرِجالِ".

стр. 297

وفي البيت الأخير في الصفحة نفسها، "فاسلم فما عشتُ لي" وصوابه "عشتَ". وفي (ص ٩٠ س ٤) "كالجواد العلاف" وصوابه "كجواد العلاف" كما في الاعتبار الذي نقل عنه. وفي (س ١٦) "بالسهام والجروح" وصوابه "الجروخ بالخاء المعجمة"، كما شرحناها آنفًا، وكما هو في الاعتبار. والشعر الذي في (ص ١٠٧) فيه كثير من أخطاء الطبع أيضًا، ولو تتبعنا ذلك لطال جدًّا. وقد أثبت المؤلف في آخر الكتاب ثبتًا بالمراجع التي اعتمد عليها في كتابه، وذكر طبعاتها وتاريخها، فلم يكن في حاجة للإطالة بوصف كل مرجع منها في الهوامش عند النقل عنها، وثبت المراجع كاف. ومما أخذت عليه أن نقل فقرة طويلة (ص ٤ - ٥) ونسبها في الهامش إلى "ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق. ص ١٣٠". وهو تساهل غير جيد، بل خطأ يخشى أن يوقع الشك في صحة نسبة كثير من المقتبسات؛ لأن هذه الفقرة نقلها ناشر تاريخ ابن القلانسي في هامش (ص ١٣٠) عن تاريخ "سبط ابن الجوزي" فليست من كلام ابن القلانسي ولا صلة لها به، إلَّا نشرها بهامش كتابه! وقال المؤلف في (ص ٣٦) حين عرض لتعلم أسامة العلم: "وكان أبو الحسن السنبسي يعلمه الحديث، وابن المنيّرة يعلمه الأدب". وكتب على ذلك في الهامش مصدره وهو "أحمد أمين: فارس كنانة: فيض الخاطر، الجزء الرابع ص ١٢٠" وأنا أظن أن المؤلف الفاضل قرأ الترجمة التي كتبتُها لأسامة في أول "لباب

стр. 298

الآداب". فكان الأجدر به وبالأمانة في النقل أن يشير في هذه الفقرة إلى الموضع الذي نقل منه الأستاذ أحمد بك أمين، أو يتخطى هذين، المصدرين المعاصرين، ويرجع إلى المصادر التي أشرت إليها في هذا، فإني قلت في (ص ٢١) من الترجمة: "ولم يكتف أبوه بتربيته الحربية، بل كان يحضر له الشيوخ الكبار ليعلموه هو وإخوته، فسمع الحديث من الشيخ الصالح أبي الحسن علي بن سالم السِّنْبِسي في سنة ٤٩٩ كما في تاريخ الإسلام للذهبي، وقد روى عنه حديثًا في أول (لباب الآداب ص ١) وكان يؤدبه الشيخ العالم أبو عبد الله محمد بن يوسف المعروف بابن المنيرة المتوفى سنة ٥٠٣، (الاعتبار ص ٨٥) و (لباب الآداب ص ١٠١ و ١٩٠) ". وفي (ص ٧٣) يقول المؤلف: "لم تحو المصادر التاريخية ما يشير إلى خوض أسامة وهو في بلاط نور الدين المعارك ضد الإفرنج كما عودنا ذلك، ولعل كبر سنه أقعده عن ذلك، ولكنا نجد أبا شامة المقدسي قد نوه بشجاعة أسامة في حصار قلعة حارم، فقال: "إنه كان من الشجاعة في الغاية التي لا مزيد عليها". إلى آخره. وأخشى أن يكون في هذا شيء من التناقض، نفي ثم إثبات! فماذا بعد أن يذكر أبو شامة اشتراكه في الحصار، وعوده من الغزو؟ أما يكفي هذا في الإشارة إلى خوض المعارك، وهو بالتصريح لا بالإشارة؟ ! والمؤلف يحرص على ذكر التاريخ الإفرنجي بجوار التاريخ الهجري، ولا بأس بذلك، ولكنه ينسى في بعض المواطن فيقتصر

стр. 299

على التاريخ الإفرنجي، وهو يؤرخ لبطل عربي إسلامي، ويؤرخ وقائع عربية عن كتب العرب! كما فعل في (ص ٧٥، ٧٦) مثلًا. ويقول المؤلف (ص ٨٩): "كنا نود أن تكشف لنا المصادر التاريخية عن الصلة بين أسامة والقاضي الفاضل عبد الرحيم البساني وزير مصر الكبير، ورسائل الفاضل التي بين أيدينا ليس منها رسالة واحدة إلى أسامة، غير أن العماد قد حفظ في الخريدة رسائل جرت بينهما عن كتاب العصا، ومن الغريب أن العماد هو الوحيد الذي حفظ هذه الرسائل، مما جعل الشك يتطرق إلى صحة نسبة هذه الرسائل إلى الفاضل"! ! وهذه طريقة طريفة في الشك وفي الاستدلال عليه! يستدل بما ذكر في هامش هذا الموضع من أنه "بين يدي المؤلف جميع المخطوطات التي تحوي رسائل القاضي الفاضل" وما أدري من أين جاء هذا الحصر الكلي، حتى يكون سببًا للشك في رواية مؤرخ ثقة كالعماد الكاتب؟ العماد ذكر رسائل من القاضي الفاضل لأسامة، وأثبت نصها، والمؤلف يقول إن بين يديه مخطوطات فيها رسائل القاضي وليس من بينها ما ذكر العماد، أليس ما ذكر العماد من المخطوطات التي تحوي رسائل القاضي أيضًا، وإن لم تكن خاصة بها، والعماد معاصر للمرسل وللمرسَل إليه؟ ! ولم يتهمه أحد بالوضع والاختلاف، فأنى يأتي الشك للمؤلف، إلّا أن يكون على طريقة المستشرقين! ! ومن مثل هذا، وإن كان المؤلف مقلدًا فيه فقط، ما جاء في

стр. 300

وصف النسخة المخطوطة الوحيدة من كتاب الاعتبار المحفوظة بالإسكريال (ص ٩٣ - ٩٤) فقد نقل ما كتب في آخرها من قراءتها على "مرهف بن أسامة" والقارئ حفيد مرهف؛ لأنه يقول: "قرأت هذا الكتاب من أوله إلى آخره في عدة مجالس، على مولاي جدي الأمير" ... إلخ. وأن ذلك كان في ١٣ صفر سنة ٦١٠، وكتب مرهف عقيبه: صحيح ذلك. وكتب جده مرهف بن أسامة بن منقذ، حامدًا ومصليًا. فقال المؤلف عقيب ذلك: "وقد أوضح فيليب حتى إن (١٣ صفر سنة ٦١٠) ليس هو تاريخ نسخ مخطوطة الإسكوريال، بل هو تاريخ النسخة الأصلية التي نقل عنها مخطوطة الإسكوريال"! لماذا؟ ! لا أدري! هكذا أراد فيليب حتى وهكذا أراد المؤلف، لو كان لهما ممارسة طويلة بالمخطوطات العتيقة، وبطرق المتقدمين في الإجازات وإثباتها على الكتب، ونقل صورها عن أصولها إن لم تكن هي أصلًا، ما قال واحد منهما شيئًا من هذا. ومن المستطاع بهذا الاستنباط التحكمي العجيب أن ننفي كل شيء، وأن نكذب بكل شيء، ثم لا يؤثر ما نقول في الوثائق الصحيحة، والدلائل الثابتة. ولقد رددت مثل هذا التحكم على الدكتور موريتس في تشكيكه في أصل "كتاب الرسالة" للشافعي الذي بخط الربيع بن سليمان، والمحفوظ بدار الكتب، فليرجع إليه القارئ في مقدمة شرحي على الرسالة (ص ١٧ - ٢٢ من المقدمة). وقد صنع المؤلف مثل هذا في وصفه مخطوطة (ليدن) من "كتاب

стр. 301

العصا" لأسامة، إذ قال في (ص ٩٧): "ولا يمكننا الجزم بأن التاريخ المكتوب عليها (١٠٩٤ هـ= ١٦٨٣ م) هو تاريخ نسخها"! لماذا؟ ! لا أدري أيضًا، وليته تثبت قبل أن يلقي ظلال الشك على مخطوطين، أنا واثق أنه لم يرهما، وإنما نقل وصفهما عن غيره، لعله لو رآهما لقال غير ما قال. والله يهدينا جميعًا إلى سواء السبيل. * * *

стр. 302

الخطيب البغدادي (*) تأليف الأستاذ يوسف العش (١) يعجبني أن يشغف شبابنا الناهض المثقف بتراجم الرجال؛ فإن فن التراجم من أروع فنون العرب وأبدعها وأكثرها فائدة. وعلماء الإسلام هم الذين شقوا طريقه، ووطؤوا أكنافه، ورفعوا مناره، وجعلوه فنًّا معجبًا ممتعًا، حتى إن علماء الحديث وحفاظه اعتبروه من أهم فنون الحديث، بل قسموه فنونًا عدة، انظر مثلا كتاب (علوم الحديث لابن الصلاح) إذ قسمه إلى أنواع أو علوم، من النوع "التاسع والثلاثين" إلى النوع "الخامس والستين". وألف فيه حفاظ الحديث وكبار رجاله مئات المجلدات المطبوعة، إلى الآلاف التي لا تحصى مما لم يطبع، وإلى أضعافها مما فقد على أحداث الزمن، مما وجدنا خبرًا عنه في تراجم المؤلفين وفهارس الكتب، ومما لم يسمع به أحد. وما أظن أمة بلغت في القديم في هذا الفن ما بلغ حفاظ الحديث وعلماء العرب، ويكفي أن تعلم أن البخاري صاحب الصحيح ألف كتاب "التاريخ الكبير" وقد طبع منه بحيدر آباد بالهند نصفه في أربعة جلود كبار، وأن

стр. 303

البخاري مات سنة ٢٥٦، أي منذ أكثر من ألف ومائة سنة، وأن ابن سعد ألف كتاب "الطبقات الكبير" وقد طبع ما وجد منه في أوربة في ثمانية مجلدات ضخام، وأن ابن سعد مات سنة ٢٣٠، أي قبل البخاري بستة وعشرين عامًا. فما يثلج صدرنا حقًّا أن يعني شبابنا الباحثون بهذا الفن الجليل، وأن يخرجوا فيه الكتب الممتعة، والدراسات الجيدة، مرة يجيدون، ومرة غير ذلك، ولكنهم على السبيل، ثم لا يلبثون أن يصلوا، وأن يحيوا مجد السلف الصالح. وقد قرأت هذا الكتاب "الخطيب البغدادي" الذي ألفه الأستاذ يوسف العش، ترجمة لهذا المؤرخ المترجم العظيم، فأعجبني حقًّا؛ أعجبني ما فيه من تعمق في البحث، واستقصاء للمراجع، وتحقيق وتحليل، وإرجاع كل شيء إلى مصدره، حتى لا يضل القارئ، ولا يشك فيما ينقل له. وهذه مهمة، فإني أرى أن كثيرًا من المؤلفين في هذا العصر، يضلون القارئ بذكر مراجع كثيرة ذكرًا إجماليًّا، ثم لا يسندون ما ينقلون إلى مواضعه من المراجع، فلا تكاد تتعقبه، ولا تكاد تعرف أنقل حقًّا أم أخطأ عن غير عمد، أم شيئًا آخر لا أحب أن أسميه. أما الأستاذ يوسف العش فإنه اتبع الطريق القويم. ولقد وصف صديقنا الأستاذ أحمد بك أمين هذا الكتاب وصفًا جيدًا حين عرضه للقارئ في مقدمته: "ستشهد في هذا السفر صورة موجزة عن عصر متوسط من عصور الإسلام، وترى فيه حياة محدث

стр. 304

قد حفل بالعلم، وانكب عليه وأخلص له، فسعد بسببه، وعرف به، وقدر لأجله، وستقرأ صورته بطبعه السمح، ونفسه الطيبة، وقدرته على الإتقان، وتنتقل من ذلك إلى وصفه في ثقافته وعلمه، وهما يتكوّنان ثم يتوسعان ثم ينتجان، ويبدو لك بعد ذلك أدب براق، وشعر لطيف، فتتشوق إلى معرفة رأي الرجل، فتراه متحمسًا يعتقد وجوب الأخذ بشيء من التفكير والعقل، والوقوف عند نصوص الشرع، حتى إذا شاهد من لا يوافقه على رأيه، لم يخش من الكيل له بما يراه يستحقه، يخاصمه مستترًا بأقوال غيره فيه، يورد أشدها وأقواها دون أن يبدي رأيه فيه، أو يرفع صوته في استنكار أعماله، ولكن خصومه لا يقفون حيارى، بل يتناولونه بألسنتهم الحداد، ويتهمونه بما يرونه مستحقًّا له، ويضطرب رأيك فيه بعد الذي تسمع في نقده، وتود لو سمعت قول المنصفين ليتبين لك الحق، فترى أئمة المؤرخين معجبين به، مجلين له، معتقدين كماله وإتقانه، وتستخلص من ذلك صورة تختم بها رأيك فيه فتجده من خيار الناس الذين يكونون مجد الأمم، ويخدمون تراث العلم". وصنف الأستاذ يوسف كتابه هذا تصنيفًا علميًّا دقيقًا، فقسمه إلى أبواب: ١ - عصر الخطيب. ٢ - حياته في العلم وللعلم. ٣ - صورته بمزاياه وطبعه. ٤ - مصادر ثقافته وينبوع أثره. ٥ - تعداد شيوخه وأقرانه وتلامذته. ٦ - تسمية ما ورد به دمشق من روايته من الأجزاء المسموعة

стр. 305

والكتب الكبار المصنفة ... إلخ. ٧ - أسماء المؤلفين الذين ورد الخطيب بمؤلفاتهم دمشق. ٨ - فهرست مصنفاته. ٩ - مقدمة البحث عن ثقافته وأثره. ١٠ - ثقافته في نشأتها واكتمالها. ١١ - آثاره وأهدافه فيها إجمالا. ١٢ - الآخذون عنه وخاتمة القول في أثره. ١٣ - مذهبه ونزعاته. ١٤ - صفته في علمه. ١٥ - مكانته عند الناقدين. وفي الكتاب هنات ومآخذ، لا تغض من قيمة ما بذل المؤلف الفاضل من جهد في التحقيق والتنقيب، وكثير منها كان يمكن تداركه، إلى شيوع الأغلاط المطبعية فيه، مما لا نستطيع أن نؤاخذ المؤلف وحده عليها، وكنا نتمنى أن يبذل في التصحيح المطبعي شيئًا من العناية، ونحن نسوق بعض ما رأينا من المآخذ؛ ليكون موضع نظر المؤلف والقارئ: ص ٥٣ س ٤ "وبقيت ذاكرته ماثلة في أذهان أهل بغداد" يريد "وبقيت ذكراه". ص ٩٤ رقم ٣٠ "قراءة ابن محص؟ " فكذا كتبها المؤلف ووضع بجوارها علامة الاستفهام. وصحتها "قراءة ابن محيصن"، وابن محيصن أحد القراء المعروفين، واسمه "محمد بن عبد الرحمن المكي". ص ٩٦ رقم ٨٨ "كتاب العلل لعمرو بن علي (لعله القلاس) " هكذا كتب، و"عمرو بن علي" هو "الفلاس" يقينًا، وهو إمام ثبت حجة، صنف "المسند والعلل والتاريخ" فلا حاجة إلى الظن، ثم هو "الفلاس" بالفاء لا بالقاف. وما أظن هذا خطأ مطبعيًا، فقد تكرر في

стр. 306

ص ١٠٨ رقم ٣٥٥ وفي ص ١٠٩ رقم ٤٠٠. ص ٩٨ رقم ١٤١ "كتاب الرد على محمد بن الحسين للشافعي" وصوابه "محمد بن الحسن" وهو الإمام صاحب أبي حنيفة، وهذا الكتاب مطبوع في مطبعة بولاق بمصر سنة ١٣٢٥ ضمن كتاب (الأم للشافعي ج ٧ ص ٢٠٣ - ٢٧٧)، وكان يجدر بالمؤلف - وهو بالكتب خبير - أن ينبه إلى ذلك، ولعل الخطأ في جعل "الحسن" "الحسين" خطأ مطبعيًّا. ص ٩٩ رقم ١٦٣ من العمود الثاني "كتاب مسائل أبي بكر (أحمد ابن محمد) المرودي" وصحته "المروذي" بتشديد الراء المضمومة وكسر الذال المعجمة، نسبة إلى "مرو الروذ" وهي مدينة قديمة معروفة، ينسب إليها "المرويذ" و"المروروذي"، انظر معجم البلدان. وأبو بكر هذا من كبار أصحاب الإمام أحمد بن حنبل، له ترجمة في طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى ص ٣٢ - ٣٤ طبعة المكتبة العربية بدمشق سنة ١٣٥٠ وتاريخ بغداد للخطيب ٤٢٣ ص ٤٢٠ - ٤٢٥ وغيرهما. ولعل إهمال الذال من الخطأ المطبعي أيضًا. ص ٩٩ رقم ١٦٩ "كتاب الموطأ (لمالك) من طريق العنبي ومن رواية ابن وهب وابن العا؟ " هكذا بهذا الرسم وإهمال النقط، ولو رجع المؤلف الفاضل إلى ترجمة الإمام مالك وأسماء تلاميذه، وإلى ما كتب في كتب الحديث وغيرها عن الموطأ وأسماء رواته، لعلم أن صحة الاسم الأول "القعنبي" بفتح القاف والنون بينهما عين ساكنة،

стр. 307

نسبة إلى جده "قعنب" والقعنبي أحد رواة الموطأ الثقات، واسمه "عبد الله بن مسلمة بن قعنب" وهو شيخ البخاري ومسلم وغيرهما، مات سنة ٢٢١. ولعلم أن صحة الاسم الثاني "ابن القاسم" فلعله كتب في الأصل الذي نقل عنه من غير نقط على القاف، أو تآكل الورق، أو ضاع باقي الاسم، أو لعله كتب على طريقة الإملاء القديمة في سطرين "القا" في آخر السطر و"سم" في أول السطر الذي بعده، وهو "عبد الرحمن بن القاسم بن خالد المصري الفقيه" أحد رواة الموطأ عن مالك وحملة فقهه، مات سنة ١٩١. ص ١٢٢ رقم ٩ "محمد بن ححارة وبيان بن بشر" هكذا بدون نقط، وهما خطأ. والصحيح في الأول: "محمد بن جحادة" بضم الجيم وتخفيف الحاء المهملة، وهو من صغار التابعين، روى عن أنس بن مالك. وفي الثاني "بيان" بفتح الباء الموحدة وتخفيف الياء التحتية، وهو من صغار التابعين، روى عن أنس أيضًا. ص ١٢٢ رقم ١٤ "مسند نعيم بن هماز العصعصاني" وهو خطأ، صحته: "نعيم بن همار الغطفاني" بفتح الهاء وتشديد الميم من "همار" و"الغطفاني" بفتح الطاء المهملة وبالفاء، نسبة إلى "غطفان". ص ١٢٢ رقم ١٥ "جزء فيه أحاديث مالك بن أنس عوالي"، وهذا تعبير عجيب ليس بعربي قطعًا! لعله يكون إفرنجيًّا؟ ! العرب يقولون في مثل هذا "عوالي أحاديث مالك بن أنس" أو "أحاديث مالك بن أنس العوالي". ص ١٢٣ رقم ٢٠ "الفوائد المنتخبة الصحاح والغرائب تخريج

стр. 308

الخطيب لأبي القاسم المهرواني، ذكره ابن الجوزي في المنتظم ٨: ٣٠٤ بقوله: مشيخته". فهذه "المهرواني" غلطة لعلها مطبعية، صوابها "النهرواني" بالنون، وكذلك هو في المنتظم، و"مشيخته" خطأ أيضًا، صحتها "مشيخة" بدون الضمير، كما هو بديهي، وكما هو في المنتظم. ص ١٢٣ رقم ٢٤ كتاب "الفصل للوصل المدرج في النقل في تسعة أجزاء" وضعه المؤلف في كتب المصطلح، ولم أر الكتاب، ولكني أرجح أنه في الحديث لا في المصطلح؛ لأن الظاهر من اسمه ومن تجزئته أنه يذكر الأحاديث التي أدرج فيها ما ليس منها، وينبه على فصل المدرج عن أصل الحديث. ص ١٢٤ رقم ٢٥ كتاب "الكفاية للخطيب" نقل المؤلف عن بروكلمن أن دائرة المعارف النظامية بحيدر آباد تعمل على إخراجه، والكتاب أخرج فعلًا، وجاء إلى مصر واقتنياه، وقد طبع سنة ١٣٥٧، أي منذ ثماني سنين. ص ١٢٥ رقم ٣١ كتاب "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" للخطيب. وصف المؤلف نسخة مكتبة البلدية بالإسكندرية أنها في عشرة مجلدات، وهو خطأ عذره فيه أنه نقله من فهرس مكتبة البلدية، ولكن الكتاب عشرة أجزاء صغار في مجلد واحد، وقد رأيته، ونسخه بخطه أحد إخواننا الشيخ علي عبد العليم، الذي كان قاضيًا بالمحكمة الشرعية بالإسكندرية ﵀، ورأيت نسخته أيضًا.

стр. 309

ص ١٢٩ رقم ٥٤ كتاب "التطفيل" نقل المؤلف عن بروكلمن أنه مطبوع. وهذا إن رضيناه من أحد فلا نرضاه من الأستاذ يوسف العش، العارف بالكتب معرفة جيدة؛ فإن الكتاب مطبوع منذ عشرين سنة تقريبًا في دمشق، وما أظن أن مكتبة الظاهرية تخلو من نسخة من هذه الطبعة. ومما لا يعجبني أن يحيل المؤلف القارئ في تراجم العلماء الكبار المعروفين على كتاب بروكلمن ليعرفوا مراجع تراجمهم! كما صنع في تراجم أبي نعيم ص ٨٠، وابن الصباغ صاحب الشامل، وابن بشران ص ٨٢، وأبي إسحاق الشيرازي وابن ماكولا ص ٨٥، والخطيب التبريزي ص ٩٠، وما أدري لم هذا؟ وكتب التراجم بين يديه، يستطيع أن يرشد القارئ إلى مواضع التراجم فيها تيسيرًا عليهم! وكثير من هذه الكتب يقتنيها المثقفون من القراء. أما كتاب بروكلمن، فإنه باللغة الألمانية أولًا، والعارفون بها قليلون، وقليل منهم من يعنى بالتراجم أو يقتني كتبها، ثم أين هو كتاب بروكلمن الآن؟ إن النسخة منه ليبلغ ثمنها أكثر من أربعين جنيهًا، ثم لا توجد. وخير للمؤلف أن لا يغرب على القارئ، وإن كان مشكورًا على هذا الكتاب الممتع البديع. ولئن كان لي أن أقترح على المؤلف أن يحبو المكتبة العربية بأثر آخر نفيس يكون صنوًا لكتابه، إني أقترح عليه أن يؤرخ للحافظ ابن عساكر مؤلف تاريخ دمشق، كما أرّخ للخطيب مؤلف تاريخ بغداد. * * *

стр. 310

دراسات عن مقدمة ابن خلدون (*) بقلم أبي خلدون ساطع الحضري (١) استوعب المؤلف درس مقدمة ابن خلدون، استيعابًا بديعًا دقيقًا، في كل ناحية من نواحيها، وكشف عن أسرارها وعن مزاياها، في هذا السفر الضخم النفيس. إنهُ يكشف لأبناء العروبة عن كتاب هو مفخرة من مفاخر العرب في القرن الثامن الهجري، لم يلقَ من عنايتهم ما لقيه من عناية غيرهم من الترك والإفرنج، إلَّا قليلًا؛ فلا تزال طبعاته ناقصة محرفةً، ولا تزال نظرياته عندهم بكرًا لم يفترعوها، ولا يزال الكتاب عنهم محجوبًا. أليس مما يؤسف لهُ أن تطبع "مقدمة ابن خلدون" في مصر والشأم طبعات عدة، ليس فيها طبعة معتمدة، ولا كاملة محققة، وأن تكون الطبعة الوحيدة التي يمكن الثقة بها هي طبعة باريس سنة ١٨٥٨ م باعتناء المستشرق "كاترمير"، التي اعتمد فيها على أربع نسخ مخطوطات، والتي أثبت فيها زيادات جمة لم تذكر في غيرها؟ يقول المؤلف في ذلك: "فإذا قارنَّا إحدى هذه الطبعات بطبعة باريس

стр. 311

نجد أنه ينقص منها أحد عشر فصلًا كاملًا من الفصول المهمة، كما ينقص منها عدد غير قليل من الأبحاث والفقرات من الفصول المختلفة، وإذا أحصينا مجموع صفحات هذه الفصول والفقرات الناقصة نجد أنها تزيد على الستين". ومن مزايا الكتاب أنه قد استكمل كثيرًا مما نقص في طبعات المقدمة، نقل بعض الفقرات الناقصة، ونقل بعض الفصول المتروكة، استكمالًا للبحث، وتقريبًا على القارئ، وقد صارت طبعة باريس من أندر النوادر. أو ليس من العجائب أيضًا ما يقول المؤلف: "إن أهم الدراسات التي كتبت بأقلام بعض الشبان العرب ظلَّت خارجة عن نطاق المطبوعات العربية إلى الآن". لقد درَس أبو خلدون سلفه العظيم "ابن خلدون" دراسة دقيقة جامعة، درس عالم محقق، يصيب كثيرًا ويخطئ قليلًا، إن أصاب فعن معرفة وثبت، وإن أخطأ فبعد بحث وجهد، وله لا عليه في الحالين: اجتهد فأصاب أو اجتهد فأخطأ. ونظر نظرة عادلة في نقد كتب المتقدمين، ووضع له قاعدة دقيقة: أن لا ينظر إليها بمناظر العلوم في هذا العصر، وإنما تقاس إلى ما كان من قواعد العلم في العصر الذي ألفت فيه، وعلى هذه القاعدة العادلة سار المؤلف في دراسة المقدمة ونقدها والموازنة بينها وبين ما ثبت علميًّا في العصور السالفة والعصر الحاضر، وتتبَّع عمل

стр. 312

الرجل في طريقة درسه للمسائل، وطريقة تفكيره، وشهد له شهادة صحيحة قيمة حين يقول: "إن أبرز صفات تلك العقلية هي شدة التشوف، ودقة الملاحظة، ونزعة البحث، والتعميم وقدرة الاستقراء، فإننا نجد في المقدمة كثيرًا من الاستقراءات المستندة إلى ملاحظة الواقعات، وقلما نعثر على آثار الاندفاع وراء المجردات والاسترسال في سبيل الاستنتاجات" ج ٢ ص ١٧٣. ونقل شهادة لابن خلدون لها قيمتها، من رجل أوربيّ من رجال الدين، هو روبرت فلينت الذي كان أستاذًا في جامعة أدنبرة، ونشر في سنة ١٨٧٤ كتاب (فلسفة التاريخ في فرنسة وألمانية) قال فيه: "من وجهة علم التاريخ أو فلسفة التاريخ، يتحلى الأدب العربي باسم من ألمع الأسماء، فلا العالم الكلاسيكي في القرون القديمة، ولا العالم المسيحي في القرون الوسطى يستطيع أن يقدّم اسمًا يضاهي في لمعانه ذلك الاسم. إذا نظرنا إلى ابن خلدون كمؤرخ فقط نجد من يتفوّق عليه حتى بين كتَّاب العرب أنفسهم، وأما كواضع نظريات في التاريخ فإنه منقطع النظير في كل زمان ومكان، حتى ظهور فيكو بعده بأكثر من ثلاثمائة عام، ليس أفلاطون ولا أرسطو ولا القديس أوغسطين بأندادٍ له، وأما البقية فلا يستحقون حتى الذكر بجانبه، إنهُ يستحق الإعجاب بما أظهره من روح الابتكار والفراسة والتعمق والإحاطة" ص ١٤١. ومن أجود ما في الكتاب وأنفسه أن المؤلف عقد موازانات

стр. 313

محكمة وافية بين نظريات ابن خلدون ونظريات من جاء بعده من أساطين أوربة؛ فقارن بين ابن خلدون وفيكو الإيطالي (المولود والمتوفى في نابولي ١٦٦٧ - ١٧٤٤) في كتابه (العلم الجديد) الذي سمي بسببه "مؤسس فلسفة التاريخ ومؤسس علم الاجتماع" ج ١ ص ١٤٣ - ١٧٠، ومما أثبت في المقارنة؛ أن فيكو يصدق قصص العمالقة، ويبني عليها قسمًا كبيرًا من آرائه ونظرياته، في حين أنَّ ابن خلدون يفندها بصراحة وشدة. ثم يوازن بين طريقتيهما في البحث والتفكير، ويقول: "فلا مجال للشك إذن في أن نزعة ابن خلدون الفكرية في هذا الصدد كانت أقرب من نزعة فيكو إلى مناحي الأبحاث العلمية بوجه عام، وإلى أصول علمي التاريخ والاجتماع بوجه خاص" ج ١ ص ١٦٧. ثم يسجل حكمًا في هذه المحاكمة العادلة بأن حق ابن خلدون في لقب "مؤسس علم التاريخ" أو "فلسفة التاريخ" أقوى وأثبت من حق كل كاتب سبق "فيكو"، كما قال "فلينت"، وأقوى وأثبت من حق "فيكو" نفسه؛ لأنه كان أقدم منه كثيرًا، ولأنه كان أقرب منه إلى الروح العلمي الحديث (ج ١ ص ١٧٠). وعقد فصلًا آخر في المقارنة بين ابن خلدون ومونتسكيو (ولد سنة ١٦٨٩ ومات سنة ١٧٥٥) في كتاب (روح القوانين) (١) ج ١ ص ١٧١ -

стр. 314

١٩٢. ومما يقول في هذا الفصل: "من الثابت أن مونتسكيو كان قد أبدى طائفة من الآراء الاقتصادية التي ثبت بطلانها بعد مدة وجيزة، كما أنه أغفل كثيرًا من الحقائق الاقتصادية التي تمَّ اكتشافها قبل مرور مدة طويلة، مما يدل دلالة قطعية على أنه لم يتفوّق على معاصريه تفوقًا كبيرًا في أبحاثه الاقتصادية، في حين أن ابن خلدون كان قد سما فوق معاصريه سموًّا هائلًا في هذا المضمار، كما أنه ظل يحلق فوق مستوى الذين جاءوا بعده أيضًا، في الشرق وفي الغرب، مدة قرون عديدة" ج ١ ص ١٨٢. وعقد أيضًا فصلًا جليلًا عن ابن خلدون وعلم الاجتماع ج ١ ص ١٩٣ - ٢٠٥. بيّن فيه أن علم الاجتماع أحدث العلوم الأساسية، ويعزى تأسيسه إلى أوغست كونت (سنة ١٧٩٨ - ١٨٥٣)، وأن حق ابن خلدون بلقب "مؤسس علم الاجتماع" أقوى من حق كونت؛ لأنه فعل ذلك قبله بمدة تزيد على ٤٦٠ سنة. أقول أنا: وقد أدرك ابن خلدون أنه يضع علمًا مستحدثًا في الاجتماع؛ إذ يقول: "وكأنّ هذا علم مستقلّ بنفسه؛ فإنه ذو موضوع، وهو العمران البشريّ والاجتماع الإنساني ... واعلم أن الكلام في هذا الغرض مستحدث الصنعة غريب النزعة غزير الفائدة أعْثَر عليه البحثُ وأدَّى إليه الغوص ... وكأنه علم مستنبط النشأة، ولعمري لم أقف على الكلام في منحاه لأحد من الخليقة ... إلخ". المقدمة ص ٣٦, ٣٧ من طبعة بولاق سنة ١٣٢٠ هـ.

стр. 315

وهكذا من مزايا الكتاب، مما لا نستطيع أن نحصيه في هذا المقام، ولا نستطيع أن نفيه حقه من الثناء، إلّا أن نوصي كل قارئ عربيّ أن يستوعب الكتاب قراءة ودرسًا، ليفيد علمًا جمًّا، وعقلًا سديدًا. * * * وفي الكتاب مآخذ ليست بالكثيرة، جلها مما يرجع إلى مقدرة المؤلف وعلمه بالعربية، فإن الكتاب كُتب بلغة غريبة، في كثير منها نبوّ عن العربية في اللفظ والأسلوب. ولسنا نفصل القول في ذلك، ولكنا نضرب فيه الأمثال: "حين كان مفكرو أوروبة لا يزالون يتيهون في فيافي التفكير الكلماني الدرساني" ١: ٢٥٠. "يلاحظ أن مواضيع كل حد من حدود هذه السلسة أقل عمومية وأشد معضلية من التي قبلها، وأشد عمومية وأقل معضلية من التي بعدها" ١: ١٩٤. "وبهذه الصورة أصبح علم الاجتماع يسيطر على جميع العلوم الاجتماعية، أرضي أم أبى أصحابها، وأخذ ينفخ روحًا تقدميًّا فيها" ١: ١٩٨. "أن معظم مباحث المقدمة مكتوبة بنزعة علمانية وعقلانية" ١: ٧٣ "أن الأفاعيل الحياتية أشد إعضالًا من الحادثات الكيماوية" ١: ١٩٣. وهكذا مما ملئ به الكتاب مما يباعد بينه وبين العربية. وقد أتى المؤلف مرارًا بفعل "استهدف" متعديًّا، مثل: "فإنها لا تستهدف شيئًا" ١: ٩. وهو فعل لازم، لا يؤدي المعنى المراد هنا، وليس هذا الخطأ خاصًّا بالمؤلف، بل رأينا كثيرًا من كبار الكتَّاب بمصر يقعون فيه.

стр. 316

وأنا أوقن أن ضعف لغة الكتاب لم يكن عن عمد من مؤلفه، ولا تقصيرًا منه في استكمال لغته، ولكن يبدو لي - ولم يسبق لي شرف التعرُّف إليه - أنه نشأ على دراسة أجنبية، شأن كثير من نبهاء هذا العصر، ثم شغلته الحياة عن التعمق في العربية وعن التمرس بفصيح الكلام. * * * وقد عقد المؤلف فصلًا عن تطور الألفاظ واختلاف دلالاتها باختلاف العصور والموضوعات، وهو شيء معروف في العربية، وإن كان يوهم كلامه أنه شيء مستحدث، ثم ضرب من أمثلة ذلك كلمتي "الأبنية" بمعنى الخيام و"المصانع" بمعنى المباني، جعلهما كأنهما اصطلاح خاص أو استعمال مستحدث لابن خلدون، وليس كذلك؛ فإن "الأبنية" كما تطلق في العربية على المباني تطلق على الخيام، بل لعلها في الخيام أقدم، ففي اللسان: "البناء واحد الأبنية وهي البيوت التي تسكنها العرب في الصحراء، فمنها الطراف والخباء والبناء والقبة" و"المصانع" معروفة جاءت في القرآن الكريم: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩)﴾ سورة الشعراء آية: ١٢٩. والمصانع هي ما يصنعه الناس من الآبار والأبنية وغيرها، قال الأزهري: "ويقال للقصور أيضًا مصانع". وقد ترجم المؤلف اصطلاحًا إفرنجيًّا ترجمة عجيبة، لا تطابق المعنى، وينبو عنها السمع، فإنه نقل عن علماء الاجتماع المتأخرين تقسيم الحكمة والسلطة إلى "السلطة المنتثرة" التي لا يختص بها

стр. 317

أشخاص معينون ولا تتعهدها هيئات منظمة، والسلطة "المتعضية" التي يختص بها أشخاص معينون وتتعهدها هيئات "متعضية" وفق أنظمة معينة. ج ١ ص ٢٤٥. فهذه "المتعضية" يريد بها السلطة الموحدة المنظمة، يترجم بها كلمة Organise وأصل الكلمة الفرنسية، كما وجدت في المعاجم وكما أفادني بعض العارفين، معناها: ذو أعضاء، فاشتق منها المؤلف كلمة "متعضية" ولكن علماء الاجتماع لا يريدون هذا فإنهم نقلوها إلى إرادة معنى "السلطة الموحدة المنظمة". فهذا تكلف من المؤلف، لم يكن به إليه حاجة، ألجأه إلى كلمة ثقيلة، وإلى اشتقاق إن وافق العربية وافقها على معنىً ينقض ما أراد؛ فإن "التعضية" التفريق، وهو مأخوذ من الأعضاء، كما في اللسان، وهيهات هذا من ذاك. والمؤلف يؤرخ الحوادث العربية الخالصة في الكثير الأغلب بالتاريخ الإفرنجيّ يقتصر عليه، وقد يضم إليه التاريخ الهجري في بعض أحيانه. وليته جعل التاريخ الهجريَّ أساس تأريخه، وهو يؤرخ لمؤلف إسلاميّ يكتب في تاريخ الإسلام وعلوم الإسلام. ثم خاض المؤلف في موضوع شائك، الجدال فيه بغيض وعقيم: موضوع الدين والعقيدة، والعقل والتفكير والعلم، في مواضع متعددة، انظر منها مثلًا (ج ١ ص ٤٢ - ٤٨، ٧٦، ٢٤١ - ٣٤٣ وج ٢ ص ١٥٠ - ١٧٢) ويبدو لي أنه متأثر في كتابته بنظرية العِداء بين العلم

стр. 318

والدِّين وبين العقل والدِّين، وهي نظرية بالية، خجلت حتى احتجبت، وذلت حتى استكانت. ولو أعرض عن الخوض في هذا الموضوع أنصف نفسه؛ إذ يخيل لمن يقرأ ما كتب أنه قد خفي عليه كثير من دقائق الدين والشريعة وظواهرهما، وأن ذلك كان ذا أثر بيّن فيما فهم من كلام ابن خلدون وأدرك من مراميه. والكتاب في جملته من أقوى الكتب التي ظهرت في بضع سنين، فيه علم جم وآراء سديدة. ونتمنى أن يعيد المؤلف النظر في لغته عند إعادة طبعه، إن شاء الله. * * *

стр. 319

عصر النبي ﵇ وبيئته قبل البعثة (*) تأليف الأستاذ محمد عزة دروزة (١) وهذا كتاب فيه فكرة جديدة، وقليلًا ما نرى ذلك في المؤلفات المحدثة، هو أثر من آثار دراسة القرآن دراسة بحث وتأمل وتفكير، لا دراسة مصطنعة في بحثِ الألفاظ، فقد كان أن سجن المؤلف بحكم ظالم من أحكام الفرنسيين الجائرة في سورية، قبل طردهم منها، فقضى شهورًا في سجن المزة العسكري وسجن القلعة بدمشق، فأتاح له الفراغ أن يصرف ذهنه ويقف تفكيره على مدارسة القرآن، حفظًا وتلاوة وتمعنًّا وتدبرًا. والقرآن بعيد الغور واسع المدى، فكلما أعطيته من نفسك ومن عقلك ومن روحك أعطاك من فتوحه ونفحاته، حتى تنكشف لك علوم وآفاق ما كنت لتصل إليها لولا مدارسة القرآن. وهكذا كان شأن الأستاذ المؤلف، فهو يقول: "فلفت نظري ما فيه من آيات كثيرة جدًّا فيها وصف أو إشارات تساعد على رؤية صور كثيرة لما كانت عليه الحياة الدينية والعقلية والاجتماعية والاقتصادية والمعاشية في عصر النبي وبيئته قبل البعثة، فقلت في نفسي: لم لا يكون القرآن مصدرًا لتصوير هذا العصر والبيئة، وفيه ما فيه من هذه

стр. 320

الآيات؟ وهو يعد أوثق وأصدق وأقدم ما يمكن أن يستند إليه كاتب أو باحث". ثم يقول: "وهو على كونه مبلغًا بلسان السيد الرسول عن الله، إنما كان يقرر حوادث واقعة، ويصف حالات قائمة، وينزل الوحي به في المناسبات المشهودة، فهو الكلمة الفاصلة والقول الحاسم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه في تلك الحوادث والحالات والمناسبات، على أن غير المسلم أيضًا لا يسعه إلا أن يأخذ بهذا الاعتبار إذا نظر فيه على أنه وثيقة معاصرة صادقة". "ولما تتبعت آيات القرآن وأخذت أبوبها على مواضيع متنوعة، مما يتناول وصف عصر النبي وبيئته من مختلف نواحيها، ازددت يقينًا بإمكان رسم صور كثيرة لهما من القرآن، وإن لم تكن وافية بكل شيء، فإنها قد تكون محتوية الخطوط الرئيسية للصور التي يحسن أن تكون، بل وسيكون فيها صور جديدة كثيرة لم يتنبه إليها، وصور صادقة أخرى تتغاير قليلًا أو كثيرًا مع ما هو مستقر في الأذهان أيضًا، ثم إنها تكون إلى هذا طريفة في بابها، حتى ولو كان كثير منها يعد بدائه معروفة؛ لأني لا أذكر أن أحدًا حاول أن يرسم مثل هذه الصور، وفي نطاق القرآن الكريم وحده، هذا مع التنبه على أن ما يمكن رسمه منها إنما هو بطريق الاستلهام والاستدلال من خلال الأسلوب والتعابير والأوصاف القرآنية التي لم تكن بسبيل تقرير هذه الصور بالذات، وإنما كانت بسبيل الدعوة والموعظة والإنذار
следующие страницы →