وأنا أوقن أن ضعف لغة الكتاب لم يكن عن عمد من مؤلفه، ولا تقصيرًا منه في استكمال لغته، ولكن يبدو لي - ولم يسبق لي شرف التعرُّف إليه - أنه نشأ على دراسة أجنبية، شأن كثير من نبهاء هذا العصر، ثم شغلته الحياة عن التعمق في العربية وعن التمرس بفصيح الكلام.
* * *
وقد عقد المؤلف فصلًا عن تطور الألفاظ واختلاف دلالاتها باختلاف العصور والموضوعات، وهو شيء معروف في العربية، وإن كان يوهم كلامه أنه شيء مستحدث، ثم ضرب من أمثلة ذلك كلمتي "الأبنية" بمعنى الخيام و"المصانع" بمعنى المباني، جعلهما كأنهما اصطلاح خاص أو استعمال مستحدث لابن خلدون، وليس كذلك؛ فإن "الأبنية" كما تطلق في العربية على المباني تطلق على الخيام، بل لعلها في الخيام أقدم، ففي اللسان: "البناء واحد الأبنية وهي البيوت التي تسكنها العرب في الصحراء، فمنها الطراف والخباء والبناء والقبة" و"المصانع" معروفة جاءت في القرآن الكريم: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩)﴾ سورة الشعراء آية: ١٢٩. والمصانع هي ما يصنعه الناس من الآبار والأبنية وغيرها، قال الأزهري: "ويقال للقصور أيضًا مصانع".
وقد ترجم المؤلف اصطلاحًا إفرنجيًّا ترجمة عجيبة، لا تطابق المعنى، وينبو عنها السمع، فإنه نقل عن علماء الاجتماع المتأخرين تقسيم الحكمة والسلطة إلى "السلطة المنتثرة" التي لا يختص بها
стр. 317
أشخاص معينون ولا تتعهدها هيئات منظمة، والسلطة "المتعضية" التي يختص بها أشخاص معينون وتتعهدها هيئات "متعضية" وفق أنظمة معينة. ج ١ ص ٢٤٥. فهذه "المتعضية" يريد بها السلطة الموحدة المنظمة، يترجم بها كلمة Organise وأصل الكلمة الفرنسية، كما وجدت في المعاجم وكما أفادني بعض العارفين، معناها: ذو أعضاء، فاشتق منها المؤلف كلمة "متعضية" ولكن علماء الاجتماع لا يريدون هذا فإنهم نقلوها إلى إرادة معنى "السلطة الموحدة المنظمة".
فهذا تكلف من المؤلف، لم يكن به إليه حاجة، ألجأه إلى كلمة ثقيلة، وإلى اشتقاق إن وافق العربية وافقها على معنىً ينقض ما أراد؛ فإن "التعضية" التفريق، وهو مأخوذ من الأعضاء، كما في اللسان، وهيهات هذا من ذاك.
والمؤلف يؤرخ الحوادث العربية الخالصة في الكثير الأغلب بالتاريخ الإفرنجيّ يقتصر عليه، وقد يضم إليه التاريخ الهجري في بعض أحيانه. وليته جعل التاريخ الهجريَّ أساس تأريخه، وهو يؤرخ لمؤلف إسلاميّ يكتب في تاريخ الإسلام وعلوم الإسلام.
ثم خاض المؤلف في موضوع شائك، الجدال فيه بغيض وعقيم: موضوع الدين والعقيدة، والعقل والتفكير والعلم، في مواضع متعددة، انظر منها مثلًا (ج ١ ص ٤٢ - ٤٨، ٧٦، ٢٤١ - ٣٤٣ وج ٢ ص ١٥٠ - ١٧٢) ويبدو لي أنه متأثر في كتابته بنظرية العِداء بين العلم
стр. 318
والدِّين وبين العقل والدِّين، وهي نظرية بالية، خجلت حتى احتجبت، وذلت حتى استكانت. ولو أعرض عن الخوض في هذا الموضوع أنصف نفسه؛ إذ يخيل لمن يقرأ ما كتب أنه قد خفي عليه كثير من دقائق الدين والشريعة وظواهرهما، وأن ذلك كان ذا أثر بيّن فيما فهم من كلام ابن خلدون وأدرك من مراميه.
والكتاب في جملته من أقوى الكتب التي ظهرت في بضع سنين، فيه علم جم وآراء سديدة. ونتمنى أن يعيد المؤلف النظر في لغته عند إعادة طبعه، إن شاء الله.
* * *
стр. 319
عصر النبي ﵇ وبيئته قبل البعثة (*)
تأليف الأستاذ محمد عزة دروزة (١)
وهذا كتاب فيه فكرة جديدة، وقليلًا ما نرى ذلك في المؤلفات المحدثة، هو أثر من آثار دراسة القرآن دراسة بحث وتأمل وتفكير، لا دراسة مصطنعة في بحثِ الألفاظ، فقد كان أن سجن المؤلف بحكم ظالم من أحكام الفرنسيين الجائرة في سورية، قبل طردهم منها، فقضى شهورًا في سجن المزة العسكري وسجن القلعة بدمشق، فأتاح له الفراغ أن يصرف ذهنه ويقف تفكيره على مدارسة القرآن، حفظًا وتلاوة وتمعنًّا وتدبرًا. والقرآن بعيد الغور واسع المدى، فكلما أعطيته من نفسك ومن عقلك ومن روحك أعطاك من فتوحه ونفحاته، حتى تنكشف لك علوم وآفاق ما كنت لتصل إليها لولا مدارسة القرآن.
وهكذا كان شأن الأستاذ المؤلف، فهو يقول: "فلفت نظري ما فيه من آيات كثيرة جدًّا فيها وصف أو إشارات تساعد على رؤية صور كثيرة لما كانت عليه الحياة الدينية والعقلية والاجتماعية والاقتصادية والمعاشية في عصر النبي وبيئته قبل البعثة، فقلت في نفسي: لم لا يكون القرآن مصدرًا لتصوير هذا العصر والبيئة، وفيه ما فيه من هذه
стр. 320
الآيات؟ وهو يعد أوثق وأصدق وأقدم ما يمكن أن يستند إليه كاتب أو باحث".
ثم يقول: "وهو على كونه مبلغًا بلسان السيد الرسول عن الله، إنما كان يقرر حوادث واقعة، ويصف حالات قائمة، وينزل الوحي به في المناسبات المشهودة، فهو الكلمة الفاصلة والقول الحاسم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه في تلك الحوادث والحالات والمناسبات، على أن غير المسلم أيضًا لا يسعه إلا أن يأخذ بهذا الاعتبار إذا نظر فيه على أنه وثيقة معاصرة صادقة".
"ولما تتبعت آيات القرآن وأخذت أبوبها على مواضيع متنوعة، مما يتناول وصف عصر النبي وبيئته من مختلف نواحيها، ازددت يقينًا بإمكان رسم صور كثيرة لهما من القرآن، وإن لم تكن وافية بكل شيء، فإنها قد تكون محتوية الخطوط الرئيسية للصور التي يحسن أن تكون، بل وسيكون فيها صور جديدة كثيرة لم يتنبه إليها، وصور صادقة أخرى تتغاير قليلًا أو كثيرًا مع ما هو مستقر في الأذهان أيضًا، ثم إنها تكون إلى هذا طريفة في بابها، حتى ولو كان كثير منها يعد بدائه معروفة؛ لأني لا أذكر أن أحدًا حاول أن يرسم مثل هذه الصور، وفي نطاق القرآن الكريم وحده، هذا مع التنبه على أن ما يمكن رسمه منها إنما هو بطريق الاستلهام والاستدلال من خلال الأسلوب والتعابير والأوصاف القرآنية التي لم تكن بسبيل تقرير هذه الصور بالذات، وإنما كانت بسبيل الدعوة والموعظة والإنذار
стр. 321
والتبشير والترغيب والترهيب والتنويه والتنديد والحكاية إلخ".
(ص ١٠ - ١٢).
وقد قسم المؤلف الفاضل أبحاثه في هذا الكتاب إلى أربعة أبواب جامعة بعد المقدمة: الباب الأول: في الإقليم والسكان ومعايشهم. والثاني: في الحياة الاجتماعية. والثالث: في الحياة العقلية. والرابع: في الأديان والعقائد.
وإذا ما تتبعت تفاصيل الأبواب، ثم استرسلت في قراءة الكتاب، أخذك العجب من دقة المؤلف في الاستنباط، ومما فتح الله عليه فيه من معان لم يكن يظن أنها تستنبط من القرآن العظيم.
وسنريك مثالًا من الكتاب أو بعض مثال، لترى ما فيه من دقائق المعرفة والإلهام، لم نتخيره عن بحث وقصد، وإنما اتفق لي حين أردت أن أقتبس.
عقد المؤلف من فصول الباب الأول "الفصل الثالث: الجاليات الأجنبية في الحجاز" (ص ٩٥ - ١٢٦) فتحدث في أوائله عن "النصارى والأجانب في مكة" وساق سبع عشرة آية من سور شتى يستدل بها، ثم قال (ص ٩٩ - ١٠٠): "فهذه الآيات يمكن أن تلهمنا ما يلي:
١ - أنه كان في مكة أناس من أهل الكتب السماوية، وكانوا من جملة من اتصل بهم النبي ﷺ ودعاهم إلى التصديق برسالته ومتابعته.
٢ - أنهم لم يكونوا قليلين، وأن منهم من كان ذا سعة وثروة
стр. 322
تمكنه من الإنفاق في سبيل البر والخير، كما أن منهم من كان قوي النفس والشخص، بحيث لا يبالي بلوم زعماء المشركين على عدم متابعتهم للنبي، وهذا وذاك يلهمان أن منهم من كان أرقى طبقة من أرقاء وغلمان في خدمة الزعماء والتجار وملك أيمانهم.
٣ - أن منهم من كان متميزًا في ثقافته ومعارفه الدينية، بحيث كان أهلًا للرجوع إليه واستشهاده في أمر رسالة النبي وصحة وحي الله إليه وصدق القرآن، وأن هذا الفريق لم يكن نكرة في أوساط مكة، بل كان موضع اعتماد وثقة من العرب أو أهل مكة، ومرجع استفتاآتهم في الأمور والمعارف الدينية والدنيوية.
٤ - أنهم على العموم كانوا رقيقي العاطفة، دمثى الأخلاق، ثابتين في ما يعتقدون أنه الحق، ولو لقوا في سبيل ذلك العنت، جريئين في إظهار عقيدتهم، وقد تجلت جراءتهم في متابعة النبي، وسجودهم عند سماع القرآن وإعلانهم أنه الحق، وعدم مبالاتهم بما كان عليه أكثر أهل مكة وزعماؤهم الأقوياء من الموقف الجحودي.
٥ - أن منهم من كان مجادلًا حجاجًا، بل متطرفًا في الجدل والحجاج إلى درجة عده ظالمًا متجنيًّا فيهما.
٦ - أن إيراد قصتي ولادة يحيى وعيسى بسبيل الرد على زعم ألوهية عيسى أو بنوته لله، وإيراد خبر انكسار الروم النصارى مع بشرى انتصارهم بعد قليل، والجدل ثانية في أمر حقيقة عيسى ورسالته، يمكن أن يلهم أن الكتابيين الذين انطوت الآيات على
стр. 323
ملهمات وجودهم في مكة، هم أو أكثرهم من النصارى".
وقد ظننت حين تصفحت الكتاب لأول مرة، أن في المؤلف ميلًا إلى الشك في صحة الأحاديث الصحيحة عامة، وصارحت المؤلف بذلك؛ إذ تعرفت إليه مصادفة في مكتب صديقنا الأستاذ محمد علي الطاهر صاحب جريدة الشورى، وتحدثنا في هذا كثيرًا، وأنكر المؤلف ما ظننته إنكارًا واضحًا، ولكني كلما قرأت في الكتاب ازددت ثقة بما ظننت، حتى خيل لي أنه إنما تأثر بما قرأ للمستشرقين وأتباعهم، فكانت الكلمات تجري على لسانه على نحو أقوالهم، وعلى نحو ما نسمع من ناصريهم وذيولهم.
فمما يقول المؤلف (ص ٢٣٩) ليدل على أن لغة القرآن أصدق صورة للغة ذلك العصر: "فهو من جهة فوق كل مظنة أو شبهة في أنه وصل إلينا كما بلغه النبي، وهو من جهة ثانية الكلام الوحيد الذي وصل إلينا مدونًا وسليمًا من كل شائبة وشك من ذلك العصر، في حين أننا لا نستطيع أن نقول هذا القول بهذه القوة والجزم عن أي كلام مما روي من كلام ذلك العصر والبيئة؛ لأنه لم يدون إلا بعد مدة طويلة، وقد ظل طول هذه المدة تتناقله الألسن، وعرضة للتبديل والتحريف والزيادة والنقص، بل والتلفيق والصنع، والأهواء والأغراض".
ويقول في مقدمة الكتاب حين يتحدث عن كتب السيرة القديمة: "وإن ما ورد فيها من روايات قد اختلط حابله بنابله، وسمينه بغثه،
стр. 324
وصحيحه بباطله أيضًا، بحيث لا يمكن للمدقق المتدبر أن يقرأها إلا بتحفظ، وأن يتردد كثيرًا في أخذها حقائق وروايات تاريخية موثوقة أو مقاربة؛ ذلك لأن القديم منها لم يدون إلا بعد أمد طويل" (ص ٧).
ويقول فيها أيضًا (ص ١١): "وإذا كان يصح أن يحيك في صدر امرئ شبهات كثيرة في ما روته كتب السيرة وغيرها من روايات بسبب تأخر تدوينها، وما يمكن أن يكون قد اعتور حفظ الصدر وصحة النقل من لبس، وما يمكن أن يكون قد تسرب إلى الروايات من أصابع الأهواء والميول والأغراض والصنعة والتلفيق، فإن القرآن هو من جميع هذه الشوائب فوق كل مظنة" ... إلخ.
وتجد هذا المعنى مبثوثًا في ثنايا الكتاب في مواضع متفرقة: التعلل بتأخر التدوين لرد الروايات التي رويت عن سيرة رسول الله ﷺ وعن بيئته وعصره، واتخاذ هذا التعلل تكأة لإنكار كل مروي، صحيح أو غير صحيح، في كتب السير أو في غيرها، حتى يعم "كل كلام مما روي من كلام ذلك العصر والبيئة"! فإن لم يكن هذا إنكارًا لصحة الأحاديث، ونفيًا لكل رواية إسلامية عن آثار رسول الله وعصره فما ندري ماذا يكون الإنكار والتكذيب! !
إني كنت وأنا أقرأ الكتاب إذا مرت بي كلمة من نحو هذه الكلمات أكاد أظن أني أقرأ كلمة من كلمات جلدزيهر ومرجليوث وأمثالهما من المستشرقين.
стр. 325
وما أظن أن المؤلف قصد إلى معنى هذه الكلمات حرفيًّا، بما فسر لي من رأيه، وبما تبرأ مما ظننا به.
ولكن المؤلف - فيما أرى - لم يدرس علوم الحديث دراسة وافية، ولم يطلع على ما بذل علماء الحديث في الصدر الأول من جهد، وما استنبطوا من قواعد لرواية الأخبار والآثار، حتى ينفوا عنها الدخيل، وينقوها من الخطأ والعمد في التغيير؛ حتى تبرز صحيحة واضحة نقية، فوضعوا الشروط الدقيقة في الراوي الذي يأخذون عنه الحديث، وفي المروي الذي يرويه، وجعلوا أساس هذا كله العدالة، عدالة الناقل المحدث، بما في شروط العدالة المعروفة من دقة، تجعل الراوي موضع الثقة، بما عرف عنه من أمانة وصدق، وشرطوا أن لا يخالف الحديث المروي كتاب الله، ولا المعلوم من الدين بالضرورة، ولا ما رواه كافة الرواة الثقات العدول.
وكانت الأمة الإسلامية في القرون الثلاثة الأولى أمة صدق وأمانة في مجموعها، وكان الجريء على الكذب نادرًا، وكان المسلمون - ولا يزالون - يعرفون أن الكذب على رسول الله من أعظم الجرائم، وهم يوقنون بما تواتر عنه ﷺ : "من كذب عليَّ فليتبوأ مقعده من النار". وكانوا أكثر ما يخافون من النقائص الكذب.
ومع هذا فإن النقاد الفطنين من أئمة الحديث لم يكتفوا بما عرفوا من أمانة الراوي وصدقه، وعدله في دينه، وعدله في خاصة نفسه، بل سبروا حديث كل راو، وعرضوه على كتاب الله، وعلى ما عرفوه من
стр. 326
دينهم، وما تواتر لديهم قولًا وعملًا من سنة رسول الله، ثم نفوا من الرواية ما خالف شيئًا من هذا، واحتاطوا في ذلك أشد حيطة، فلم يدعوا منفذًا لكذاب أو مخادع، حتى كانوا إذا ما كثر في رواية راو من الرواة شذوذ ما يرويه ومخالفته أسقطوا كل روايته، مهما يكن مبلغ صلاحه وتقواه والثقة به، يرفضون كل ما يروي مما وافق ومما خالف، إذا عرفوا عنه كثرة رواية الروايات المنكرة المخالفة.
وهذا فن طويل عويص، يريد المستشرقون وأتباعهم أن ينفوه ويسقطوه بكلمة واحدة ظاهرها الفتنة: أن هذه الأحاديث لم تدون إلّا بعد عصر النبي بأمد طويل! !
وما درى المغرورون بهم، والمخدوعون بقولهم، أن معنى هذا أن الأمة الإسلامية كلها؛ من أئمة الحديث والفقه، ومن أعلام البحث والتحقيق، ومن الصحابة والتابعين وأتباعهم كانوا رجالًا كذابين مخادعين منافقين، لا يتورعون عن الكذب في دينهم، والافتراء على رسولهم، وهدم هذا المجد العظيم الذي خصهم الله به، ببعثة رسوله محمد ﷺ إليهم، وحاشاهم من ذلك، وهم أعرف بالله ودينه، وأتقى لله من أن يرضوا لأنفسهم نقيصة الكذب والافتراء، وهم الذين جاؤونا بالصلاة والزكاة والحج وشرائع الإسلام عن رسول الله، فإذا ما كذبوا في بعض الأمر ارتفعت الثقة بكل شيء، وسقط كل ما جاؤوا به من الحق. ولا يقول هذا مسلم، بل لا يقوله عاقل.
стр. 327
ثم ما هذه الخدعة، خدعة التدوين؟ أفنظن أن التدوين أمارة الصحة؟ ! من قال هذا؟ ثم يقال هذا في عصرنا الذي انتشرت فيه الأكاذيب المدونة، من أخبار الصحف، ومن القصص الخيالي والتمثيل والسينما، ومن افتعال الأخبار في كل شيء، على الأحياء والأموات، مما جاءنا من أوربة، أو قلدنا فيه أوربة؟ حتى إن بعض من ينتسبون إلى الإسلام ذهب بهم التقليد ودفعتهم الجرأة إلى الكذب على رسول الله وعلى أصحابه، بما يزعمون أنهم يقربون التاريخ الإسلامي إلى البسطاء من القراء، فذهبوا يتخيلون القصص عنهم، ويضعون الكذب على ألسنتهم، ويقوّلون رسول الله ما لم يقل، ويقوّلون أصحابه وأئمة الإسلام ما لم يقولوا! ! هذا هو التدوين الذي يريدون أن يتخذوه تكأة لهدم الصرح الشامخ، والمجد السامق، من الأحاديث الثابتة، ومن التاريخ الإسلامي الصحيح! !
انظروا أيها الناس إلى تاريخ أئمة الهدى من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، في خوفهم من الله، وفي خلقهم وفي معاملتهم، ويكفيكم معاملتهم لأعدائهم في عصر الفتوح، ورأفتهم ورحمتهم بالضعفاء من النساء والولدان والشيوخ والرهبان ونحوهم، ثم وازنوا بينهم وبين تواريخ الأمم التي تعظمونها وتقلدونها في كل ما تقول وتفعل، في قديمهم، وقد كانوا في جهالة عمياء، وكانوا عباد الشهوات، لا يعرفون حرامًا من حلال، ولا يتورعون عن شيء، وفي حديثهم، ويا ويل ما رأيتم من حديثهم.
стр. 328
أفتظنون إذا وازنتم بعقل وحكمة وعدل، أنكم واجدو أئمتكم من السابقين الأولين، كانوا كذابين مخادعين هدامين! أترضون أن يقال هذا في مالك والشافعي وأحمد بن حنبل والبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي وشيوخهم وإخوانهم وأتباعهم ممن حملوا إليكم الشريعة والسنن والتاريخ، ممن هدى الله واجتبى؟ !
* * *
стр. 329
فقه القرآن والسنة (*)
القِصَاص
تأليف الأستاذ الشيخ محمود شلتوت (١)
أما هذا فكتاب نفيس حقًّا، وكان جديرًا أن يكون أشد نفاسة مما كان لو أن الأستاذ المؤلف العلامة توسع في بعض أبحاثه، وإنما ألجأه إلى بعض الإيجاز أنه كتاب شبه مدرسي؛ إذ هو جملة محاضرات ألقاها على طلبة دبلوم الشريعة من خريجي كلية الحقوق في جامعة فؤاد الأول، في العام الماضي سنة ١٩٤٥، فلم يكن ليتجاوز بهم مقدرتهم على التفهم والاستيعاب.
و"فقه القرآن والسنة" اسم طريف جميل لدراسة تفسير آيات الأحكام وأحاديث الأحكام.
والكتاب في الحقيقة مقدمة، ثم مسألة واحدة من مسائل الأحكام. المقدمة في معنى "الفقه" في اللغة ثم في استعمال القرآن الكريم، ثم في اصطلاح الفقهاء والأصوليين. وفي معنى "القرآن" في اللغة أيضًا، ثم في إطلاق هذا اللفظ على هذا الكتاب المعروف الذي أنزله الله على رسوله، وفيما يتصل بذلك. وفي معنى "السنة" على
стр. 330
ذلك النحو. وفي أسباب الاختلاف بين الأئمة في فقه القرآن والسنة. فهذه أربعة أبواب، هي مقدمة الكتاب، وهي مقدمة عامة لهذه الدراسة، لا لمسألة "القصاص" وحدها، وإنما اختار الأستاذ - حفظه الله - أن يدرس لطلابه من آيات الأحكام موضوع "القصاص". فهي مسألة واحدة من هذا العلم الواسع، جعلها في أربعة أبواب:
١ - العقوبات في الشريعة. ٢ - جريمة القتل في الإسلام والشرائع الأخرى. ٣ - حكم القرآن والسنة في القتل والقصاص في النفس. ٤ - نصوص القصاص فيما دون النفس.
والكتاب جم الفوائد، لا لطلاب كلية الحقوق وخريجها وحدهم، بل لسائر طلاب العلم، من المثقفين تثقيفًا دينيًّا، ومن غيرهم. يظهر كل طائفة من الطائفتين اللتين تدرسان التشريع على وجهة نظر الشريعة مقارنة بالتشريعات الوضعية، ولعله يكون كبير الأثر في تقريب وجهتي النظر اللتين كادتا أن تكونا متباينتين، بما ضرب على الأمة المصرية، وعلى أكثر الأمم الإسلامية، من قوانين إفرنجية مترجمة "نقلت نقلًا حرفيًّا عن أمم لا صلة لنا بها، من دين أو عادة أو عرف، فدخلت لتشوه عقائدنا، وتمسخ من عاداتنا، وتلبسنا قشورًا زائفة تسمى المدنية" (١) و"هذه القوانين كادت تصبغ النفوس كلها بصبغة غير إسلامية، وقد دخلت قواعدها على النفوس
стр. 331
فأشربتها، حتى كادت تفتنها عن دينها، وصارت القواعد الإسلامية في كثير من الأمور منكرة مستنكرة، وحتى صار الداعي إلى وضع التشريع على الأساس الإسلامي يجبن ويضعف، أو يخجل فينكمش، مما يلاقي من هزء وسخرية! ! ذلك أنه يدعوهم - في نظرهم - إلى الرجوع القَهْقَرى ثلاثة عشر قرنًا، إلى تشريع يزعمون أنه وضع لأمة بادية جاهلة! ! " (١).
فيقول الأستاذ العلامة الشيخ شلتوت في هذا الكتاب (ص ٩): "ونرجو أن لا يطول عهد هذه الجفوة التي وقعت بين المسلمين وبين فقههم الزاخر بالأصول التشريعية العامة والخاصة، وقد بدا لنا الرجاء قويًّا في قرب هذا الرجاء، بتوجه أبناء الحقوق المصرية إلى البحث في الشريعة الإسلامية، والتخصص في فروعها، وبتضافر رجال القانون والشريعة على إنهاض هذا الفقه - الذي يعتبر بحق فقهًا قوميًّا للبلاد ويمثل حياتها تمثيلًا صحيحًا ويحدد عاداتها وتقاليدها التي درجت فيها وعاشت عليها - نصل إن شاء الله إلى ما نحب ونرجو".
وهو يقول أيضًا قولًا صريحًا قويًّا (ص ١٨): "وقد انعقد إجماع المسلمين على أن القرآن الكريم هو أساس الدين والشريعة، حتى صار ذلك عندهم مما علم من الدين بالضرورة، لا فرق في ذلك عندهم بين عصر وعصر، وإقليم وإقليم؛ فهو حجة الله العامة على
стр. 332
الناس أجمعين، في كل زمان ومكان، وفي عقائده وأحكامه وأخلاقه، فمن زعم أنه حجة خاصة بقوم دون قوم، أو بعصر دون عصر، فهو خارج عن ربقة الإسلام".
ومن الأبحاث النفيسة العالية في هذا الكتاب، بحثه في "حق العفو لولي الدم" وبيانه عن حكمة الشريعة الإسلامية في وضع هذا الحق في يد أولياء دم المقتول، وبيان الأضرار التي تنشأ عن الوضع المعكوس في القوانين الوضعية، بجعل الحكومة أو الدولة صاحبة الحق في القصاص أو العفو دون نظر إلى أولياء الدم (ص ١٢٢ - ١٢٤).
ولم يخل هذا السفر الجليل، على نفاسته من مآخذ لا تغض من قيمته، ولعل كثيرًا منها يرجع إلى اختلاف وجهتي النظر بين المؤلف والناقد.
١ - في (ص ٢٨) آيتان كتبتا كأنهما آية واحدة بين قوسين، وهما: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. وهي الآية ٨٣ من سورة النساء، والثانية: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وهي الآية ٤٣ من سورة النحل. وهذا إنما هو خطأ من الطبع والتصحيح، ولكن الإشارة إليه واجبة، فإن أكثر قارئي الكتاب ودارسيه لا يحفظون القرآن، بل لعلهم لا يقرؤونه إلّا قليلًا.
٢ - (ص ٢٩ - ٣٠) فسر المؤلف معنى كلمة "السنة" في اللغة، واستشهد لها بآيات وأحاديث، ثم فسرها في صدر الإسلام ولسان الشرع فقال: "وقد اقتبسها علماء الإسلام من القرآن واللغة
стр. 333
واستعملوها في معنى أخص من المعنى اللغوي" ... إلخ. ثم قال بعد: "وبهذا المعنى عرفت كلمة السنة في صدر الإسلام، وقد وردت مقترنة بالكتاب في وصايا الرسول، في قوله ﷺ : "تركت فيكم أمرين لن تضلوا بعدي ما تمسكتم بهما؛ كتاب الله وسنة رسوله". وأنا أظن أن في قوله: "وقد اقتبسها علماء الإسلام". شيئًا من الإيهام، إن لم يكن من الغلط، فإن اللفظ إذا نقل عن معناه اللغوي إلى معنى أخص منه أو أعم أو لازم له، وكان نقله للمعنى الجديد في استعمال القرآن، أو على لسان رسول الله، لم يصح أن يطلق عليه أنه اقتباس علماء الإسلام، بل يكون المعنى الجديد "حقيقة شرعية" لا اصطلاحًا فقهيًّا أو أصوليًّا مثلا؛ لأن العلماء إنما استعملوه في المعنى الذي ورد به في لسان الشرع، ومثل كلمة "السنة" في ذلك مثل كلمات "الصلاة" و"الصوم" و"الزكاة" إلى آخر هذه الحقائق الشرعية المعروفة.
٣ - تكلم المؤلف (ص ٤٤ - ٤٦) عن أشهر الكتب المؤلفة في فقه القرآن (تفسير آيات الأحكام) التي "أفرد طائفة من المفسرين آيات الأحكام بالتفسير والبيان". وظاهر من تعبيره هذا أنه يريد الكتب التي ألفت خاصة بهذا النوع، ولكني أجده ذكر فيها تفسير القرطبي "الجامع لأحكام القرآن" الذي تقوم بطبعه دار الكتب المصرية، وهذا التفسير تفسير عام للقرآن كله، لم يفرد مؤلفه آيات الأحكام بالتفسير والبيان، بل هو تفسير كسائر التفاسير، يشرح كغيره آيات الأحكام
стр. 334
فيما يفسر من جميع آيات القرآن، فإدخاله في هذا النوع الخاص فيه كثير من التساهل.
ثم إن المؤلف الفاضل نسي من تفسير آيات الأحكام كتابًا معروفًا مشهورًا، هو: "التفسيرات الأحمدية في بيان الآيات الشرعية مع تعريفات المسائل الفقهية" تأليف الشيخ أحمد ملاجيون بن أبي سعيد الحنفي المكي الهندي، المولود سنة ١٠٤٧، والمتوفى سنة ١١٣٠ هجرية، والكتاب طبع في الهند مرارًا، ذكر سركيس في معجم المطبوعات ١١٦٤، أنه طبع في كلكتة سنة ١٨٤٧ م وسنة ١٣٠٠ هـ وسنة ١٣٢٧ هـ. وهذه الطبعة الأخيرة مذكورة أيضًا في فهرس دار الكتب المصرية، وعندي منه نسخة من الطبعة الأخيرة اقتنيتها في سنة ١٣٢٩ هـ (١٩١١ م)، وأذكر أني رأيت طبعة أخرى منه حديثة، فهي طبعة رابعة.
ويقول الأستاذ المؤلف في هذا الموضع: إن المفسرين سلكوا في تفسير آيات الأحكام "في الوضع والترتيب مسلك وضعها القرآني، فأبقوها في سورها، ولم يتجه واحد منهم إلى جمع الآيات المتعلقة بموضوع واحد، ودراستها دراسة خاصة، ولو أنهم فعلوا هذا لكان نوعًا من التسهيل في دراستها، لا يكلف من يريدها البحث عن آيات الموضوع الواحد في مواضعها المختلفة من السور المتعددة، ولكان فيه أيضًا نوع من الدقة في الاستنباط، التي كثيرًا ما تفوت المفسر في تفسير الآية الواحدة المرتبطة بغيرها في موضعها".
стр. 335
وهذا الذي قاله جيد في بيان فوائد التفسير، إذا جمعت آيات الأحكام بحسب مسائلها على الأبواب. فما في فائدة هذا شك. ولكن فاته أن هذا الذي ينبغي وقوعه قد وقع فعلًا، ولكن في تفاسير علماء الشيعة الإمامية، ولم أره لغيرهم، وعندي في ذلك كتابان من كتبهم:
الأول: "درة البيان في أحكام القرآن" للأردبيلي، واسمه: "أحمد بن محمد الأفشار" المتوفى سنة ٩٩٣ هـ، وهو في ٤٠٠ صفحة، وطبع في بلاد العجم سنة ١٣٠٥ هـ. والثاني: "قلائد الدرر في بيان أحكام الآيات بالأثر" تأليف أحمد بن إسماعيل بن عبد النبي الجزائري النجفي المتوفى سنة ١١٥٠، وهو في ٣٨٤ صفحة من القطع الكبير جدًّا، وطبع في طهران سنة ١٣٢٧ هـ.
فهذان كتابان نافعان جدًّا. وقد كنت فكرت منذ بضع سنين في أن أحذو حذوهما، فأفسر آيات الأحكام على هذا النحو، وشرعت في ذلك فعلًا، فنقلت الآيات من ثانيهما مرتبة على الأبواب التي رتبها عليها، على أن أستوعب بعد ذلك كل ما في الكتاب الأول، وكل ما في سائر تفاسير آيات الأحكام، ثم أنقح ترتيب الأبواب وترتيب الآيات فيها، ثم أشرحها شرحًا وافيًا مؤيدًا بالأدلة القوية من الكتاب والسنة، ولكن شغلتني أعمال، فلم أوفق إلى إتمام ما كنت أريد، وأرجو أن يوفقني الله إليه بمنه وكرمه.
٤ - (ص ٤٥) في التعريف بالجصاص ينقل المؤلف العلامة؛ أنه
стр. 336
هو الذي يذكره بعض الحنفية بلقب الرازي "كما صرح بذلك صاحب القاموس في طبقاته للحنفية"! ولست أدري ألصاحب القاموس كتاب في طبقات الحنفية؟ وأين هو؟ وأنا أظن أني أعرف في الكتب، فما سمعت بهذا الكتاب قط، وأخشى أن يكون هذا خطأ لا أصل له.
٥ - (ص ٥١) في الكلام على اختلاف الفقهاء في معنى "القروء" التي أمر الله بها عدة للمطلقة، وأن جماعة من الفقهاء ذهبوا إلى أنها الحيض، وذهب يسوق أدلتهم، فقال فيما قال: "ثم قالوا بعد هذا: قد صح عن ثلاثة عشر صحابيًّا أن رسول الله ﷺ قال: إن الرجل أحق بامرأته ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة"! !
ولست أدري ماذا أقول، ولا كيف كان هذا؟ إنما الذي لا شك فيه، بقدر ما أعرف من السنة ومن دراسة الحديث النبوي، ثم بعد طول البحث والتتبع، أن هذا الشيء لم يقله رسول الله، ولم يرو عنه بسند صحيح ولا ضعيف، وما هو بكلام من جنس الحديث، ومعاذ الله أن يكون في هذا مني ما يمس الأستاذ المؤلف في قريب ولا بعيد، إلّا التساهل في النقل، ثم الخطأ فيه؛ وذلك أن هذه الكلمة نقلها الجصاص في "أحكام القرآن ج ١ ص ٣٦٤ من طبعة الآستانة سنة ١٣٢٥ هـ" ونص كلامه: "وروى وكيع عن عيسى الحافظ، عن الشعبي عن ثلاثة عشر رجلًا من أصحاب محمد ﷺ الخبر فالخبر، منهم أبو بكر وعمر وابن مسعود وابن عباس، قالوا: الرجل أحق بامرأته ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة". وفي هذا الخبر غلطتان،
стр. 337
يظهر أنهما من خطأ التصحيح المطبعي: أولاهما "عيسى الحافظ" صوابه "عيسى الحناط"، وثانيتهما "الخبر فالخبر" صوابه "الخير فالخير" يريد أن هؤلاء الثلاثة عشر من خيار الصحابة، بعضهم أعلى من بعض، منهم أبو بكر وعمر ... إلخ. وقد نقله ابن حزم في المحلى (ج ١٠ ص ٢٥٩) مختصرًا على الصواب. فهذا خبر عن الصحابة، لا حديث من كلام رسول الله، وأنا أستطيع أن أكرر ما جزمت به: أنه لم يقله رسول الله، وما هو بحديث أصلًا.
نعم قد برئ الأستاذ المؤلف من عهدته؛ إذ أحال على غيره، فقال: "قالوا". ولكن الذي لا أرضاه له أن لا يذكر هؤلاء القائلين، ثم أن لا يتوثق مما قالوا، وهو الرجل المحقق المتثبت الذي ما أظنه يحدس الكلام على عواهنه. ولو أنه بحث وتوثق لعلم أن هذا الخبر، الذي نقله الجصاص وابن حزم، خبر ضعيف، وأن راويه "عيسى بن أبي عيسى الحناط" وهو "عيسى بن ميسرة الغفاري" ضعيف جدًّا، قال عمرو بن علي: "متروك الحديث، ضعيف الحديث جدًّا". وقال النسائي: "متروك الحديث". وقال البخاري: "ضعفه يحيى القطان" (١).
ثم الذي لا أزال أطلب إلى الأستاذ المؤلف العلامة في إلحاح، أن يرشدني إلى من مِن الفقهاء المتأخرين هذا الذي صنع ما صنع،
стр. 338
فجاء إلى خبر ضعيف لا يثبت له إسناد قائم، فجرؤ على أن يرويه بصيغة الجزم، كأنه خبر ثابت، ثم ازداد جرأة فنسبه إلى رسول الله، جعله حديثًا من قوله؟ ! لأن الذي لا أكاد أشك فيه أن الأستاذ إنما نقل هذا عن غيره من العلماء قبله، وإن لم يكن معذورًا في نقله.
٦ - (ص ٨٧ - ٨٨) تحدث المؤلف عن "عقوبة الاعتداء على الدين بالردة" حديثًا غريبًا، لا ندري ما وجهه! فكان مما قال: "أما العقاب الدنيوي لهذه الجناية، وهو القتل، فيثبته الفقهاء بحديث يروى عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه". وقد تناول العلماء هذا الحديث بالبحث من جهات: هل المراد من بدل دينه من المسلمين فقط، أو هو يشمل من تنصر بعد أن كان يهوديًّا مثلًا؟ " إلى أن قال: "وقد يتغير وجه النظر في هذه المسألة، إذا لوحظ أن كثيرًا من العلماء يرى أن الحدود لا تثبت بحديث الآحاد، وأن الكفر بنفسه ليس مبيحًا للدم، وإنما المبيح للدم هو محاربة المسلمين" إلى آخر ما قال!
أما أولًا: فإن حديث "من بدل دينه فاقتلوه" حديث صحيح لا شك في صحته، والراجح عند العلماء أنه فيمن ارتد عن الإسلام فقط. فاختلاف العلماء في فهمه وذهاب بعضهم إلى أنه عام يشمل غير المرتد، ممن خرج من دين غير الإسلام إلى دين آخر غير الإسلام، لا يكون علة للحديث حتى يبطل كل معناه، كما يريد المؤلف أن يذهب، فإن هذا مذهب عجيب في إبطال السنة ونقض
стр. 339
دلالتها على الأحكام، فما من حديث إلّا اختلف الناس في تأويله وفهمه، فمصيب ومخطئ.
وأما ثانيًا: فما أعرف "أن كثيرًا من العلماء يرى أن الحدود لا تثبت بأحاديث الآحاد؛ وما أرى لهذا دليلًا ولا شبه دليل، وإنما يتلاعب بعض المتقدمين ممن يرون نفي السنة كلها، منهم من يصرح، ومنهم من يتحايل بمثل هذه الألفاظ الموهمة. وقد تكفل العلماء بالرد على نفاة الأحاديث، وعلى متأوليها المتلاعبين بها، وعلى من زعم تحكيم اصطلاحات المتكلمين في الشريعة وأدلتها، فيفرقون بين "القطعي" و"الظني"، ويزعمون أن الأحاديث كلها من "الظني" وأن "الظن" الذي هو الشك أو نحوه لا يصلح دليلًا. وأنا أعتقد أن الأستاذ المؤلف العلامة يعرف من هذا الشيء الكثير، ويعرف أن دلالة الأحاديث الصحيحة دلالة قطعية في مجموعها، وأن اختلاف العلماء على اختلاف الروايات في بعض الشيء منها، لا ينفي حجتها القطعية فيما دل عليه مجموعها، ولا يبطل الاحتجاج بتفاصيلها المختلف فيها في الرواية بعد الاجتهاد في الترجيح، وقد قلت في نحو هذا المعنى في شرحي على "اختصار علوم الحديث" تأليف الحافظ ابن كثير (ص ٢٥): "والحق الذي ترجحه الأدلة الصحيحة ما ذهب إليه ابن حزم ومن قال بقوله: من أن الحديث الصحيح يفيد العلم القطعي، سواء أكان في أحد الصحيحين أم في غيرهما. وهذا العلم اليقين علم نظري برهاني، لا يحصل إلا للعالم المتبحر في
стр. 340
الحديث، العارف بأحوال الرواة والعلل".
وأما ثالثًا: فإن الأمر بقتل المرتد عن الإسلام لم يثبت بما يسميه المؤلف العلامة "حديث الآحاد"، وإنما هو شيء ثابت بالسنة المتواترة، معلوم من الدين بالضرورة، لم يختلف فيه العلماء، أعني لم يختلفوا في أن "المرتد يقتل"، أعني أنهم لم يختلفوا فيما يسميه الناس في اصطلاحهم اليوم "المبدأ"، وإن اختلفوا في بعض التفصيل، تبعًا لاختلاف النظر. في التطبيق، تطبيق "المبدأ" على الفروع، وتطبيقه على الحوادث.
نعم، إن الدستور المصري نص على "حرية الأديان" ففهم الناس أن قصد واضعيه إباحة الردة عن الإسلام لمن شاء وحماية المرتدين، ثم صار هذا كالعقيدة البديهية عندهم، حتى صاروا يرون غيرها منكرًا، يعرفون المنكر، وينكرون المعروف، فأظن أن الأستاذ المؤلف، وهو يلقي هذا الكتاب دروسًا على خريجي كلية الحقوق (طلبة الليسانس) أراد أن يتألفهم ويقرب إليهم أحكام الشريعة حتى لا ينفروا منها، فغلبه ما أراد من ذلك، ليجمع بين ما ورد من الأحاديث في قتل المرتد، وبين ما قرره الدستور طبقًا لمبادئ "التشريع الحديث"! ! التي تأكد ضربها على بلادنا بما جاء في معاهدة "منترو".
وإن الأستاذ المؤلف العلامة لأجل في نفسي وأعلم، من أن أظن به أنه لم ير الأحاديث الصحيحة التي وردت في ذلك، ولم يقرأها في مصادرها من دواوين الحديث، فيما تلقى من شيوخه وأساتذته كما
стр. 341
تلقينا، وفيما قرأ لطلابه ومريديه كما يقرأ شيوخ العلم وأساطينه، ولكنه حين أراد أن يكتب هذا البحث، وجهه حرصه على تألف طلابه ورغبته في إقناعهم بفضل التشريع الإسلامي وجهة أخرى، أنسته شيئًا كثيرًا، وهو العالم الباحث الواسع الاطلاع.
ولقد جاء هو في كتابه (ص ١٢٨) في نصوص النهي عن القتل بحديث من الأحاديث الواردة في قتل المرتد، قال: "ومن الأحاديث قوله ﷺ : لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلّا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة". وهذا حديث عبد الله بن مسعود في البخاري وغيره.
وقد جاء في معناه أيضًا حديث عثمان بن عفان، حين ثار به الثائرون وحصروه وأرادوا أن يقتلوه، فقال: (وبمَ يقتلونني؟ إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل دم امرئ مسلم إلّا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسًا فيقتل بها". والله ما أحببت أن لي بديني بدلًا منذ هداني الله، ولا زنيت في جاهلية ولا في إسلام قط، ولا قتلت نفسًا، فبم يقتلونني؟ ". وأظن أن هذا صريح وواضح في أن عثمان ومن سمعه من الصحابة - وهم عرب يفهمون كلام العرب على وجهه وهم الذين حضروا التشريع وفهموا مقاصد رسول الله وأسرار الشريعة - فهموا أن الردة عن الإسلام وحدها موجبة لقتل المرتد، فما يظن واحد منهم
стр. 342
أن عثمان كان خارجًا على الدولة محاربًا للمسلمين! وهو رئيس الدولة والذين حرصوا على قتله هم الخارجون المحاربون.
ومن ذلك أيضًا حديث أبي موسى الأشعري، إذ بعثه رسول الله واليًا على اليمن، ثم أتبعه معاذ بن جبل "فلما قدم عليه قال: انزل، وألقى إليه وسادة، وإذا رجل عنده موثق، قال: ما هذا؟ قال: هذا كان يهوديًا فأسلم، ثم راجع دينه فتهوَّد، قال لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله. فقال: اجلس، نعم. قال: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله. ثلاث مرات، فأمر به فقتل". وهذا حكم بين كان في حياة رسول الله.
٧ - تحدث المؤلف الفاضل في أحكام القصاص فيما دون النفس (ص ١٨٣ - ١٩١) في بحث نفيس، انتهى منه إلى أن الأمة اتفقت "من لدن النبي ﷺ على مشروعية القصاص في الجروح، ثم تلاحقت أجيال الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين على مشروعيته، من غير أن يعلم مخالف فيه أو منكر له". وهو كلام حق لا شك فيه، ولكنه في ثنايا استدلاله كاد يناقض ما قاله في آخره، وعلل حديثًا صحيحًا تعليلًا غير صحيح؛ فإنه ذكر قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ إلى آخر الآية ٤٥ من سورة المائدة. ثم استعرض الآيات التي جاءت فيها هذه الآية قبلها وبعدها، ثم قال: (من هذا العرض يتبين أن ما جاء عن القصاص فيما دون النفس إنما هو تشريع لأهل التوراة، وقد اتفق العلماء على أنه لم يلحقه في القرآن
стр. 343
تقرير ولا نسخ، وبذلك كانت من جزئيات المسألة الأصولية التي اختلفت فيها العلماء، وهي: "شرع من قبلنا شرع لنا") إلى آخر ما قال.
فهذا كلام موهم، أعني قوله: "وقد اتفق العلماء على أنه لم يلحقه في القرآن تقرير ولا نسخ". فإن القول الصحيح عند العلماء: أن شرع من قبلنا إذا حكاه الله لنا عنهم، كهذه الآية في القصاص، لا يكون شرعًا لنا إلّا إذا لحقه تقرير في شرعنا، أي؛ إقرار العمل به من الشارع، وليس من الصحيح اشتراط أن يكون هذا التقرير في القرآن، ولكن المؤلف العلامة ذكر كلمة "في القرآن" في ثنايا كلامه طردًا لرأيه في هذه المسائل على وتيرة واحدة، بما ذهب إليه أو لمح له مرارًا من عدم الاحتجاج بالأحاديث إلَّا فيما يرى هو أنها فيه موضع حجة، وقد ذكر المؤلف نفسه في هذا البحث من السنة حديث أنس بن مالك الذي فيه "كتاب الله القصاص"، ثم عقب عليه ص ١٩٠ بأشياء يظن أنها إضعاف للحديث، وما هي بتضعيف، والحديث صحيح لا شك في صحته ولا يعيبه ما يذهب إليه المؤلف الجليل من أنه "حديث آحاد"؛ فإنه حتى الذين يحاولون الطعن في "أحاديث الآحاد" لم يخالفوا في أن الحديث الذي يوافق القرآن حجة مبين للقرآن، وهذا حديث موافق للقرآن، يأمر بالقصاص في السن التي كسرت، ويقول "كتاب الله القصاص"، فهو لم ينشئ حدًّا جديدًا، وإنما هو إقرار لعقوبة ثبتت بالقرآن حكاية عن شرع من قبلنا، فلا يدخل في إنكار "كثير من الأصوليين صحة الاستدلال به على مشروعية العقوبات
стр. 344
كالحدود والقصاص"! ! كما يقول المؤلف ص ١٩١.
ثم جاء إجماع الأمة، أو "اتفاقها" كتعبير المؤلف مؤيدًا للحديث مصححًا له في إقراره هذا الحكم من شرع من قبلنا، فهو تواتر عملي قطعي الثبوت والدلالة على صحة هذا الحكم بالنص، لا باجتهاد المجتهدين، ولا باستنباط المستنبطين.
وبعد: فهل لي أن أطلب إلى الأستاذ المؤلف، إذا ما أعاد طبع كتابه، أن يعنى عناية كثيرة بتصحيحه، فإني أظن أن هذه الطبعة جاءت على عجل، لحاجة الطلاب للاستذكار.
وأهم من هذا: التوسع في ذكر المراجع والمصادر، والإشارة إلى مواضع الاستدلال أو الاقتباس منها، فائدة للطلاب أولًا، فإنهم سيلجؤون، إذا ما وجدوا وقتًا للبحث، إلى كتب لم يكن لهم بها عهد، فمما يحبب البحث إليهم ويرغبهم فيه، ويشوقهم إلى هذه العلوم العالية، أن ييسر لهم سبيل الرجوع إليها في مصادرها الصافية، كتب الأئمة والعلماء، ثم هذا الزمن، الذي يعيش فيه الناس على أعصابهم، وقد جنوا بجنون السرعة، لا يكاد الباحث يجد فيه متسعًا للتنقيب بدقة عن كل ما يريد، فمن الخير أن يكون الكتاب الحديث مرشدًا لقارئه وهاديًا.
* * *
стр. 345
باب المراسلة والمناظرة (*)
١ - استدراك على مقال
قرأت في مقتطف فبراير سنة ١٩٤٤ مقالًا للدكتور أسعد طلس بشأن "دار الحديث النورية" (ص ١٣٢ - ١٣٧)، فرأيت فيه (ص ١٣٤) ما نصهُ: "وفي سنة تسع وتسعين وسبعمائة حين دخل التتار دمشق احترق قسم كبير من المدينة، وكانت هذه الدار وغيرها من معاهد العلم طعمة للنار، قال الذهبي في مختصر تاريخ الإسلام: "وفي سنة تسع وتسعين وسبعمائة دخل التتار دمشق وشرعوا في المصادرة والفسق ونهبوا الصالحية وسبَوا أهلها ووقع الحريق ... " إلى آخره.
وهذا الكلام منهُ مُحال، ومنهُ خطأ؛ أما المحال فأن يكون الحافظ الذهبي قال شيئًا من هذا، فإن الخبر عن حادث ينسب إلى سنة ٧٩٩، والحافظ الذهبيّ مات سنة ٧٤٨، أي؛ قبل التاريخ الذي أرَّخ به الحادث بأكثر من خمسين سنة. وأما الخطأ ففي تاريخ دخول التتار دمشق سنة ٧٩٩؛ فإنهم لم يدخلوها إلّا سنة ٨٠٣. وبذلك أرخها كل المؤرخين الذين رأينا مصادرهم بين أيدينا، لم يخالف أحد منهم في ذلك، فانظر مثلًا "الضوء اللامع لأهل القرن التاسع"
стр. 346
للحافظ السخاوي (ج ٣ ص ٤٧ - ٤٨) في ترجمة "تيمور لنك" فإنه ذكر أنهُ قصد سيواس في آخر سنة ٨٠٢، ثم نزل يوم الخميس ٩ شهر ربيع الأول سنة ثلاث يعني ٨٠٣ على حلب. ثم ذكر أن التتار أقاموا بحلب يعاقبون ويأخذون الأموال إلى يوم السبت مستهل شهر ربيع الآخر أو ثانيه، ثم رحلوا على جهة دمشق وأخذوها. ثم قال: "واستمرَّ بدمشق - يعني تيمورلنك - إلى العشر الثاني من شعبان" إلى آخره. وكل ذلك في سنة ٨٠٣، وانظر أيضًا "شذرات الذهب" لابن العماد (ج ٧ ص ٢٢، ٦٤ - ٢٦٥) فإنهُ يؤرخ دخول التتار إلى دمشق سنة ٨٠٣، وانظر أيضًا "تاريخ ابن إياس" (ج ١ ص ٣٣٤ طبعة بولاق) فإنهُ يؤرخ يوم حرق دمشق في حوادث سنة ٨٠٣: "فلما كان يوم الخميس مستهل شعبان أمر تيمورلنك بإحراق مدينة دمشق" إلى آخره. ثم يقول (ص ٣٣٥): "فلما كان يوم الجمعة ثاني شهر شعبان فيه - يعني في عام ٨٠٣ - رحل تيمورلنك عن دمشق بعد ما فعل الذي فعلهُ، فأخذ عسكره وخرج من دمشق، وكانت مدة إقامته بدمشق إلى أن رحل عنها نحو ثمانين يومًا". وكذلك تجد تفصيل بعض هذه الحوادث في ذلك التاريخ في "خطط الشام" لمحمد كرد علي (ج ٢ ص ١٧٩).
ولست أدري من أين أتى الخطأ لكاتب المقال ولمصدره الذي نقل عنهُ، وهو كتاب مخطوط للشيخ عبد القادر بدران. فلعلهُ يتفضل بالتحقيق أو التصحيح.
* * *
стр. 347
تَحْقِيقُ سِنِّ عَائِشَة (*)
يقول صاحب كتاب "الصديقة بنت الصديق" (١):
"كانت روايات من أقوال الأقدمين تذكر، أن النبي ﵇ خطب السيدة عائشة وهي في السادسة، وبنى بها وهي في التاسعة، وكان هذا مجالًا لأعداء الإسلام وأعداء نبي الإسلام يبدؤون فيه ويعيدون، ويجدون المستمعين والمتشككين حتى بين المسلمين. فهنا مجال لإطالة الوقوف يعبره أمثال هذا الناقد الحاقد مهرولين، ويجهلون ما وراءه من الزور الأثيم والبهتان المبين. وهنا وقفنا بالعقل والنقل لنثبت أن محمدًا ﵇ لم يبن بالسيدة عائشة إلا وهي في السن الصالحة للزواج بين بنات الجزيرة العربية، فأثبتناه على رغم الأقاويل والسنين" (٢) (الرسالة ٥٥١ في ٢٩ يناير سنة ١٩٤٤).
وهذه الروايات التي تجهل ما وراءها "من الزور الأثيم والبهتان المبين" هي الروايات الصحيحة التي لا شك في صحة إسنادها والثقة، برواتها عن سن عائشة، حين زواج رسول الله بها، وأنه
стр. 348
عقد عليها وسنُّها ستُّ سنوات، وبنى بها وسنها تسع سنوات، وهي الأحاديث التي رواها البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدارمي وأحمد بن حنبل وابن سعد، كلهم من حديث عائشة بالأسانيد الثابتة الصحاح، وبالألفاظ الواضحة التي لا تحتمل تأويل المتأولين ولا لعب العابثين، والتي رواها ابن ماجه من حديث عبد الله بن مسعود، وابن سعد من حديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود ومصعب بن أبي وقاص وابن شهاب الزهري وحبيب مولى عروة ابن الزبير، كل هؤلاء الأئمة الثقات الأثبات الذين يروون ويصدقون ما يروون، هم عنده مثلنا "يجهلون ما وراءه من الزور الأثيم والبهتان المبين" ويدركه هو وحده بما أوتي من جرأة وتهجم، وبما فقد من بحث وتحقيق، فهو يثبت وينفي "على رغم الأقاويل والسنين" فهو يلعب بالروايات ويحرفها كيف شاء ثم يقول: "ولهذا نرجح أنها كانت بين الثانية عشرة والخامسة عشرة يوم زفت إليه" (كتاب الصديقة ص ٦٥). ثم ينسى ما اجترحت يداه فيقول (ص ٧٨):
"فعائشة البكر التي لم يتزوج النبي بكرًا غيرها، قد مات عنها ﵇ وهي دون العشرين".
"فها هنا انفلات من ذلك الجزم" كما قال الدكتور بشر فارس في نقده (ص ١٩٣).
وهو يبني تحقيقه هذا العجيب على مقدمات اخترع بعضها اختراعا، وحرف بعضها تحريفًا منكرًا، بالتحوير أو التأويل، ثم
стр. 349
يسوق ذلك كله مساق الحقائق التاريخية الثابتة، شأن الرواة الثقات، ثم لا يذكر شيئًا من الحقائق التي تخالف هواه، فهو يقول:
"وتختلف الأقوال في سن السيدة عائشة يوم زفت إلى النبي ﵇ في السنة الثانية من الهجرة، فيحسبها بعضهم تسعًا، ويرفعها بعضهم فوق ذلك بضع سنوات" (الصديقة ص ٦٤).
أما زعمه أن بعضهم يرفعها فوق ذلك بضع سنوات، فإنه قول مبتكر لم يقله أحد من العلماء، ولم يرد في رواية من الروايات، وإنما يريد أن يتزيد به ويصل إلى بغيته.
وأما جزمه بأن الزفاف كان في السنة الثانية من الهجرة، فإنه اعتمد فيه - فيما أرى - على قول الحافظ النووي في تهذيب الأسماء (ج ٢ ص ٣٥١): "وبنى بها بعد الهجرة بالمدينة، بعد منصرفه من بدر في شوال سنة اثنتين بنت تسع سنين، وقيل: بنى بها بعد الهجرة بسبعة أشهر، وهو ضعيف، وقد أوضحت ضعفه في أول شرح صحيح البخاري". هكذا يقول النووي، ولكنه نسي، فإنه لم يوضح دليل ضعفه في أول شرحه للبخاري عند شرح الحديث الثاني من الصحيح، في نسختنا المخطوطة عن أصلها العتيق، وهذا الترجيح من النووي في تأريخ الزفاف خطأ صرف، والقول الذي ضعفه بغير دليل هو الصحيح الراجح، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (ج ٧ ص ١٧٦ من طبعة بولاق): "وإذا ثبت أنه بنى بها في شوال من السنة الأولى من الهجرة، قوي قول من قال أنه دخل بها
стр. 350
بعد الهجرة بسبعة أشهر، وقد وهاه النووي في تهذيبه، وليس بواه إذا عددناه من ربيع الأول، وجزمه بأن دخوله بها كان في السنة الثانية يخالف ما ثبت". والدليل على خطأ ما رجحه النووي حديث عائشة نفسها في طبقات ابن سعد (ج ٨ ص ٣٩ - ٤٠): "تزوجني رسول الله ﷺ في شوال سنة عشر من النبوة، قبل الهجرة لثلاث سنين، وأنا ابنة ست سنين، وهاجر رسول الله ﷺ فقدم المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وأعرس بي في شوال، على رأس ثمانية أشهر من المهاجر، وكنت يوم دخل بي ابنة تسع سنين".
فالثابت من قول عائشة نفسها؛ أن رسول الله بنى بها في السنة الأولى من الهجرة، في شوال بعد مهاجره في ربيع الأول، بسبعة أشهر على رأس الثامن، وترجيح النووي أن ذلك كان بعد غزوة بدر في السنة الثانية ترجيح بغير دليل، والأدلة الثابتة تنفيه.
فحكاية الكاتب الجريء قولًا مرجوحًا لا دليل عليه، وإتيانه به في صيغة توهم أنه القول الواحد الذي لم يرو غيره، كأنه قضية مسلمة؛ إذ يقول: "وتختلف الأقوال في سن السيدة عائشة يوم زفت إلى النبي ﵇ في السنة الثانية من الهجرة". هذا الصنيع منه لن يكون من الأمانة العلمية في شيء.
ومن هذا النوع من الأمانة قوله (ص ٦٤): "فقد جاء في بعض المواضع من طبقات ابن سعد أنها خطبت وهي في التاسعة أو السابعة". والذي في ابن سعد (ج ٨ ص ٤٢): "أخبرنا محمد بن حميد العبدي
стр. 351
حدثنا معمر عن الزهري وهشام بن عروة قالا: نكح النبي ﷺ عائشة وهي ابنة تسع سنوات أو سبع". وأنا أوقن، أن الكاتب الجريء أعرف باللغة العربية من أن يخفى عليه الفرق بين معنى نكح، وبين معنى خطب، وأنه لن يعبر لفظ إحداهما إلى لفظ الأخرى عن جهل بهما، وإنما يفعل ذاك عن عمد وهو يعرف ما يفعل.
ثم ما باله يدع الروايات الصحيحة المتواترة، ولا يستند إلا إلى الروايات الشاذة أو المنكرة، التي تخالف كل رواية صحيحة؟ أمامه الروايات الصحيحة في كتاب ابن سعد وغيره عن الزهري وعن هشام ابن عروة وعن غيرهما؛ أن رسول الله تزوج عائشة وهي بنت ست سنين، وفي بعضها "سبع سنين" ودخل بها وهي بنت تسع سنين. فما بال هذه الرواية التي لا شك أن راويها أخطأ فيها، أو اختصر فأخطأ من روى عنه فهم اختصاره، ولكن الكاتب الجريء يريد شيئًا معينًا، فلا عليه أن يتخير من الروايات أضعفها، ولا عليه أن يحرف ألفاظها إلى ما يشاء؛ لتصل به إلى ما يريد! ثم هو يريد أن يصور للقارئ أن الذي كان في السنة العاشرة من البعثة قبل الهجرة بثلاث سنوات هو خطبة فقط، يوهم أنه لم يكن هناك زواج، وإن لم يصرح بنفيه فيقول (ص ٦٣):
"وجرت الخطبة بعد ذلك في مجراها الذي انتهي بالزواج بعد سنوات". ويقول (ص ٦٤): "فتمت الخطبة في شوال سنة عشر من الدعوة قبل الهجرة بثلاث سنوات".
стр. 352
ويحرف رواية ابن سعد من كلمة "نكح" إلى كلمة "خطبت" ويقول (ص ٦٥): "وإن خطبة النبي التي كانت في نحو السنة العاشرة للدعوة".
ويقول في (الرسالة) في الكلمة التي اقتبسناها أول مقالنا هذا: "كانت روايات من روايات الأقدمين تذكر أن النبي ﵇ خطب السيدة عائشة وهي في السادسة" ... إلخ.
وهو يعرف كما يعرف المسلمون جميعًا، عالمهم وجاهلهم، ذكيهم وغبيهم، أن الخطبة عند المسلمين غير الزواج، وأنهما غير الزفاف والدخول! ولكن هكذا يكون الكاتب الجريء.
وأعجب من هذا كله، وأشد جرأة على الحق، وأشد تهجمًا على سيرة رسول الله، وأسوأ أثرًا على الجريء فيما قال وكتب، وفيما يقول أو يكتب، أن يقول (ص ٦٤):
"فقد جاء في بعض المواضع من طبقات ابن سعد أنها خطبت وهي في التاسعة أو السابعة، ولم يتم الزفاف كما هو معلوم إلا بعد فترة بلغت خمس سنوات في أشهر الأقوال"!
أما القول الذي يصفه بأنه "أشهر الأقوال" فإنه لم يقله أحد قط، ولم يروَ في كتاب من كتب السنة أو السيرة أو التاريخ، هذا إلى محاولة تصوير هذه الفترة بأنها فترة خطبة، لا فترة زواج قبل البناء، ثم هو يصرُّ على ما ادعى إصرارًا عجيبًا لم يأت عليه ببرهان، فيقول
стр. 353
ما نقلنا من قبل: "وجرت الخطبة بعد ذلك في مجراها الذي انتهي بالزواج بعد سنوات".
ويقول (ص ٦٤ - ٦٥):
"إذ لا يعقل أنها - يعنى خولة بنت حكيم - تشفق من حالة الوحدة التي دعتها إلى اقتراح الزواج على النبي، وهي تريد له أن يبقى في تلك الحالة أربع سنوات أو خمس سنوات أخرى"!
ومن أين يأتي بالخمس السنوات ويدعي أنها أشهر الأقوال؟ والأقوال كلها متضافرة على أنها ثلاث سنوات والشهور محدودة فيها بينة؟ يتمسك بالروايات الصحيحة التي فيها أن الزواج كان قبل الهجرة بثلاث سنين، ثم يجزم بالرواية الضعيفة، أن الزفاف كان في السنة الثانية من الهجرة، ثم لا يجد مناصًا من قواعد الحساب أن الثنتين إذا أضيفتا إلى الثلاث كان الجميع خمسًا من غير تردد، فقد سلم له قوله ووصل إلى ما أراد، ولكنه نسي أو تناسى، أن الروايات كلها تذكر أن بين الزواج والزفاف ثلاث سنين فقط، وأنها حددت بالشهور من شوال إلى شوال، وأنهم كثيرًا ما يذكرون عدد السنين ويجبرون فيها الكسور، فتقول عائشة ما روينا من قبل: أن رسول الله تزوجها قبل الهجرة بثلاث سنين، وهي تريد سنتين وكسرًا؛ إذ حددت التاريخ بالشهور: أن الزواج كان في شوال سنة عشر من النبوة، وأنه قدم المدينة في ١٢ ربيع الأول، وهي السنة الأولى من الهجرة، وأنه دخل بها في شوال من السنة نفسها على رأس ثمانية
стр. 354
أشهر، وأنه تزوجها وهي بنت ست سنين، ودخل بها وهي بنت تسع، فهذا حسابها صحيحًا من شوال قبل الهجرة بثلاث إلى شوال في سنة الهجرة، ثلاث سنين كوامل، لا تحتمل تزيدًا ولا تحويرًا، فأين هذا الحق من ذاك الصنيع؟
ثم يزداد الكاتب الجريء جرأة، فيذهب يحتال حيلة غريبة في التأويل، يفتعلها افتعالًا، يزعم أنه ينصر رأيه، ويقيم حجته فيقول: (ص ٦٥):
"ويؤيد هذا الترجيح من غير هذا الجانب أن السيدة عائشة كانت مخطوبة قبل خطبتها إلى النبي، وأن خطبة النبي كانت في نحو السنة العاشرة للدعوة .. فإما أن تكون قد خطبت لجبير بن مطعم؛ لأنها بلغت سن الخطبة وهي في قرابة التاسعة أو العاشرة، وبعيد جدًّا أن تنعقد الخطبة (١) على هذا التقدير مع افتراق الدين بين الأسرتين، وإما أن تكون قد وعدت لخطيبها وهي وليدة صغيرة كما يتفق أحيانًا بين الأسر المتآلفة، وحينئذ يكون أبو بكر مسلمًا عند ذلك، ويستبعد جدًّا أن يعد بها فتى على دين الجاهلية، قبل أن تتفق الأسرتان على الإسلام، فإذا كان أبو بكر ﵁ وعد بها ذلك الوعد قبل إسلامه، فمعنى ذلك أنها ولدت قبيل الدعوة، وكانت تناهز العاشرة يوم جرى حديث زواجها وخطبها النبي، ﵇".
стр. 355
هكذا ينقل الكاتب الجريء ويتأول، واحفظوا عليه قبل كل شيء إصراره على أن الذي كان في السنة العاشرة للدعوة خطبة لا زواج، وإن لم ينف الزواج صراحة، ولكنه يوقعه في نفس القارئ ويقنعه به إقناعًا من لحن القول "يوم جرى حديث زواجها وخطبها النبي، ﵇".
والقصة التي يشير إليها ويحاول أن يصبغها بصبغة رأيه، هي قصة مطولة في زواج النبي ﷺ بسودة بنت زمعة وبعائشة ﵄. رواها أحمد بن حنبل في مسنده (ج ٦ ص ٢١٠ - ٢١١) ونقلها عنه الحافظ ابن كثير في تاريخه (البداية والنهاية ج ٣ ص ١٣١ - ١٣٣) وأشار إلى رواية مثلها عند البيهقي مؤيدة لإسنادها. وهذا الحديث فيه قصة وعد أبي بكر بابنته لمطعم بن عدي على ابنه جبير، وخطبة النبي إياها وزواجه بها، ثم زفافها إليه بعد قدومهم المدينة، وهذا موضع الشاهد منه: "قالت أم رومان - زوج أبى بكر - لخولة بنت حكيم - التي كان لها فضل السعي في هذا الزواج -: إن مطعم ابن عدي قد ذكرها على ابنه، ووالله ما وعد أبو بكر وعدًا قط فأخلفه. فدخل أبو بكر على مطعم بن عدي وعنده امرأته أم الصبي، فقالت: يا بن أبي قحافة لعلك مصْبي صاحبنا، تدخله في دينك الذي أنت عليه إن تزوج إليك؟ فقال أبو بكر للمطعم بن عدي: أَقَوْل هذه تقول؟ قال: إنها تقول ذلك. فخرج من عنده وقد أذهب الله ما في نفسه من عدته التي وعده، فرجع فقال لخولة: ادعي لي رسول الله.