← Джавами‘

Джавами‘ · id 20642

جمهرة مقالات أحمد شاكر

أحمد شاكر

Полный текст (928 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

كل حرف والنطق به، على اختلاف اللهجات والروايات، حتى إنهم وزنوا نطق الحروف بموازين معروفة في كتب القراءة وكتب التجويد، وحتى إنهم ليقيسون التنفس في أحرف اللين وأحرف المد بما اصطلحوا على تسميته بالحركات، إلى غير ذلك من طرق الاحتياط والتوثق. فلم يكن عجبًا من المستشرقين وقد جهلوا ذلك كله وغلبهم ما وصفنا، أن يختاروا هذا الوجه، وأن يجزموا بأن هذه القراءات نشأت عن الرسم العربي المهمل من النقط والشكل. وأما المسلمون فقد أيقنوا بالوجه الآخر الصحيح، أن القراءات هي الأصل، وأن الرسم تابع لها مبني عليها، أعني أنهم عرفوا مما جاءهم من الحق بالتواتر القطعي الثبوت أن رسول الله قرأ القرآن على أصحابه وأقرأهم إياه بقراءات متعددة النطق والأداء، كلها حق منزل عليه من عند الله، وكلها موافق للغة العرب ولهجات القبائل، حفظًا له وتيسيرًا عليهم، وأنهم سمعوا منه وقرؤوا عليه شفاهًا وحفظًا في الصدور، ثم أثبتوا ذلك عن أمره كتابة وتقييدًا، وأنه قال لهم: "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر". فأدوا ما سمعوا كما سمعوا وكما قرؤوا، مفصلًا موجهًا بأوجهه في الأداء والتلاوة، لم يزيدوا ولم ينقصوا، وأنهم كتبوا ما سمعوا وما حفظوا على هذا الرسم الذي رسموا، ليكون مؤديًا كل الأوجه التي عرفوا، والتي أذن لهم في القراءة بها، حتى إنه لو كان للرسم العربي عندهم إذ ذاك وجه

стр. 457

آخر يضبط به النطق على حال واحدة لأبوا أن يرسموا به؛ لئلا يضبط النطق على وجه واحد فتضيع سائر الأوجه، وكلها من عند الله أنزل، وكلها من لغة العرب، وكلها أذن لهم في القراءة به، وكانوا هم الأمناء على الوحي وهم الذين أمروا بتبليغ ما أنزل إليهم ما وسعهم البلاغ، ثم نقل عنهم من بعدهم من الثقات الأثبات الأمناء نقلًا فاشيًا واضحًا متواترًا، لم يجعلوا شيئًا منه سرًّا مصونًا ولا كنزًا مخفيًّا، بل هو الإذاعة بأقصى ما يستطيع الناس من الإذاعة حتى لا يكون شيء منه موضعًا لشبهة ولا معرضًا لشك ولا بابًا لزيغ. فكان في رأي المستشرقين أن الرسم سبق القراءة، خيالًا منهم وتوهمًا، وكان عند المسلمين أن القراءة سبقت الرسم، حقًّا يقينًا ثابتًا بأوثق ما تثبت به الحقائق التاريخية. ولم يكن للمسلمين - من أول الإسلام إلى الآن - مندوحة عن اليقين بهذا الوجه؛ إذ هو الذي لا يعقل سواه، وهو الذي تقتضيه طبيعة ما وصل إليهم من النقل والأدلة، وكانوا أعرف بأصحاب رسول الله ثم بالأئمة من العلماء والقراء الذين نقلوا إليهم العلم والدين والقرآن، من أن يظنوا بهم السوء والكذب والافتراء، وكانوا يوقنون بكفر من عمد إلى تحريف حرف واحد من القرآن بافتراء قراءة لم تنقل عن قارئه الأول ﷺ . وها هي ذي كتب القراءات - ما نشر منها وما لم ينشر - وها هم أولاء قراء القرآن في أقطار الأرض كلهم يسوق أسانيد القراءة عن الأئمة إلى رسول الله ﷺ من روايات الثقات

стр. 458

الأثبات الصادقين الذين لا يحصيهم العد، والذين لا موضع للطعن في صدقهم وأمانتهم وتقواهم لله. فما كان لأحد من الناس بعد ذلك - ولو كان من المستشرقين أو من عبيد المستشرقين - أن يلقي ظلًا من الشك على هذه الحقائق البينة، وعلى هذا النهار الواضح، ولئن فعل لم يكن إلَّا جاهلًا أو متجنيًا ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]. ولو عقل هؤلاء القوم الذين يعرضون لما لا يعلمون، ويخوضون فيما لا يفقهون؛ لعرفوا أن التعرض لتغيير الرسم العربي، أو ما يسمونه "تيسيره" إنما هو العمل على تمزيق لغة العرب وتفريق وحدة المسلمين، وهذا القرآن وهذه اللغة التي حفظهما كل ما بقي لنا من آثار الوحدة والتماسك، ولفهموا ما وراء رأي المستشرقين من مقصد أو نتيجة لا يجوز في منطق العقول غيرها: أن القرآن بالوجه الذي أنزل على رسول الله خرج من أيدي المسلمين فيما قرئ بأوجه متعددة؛ لأنه "يجب أن يكون على شكل واحد وبلفظ واحد" كما قال جولدزيهر، وقد دخل هذا الوجه الواحد في أوجه متعددة غير معين أو غير معروف، أو لعله لم يكن في هذه الأوجه؛ لأن المسلمين - في رأيهم - إنما قرؤوا على أوجه يحتملها الرسم المكتوب، لا على أوجه أُنزل بها من عند الله، وثبتت صحتها وقراءتها عن الرسول الذي أمر بقراءته وإبلاغه للناس، فهذه القراءات في رأي المستشرقين ومن

стр. 459

تابعهم ليست كلها أُنزل بها القرآن، وإنما أنزل بواحدة منها غير معينة، لا يعرفها المسلمون ولا يعرفها المستشرقون، وحاش لله أن يكون شيء من هذا، و ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]. هذه حقائق لا يشك فيها مسلم وما ينبغي له. فوازن - أيها القارئ الكريم - بينها وبين قول الباشا في كتابه (ص ٨٤ - ٨٥) في شأن رسم المصحف والقراءة: "لقد كان القراء قليلين والكتاب أقل من القليل، والرقاع أندر من الندرة، فأيما قبيلة ظفرت بصحيفة مكتوب فيها سورة أو بضع آيات من سورة حرصت عليها وتعبدت بتلاوتها على الوجه الذي استطاعت أن تقرأها عليه، وإذ كان رسم الكتابة إذ ذاك أشد اختزالًا مما هو الآن، لتجرده من النقط والألفات الممدودة، وكان الكتّاب بدائيين لا يستطيعون ضبط الكتابة حتى برسمها القاصر السخيف؛ إذ كان هذا فإن باب الخطأ والتصحيف كان مفتوحًا على مصراعيه؛ ويكفي أن يكون للألفاظ بعد تصحيفها، معان تتلاءم قليلًا أو كثيرًا حتى يمضي القارئ في قراءته ويتعصب لها. أرأيت إذن يا سيدي مبلغ الضرر الذي نشأ في أول الإسلام عن سوء الرسم ووجازته وقابليته للتصحيف؟ ... على أن عثمان إذا كان له عند الله وعند المسلمين يد بجمعه القرآن، فإن عمله لم ينحسم به الشر من أساسه، كل ما كان أنه كفى المسلمين شر جهل الكاتبين الذين لم يحسنوا كتابة ما لديهم من الصحف على قاعدة الرسم العربي السخيف، ثم شر من كانت لديهم صحف كتبوها في أوقات متباعدة

стр. 460

وفرص متفرقة، فأتت بطبيعة الحال غير وافية أو غير مراعى فيها ما للقرآن من ترتيب في السور والآيات، أما منبع الشر الحقيقي، وهو رسم العربية القابل لكل تصحيف، فبقي على ما كان عليه، ولم يعالج بشيء أكثر من إيكال الأمر في كل مصر إلى الحفاظ المتدينين الصالحين، وهو في ذاته علاج واهن ضئيل". وما بعد هذا القول قول في نسبة التصحيف إلى القرآن الكريم في قراءاته؛ إذ بقي "منبع الشر الحقيقي وهو رسم العربية القابل لكل تصحيف" والعلاج الذي وضع له "علاج واهن ضئيل". فما ظنك بداء - في نظر معاليه - لم يجتث من جذوره، وبقي يعمل ويفشو أكثر من ألف وثلاثمائة سنة، ولم يعالج إلا بعلاج واهن ضئيل؟ حتى يأتي في آخر الزمان، مثل هذا الرجل النابغة، فيتخير من القراءات ما طاب له، ويرفض سائرها؛ لأنها كلها نتيجة الاجتهاد في قراءة "الرسم العربي السخيف" "القابل لكل تصحيف" وقد تريد الصدفة في اختياره أن يختار غير "الشكل الواحد واللفظ الواحد الذي نزل به الملك على الرسول المختار" كما زعم المستشرقون. وليس لنا بعد هذا إلا أن نقول له ولهم: ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]. أما بعد؛ وقد وفينا البحث حقه فيما نرى: فإني أرجو أن أظهر الناس على مبلغ علم معالي الباشا فيما هو أيسر من ذلك من العلم؛ فقد يبدو لي أنه - وإن كان من رجال القانون- عرف شيئًا من علم

стр. 461

أصول الفقه، ولو بالقدر الذي يعلم في كلية الحقوق لطلاب القانون، ولكن الباشا أتى بالعجب العجاب فإنه أراد أن يجادل أحد الرادين عليه، وأراد أن يذكر الأدلة الشرعية الأربعة المعروفة: الكتاب والسنة والقياس والإجماع؛ فذكر الثلاثة الأول وقال عن الإجماع (ص ٢٧) ما نصه: "ثم نظروا - يعني المسلمين - فوجدوا أن أحوالًا قائمة أو تقوم في الناس، وعلى الأخص فيما فتحها المسلمون من الأمصار، من عادات في آداب السلوك وفي كيفية تناول وسائل الحياة والاستمتاع بها، ومن اصطلاحات ومواضعات وعرف في المعاملات لم يأمر بها كتاب ولا سنة، ولم يمنع منها كتاب ولا سنة، فأوجبوا بقاء تلك الأحوال ما هو قائم منها وما يقوم واعتبارها أصلًا يصار إليه إذا حدث بسبب حال منها نزاع، وسموا علة هذا الاعتبار الإجماع، وجعلوه من أدلة التشريع الإسلامي ومصادره"! ! ولست أحب أن أجادله في النظرية التي أتى بها: أصحيحة أم باطلة؟ وإنما أحب أن أسائله عن صحة نقله؛ فإنه نقل أن المسلمين عملوا هذا الذي زعم وأنهم سموه إجماعًا. فهو ينسب هذه النظرية لعلماء الإسلام على أنها هي الإجماع الذي يحتجون به ويجعلونه أحد الأدلة الأربعة، أي أنه يجعل هذا هو تعريف الإجماع عندهم، والذين بحثوا في الإجماع واستدلوا به واعتبروه أحد الأدلة هم علماء الفقه وعلماء الأصول. فأنا أسأل معاليه: أين وجد في كتاب من كتب الفقه أو من كتب

стр. 462

الأصول هذا التعريف للإجماع؟ سواء أكان من كتب المذاهب الأربعة أم من غيرها من مذاهب الشيعة الإمامية أو الظاهرية أو الزيدية أو أي مذهب من مذاهب علماء الإسلام؟ ! وليس له أن يدّعي أن هذا رأيه وأنه حر أن يرى ما يعتقد صحته، فليس المقام مقام رأي له وإنما المقام مقام نقل أطلقه عن علماء الإسلام جميعًا، نسب إليهم فيه تعريفًا للإجماع لم يقله أحد منهم قط على كثرة الأقوال التي قالوا في تعريفه، ولا مناص له من أن يجيب، وعليه أن يذكر الكتاب الذي نقل منه، ويذكر الجزء والصفحة منه، ويُعَيِّن طبعة الكتاب إن كان مطبوعًا، ومكان وجوده إن كان مخطوطًا.! فإن لم يفعل - ولن يفعل - فقد عرفنا مقدار أمانته في النقل، ومبلغ علمه ببديهيات الإسلام! وسنرى. * * *

стр. 463

الإيمانُ قَيْدُ الفَتْكِ (*) روع العالم الإسلامي والعالم العربي، بل كثير من الأقطار غيرهما باغتيال الرجل، الرجل بمعنى الكلمة، النقراشي الشهيد غفر الله له، وألحقه بالصديقين والشهداء والصالحين. وقد سبقت ذلك أحداث، قدم بعضها للقضاء وقال فيه كلمته وما أنا الآن بصدد نقد الأحكام، ولكني كنت أقرأ كما يقرأ غيري الكلام في الجرائم السياسية وأتساءل: أنحن في بلد فيه مسلمون؟ وقد رأيت أن واجبًا عليَّ أن أبيِّن هذا الأمر من الوجهة الإسلامية الصحيحة؛ حتى لا يكون هناك عذر لمعتذر، ولعل الله يهدي بعض هؤلاء الخوارج المجرمين؛ فيرجعوا إلى دينهم قبل أن لا يكون سبيل إلى الرجوع. وما ندري من ذا بعد النقراشي في قائمة هؤلاء الناس. إن الله سبحانه توعد أشد الوعيد على قتل النفس الحرام. في غير آية من كتابه ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: الآية ٩٣].

стр. 464

وهذا من بديهيات الإسلام التي يعرفها الجاهل قبل العالم، وإنما هذا في القتل العمد الذي يكون بين الناس في الحوادث والسرقات وغيرها (القاتل يقتل وهو يعلم أنه يرتكب وزرًا كبيرًا). أما القتل السياسي، الذي قرأنا جدالًا طويلًا حوله، فذاك شأنه أعظم، وذلك شيء آخر. القاتل السياسي يقتل مطمئن النفس، راضي القلب يعتقد أنه يفعل خيرًا؛ فإنه يعتقد بما بث فيه من مغالطات أنه يفعل عملًا حلالًا جائزًا، إن لم يعتقد أنه يقوم بواجب إسلامي قصر فيه غيره، فهذا مرتد خارج عن الإسلام يجب أن يعامل معاملة المرتدين، وأن تطبق عليه أحكامهم في الشرائع، وفي القانون هم الخوارج كالخوارج القدماء الذين كانوا يقتلون أصحاب رسول الله ويدعون من اعترف على نفسه بالكفر، وكان ظاهرهم كظاهر هؤلاء الخوارج بل خيرًا منه، وقد وصفهم رسول الله بالوحي قبل أن يراهم، فقال لأصحابه: "يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية". حديث أبي سعيد الخدري في صحيح مسلم ج ١ ص ٢٩٢ - ٢٩٣) وقال أيضًا "سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدِّين كما يمرق السهم من الرمية، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم عند الله يوم

стр. 465

القيامة". حديث علي بن أبي طالب في صحيح مسلم ج ١ ص ٢٩٣. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة متواترة، وبديهيات الإسلام تقطع بأن من استحل الدم الحرام فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه. فهذا حكم القتل السياسي، هو أشد من القتل العمد الذي يكون بين الناس، والقاتل قد يعفو الله عنه بفضله، وقد يجعل القصاص منه كفارة لذنبه بفضله ورحمته، وأما القاتل السياسي فهو مصر على ما فعل إلى آخر لحظة من حياته، يفخر به ويظن أنه فَعَلَ فِعْلَ الأبطالِ. وهناك حديث آخر نص في القتل السياسي، لا يحتمل تأويلًا فقد كان بين الزبير بن العوام وبين علي بن أبي طالب ما كان من الخصومة السياسية، التي انتهت بوقعة الجمل، فجاء رجل إلى الزبير بن العوام فقال: أقتل لك عليًّا؟ قال: لا، وكيف تقتله ومعه الجنود؟ قال: أَلْحَقُ بِهِ فأَفْتِكُ به. قال: لا؛ إن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الإيمانَ قَيْدُ الْفَتْكِ، لا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ". (حديث الزبير بن العوام رقم ١٤٢٩ من مسند الإمام أحمد بن حنبل: بتحقيقنا. أي أن الإيمان يقيد المؤمن عن أن يتردى في هُوَّةِ الرَّدَّة، فإن فعل لم يكن مؤمنًا. أما النقراشي فقد أكرمه الله بالشهادة، له فضل الشهداء عند الله وكرامتهم، وقد مات ميتة كان يتمناها كثير من أصحاب رسول الله، تمناها عمر بن الخطاب حتى نالها فكان له عند الله المقام العظيم والدرجات العلى.

стр. 466

وإنما الإثم والخزي على هؤلاء الخوارج القتلة مستحلي الدماء، وعلى من يدافع عنهم، ويريد أن تتردى بلادنا في الهُوَّةِ التي تردت فيها أوربة بإباحة القتل السياسي، أو تخفيف عقوبته؛ فإنهم لا يعلمون ما يفعلون، ولا أريد أن أتهمهم بأنهم يعرفون ويريدون. والهدى هدى الله. * * *

стр. 467

على الطريقة الأمريكية (*) كثيرًا ما نقرأ في التلغرافات الخارجية آراء عجيبة في التجني على الدول الإسلامية وأممها خاصة، وعلى الدول الشرقية وأممها عامة، ينعي فيها كاتبوها على الأمم المظلومة أن تتململ، وأن تحاول الإفلات من القيود التي كبلها بها هؤلاء الوحوش المستعمرون، من أقصى الأرض إلى أدناها. ومن مثل ذلك ما نشرته جريدة البلاغ يوم الثلاثاء ٥ فبراير الحالي سنة ١٩٥٢ عن جريدة أمريكية، تدعى "نيويورك تيمس" قالت في مقال افتتاحي أمريكي: "إن إعلان دول الكتلة العربية الأسيوية عن نيتها عرض قضية تونس على مجلس الأمن، هو قرار يدعو إلى الأسف؛ فإن إصرار كل من الجانبين على عدم الاتفاق مع الآخر، وتدخل الدول الأخرى، يعتبر خير وسيلة لإمداد "مأساة" بالنسبة إلى جميع الدول التي يعنيها الأمر". فهذه الجريدة الأمريكية شأنها شأن سائر قومها، وشأن سائر هؤلاء الناس الذين لا يفقهون، والذين لا يعرفون العدل إلا أن يكون للجنس الإفرنجي، من أقصى شرقي أوربة، إلى أقصى غربي أمريكا،

стр. 468

وإلى جنوبها، بل إلى جنوب إفريقية، بالنسبة للدخلاء هناك من الإفرنج ونسلهم الأبيض! ! نعم، ويضاف إلى ذلك شذان الأمم ونُفاية الشعوب، ولصوص الدنيا، من بني إسرائيل الذين لعنهم الله ﴿عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ (١). والذين ضرب الله عليهم الجلاء أينما كانوا وحيثما وجدوا، والذين ﴿تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ (٢). ولا يزال بعض المخدوعين من العرب، من المسلمين، ومن الشرقيين، يحسنون الظن بهؤلاء الوحوش المتعصبين الطاغيين، ويجاملونهم بمعسول القول، ويتملقونهم بألوان من الملق لا تنبئ إلا عن ذلة وصغار، مهما يأتيهم منهم من نذر، ومهما يلاقوا منهم من صفعات مدوية أو مجاملات ساخرة، أو خداع كاذب. وها هو ذا أحد وزرائهم الكبار، بل هو وزير الدولة التي تمسك الزمام في العالم الغربي المخادع المستعمر والتي تريد أن تأخذ مكان الإمبراطورية العجوز المنحلة الزائلة بإذن الله: هذا الوزير لا يستحي أن يقول ما نشرته جريدة المصري يوم ٨ فبراير سنة ١٩٥٢، لمراسلها في واشنطن، يقول: "أبدى وزير الخارجية الأمريكية أسفه عن ازدياد العواطف الوطنية عند بعض الدول الإسلامية، عند نظر بعض المسائل، كالمسائل الخاصة بمراكش ومصر وتونس! وقال: إن هذه

стр. 469

المسائل تستحق الدراسة بكل دقة، ولكن من المؤسف أنها عرضت بشكل عاطفي"! ! إذن فهذه المذابح في القنال بمصر، وفي تونس، وفي مراكش، وهذا التدمير المنظم لبعض البلاد، وهذه المذابح للأعراض، وغير ذلك من الفظائع الوحشية، التي لا تصدر إلَّا عن وحوش ليس لهم دين ولا خلق، وهذا الذي يصنع سادتهم اللصوص الكبار من اليهود: كل أولئك لا يزيد في نظر وزير أمريكا على "مسائل تستحق الدراسة بكل دقة" لولا أنها "عرضت بشكل عاطفي"! ! أي أن مسائل حقوق الأمم في الاستغلال، وفي إخراج المستعمر الغاصب من بلادها، وفي المحافظة على سيادة الدولة في بلادها، أو في المطالبة بهذه السيادة المعترف بها لكل أمة على وجه الأرض لا تزيد في نظر الوزير الأمريكي على مسائل الحب والغرام، ومسائل الفسق والفجور التي يسمونها "مسائل الحب" والتي هي ديدان هذه الأمم الفرنجية عامة، والأمة الأمريكية خاصة! ! أرأيتم أيها الناس، بل رأيتم أيها المسلمون مثل هذه النظريات الأمريكية؟ ! ١٤ - خمارة حقيقية ! ! إن حوادث القاهرة في يوم السبت ٢٦ يناير سنة ١٩٥٢، لا تكاد تنسى، فهي أشد ما رأينا من الفظائع والإجرام بما كان فيها من عدوان وبغي، وسرقة وتدمير، دون أن يردع المجرمين رادع،

стр. 470

والسلطة القائمة الآن بسبيل وضع اليد على المجرمين اللصوص، وعلى مَن وراءهم من المحرضين والمدبرين، ونحن على ثقة من وصول يد العدل إلى هؤلاء وأولئك، إن شاء الله. ولكن لنا عبرة في بعض النواحي التي تكشف عنها هذه الأحداث المدمرة فمن مثل ذلك أنا كنا نسمع ونحن أطفال صغار، ثم شبان ناشئون، أن يطلق العامة وأشباههم على "لوكندة شبرد" اسم "خمارة شَبَتْ"، وكنا لا نعرف ما وراء هذا الاسم من حقيقة فظيعة، لم يكن خيالنا ليصور وجودها في بلد "إسلامي" أو هكذا يسمى، حتى جاءت هذه الأحداث الفظيعة، فكشفت لنا بعض هذه الحقائق المنكرة، وما ندري أيهما أشد فظاعة وأنكى؟ أهذه الحوادث أم هذه الحقائق؟ ! ! حتى أعلمتنا هذه الحقائق أن العامة في طفولتنا كانوا: ملهمين، وإما عارفين. فقد رأينا في بعض الصحف التي تصف ما لقيت "لوكندة شبرد" من التدمير أن "قبو الفندق كان يحتوي على أكثر من ٢٦ ألف صندوق من صناديق الويسكي" وقد ضاعت كلها في الحريق، وذلك يعنى أن مخزون الويسكي بالفندق زاد على ربع مليون زجاجة، كما يقولون إن نحو مائة ألف زجاجة شمبانيا قد ذهبت هي الأخرى طعمة للنيران، كما دمرت عدة صناديق من الكونياك المعروف باسم كونياك نابليون، وعمر الزجاجة الواحدة منه أكثر من ٧٠ سنة، وكانت إدارة الفندق تحتفظ بهذه الزجاجات ولا تقدمها إلا لنزلائها من الملوك، فإذا

стр. 471

صدق ما قيل من أن المواد الكحولية هي التي ألهبت الحريق، وكانت السبب المباشر للتدمير الشامل، فإن ذلك يعني أن حريق شبرد قد غذته هذه المشروبات الروحية بأكثر من ٧٠,٠٠٠ سبعون ألف جالون من المواد الكحولية الملتهبة". (عن جريدة الأساس يوم الأربعاء ١٧ جمادى الأولى سنة ١٣٧١ - ١٣ فبراير سنة ١٩٥٢). إذن فلم يكن "شبرد" فندقًا، أو لوكندة كما يسمى، بل كان "خمارة حقيقية" هي أجدر باسم "خمارة شبت"، كما كان يسميها العوام والدهماء. إذن فقد كان وصمة عار في جبين بلد يوصف بأنه "بلد إسلامي"، وفى جبين دولة ينص دستورها على أن "دين الدولة الإسلام". وها نحن أولاء نرى الأخبار تبشر البلاد! بأن شركة مصرية قد تتشرف بإعادة هذه "الخمارة" إلى سابق مجدها المخزي المخجل! وما ندرى ما حقيقة هذا؟ ولكنا على ثقة بأن سيعود هذا الخزي والفجور سافرًا متهتكًا، سواء أقامه ناس من الحيوانات الأوروبية المنحلة، أم أقامه ناس من عبيدهم عقلًا وروحًا ممن ينتسبون عارًا بحق الوِلاد إلى هذه الأمة الإسلامية المسكينة! . وما كانت "خمارة شبت" وحدها بالعار الذي تخزى به هذه الأمة المنتسبة إلى الإسلام، ولكن الحوادث أظهرتها مصادفة مثالًا بارزًا يتحدث عنه. وأرى أنه يجب على الأمة الإسلامية عامة، وعلى الأمة المصرية خاصة، أن تحدد موقفها من الدِّين والخلق، ثم من الدنيا ومتاعها،

стр. 472

وأنا أعرف ما سيتحدث به عبيد أوربة وعبيد المال، من الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وممن لا يستطيعون الصبر عن تلمس المتعة حيث كانت، وممن لا يستطيعون الصبر عن "الفن والجمال"! ! وعن الشهوات وعبادة المال. أتريد هذه الأمة أن تعبد الله وحده، وتقف عند حدوده التي أمر بها كل من انتسب إلى الإسلام، أم تريد أن تعبد المال وحده، فتحرص على وروده من أوربة من أي طريق كان، ولو من طريق التهتك والفجور؟ ! . على الأمة أن تختار أحد الطريقين: فإما إلى جنة وإما إلى نار، ولكن فليعلم المسلمون أن رسول الله ﷺ قال: "إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمّهم الله بعقابه" (١). وليعلموا أن رسول الله ﷺ قال: "لعن الله الخمر، ولعن شاربها وساقيها وعاصرها ومعتصرها، وبائعها، ومبتاعها، وحاملها والمحمولة إليه، وآكل ثمنها" (٢)، فليختر امرؤ لنفسه. حضور المسلمين الصلاة في الكنائس نشرت جريدة البلاغ، يوم الأحد ١٤ جمادى الأولى سنة ١٣٧١ = ١٠ فبراير سنة ١٩٥٢ تلغرافيًّا في مدينة الفاتكان: أن بابا رومة لن

стр. 473

يُمثَّل رومة في جنازة ملك الإنجليز جورج السادس، على الرغم من أنه يشارك الأسرة المالكة في بريطانيا والشعب البريطاني الحداد إلخ. وقال التلغراف: "وتفسير عدم اشتراك البابا بمندوب في الجنازة: بأن الصلاة في الكنيسة ستجري حسب طقوس الكنيسة الإنجليكانية، وهي طقوس لا يستطيع المندوب البابوي المشاركة فيها". فهذا رجل مسيحي، بل هو رأس المسيحية الغربية المعترف به في دول العالم قاطبة، وملك الإنجليز الميت مسيحي أيضًا، والكنيسة التي ستقام فيها جنازته مسيحية، وطقوس الجنازة مسيحية، ولكن الفارق بين الفريقين اختلاف المذهب، لا اختلاف أصل الدين، فهذا الرجل الذي يحرص على طقوس مذهبه، يأبى أن يمثل رسميًّا في كنيسة لها طقوس غير طقوسه، ولا يستطيع مندوبه المشاركة فيها. يفعل البابا هذا ويراه حقًّا له، ولا تستطيع رأس أن ترتفع بالدهشة لما صنع، ولا يستطيع لسان أن يقول كلمة، ولا يستطيع قلم أن يكتب حرفًا، ولا يستطيع أحد من أتباعه أو من غير أتباعه أن يرميه بالتعصب الديني بل بالتعصب المذهبيّ الفرعي. أما نحن فإذا قلنا: إن شريعتنا تحرم على كل مسلم أن يحضر صلاة غير صلاة المسلمين، في بيعة أو كنيسة أو غيرهما، ولم يشارك فيها ولم يعتقد منها شيئًا وأن من فعل هذا فقد ظهر بين المسلمين بمظهر الكفر والردة، لا يقبل منه عذرًا بمجاملة سياسية، ولا بنفاق اجتماعي، ولا بأي عذر من الأعذار، إذا قلنا شيئًا من هذا ثارت الدنيا وأخذتنا الأقلام، والألسنة

стр. 474

من كل جانب، ونادوا بالويل والثبور من تعصب المسلمين تعصبًا دينيًّا، ورُمينا ببغض المسيحيين، وببغض الأجانب، وقال كلٌّ ما شاء، بل يقول ذلك وأكثر منه الكتاب الكبار، والمتعلمون العظماء، الذين يرون أنهم أعرف الناس بحقائق الإسلام وشرائعه، بما ارتضعوا من لبان أوربة، وبما شربوا من نتاج المبشرين، وبما ربوا في أحضان الخواجات! ! . * * *

стр. 475

خطاب مفتوح إلى شيخ الأزهر (*) حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: أتشرف بأن أرفع إليكم مع كتابي هذا مقالًا منشورًا في مجلة (السوادي) في العدد ٩٣ الصادر يوم الجمعة ٩ رمضان سنة ١٣٦٧ (١٦ يوليو سنة ١٩٤٧). وهذا المقال بعنوان (الرقص فن وعبادة. بقلم الفنان أحمد البيه). وستجدون فيه فضيلتكم أن الكاتب يكتب بروح وثنية أوربة قبل أن تدخلها النصرانية دخولًا شكليًّا، بل هي وثنية أوربة الآن. ويكفي أن يزعم هذا الكاتب الذي سماه أهله باسم إسلامي: أن رقص النساء العاريات عبادة، وأن يقول: (إن الراقصة تتعرى لتتجرد من مظاهر الدنيا، ولتكن أكثر انطلاقًا وأكثر روحانية وهي تؤدي صلاة الجسد في خضوعه للروح). وأن يختم مقاله بقوله: (هذا الفن الذي يحترمه الإحساس ويمجده العقل، وتتعبد في محرابه الروح، قبل أن تسجد له العواطف). ولست أزعم أن هذا المقال أكثر من غيره فحشًا وفجورًا مما

стр. 476

امتلأت به مجلات مصر وصحفها، كلا بل لعله من أخفها وأهونها، إنما أنكر فيه الروح الوثني الملعون، روح عبادة الجسد كعبادة الأصنام، بل هو أقبح، وهو الروح الذي قضى على الرومان واليونان القدماء، والذي سيقضي على أوربة وأمريكا قريبًا إن شاء الله، وهو الروح الذي بدأ يتغلغل في بلادنا، فيملأ عقول شبابنا وشيابنا ورجالنا ونسائنا، ونخشى أن يقضي علينا أيضًا من سبيل قبلنا. وما رميت بكتابي هذا إلى أن أستعدي مولانا الأستاذ الأكبر بما له من سلطان على الكاتب الذي كتب، ولا على المجلة التي نشرت، ولا أن أستعدي سلطان الدولة عليهما، فما أيسر هذا عليَّ إن أردته. ولكني أرمي إلى أعلى وأشرف، إلى العمل على حفظ عقائد هذه الأمة البائسة التي تتردى في مهاوي الإلحاد والكفر والوثنية وهي لا تشعر .. أستغفر الله. بل إن كثيرًا من كبرائها وعظمائها ومثقفيها يشعرون ويقصدون، ثم لا يستحون! ! وإلَّا فتكون أمة مسلمة: الأمة التي لا تحكم إلَّا بقوانين بنيت على عقائد وثنية مصبوغة بصبغة مسيحية، هي أبعد ما تكون عن المسيحية، وعن كل عقيدة من عقائد التوحيد، وعن كل خلق فاضل من أخلاق الأديان السماوية. قوانين تبيح الفسوق والفجور، وتعرف كل منكر، وتنكر كل معروف، وما قصة القانون الذي ضرب علينا أخيرًا ببعيدة، القانون الذي فرض على بلد إسلامي في عهد استقلاله بشؤونه، وبعد رفع نير الأجانب له من عنقه. هذا القانون الذي جعل أساسه ما نسب إلى جستنيان (الإمبراطور

стр. 477

الوثني) والذي لم يستحيوا أن يسموا مجموعة ما نسب إليه (مدونة جستنيان) تشبيهًا باسم (مدونة الإمام مالك) بل استهزاءً بها وتحقيرًا. وها نحن أولاء في فترة من أخطر الفترات التي تمر بالأمم، فترة الجهاد بالسيف لرد عدوان المعتدين على بلادنا وديننا من أعداء الله اليهود، وهو جهاد ديني لا شك فيه، له ما بعده من أخطر النتائج في مصائر الأمم العربية، والأمم الإسلامية، ومن أظهر الأحكام الإسلامية المنصوصة في القرآن: أحكام الغنائم، وقد أبى الله إلَّا أن يحكم فيها بنفسه في كتابه حكمًا واضحًا مفسرًا، فلم يتركها لاستنباط العلماء واجتهاد المجتهدين، ومع ذلك فإننا نرى أن قد وضعت لها أحكام أخيرة تخالف أحكام الله وآياته، وشكلت له محكمة خاصة تحكم فيها بما وضع لها من أحكام، تحكم صريحًا بغير ما أنزل الله. أفتظن يا سيدي الأستاذ - أن أمة تصنع هذا، وهي تلجأ إلى الله تلتمس منه النصر والعون، وقد رمتها الأمم الوثنية المسيحية المتعصبة عن قوس، وليس لها أمل في النصر إلا من عند الله وحده، أتكون أمة هذا أملها وهذا ملجؤها أمة مسلمة وهى تخرج على دينها، وعلى ربها هذا الخروج الواضح الصريح؟ ! سيدي الأستاذ: إن المسألة أخطر من أن تعالج بمحاكمة كاتب، أو مصادرة مجلة، أو الرد على كتاب يؤلفه معتد يعتدي على الدين.

стр. 478

المسألة مسألة الأزهر وهو سياج الإسلام في هذا الزمن، ومنه يرجى العلاج إن كان لذلك علاج، وهو المسؤول عن تعليم المسلمين دينهم، وبث عقائده الصحيحة فيهم على الوجه الصحيح الذي يأخذ الناس إلى النهج الواضح والصراط المستقيم، قبل أن يكون مسؤولًا عن التبشير بين أمم غير إسلامية، أو الدعاية إلى شرائعه وآدابه في بلاد غير بلاده. وبيدكم سلطة واسعة، تستطيعون بها أن تجندوا كثيرًا من العلماء الأفذاذ الذين تثقون بهم، وتطمئنون إلى غيرتهم وعصبيتهم، وحميتهم؛ ليقروا ما ينشر ويبث من العقائد والنظريات والمبادئ الهدامة، في الصحف والمجلات والكتب وغيرها، ثم ينقبوا عن مصادرها العقلية والثقافية، وعن الدوافع لها في نفوس هؤلاء الهدامين، حتى يشخصوا العلة وأسبابها، ويصلوا إلى مصادرها في النفوس والعقول. ثم تأتي مهمتهم الكبرى، وواجبهم الأعظم، فيصفون العلاج الحكيم، ويضعونه موضعه، في خطط دقيقة حكيمة، خطط الجماعات الرشيدة، لا الأفراد الموزعة القوى، وبذلك قد يكون العلاج ناجعًا موافقًا للداء، بإذن الله. هذا رأيي أرفعه إلى مولانا الأستاذ الأكبر، لا أريد إلا وجه الله والعمل على أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن تنجو الأمة من الخطر المحيق بها، وفقنا الله وإياكم للعمل الصالح، ووفق المسلمين جميعًا إلى إعلاء كلمة التوحيد وإلى إحاطة المسلمين بما يحفظ عليها دينهم وعقائدهم.

стр. 479

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (الهدي النبوي): هذا الخطاب عندنا من يوم أن أرسله فضيلة كاتبه إلى فضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر، وقد كنا نتربص بنشره حتى يأتي جواب فضيلة الشيخ الأكبر وننشرهما معًا، ليكون لذلك الأثر الصالح المرجو لخير هذه الأمة التي تعمل معاول التفرنج والنظريات الخطرة، والمبادئ الهدامة في هدم كل مقوماتها جاهدة، وهي مستسلمة لذلك في استخذاء ومذلة، لا سبب لهما إلَّا اتباع الأهواء والشهوات ثم التواكل، والفرار من ميادين الجهاد والعمل لنصرة الحق ومحاربة الفساد والبغي، وأغلب الظن أن فضيلة الأستاذ الأكبر قد أعطى هذا الموضوع ما ينبغي له من العناية، ولكن كثرة مشاغله بما يحمل من الأعباء الإدارية الجأته إلى إرجاء الجواب، وإنا لفي انتظار جواب الشيخ على ذلك وهو سيكون إن شاء الله جوابًا عمليًّا أكثر منه قوليًّا، والله يوفقنا وإياه لما يحبه ويرضاه، ويجعلنا ممن قال الله فيهم ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ (١). * * *

стр. 480

خواطر ١ - في التعليم (*) قال الشيخ: يريد المجددون أن يجمعوا في التعليم بين الذكور والإناث - جريًا على ما اختطوا لأنفسهم من خطط في هدم الدين ونشر الإباحية، وأحسن ما رأيناه صالحًا للرد عليهم وكشف أغراضهم كلمة كاتب فاضل من رجال التعليم في أهرام الخميس (٦ مارس سنة ١٩٣٠) قال فيها: إننا نرى الآن في المدارس أنه كثيرًا ما يختلط طالب السنة الخامسة الثانوية الذي تجاوز الثامنة عشر ربيعًا مع طالب السنة الأولى الذي لا يجاوز الثانية عشر، وهناك فارق عظيم بين سنيهما في الأخلاق والآداب، والاجتماع بينهما كثيرًا ما يكون قبل دخول الفصول وفي أوقات الفسح، وهذا الاجتماع بين كبار الطلبة وصغارهم كان من الواجب منعه؛ لأن أسباب الضرر التي تنتج عن ذلك معروفة ولا موضع لذكرها؛ ومن المحتم الفصل بين هاتين الطبقتين؛ فيحدد موعد لدخول كبار التلامذة، وموعد لدخول صغارهم ... وكذلك عند الانصراف من المدرسة حتى يمتنع الاختلاط.

стр. 481

ولإمكان منع هذا الاختلاط أيضًا، يجب أن نمنع تناول الغداء في المدارس؛ لأنه فرصة للاجتماع. ويظهر من كلام حضرة الكاتب أنه ممن مارس التربية، ووقف على أسرار المدارس، ودرس أخلاق الطلاب أدق درس. فهل يخجل بعد هذا من يزعمون أنهم يجددون للأمة في كل نواحي حاجاتها - حتى الدِّين ما أظنهم يخجلون! ٢ - في المحاضرة الحمقاء قد أحسن جدًّا من وسمها بهذه السمة. ولا ندري إلى متى تغضي الأمة - ولا أقول الحكومة - عمن يهاجمها في دينها وعقائدها، ويسب نبيها ﷺ ؟ كما فعل ذاك المحاضر الآخر بقاعة الجامعة الأمريكية. أترضى أمة من الأمم أن تغضي عن مثل هذا! ! قام رجل مسلم في أي بلد من بلدان أوربة أو أمريكا وطعن علنًا في سيدنا عيسى ﷺ بل في أحد من يقدسونهم من الرجال والنساء - وكثير ما هم - أقول هل يتركه القوم هناك يقول ما شاء؟ ! كلا والله، وإن الأمم التي تفقد الغيرة على دينها وأعراضها ليس لها إلا الدمار. أيها المسلمون، الأمم تجدّ وأنتم تهزلون. بالأمس قام رجل مسلم غيور - هو صاحب الفتح - يعقد أعمالًا مما صنع أمان الله - ملك الأفغان السابق - يمقتها الإسلام، وما كتب إلا غيرة على دينه

стр. 482

وانتصارًا لعقيدته وللأخلاق، ومع هذا فقد كان جزاؤه الحبْس، ولو مع إيقاف التنفيذ. وها هم أولاء يهاجموننا في ديننا وعقائدنا ولا يستحون أن يطعنوا في شخص رسول الله ﷺ وشخصه مقدس عند كل مسلم، ثم لا يرون أمامهم إلا جبنًا وخنوعًا. ٣ - في الأعراض بلغنا أن شابًا خدع فتاة قاصرًا لم تبلغ السادسة عشر وعاشرها، وظهر أنها حامل منه - وكثيرًا ما يحدث مثل هذا - فهذا أضاع عليها شرفها وما ترجو في حياتها، ولا يمكن تزويجها منه؛ لأنه مسيحي وهي مسلمة، ومن الأسف أن القانون لا يصل إليه لعقابه طبقًا للمادة (٢٣٢ عقوبات)؛ لأن سنها زادت عن أربعة عشر عامًا. تحدثت في هذا الأمر مع أحد أفاضل نوابنا الكرام، فكان من رأيه اقتراح رفع السن في هذه المادة إلى ستة عشر عامًا، وكان من رأيي رفعها إلى واحد وعشرين - إن لم يمكن الآن تحريم الزنا في القوانين كما هو محرم في الأديان - وحجتي واضحة في نظري وهي: أن القاصر لم يبح له في التشريع الحديث قبل بلوغ هذا السن أن يتصرف في شيء من ماله، وجعل اختياره في بيعه وشرائه كأنه لم يكن، فكيف تكون له الخيرة في التصرف في عرضه وهو أغلى من كل مال؟ ! إنا نعرض أمثال هذا الحادث على الغيورين من رجال الشريعة ورجال القانون؛ ليبدوا فيه آراءهم ويبحثوا عن الدواء وقد ظهر الداء. وفقهم الله جميعًا.

стр. 483

٤ - لصوص الثياب لصَّ (١) المجددون من الشبان المفتونين بهم دينهم وعقولهم، وسرقوا من الفتيات عفافهن وحياءهن، والآن يريدون أن يسرقوا من الفريقين ثيابهم. بالدعوة إلى "العري" قاتلهم الله أنى يؤفكون! ألا ترى قائلهم يقول في المجلة السلموسية (يناير ١٩٣٠): (إننا طغينا طغيانًا عظيمًا في تزيين اللباس، حتى باتت الزينة خطرًا على كل شاب مراهق تملأ رأسه خيالات كاذبة، لو أنه عرف حقيقتها لخفف من غلوائه في غرامة بجمال المرأة، ولو كنا نعيش كلنا عرايا كما تفعل الآن في أوقات معينة إحدى الطوائف في ألمانيا؛ لأخذ الاشمئزاز شيئًا كبيرًا من ذلك الغرام). ويقول أيضًا: ويجب أن لا يبرح من أذهاننا أن الإغراء الجنسي إنما يأتي من كثرة الملابس، وليس من قلتها، بل إن التجرد أو العري أدعى للاشمئزاز منه إلى الإغراء). فما أوقح وما أفجر! ! وهذا نوع من تجديدهم لا يحتاج إلى تعليق. ٥ - هل في شعائر الإسلام وثنية (٢)؟ وهذا مجدد آخر من طراز راقٍ! ! كتب في الأهرام (٧ مارس سنة

стр. 484

١٩٣٠) فوصف ما شاهد في روما (مدينته الخالدة) من تقبيل قدم صنم من أصنامهم ثم قال: "وكذلك في مكة يقبلون الحجر الأسود، وكذلك يقبلون في طنطا عمود السيد، وهنا يقبلون قدم تمثال بطرس، فنحن وإن اختلفنا مذاهب وشيعة مازلنا حافظين منذ أجيال دون وعي منا شيئا من عبادة الأسلاف .. شيئًا من الوثنية ... ". دعنا الآن مما يظهر في ثنايا كلمات حضرة الكاتب من تقديس النصرانية والحدب عليها - والكاتب يسمى باسم من أسماء المسلمين - فذلك من النتائج الخطيرة في حياة المسلمين من نظم التعليم في مدارس المبشرين، وفي البعثات إلى أوربا، بل وفي المدارس المصرية نفسها قاطبة، ولله الأمر من قبل ومن بعد. ودعنا من محاسبته على لوازم أقواله ومراميها الدقيقة البعيدة، فلو حوسب حضرته عليها لكان من المدحضين. ولكن نسأل الكاتب: هل قال مسلم قبل اليوم إن تقبيل الحجر الأسود من شعائر الوثنية ومن عبادة الأسلاف؟ بل هل كان الحجر الأسود سلفًا لأحد من الناس؟ اللهم إنا نعوذ بك من فلتات ألسنتنا ومن غلبة أهوائنا، وصدق رسول الله ﷺ إذ يقول: "وهل يكب الناس في النار على وجوههم - أو

стр. 485

قال على مناخرهم - إلا حصائد ألسنتهم" (١). وإذ يقول: "إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم" (٢). إن تقبيل الحجر الأسود ليس له في شعائر الحج عند المسلمين أي معنى من معاني العبادة، وإنما هو عمل نقتدي فيه بالنبي ﷺ مما عمل من مناسك الحج، وقد أمرنا أن نأخذ عنه المناسك؛ ولذلك قال عمر بن الخطاب ﵁ عند تقبيل الحجر: "إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك" (٣). وإنما أوهم حضرة الكاتب الفاضل جهله بالشريعة الإسلامية وفرائضها - إذ سمع من بعض الناس إنهم يقبلون الحجر الأسود، أنهم يقبلونه على معنى من معاني الوثنية، كما تفعل أمم ذات أديان أخرى، ولعله معذور في هذا الفهم؛ لأن النفس لا تتجه إلا إلى ما نشأت عليه وأشربته في قلبها، فتنساق إلى تأويل ما تسمعه أو تراه على ما رسخ فيها من عقائد وعادات، ولو كان المعنى الذي رآه حضرته مما يجول في خاطر أحد من المسلمين لكان أولى أن يجول

стр. 486

في خواطر الصحابة ﵃ وهم كانوا قبل أن هداهم ربهم ببعثة محمد ﷺ وثنيين متعمقين في الوثنية متعصبين لها يقاتلون عنها بأنفسهم وأموالهم، فما هو إلا أن أنقذهم الله بهدايته، وصدقوا رسوله حتى كانوا حربًا عليها وألدّ أعدائها. أقول: مع كل هذا لم يظن أحد منهم في تقبيل هذا الحجر معنى الوثنية التي كانت في أعماق قلوبهم وما توهموه قط، ﵏ ورضي عنهم. وأما تقبيل عمود السيد فإنا ننكره على من يفعله، وما يفعله إلا العامة وأشباههم جهلًا منهم وكثيرًا ما أنكره المهتدون. بل هذه القبور والقباب لا أصل لها في شريعة الإسلام، وقد أمر رسول الله ﷺ بتسوية القبور بالأرض؛ لأن الإسلام جاء بالحرب على الوثنية؛ لاقتلاعها بجذورها من القلوب. ومن الفكاهات في هذا الموضوع أن حضرة الكاتب زعم أن عمود السيد في طنطا، مع أن المعروف أنه في القاهرة في المسجد المنسوب إلى سيدنا "الحسين بن علي" ﵁. * * * ٦ - بحث في تاريخ السيد البدوي وبهذه المناسبة نريد أن نسأل المؤرخين العارفين عن تاريخ "السيد أحمد البدوي" الذي يقول بعضهم بوجوده وينكره بعضهم، وأعني بهذا أنه هل وجد شخص حقيقي بهذا الاسم هو المدفون في

стр. 487

طنطا والذي نسب إليه المسجد؛ لأن الذين كتبوا في ترجمة حياته إنما هم المتأخرون، ويزعمون أنه توفي في منتصف القرن السابع الهجري - أي؛ بين سنتي ٦٠٠ و ٦٥٠ هجرية - لأني لم أجد من ذكره من المؤرخين السابقين الذين يوثق بنقلهم إلا جلال الدين السيوطي الحافظ ﵀ وهو من رجال أواخر القرن الثامن؛ لأنه مات سنة ٩١١ هجرية، وبين التاريخين بون شاسع، ولم يذكر السيوطي عمن تلقى خبر تاريخه، والقاعدة الصحيحة عند علماء النقل وزعمائه - وهم حفاظ الحديث - أن المرسل لا تقوم به الحجة، وهو ما يرويه شخص عمن لم يدركه، ولم يتلق عنه مباشرة، لما فيه من جهالة الواسطة فلعله غير ثقة، وهذا أمر معروف، ولعل من يجيبنا عن هذا السؤال يذكر من أين نقل، والكتاب الذي نقل منه، على أنا لا نريد إلا التحقق من هذا الأمر، ونسأل الله العون والتوفيق. * * * ٧ - مقاطعة الملحدين بث الملحدون دعوتهم بين كثير من الناس؛ فأفسدوا كثيرًا من عقائدهم، ولمسنا خطرهم على الإسلام بأيدينا، ورأيناه بأعيننا، ثم رأوا من المسلمين الصادقين التواكل والسكون؛ فراشوا سهامهم وأعدُّوا عدتهم وهاجمونا من كل جانب، والمبشرون من ورائهم يؤدونهم بأموالهم وصحفهم اتباعًا لخطة اختطوها بعد التجارب، وقد علموا أن تنصير المسلم دونه خرط القتاد، فاكتفوا الآن - مؤقتًا -

стр. 488

بالعمل على تنفيرهم من الإسلام وتحقيره في أعينهم، وانتزاع عقائده من صدورهم، وآية ذلك أن تجد هؤلاء المجددين لا يطعنون إلا في دين الإسلام وإن تظاهروا بمحاربة كل الأديان. وقد قامت حركة مباركة بين المخلصين المجاهدين في سبيل الله بالكتابة ضد كل من تحدثه نفسه بالعدوان على الدين الحق، ولكن الكتابة في نظري غير كافية، والمناظرة لا تجدي إلَّا قليلًا، وإنما الجهاد عمل (١). ولا يجوز لنا أن نعتمد في كل أمورنا - بل في أمر هو حياة الإسلام - على الحكومة، وما هي بمجيبة لنا دعوة، ولا بسامعة لصوتنا صدًى. والإسلام يكره العنف والهوج، ولكنه بجانب هذا يحتقر الجبن والذل ويرفض من يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض. ويقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾. ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾. [الممتحنة: ٤]. فكرت في هذا كثيرًا فما وجدت من طرق الجهاد السلمي الهادئ أجدى علينا من مقاطعة الملحدين. لا أقصد بهذا أن لا نكلمهم فقط فذا أمر هين، ولكني أريد أن

стр. 489

نقاطعهم في كل شيء، لا نأكل طعامهم ولا نضيفهم ولا نبايعهم ولا نصاهرهم، ونقطع كل صلة بأي فرد منهم، ونعلمهم بحكم الله تعالى بأنهم خرجوا من الإسلام وحاربوه؛ فلا صلة بينهم وبين المسلمين. إذا مات أحدهم لا يرثه وارثه المسلم، وإذا مات قريب لهم لا يرثونه، وإذا علمت المرأة أن زوجها منهم وجب عليها أن تفارقه؛ فإن نكاح الكافر للمسلمة نكاح باطل ومعاشرتها له حرام. إذا كان للرجل ولد منهم حرم عليه إبقاؤه معه تحت سقف واحد ووجب عليه إخراجه، وأن لا ينفق عليه، وكل ما يعطيه فإنما ينفقه في إعانة من يحارب دينه وهو عليه حرام. وقد أعجبني من هذا النوع كلمة لأستاذنا السيد رشيد رضا للآنسة التي أيدت الأستاذ محمود عزمي في وجوب مساواة المرأة بالرجل، فإنه قال لها (في عدد رمضان سنة ١٣٤٨ من مجلة المنار الغراء): "يجب أن تعلم هذه الفتاة هي وأهلها، أنها إذا كانت تعتقد ما يعتقده عزمي في هذه المساواة، وتنكر حقيقة ما قرره الإسلام وحسنه، فهي مرتدة لا يجوز لمسلم أن يتزوجها ولا ترث المسلمين ولا يرثونها". وهكذا يجب أن نفعل؛ كل من أبدى للإسلام صفحته، صدعنا بأمر الله وصارحناه بحكم الإسلام فيه، وعاملناه بما تأمرنا به الشريعة في كل أموره. هذه فكرة كانت تجول بخاطري من زمن بعيد، وكلما هممت

стр. 490

بكتابتها تريثت حتى تنضج، وأنا أعرضها الآن على إخواني المؤمنين، فما قولهم؟ * * * ٨ - الكشف الطبي على راغبي الزواج (١) في الأسبوع الماضي أبى مجلس النواب أن يوافق على مشروع هذا القانون الذي قدمه صديقنا النائب المحترم الدكتور عبد الرحمن عوض. وبالرغم من احترامنا الكثير لحضرة النائب واعتقادنا إخلاصه في اقتراح هذا المشروع وفي أنه يرجو - وهو نقي الضمير - أن يحارب الأمراض السرية المهلكة التي أضاعت على كثير من الشبان حياتهم وسعادتهم، بالرغم من كل هذا، نحبذ قرار المجلس الموقر ونرى أنه قرار حكيم. إن محاربة الأمراض السرية لا تكون بزيادة القيود التي قيد بها الزواج، ويكفي ما أرهق به الناس منها، إلى إعراض أكثر الشبان النافعين، وهم زهرة الأمة عن الزواج. حاربوا الأمراض السرية إن شئتم بإلغاء البغاء المعلن والخفي، حاربوها بمنع الخمور وبإقفال دور الفسق. حاربوها بمنع الصور المتهتكة المخجلة التي تسمونها الصور

стр. 491

الفنية، حاربوها بمنع ما ترون كل يوم في دور التمثيل والملاهي، وقد أضاعت على فتيانكم وفتياتكم رونق الشباب وجدته. حاربوها بإيجاب الزواج على كل من أطاقه من الرجال والنساء، وبمنع التغالي في المهور والجهاز والأفراح. حاربوها بإعانة الأسر البائسة والأرامل واليتيمات؛ ممن يعانين شظف العيش ويجاهدن في سبيل الحياة، حتى يدفعهن الفقر المدقع إلى التفريط في الأعراض. حاربوها بإقامة حدود الله لا تخافون لومة لائم. أنا أعلم أن اقتراح إقامة الحدود في هذا البلد في هذا العصر يقابل بالسخرية والاستهزاء من فريق كبير من المسلمين - وأنا آسف - وآخرون منهم يرونه شيئًا فات ويشفقون على من يطالب به خشية أن يكون به مَسٌّ! ! هذا كله أعرفه وأشعر به، ولكني أفهم أني أخاطب قومًا مسلمين. أيها الناس: إن الله تعالى يقول في كتابه - وهو القانون الأول والدستور الأعظم الذي لا يجوز لمؤمن أن يخرج على شيء من أحكامه -: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النور: ٢]. ويقول رسول الله ﷺ : "خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن

стр. 492

سبيلًا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم". أيها المسلمون: طغت عليكم سيول المدنية الكاذبة؛ فأنستكم دينكم، واقتلعت من قلوب كثير منكم حبه واحترامه والغيرة عليه، حتى صرتم تنكرون على من يدعوكم إليه ثم تحاربونه جهارًا. لا والله لا فلاح لكم حتى تراجعوه وتهتدوا بهديه. سيقول كثير منكم: أنعود إلى أحكام العصور الوسطى؟ ونعم يا سيدي؛ إن القرون الوسطى كانت على أوربا ظلمًا وظلامًا وضلالة، ولكنها كانت على المسلمين عدلًا ونورًا وهدًى. أيها الناس: إن الله أرحم بعباده من رحمة الأم بطفلها، وأعلم بما يصلحهم في دينهم ودنياهم، وقد حد لهم هذه الحدود - وهو عالم الغيب والشهادة - هداية لهم وزجرًا، يداوي بها أمراضهم العصية. وهأنتم قد رأيتم عاقبة تركها، وسيستعصي عليكم الداء حتى تلجؤوا إلى الدواء. أين المجددون؟ ! ها هي أمة من الأمم تريد أن تعود القهقرى، فهلا أخذتم بيدها فأنقذتموها من (الرجعية)؟ ! أما قرأتم في البرقيات الخصوصية في مقطم الثلاثاء ١٨ مارس سنة ١٩٣٠: (وافق مجلس النواب الإيطالي على مشروع القانون القاضي بإدخال التعليم الديني في المدارس

стр. 493

العالية، نعم! المدارس العالية - طبقًا لما جاء في المعاهدة بين الحكومة الإيطالية والفاتيكان، وقد بنى موافقته على أن الأمة لا تستطيع أن تبلغ درجة رفيعة من الرقي بغير التربية الدينية). أين أقلامكم الماضية وأسلحتكم المرهفة في محاربة الأديان، وفي منع تعليمها! ! هذا مجال لكم واسع تجولون فيه، فإن فزتم نلتم أعظم فخر بهداية أمة أوربية وإنقاذها من ظلمات الرجعية! أؤكد لكم أيها المصلحون أن أحدكم سيغص بريقه ألف مرة قبل أن ينطق لسانه بكلمة أو يخط بقلمه حرفًا، وما بكم من عجز أو عيّ، ولكنكم لا تحاربون من الأديان إلا دين الإسلام. * * * ٩ - تعليم الدين في المدارس (١) فكرت كثيرًا في أنْ أجد وجهًا معقولًا، أو سببًا مقنعًا يمنع من تعليم الدين في المدارس - من كل نوع - فما اهتديت لشيء. الأمة بحمد الله مسلمة، وحكومتها تعلن أن دينها الرسمي هو دين الإسلام، وبجانب هذا يخرجون ناشئتها تجهل دينها، ثم لا يزال بها الجهل حتى تعاديه - وقديمًا قالوا: "من جهل شيئًا عاداه".

стр. 494

وصدقوا - لا تجد الآن في المدارس كلمة في تعليم الدين وتهذيب النفوس، حتى المدارس الابتدائية، وطلبتها أطفال، ليس فيها من ذلك إلا قشور إن لم تضر لم تنفع، ثم جعلوا درس الدين في آخر اليوم بعد أن يسأم الطفل ويملّ، وجعلوه علمًا إضافيًا - لا امتحان فيه - فأهمله المدرسون، وكثير منهم يشغل هذا الوقت الضئيل بتقوية الطلاب في العلم الذي يمتحنون فيه، ويسأل عنه إذا ساءت نتيجة الامتحان، هذه حقائق يعلمها كل من له أولاد في المدارس ويشعر بآثارها السيئة في نفوس الطلاب وأخلاقهم وآدابهم. وبعد كل هذا يدخل الطالب المدارس الثانوية فينسى المسكين الكلمات القليلة التي حفظها في المدرسة الأولى، ولم ترسخ في عقله ولم تتشربها نفسه، فما يكاد يشبّ حتى تتناوله أيدي الشياطين من إخوانه وغيرهم، فإذا به مهيأ للإلحاد. ثم لا يدخل المدارس العالية - قل: الجامعة - حتى يكون من أساطين الملحدين المجددين، فدينه محقر في نظره السامي! وأهله جامدون، ومعلموه المتمسكون بدينهم رجعيون، وهو وحده النابغ. ولن أسترسل في وصف ما صرنا إليه من هذه الحال؛ فإنه معروف لكل من يخالطهم ويسمع آراءهم ويحضر محاضراتهم. هذا هو الأكثر الأغلب إلا من هدى الله. إثم كل هذه السيئات في عنق من يستطيع المداواة ثم لا يفعل.

стр. 495

أرادوا أن يعلموا الأمة ويهذبوها، فانقلبت عليهم أغراضهم، وجدوا أمامهم الأزهر يعلم الناس، وكان إذ ذاك قائمًا وحده بالتعليم، وكان ما فيه من علوم لا يكفي لما يناسب العصر الحاضر، وكان الطريق الصحيح للرقي أن يدخلوا عليه ما شاؤوا من التهذيب والإصلاح، ولكنهم لم يفعلوا، فتركوه جانبًا، وأنشأوا بجواره أنواعًا من المدارس، ثم جاؤوا إلى العلوم التي اختص بها، وهي الشرائع والعلوم اللغوية، فعملوا لها مدرستين، وزادوا أخيرًا ثالثة، هي "قسم الآداب بالجامعة" حتى يتم القضاء عليه فلا تقوم له قائمة، وما أدري هل عمدوا أو أخطؤوا؟ إنما نرى النتائج والآثار، وعلم النيات عند الله. الأمة تريد العلم والتهذيب وتحرص على دينها، ولكن بجانب هذا يريد الإنسان الحياة، يريد أن يطرق سبل الكسب، يريد أن ينال حظه من نعيم الدنيا، وهذه المدارس قد احتكرت كل الفنون التي تنفع في اكتساب الرزق، فأقبل الناس على زجّ أبنائهم فيها وتكالبوا عليها، وليس في مقدورهم الإعراض عنها، وقد حببت إليهم العاجلة، وإن كثيرًا من الآباء ليبكون الدم أسفًا على ما وصل إليه أولادهم من استهزاء بالدِّين وإعراض عنه، وما فعلت بهم آراء الإباحية التي بُثت فيهم وامتزجت بأرواحهم. وها قد صارت الأمة في خطر شديد من هذه الخطط التي وضعت فكادت تقضي على عقائد شبانها وأخلاقهم وتهذيبهم، فهل نجد في
следующие страницы →