← Джавами‘

Джавами‘ · id 20642

جمهرة مقالات أحمد شاكر

أحمد شاكر

Полный текст (928 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

للنصوص الواردة في شرائع الدين، لتقوم الحُجة بما صح منها على المختلفين، وقد قام الكل منهم في ذلك بما قدر عليه، وانتهت استطاعته إليه، إلى أن انفرد بالمَزِيَّة في الاجتهاد، والرحلة إلى البلاد، في جمع هذا النوع من الإسناد، بعد التَّتبُّع والانتقاد، الإمامان أبو عبد الله البخاري وأبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري ﵄ فحازا قَصَب السَّبْق فيه في وقتهما، ولفَرْط عنايتهما وبلوغهما غاية السعي والتشمير فيه قويت هممهما في الإقدام على تسمية كتابيهما بالصحيح، وعلم الله صِدق نيتهما فيه ومشقة قيامهما به وحُسن انتقادهما له، فبارك لهما فيه ورزقهما القبول شرقًا وغربًا، وصرف القلوب إلى التعويل عليهما والتفضيل لهما، والاقتداء في شروط الصحيح بهما، وتلك عادة الله فيمن أحبه، أن يضع له القبول في الأرض كما جاء في الخبر الصادق عن المبعوث الحق ﷺ فهنيئًا لهما, ولمن اهتدى في ذلك بهُداهما، والواجب علينا وعلى من فهم الإِسلام، وعرف قدْر ما حَفِظَا من الشرائع والأحكام، أن يخلِص الدعاء (١) لهما, ولسائر الأئمة الناقلين إليهما وإلينا قواعد هذا الدين، وشواهد أحكام المسلمين. ونحن نبتهل إلى الله - تعالى - في تعجيل الغُفران لهما ولهم، وتجديد الرحمة والرضوان عليهما وعليهم، وأن يبوئ الكل منهم في

стр. 562

أعلى درجات الكرامات، من غُرُفات الجنات، وأن يوفقنا أجمعين للاقتداء بهم، والسلوك في سبيلهم، والدعاء إليه وإلى رسوله، والانقياد لمحكمات تنزيله، والتفقه في دينه، والإخلاص في عبادته، والانقطاع إليه، وصِدْق التوكل عليه، حتى يتوفانا مسلِمين مسلمين، غير مبدِّلين ولا مغيَّرين، وأن يغفر لنا ولآبائنا ولجميع المسلمين. تم الجزء السادس وبتمامه تم الكتاب. والحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمَّد نبيه وآله وصحبه وسلامه. وافق الفراغ من نسخه لخمس ليالٍ بَقِين من ذي القَعدة سنة ثلاث وعشرين وستمائة. * * *

стр. 563

الجعاظرة الجوّاظون (*) قال ابن حِبّان، الإِمام الحافظ أبو حاتم محمَّد بن حِبّان التميمي البُسْتي، في صحيحه (١): ذِكْرُ الزَّجْر عن العلم بأمر الدنيا مع الانهماكِ فيها والجهلِ بأمر الآخرة ومجانبِةِ أسبابها حدثنا أحمد بن محمَّد بن الحسن، قال: حدثنا أحمد بن يوسف السُّلَمِيّ، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا عبد الله بن سعيد بن أبي هنْد، عن أبيه، عَن أبي هُرَيرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ اللهَ يُبْغِضُ كُلَّ جَعْظَرِيّ جَوَّاظٍ (٢)، سَخَّابٍ بالأسواق (٣)، جِيفَةٍ بالليل،

стр. 564

حِمَارٍ بالنهار، عالمٍ بأمر الدنيا، جاهلٍ بأمر الآخرة". (٧٦) [٢: ٧٦] الحديث - ٧١ - رواه البيهقي في السنن الكبرى (١٠: ١٩٤) من طريق أبي بكر القطّان عن أحمد بن يوسف السُّلَمي، بهذا الإسناد. وأبو بكر القطّان: هو محدث نيسابور، محمَّد بن الحسين، مات سنة ٣٠٢، وترجمه السمعاني في الأنساب (ورقة ٤٥٧). وأحمد بن يوسف السلمي، بضم السين وفتح اللام نسبة إلى "سليم" قبيلة معروفة، ونص على ضبطه بهذا السمعاني في الأنساب (ورقة ٣٠٣) وأحمد بن يوسف: ثقة مأمون، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "كان راويًا لعبد الرزّاق، ثَبْتَا فيه". وله ترجمة في التهذيب، وفي تذكرة الحافظ (٢: ١٣١). والحديث ذكره البندري في الترغيب والترهيب (١: ٢٢٤). وقال: "رواه ابن حبان في صحيحه والأصبهاني". وذكره السيوطي في زيادات الجامع الصغير (١: ٣٥٣ من الفتح الكبير) ونسبه للبيهقي فقط. وهذا الوصف النبوي الرائع، الذي سما بتصويره إلى القِمَّة في البلاغة والإبداع، لهؤلاء الفِئَامِ من الناس، أستغفر الله، بل من الحيوان تَجِدُه كلَّ يوم في كثيرٍ ممن ترَى حَوْلك، ممن ينتسبون إلى

стр. 565

الإِسلام، بل تراه في كثير من عظماء الأمة الإِسلامية، عظمة الدنيا لا الدين، بل لقد تجده فيمن يلقّبون منهم أنفَسهم بأنهم "علماء" ينقلون اسم "العلم" عن معناه الإِسلامي الحقيقي، المعروف في الكتاب والسنة، إلى علوم من علوم الدنيا والصناعات والأموال، ثم يملؤهم الغرور، فيريدون أن يحكموا على الدين بعلمهم الذي هو الجهلُ الكامل! ويزعمون أنهم أعرف بالإِسلام من أهله، وينكرون المعروف منه، ويَعْرفون المنكَر، ويَرُدُّون من يرشدهم أو يرشد الأمةَ إلى معرفة دينها ردًّا عنيفًا، يناسب كلّ جَعْظَرِيّ جَوَّاظٍ منهم. فتأملْ هذا الحديث واعْقِلْه، تَرَهُم أمامَك في كل مكان. * * *

стр. 566

القول الفصل في مسَّ المرأة وعدم نقضه للوضوء (*) يقوم الأستاذ الشيخ أحمد محمَّد شاكر الآن بخدمة جامع الترمذي خدمة جليلة، بمراجعته على عدة نسخ خطية، وضبط أحاديثه، والكلام على أسانيدها ورجالها، وبيان مزال أقدام بعض المتقدمين في تلك الأسانيد والرجال، بما تطمئن إليه نفس طالب العلم، ويسر به مبتغي الدين الصحيح. وقد تولت المطبعة الحلبية لأصحابها أولاد المرحوم السيد مصطفى الحلبي طبع ذلك على ورق جيد وبحرف جميل. وإني لمتصل بالأخ الشيخ أحمد اتصالًا جسميًّا وروحيًّا بأواصرَ أهمها وأقواها: الحبُّ في الله، والرغبة في خدمة سنة النبي ﷺ ونحن نتعاون على ذلك ونتساعد عليه أبدًا، وكم له من بحوث موفقة غاية التوفيق والسداد في كتابته على الترمذي وغيره. فما راقني جدًّا وأحببت أن أتعجل النفع به لإخواني قراء "الهدي النبوي" بحث نقض الوضوء من مس المرأة، الذي كثر القول فيه، واشتد حرج كثير من الناس به، وهو تعليق على قول الترمذي: (باب ما جاء في ترك الوضوء من القبلة) حدثنا قتيبة وهناد وأبو كريب وأحمد بن منيع ومحمود بن غيلان

стр. 567

وأبو عمار قالوا: حدثنا وكيع عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة؛ "أن النبي ﷺ قَبَّل بعضَ نسائِه، ثُمَّ خرَج إلى الصلاةِ ولم يَتَوَضَّأْ". قال: قلت: من هي إلَّا أنت؟ فضحكت. قال الأستاذ: رواه أبو داود (١، ٧٠) عن عثمان بن أبي شيبة، وابن ماجه (١، ٩٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمَّد والطبري في التفسير (٥، ٦٧) عن أبي كريب، وأحمد في المسند (٦، ٢١٠) كلهم عن وكيع عن الأعمش بهذا الإسناد، ورواه الدارقطني (ص ٥٠) من طريق أبي هشام الرفاعي وحاجب بن سليمان ويوسف بن موسى، كلهم عن وكيع عن الأعمش، ورواه الطبري عن إسماعيل بن موسى السدي عن أبي بكر بن عياش عن الأعمش، ورواه الدارقطني (ص ٥١) من طريق إسماعيل بن موسى أيضًا، ورواه كذلك من طريق محمَّد بن الحجاج عن أبي بكر بن عياش عن الأعمش، ورواه (ص ٥٠) من طريق علي بن هاشم وأبي يحيى الحماني عن الأعمش. وكل هذه الروايات لم يذكر فيها نسب عروة: إلَّا في رواية أحمد وابن ماجه؛ فإن فيهما "عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة بن الزبير" وهذا حديث صحيح لا علة له، وقد علله بعضهم بما لا يطعن في صحته، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله. قال الترمذي: وقد روي نحو هذا عن غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين، وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة، قالوا: ليس في القبلة وضوء.

стр. 568

وقال مالك بن أنس والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق: في القبلة وضوء. وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين. وإنما ترك أصحابنا - أي أهل الحديث - حديث عائشة عن النبي ﷺ في هذا؛ لأنه لا يصح عندهم لحال الإسناد. قال: وسمعت أبا بكر العطار البصري يذكر عن علي بن المديني قال: ضعف يحيى بن سعيد القطان هذا الحديث جدًّا، وقال: هو شبه لا شيء. قال الأستاذ - روى الدارقطني (ص ٥١) عن أبي بكر النيسابوري عن عبد الرحمن بن بشر قال: "سمعت يحيى بن سعيد يقول - وذكر له حديث الأعمش عن حبيب عن عروة - فقال: أما إن سفيان الثوري كان أعلم الناس بهذا، زعم أن حبيبًا لم يسمع من عروة شيئًا". ثم روى عن محمَّد بن مخلد عن صالح بن أحمد عن علي بن المديني قال: "سمعت يحيى - وذكر عنده حديثا الأعمش عن حبيب عن عروة عن عائشة: تصلي وإن قطر الدم على الحصير. وفي القُبلة - قال يحيى: احك عني أنهما شبه لا شيء". وقال أبو داود في السنن: قال يحيى بن سعيد القطان لرجل: احك عني أن هذين - يعني حديث الأعمش هذا عن حبيب، وحديثه بهذا الإسناد في المستحاضة أنها تتوضأ لكل صلاة - قال يحيى: احك عني أنهما شبه لا شيء".

стр. 569

قال الترمذي: وسمعت محمَّد بن إسماعيل يُضَعِّف هذا الحديث، وقال: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة. قال الأستاذ: قال أبو داود: "وروي عن الثوري قال: ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني". يعني لم يحدثهم عن عروة بن الزبير بشيء، قال أبو داود "وقد روى حمزة الزيات عن حبيب عن عروة بن الزبير عن عائشة حديثًا صحيحًا" والحديث الذي يشير إليه أبو داود رواه الترمذي في الدعوات (٢، ٢٦١ طبعة بولاق، و ٢، ١٨٦ طبعة الهند) وقال: "هذا حديث حسن غريب". قال: سمعت محمدًا يقول: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة بن الزبير شيئًا". وهذا يدل أولًا على أن عروة في هذا الإسناد هو عروة بن الزبير، كما صرح بذلك في رواية أحمد وابن ماجه، خلافًا لمن وَهِمَ فزعم أن عروة هنا هو عروة المزني؛ لما روى أبو داود من طريق عبد الرحمن بن مغراء، قال "ثنا الأعمش قال: ثنا أصحاب لنا عن عروة المزني عن عائشة بهذا الحديث". وهذا ضعيف؛ لأن عبد الرحمن بن مغراء وإن كان من أهل الصدق إلَّا أن فيه ضعفًا، وقد أنكر عليه ابن المديني أحاديث يرويها عن الأعمش لا يتابعه عليها الثقات. وقال الحاكم أبو أحمد: "حدث بأحاديث لا يتابع عليها". وقد خالفه في روايته هنا الثقات من أصحاب الأعمش الحفاظ كما بينا في أسانيد الحديث. ويدل كلام أبي داود ثانيًا على أنه يرى صحة رواية حبيب عن

стр. 570

عروة، ويؤيده أن حبيب بن أبي ثابت لم يعرف بالتدليس، بل هو ثقة حجة، وقد أدرك كثيرًا من الصحابة وسمع منهم، كابن عمر وابن عباس وأنس، وابن عمر مات سنة ٧٤ وابن عباس سنة ٦٨، وهما أقدم وفاة من عروة فقد توفي بعد التسعين، وحبيب مات سنة ١١٩، وعمره ٧٣ سنة أو أكثر. وقال الزيلعي في نصب الراية (١، ٣٨): "وقد مال أبو عمر بن عبد البر إلى تصحيح هذا الحديث، فقال: صححه الكوفيون، وثبتوه لرواية الثقات من أئمة الحديث له، وحبيب لا ينكر لقاؤه عروة؛ لروايته عمن هو أكبر من عروة وأقدم موتًا. وقال في موضع آخر: لا شك أنه أدرك عروة". انتهى. وإنما صرح من صرح من العلماء بأنه لم يسمع هذا الحديث عن عروة، تقليدًا لسفيان الثوري، وموافقة للبخاري في مذهبه. وقد تبين مما مضى أن سفيان أرسل الكلمة إرسالًا من غير دليل يؤيدها، وأن أبا داود خالفه وأثبت صحة رواية حبيب عن عروة، والبخاري شرطه في الرواية معروف، وهو شرط شديد خالفه فيه أكثر أهل العلم. ومع كل هذا فإن حبيبًا لم ينفرد برواية هذا الحديث، وقد تابعه عليه هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير، فروى الدارقطني (ص ٥٠): "حدثنا أبو بكر النيسابوري نا حاجب بن سليمان نا وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قبَّل رسول الله ﷺ بعض

стр. 571

نسائه ثم صلى ولم يتوضأ، ثم ضحكت". قال الدارقطني: "تفرد به حاجب عن وكيع، ووهم فيه، والصواب عن وكيع بهذا الإسناد: أن النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم. وحاجب لم يكن له كتاب، إنما كان يحدث من حفظه" وهذا إسناد صحيح لا مطعن فيه؛ فإن النيسابوري إمام مشهور، وحاجب بن سليمان المنبجي (بفتح الميم وإسكان النون وكسر الباء الموحدة) ذكره ابن حبان في الثقات، وروى عنه النسائي وقال: (ثقة). ولم يطعن فيه أحد من الأئمة إلا كلمة الدارقطني هذه؛ وهو تحكم منه بلا دليل، وحكم على الراوي بالخطأ من غير حجة؛ فإن المعنيين مختلفان: بعض الرواة روى في قبلة الصائم، وبعضهم روى في قبلة المتوضئ؛ فهما حديثان لا يعلل أحدهما بالآخر. وقد تابع أبو أويس وكيعًا على روايته عن هشام عن أبيه، فروى الدارقطني عن الحسين بن إسماعيل عن علي بن عبد العزيز الوراق: "نا عاصم بن علي نا أبو أويس حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها بلغها قولُ ابن عمر: "في القبلة الوضوء". فقالت: "كان رسول الله ﷺ يُقَبَّل وهو صائم ثم لا يتوضأ". ثم علله الدارقطني بعلة غريبة فقال: لا أعلم حدث به عن عاصم بن علي هكذا غير علي ابن عبد العزيز! أما علي بن عبد العزيز فهو الحافظ أبو الحسن البغوي شيخ الحرم ومصنف المسند عاش بضعًا وتسعين سنة، ومات سنة ٢٨٦ وهو ثقة حجة، وقال الدارقطني: (ثقة مأمون). وانظر تذكرة

стр. 572

الحفاظ (٢، ١٧٨) ومثل هذا يقبل منه ما ينفرد بروايته، بل ينظر فيما يخالفه فيه غيره من الثقات فلعله يكون أحفظ منهم وأرجح رواية. وأما عاصم بن علي بن عاصم الواسطي، فإنه شيخ البخاري، قال أحمد: "ما أصح حديثه عن شعبة والمسعودي". وقال المروزي: قلت لأحمد: إن يحيى بن معين يقول: "كل عاصم في الدنيا ضعيف". قال: "ما أعلم في عاصم بن علي إلَّا خيرًا، كان حديثه صحيحًا". انظر مقدمة الفتح (ص ٤١٠ طبعة بولاق)، وقال الذهبي في الميزان: "هو كما قال فيه المتعنت أبو حاتم: صدوق". وقال أيضًا: "كان من أئمة السنة، قوالًا بالحق، احتج به البخاري". ومات عاصم هذا سنة ٢٢١ وكان في عشرة التسعين. وأما أبو أويس فهو عبد الله بن عبد الله بن أويس، وهو ابن عم مالك بن أنس وزوج أخته، وكان ثقة صدوقًا، في حفظه شيء. قال ابن عبد البر: "لا يحكي عنه أحد جرحه في دينه وأمانته، وإنما عابوه بسوء حفظه، وأنه يخالف في بعض حديثه". وهو هنا لم يخالف أحدًا، وإنما وافق وكيعًا في رواية هذا الحديث عن هشام بن عروة عن أبيه؛ فرواه عنه مثله، ووافقه أيضًا في أن الحديث عن عروة: وكيع عن حبيب بن أبي ثابت. وقد جاء الحديث بإسناد آخر صحيح عن عائشة؛ قال ابن التركماني في الجوهر النقي (١، ١٢٥) "قال أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا إسماعيل بن يعقوب بن صبيح حدثنا محمَّد بن موسى

стр. 573

ابن أعين حدثنا أبي عن عبد الكريم الجزري عن عطاء عن عائشة؛ أنه ﵇ كان يقبِّل بعض نسائه ولا يتوضأ. وعبد الكريم روى عنه مالك في الموطأ، وأخرج له الشيخان وغيرهما، ووثقه ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة وغيرهم. وموسى بن أعين مشهور، وثقه أبو زرعة وأبو حاتم، وأخرج له مسلم، وابنه مشهور، روى له البخاري. وإسماعيل روى عنه النسائي، ووثقه أبو عوانة الإسفرائيني، وأخرج له ابن خزيمة في صحيحه, وذكره ابن حبان في الثقات. وأخرج الدارقطني هذا الحديث من وجه آخر عن عبد الكريم، وقال عبد الحق - بعد ذكره لهذا الحديث من جهة البزار -: لا أعلم له علة توجب تركه، ولا أعلم فيه مع ما تقدم أكثر من قول ابن معين: حديث عبد الكريم عن عطاء حديث رديء؛ لأنه غير محفوظ، وانفراد الثقة بالحديث لا يضره". وانظر نصب الراية للزيلعي (١، ٣٨) فقد نقل هذا الكلام كله نصًّا، وهذا هو التحقيق الصحيح في تعليل الأحاديث من غير عصبية لمذهب ولا تقليد لأحد. وقد جاءت متابعات أخرى وشواهد لهذا الحديث بعضها صحيح، وبعضها يقارب الصحيح، وأكثرها لا مطعن فيه إلَّا احتمال الخطأ من بعض الرواة، أو ادعاءه عليهم، وتضافرهم على الرواية يرفع الاحتمال، وينقض الادعاء، وانظرها في الدارقطني (ص ٤٩ - ٥٢) ونصب الراية (١، ٣٧ - ٣٩) ومن أحسنها ما رواه أحمد في المسند (٦، ٦٢): "ثنا محمَّد بن فضيل ثنا الحجاج عن عمرو بن شعيب عن زينب السهمية عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يتوضأ

стр. 574

ثم يقبل، ويصلي ولا يتوضأ". ورواه ابن ماجه (١، ٩٤) عن أبي بكر ابن أبي شيبة عن محمَّد بن فضيل، ورواه الدارقطني من طريق عباد بن العوام عن حجاج بإسناده، ورواه الطبري في التفسير (٥، ٦٧) عن أبي كريب عن حفص بن غياث عن حجاج عن عمرو عن زينب مرفوعًا, ولم يذكر فيه عائشة، والراوي قد يرسل الحديث وقد يصله، وإسناد أحمد وابن ماجه والدارقطني إسناد حسن، وقد أعله أبو حاتم وأبو زرعة؛ بأن "الحجاج يدلس في حديثه عن الضعفاء, ولا يحتج بحديثه" نقله ابن أبي حاتم في العلل (رقم ١٠٩)، وأعله الدارقطني؛ بأن "زينب هذه مجهولة، ولا تقوم بها حجة". أما الحجاج بن أرطاة فإنه عندنا ثقة، ولا نطرح من حديثه إلا ما ثبت أنه دلسه أو أخطأ فيه، ومع هذا فإنه لم ينفرد به عن عمرو بن شعيب؛ فإن الدارقطني رواه بنحوه من طريق الأوزاعي "نا عمرو بن شعيب". وأما زينب السهمية فهي زينب بنت محمَّد بن عبد الله بن عمرو ابن العاص، تفرد عنها ابن أخيها عمرو بن شعيب، وليس هذا بطارح روايتها بتة، فقد قال الذهبي في آخر الميزان: (فصل في النسوة المجهولات، وما علمت في النساء من اتهمت ولا من تركوها). كأنه يذهب إلى أن الجهالة بهن تجعلهن من المستورات المقبولات، إذا روى عنهن ثقة. وهذا الإسناد بكل حال ليس أصل الباب، ولكنه شاهد جيد، أو متابعة حسنة لحديث حبيب بن أبي ثابت عن عروة.

стр. 575

قال الترمذي: وقد روى عن إبراهيم التيمي عن عائشة؛ "أن النبي ﷺ قبلها ولم يتوضأ". وهذا لا يصح أيضًا, ولا نعرف لإبراهيم التيمي سماعًا من عائشة. قال الأستاذ: حديث إبراهيم التيمي عن عائشة رواه أحمد (٦، ٢١٠) وأبو داود (١، ٦٩) والنسائي (١، ٣٩) والدارقطني (ص ٥١) كلهم من طريق الثوري عن أبي روق عن إبراهيم التيمي عن عائشة. قال أبو داود: "هو مرسل، وإبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة شيئًا". وقال النسائي: "ليس في هذا الباب أحسن من هذا الحديث وإن كان مرسلًا". وقال الدارقطني: "لم يروه عن إبراهيم التيمي غير أبي روق عطية بن الحرث، ولا نعلم حدث به عنه غير الثوري وأبي حنيفة، واختلف فيه فأسنده الثوري عن عائشة، وأسنده أبو حنيفة عن حفصة، وكلاهما أرسله، وإبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة ولا من حفصة، ولا أدرك زمانهما، وقد روى هذا الحديث معاوية بن هشام عن الثوري عن أبي روق عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن عائشة فوصل إسناده، واختلف عنه في لفظه فقال عثمان بن أبي شيبة عنه بهذا الإسناد: إن النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم. وقال عنه غير عثمان: إن النبي ﷺ كان يقبل ولا يتوضأ". ومن عجب أن الدارقطني بعد هذا وصل الحديث بإسنادين عن الثوري، ثم بإسناد عن أبي حنيفة، ثم وصل رواية عثمان بن أبي شيبة في قبلة الصائم من طريق معاوية عن الثوري، ثم لم بسند الرواية التي

стр. 576

علقها عن (غير عثمان) عن معاوية بن هشام حتى يتبين لنا إسنادها، ولعله يكون إسنادًا صحيحًا إلى معاوية بن هشام! فترك الحديث معلقًا، فلم يمكن الحكم عليه بشيء، وليس هذا من صنيع المنصفين، وقد بحثت عن هذا الإسناد الذي أشار إليه وعلقه فلم أجده. وأبو روق عطية بن الحرث، قال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات. ومعاوية بن هشام الذي نقل الدارقطني أنه وصل الحديث، وثَّقه أبو داود، وذكره ابن حبان في الثقات. ومن هذا يتبين أن رواية إبراهيم التيمي عن عائشة هنا لها أصل، وليست من الضعيف الذي يعرض عنه. قال الترمذي: وليس يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء. قال الأستاذ: أما هذا الباب (باب ترك الوضوء من القبلة) فقد صح فيه شيء، وهو حديث عائشة من الطرق التي وضحناها وصححناها، ومن طرق أخرى أشرنا إليها. وأما أصل الباب ومرجع الخلاف فهو هل يجب الوضوء من مس المرأة؟ ذهب بعض الصحابة والتابعين ومن تبعهم من الفقهاء والمحدثين إلى الوجوب، وذهب بعض الصحابة ومن بعدهم إلى عدم الوجوب، وهو الصحيح الراجح. وأصل الخلاف فيه تفسير اللمس من قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ

стр. 577

جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾. [آية ٦] , وكذلك في قوله تعالى في سورة النساء ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [آية ٤٣]. على القراءتين في الآيتين، فقد قرأهما حمزة والكسائي وخلف [لمستم] بغير ألف، وقرأها باقي القراء العشرة [لامستم] بالألف. قال ابن رشد في بداية المجتهد (١، ٢٩) وسبب اختلافهم في هذه المسألة اشتراك اسم اللمس في كلام العرب: فإن العرب تطلقه مرة على اللمس الذي هو باليد، ومرة تكني به عن الجماع، فذهب قوم إلى أن اللمس الموجب للطهارة في آية الوضوء هو الجماع في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. وذهب آخرون إلى أنه اللمس باليد. ثم قال: "وقد احتج من أوجب الوضوء من المس باليد بأن اللمس ينطلق حقيقة على اللمس باليد، وينطلق مجازًا على الجماع، وأنه إذا تردد اللفظ بين الحقيقة والمجاز فالأولى أن يحمل على الحقيقة، حتى يدل الدليل على المجاز، ولأولئك أن يقولوا: إن المجاز إذا أكثر استعماله كان أدل على المجاز منه على الحقيقة، كالحال في اسم الغائط الذي هو أدل على الحدث - الذي هو فيه مجاز - منه على المطمئن من الأرض، الذي هو فيه حقيقة. والذي أعتقده أن اللمس وإن كانت دلالته على المعنيين بالسواء أو قريبًا من السواء، أنه أظهر عندي في الجماع وإن كان مجازًا؛ لأن الله قد كنَّى

стр. 578

بالمباشرة والمس عن الجماع، وهما في معنى المس، وعلى هذا التأويل في الآية يحتج بها في إجازة التيمم للجنب دون تقدير تقديم فيها ولا تأخير، على ما سيأتي بعد، وترتفع المعارضة التي بين الآثار والآية على التأويل الآخر - يريد ابن رشد بالآثار هنا حديث عائشة في القبلة - وأما من فهم من الآية اللمسين معًا فضعيف؛ فإن العرب إذا خاطبت بالاسم المشترك إنما تقصد به معنى واحدًا من المعاني التي يدل عليها الاسم، لا جميع المعاني التي يدل عليها، وهذا بين بنفسه في كلامهم". وهذا الذي قاله ابن رشد تحقيق دقيق، وبحث واضح نفيس؛ فإن سياق الآيتين لا يدل إلَّا على أن المراد المكنى عنه فقط، وكذلك قال الطبري في التفسير بعد حكاية القولين: "وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عني الله بقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. الجماع دون غيره من معاني اللمس؛ لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ ؛ أنه قبَّل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ". والقائمون على نصرة القول بأن اللمس ينقض، والتعصب له، والذب عنه، من الفقهاء والمحدثين: هم علماء الشافعية، والشافعي نفسه ﵁ ذهب إلى هذا المذهب وقال به، ولكنه - فيما يبدوا لي من كلامه - يفسر الآية بذلك على شيء من الحذر، وكأنه يتحرج من الجزم به؛ إذ لم يصل إليه حديث صحيح في الباب، فإنه قال في الأم (١، ١٢) بعد ذكر آية المائدة: "فأشبه أن يكون

стр. 579

أوجب الوضوء من الغائط وأوجبه من الملامسة، وإنما ذكرها موصولة بالغائط بعد ذكر الجنابة، فأشبهت الملامسة أن تكون اللمس باليد، والقبله غير الجنابة؛ أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن مالك بن عبد الله عن أبيه قال: قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة، فمن قبل امرأته أو جسها بيده فعليه الوضوء. قال الشافعي: وبلغنا عن ابن مسعود قريب من معنى قول ابن عمر". فهذا التعبير من الشافعي، وهو دقيق العبارة، ولا يلقى الكلام جزافا, ولا يرسل القول إرسالًا، يقول: (فأشبهت الملامسة أن تكون اللمس باليد). قد نفهم منه الحذر والتردد؛ لأنه لم يجد عنده في الباب حديثًا مرفوعًا صحيحًا، وإنما وجد أثرًا صحيحًا عن ابن عمر، ووجد نحوه عن ابن مسعود، ووجد الآية تحتمل معنى قولهما؛ فاحتاط لذلك وفسر الآية على ما يوافق ما لديه من الأثر عن الصحابة. ومما يؤيد ما ذهبتُ إليه في معنى كلام الشافعي؛ أن ابن رشد بعد أن نقل حديث حبيب عن عروة عن عائشة [المذكور في هذا الباب] نقل عن ابن عبد البر؛ أنه مال إلى تصحيحه, وأنه قال: وروي هذا الحديث أيضًا من طريق معبد بن نباتة، وقال الشافعي: إن ثبت حديث معبد بن نباتة في القبلة لم أر فيها ولا في اللمس وضوءًا. وأن الحافظ ابن حجر في التلخيص (ص ٤٤) نقل نحو ذلك عن الشافعي فقال: قال الشافعي: روى معبد بن نباتة عن محمَّد بن عمرو ابن عطاء عن عائشة عن النبي ﷺ أنه كان يقبل ولا يتوضأ. وقال: لا

стр. 580

أعرف حال معبد؛ فإن كان ثقة فالحجة فيما روى عن النبي ﷺ . فهذا نقل مشرقي، وقبله نقل مغربي، كلاهما عن الشافعي، أنه لو صح عنده حديث عائشة لذهب إليه ولم يقل بنقض الوضوء من اللمس، وهو يدل على أنه يرى أن تفسير اللمس بما فسره به ليس على سبيل الجزم والقطع، أما نحن وقد أثبتنا صحة الحديث فلا ينبغي لنا أن نتردد في تفسير الآية التفسير الصحيح، أن اللمس كناية عن الجماع، ويجب علينا أن نأخذ بالحديث الصحيح، أن القبلة - وهي أقوى من اللمس المجرد - لا تنقض الوضوء. وهذا الحافظ البيهقي، وهو ناصر مذهب الشافعي، وهو المتعصب له حقًّا؛ يذكر بعض أسانيد حديث عائشة، ويعللها بما يراه علة لها، ثم يقول: والحديث الصحيح عن عائشة في قبلة الصائم، فحمله الضعفاء من الرواة على ترك الوضوء منها, ولو صح إسناده لقلنا به إن شاء الله تعالى. فهو أيضًا لا يقطع بأن المراد باللمس في الآية المعنى الحقيقي للكلمة؛ لأنه يصرح بأنه لو صح حديث عائشة لقال به، ولو قال به لاضطره ذلك إلى تفسير اللمس بالمعنى المجازي الصحيح في تفسيرها. (فائدة) ورد في الباب أيضًا حديثان صحيحان: الأول رواه الشيخان وغيرهما من طريق مالك عن أبي النضر عن أبي سلمة عن عائشة قالت: "كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، وإذا قام

стр. 581

بسطتهما. قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح". [فتح الباري ١، ٤١٣، ٤٨٥] و (مسلم ١، ١٤٥) قال الحافظ ابن حجر: "وقد استدل بقولها غمزني على أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء، وتعقب باحتمال الحائل، أو بالخصوصية". ومن البين الواضح أن هذا التعقب لا قيمة له، بل هو باطل؛ لأن الخصوصية لا تثبت إلَّا بدليل صريح، واحتمال الحائل لا يفكر فيه إلَّا متعصب! الحديث الثاني رواه النسائي (١: ٣٨) من طريق الليث بن سعد عن ابن الهاد عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت: "إن كان رسول الله ﷺ ليصلي وإني لمعترضة بين يديه اعتراض الجنازة، حتى إذا أراد أن يوتر مَسَّنِي برجله". قال الحافظ ابن حجر في التلخيص (ص ٤٨): "إسناده صحيح، واستدل به على أن اللمس في الآية الجماع؛ لأنه مسها في الصلاة واستمر". وهذا منه إنصاف بعد التعسف الذي نقلناه عنه. (فائدة أخرى) حديث معبد بن نباته الذي أشار إليه الشافعي فيما نقله عنه ابن عبد البر وابن حجر، لم أجده بعد طول البحث والتتبع، وكذلك لم أجد ترجمة لمعبد هذا, ولعلنا نوفق إلى ذلك في موضع آخر إن شاء الله. * * *

стр. 582

ولاية المرأة القضاء (*) لا يزال كثير من الناس يذكرون ذلك الجدال الغريب الذي ثار في الصحف بشأن الخلاف في جواز ولاية المرأة القضاء! ! والذي أثار هذا الجدال هو وزارة العدل؛ إذ تقدم إليها بعض (البنات) اللائي أعطين شهادة الحقوق، ورأين أنهن بذلك صرن أهلًا لأنْ يكُنَّ في مناصب النيابة، تمهيدًا لوصولهنّ إلى ولاية القضاء! فرأت الوزارة إن لا تستبد بالفصل في هذه الطلبات وحدها، دون أن تستفتي العلماء الرسميين. وذهب العلماء الرسميون يتبارَوْن في الإفتاء، ويَحْكُونَ في ذلك أقوال الفقهاء؛ فمِنْ ذاكرٍ مذاهبَ أبي حنيفة في إجازة ولايتها في الأموال فقط، ومن ذاكرٍ المذهبَ المنسوب لابن جرير الطبري في إجازة ولايتها القضاء بإطلاق، ومن ذاكرٍ المذهبَ الحقَّ الذي لا يجوز ولايتَها القضاءَ قط، وأن قضاءها باطلٌ مطلقًا، في الأموال وغير الأموال. ومن أعجب المضحكات في هذا الجدال الغريب: أن تقوم امرأة فتكتب ردًّا على من استدل من العلماء بالحديث الصحيح الثابت:

стр. 583

"لن يُفْلحَ قومٌ ولَّوْا أمرَهم امرأةً" (١). فتكونَ طريفةً كل الطرافة، وتدل على أنها تكتب بعقل المرأة حقًّا، فتستدل على بطلان هذا الحديث؛ بأنه لا يعقل أن يقوله رسول الله الذي يقول: "خُذُوا نِصْفَ دِينَكُمْ عَنْ هذه الحُمَيْراء"! ! وهي لا تعرف هذا الحديث ولا ذاك الحديث، ولا تعرف أين يوجدان أو يوجد أحدهما، من كتب السنة أو كتب الشريعة أو غيرها؛ لأن كتابتها تدل على أنها مثقفة ثقافة إفرنجية خالصة! ليس لها من الثقافة العربية أو الإِسلامية نصيب! ووجه العجب المضحك في استدلالها هذا الطريف: أن الحديث الذي استدلت به حديث لا أصل له أبدًا، أي هو حديث مكذوب لم يقله رسول الله ﷺ ولستُ أزعم أنها هي التي اخترعته، فإني لا أظنها تصل إلى هذه الدرجة. ولكنه حديث ذُكر في بعض المصنفات القديمة، ونصَّ حفّاظ الحديث ونَقَدتُه العارفون العالمون على أنه حديث منكر، لم يجد له العلماء الحفاظ إسنادًا قط، بل قال ابن القيم الإِمام: (كل حديث فيه يا حميراء، أو ذكر الحميراء، فهو كذب مختلق). فاعجبوا - في بلد العجائب - أن تقوم امرأة لا تعرف عن الشريعة شيئًا، إلا أن يكون ما يعرفه العوامّ، على شك في هذا أيضًا، فتردّ على العلماء الرسميين، وتجزمَ بتكذيب حديث صحيح ثابت،

стр. 584

استنادًا إلى حديث مختلق مكذوب! ! وليتها - مع هذا كله - تعرف الفرق بين الشهادة والرواية عند علماء الأصول، وبين الولاية والشهادة، حتى تستطيع أن تحكم هذا الحكم الطريف، ولو عرفتْ لعلمتْ أن الشريعة فرقتْ بين رواية المرأة العِلْمَ، إذا كانت مسلمة عارفة بدينها متمسكةً به محافظةً عليه، مستوفية شروط العدالة الشرعية، وأنها في هذه الحالة تُقبل روايتُها العلم، وتُصدَّق فيما روتْ، وأنها إذا استوفتْ هذه الشروط كلها كانت شهادتها في الأموال مقبولة، على أن تكون نصفَ شهادةٍ فقط، أي تُقبل شهادتها مع امرأة أخرى مثلها، وتكونان معًا في مقام شاهد واحد من الرجال، بشرط أن يكمَّل نصابُ الشهادة بشهادة رجل آخر، بنص القرآن الكريم: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (١). إنها لو علمتْ ذلك لفهمتْ أن الحديث المكذوب الذي تستدل به لو كان صحيحًا لما كان منافيًا للحديث الصحيح في منع ولاية المرأة، كما هو بديهيّ! ثم ندع هذا الاستطراد، ونعود إلى أصل الموضوع: سألتْ وزارةُ العدل العلماءَ فأجابوا. ولستُ أدري لِمَ أجابوا؟ وكيف رضُوا أن يجيبوا في مسألة فرعية، مبنية على أصلين خطيرين من أصول الإِسلام، هَدَمها أهلُ هذا العصر أو كادوا؟ !

стр. 585

ولو كنتُ ممن يُسأل في مثل هذا، لأوضحتُ الأصول، ثم بَنَيْتُ عليها الجوابَ عن الفرع أو الفروع. فإن ولاية المرأة القضاءَ في بلدنا هذا، في عصرنا هذا - يجب أن يسبقها بيان حكم الله في أمرين بُنيتْ عليهما بداهةً: أولًا: أيجوز في شرع الله أن يُحكم المسلمون في بلادهم بتشريع مقتبس عن تشريعات أوربة الوثنية الملحدة، بل بتشريع لا يبالي واضعه أوافق شرعة الإِسلام أم خالفها؟ . إن المسلمين لم يُبْلَوْا بهذا قطُّ، فيما نعلم من تاريخهم، إلَّا في عهد من أسوأ عهود الظلم والظلام، في عهد التتار، ومع هذا فإنهم لم يخضعوا له، بل غَلَب الإِسلامُ التتارَ، ثم مزجهم فأدخلهم في شرعته، وزال أثر ما صنعوا من سوء، بثبات المسلمين على دينهم وشريعتهم، وبأن هذا الحكم السيئ، الجائر كان مصدره الفريقَ الحاكم إذْ ذاك، لم يندمج فيه أحد من أفراد الأمم الإِسلامية المحكومة، ولم يتعلموه، ولم يعلموه أبناءهم، فما أسرع ما زال أثره؛ ولذلك لا نجد له في التاريخ الإِسلامي - فيما أعلم أنا - أثرًا مفصلًا واضحًا إلا إشارةً عالية محكمةً دقيقةً، من العلامة الحافظ ابن كثير المتوفى سنة ٧٧٤ (١).

стр. 586

والحافظ ابن كثير من أجلِّ تلاميذ شيخ الإِسلام ابن تيمية ومن أعظمهم، وقد ذكر ذلك في تفسيره (ج ٣ ص ١٧٤ من طبعة المنار) عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠]. وأرى أن أذكر هنا الآيتين اللتين قبل هذه الآية، وهي كلها متصلة في السياق ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٨ - ٥٠]. فقال الحافظ ابن كثير: (ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية، المأخوذه عن ملكهم جنكيز خان، الذي وضع لهم (الياسق) وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد

стр. 587

اقتبسها عن شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإِسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظرة هواه؛ فصارتْ في بنيه شرعًا متبعًا يقدّمونها على الحكم بكتاب الله وسنة الرسول ﷺ فمن فعل ذلك فهو كافر، يجب قتالُه حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يُحَكِّم سواه في قليلٍ ولا كثير، قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾. أي؛ يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون؟ ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. أي ومَن أعدلُ من الله في حكمه لمن عَقَل عن الله شَرْعَه، وآمَن به، وعَلم أن الله أحكمُ الحاكمين، وأرحمُ بخلقه من الوالدة بولدها؛ فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء). أرأيتم هذا الوصف القويّ من ابن كثير في القرن الثامن؟ ألستم تَرَوْنَه يصف حال المسلمين في هذا العصر في القرن الرابع عشر؟ إلا في فرق واحد، أشرنا إليه آنفًا: أن ذلك كان في طبقة خاصة من الحكام، أَتَى عليها الزمن سريعًا، فاندمجتْ في الأمة الإِسلامية، وزال أثرُ ما صنعتْ؟ ثم كان المسلمون الآن أسوأ حالًا منهم؛ لأن الأمة كلها الآن تكاد تندمج في هذه القوانين المخالفة للشريعة، والتي هي أشبه شيء بالياسق الذي اصطنعه جنكيز خان، يتعلمها أبناؤها، ويفخرون بذلك آباءً وأبناءً، ثم يجعلون مردَّ أمرهم إلى معتنقي هذا (الياسق العصري) ويشجبون من عارضهم في ذلك، حتى لقد أدخلوا أيديهم في التشريع الإِسلامي، يريدون تحويله إلى (ياسقهم الجديد) بالهوينا واللين تارة، وبالمكر والخُدَع تارة، وبما ملكتْ أيديهم من السلطان في الدولة تارات.

стр. 588

ويصرحون - ولا يستحيون - أنهم يعملون على فصل الدولة عن الدين! ! وأنتم ترون ذلك وتعلمون. أفيجوز مع هذا لمسلم أن يعتنق هذا الدين الجديد؟ أعني التشريع الجديد! أو يجوز لأب أن يرسل أبناءه لتعلم هذا واعتناقه واعتقاده والعمل به، ذكرًا كان الابن أو أنثى، عالمًا كان الأب أو جاهلًا؟ ! هذه أسئلة في صميم الموضوع وأصله، يجب الجواب عنه إثباتًا ونفيًا أولًا، حتى إذا ما تحقق الجواب بالأدلة الشرعية الصحيحة, التي لا يستطيع مسلم أن يخالفها أو ينفيها أو يخرج عليها، استتبع ذلك - بالضرورة - سؤالًا محددًا واضحًا: أيجوز حينئذ لرجل مسلم أن يلي القضاء في ظل هذا (الياسق العصري) وأن يعمل به ويعرض عن شريعته البينة؟ ! ما أظن أن رجلًا مسلمًا يعرف دينه ويؤمن به جملةً وتفصيلًا، ويؤمن بأن هذا القرآن أنزله الله على رسوله كتابًا محكمًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبأن طاعتَه وطاعةَ الرسول الذي جاء به واجبة قطعية الوجوب في كل حال، ما أظنه يستطيع إلا أن يفتي فتوى صريحة بأن ولاية الرجالِ القضاءَ في هذا الحال باطلةٌ بطلانًا أصليًّا لا يلحقه التصحيح ولا الإجازة! ! ثم يسقط السؤال عن ولاية المرأة هذا القضاءَ من تلقاء نفسه. وثانيًا: أيجوز في شرع الله أن تذهب الفتيات في فورة الشباب إلى المدارس والجامعات، لتدرس القانونَ أو غيره، سواء مما يجوز

стр. 589

تعلمه ومما لا يجوز؟ وأن يختلط الفتيان والفتيات هذا الاختلاط المعيب، الذي نراه ونسمع أخباره ونعرف أحواله. أيجوز في شرع الله هذا السفور الفاجر الداعر، الذي تأباه الفطرة السليمة والخلق القويم، والذي ترفضه الأديان كافة على الرغم مما يظن الأغرار وعبَّاد الشهوات؟ ! يجب أن نجيب عن هذا أولًا، ثم نبحثَ بعدُ فيما وراءه. ثم يسقط السؤال عن ولاية المرأة القضاء من تلقاء نفسه. ألَا فَلْيُجِبْ العلماء وليقولوا ما يعرفون، ولْيبلّغوا ما أُمروا بتبليغه، غير متوانين ولا مقصرين. سيقول عنّي عبيد (النسوان) الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا: أني جامد، وأني رجعي، وما إلى ذلك من الأقاويل، ألَا فليقولوا ما شاؤوا، فما عبأت يومًا ما بما يقال عنَّي، ولكني قلت ما يجب أن أقول. * * *

стр. 590

ولاية المرأة القضاء - مَرَّةً أخرى (*) يظهر أنني سأضطر لإثارة هذا الموضوع مرارًا، بما يثيره أنصار (النسوان) وأتباعهن في مصر وغيرها، وبما (جَعَلْنَ) من هذا الموضوع مادة لمهاجمة الإِسلام في صورة الدفاع عنه، وبتحريف معنى (الإِسلام) وحقيقته، عن عمد أو عن جهل عجيب! وأعتقد أن إثارته من قِبَل المرأة وأنصارها فيه خير كثير؛ لأنه فرصة جيدة لوضع الحقائق مواضعها، وإيضاحها وضوحًا لا يدع شكًّا لمستريب. وأنا أحب أن أواجه المسائل بالصراحة، دون التواء ولا مداراة، مهما يكن فيها من دقة علمية، ومهما يكن من ورائها من تَبِعَات قد يرى الناسُ أن الدوران حولها أَوْلى وأحب المثابرة والثبات على الدعوة الحقة، إلى آخر الشَّوْط، فإما انتصرتُ وإما انهزمتُ فلا أثر لهذا عندي ما قلتُ (كلمة الحق). والذي حَفَزني إلى معالجة الموضوع مرة أخرى، أن إحدى المجلات الأُسبوعية التي تدعو إلى السفور، وتنشر ألوانًا مما ينكره الإِسلام من شؤون هاته (النسوة)، وهي مجلة (أخبار اليوم) نشرت في عددها المصادر يوم السبت (٢٣ محرم سنة ١٣٧٠ = ٤ نوفمبر سنة

стр. 591

١٩٥٠) كلمة لمكتبها في الإسكندرية، عن قضية إحدى البنات طالبات مناصب القضاء، قدمتها إلى محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة. وهذا نص ما جاء في المجلة: (هل تقوم في مصر حكومة دينية؟ ) (وهل الحكومة القائمة تطبق المبادئ الشرعية ؟ ) (دخلت قضية مساواة المرأة بالرجل، في دور حاسم، بعد أن لجأت الأستاذة أمينة مصطفى خليل المحامية إلى محكمة القضاء الإداري، تشكو وزير العدل، لامتناعه عن تعيينها وكيلة نيابة أو محامية، في قلم قضايا الحكومة). (وقد قال محاميها في عريضة دعواها المقدمة إلى رئيس مجلس الدولة: إن المدعية بعد أن نالت إجازة الحقوق عام ١٩٤٨ م بدرجة جيد، ومارست المحاماة بنجاح وتوفيق، طلبت في ٥ أبريل سنة ١٩٥٠ تعيينها محامية، فجاءها الرد في ١٩ أبريل بأن طلبها أحيل إلى النيابة الحسبية. فبعثت في ١٧ يوليو بمذكرة إلى وزير العدل أوضحت فيها حقها الطبيعي في هذا التعيين، طالبة إلى النائب العام تعيينها في وظيفة (معاونة نيابة). (ولكن وزير العدل رأى أن يصبغ المسألة بالصبغة الدينية فاستفتى رجال الدين فيها فجاءت الفتوى مضطربة في التدليل، حائرة بين آراء متبانية منسوبة إلى أئمة المذاهب، ثم انتهت إلى أن تولية المرأة غير صحيحة.

стр. 592

وقد أخطأت وزارة العدل السبيل حين توجهت إلى رجال الدين الذين تستفتيهم في مسألة اجتماعية لا تتعلق بالدين في كثير أو قليل. فكان حقًّا عليها - حتى لا تتخلف عن السير في ركب الحضارة - أن تسائل نفسها: هل تقوم في مصر حكومة دينية؟ وهل الحكومة القائمة تطبق المبادئ الشرعية حقًّا وصدقًا؟ أو هل يعيش المصريون في مجتمع شرعي، تطبق فيه أحكام الدين الحنيف؟ فإذا كانت الإجابة على هذه الأسئلة بالسلب، حق على وزارة العدل أن تتورع عن الزج بالدين في الأمور الاجتماعية البحتة، أَوَ ليستِ المرأة تزاول مهنة المحاماة طبقًا للقوانين التي وضعتها وزارة العدل؟ وما هي الفوارق بين المحاماة في صفوف الدفاع عن الأفراد، والمحاماة في صفوف الدفاع عن الحكومة. (ثم طلبت المدعية تحديد جلسة يحكم فيها بإلغاء القرار الخاص برفض طلب تعيينها معاونة للنيابة، أو محامية في إدارة القضايا الحكومية). وجاء في جريدة المصري الصادرة صباح يوم الثلاثاء ١٨ صفر سنة ١٣٧٠ (٢٨ نوفمبر سنة ١٩٥٠) ما نصه: (حقوق المرأة أمام القضاء) (تنظر أمام محكمة القضاء الإداري غدًا القضية التي رفعتها الأستاذة عائشة راتب على مجلس الدولة من أجل الاعتراف بمبدأ قبول خريجات كلية الحقوق من الفتيات في وظائفه.

стр. 593

(وقد سبق أن أشارت الصحف إلى دعوة الأستاذة عائشة راتب إلى العمل بمجلس الدولة ونجاحها في الامتحان الذي فرض عليها، وموافقة جميع المستشارين على قبولها فيه، ثم رفض طلبها بدون إبداء أي تبرير قانوني، وقد قابلت الآنسة عائشة وسألتها عن أملها في كسب هذه القضية الهامة؟ فقالت: إنها تعتقد أن هذه القضية ليست قضية شخصية تتعلق بمصالحها الخاصة، وإنما هي قضية إنسانية عامة، متعلقة بحقوق المرأة المصرية العادلة المهضومة، وعبرت الآنسة عائشة عن آمال جميع خريجات كلية الحقوق اللائي يناضلن منذ وقت طويل من أجل قبولهن في مناصب الحكومة التي ما زالت مغلقة أمامهن، في مجلس الدولة وإدارة قضايا الحكومة والقضاء والسلك السياسي). وأنا لم أقرأ صحيفة الدعوى التي تقدمت بها المدعية، ولكن إذا صدق الملخص الذي نقلته عنها ومجلة (أخبار اليوم) استطعنا أن نحدد الاتجاه الذي تتجه إليه المدعية ومحاميها في توجيه دعواها. وهو اتجاه طيب جدًّا! ! وقد تعجبون أن أقول هذا، ولكني أقوله وأقصد إلى معناه وأصر عليه! لأنه اتجاه يكشف عما يراد بالإسلام مصارحةً، دون مواربة أو نفاق! فقد يذكر كثير من القراء، وخصوصًا أترابنا وأندادُنا في السن، الذين أدركوا بدء الحركة الملعونة: حركة السفور وحركة تحرير المرأة، وما أحاطها بها دعاتها وفي مقدمتهم قاسم أمين، والذين

стр. 594

كانوا من ورائه، واللائي كن من ورائه يدفعونه ويَدْفَعْنَه إلى تَقَحّم المهالك، ويتساقطون ويتساقَطْن فوقه في الهوة كالذباب، أحاطها هؤلاء ومن تبعهم ومن جاء من بعدهم بسياج قويّ برّاق من المداورة والنفاق، يزعمون أنهم لا يريدون الخروج على الإسلام، وأنهم إنما يبغون تفسيره بما لم يعلمه مَنْ قبلهم من العلماء الجهلاء والأئمة الجامدين! ! وأنهم إنما يريدون له النقاء والصفاء، وإزالة ما غَشَّى وجهَه من أكدار تراكمتْ عليه بمر العصور، وتعريضه للضوء والنور: نور أوربة، حتى يُعجب الخواجات! زعموا أنهم لا يرمون إلّا إلى السفور: سفورِ الوجه فقط، لا سفورِ الصدور، ولا سفورِ النهود والظهور، ولا سفورِ شيء مما وراء ذلك، مما يراه الناس عيانًا في كل حَفْل وناد، بل يَرَوْن بعضه أو كثيرًا منه في المدارس والمعاهد، بل يرون شيئًا منه في المساجد والمعابد. ثم جاءت هذه البُنَيَّة المدعية، فكشفت الستار كلَّه عن مقاصد هؤلاء الدعاة الذين كانوا يجمجمون ولا يكادون يصرحون بالأصل الذي إليه يقصدون، وإن كانوا لَيَفْعلون ويفعل مَنْ وراءهم، من المبشرين وأتباع المبشرين، وأبناء المبشرين، ومِن وراء أولئك المستعمرون المستترون والظاهرون: الذين يريدون استعباد المسلمين الأعزة، وهم يعلمون أنهم لا يصلون إلى ذلك إلا أن يقلبوهم أذلة بانتزاع هذا الإسلام، الذي أعزهم الله به من قلوبهم حتى يصيروا أذلة، والذين مهما يَنْسَوا فلا يَنْسَوا ثأر (لويس التاسع) الذي أسره

стр. 595

المسلمون في مدينة (المنصورة) وحبسوه في (دار لقمان) ولا ينسوا ثأر هزائمهم المتوالية في الحروب الصليبية في مصر والشأم، وطردهم من بيت المقدس إلى آخر ما يعرف الناس عامة إجمالًا أو تفصيلًا. هذه المدعية صرحت بما يريدون، بأوضح عبارة تكشف عن مقاصدهم وأقساها، ووضعت الأمر كله بين يدي هيئة قضائية من أكبر هيئاتهم، إن لم تكن أكبرها وأعلاها فقد كانوا من قبل يعلمون على هينة وفي لين، وإذا تحدثوا عن ذلك تحدثوا بحكمة وتحوط حتى لا يثور عليه المسلمون غيرة على دينهم! فإذا ما تحدث منهم متحدث ألان القول ومهد له حتى لا يكاد القارئ المتوسط يشعر بما وراء ذلك من خطر على الدين وتدمير. ولا أكاد أذكر قولًا صريحًا لواحد منهم، إلا كلمة رقيقة لينة تناسب الهوينى انسياب الأفعى، لرجل من كبار رجالهم ممن له مظهر إسلامي، أو ممن كان له مظهر إسلامي على الصحيح، قال في كلمة نشرت في صحيفة إسلامية! ! واسعة الانتشار، في أواسط سنة ١٣٦٨ (أوائل سنة ١٩٤٩) قال فيها مما قال: (ولا يخفى أننا في مصر نجري في حكمة واعتدال! ! على فصل الدين عن أمور الحكم وخلافات السياسة)! ! ولست أدعي أن هذه الكلمة هي أصرح ما قالوا من هذا اللون من القول، ولا أنهم لم يقولوا مثلها مرارًا، فإن مقدرتي على الاطلاع وعلى القراءة محدودة، ولكني أستطيع أن أجزم بأني لم أقرأ، أو على

стр. 596

الأقل لا أذكر أنني قرأت مثلها في التصريح بما ينون ويعتزمون. وإن كنت واثقًا منذ عقلت الدين، وفقهت الأوضاع السارية في بلدنا أن هذا هو المرمى والمآل من قبل أن نولد، بل من قبل أن يولد آباؤنا. ثم جاءت هذه الدعوى، تضع الأمر كله على المنصة بين يدي القضاء، تعرض الموضوع من أوله (هل تقوم في مصر حكومة دينية؟ وهل الحكومة القائمة تطبق المبادئ الشرعية حقًّا وصدقًا؟ أو هل يعيش المصريون في مجتمع شرعي تطبق فيه أحكام الدين الحنيف؟ ) وهذه أسئلة في الصميم، لا تستطيع المدعية ولا محاميها، بل لا يستطيع من هو أكبر منهما وأعلم من رجال القانون وغيرهم أن يجيبوا إلا بالسلب، بل أنا لا أستطيع أن أجيب إلا بالسلب! فليس في مصر حكومة دينية، والحكومة القائمة - أعني نظم الدولة - لا تطبق المبادئ الشرعية حقًّا وصدقًا، بل لا تطبقها كذبًا وزورًا، بل أقول أكثر من هذا: إن النص في الدستور على أن دين الدولة الإسلام لا يمثل حقيقة واقعة، إنما هو خيال ووهم كبعض ما اقتبسنا من سخافات أوربة في الخيال والتمثيل، والمصريون لا يعيشون في مجتمع شرعي تطبق فيه أحكام الدين الحنيف. ذلك بأن المبشرين والمستعمرين وأتباعهم وأنصارهم ربوا فينا أجيالًا متتابعة، ينزع الدين منها تدريجيًّا، وتقلب حقائقه في النفوس والعقول، على مبادئ الثورة الفرنسية وغيرها من مبادئ الهدم والإلحاد، حتى لقد وضعوا على ألسنة العلماء أنفسهم أنهم (رجال

стр. 597

الدين) يضاهئون بذلك (رجال الدين) هناك، ليمكن يومًا ما أن يقال ما قالته هذه المدعية (فإذا كانت الإجابة على هذه الأسئلة بالسلب، حق على وزارة العدل أن تتورع عن الزج بالدين في الأمور الاجتماعية البحتة)! ! وليمكنها أن تقول أيضًا: (وقد أخطأت وزارة العدل السبيل حين توجهت إلى رجال الدين تستفتيهم في مسألة اجتماعية لا تتعلق بالدين في كثير أو قليل)! ! بل ليمكنها أن تدعي أن مثل هذا يكون سببًا لأن (تتخلف عن السير في ركب الحضارة)! ! فالمدعية ومحاميها وأمثالهما، وكبراؤهم وزعماؤهم، يرون ما تراه أوربة، أو يرون ما فهموا أنه رأي أوربة، بل يغلون في ذلك أكثر من غلو سادتهم، فيزعمون أن دخول الدين في الحكم والمسائل الاجتماعية تخلف عن ركب الحضارة! ! فيجهلون بديهيات الإسلام ومزايا دينهم القويم، ويرون أنهم إذا تمسكوا به وخضعوا لأحكامه تخلفوا عن ركب الحضارة! فلا يكون هناك خمر ولا رقص ولا سفور ولا فجور، ولا اختلاط الشبان والشابات في المدارس والجامعات، والقهاوي والندوات، والصيد والقنص، والخلوات في الصحاري والسيارات! فإذا فقدوا هذا وأمثاله، فماذا بقي لهم من مقومات الحضارة؟ ! وأعجب من ذلك وأغرب: أن المدعية بلسان محاميها، تسب دينها هذا السب المقذع، ثم تصفه بأنه (الحنيف) ولم تكن بها حاجة إلى هذا التكلف والتناقض، وكان أقرب إلى منطق كلامها أن تصفه

стр. 598

بوصف يناسب دينًا يتخلف المستمسك به عن ركب الحضارة! ! ثم كان من المغالطات الكبرى أنهم بما أودع في نفوسهم من معارف ملتوية، وبما أشربته قلوبهم من فقه لدين أوربة ووثنيتها وثورتها، بل وحضارتها، أنهم فهموا الإسلام على غير وجهه، وظنوه دين عقيدة وعبادة فقط، بل ليتهم أخذوا به على المعنى الذي فهموا، وإن كان خطأ أو نقصًا، إذن لسار بهم الدين (الإسلامي الحنيف) في سبيل الحق والهدى، حتى يعرفهم بما استمسكوا به من عقيدة وعبادة - لو كانتا - بأنه ليس كما رأوا عند أوربة ودرسوا، ولعرفهم أنه (دين ودولة) وحكم وسياسة وقضاء وولاية) وإذن لعرفوا معنى ما نقلناه عن الحافظ ابن كثير في الكلمة الماضية، أن من قدم أي قانون أو أي رأي على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله (فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير) (١)، وهذا شيء بديهي معلوم من دين الإسلام بالضرورة لا يعذر بجهله أحد، أيًّا كانت منزلته من العلم أو الجهل ومن الرقي أو الانحطاط. وليس هذا الخطأ من المدعية أو محاميها، وممن وراءهما من رجال ونساء قاصرًا على بلادنا، إنه ليكاد يكون عامًّا في أكثر المتعلمين المثقفين في بلاد الإسلام خصوصًا البلاد التي خضعت لسيطرة المستعمرين يدفعهم المبشرون، وعامًّا في البلاد التى سايرت (ركب الحضارة) الإفرنجية المتعصبة ضد الإسلام، فتجد في بعض ما

стр. 599

يقول الكبراء التناقض العجيب المدهش، كمثل ما نقلت إحدى الصحف الأُسبوعية في عددها الصادر يوم الجمعة ٧ صفر ١٣٧٠ (١٧ نوفمبر ١٩٥٠) عن ضيف كبير من ضيوف مصر، هو (سعادة السيد تمييز خان رئيس التأسيسية بالباكستان) نقلت عنه تلك المجلة أنه قال: (إن الباكستان دولة إسلامية، ولكنها ليست دولة دينية؛ لأن الدولة التي تقوم على تعاليم الدين الإسلامي غير الدولة التي يتولى الحكم فيها رجال الدين). فهذا رجل عظيم من أمة إسلامية عظيمة، أعرف أنا أنها تحرص على أن يكون تشريعها من دينها الحنيف، دين الإسلام، سواء أصابت في التطبيق أم أخطأت، فكل إنسان عرضة للخطأ، وهذا الرجل العظيم لم يسبق لي التعرف إليه حتى أحكم في شأنه حكمًا صحيحًا، ولكني أظن أنه أعلم بدينه وقوانين أوربة من المدعية وأمثالها، وها هو ذا يخطئ في مثل هذه الدقائق - إذا صح ما نقلته عنه المجلة فيعقد فرقًا بين (الدولة الإسلامية) و (الدولة الدينية) وهو فرق باطل كأنه فرق اصطلاحي فقط فإن كل مسلم يعرف أن (الإسلام دين) بل يعتقد المسلمون بنص ما أنزل الله عليهم في كتابه أن الدين عند الله الإسلام ويظن سعادته - تقليدًا لاصطلاح إفرنجي - أن في الإسلام شيئًا يسمى (رجال الدين)! ! ولطالما حاولتُ نقضَ هذه الأسطورة؛ أسطورة وجود شيء في الإسلام يدعى (رجال الدين)! ! من ذلك ما قلته في محاضرة أعددتها

стр. 600

لألقيها يوم ٦ ربيع الأول سنة ١٣٦٠ (٣ أبريل ١٩٤١) ومنعني من إلقائها الوزير القائم على الأحكام العرفية الإنجليزية إذ ذاك، وهو حسين سري باشا رئيس الوزراء، وكان مما قلت فيها عن آثار القوانين الإفرنجية في نفوس متعلميها: "كان لها أثر بيِّنٌ بارز في التعليم، فقسمت المتعلمين المثقفين منا قسمين أو جعلتهم معسكرين: فالذين علموا تعليمًا مدنيًّا، وربوا تربية أجنبية، يعظمون هذه القوانين وينتصرون لها، ولما وضعت من نظم وقواعد ومبادئ، يرون أنهم أهل العلم والمعرفة والتقدم، وكثير منهم يسرف في العصبية لها، والإنكار لما خالفها من شريعته الإسلامية، حتى ما كان منصوصًا محكمًا قطعيًّا في القرآن، وحتى بديهيات الإسلام المعلومة من الدين بالضرورة، ويزدري الفريق الآخر ويستضعفهم، واخترعوا له اسمًا اقتبسوه مما رأوا أو سمعوا في أوربة المسيحية، فسموهم (رجال الدين) وليس في الإسلام شيء يسمى رجال الدين، بل كل مسلم يجب عليه أن يكون رجل الدين والدنيا" (١). ولقد أخطأ هذا الرجل الكبير (رئيس الجمعية التأسيسية بالباكستان) خطأ آخر - إن صدق ما نقلته عنه تلك المجلة - أخطأ في ظنه أن الدولة الدينية هي التي يتولى الحكم فيها رجال الدين! !
следующие страницы →