← Джавами‘

Джавами‘ · id 20642

جمهرة مقالات أحمد شاكر

أحمد شاكر

Полный текст (928 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

جمهرة مقالات العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر مع أهم تعقبات الشيخ على دائرة المعارف الإسلامية جمعها وأعدها واعتنى بها عبد الرحمن بن عبد العزيز بن حماد العقل [الجزء الثاني]

стр. 527

مَسائلُ عِلْمِيَّةٌ ١ - في لسان العرب ٢ - من بدع القبور ٣ - موقعة الجمل ٤ - تعليق على كلام "عبد الرحمن الوكيل" في بدعة المحمل ٥ - فوائد شتى: العمل بالحديث الصحيح - الفقه في الدين والاجتهاد - السؤال عما لم يقع - معنى حديث "إن الله خلق آدم على صورته" - نشوء علم الفلسفة - كتاب المهذب للذهبي - كتاب الجمع بين الصحيحين - أسباب اختلاف العلماء - سبب القول بما يخالف القرآن والسنة. ٦ - الجعاظرة الجوَّاظون ٧ - القول الفصل في مس المرأة وعدم نقضه للوضوء ٨ - ولاية المرأة القضاء ٩ - الرقص والطيب والنساء ١٠ - نظام الطلاق في الإسلام

стр. 528

في لسان العرب (*) ١ لسان العرب أوسع الألسنة مذهبًا، وأكثرها ألفاظًا، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي (١)؛ فذلك هو اللغة. ولسان العرب أوسمع المعاجم التي نشرت مما بقي لنا من دواوين الأقدمين، فذلك هو الكتاب. وقد طبع كتاب "اللسان" الطبعة الواحدة بمطبعة بولاق من سنة ١٣٠٠ إلى سنة ١٣٠٨ هـ. ولم يعد طبعه مرة ثانية إلى الآن، إلّا محاولة لبعض الناشرين لم يهيأ له إتمامها، وهو الحجة القائمة بين أيدي العلماء والأدباء، لا يغني عنه غيره مما نشر من الدواوين والمعاجم. وفيه أوهام وأغلاط ومآخذ: بعضها من المؤلف، وبعضها مما نقل المؤلف عنه من الكتب الخمسة التي بنى عليها كتابه، وهي: التهذيب لأبي منصور الأزهري، والمحكم لابن سيدة، والصحاح للجوهري، وحاشيته لابن بري، والنهاية لابن الأثير. وبعضها مما فات مصححيه في مطبعة بولاق، ﵏ جميعًا. وقد استدرك كثيرًا من الأغلاط والمآخذ أستاذنا العلامة الكبير

стр. 529

أحمد باشا تيمور ﵀ في كلمات نشرها في بعض الصحف والمجلات، ثم جمعها في كتاب "تصحيح لسان العرب" ونشره أخونا الأستاذ محمد عبد الجواد الأصمعي في قسمين: الأول في سنة ١٣٣٤ بمطبعة الجمالية، والثاني في سنة ١٣٤٣ بالمطبعة السلفية، وهو كتاب بني على التحقيق العلمي الدقيق الذي امتاز به أستاذنا تيمور باشا في كل ما أثر عنه من آثار. ولم يك من همّ أستاذنا الجليل تيمور باشا أن يتتبع كل ما في الكتاب من مآخذ، ولم يقصد إلى ذلك، ولو قصد إليه لأتمه وأتقنه. وقد وقعت إليّ مآخذ أخرى مصادفة أثناء عملي، رأيت أن أقيدها وأنشرها في الفينة بعد الفينة، عسى أن يكون في نشرها فائدة، وفيما أقرأ وأرى قد تكون لي لمحات وآراء في "لسان العرب" أحب أن أعرضها للبحث والنقد خدمة للعربية، في وقت تسمو فيه العروبة إلى العُلا. فهذه أبحاث منثورة حرة، لا تربطها وحدة، ولا يؤلف بينها منهج، إلّا أنها أبحاث في "لسان العرب": اللغة والمعجم، ولا تتقيد بقيود، إلا الحق والتحقيق. تعريب الأعلام ٢ تضطرب أقلام الكتاب كثيرًا وآراؤهم في تعريب الأعلام الأجنبية، كما نرى فيما ينشر في الصحف والمجلات والكتب.

стр. 530

ويحاول كثير من المحدثين أن يخضعوا اللسان العربي للنطق بحروف ليست من لسانهم، اتباعًا للغات الأجنبية التي منها يعرّبون، فلا يكادون ينطقون باسم أعجمي في حديثهم العربي أو يكتبونه حتى تسمعه منهم أو تقرأه لهم أعجميًّا صرفًا! ثم جاء المجمع اللغوي بمصر منذ بضع سنين، فأصدر قرارات في تعريب الأعلام زادت الأمر اضطرابًا، والألسنة عجمة! فقرر فيما قرر: ١ - "يكتب العلم الإفرنجي الذي يكتب في الأصل بحروف لاتينية بحسب نطقه في اللغة الإفرنجية، ومعه اللفظ الإفرنجي بحروف لاتينية بين قوسين في البحوث والكتب العلمية، على حسب ما يقرّه المجمع في شأن كتابة الأصوات اللاتينية التي لا نظير لها في العربية". ٢ - "تكتب الأعلام الأخرى التي ترسم بغير الحروف اللاتينية والعربية بحسب النطق بها في لغتها الأصلية، أي كما ينطقها أهلها لا كما تكتب" إلخ. وقد نشرت هذه القرارات في مجلة المجمع، في الجزء الرابع سنة ١٣٥٦ هـ (ص ١٨ - ٢١). وهذه القرارات إذا ما تأملها القارئ رأى فيها معنى واحدًا يجمعها، وروحًا عامًّا يسيطر عليها، وهو الحرص على أن ينطق أبناء العروبة بالأعلام التي ينقلونها عن لغات أعجمية بالحروف التي ينطقها بها أهلوها، وقسر اللسان العربي على ارتضاخ كل لكنة أعجمية لا مثال لها في حروف العرب، وتسجيل هذه الأوابد من

стр. 531

الحروف برموز اصطلاحية تدخل على الرسم العربي، زعموا تزيدًا في الحروف وتكثرًا. ولئن تم هذا الذي يُراد لتجدنّ اللغة العربية من بعدُ، في رسمها وكتابتها ونطقها ولهجاتها، مجموعة غريبة متنافرة من اللهجات الأعجمية والرسوم الرمزية. ولتجدن ألسنة أبنائها لا تكاد تقيم حرفًا من العربية على ما نطق به العرب، مما أثبته علماء "التجويد" في إخراج الحروف من مخارجها، وعلى قواعدهم بنيت قواعد العلوم العربية، وبها حفظ لنا النطق بالكلم العربي، وبالقرآن، وهو سياج اللغة وحاميها. ولست أدري مَمَّ استنبطت هذه القواعد التي اختارها هؤلاء الأعلام الكبار أعضاء المجمع. فإن لغة العرب قبلت نطقًا ونقلت سماعًا، لم يضع لها العرب الأقدمون القواعد في الإعراب والتصريف علومًا مدونة. إنما أخذت عنهم اللغة كما ينطقون، وجاء القرآن العظيم مثبتًا أعلامها، حافظًا كيانها على مر الدهور. ثم استنبط علماء الإسلام القواعد العلمية في النحو والصرف والبلاغة والعروض وغيرها، بالاستقصاء والتتبع، وبضم النظير إلى النظير، والشبيه إلى الشبيه، ثم جعلوا ما خرج عن النظائر شاذًّا أو مسموعًا. ولكنهم لم يرسموا الحدود الدقيقة والقواعد الواضحة في التعريب ونقل الكلمات الأعجمية إلى العربية، فيما علمنا.

стр. 532

فإذا أردنا أن نضع قواعد مستحدثة في هذا، كما وضع المتقدمون لغيره، وجب أن نترسم خطواتهم، ونتتبع آثارهم ونصنع صنيعهم في طريق الاستنباط، وهو الطريق الواضح، والمحجة البينة: أن نستقرئ النظائر، ونتتبع الأمثال، فنضم كل شكل إلى شكله، وننظر في الأمر الجامع يجمعها، حتى نخرج القاعدة الغالبة، ثم يكون ما ندَّ عنها شاذًّا أو نادرًا أو سماعيًّا، ثم إن شئنا وطاوعتنا القواعد قليلًا قسنا على الشاذ والسماعي في القلة والندرة وعند الضرورة. وهذا شيء بديهي لا يكاد يشك فيه عالم. فحين نريد أن نضع قاعدة أو قواعد لتعريب الأعلام على مثال لغة العرب، يجب علينا أن نستقصي كل علم أجنبي نطق به العرب، وأن نعرف ماذا كان أصله في لغة أهله، وماذا صنع فيه العرب حين نقلوه، لنأخذ من ذلك معنى عامًّا جامعًا لصنعهم، يكون أساسًا لما نضع من قاعدة أو قواعد. وأكثر الأعلام التي نقل العرب، وأوثقها نقلًا ما جاء في القرآن الكريم، من أسماء الأنبياء وغيرهم. فلو تتبعناها وشئنا أن نخرج منها معنى واحدًا تشترك فيه كلها، بالاستقصاء التام والاستيعاب الكامل، وجدنا فيها معنى لا يخرج عنه اسم منها، وهو: أن الأعلام الأجنبية تنقل إلى العربية مغيرة في الحروف والأوزان، إلى حروف العرب وحدها، وإلى أوزان كلمهم أو ما يقاربها، وأنها لا تنقل أبدًا كما ينطقها أهلها إلَّا أن توافق حروفها وصيغها حروف العرب وأوزانها.

стр. 533

وهذا المعنى هو القاعدة التي لا يصح تجاوزها في نقل الأعلام الأجنبية إلى العربية، وهو الذي تشير إليه أقوال أئمة العربية من المتقدمين والمتأخرين. قال الجوهري في الصحاح (ج ١ ص ٨٠): "تعريب الاسم الأعجمي أن تتفوه به العرب على منهاجها". وانظر أيضًا اللسان (ج ٢ ص ٧٩). وقال أحمد بن فارس في كتاب الصاحبي في فقه اللغة (ص ٢٤ - ٢٥): "حدثني علي بن أحمد الصباحي، قال: سمعت ابن دريد يقول: حروف لا تتكلم بها العرب إلا ضرورة، فإذا اضطروا إليها حولوها من التكلم بها إلى أقرب الحروف من مخارجها، فمن تلك الحروف الحرف الذي بين الباء والفاء، مثل "بور" إذا اضطروا فقالوا: "فور". ثم قال ابن فارس: "قلنا: أما الذي ذكره ابن دريد في "بور" و"فور" فصحيح، وذلك أن "بور" ليس من كلام العرب، فلذلك يحتاج العربي عند تعريبه إياه أن يصيره فاء". وقال الجواليقي في المعرب (ص ٦): "اعلم أنهم كثيرًا ما يجترئون على تغيير الأسماء الأعجمية إذا استعملوها، فيبدلون الحروف التي ليست من حروفهم إلى أقربها مخرجًا، وربما أبدلوا، بعد مخرجه أيضًا. والإبدال لازم؛ لئلا يدخلوا في كلامهم ما ليس من حروفهم". وفيه أيضًا (ص ٨ - ٩): "قال أبو عمر الجرمي: وربما خلطت العرب في الأعجمي إذا نقلته إلى لغتها ... قال: وإذا كان حكي لك

стр. 534

في الأعجمية خلاف ما العلامة عليه فلا ترينه تخليطًا، فإن العرب تخلط فيه وتتكلم به مخلطًا؛ لأنه ليس من كلامهم، فلما اعتنفوه (١) وتكلموا به خلطوا". وقال أبو حيان الأندلسي في تفسيره البحر المحيط (ج ١ ص ٣١٧ - ٣١٨) في اسم "جبريل": "وقد تصرفت فيه العرب، على عادتها في تغيير الأسماء الأعجمية، حتى بلغت فيه إلى ثلاث عشرة لغة". ونقل السيوطي في المزهر (ج ١ ص ٢٩٢) عن المرزوقي في شرح الفصيح: "المعربات ما كان منها بناؤه موافقًا لأبنية كلام العرب يحمل عليها، وما خالف أبنيتهم منها يراعى ما كان إلفهم له أكثر فيختار. وربما اتفق في الاسم الواحد عدة لغات، كما روي في جبريل ونحوه. وطريق الاختيار في مثله ما ذكرت". فهذه هي الفطرة العربية السليمة، المناسبة لقوة عارضة العرب، ولرصانة لغتهم، وإتقانهم مخرج حروفهم وتجويدهم إياها، وكذلك لا نزال نرى عامتنا على فطرتهم إذا ما لاكت ألسنتهم اسمًا أعجميًّا، يصوغونه صياغة الحرف العربي والنطق العربي، غير متعلمين ولا متكلفين، وإن أخطؤوا قواعد اللغة وقواعد الإعراب، أما متعلمونا ومثقفونا - أو أكثرهم - فأنت ترى ماذا صنعوا بلغتهم إذا نقلوا إليها عن اللغات الأعجمية: يتبعون قرار المجمع اللغوي! أو هم قد سبقوه

стр. 535

إلى العمل به قبل وضعه! فلا يكاد لسانهم ينطق بكلمة أجنبية أو علم أجنبي حتى ينقلب لسانًا إفرنجيًّا تبرأ منه لغة العرب، وتنفر منه أسماع العرب، فيأتون بالحروف المعوجة، والحروف المخطوفة، ويجمعون بين ساكنين أو ثلاثة، ويبدؤون بالساكن، وهكذا ينطقون بها "كما ينطقها أهلها" وليتهم فعلوا هذا حقًّا، إنما هم ينطقون كل كلمة أجنبية، إما كما ينطقها الإنجليز، وإما كما ينطقها الفرنسيون، حتى لو كانت الكلمة فارسية أو هندية أو صينية أو يابانية أو جاوية، أو ما شئت من لغات أمم سمعنا بها، ومن لغات أمم لم نسمع بها! ! وإن شئت مصداق قولنا فاستمع للإذاعة في "الراديو" من مصر ومن غيرها، وتأمل نطق المتحدثين من المتعلمين والمثقفين بالعربية، حين يعثر لسان أحدهم بكلمة أجنبية، وانظر كيف "يتفاصح" فيعوج لسانه ويتمطى ويلين، يحاول أن ينطقها كما ينطقها أهلها "الإنجليز أو الفرنسيون" فقط، فتسمع لغة عربية أعجمية "حديثة"! ! ودع عنك أن هذا "التفاصح" إنما يحرصون عليه في الألفاظ الأعجمية، أما قواعد اللغة العربية، وأما صحة الألفاظ العربية فلا "يتفاصح" فيها أحد، إلا القليل النادر. وهكذا فعلوا في الكتابة، حتى ما كتب خطأ في اللغات الأخرى، يحرص أبناء العربية على كتابته على الخطأ، كما ورد عن السادة الذين نقلدهم! وأقرب مثل لذلك اسم البلدة الهندية "دهلي" الشهيرة، اسمها عند أهلها "دهلي" وكتبها كذلك علماء الهنود الكبار الذين ألفوا نفائس الكتب بالعربية، وهكذا نسبتهم إليها، مثل العلامة الكبير "شاه ولي الله الدهلوي"، ومع ذلك فإن الإنجليز أخطؤوا

стр. 536

فنطقوها وكتبوها "دلهي" بتقديم اللام، ويظهر في أن هذا خطأ قديم، منذ أن عدوا على الهند واستعمروها، ولكن الإنجليز قوم محافظون، لا يهون عليهم أن يلعبوا بلغتهم، حتى لو نقلوا إليها نقلًا خطأ، إذا شاع على ألسنتهم. ومن أعجب ما يتصل بهذا أني رأيت كتابًا في الطب باللغة الأردية، طبع على الحجر في دهلي، ومؤلفه اسمه "الدكتور ... الدهلوي" وكتب اسمه على صحته هكذا بالحروف العربية في أول الكتاب وبالحروف الإفرنجية في آخره، ثم كتب اسم البلد الذي طبع فيه الكتاب "دلهي" فهذا هندي دهلوي يتبع الأجانب في خطئهم في تسميته بلده. ومن العجب أيضًا أن أرى رجلًا من كبار علمائنا وأدبائنا يكتب في بعض مؤلفاته الأعلام الإفرنجية، ويتأنق في ضبطها، فيضع علامتي السكون على حرفين متتابعين، بل يضع علامة السكون على آخر حرف من العلم، وهو موضع الإعراب في العربية! ولست أدري كيف طاوعته يده على هذا، وهو رجل "محافظ" مثلي - على التعبير الحديث - يحمل شهادة العالمية التي أحملها، وإن كان له فضل السبق إليها، وما أظنه نال شهادة غيرها، وقد تعلمنا فيما تعلمنا بابًا في النحو في "موانع الصرف" وأن منها "العلمية والعجمة" وأن من أحكامه أن العَلَمِ الأعجمي الأصل يعرب بالضمة في حال الرفع وبالفتحة في حالي النصب والجر، ولم يذكروا أبدًا أنه يعرب بالسكون أو يبنى على السكون! والأعلام الأعجمية الأصل جرت عليها هذه الأحكام في القرآن والحديث والشعر والنثر، لم يجرِ عليها

стр. 537

حكم آخر أبدًا، فأنى جاءت هذه الطريقة المحدثة إلّا من التقليد ومن إخضاع أرواحنا وعقولنا إلى الأجانب؟ ! ولو تأمل المتأمل، وأنصت السامع، لما يتحدث به أكثرنا وما يكتبون، لرأى هذا الخطأ شائعًا ذائعًا، لا يكاد يتحرز منه أحد، فترى كل الناس تكتب - مثلا - اسم "تشرشل" هكذا بالتاء قبل الشين! وليس في الاسم في لغتهم هذا، إنما هي شين صرف، تثقل تثقيلًا خاصًّا هو أقرب إلى لثغة بعض ذوي العاهة من أبناء العربية إذا ما نطقوا بهذا الحرف، ولا أزال أذكر أنه كان يكتب قديمًا في الصحف دون هذه التاء المنكرة التي يبدأ بها ساكنة، وما سمعت عاميًّا ينطقه على فطرته بعد كتابته بالتاء إلَّا النطق الذي تقتضيه لغة العرب "تشرشل" بكسر التاء والشين معًا، يجعلونهما حرفين حقيقيين لا حرفًا واحدًا خارجًا على اللغة، وهكذا كثير من المثل التي نراها ونسمعها في هذه الأعلام. وأغرب من كل هذا، أني حين أنصت للمتحدثين من الأدباء والمثقفين من أبناء العروبة المخلصين لها، أجدهم حين يتحدثون بلغة أجنبية: إنجليزية أو فرنسية، إذا جاء على لسانهم في حديثهم علم عربي نطقه الإفرنج نطقًا خاصًّا على لغتهم، نطقوه نطق الإفرنج الخلص! ونسوا القاعدة التي يتبعونها في لغتهم إذا نقلوا إليها علمًا أعجميًّا، نسوا أن ينطقوا العلم العربي كما ينطقه أهله العرب، وهم منهم، بل من خيرتهم! ! فالمسألة نفسية روحية، قبل أن تكون علمية لغوية. * * *

стр. 538

من بدع القبور (*) روى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن ابن عباس أن النبي ﷺ مر على قبرين فقال: "إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير: أما هذا فكان لا يستتر من بوله، وأما هذا فكان يمشى بالنميمة". ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين، فغرز في كل قبر واحدة، قالوا: يا رسول الله لم فعلت؟ قال: "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا". قال الخطابي في معالم السنن (١: ١٩ - ٢٠): وقوله: "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا". فإنه من ناحية التبرك بأثر النبي ﷺ ودعائه بالتخفيف عنهما، وكأنه ﷺ جعل مدة بقاء النداوة فيهما حدًّا لما وقعت به المسألة من تخفيف العذاب عنهما، وليس ذلك من أجل أن في الجريد الرطب معنى ليس في اليابس، والعامة في كثيرٍ من البلدان تفرش الخوص في قبور موتاهم، وأراهم ذهبوا إلى هذا، وليس لما تعاطوه من ذلك الوجه. وصدق الخطابي، وقد ازداد العامة إصرارًا على هذا العمل الذي لا أصل له، وغلوا فيه، خصوصًا في بلاد مصر، تقليدًا للنصارى، حتى صاروا يضعون الزهور على القبور، ويتهادونها بينهم، فيضعها الناس على قبور أقاربهم ومعارفهم تحية لهم، ومجاملة للأحياء،

стр. 539

وحتى صارت عادة شبيهة بالرسمية في المجاملات الدولية؛ فتجد الكبراء من المسلمين إذا نزلوا بلدة من بلاد أوربا ذهبوا إلى قبور عظمائها، أو إلى قبر من يسمونه (الجندي المجهول) ووضعوا عليها الزهور، وبعضهم يضع الزهور الصناعية، التي لا نداوة فيها، تقليدًا للإفرنج، واتباعًا لسنن من قبلهم، ولا ينكر ذلك عليهم العلماء أشباه العامة، بل تراهم أنفسهم يصنعون ذلك في قبور موتاهم. ولقد علمت أن أكثر الأوقاف التي تسمى أوقاف خيرية: موقوف ريعها على الخوص والريحان الذي يوضع في القبور، وكل هذه بدع ومنكرات لا أصل لها في الدين، ولا مستند لها من الكتاب والسنة، ويجب على أهل العلم أن ينكرونها، وأن يبطلوا هذه العادات ما استطاعوا. أحمد محمد شاكر - القاضي الشرعي (الهدي النبوي): هذا الذي أشار إليه فضيلة العلامة السلفي الشيخ أحمد شاكر بعض ما ضل الناس به في بدع القبور، وإلّا فهي لا تكاد تقع اليوم تحت حصر ولا عد، فمن ذلك تخصيصهم أول رجب بزيارة القبور، والمبيت بها ليلة أو أكثر، وحرصهم على ذلك أشد الحرص، وما يدعوهم إلى ذلك إلّا ما وقع في نفوسهم الجاهلة وعقولهم المريضة، أن لرجب فضيلة على غيره في زيارة القبور، حتى زعموا أن ذلك أيضا للنبي ﷺ فاتخذوا رجب أيضا لزيارة قبر الرسول ﷺ دعوها

стр. 540

الزيارة الرجبية، وكل ذلك ضلال مؤسس على جهل وعمى، وبعد عن الهدي النبوي الذي أرسله الله رحمة للناس وبشرى للمحسنين، فما كان رسول ﷺ يعين لزيارة القبور شهرًا خاصًّا ولا يومًا خاصًّا، باعتبار أن ذلك الشهر أو اليوم للزيارة فيه ميزة على غيره أصلًا، ومن ادَّعى ذلك على رسول الله فهو كاذب مفتر، وها هي كتب الحديث الصحيحة بين أيدينا فأوجدونا شيئًا من ذلك. ولقد جر الجهل بالدين إلى فساد كبير وشر عظيم، فمن ذلك خروج النساء في تلك الليالي إلى المقابر من كل الطبقات، ومبيتهن بها وسط قوم فاسقين فاسدين، ممن ينتسبون إلى القرآن وغيرهم، وقال النبي ﷺ : "لعن الله زائرات القبور". ومن ذلك - وهو شر من كل شر - إهانة القرآن الكريم أعظم إهانة باستئجار أولئك المجرمين الشباحين بقرش وقرص، وأقل من ذلك لقراءة سورة كذا وسورة كذا، وهذا وربك قضاء على مكانة القرآن أي قضاء، وخصوصًّا من ذلك الشباح الفاجر، الذي يقرأ وعينه زائغة في وجه هذه المرأة وتلك، والتأمل في محاسنهن ومفاتنهن، حتى لقد أغرى ذلك كثيرًا من النساء الفاسدات إلى قصد هذا والتهيؤ له، وعمل الفاحشة وسط تلك المقابر التي جعلت لذكر الموت وتذكر الدار الآخرة، وزعموا أن تلك الإهانات للقرآن ينزل الله به الرحمة على الموتى، وكذبوا وكذبوا وكذبوا، فهو والله منزل الغضب واللعنة على الأحياء، ومؤذ الموتى أشد الأذى، وما أنزل

стр. 541

القرآن ليقرأ على الموتى، وإنما أنزل على ما أخبر الله نبيه ﷺ في غير آية: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾. ومن أعظم البلاء وأكبر المصائب، أن يفعل ذلك بعض من يلبس لباس العلماء ويتشبه بهم، فيرى العامة والدهماء هذا الجهول المتعالم في سيارته الفخمة وقد حشر فيها كل نساء داره من زوج وبنات، وقد حملها بالخوص والورود والزهور، ويجيء صاحب الفضيلة أو الرذيلة على الأصح وينادي الشباح: تعالى أقرأ سورة يس وخذ لك تعريفة ورغيف! يا لضيعة الدين فماذا يصنع العامي حين يرى هذا من ذاك الذي يعده إمامًا وقدوة في الدين. فما أشد مصيبة الدين من أولئك الجاهلين المتعالمين، وقد كثروا في هذا الزمن لا كثرهم الله، حتى ذهبت صيحات المصلحين في وسط ضجيجهم وعجيجهم صرخة في واد، والأمر لله، ولا حول ولا قوة إلّا بالله. * * *

стр. 542

موقعة الجمل (*) حين ثارت (موقعة الجمل) بين المفتيين السابق واللاحق، قابلت الأخ العلامة الشيخ محمود شلتوت، أحد جماعة كبار العلماء، وأحد أعضاء لجنة الفتوى في الأزهر، وهو من يعرف العالم الإِسلامي له فضله وشجاعته في قول الحق، وعتبت عليه أن لم يتحدث هو ولا لجنة الفتوى في وضع الحق موضعه، والفصل بين الرأيين أيهما الصحيح: رأى المفتي السابق أن هذا المحمل بدعة في الدين، لا يجوز إقرارها، وأن طواف (الجمل) سبع مرات وتقبيل مقوده حرام منكر، ورأى المفتي اللاحق بإباحة ذلك، وأنه بدعة (حسنة)! وحدثته بأن الناس ستتفرق بهم الآراء بين رأيين لعالمين معروفين، كان كل منهما في منصب الإفتاء الرسمي للدولة، وأن الفصل بين الحق والباطل إنما يكون بكلمة صريحة حازمة من أكبر هيئة علمية إسلامية في مصر، جماعة كبار العلماء، أو لجنة الفتوى بالأزهر، فقبل مني هذا العتب ووعد ثم أوفى، فتحدث إلى العالم عن طريق محطة الإذاعة المصرية مساء يوم الثلاثاء ٢١ ذي الحجة سنة ١٣٦٩ (٣ أكتوبر سنة ١٩٥٠) حديثًا شاملًا، وعرض فيه لبدعة (المحمل) هذه بكلمة قيمة فاصلة. فطلبت منه أن يرسل لي نصها،

стр. 543

وأن يأذن بنشره في مجلة (الهدي النبوي) تمامًّا للبحث، وختامًا له عظيمًا، بعد أن كتب أخي الأستاذ الشيخ عبد الرحمن الوكيل، وكيل جماعة أنصار السنة المحمدية، كلمته الجيدة، التي نشرناها في العدد الأول من المجلد الخامس عشر (محرم سنة ١٣٧٠)، فأرسلها لي، وأذن - حفظه الله بنشرها - وها هي ذي كلمته: خلق الله الملائكة وفضّل بعضها على بعض: جعل منها مهابط الوحي، ومنها منابت الذكرى، ومنها مثابة التقديس والعبادة. وخصَّ من ذلك المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، وجعل أولها أفضلها: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (١). فضله بجملة من وجوه التفضيل لم تجتمع لغيره من أماكن العبادة والتقديس، فجعل زيارته ركنًا من أركان الدين، وطلب الطواف به، وجعله ركنًا من أركان الحج، ولم يشرع الطواف لشيء سواه، وصار معلومًا بينًا من الدين أنه لا يجوز الطواف حول مسجد أو بيت سوى الكعبة؛ فالطواف حول الأضرحة ومقاصير الأولياء، وأعمدة بعض المساجد والصاري الذي ينصب في الموالد: ابتداع في الدين، وشيء لم يأذن به الله. ومنه الطواف في الدائرة التي ترسم للمحمل، فيطوف بها جمل

стр. 544

المحمل سبع مرات، وهي المعروفة بالدورات السبع، وقد اقترحت مضاهاة لطواف الحجاج ببيت الله الحرام. وقد نص الفقهاء على أن التشبه بالواقفين بعرفات في مكان غير عرفات مخترع في الدين، قالوا: إن الوقوف إنما عُهد قربة بمكان مخصوص، فلا يجوز فعله في غيره، كما لا يجوز الطواف في غير الكعبة، وكما خص بيته الحرام بالطواف، وخص عرفات بالوقوف وحرمهما في غيرهما، خصه بتقبيل بعض أجزائه، وهو الحجر الأسود، وجعله عبادة خاصة في هذا المكان. فمن قبل الأحجار والقبور، والجدران والستور، ولو كانت أحجار الكعبة أو القبر الشريف، أو جدار حجرته أو ستورها، أو صخرة بيت المقدس: فقد خرج عن هذا التشريع، وابتدع في الدين ما ليس منه؛ فإن التقبيل والاستلام، ولو بالإشارة ونحوها، تعظيم، والتعظيم خاص بالله، لا يجوز إلَّا فيما أذن فيه. ومن ذلك ما يقع في حفلة المحمل، التي أحدثتها شجرة الدر، من تقبيل مقود الجمل، واستلام الجمل بالإشارة لمن لم يقدر على لمسه تبركًا بهما وتشبهًا باستلام الحجر الأسود وتقبيله. هذه كلمة العلامة الشيخ محمود شلتوت، وهي في هذا قول فصل، وأنا أرى أنها تمثل رأي جماعة كبار العلماء، ورأي لجنة الفتوى، بل ما أظنه أذاعها إلَّا بهذه الصفة وهذا المعنى. * * *

стр. 545

تعليق على كلام عبد الرحمن الوكيل على بدعة المحمل (*) قد أحسن الأستاذ عبد الرحمن الوكيل، وأوفى على الغاية في الإبانة عن وجه الحق في بدعة المحمل هذه، وأنا أعتقد أن حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ (علام نصار) رجاع إلى الحق، لا يأبى إذا ما استبان له وجه الصواب أن يعود إليه غير متردّدٍ ولا مُتَوَانٍ. وقد ابتلى المسلمون في مختلف الأقطار بأمثال هذه البدع، والظن بعلمائنا الكبار أن يحاربوها ويحاولوا إزالتها, ولعل الحكومة المصرية مصغية لحكم الله خاضعة له، آية حكومة كانت فترفع عن أعناق المسلمين هذه البدعة المنكرة، بدعة المحمل، إن شاء الله. * * *

стр. 546

فوائد شتى (*) (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ العمل بالحديث الصحيح قال السِّندي في حواشيه على فتح القدير من كتب الحنفية: الحديث حجة في نفسه، واحتمال النسخ لا يضر، فإن من سمع الحديث الصحيح فعمل به، وهو منسوخ فهو معذور إلى أن يبلغه الناسخ، ولا يقال لمن سمع الحديث الصحيح: لا يَعمل به حتى يعرضه على رأي فلان وفلان، فإنما يقال له: انظر هل هو منسوخ أم لا؟ أما إذا كان الحديث قد اختلِفَ في نسخه، فالعامل به في غاية العذر، فإن تطرُّق الاحتمال إلى خطإ المفتي أقوى من تطرق الاحتمال إلى نسخ ما سمعه من الحديث، قال ابن عبد البر: يجب على من بلغه شيء أن يستعمله على عمومه حتى يثبت عنده ما يخصصه أو ينسخه، وأيضًا فإن المنسوخ من السنة في غاية القلة حتى عده بعضهم أحدًا وعشرين حديثًا، وإذا كان العامي يسوغ له الأخذ بقول المفتي، بل يجب عليه مع احتمال خطإ المفتي، فكيف لا

стр. 547

يسوغ له الأخذ بالحديث إذا فهم معناه وإن احتمل النسخ؟ ولو كانت سنة رسول الله ﷺ لا يسوغ العمل بها بعد صحتها حتى يعمل بها فلان، لكان قولهم شرطًا في العمل بها، وهذا من أبطل الباطل، وقد أقام الله - تعالى - الحجة برسوله ﷺ دون آحاد الأمة، ولا يعرض احتمال الخطإ لمن عمل بالحديث، وأفتى به بعد فهمه إلا وأضعاف أضعافه حاصل لمن أفتى بتقليد من لا يُعلم خطؤه من صوابه، ويجري عليه التناقض والاختلال، ويقول القول ويرجع عنه، ويحكى عنه في المسألة عدة أقوال. وهذا كله فيمن له نوع أهلية، أما إذا لم يكن له أهلية ففرضه ما قال الله - تعالى -: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. [النحل: ٤٣] , وإذا جاز اعتماد المستفتي على ما يكتبه له المفتي من كلامه أو كلام شيخه، وإن علا فَلأَنْ يجوز اعتماد الرجل على ما كتبه الثقات من كلام رسول الله ﷺ أولى بالجواز، ولو قُدَّر أنه لم يفهم الحديث فكما لو لم يفهم فتوى المفتي يسأل من يعرفها، فكذلك الحديث. انتهى كلام السندي ملخصًا، وقد أطال من هذا النفس العالي - رحمه الله تعالى ورضي عنه -. * * * الفقه في الدين والاجتهاد قال الإِمام تقي الدين ابن دقيق العيد - من أئمة الشافعية - في خطبة (شرح الإلمام) كما نقله عنه السبكي في طبقاته في ترجمته: إن

стр. 548

الفقه في الدين منزلة لا يخفى شرفها وعُلاها, ولا تحتجب عن العقول طوالعها وأضواؤها، وأرفعها بعد فهم كتاب الله المنزَّل، البحث عن معاني حديث نبيه المرسل؛ إذ بذاك تثبت القواعد ويستقر الأساس، وعنه يقوم الإجماع ويصدر القياس، لكن شرط ذلك عندنا أن يحفظ هذا النظام، ويجعل الرأي هو المأموم والنص هو الإِمام، وترد المذاهب إليه، وترد الآراء المنتشرة حتى تقف بين يديه، وأما أن يُجعل الفرع أصلًا، ويرد النص إليه بالتكلف والتخيّل، ويحمل على أبعد المحامل بلطافة الوهم وسعة التخيل، ويرتكب في تقرير الآراء الصعب والذّلول، ويحتمل من التأويلات ما تنفر منه النفوس وتستنكره العقول، فذلك عندنا من أردأ مذهب وأسوأ طريقة، ولا نعتقد أنه يحصل معه النصيحة للدين على الحقيقة، وكيف يقع أمر مع رجحان منافيه؟ وأنَّى يصح الوزن بميزان مال أحد الجانبين فيه؟ ومتى يُنصف حاكم ملَكَته غضبة الصبية؟ وأين يقع الحق من خاطر أخذته العزة بالحمية؟ ... إلخ. (الفتوى في الإِسلام صحيفة ٤٤) * * * السؤال عما لم يقع قال الحافظ البيهقي: وقد كره بعض السلف للعوام المسألة عما لم يكن، ولم يمض به كتاب ولا سنة، وكرهوا للمسؤول الاجتهاد فيه قبل أن يقع؛ لأن الاجتهاد إنما أُبيح للضرورة، ولا ضرورة قبل الواقعة، وقد يتغير اجتهاده عند الواقعة فلا يغنيهم ما مضى من الاجتهاد،

стр. 549

واحتج في ذلك بما روي عن النبي ﷺ : "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه". انتهى. (الفتوى في الإِسلام صحيفة ٤٥). * * * معنى حديث: (إن الله خلق آدم على صورته) سئل أحمد بن عطاء أبو عبد الله الروزبادي المتوفى سنة ٣٦٩ - قال الحافظ ابن عساكر: وفي مروياته أحاديث وهِمَ فيها وغلط غلطًا فاحشًا - عن قول النبي ﷺ : "إن الله خلق آدم على صورته". فقال: إن الله جل ثناؤه خلق الخلق مرتبة بعد مرتبة، ونقله من حال إلى حال كما قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣)﴾ [المؤمنون: ١٢، ١٣]- إلى قوله -: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾. (المؤمنون: ١٤). وخلق آدم ليس على هذه الأحوال، وإنما خلق صورته كما هي، ثم نفخ فيه من روحه؛ فلأجله قال النبي ﷺ : "إن الله خلق آدم على صورته". اهـ. مختصر تاريخ ابن عساكر جزء ١ صحيفة ٣٩٤. * * * نشوء علم الفلسفة قال الإِمام الذهبي في تذكرة الحفاظ في آخر الكلام على الطبقة السادسة من طبقاتهم: وكان في زمان هؤلاء خلائق من أئمة الحديث ومن أئمة المقرئين؛ كوَرْش واليزيدي والكسائي وإسماعيل بن

стр. 550

عبيد الله المكي القسط، وخلق من الفقهاء؛ كفقيه العراق محمَّد بن القاسم، وخلق من مشايخ القوم؛ كشقيق البلخي وصالح المري الواعظ، والفضيل، والدولة لهارون الرشيد والبرامكة، ثم بعدهم اضطربت الأمور، وضعف أمر الدولة بخلافة الأمين ﵀ فلما قتل واستخلف المأمون على رأس المائتين نجم التشيع وأبدى صفحته، وبَزَغ فجر الكلام، وعُرَّبت حكمة الأوائل ومنطق اليونان، وعمل رصد الكواكب، ونشأ للناس علم جديد مُرْدٍ مُهلك لا يلائم عِلم النبوة ولا يوافق توحيد المؤمنين، قد كانت الأمة منه في عافية. وقويت شوكة الرافضة والمعتزلة، وحمل المأمون المسلمين على القول بخلق القرآن، ودعاهم إليه فامتحن العلماء، فلا حول ولا قوة إلا بالله؛ إن من البلاء أن تعرف ما كنت تُنكر وتُنكر ما كنت تعرف، وتُقَدَّم عقول الفلاسفة، ويعزل منقول أتباع الرسل، ويُمارى في القرآن، ويتبرم بالسنن والآثار, وتقع في الحيرة، فالفرارَ الفرارَ قبل حلول الدمار، وإياك ومضلات الأهواء ومجاراة العقول، ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. [آل عمران: ١٠١] (تذكرة الحفاظ جزء ١ ص ٣٠٠). * * * كتاب المهذب للذهبي وجدت بدار الكتب المصرية كتاب (المهذب) للذهبي بخطه، وعلى ظهر المجلد الأول ما نصه بخطه - رحمه الله تعالى -:

стр. 551

"المجلد الأول من كتاب المهذب في اختصار السنن الكبير، تأليف الإِمام الحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي - رحمه الله تعالى - اختصار كاتبه محمَّد بن أحمد بن عثمان بن الذهبي غفر الله له"، وتحت ذلك بخطه ﵁ أيضًا ما نصه: قال ابن الذهبي: لم أختصر من أحاديث الكتاب شيئًا بل اختصرت الأسانيد، فإن بها طال الكتاب، وبقيت من السند ما يُعرف به مخرج الحديث، وما حذفت من السند إلا ما قد صح إلى المذكور، فأما متونه فأتيت بها إلَّا في مواضع قليلة جدًّا من المكرر، قد أحذفها إذا قرب الباب من الباب، وآتي ببعض المتن، وقد تكلمت على كثير من الأسانيد بحسب اجتهادي، والله الموفق. وقد رمزت إلى الحديث بمن خرجه من الأئمة الستة (خ م د ت س ق) ولم أتم هذا، فإن فَسَحَ الله في الأجل طالعت عليه الأطراف لشيخنا أبي الحجاج الحافظ إن شاء الله - تعالى - وهذا أمر بيِّنٌ هيَّنٌ، كل من هو محدث، فإنه يقدر على رمز أحاديث الكتاب من الأطراف، وما خرج عن الكتب الستة فقد بينت لك إسناده ومخرجه، فاكشف عليه، إن شئت من كُتب الجرح والتعديل, فالرجال ثلاثة، إما موثَّق مقبول، وإما مضعَّف غير حُجَّة، وإما مجهول، لكن كل قسم من الثلاثة على مراتب في القوة واللَّين والجهالة. انتهى. والنسخة نفيسة جدًّا، كلها بخطه، خمسة مجلدات تنقص الثاني، والموجود منها أربعة، وفق الله لنا من يطبعه، وينشره آمين. * * *

стр. 552

كتاب الجمع بين الصحيحين وجدت بدار كتب رواق الأروام بالأزهر جزءًا من الجمع بين الصحيحين للحميدي وهو السادس، وقد أحببت نقل خاتمته لما فيها من النفائس، قال - رحمه الله تعالى -: "تم جميع الكتاب بحمد الله وعونه، نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصًا لوجهه، إنه ولي التوفيق، وهو على كل شيء قدير، وهو حسبي ونعم الوكيل". ثم قال عقب ذلك: "وهذه الأصول تتصل بآخر ما في الصحيحين من مسند الصحابة ﵃ وهو آخر ما قصدنا إليه من الجمع بين الصحيحين، وتمييز ما اتفقا عليه من المتون المخرَّجة فيهما، وما انفرد به أحدهما منها مستقصًى على شرطنا مرتبًا على ما بدأناه به وبيناه مع الاختصار المعِين على سرعة الحفظ والتذكار، ولم يبق للباحث المجتهد إلا النظر فيها والتفقه في معانيها، ومراعاة حفظها وإقامة الحُجّة بها، فإلى هذا قصد المتقدمون من أئمة الدين في حفظ إسنادها للمتأخرين؛ لتكون حاكمة بين المختلفين وشواهد صدق للمتناظرين ﵃ أجمعين - ووفق التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. فأما إسنادنا في هذين الكتابين، فقد روينا كتاب الإِمام أبي عبد الله البخاري بالمغرب من غير واحد من شيوخنا، بأسانيد مختلفة تتصل بأبي عبد الله محمَّد بن يوسف بن مطر الفربري عن البخاري، ثم قرأته بمكة - أعزها الله - على المرأة الصالحة كريمة

стр. 553

بنت أحمد بن محمَّد بن حاتم المروزي غير مرة؛ لعلوِّ إسنادها فيه، كما أنا قرأناه على أبي ذر عبد بن أحمد الهروي عن أبي الهيثم بن المكي بن محمَّد بن زراع الكُشميهني عن أبي عبد الله محمَّد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشير بن إبراهيم الفربري عن أبي عبد الله محمَّد بن الفرج بن عبد المولى الأنصاري، وهو روايته عن أبي العباس أحمد بن الحسن الحافظ الرازي، سمعه منه بمكة سنة ست وأربعمائة. قال: ثنا أبو أحمد محمَّد بن عيسى بن عمرويه بن منصور الجلودي قال: أنا الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن محمَّد بن سفيان النيسابوري. قال: سمعته من الإِمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري ﵁. * * * فصل " وقد استشرف بعض الطالبين إلى معرفة الأسباب الموجبة للاختلاف بين الأئمة الماضين ﵃ أجمعين - مع إجماعهم على الأصل المتفق المستبين، حتى احتيج إلى تكلف التصحيح في طلب الصحيح، وقرَّبت على هذا الطالب معرفة بعض العُذر في اختلاف المتأخرين لبُعدهم عن المشاهدة، وإنما تعذر عليه معرفة الوجه في اختلاف الصحابة - رضوان الله عليهم - مع مشاهدتهم نزول التنزيل وأحكام الرسول ﷺ وحرصهم على الحضور

стр. 554

لديه، والكون بين يديه، والأخذ عنه والاقتباس منه، وهذا الذي وقع لهذا الطالب الباحث قد وقع لمن قبله الخوض فيه والبحث عنه. وخرّج في هذا المعنى بعض الأئمة من علماء الأمة فصلًا، رأينا إثباته ههنا (كذا) (١) هذا الشبه عن هذا الطالب الباحث وغيره ممن يخفى ذلك عليه ويتطلع إلى معرفة الوجه فيه، وبهذا الفصل يتصور (كذا) لك كل (٢) صورة وقوع ذلك منهم وكيفية اتفاقه لهم، حتى كأنه شاهده معهم. وهذا أول الفصل المخرّج في ذلك أوردناه بلفظ مصنفه - رحمة الله عليه - "قال لنا الفقيه الحافظ أبو محمَّد بن علي بن أحمد بن سعيد اليزيدي الفارسي ﵁ في بيان أصل الاختلاف الشرعي وأسبابه". * * * سبب القول والفتيا بما يخالف القرآن أو السنة " تطلعت النفس بعد تيقُّنها أن الأصل المتَّفق عليه المرجوع إليه أصل واحد لا يختلف، وهو ما جاء عن صاحب الشرع ﷺ إما في القرآن، وإما من فعله أو قوله، الذي لا ينطق عن الهوى فيه؛ لما

стр. 555

رأيت وشاهدت من اختلاف علماء الأمة في ما سبيله واحدة وأصله غير مختلف، فبحثت عن السبب الموجب للاختلاف، ولترك من ترك كثيرًا مما صح من السنن, فوضح لها بعد التفتيش والبحث أن كل واحد من العلماء ينسى كما ينسى البشر، وقد يحفظ الرجل الحديث ولا يحضره ذكره حتى يفتي بخلافه وقد يَعرِض هذا في آي القرآن. ألا ترى أن عمر ﵁ أمَر على المِنبر ألا يُزاد في مهور النساء على عدد ذكره مَيلًا إلى أن النبي ﷺ لم يزد على ذلك العدد في مهور نسائه حتى ذكرته امرأة من جانب المسجد بقول الله : ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠]. فترك قوله، وقال: كل أحد أعلم منك حتى النساء. وفي رواية أخرى: امرأة أصابت ورجل أخطأ. علمًا منه ﵁ بأن النبي ﷺ وإن كان لم يزد في مهور النساء، فإنه لم يمنع مما سواه والآية أعم، وكذلك أمر ﵁ برجم امرأة ولدت لستة أشهر فذكَّره علي قول الله - تعالى -: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]. مع قوله - تعالى -: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. فرجع عن الأمر برجمها، وهم أن يسطو بعيينة بن حصن؛ إذ جفا عليه حتى ذكره الحُر بن قيس بقول الله : ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. فأمسك عمر. وقال ﵁ يوم مات رسول الله ﷺ : والله ما مات رسول الله ولا يموت حتى يكون آخرنا، حتى قُرئت

стр. 556

عليه: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر: ٣٠]. فرجع عن ذلك، وقد كان علم الآية، ولكنه نسيها لعظيم الخطب الوارد عليه، فهذا وجه عمدته (١) (كذا) الخلاف للآية أو للسنة بنسيان لا بقصد. وقد يذكر العامل الآية أو السنة لكن يتأول فيها تأويلًا من خصوص أو نسخ أو معنًى ما، وإن كان كل ذلك يحتاج إلى دليل، ولا شك أن الصحابة ﵃ كانوا بالمدينة حوله ﵇ مجتمعين، وكانوا ذوي معايش، يطلبونها، وفي ضَنْك من القوت؛ فمن متحرف في الأسواق، ومن قائم على نخله، ويحضره ﵇ في كل وقت منهم طائفة إذا وجدوا أدنى مما هم بسبيله، وقد نص على ذلك أبو هريرة ﵁ فقال: إن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصَّفْق بالأسواق، وإن إخواني من الأنصار كان يشغلهم القيام على نخلهم، وكنت امرءًا مسكينًا أصحب رسول الله ﷺ على ملء بطني. وقد قال عمر ﵁: ألهاني الصفق في الأسواق في حديث استئذان أبي موسى. فكان ﵇ يُسأل عن المسألة ويحكم بالحكم، ويأمر بالشيء ويفعل الشيء، فيحفظه من حضره ويغيب عن من غاب عنه، فلما مات ﵇ وولي أبو بكر ﵁ كان إذا جاءت القضية ليس عنده فيها نص، سأل من بحضرته من الصحابة فيها، فإن وجد عندهم نصًّا رجع إليه، وإلا

стр. 557

اجتهد في الحكم فيها، ووجه اجتهاده واجتهاد غيره منهم ﵃ رجوع إلى نص عامّ، أو إلى أصل إباحة متقدمة، أو إلى نوع من هذا يرجع إلى أصله. ولا يجوز أن يظن أحد أن اجتهاد أحد منهم هو أن يشرع شريعة باجتهاده، أو يخترع حُكمًا لا أصل له، حاشَ لهم من ذلك، فلما ولي عمر ﵁ فُتحت الأمصار وتفرّق الصحابة في الأقطار، فكانت الحكومة تنزل بمكة أو بغيرها من البلاد، فإن كان عند الصحابة الحاضرين لها نصٌّ حُكِمَ به، وإلا اجتهدوا في ذاك، وقد يكون في تلك القضية نص موجود عند صاحب آخر في بلد آخر - وقد حضر المدني ما لم يحضر المصري، وحضر المصري ما لم يحضر الشامي، وحضر الشامي ما لم يحضر البصري، وحضر البصري ما لم يحضر الكوفي، وحضر الكوفي ما لم يحضر المدني. كل هذا موجود في الآثار وتقتضيه الحالة التي ذكرنا من مغيب بعضهم عن مجلسه ﵇ في بعض الأوقات وحضور غيره ثم مغيب الذي حضر وحضور الذي غاب، فيدري كل واحد منهم ما حضره ويفوته ما غاب عنه، وقد كان علم التيمم عند عمار وغيره، وغاب عن عمر وابن مسعود حتى قالا: لا يتيمم الجُنُب ولو لم يجد الماء شهرين. وكان حكم المسح على الخفين عند علي وحذيفة ولم تعلمه عائشة ولا ابن عمر ولا أبو هريرة على أنهم مدنيون، وكان توريث بنت الابن مع البنت عند ابن مسعود، وغاب عن أبي موسى،

стр. 558

وكان حكم الاستئذان عند أبي موسى وأُبيّ، وغاب عن عمر، وكان حكم الإذن للحائض في أن تنفر قبل أن تطوف عند ابن عباس وأم سلمة ولم يعلمه عمر وزيد بن ثابت، وكان حكم تحريم المُتعة والحُمُر الأهلية عند علي وغيره، ولم يعلمه ابن عباس، وكان حكم الصرف عند عمر وأبي سعيد وغيرهما، وغاب ذلك عن طلحة وابن عباس وابن عمر، وكذلك حكم إجلاء أهل الذمة من بلاد العرب كان عند ابن عباس وعمر فنسيه عمر سنين فتركهم حتى ذكر بذلك فذكره فأجلاهم، ومثل هذا كثير. فمضى الصحابة ﵃ على هذا. ثم خَلَفَ بعدهم التابعون الآخذون عنهم، وكل طبقة من التابعين في البلاد التي ذكرنا، فإنما تفقَّهوا مع من كان عندهم من الصحابة، فكانوا لا يتعدَّون فتاويهم، لا تقليدًا, ولكن لأنهم أخذوا وروَوْا عنهم، إلا اليسير مما بلغهم عن غير مَن كان في بلادهم من الصحابة ﵃ كاتِّباع أهل المدينة في الأكثر فتاوى ابن عمر، واتِّباع أهل مكة فتاوى ابن عباس، واتَّباع أهل الكوفة في الأكثر فتاوى ابن مسعود، ثم أتى من بعد التابعين فقهاء الأمصار؛ كأبي حنيفة وسُفيان وابن أبي ليلى بالكوفة، وابن جُريج بمكة، ومالك وابن الماجِشون بالمدينة، وعثمان البَتِّي وسوَّار بالبصرة، والأوزاعي بالشام، والليث بمصر، فجرَوْا على تلك الطريقة، من أخذ كل واحد من التابعين من أهل بلده وتابعوهم عن الصحابة - رضوان الله عليهم - فيما كان عندهم، وفي اجتهادهم فيما ليس عندهم، وهو موجود عند غيرهم ولا يكلِّف الله نفسًا إلا وُسعها.

стр. 559

وكل من ذكرنا مأجور على ما أصاب فيه أجرين، ومأجور فيما خفي عليه ولم يبلغه أجرًا واحدًا، قال الله - تعالى -: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]. وقد يبلُغ الرجل ممن ذكرنا نصان ظاهرهما التعارض، فيميل إلى أحدهما بضرب من الترجيحات، ويميل غيره إلى النص الذي ترك الآخر بضرب من الترجيحات أيضًا، كما رُوي عن عثمان في الجمع بين الأختين: أحلَّتهما آية وحرَّمتهما آية. وكما مَالَ ابن عمر إلى تحريم نساء أهل الكتاب جملةً بقوله - تعالى -: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]. وقال: لا أعلم شِركًا أعظم من قول المرأة: إن عيسى ربُّها. وغلب ذلك على الإباحة المنصوصة في الآية الأخرى، ومثل هذا كثير. فعلى هذه الوجوه ترك بعض العلماء ما تركوا من الحديث ومن الآيات، وعلى هذه الوجوه خالفهم نظراؤهم لأخذ هؤلاء ما ترك أولئك، وأخذ أولئك ما ترك هؤلاء، لا قصدًا إلى خلاف النصوص، ولا تركًا لطاعتها كذا, ولكن لأحد الأعذار التي ذكرنا، إما من نسيان، وإما أنها لم تبلغهم، وإما لتأويلٍ ما، وإما لأخذ بخبرٍ ضعيفٍ، لم يَعلم الآخذ، به ضعف رواته وعلمه غيره، فأخذ بخبرٍ آخر أصحَّ منه أو بظاهر آية. وقد يشتبه بعضهم في النصوص الواردة إلى معنى، ويلوح له حكم بدليل ما ويغيب كذا غيره، ثم كثرت الرِّحل إلى الآفاق،

стр. 560

وتداخل الناس وانتدبت أقوام لجمع حديث النبي ﷺ وضمه وتقييده، ووصل من البلاد البعيد إلى من لم يكن عنده، وقامت الحُجة على من بلَغه شيء منه، وجمعت الأحاديث المبينة لصحة أحد التأويلات المتأولة في الحديث، وعرف الصحيح من السقيم، وزيف الاجتهاد المؤدي إلى خلاف كلام رسول الله ﷺ وإلى ترك عمله، وسقط العُذر عمن خالف ما بلغه من السنن ببلوغها إليه، وقيام الحُجة بها عليه، فلم يبق إلَّا العِناد والتقليد. وعلى هذه الطريقة كان الصحابة - رضوان الله عليهم - وكثير من التابعين يرحلون في طلب الحديث الأيامَ الكثيرةَ طلبًا للسُّنن والتزامًا لها، وقد رحل أبو أيوب من المدينة إلى مصر في طلب حديث واحد إلى عقبة بن عامر، وقد رحل علقمة والأسْوَد إلى عائشة وعمر، ورحل علقمة إلى أبي الدرداء بالشام، وكتب معاوية إلى المغيرة: اكتب إليّ بما سمعته من رسول الله ﷺ ومثل هذا كثير. قال أبو عبد الله: فقد بيَّن - والحمد لله - وجه من ترك بعض الحديث، والسبب الموجب للاختلاف، وشفينا النفس مما اعترض فيها، ورفعنا الإشكال عنها، والله المعين على البحث والهادي إلى الرشد بمنِّه. وبهذا البيان كشف به هذا الإِمام في هذا الفصل صورة الحال في أسباب الاختلاف الواقع بين الصحابة فمن دونهم، صحَّ للأئمة المتقدمين ﵃ أجمعين - وجوب طلب التصحيح

стр. 561

للنصوص الواردة في شرائع الدين، لتقوم الحُجة بما صح منها على المختلفين، وقد قام الكل منهم في ذلك بما قدر عليه، وانتهت استطاعته إليه، إلى أن انفرد بالمَزِيَّة في الاجتهاد، والرحلة إلى البلاد، في جمع هذا النوع من الإسناد، بعد التَّتبُّع والانتقاد، الإمامان أبو عبد الله البخاري وأبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري ﵄ فحازا قَصَب السَّبْق فيه في وقتهما، ولفَرْط عنايتهما وبلوغهما غاية السعي والتشمير فيه قويت هممهما في الإقدام على تسمية كتابيهما بالصحيح، وعلم الله صِدق نيتهما فيه ومشقة قيامهما به وحُسن انتقادهما له، فبارك لهما فيه ورزقهما القبول شرقًا وغربًا، وصرف القلوب إلى التعويل عليهما والتفضيل لهما، والاقتداء في شروط الصحيح بهما، وتلك عادة الله فيمن أحبه، أن يضع له القبول في الأرض كما جاء في الخبر الصادق عن المبعوث الحق ﷺ فهنيئًا لهما, ولمن اهتدى في ذلك بهُداهما، والواجب علينا وعلى من فهم الإِسلام، وعرف قدْر ما حَفِظَا من الشرائع والأحكام، أن يخلِص الدعاء (١) لهما, ولسائر الأئمة الناقلين إليهما وإلينا قواعد هذا الدين، وشواهد أحكام المسلمين. ونحن نبتهل إلى الله - تعالى - في تعجيل الغُفران لهما ولهم، وتجديد الرحمة والرضوان عليهما وعليهم، وأن يبوئ الكل منهم في

стр. 562

أعلى درجات الكرامات، من غُرُفات الجنات، وأن يوفقنا أجمعين للاقتداء بهم، والسلوك في سبيلهم، والدعاء إليه وإلى رسوله، والانقياد لمحكمات تنزيله، والتفقه في دينه، والإخلاص في عبادته، والانقطاع إليه، وصِدْق التوكل عليه، حتى يتوفانا مسلِمين مسلمين، غير مبدِّلين ولا مغيَّرين، وأن يغفر لنا ولآبائنا ولجميع المسلمين. تم الجزء السادس وبتمامه تم الكتاب. والحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمَّد نبيه وآله وصحبه وسلامه. وافق الفراغ من نسخه لخمس ليالٍ بَقِين من ذي القَعدة سنة ثلاث وعشرين وستمائة. * * *

стр. 563

الجعاظرة الجوّاظون (*) قال ابن حِبّان، الإِمام الحافظ أبو حاتم محمَّد بن حِبّان التميمي البُسْتي، في صحيحه (١): ذِكْرُ الزَّجْر عن العلم بأمر الدنيا مع الانهماكِ فيها والجهلِ بأمر الآخرة ومجانبِةِ أسبابها حدثنا أحمد بن محمَّد بن الحسن، قال: حدثنا أحمد بن يوسف السُّلَمِيّ، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا عبد الله بن سعيد بن أبي هنْد، عن أبيه، عَن أبي هُرَيرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ اللهَ يُبْغِضُ كُلَّ جَعْظَرِيّ جَوَّاظٍ (٢)، سَخَّابٍ بالأسواق (٣)، جِيفَةٍ بالليل،

стр. 564

حِمَارٍ بالنهار، عالمٍ بأمر الدنيا، جاهلٍ بأمر الآخرة". (٧٦) [٢: ٧٦] الحديث - ٧١ - رواه البيهقي في السنن الكبرى (١٠: ١٩٤) من طريق أبي بكر القطّان عن أحمد بن يوسف السُّلَمي، بهذا الإسناد. وأبو بكر القطّان: هو محدث نيسابور، محمَّد بن الحسين، مات سنة ٣٠٢، وترجمه السمعاني في الأنساب (ورقة ٤٥٧). وأحمد بن يوسف السلمي، بضم السين وفتح اللام نسبة إلى "سليم" قبيلة معروفة، ونص على ضبطه بهذا السمعاني في الأنساب (ورقة ٣٠٣) وأحمد بن يوسف: ثقة مأمون، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "كان راويًا لعبد الرزّاق، ثَبْتَا فيه". وله ترجمة في التهذيب، وفي تذكرة الحافظ (٢: ١٣١). والحديث ذكره البندري في الترغيب والترهيب (١: ٢٢٤). وقال: "رواه ابن حبان في صحيحه والأصبهاني". وذكره السيوطي في زيادات الجامع الصغير (١: ٣٥٣ من الفتح الكبير) ونسبه للبيهقي فقط. وهذا الوصف النبوي الرائع، الذي سما بتصويره إلى القِمَّة في البلاغة والإبداع، لهؤلاء الفِئَامِ من الناس، أستغفر الله، بل من الحيوان تَجِدُه كلَّ يوم في كثيرٍ ممن ترَى حَوْلك، ممن ينتسبون إلى

стр. 565

الإِسلام، بل تراه في كثير من عظماء الأمة الإِسلامية، عظمة الدنيا لا الدين، بل لقد تجده فيمن يلقّبون منهم أنفَسهم بأنهم "علماء" ينقلون اسم "العلم" عن معناه الإِسلامي الحقيقي، المعروف في الكتاب والسنة، إلى علوم من علوم الدنيا والصناعات والأموال، ثم يملؤهم الغرور، فيريدون أن يحكموا على الدين بعلمهم الذي هو الجهلُ الكامل! ويزعمون أنهم أعرف بالإِسلام من أهله، وينكرون المعروف منه، ويَعْرفون المنكَر، ويَرُدُّون من يرشدهم أو يرشد الأمةَ إلى معرفة دينها ردًّا عنيفًا، يناسب كلّ جَعْظَرِيّ جَوَّاظٍ منهم. فتأملْ هذا الحديث واعْقِلْه، تَرَهُم أمامَك في كل مكان. * * *
следующие страницы →