← Джавами‘

Джавами‘ · id 20642

جمهرة مقالات أحمد شاكر

أحمد شاكر

Полный текст (928 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

حضرته، وكنا نود من الصحافة الشريفة النابهة أن تتحرى الوقائع قبل نقدها والتعليق عليها. وإني أرجو أن تنشروا كلمتي هذه بنصها في جريدتكم وأن تتقبلوا مني التحية؟ وهذا نص الجواب الذي جاءني صادرًا من إدارة الهلال: حضرة الفاضل الأستاذ أحمد محمد شاكر تحية، واحترامًا. وبعد: ملحوظة فقد أخذت خطابكم وشكرت لكم عنايتكم. على أني قد أسفت لما تبادر إلى ذهنكم من أن مجلاتنا تنشر كتابات عن الدين الإسلامي، وتهزأ بعلماء المسلمين؛ فهذا أبعد شيء عن خطتنا منذ إنشاء الهلال. على أننا مع رغبتنا الأكيدة في تجنب هذه الموضوعات لا يسعنا - ومجلاتنا تتناول الحوادث الجارية والمباحث الاجتماعية التي يتحدث عنها الناس - إلا أن نشير إلى ما يجرى في هذا البلد، ولما كان معظم محرري مجلاتنا من المسلمين؛ فهم بطبيعة الحال يبدون ما يعنّ لهم من الأفكار في هذه الشؤون كما يفعل الكتاب في جميع الجرائد والمجلات السيارة بصرف النظر عن دين أصحابها. وقد تكون أفكارهم مخالفة لأفكار فريق من رجال الدين فإرضاؤهم جميعًا غير ميسور. وأنتم تعلمون أن مجال الشرح والتفسير واسع جدًّا يختلف فيه العلماء أنفسهم اختلافًا كبيرًا.

стр. 422

وهذا وأننا نكرر لكم الشكر على ما أبديتم من الملاحظات، كما نكرر ونقرر بعدنا عن كل غرض ورغبتنا الأكيدة في تجنب كل ما يمس الدين أو رجال الدين. وتفضلوا بقبول فائق الاحترام. أميل وشكري زيدان * * * قال الشيخ: ولقد ترددت بعد أن جاء هذا الخطاب في نشره ونشر مقالي، ولكني رأيت فيه أشياء تحتاج إلى إيضاح. وأراد الله أن أجد لي من قلم (الفكاهة) حجة أقيمها عليها، لأُري إخواني الفرق بين نقدها للقضاء الأهلي وبين نقضها القضاء الشرعي الذي يفصل بين الناس بالشريعة الإسلامية الغراء. فإنها نشرت في العدد ٥١ ما نصه: القضاء حر فيما يحكم به، ولكن للأحكام آثارها في الجمهور وفي النظام الاجتماعي، وقد حكم بإحالة الأستاذ محمود عزمي المحرر في السياسة إلى محكمة الجنايات لاتهامه بالعيب في ذات الملك" ... إلخ. إذن فالقاضي الأهلي إذا خالف رأي (الفكاهة) حر فيما يحكم به، وأما القاضي الشرعي فإنه يطلب من وزارة الحقانية عقابه. ألهذا في نظر العقلاء معنى إلا ما قلناه من أن هذه الصحف لا

стр. 423

تبغي إلا التعرض لما كان مصبوغًا بصبغة الإسلام! يعتذر أصحاب الصحيفة في كتابهم؛ بأن محرري مجلاتهم من المسلمين! وما لنا ولهذا، إنا لا نرى أمامنا إلا صحفًا بأسمائهم، ويزعمون أنها لا شأن لها بالأديان ولم تكن أنشئت للتبشير، فما بالهم كلما عرض لهم شيء يتعلق بالإسلام نبزوه بألسنتهم وتناولته أقلامهم! لو أنهم أعلنوا أن صحفهم دينية جعلت للمناظرة بين الأديان، لما عبأنا بالرد عليهم - فنحن أشد الناس مقتًا للجدل حول الأديان - ولما قرأ صحفهم أحد من المسلمين. والمدهش أن يقارنوا بين بحث في اختصاص القاضي والمحافظة على كرامة القضاء، وبين أفكار محرري صحفهم (وقد تكون مخالفة لأفكار فريق من رجال الدين فإرضاؤهم جميعًا غير ميسور). لا لا أيها الكُتَّاب، إنما ننعي عليكم طغيان أقلامكم وفلتات ألسنتكم، لا مخالفة آرائكم لآرائنا، ولا نبحث عن رضانا أو رضا غيرنا، وليست هذه المسألة مما يخالف فيه أحد من المسلمين فضلًا عن رجال الدين. إنا لا نريد من صحف الهلال أن تكون نصيرة للإسلام، ولكنا نرجوها أن تبعد أقلام محرريها عن التعرض له في كتاباتها، وأن تنفذ رغبتهم الأكيدة (في تجنب كل ما يمس الدين أو رجال الدين) كما وعد أصحابها، ونكتفي بهذا الوعد منهم ونطلب منها أن تنشر اعتذارًا عن التعرض للقضاء؛ لأن طلب عقاب القاضي الذي أصدر الحكم

стр. 424

- في ظنهم - يعتبر إهانة للقضاء الشرعي كله، وهذا الذي نصرُّ على طلبه منهم حرصًا منا على كرامة القضاء الإسلامي، وإني أتمنى لو كانت الحادثة وقعت فعلا وحكم فيها القضاء، إذن لكان للقاضي شأن آخر مع (الفكاهة). * * * - ٢ - قال الشيخ (١): يظهر أن "صحف الهلال" لا يروقها أن ترى في مصر مظهرًا من مظاهر الإسلام، وهي ترى أن لواء الإسلام الآن بيد الأزهر وعلمائه، والمحاكم الشرعية وموظفيها، وأنهم القائمون بإحياء شعائره، والمظهرون سلطانه، والحافظون لما بقي من عزه ومجده في مصر تحت رعاية حضرة صاحب الجلالة نصير الدين ورافع أعلامه "مولانا الملك فؤاد" كبير ملوك الشرق الإسلامي أيده الله بتأييده. إن صحف الهلال ترى الأزهر والمحاكم الشرعية قذًى في أعين لا ندري كيف تبصر، وشجًى في حلق جمعيات التبشير وصحف الدعاية، فلا تفتأ تناوئهما بالحرب وتنادي - من وجودهما على ظهر الأرض - بالويل والثبور.

стр. 425

فما جاء ذكر للأزهر أو للمحاكم الشرعية إلا وانبرت ألسنتها تفري الأعراض وتزن بالسوء، وحاولت أفواهها أن تطفئ نورَ الله ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ [الصف: ٨]- باسم الإصلاح والغيرة على مرافق البلد ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾ [البقرة: ١١، ١٢]. ولقد كنا نود أن نحبس أقلامنا عن مساجلتهم في ميدان، لولا أن خشينا فتنتهم لشبابنا وناشئتنا، فيملؤون قلوبهم الطاهرة حقدًا وضغنًا على دينهم، وهو عنوان مجدهم، وهاديهم إلى سبيل السعادة في الدنيا والآخرة. يعتذرون بأن التعرض للدين الإسلامي والعلماء أبعد شيء عن خطتهم منذ إنشاء الهلال. قد يكون هذا حقًّا في حياة مؤسس الهلال، فقد كان فيما نرى حازمًا يحسن البعد عن مزالق الأقدام. ومهما قلنا عن أغلاطه في تاريخ الإسلام وفي كتبه الأخرى، فلن نبيح لأنفسنا الحكم على خفايا الصدور، ولن نتهمه بالقصد إلى ما أخطأ في نسبته من سيئات للمسلمين، مما نبه عليه في حينه كبار رجال العلم في الإسلام. وأما خَلَفه مِنْ بعده فقد رسموا لأنفسهم طريقًا جديدًا - لأنهم مجددون - ورأوا أن يغيروا ما اختطه سلفهم لنفسه ثم لهم، وأرادوا أن ينشؤوا صحفًا أسبوعية إلى جانب هلالهم تدخل على العاتق في خدرها - حتى تخرجها منه - ويقرؤها الطالب والأستاذ والطفل والشيخ، تستهوي قلوب الناس بما تظهر من صور مكتوبة وأخرى

стр. 426

مصورة تثير من شهوات الشباب المتقد، وتنشر في الملأ أخلاقًا وآدابًا جاء الإسلام - وهو الهُدى ودين الحق - حربًا على كثير منها، وخشوا أن يثوب الناس إلى رشدهم ويرجعو إلى هدى ربهم بإرشاد علماء الإسلام، فلم يجدوا لهم سبيلًا إلا أن يدخلوا في أذهان قرائهم أن هؤلاء العلماء جامدون متعصبون رجعيون، وأنهم هم المجددون المصلحون. فكلما لاح لهم مقصد رموا الشيوخ والأزهر والمحاكم الشرعية بما تجود به آدابهم، وكانوا لا يكادون يصرحون بما تضمنته قلوبهم إلّا لمامًا. وقد رددنا عليهم قولهم في محكمة شرعية في المقال السابق، وأظهرنا ما يكنون في صدورهم نحو المحاكم الشرعية، وأقمنا الحجة عليهم من نقدهم لمحكمة أهلية بجوار طعنهم في الشرعية. وها هم الآن أبدوا لنا عن صفحتهم جوابًا عن مقالنا، فكتب كاتبهم في مجلة (كل شيء) في العدد ١٠٦ بتاريخ ٢١ نوفمبر سنة ١٩٢٧ كلمة هذا نصها: (لا مؤاخذة في وزارة الحقانية لجنة تنظر في حال المحاكم الشرعية وتحاول وضع نظام لإصلاحها، أو تحاول إصلاح نظامها الحاضر، ولست أريد أن أقول إن نظام هذه المحاكم سيئ؛ فإن هذه الحقيقة الأليمة معروفة يعلمها كل إنسان، فالذي أريد أن أقوله ولا مؤاخذة هو ... إلغاء ... هذه ... المحاكم. وأضع إصبعي في عين من يدعي أني أعتدي على الشرع؛ لأني

стр. 427

أغار على الشرع أكثر منه ومن أبيه ومن أهله ومن أهل بلده جميعًا، ولكن أريد أن يتخلص الشرع من سوء الإدارة. عجز المصلحون عن إصلاح هذه المحاكم ووضعوا (أصباعهم في الشق)، ولست أدري ما المانع الشرعي من إلغائها وإحالة أعمالها إلى المحاكم الأهلية في جلسات يكون القاضي مسلمًا ويحضر معه شيخ من مشايخ القضاء الشرعي، إلى أن تتوسع مدرسة الحقوق في تعليم الشريعة الإسلامية، ويومئذ يلغى عمل الشيخ الذي يحضر مع قاضي المحكمة الأهلية هذا مع الاعتراف بأن بين القضاة الشرعيين رجالًا يستحقون الإعجاب بهم، وعددهم قليل لا يمنع شر هذا النظام. هل المسلم لا يكون متفقهًا في دينه إذا كان أفنديًّا أو بيكًا). اهـ. هذه كلمة (كل شيء) بألفاظها. وإني قبل أن أرد عليها كلمتها، أرى من الواجب علي أن أعتذر لقراء (الفتح) الكرام من وضع مثل هذه القطعة بين أيديهم بنشرها في هذه الصحيفة الشريفة. فما اعتادوا أن يروا فيها شيئًا من هذا الطراز، ولكن الضرورة ملجئة. هل رأيتم أن صحف الهلال لا تريد أن ترى المحاكم الشرعية قائمة في البلد، بل ولا هؤلاء الشيوخ؟ وفي ظني أنها لو استطاعت أن تزيلهم من هذا الوجود لأزالتهم؛ ليرضى عنها المجددون ومن

стр. 428

ورائهم جمعيات التبشير، أستغفر الله، بل جمعية الشبان المسيحية. هل رأيتم هذا الكاتب الأديب الذي يطعن في المحاكم الشرعية جملة ويذكر الآباء والأهل في مقال ينشر بجريدة سيارة أسبوعية بألفاظ السوقة؟ ! يريد حضرته أن يتخلص الشرع من سوء الإدارة، يعني أنه يطعن في أشخاص جميع القضاة، وليس طعنه فيهم إلا من قبل أنهم شيوخ مسلمون! وها هي المحاكم الشرعية قائمة بيننا الآن، فهل رأى الناس في قضاتها من يرتكبون المنكرات جهارًا، ويقتلون الأخلاق الفاضلة في وضح النهار؟ نحن لا يهمنا طلب الكاتب إلغاء هذه المحاكم؛ فإننا من أعرف الناس بها وبما فيها، ونعلم أنه لا يجرؤ شخص مسؤول في مصر على اقتراح هذا الإلغاء، ونعلم أن المسلمين من ورائها يحوطونها بقلوبهم، ويذبون عنها بما تملك أيديهم، فإنها البقية الباقية من السلطان للشريعة الإسلامية. لسنا ننكر أن في بعض النظم في المحاكم ما يشكوا منه كثير من الناس، وبخاصة إذا كانوا ذوي غرض، وهذه الشكوى ليست من المحاكم الشرعية وحدها، بل هي أيضًا في المحاكم الأهلية والمختلطة، ولكن طرق الدعاية والنشر تجعل الأصوات لا ترتفع إلا

стр. 429

بما يمس المحاكم الشرعية، ولكنا نريد من هؤلاء الكتاب أن يتأدبوا بالأخلاق الفاضلة، ويكبحوا من جماح أقلامهم، وليضعوا في قلوبهم ما شاؤوا، فإن للكتابة آدابًا وللنقد حدودًا. وعفا الله عن سديف الشاعر حيث يقول: لا يغرنك ما ترى من أناس ... إن تحت الضلوع داء دويا إن هؤلاء القوم أبعد الناس عن الأزهر والمحاكم الشرعية والعلماء، ليس لهم أبناء ولا إخوان يدرسون في المعاهد، وليس لواحد منهم صلة بمحكمة شرعية، ومع هذا فإنهم قد نصبوا أنفسهم لإصلاح هذا الأزهر، وهذه المحاكم، كأنهم لم يجدوا منكرًا إلا فيها، وكأنهم ألصق الناس بها، ولو خلصت نياتهم وتأدبت أقلامهم لتقبلنا منهم ذلك، فالحكمة ضالة المؤمن يأخذها حيثما وجدها. في مصر بجوار المسلمين نصارى ويهود من كل الطوائف والمذاهب، وفيهم رجال لأديانهم ومجالس مالية تحكم بينهم - وهم أمس الناس بها رحما - فما بالهم لا ينقدون واحدًا من رجالها ولا يتعرضون لشيء من نظمها وتعاليمها وأحكامها - وفي كثير منها قول لقائل - أفكان هؤلاء منزهين عن الخطأ؟ وكانت نظمهم وتعاليمهم في الذروة العليا من الإتقان والعدالة، لا مغمز فيها لطاعن؟ أم هو الغرض والهوى والعصبية توقد نارها في قلوب جمعيات التبشير ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ [الصف: ٨]. * * *

стр. 430

- ٣ - قال الشيخ (١): عز على صحف الهلال أن يمضي أسبوعان ولا تنشر الجرائد اليومية خبرًا - ولو كان غير صحيح - تعلق عليه بالطعن في الأزهر أو المحاكم الشرعية، فأوحت إلى أوليائها أن يوافوها ببعض بنات أفكارهم، فما لبثنا أن رأينا في (كل شيء) في العدد رقم (١٠٧) المؤرخ ٢٨ نوفمبر سنة ١٩٢٧ مقالًا طويلًا عريضًا في صدره ملأ صحيفة منه، ولسنا نجني على قراء (الفتح)؛ بأن نسمعهم جميع ما قال (كل شيء). وحسبنا أننا امتحنا بقراءة ما يكتب هؤلاء القوم، فرأى عاملهم كتابًا زعم أنه من أحد الطلاب في الأزهر الشريف، وقدمه إلى قرائه في نصف مقاله ثم علق عليه أخيرًا. وهو لا يقصد بما كتب إلا أن يبث في نفس من رآه أن هذا الأزهر وهذه المعاهد الدينية الإسلامية تفسد عقول الناشئة، وتمحق من تفكيرهم بما تعلمهم من الثقافة القديمة، وأن حضرات "أصحاب صحف الهلال" "في حاجة إلى أن تدخل العلوم الحديثة على جميع معاهدنا وقاية لعقول شبابنا من فساد هذه التعاليم القديمة" يقول حضرات (أصحاب صحف الهلال) في مقدمة مقالهم عن الأزهر:

стр. 431

يجب أن تكون مدارسنا معاهد لتثقيف الشباب بالثقافة الحديثة، وليس معنى ذلك أن نهجر الثقافة القديمة؛ فإنها يجب أن يختص لها علماء يدرسونها ويوضحون لنا منها تطور الفكر الإنساني، وكيف ارتقى من الجهل إلى العلم، وكيف كانت علومه في الأصل أساطير وحكومته استبداد وطغيان (كذا) ومدنه مباءة أقذار، ثم ارتقى ذلك كله إلى ما نرى من العلوم الدقيقة، والحكومات الدستورية والمدن النظيفة. ومن الغباوة الفظيعة بل المجرمة، أن تغرس في ذهن الشاب المصري أن العلوم القديمة كانت أنفع للناس من العلم الدقيق الراهن، أو أن حكومات القدماء كانت أنظم وأعدل من حكومتنا، فلندرس كل قديم، ولكن باعتبار أنه قديم لقيمته التاريخية فقط، ولكن لا لنقتدي به أو لنؤمن بصحته". هذه مقالة يقولونها عن الأزهر، والمعاهد التي تعلم قاصديها علوم الشريعة الإسلامية، وآداب الإسلام، وفنون اللغة العربية، وبلاغة العرب - لا عن معاهد أوربا منذ قرنين، ولا عن محاكم التفتيش في الأندلس. أفرأيتم أيها الناس أن هذه الصحف ترمي الثقافة الإسلامية العالية؛ بأن علومها إن هي إلا أساطير، وتنبز حكومات الإسلام العادلة؛ بأنها حكومات استبداد وطغيان، أو رأيتم أنها تريدنا على أن ندرس علومنا وآدابنا وتاريخنا الناصع وأحكام ديننا، لا لنقتدي بها ولا لنؤمن بصحتها ولكن لقيمتها التاريخية فقط؟ !

стр. 432

ألا تصدقون معي أن هذه الصحف أنما تمتح من البؤرة التي سبقها إليها أستاذ الآداب بالجامعة المصرية، وأنها إنما ينهزها إرضاء جمعيات التبشير؟ لا يزعم أن علوم الثقافة الإسلامية أساطير إلا من جهلها فعاداها، أو كان يدفعه الهوى فينكر ضوء الشمس. وها هم علماء أوربة من المستعربين يدرسون علوم العرب وتاريخهم وتشريعهم ويبذلون في نشرها والإشادة بذكرها من الجهود ما لو وفقنا إليه من بضع عشرات السنين؛ لكان للمسلمين شأن غير ما نرى، ولعاد إلينا كثير مما أضعنا من المجد والقوى و ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]. وهذا هو الكتاب المفترى: "أنا أزهري اسمًا، عصري ثقافةً ولحمًا ودمًا، تؤثر في كلماتك الغالية، حتى كأنها تسري في عروقي سري الدم؛ فأشعر عند قراءتها بخجل وحرارة معًا، فهي في عقلي ثقافة وفي جسمي حياة! وأريد أن أعرض عليك يا سيدي نوعًا من الذين يجلسون منا مجلس المعلمين .. قال بعض "العلماء": إن القيامة ستقوم قبل سنة ١٤٥٠ هـ لا محالة ... ذلك أن النبي ﷺ قال: "إنه لا تأتي على أمتي سنة هجرية اسمها ١٤٥٠ ... ". وقال غيره: إنّ النيل يأتينا من الجنة! ... فحزنت؛ لأن صموئيل بيكر دخل الجنة قبلنا ... وغيره يقول إنّ: حسانَ بن ثابت كان يمسح بلسانه شعر رأسه، كأن حسانًا لا يكون شاعر النبي

стр. 433

إلا بهذا اللسان (العجالي) الذي يريد أن يلحقه به الشيخ! .. ويقرؤون لنا في حصة (الأخلاق) خرافات المتصوفة وحكايات الصالحين! ... كل هذا يا سيدي حضرته بنفسي، ولو أردت أن أكتب لك كثيرًا من هذا "العلم الشريف" لفعلت، ولكني أعلم أن نفثات قلمك الجريء لا يصح أن أقتطع منها أكثر من هذا متعة ومنفعة. محمود ... ". تدعي هذه الصحف أن هذا الكتاب المخترع جاءها من أحد طلاب الأزهر الشريف، ولن يقرأه ذو مسكة من عقل إلا واستيقن أنه مصنوع لديهم، وأنه بقلم سلامة موسى. وآية صنعه أن طلاب الأزهر - دعك من علمائه - وطلاب المدارس بل والدهماء من كاتب وأمي يعلمون أن تواطؤ المسلمين على بدء تأريخهم بعام هجرة رسول الله ﷺ إنما كان في خلافة عمر ﵁ في السنة الثالثة من خلافته في سنة ١٦، وأن التاريخ بذلك لم يكن معروفًا أصلًا في عصر النبوة، فمن غير المعقول إذن أن يتحدث رسول الله ﷺ بأن انتهاء الحياة الدنيا سيكون قبل سنة ١٤٥٠، ومن غير المعقول أن ينسب هذا إلى الرسول الكريم عالم أو جاهل من المسلمين، وإنما يتقحم هذه الحفر من لا يرى في نفسه للإسلام حرمة، ولم تخالط بشاشة الإيمان قلبه، ولم يسمع قوله ﷺ : "إن كذبًا علي ليس ككذبٍ عَلَى أحدٍ، فمَنْ كَذَبَ عليَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النارِ".

стр. 434

ثم هاتم خبرونا: من المسلمين - جاهلهم أو عالمهم - يرضى أن ينسب هذا الهراء إلى سيد الفصحاء والبلغاء، من أوتي جوامع الكلم واختصر لكم القول اختصارًا ﷺ ؟ ! أيرضى لنفسه كاتب أن تصدر عنه هذه الجملة "سنة هجرية اسمها ١٤٥٠" أيا كان من طبقات الكتاب؟ اللهم إن هذا كذب من أوقح الكذب على رسولك. وما أصدق قول العربي: إن كنت كذوبًا فكن ذَكُورًا. وإن مثل صاحب الأكذوبة المفضوحة، كمثل رجل سمعنا عنه فكاهة لطيفة في صبانا: زعموا أن نفرًا اجتمعوا في مصر العليا - وهناك يتضايق وادي النيل - فتفاخروا بالصافنات الجياد وكان فيهم رجل فياش (١) فزعم لهم أنه ركب جواده فطار به في الوادي من الجبل إلى الجبل! ففجأه أحدهم: وأين البحر؟ فبهت وقال هذا الذي أنسيته. فهذا نسي النيل بين الجبلين، وذاك نسي أن رسول الله ﷺ انتقل إلى الرفيق الأعلى قبل أن يؤرخ المسلمون من الهجرة بست سنوات. وأما كلمتهم في حسان بن ثابت ﵁ فإنَّا نظنها لاحقة بسابقتها وقد جهدنا في البحث عنها فلم نجدها في شيء من كتب التراجم المعتمدة، ولكنا نذكر أنا قرأنا في بعض كتب الأدب أن

стр. 435

حسان كان يضرب بلسانه أرنبة أنفه، وهذا على أننا لا نثق بصحته من طريق التحقيق العلمي - لا نراه شيئًا مستغربًا. وانظروا إلى ألفاظهم حين يذكرون صحابيًّا جليلًا كان ينافح عن رسول الله ﷺ ! ! . ويمينًا بالله إنهم لا يرضون أن يصفوا بأمثال هذه الكلمات أصغر قس من قساوستهم، فضلًا عن واحد من أصحاب سيدنا عيسى ابن مريم ﷺ ، ولو فلتت فلتة مثل هذه من قلم أحد الكاتبين لهم في وصف رجل ممن ينسبون لدينهم، لغضبوا لها وأبوا نشرها. وأما ما ذكروا من شأن النيل فليس كما خيل إليهم. ولفظ الحديث في صحيح البخاري من حديث طويل في وصف المعراج: "وإذا أربعة أنهار؛ نهران ظاهران ونهران باطنان، فقلت: ما هذان يا جبريل. قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات". وفي حديث آخر في صحيح مسلم: "إن النيل والفرات من أنهار الجنة". ومن المعروف ببداهة الحس والعقل أن النيل والفرات في هذه الأرض التي نعيش على ظهرها، وأنهما شقا في أديمها، يعرف ذلك الجاهل والعالم ولا يخالف فيه أحد: لا قبل ارتياد منابع النيل ولا بعده. والفرات في العراق من الجهة الشرقية للمدينة المنورة، والنيل في مصر من الجهة الغربية لها وبينهما بلاد وأقطار، وهذه حقيقة يعرفها العرب قبل الإسلام وقد كانوا يسافرون شرقًا وغربًا ويدخلون العراق ومصر.

стр. 436

وقد أخبرنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق؛ أنه رأى النيل والفرات يجريان في الجنة، وهي عالم آخر غير هذه الأرض، وهو يعلم أن سامعيه يعرفون هذه الحقائق، وأنهم لن يشبه عليهم قوله، فيظنوا أن هذين النهرين اللذين رآهما في الجنة هما بعينهما النهران اللذان رأوهما في الدنيا، وهم يعرفون أن الدنيا عالم والجنة عالم آخر، هذه دار العمل وتلك دار الجزاء. فهل تحب صحف الهلال والطالب الذي اخترعوه، أن ندلهم على قاعدة صغيرة من قواعد علم البيان، وهي أن المجاز: ما استعمل في غير ما وضع له لقرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي، ونأسف جدًّا أن نمثل لهم بالمثال الذي يُعطى لصغار الطلاب المبتدئين، كما تقول: رأيت أسدًا في الحمام. فإذا كان الحمام قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي مع أن وجود أسد حقيقي في الحمام غير مستبعد، إلا أنه ليس كثير الحصول. أفلا تكون كل هذه الحقائق البدائية التي قلنا كافية لدلالة السامع على أن رسول الله ﷺ لم يرد المعنى الظاهر للفظ، بل أراد معنى آخر أرقى من هذا المعنى المحال؟ وأنه يريد أن في الجنة نهرين هما نيل وفرات تنويهًا بذكر هذين اللذين في الأرض وإشادة بفضلهما، وأنهما مصدر لكثير من الخيرات والبركات على أهليهما، وأنهما مما أنعم الله به على خلقه فقامت على ضفافهما أقدم الحضارات في الدنيا، إلى معاني وإشارات أدق وأعلى.

стр. 437

ولعلنا نوفق إلى بيان كثير منها في مقال خاص إن شاء الله. ويرحم الله أبا الطيب إذ يقول: وكم من عائب قولًا صحيحًا ... وآفته من الفهم السقيم وبعد فقد نرى أن عدونا بالقوم قدرهم، وقد كانت كلمتنا الأولى كافية في كشف خبيئتهم وفضح نياتهم، ولكنا أردنا أن نأخذ بحجزهم عن الوقوع في أعراض المسلمين، وأن نحمي أبناءنا وإخواننا من الوقوع في حبائلهم ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (٣٠) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾. [محمد: ٢٩ - ٣١]. ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)﴾. [التوبة: ٥٦، ٥٧]. * * *

стр. 438

عبد العزيز فهمي باشا وعداؤه للعربية (*) أثار حضرة صاحب المعالي عبد العزيز فهمي باشا فتنة شعواء يحارب فيها لغة العرب، ويسعى لتمزيقها، ثم يحاول أن يظهر للناس في ثوب نصيرها المدافع عنها. ولقد كنا سمعنا عن اقتراحه - كتابة العربية بالحروف اللاتينية - قبل أن ينشر نصه، فوقع في نفسي أنه استمرار لمحاولة قديمة من فئة معروفة كانت تدعو منذ عشرات قليلة من السنين إلى اتخاذ اللهجات العامية لغة رسمية للقراءة والكتابة والتعليم، وكان على رأسها مهندس إنجليزي كبير، وكاتب مصري مشهور، نال المناصب الرفيعة من بعد، ثم درست تلك المحاولة، وظننا أنها ماتت وانتهى أمرها، ولم نكن نظن أنها اختبأت في حصن حصين، في رأس رجل عظيم، حتى نبتت منه بشعبها، تظن أن سيكون لها في لغة العرب أثر. وكنت قد فكرت في الرد على اقتراحه بإرجاعه إلى منبعه الأصلي ومصدره الصحيح، بما وقع في نفسي، ولكني خشيت أن أظلم الرجل باتهامه بتهمة لم يكن لدي عليها برهان.

стр. 439

حتى نشر المجمع اللغوي نص اقتراحه، فإذا البراهين فيه على ما ظننت واضحة بينة تترى، آخذ بعضها برؤوس بعض، وإذا الناس يتناولونه بأقلامهم من كل جانب، والباشا يصرخ هنا وهنا ويستغيث، ولغة العرب منصورة سائرة قدمًا في طريقها، لا تحس به ولا تشعر، وإذا اقتراحه يموت فلا يرثى له، وإن جامله المجمع اللغوي فلم يرفضه أول ما قدم إليه. ولو سكت الرجل بعد ذلك لكان خيرًا له وأقوم، ولنسيه الناس ونسوا ما قدم، ولكنه أخذته العزة بالإثم، فأخرج في أواخر رمضان من هذا العام (١٣٦٣ - أغسطس سنة ١٩٤٤) كتابًا يرد على ناقديه، ويأخذ أعراضهم بقلمه الثائر العنيف، وأدلته المتهافتة المستنكرة، حتى ولو كان لاقتراحه موضع آخر للسقوط لبلغه. وما بي أن أدافع من ردهم عليهم في كتابه، فكثير منهم أعرف باللغة العربية، وبأدب العرب، وأقدر على الكتابة من الباشا ومن كل أتابعه وأنصاره ومجامليه، ولكني أردت أن أكشف عن مقصده الحقيقي باقتراحه من كلامه وألفاظه، وأن أنقد بعض ما عرض له من مسائل في العلم، ظهر أنه لا يعرف فيها شيئًا، عرض لها عرضًا عجيبًا، ولو تركه ستر نفسه. أما اقتراحه الميت السخيف (١)، فما أبالي أن لا أرد عليه، اكتفاء

стр. 440

بما قيل من قبل، وثقة مني أن لا تقوم له قائمة من بعد. وأنا أعلم أن معاليه سينطلق في أثري كما انطلق في أثر الذين من قبلي، ثائرًا عنيفًا مستعليًا مستكبرًا، كأن لم يسمع كلمة الحق، وأنه سيرميني كما رمى أخي (السيد محمود محمد شاكر بأنه يشتهي تجريح من هو أكبر منه سنًّا، حاسبًا أن ذاتيته تعلوا بهذا التجريح) ولكنني لا أبالي. يعلن صاحب المعالي في كتابه ص (٧٨) أنه: (يريد المحافظة على العربية الفصحى) ولكن سائر أقواله إنما تصدر عن عقيدة بفساد هذه اللغة وأنها لا تصلح للحياة، لثباتها على وتيرة واحدة إلا أن تتغير وتدور مع اللهجات فتنقسم إلى لغات، فهو يضع اللغم الأول في هذا الصرح الشامخ، حتى إذا ما اهتز الصرح وفقد تماسكه استطاع من بعده من أنصاره ومن أعداء العربية ومن أعداء الإسلام، ومن أعداء القرآن، أن يدمروه تدميرًا. انظر إلى قوله الذي افتتح به اقتراحه المقدم للمجمع: (لا شك عندي أن حضرات المستشرقين - آه من عبادة المستشرقين ومن عبادة الإفرنج - من بريطانيين وفرنسيين وإيطاليين وألمان وأمريكيين، يعجبون منا نحن الضعاف الذين يطأطئون كواهلهم أمام تمثال اللغة، لحمل أوزار ألف وخمسمائة سنة مضت). ثم يقول عن بحث

стр. 441

المستشرقين عن الآثار: (لكن عملهم هذا الشيء وإمساك أية لغة بخناق أهلها دهرًا طويلًا شيء آخر. وانظروا إلى قوله في الفقرتين ٤ و ٥ "لكن حال اللغة العربية حال غريبة، بل أغرب من الغريبة؛ لأنها مع سريان التطور في مفاصلها، وتحتيتها في عدة بلاد من آسية وأفريقية إلى لهجات لا يعلم عددها إلا الله، لم يدر بخلد أي سلطة في أي بلد من تلك البلاد المنفصلة سياسيًّا أن يجعل من لهجة أهله لغة قائمة بذاتها، لها نحوها وصرفها وتكون هي المستعملة في الكلام الملفوظ وفي الكتابة معًا تيسيرًا على الناس، كما فعل الفرنسيون والإيطاليون والأسبان، أو كما فعل اليونان، ولم يعالج أي بلد هذا التيسير، وبقي أهل اللغة العربية من أتعس خلق الله في الحياة، إن أهل اللغة العربية مستكرهون على أن تكون العربية الفصحى هي لغة الكتابة عند الجميع، وأن يجعلوا على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقرًا، وأن يردعوا عقولهم على التأثر بقانون التطور الحتمي الآخذ مجراه بالضرورة، رغم أنوفهم في لهجات الجماهير، تلك اللهجات التي تتفرع فروعًا لا حد لها ولا حصر، والتي تتسع كل يوم مسافة الخلف بينها وبين الفصيحة جدة جداتها اتساعًا بعيدًا، هذا الاستكراه الذي يوجب على الناس تعلم العربية الفصحى، كما تصح قراءتهم وكتابتهم، هو في ذاته محنة حائقة بأهل العربية، إنه طغيان وبغي؛ لأنه تكليف للناس بما فوق طاقتهم، ولقد كنا نصبر على هذه المحنة لو أن تلك العربية الفصحى كانت سهلة المنال كبعض اللغات

стр. 442

الأجنبية الحية، لكن تناولها من أشق ما يكون، وكلنا مؤمن بهذا، ولكن الذكرى تنفع المؤمنين، فلنذكر ببعض هذه المشقة". هذا بعض قوله في اقتراحه، وما أظن عاقلًا يخدع بعد ذلك فيصدق الباشا في ادعائه أنه يريد المحافظة على العربية الفصحى، وهو يسخط عليها كل هذا السخط، ويندد بها كل هذا التنديد، بل يندد بالأمم المنفصلة سياسيًّا، أن لم يدر بخلد أحد من أهلها أن يجعل من لهجته لغة قائمة بذاتها لها نحوها وصرفها! ! فإن لم تكن هذه دعوة صريحة إلى تمزيق العربية إلى لغات عدة كما فعل الفرنسيون والإيطاليون والأسبان، فما ندري كيف تكون الدعوة، بل لا يدري أحد من الناس. إن هذا الاقتراح تجديد للدعوة القديمة التي أشرنا إليها في أول هذا المقال، واستمرار لها، حتى تتمزق وحدة الأمم العربية ويحال بينها وبين قديمها، فلا يعرفه ولا يصل إليه إلا الأفذاذ من علماء الأثريات، كما هو الشأن الآن في اللغات القديمة الميتة، فيحال بين الأجيال القادمة وبين القرآن والحديث وعلوم العرب، كما يظنون، فيندثر هذا الإسلام من وجه الأرض ويطمئن القوم. ومهما يكابر معالي الباشا وأنصاره، فلن يستطيع التفصي من هذه النتائج، ومن حمل كلامه على القصد إليها، وإن تبرأ منها ألف مرة، وإن قال ألف مرة: (أنا مكتف بما يسر الله لي من ديني، وموقن بأن لا مزيد عليه عند كائن من كان من المسلمين)! !

стр. 443

إن لم يكفكم هذا برهانًا على ما يقصد إليه ويرمي، فانظروا إلى قوله في الفقرتين ٧ و ٨: (تلك الأشواك والعقبات وهذا التعدد، تريك الواقع من أن هذه اللغة العربية ليست لغة واحدة لقوم بعينهم، بل إنها مجموع كل لهجات الأعراب البادين في جزيرة العرب من أكثر من ألف وأربعمائة سنة، جمعها علماء اللغة وأودعوها المعاجم وجعلوها حجة على كل من يريد الانتساب للغة العربية، ولا يعلم إلا الله كم لهجة كانت، أفليس من الظلم البين إلزام المصريين وغير المصريين من متكلمي اللهجات العربية الحديثة بمعالجة التعرف بتلك اللهجات القديمة التي ماج بعضها في بعض فانعجنت، ولو فرض المستحيل وأمكن عزل أية واحدة منها لكانت دراستها بسبب قدمها أشق من تعلم عدة لغات أجنبية حية، كل منها يعين الإنسان في عمره القصير على مسايرة العالم في هذه الحياة الدنيا، في كل سنة نسمع صيحة مدوية يصخ البعض بها معلمي اللغة العربية بالمدارس، متهمًا إياهم بالقصور أو التقصير في تلقين التلاميذ، والحق الذي لا مرية فيه أن هؤلاء المعلمين المساكين براء من هذه التهمة براءة الذئب من دم ابن يعقوب، فإن العيب إنما هو عيب اللغة التي ليس لها في مفرداتها وقواعدها أول يعرف ولا آخر يوصف، والتي لها في أدائها جرس ولوكة يضربان صماخ أذن الطفل لبعد ما بينهما وبين لهجة أمه، فينفر منها ومن المعلم نفور الطير روعته والظبي باغته). إذن فالأمر واضح، ليس الأمر أمر تيسير الكتابة العربية حتى

стр. 444

تمثل النطق بها تمثيلًا صحيحًا طاعة لأمر تعبدي نصت عليه لائحة المجمع اللغوي، ولقرار خاص من وزير المعارف تجب طاعته وتنفيذه؛ لأن "مورد النص لا مساغ للاجتهاد فيه" كما قال صاحب المعالي في كتابه ص ٣٦! ! ولكن الأمر أخطر من ذلك وأبعد أثرًا، الأمر أن لهذه اللغة جرسًا ولوكة يضربان صماخ أذن الطفل" فيجب أن نغير هذا، وأن نمهد له باصطناع الحروف اللاتينية التي لها جرس "يخالف جرس الحروف العربية في المخارج والحركات وتوقيت الكلمة في أثناء نطقها، وهو شيء في صميم اللغة كالمعنى ورسم الكتابة على السواء" كما قال الأستاذ العقاد (الرسالة ٥٨٥ في ١٨ سبتمبر سنة ١٩٤٤) حتى إذا ما تبلبلت الألسن العربية، ومرنت على هذه الحروف اللاتينية ولهجاتها وجرسها، وعلى الحروف المستحدثة التي ابتكرها المجمع اللغوي في قراره العجيب بشأن كتابة الأعلام الأعجمية بحروف عربية (١)، أمكن التدرج في الانتقال إلى اصطناع لغة أخرى أعجمية، أو خلق لغة بين بين، لا هي عربية ولا هي أعجمية وتفرقت الأمم العربية شذر مذر، ونسوا هذا القرآن الذي يجمع بينهم ويوحد لسانهم؛ إذ لن يستطيعوا إخضاعه لهذه اللكنة الأعجمية التي تدل عليها الحروف اللاتينية! !

стр. 445

وإذن فليس الأمر أمر إرادة المحافظة على العربية الفصحى كما يقول دفاعًا عن نفسه، وإنما هو رفع ظلم بَيِّن عن المصريين وغير المصريين ممن ألزموا تعرف تلك اللهجات القديمة التي ماج بعضها في بعض، والتي لا يمكن عزل أية واحدة، والتي لو أمكن المستحيل بعزل واحدة منها لكانت دراستها بسبب قدمها أشق من تعلم عدة لغات أجنبية حية، والتي كل العيب فيها؛ إذ ليس لها في مفرداتها وقواعدها أول يعرف ولا آخر يوصف، ولن يكون رفع هذا الظلم إلا أن يرفع عن كواهل المظلومين ما أثقلها من (أوزار ألف وخمسمائة سنة مضت)! ! لست أدري هل يغالط الباشا الحصيف نفسه ويخدعها، أو هو يظن أن الناس لا يفقهون! أيها الرجل: اقرأ كتابك، تجد أنك رضيت عن كل لغة حتى العبرية، وما اصطفيت لسخطك وسخريتك إلا العربية. وقد أجاب صاحب المعالي عن سؤال من سأل: كيف تريد أن ترسم القرآن؟ بجوابين عجيبين مضحكين! أما أحدهما فأن يرسم القرآن بحروف معاليه اللاتينية؛ لأن الحروف العربية وثنية منقولة مباشرة عن الوثنين، والحروف اللاتينية ينقلها معاليه الآن عن النصارى وهم أهل كتاب أقرب من الوثنيين إلينا نحن المسلمين (ص ٢٥ - ٢٦) ثم ارتأى أن يَمُنَّ على رجال الدين

стр. 446

المحترمين بإبقاء رسم القرآن وصحيح الحديث على ما هو عليه الآن! (ص ٢٨) ولست أدري أعفى عنهما إرضاء لهم أم شفقة عليهم أم خوفًا منهم؟ إنما هو قد فعل هذا والسلام! ثم أجاب بعض سائليه (ها أنت ذا ترى فيما أسلفت ما يطمئنك على بقاء القرآن والحديث مكتوبين بالرسم الحالي، فلن يندرس هذا الرسم، بل سيكون له دائما من رجال الدين وطلبة المعاهد الدينية من يقرؤونه ويحافظون عليه" (ص ٢٩). وقد وجد معاليه لرجال الدين بعد ذلك عملًا خطيرًا عظيمًا، هو "أن يؤدوا لنا في المستقبل عمل المستشرقين، ويحلوا لنا رموز ما لم يطبع بالرسم الجديد من قديم الكتب والمؤلفات" (ص ٢٨). ولسنا نجادله في أن هذا الفعل حرام أو حلال، فإن معالي الباشا رجل قانون، وهو أبعد الناس عن معرفة الحرام والحلال، وكتابه شاهد عليه. ولكنا نسأله سؤالًا واحدًا: أيمكن أن يؤدى نطق القرآن أداءً صحيحًا موافقًا للعربية إذا ما كتب بالحروف اللاتينية، وخاصة في حال الوقوف على رؤوس الآي أو في أثنائها؟ أظنه يعلم أن أواخر الكلم إذا كانت متحركة - وهو الأكثر - في الكلام - وجب الوقف عليها بالسكون، وإذا كان الحرف منونًا مفتوحًا وقف عليه بالألف، وهو يقترح أن يدل على الحركة بحرف مد يسميه (حرف حركة) وأن يدل على التنوين بحرف مد بعده حرف النون، فماذا يفعل القارئ،

стр. 447

أيحذف في كل وقف من المكتوب حرفًا أو حرفين، أم يقرأ القرآن إفرنجيًّا؟ ألسنا معذورين إذا ظننا صادقين أنه يبغي قطع الصلة بين هذه الأمة العربية وبين قديمها، وخاصة القرآن والحديث، تنفيذًا لخطة قديمة معروفة لم يخامرنا فيها شك دل عليها قلمه حين خانه، فجعل عمل رجال الدين أن يحلوا رموز ما لم يطبع بالرسم الجديد! ثم ماذا يريد صاحب المعالي هذا أن يصنع بالقرآن؟ إنه يريد أن يفتح الباب للعبث به وبقراءاته عامدًا متعمدًا، فقد أدخل نفسه مداخل لا يحسن الخروج منها، ولا منجى له من عواقبها. انظروا إلى قوله يخاطب "معالي السيد كامل الجاردجي" أحد الذين ردوا عليه اقتراحه (ص ٧٨) (الظاهر يا سيدي أننا غير متفقين اتفاقًا واضحًا على الغرض الذي نسعى إليه، فلنتفق عليه ابتداء ثم ليتكلم كلانا بعد بما شاء، أنا أريد المحافظة على العربية الفصحى، وأنت تريدها كذلك، فلنحدد بالنص الصريح ما هي تلك الفصحى التي نريدها جميعًا، أما أنا فلا أرى مثالًا للفصحى غير القرآن الثابت نصه بالتواتر؛ فلغته هي وحدها المعنية لي عندما أذكر الفصحى، وأحدد أكثر فأقول: إن لغته المعنية لي هي ما تكون الأقيس والأسهل من وجوه قراءاته فقراءة (إنَّ هذين لساحران) هي المعنية لي (إنْ هذان لساحران مثلًا) هذا نص كلامه بحروفه. أرأيتموه أيها الناس وعرفتم دخيلته! إنه يأتي بالكلام الحلو

стр. 448

المعسول فلا يرى "مثالًا للفصحى غير القرآن الثابت نصه بالتواتر" ثم يدس فيه ما يظن أنه يخفى على عامة المسلمين، بَلْهَ خاصتهم، بَلْهَ علماءهم فيزعم أنه يتخير من قراءات القرآن ما يوافق هواه ويعرض عما عداه، موهمًا أن الثابت، المتواتر هو ما حكى دون ما نفى، لكنه يسقط في ذلك سقطة ما لها من قرار. وذلك أن الآية التي جاء بها مثالًا لما يريد، وهي قوله تعالى في سورة طه: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾. رسمت في المصحف على هذا الرسم الذي رسمه أصحاب رسول الله واتفقوا عليه، وروي عنهم بالتواتر القطعي الثبوت رواية وكتابة، لم يَرْتَبْ في ذلك مسلم قط (هذن) بدون ألف بعد الذال، ورويت القراءات فيها بالتواتر القطعي سماعًا من عهد رسول الله إلى عصرنا هذا الذي نحيا فيه. والقاعدة الغالبة في رسم المصحف أن تحذف الألف وأن تثبت الياء. والقراءة التي يقرأ لها أهل بلادنا، قراءة حفص عن عاصم، في هذه الآية (إن هذان) بسكون النون في (إن) وبثبوت الألف وكسر النون مخففة من غير تشديد في (هذان) ووافقه ابن محيصن وأبو حيوة والزهري، وغيرهم من أئمة القراءة، ووافقه أيضًا ابن كثير ولكن شدد النون المكسورة في (هذان) وقراءة حفص ومن وافقه التي نقرأ في بلادنا هي التى يرفضها الباشا العالم العجيب، وينفي أن تكون مما ارتضى من (العربية الفصحى)؛ وذلك أنه عسر عليه أن يدرك وجهها من العربية وإن كان واضحًا ميسورًا.

стр. 449

وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر وحمزة الكسائي وأبو جعفر ويعقوب وخلف والحسن والأعمش وأبو عبيدة وأبو حاتم وابن جرير الطبري وغيرهم (إن) بتشديد النون (وهذان) بالألف وتخفيف النون، وهذه القراءة نفاها معاليه ضمنًا أيضًا باختيار غيرها وإن لم يصرح بنفيها ولكنها، دخلت في غير (العربية الفصحى) عنده. وهاتان القراءتان هما قراءة أكثر القراء من السبعة بل العشرة، بل الأربعة عشر بل من عداهم، ممن عرف معاليه ومن لم يعرف، وممن سمع به ومن لم يسمع: ثم اختار لنفسه أستغفر الله - بل لأمم العرب جمعاء، غير مكلف أن يختار لهم، ولكن عاديًا على لغتهم وعلى قرآنهم - اختار قراءة أبى عمرو بن الجلاء وعيسى بن عمر ويونس وغيرهم (إن هذين) بتشديد النون في (إن) وبالياء في (هذين) اختارها من غير دليل إلَّا يسرها في مقدوره وعلمه، وهي قراءة صحيحة ثابتة كاللتين قبلها وإن عبر عنها بعضهم بالشذوذ كالإمام أبي عمرو الداني في كتاب (المقنع في رسم المصاحف) ص ١٢٧، وكالزجاج في قوله: "لا أجيز قراءة أبي عمرو؛ لأنها خلاف المصحف" (١).

стр. 450

فهذا مبلغ هذا الرجل من العلم! قبِل من القراءة ما اختلف فيه وإن كان صحيحًا لأدلة يجهلها، ورفض ما لا خلاف فيه من القراءة بالهوى والجرأة من غير دليل ولا شبهة إلَّا أنه جهل شيئًا فعاداه. "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف" كما ثبت في الحديث الصحيح المتواتر الذي لا شك في صحته، وإن قراءه تلقوا قراءاته وروايات حروفه ولهجاته سماعًا ومشافهة من شيوخهم طبقة بعد طبقة إلى رسول الله ﷺ ثبتت قراءاته الصحيحة المعروفة بالتواتر الحقيقي الذي لم يثبت بمثله كتاب قط، رووها بأدق ما يُروى كلام وأوثقه، سواء أرضي عبد العزيز باشا فهمي عن هذا أم سخطه. وإن هذا القرآن بقراءاته المتواترة قد حفظ على العرب لغتهم بحروفها وأوجهها ولهجاتها حفظًا عجيبًا، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لا يستطيع أحد أن ينفي شيئًا منها أو ينكره، كابر أو تعنت أو جهل، إنما هو الحق البين المعلوم من الدين بالضرورة، من أنكره فإنما ينكر على نفسه، وإنما يجني على نفسه، وحكم الإسلام فيه معروف، لا يحتاج إلى ذكر أو بيان. أفيظن أحد أن المسلمين يكذبون علماءهم وقراءهم وحفاظ كتابهم الذين لا يحصيهم العد، طبقة طبقة إلى صحابة رسول الله، ثم يتبعون رجلًا بأنه نبغ في صناعة القانون الإفرنجي حتى نال أسمى منصب فيه، وبأنه وصل إلى مسند الوزارة، وبأنه وضع في غير موضعه: عضوًا في المجمع اللغوي؟ ، كلا ثم كلا! إن من يتوهم بعض هذا إنما يلغي عقله، وإنما يلغى كل منطق وكل دليل.

стр. 451

ولعل الباشا رجع فيما تعرف من القراءات وتوجيهها، لا إلى علم علماء الإسلام، ونقلهم ومؤلفاتهم، وإنما رجع إلى آراء المستشرقين، ونظرياتهم في القرآن والقراءات؛ فهم يرون أن كل علماء الإسلام وقراء القرآن كاذبون مفترون، اخترعوا هذه الروايات وهذه القراءات توجيهًا لما يحتمله رسم المصحف، تشكيكًا منهم في هذا الكتاب المحفوظ بحفظ الله، وتكذيبًا للوعد بحفظه، وبأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وثأرًا من المسلمين باتهامهم بالتحريف، كما اتهم الذين من قبلهم بأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه. ونظرية المستشرقين أوضحها أحدهم، جولدزيهر اليهودي المجري في كتاب (المذاهب الإسلامية في تفسير القرآن) الذي ترجمه أخونا الأستاذ الشيخ علي حسن عبد القادر ونشره في هذا العام (ص ٣ - ٤) قال: (وهذه القراءات المختلفة تدور حول المصحف العثماني، وهو المصحف الذي جمع الناس عليه خليفة المسلمين عثمان بن عفان، وأراد بذلك أن يرفع الخطر الذي أوشك أن يقع في كلام الله في أشكاله واستعمالاته، وقد تسامح المسلمون في هذه القراءات، واعترفوا بها جميعًا على قدم المساواة، بالرغم مما قد يفرض من أن الله قد أوحى بكلامه كلمة كلمة، وحرفًا حرفًا، وأن مثله من الكلام المحفوظ في اللوح، والذي نزل به الملك على الرسول المختار، يجب أن يكون على شكل واحد وبلفظ واحد، وقد عالج هذا الموضوع بتوسع نولدكه في كتابه تاريخ القرآن. والقسم الأكبر من هذه القراءات يرجع بسبب في ظهوره إلى خاصية الخط

стр. 452

العربي، فإن من خصائصه أن الرسم الواحد للكلمة الواحدة قد يقرأ بأشكال مختلفة تبعًا للنقط فوق الحروف أو تحتها، كما أن عدم وجود الحركات النحوية وفقدان الشكل في الخط العربي يمكن أن يجعل للكلمة حالات مختلفة من ناحية موقعها من الإعراب، فهذه التكميلات للرسم الكتابي، ثم هذه الاختلافات في الحركات والشكل، كل ذلك كان السبب الأول لظهور حركة القراءات فيما أهمل نقطه أو شكله من القرآن). ألا ترون أيها الناس في هذا الكلام الروح الذي أوحى بالطعن في الرسم العربي، وأوحى باقتراح تيسيره أو تغييره، وأوحى بالتخير في القراءات بالهوى والرغبة؟ لست أزعم أن هؤلاء التابعين المقلدين أخذوا من جولدزيهر في هذا الكتاب، أو أخذوا من نولدكه في ذاك الكتاب، فلعلهم لم يقرؤوا الكتابين ولا سمعوا بهما، ولم يكن جولدزيهر ولا نولدكه أول من افترى هذه الفرية على القرآن وعلى قراء القرآن وعلى علماء الإسلام؛ فإن هذا الرأي معروف عن المستشرقين، نعرفه عنهم منذ عهد بعيد، وعليه تدور آراؤهم وأقاويلهم في القرآن والقراءات، وفي روايات الحديث وأسانيد المحدِّثين. ذلك بأنهم أصحاب هوى، وذلك بأنهم لا يؤمنون بصدق رسالة الرسول ﷺ وذلك بأنهم يؤمنون بأن أصحاب رسول الله وتابعيهم من بعدهم لا خلاق لهم، يصدرون عن هوى وعصبية؛ فيظنون فيهم ما

стр. 453

تيقنوه في غيرهم من الكذب على الدين والجرأة على الله، وحاش لله. وذلك بأنهم يتتبعون الشاذ من الروايات، الذي أخطأ فيه بعض رواته، أو الذي كذب فيه بعض الوضاعين، وهما اللذان بينهما علماء الإسلام، وخاصة علماء الحديث أدق بيان وأوثقه وأوضحه، فيجعلون هذا الشاذ المنكر أصلًا يبنون عليه قواعدهم التي افتعلوها ونسبوها للإسلام وعلماء الإسلام، ويدعون الجادة الواضحة، وضوح الشمس، ويغمضون عنها أعينهم، ويجعلون أصابعهم في آذانهم، ثم يستهوون منا من ضعفت مداركهم، وضؤل علمهم بقديمهم، من المعجبين بهم والمعظميهم، الذين نشؤوا في حجورهم ورضعوا من لبانهم، فأخذوا عنهم العلوم حتى علوم الفقه والقرآن، فكانوا قومًا لا يفقهون. ولكن المسلمين يعرفون أن هذا القرآن قرأه رسول الله على الناس وأقرأهم إياه بقراءات معروفة، ثابتة بالأسانيد الصحيحة المتواترة، كل قارئ سمع من شيوخه قراءات كثيرة أو قراءة واحدة، لا ينكر بعضهم على بعض إلا ما كان مظنة الخطأ من الراوي أو الشك في صدقه، قبل أن تجمع الروايات وتستقر، وأما بعد أن عرفت أسانيدها وطرقها، وعرف المتواتر والصحيح، من الشاذ والمنكر، فلا، وهذا شيء يعرفه كل من شدا شيئًا من العلم بالأسانيد وفنون النقل والرواية، أو من أصول الدين وأصول الفقه. والمسألة في صورة بينة ميسرة: أن هذا القرآن نقل إلينا نقل تواتر

стр. 454

قطعي الثبوت، مرسومًا في المصاحف هذا الرسم العربي المعروف، رسمه حفاظه والقائمون عليه من أصحاب رسول الله، تحت سمعهم وبصرهم جميعًا، وحُصرت طرق رسمه محدودة مفصلة في كتب القراءات وفي كتب خاصة بالرسم، ونقل إلينا أيضًا قراءاته الصحيحة موافقة لهذا الرسم نفسه، نقل تواتر قطعي الثبوت، أو على الأقل في بعضها القليل النادر نقلًا صحيح الإسناد برواية الثقات عن الثقات، نقل إلينا ذلك سماعًا ومشافهة، مبينًا فيه النطق وطرق الأداء (١). فكنا وكان الناس في هذا بين أمرين لا ثالث لهما: إما أن يكون الرسم هو الذي ثبت أولًا ثم جاءت هذه القراءات احتمالات فيه، يمثلها كل قارئ بما يرى أو بما يستطيع، وإما أن تكون القراءات هي الأصل ثم رسم الكتاب على الوجه الذي يمثلها كلها ويحتملها حتى لا يخرج عنه شيء منها. أما المستشرقون ومن قلدهم من الجهلة الأغرار ممن ينتسب إلى المسلمين فذهبوا إلى الوجه الأول واختاروه ونصروه، أعني أنهم فهموا أن القرآن (يجب أن يكون على شكل واحد وبلفظ واحد) وأن هذا الشكل الواحد واللفظ الواحد رسم بهذا الرسم الذي من

стр. 455

خصائصه أن الكلمة الواحدة (قد تقرأ بأشكال مختلفة تبعًا للنقط فوق الحروف أو تحتها، كما أن عدم وجود الحركات النحوية وفقدان الشكل في الخط العربي يمكن أن يجعل للكلمة حالات مختلفة من ناحية موقعها من الإعراب) وبنوا على ذلك أن هذا الرسم بما يحتمل في النقط والحركات (كان السبب الأول لظهور حركة القراءات فيما أهمل نقطه أو شكل من القرآن) كما قاله جولدزيهر في كتابه. وليس لهذا الرأي وهذا الاستنباط معنى إلا شيء واحد: أن المسلمين، من الصحابة والتابعين فمن بعدهم إلى الآن، اخترعوا هذه القراءات تمثيلًا لما يحتمل الرسم من القراءة، ونسبوها إلى كتابهم وإلى رسولهم، وأنهم كذبوا جميعًا في ادعاء نسبتها إلى رسول الله، وفي ادعاء أنهم تلقوها جيلًا بعد جيل وطبقة بعد طبقة. وقد يعذر المستشرقون إذا ذهبوا هذا المذهب؛ لأنهم قوم جهلوا طرق الرواية عند المسلمين، ومن عرف منهم شيئًا منها فإنما يغلبه هواه، ويغلبه ما يراه بين يديه في كتبهم السابقة، وما لحق بها من عبث، وما أصابها من تحريف وتغيير، ويغلبه ما يعرف من فقدها أي نوع من الإسناد، وأي نوع من الرجال كان يرويها وينقلها، وما يعرف من انقطاع تواترها بل انقطاع أصل روايتها انقطاعًا تامًّا قبل بلوغها مصدرها الأول بقرون، يعرف كل هذا، ويجهل أو يتجاهل سير علماء الإسلام وما كانوا عليه من ثقة وصدق، وما كانوا يتحرون من دقة وأمانة في رواية الحرف الواحد من أحرف القرآن، وفي طرق أداء

стр. 456

كل حرف والنطق به، على اختلاف اللهجات والروايات، حتى إنهم وزنوا نطق الحروف بموازين معروفة في كتب القراءة وكتب التجويد، وحتى إنهم ليقيسون التنفس في أحرف اللين وأحرف المد بما اصطلحوا على تسميته بالحركات، إلى غير ذلك من طرق الاحتياط والتوثق. فلم يكن عجبًا من المستشرقين وقد جهلوا ذلك كله وغلبهم ما وصفنا، أن يختاروا هذا الوجه، وأن يجزموا بأن هذه القراءات نشأت عن الرسم العربي المهمل من النقط والشكل. وأما المسلمون فقد أيقنوا بالوجه الآخر الصحيح، أن القراءات هي الأصل، وأن الرسم تابع لها مبني عليها، أعني أنهم عرفوا مما جاءهم من الحق بالتواتر القطعي الثبوت أن رسول الله قرأ القرآن على أصحابه وأقرأهم إياه بقراءات متعددة النطق والأداء، كلها حق منزل عليه من عند الله، وكلها موافق للغة العرب ولهجات القبائل، حفظًا له وتيسيرًا عليهم، وأنهم سمعوا منه وقرؤوا عليه شفاهًا وحفظًا في الصدور، ثم أثبتوا ذلك عن أمره كتابة وتقييدًا، وأنه قال لهم: "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر". فأدوا ما سمعوا كما سمعوا وكما قرؤوا، مفصلًا موجهًا بأوجهه في الأداء والتلاوة، لم يزيدوا ولم ينقصوا، وأنهم كتبوا ما سمعوا وما حفظوا على هذا الرسم الذي رسموا، ليكون مؤديًا كل الأوجه التي عرفوا، والتي أذن لهم في القراءة بها، حتى إنه لو كان للرسم العربي عندهم إذ ذاك وجه

стр. 457

آخر يضبط به النطق على حال واحدة لأبوا أن يرسموا به؛ لئلا يضبط النطق على وجه واحد فتضيع سائر الأوجه، وكلها من عند الله أنزل، وكلها من لغة العرب، وكلها أذن لهم في القراءة به، وكانوا هم الأمناء على الوحي وهم الذين أمروا بتبليغ ما أنزل إليهم ما وسعهم البلاغ، ثم نقل عنهم من بعدهم من الثقات الأثبات الأمناء نقلًا فاشيًا واضحًا متواترًا، لم يجعلوا شيئًا منه سرًّا مصونًا ولا كنزًا مخفيًّا، بل هو الإذاعة بأقصى ما يستطيع الناس من الإذاعة حتى لا يكون شيء منه موضعًا لشبهة ولا معرضًا لشك ولا بابًا لزيغ. فكان في رأي المستشرقين أن الرسم سبق القراءة، خيالًا منهم وتوهمًا، وكان عند المسلمين أن القراءة سبقت الرسم، حقًّا يقينًا ثابتًا بأوثق ما تثبت به الحقائق التاريخية. ولم يكن للمسلمين - من أول الإسلام إلى الآن - مندوحة عن اليقين بهذا الوجه؛ إذ هو الذي لا يعقل سواه، وهو الذي تقتضيه طبيعة ما وصل إليهم من النقل والأدلة، وكانوا أعرف بأصحاب رسول الله ثم بالأئمة من العلماء والقراء الذين نقلوا إليهم العلم والدين والقرآن، من أن يظنوا بهم السوء والكذب والافتراء، وكانوا يوقنون بكفر من عمد إلى تحريف حرف واحد من القرآن بافتراء قراءة لم تنقل عن قارئه الأول ﷺ . وها هي ذي كتب القراءات - ما نشر منها وما لم ينشر - وها هم أولاء قراء القرآن في أقطار الأرض كلهم يسوق أسانيد القراءة عن الأئمة إلى رسول الله ﷺ من روايات الثقات

стр. 458

الأثبات الصادقين الذين لا يحصيهم العد، والذين لا موضع للطعن في صدقهم وأمانتهم وتقواهم لله. فما كان لأحد من الناس بعد ذلك - ولو كان من المستشرقين أو من عبيد المستشرقين - أن يلقي ظلًا من الشك على هذه الحقائق البينة، وعلى هذا النهار الواضح، ولئن فعل لم يكن إلَّا جاهلًا أو متجنيًا ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]. ولو عقل هؤلاء القوم الذين يعرضون لما لا يعلمون، ويخوضون فيما لا يفقهون؛ لعرفوا أن التعرض لتغيير الرسم العربي، أو ما يسمونه "تيسيره" إنما هو العمل على تمزيق لغة العرب وتفريق وحدة المسلمين، وهذا القرآن وهذه اللغة التي حفظهما كل ما بقي لنا من آثار الوحدة والتماسك، ولفهموا ما وراء رأي المستشرقين من مقصد أو نتيجة لا يجوز في منطق العقول غيرها: أن القرآن بالوجه الذي أنزل على رسول الله خرج من أيدي المسلمين فيما قرئ بأوجه متعددة؛ لأنه "يجب أن يكون على شكل واحد وبلفظ واحد" كما قال جولدزيهر، وقد دخل هذا الوجه الواحد في أوجه متعددة غير معين أو غير معروف، أو لعله لم يكن في هذه الأوجه؛ لأن المسلمين - في رأيهم - إنما قرؤوا على أوجه يحتملها الرسم المكتوب، لا على أوجه أُنزل بها من عند الله، وثبتت صحتها وقراءتها عن الرسول الذي أمر بقراءته وإبلاغه للناس، فهذه القراءات في رأي المستشرقين ومن

стр. 459

تابعهم ليست كلها أُنزل بها القرآن، وإنما أنزل بواحدة منها غير معينة، لا يعرفها المسلمون ولا يعرفها المستشرقون، وحاش لله أن يكون شيء من هذا، و ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]. هذه حقائق لا يشك فيها مسلم وما ينبغي له. فوازن - أيها القارئ الكريم - بينها وبين قول الباشا في كتابه (ص ٨٤ - ٨٥) في شأن رسم المصحف والقراءة: "لقد كان القراء قليلين والكتاب أقل من القليل، والرقاع أندر من الندرة، فأيما قبيلة ظفرت بصحيفة مكتوب فيها سورة أو بضع آيات من سورة حرصت عليها وتعبدت بتلاوتها على الوجه الذي استطاعت أن تقرأها عليه، وإذ كان رسم الكتابة إذ ذاك أشد اختزالًا مما هو الآن، لتجرده من النقط والألفات الممدودة، وكان الكتّاب بدائيين لا يستطيعون ضبط الكتابة حتى برسمها القاصر السخيف؛ إذ كان هذا فإن باب الخطأ والتصحيف كان مفتوحًا على مصراعيه؛ ويكفي أن يكون للألفاظ بعد تصحيفها، معان تتلاءم قليلًا أو كثيرًا حتى يمضي القارئ في قراءته ويتعصب لها. أرأيت إذن يا سيدي مبلغ الضرر الذي نشأ في أول الإسلام عن سوء الرسم ووجازته وقابليته للتصحيف؟ ... على أن عثمان إذا كان له عند الله وعند المسلمين يد بجمعه القرآن، فإن عمله لم ينحسم به الشر من أساسه، كل ما كان أنه كفى المسلمين شر جهل الكاتبين الذين لم يحسنوا كتابة ما لديهم من الصحف على قاعدة الرسم العربي السخيف، ثم شر من كانت لديهم صحف كتبوها في أوقات متباعدة

стр. 460

وفرص متفرقة، فأتت بطبيعة الحال غير وافية أو غير مراعى فيها ما للقرآن من ترتيب في السور والآيات، أما منبع الشر الحقيقي، وهو رسم العربية القابل لكل تصحيف، فبقي على ما كان عليه، ولم يعالج بشيء أكثر من إيكال الأمر في كل مصر إلى الحفاظ المتدينين الصالحين، وهو في ذاته علاج واهن ضئيل". وما بعد هذا القول قول في نسبة التصحيف إلى القرآن الكريم في قراءاته؛ إذ بقي "منبع الشر الحقيقي وهو رسم العربية القابل لكل تصحيف" والعلاج الذي وضع له "علاج واهن ضئيل". فما ظنك بداء - في نظر معاليه - لم يجتث من جذوره، وبقي يعمل ويفشو أكثر من ألف وثلاثمائة سنة، ولم يعالج إلا بعلاج واهن ضئيل؟ حتى يأتي في آخر الزمان، مثل هذا الرجل النابغة، فيتخير من القراءات ما طاب له، ويرفض سائرها؛ لأنها كلها نتيجة الاجتهاد في قراءة "الرسم العربي السخيف" "القابل لكل تصحيف" وقد تريد الصدفة في اختياره أن يختار غير "الشكل الواحد واللفظ الواحد الذي نزل به الملك على الرسول المختار" كما زعم المستشرقون. وليس لنا بعد هذا إلا أن نقول له ولهم: ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]. أما بعد؛ وقد وفينا البحث حقه فيما نرى: فإني أرجو أن أظهر الناس على مبلغ علم معالي الباشا فيما هو أيسر من ذلك من العلم؛ فقد يبدو لي أنه - وإن كان من رجال القانون- عرف شيئًا من علم
следующие страницы →