← Тафсир

Тафсир · id 20643

تفسير ابن بدران = جواهر الأفكار ومعادن الأسرار المستخرجة من كلام العزيز الجبار

ابن بدران

Полный текст (526 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾، ولم يقل: فأزلهما إبليس، لأن الشيطان يشير إلى معنى الشيطنة، وهي تدل على البعد والسرعة، التي تقبل التلافي والرجوع، فأشار إلى أنه لا بد من رجوع آدم، وأما لفظ "إبليس" فإنه يشير إلى معنى الإبلاس، ولما كان هذا المعنى يلوح بقطع الرجاء، لم يكن ذكره من البلاغة على ما يرام. وهنا مجال طويل، قد أطال علماء التوحيد وغيرهم البحث فيه، وهو الكلام على عصمة الأنبياء، ولنذكر خلاصته، لأن الكتب مشحونة بما يغنينا عن الإطالة، وذلك أن الأدلة العقلية والنقلية، قد قامت على أن الأنبياء لم يصدر عنهم الذنب حال النبوة البتة، لا الكبيرة ولا الصغيرة، لأننا نعلم ببديهة العقل، أنه لا شيء أقبح من نبي رفع الله درجته، وائتمنه على وحيه، وجعله خليفة في عباده وبلاده يسمع ربه يناديه: لا تفعل كذا، فيقدم عليه، ترجيحًا للذاته، وغير ملتفت إلى نهي ربه ولا منزجر بوعيده. هذا معلوم القبح بالضرورة، ولذلك كاد العلماء أن يتفقوا على أن ما صدر من آدم ﵇ من الأكل من الشجرة، إنما كان قبل أن يُنبأ بلا شك، لأن نبوته حينئذ، لو كانت لكان إرساله عبثًا وقتئذٍ، لأنه لم يكن من يرسل إليه، على أننا لو تأملنا حقيقة الأمر، لوجدنا أن آدم لم يفعل ما فعل إلا ناسيًا كما قال: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ [طه: ١١٥] (١). ولم يكن ما فعله اغترارًا بقول إبليس، لأنه كان يعلم تمرده عن السجود، وكونه مبغضًا له، وحاسدًا له على ما آتاه الله من النعم، وقد قال الله له: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)﴾ [طه: ١١٧]، وهذا يدل على ما قلناه. وأيضًا لو كان إقدام آدم على الأكل من الشجرة اتباعًا لإغواء إبليس، لكانت

стр. 177

معصيته في اتباعه أعظم من الأكل من الشجرة، لأن قوله له ولزوجته: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠)﴾ [الأعراف: ٢٠]، فيه إلقاء سوء الظن إليهما، ودعاؤهما إلى ترك التسليم بأمره والرضاء بحكمه، وإلى أن يعتقدا فيه كون إبليس ناصحًا لهما وأن الرب تعالى قد غشهما، ولاشك أن هذه الأشياء أعظم من الأكل من الشجرة، وهي توجب أن تكون المعاتبة أشد، فلما لم يكن الأمر كذلك ثبت الادعاء المتقدم، على أنه ليس في الآية أنهما أقدما على ذلك الفعل، عند ذلك الكلام أو بعده. هذا وأما صدور المعصية من الأنبياء قبل النبوة فمختلف فيه، وأيًا ما كان، فإن ما فعله آدم كان صغيرة في الظاهر، ومطابقًا للحكمة الإلَهية في الباطن، لأن الله لم يخلقه لأن يكون في الجنة، بدليل قوله تعالى للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ ولم يقل: في الجنة، ولأكثر المفسرين في هذا المقام مقالات اقتبسوها عن أهل الكتاب، وأكثرها من كلام وهب بن منبه اليماني، والسدي، وأضرابهما، والغالب أنها تأتي مرفوعة إلى ابن عباس ﵁ على أن روايتها لا تصح أصلًا، ولا تنطبق على معاني كتاب الله تعالى، فيجب إطراحها وعدم اعتبارها ولنذكر نموذجًا منها ليعلم الباقي: وهو أن القصاص يروون عن وهب بن منبه، والسدي عن ابن عباس وغيره: أنه لما أراد إبليس أن يدخل الجنة منعته الخزنة، فأتى الحية وهي دابة لها أربع قوائم كأنها البُختية (١)، وهي كأحسن الدواب، بعدما عرض نفسه على سائر الحيوانات فما قبله واحد منها، فابتلعته الحية وأدخلته خفية من الخزنة، فلما دخلت الحية الجنة خرج إبليس واشتغل بالوسوسة، فلا جرم لعنت الحية، وسقطت قوائمها، وصارت تمشي على بطنها، وجعل رزقها في التراب، وصارت عدوًا لبني آدم. واعلم أن هذا القول فاسد من وجوه ذكرها الإمام الرازي في تفسيره: منها أن إبليس لو قدر على الدخول في فم الحية، فلم لم يقدر على أن يجعل نفسه حية

стр. 178

ثم يدخل الجنة؟ ولأنه لما فعل ذلك بالحية فلم عوقبت الحية مع أنها ليست بعاقلة ولا مكلفة؟ وبعضهم لما علم فساد هذا القول احتال لإثباته فقال: إن إبليس كان في الأرض، وأوصل الوسوسة إليهما في السماء، وهذا قول من لم يعرف اللغة العربية، لأن الوسوسة كلام خفي، والكلام الخفي لا يمكنه إيصاله من الأرض إلى السماء، هذا وإن ابن عباس ﵁، هو إمام التفسير، وحاشاه أن يصح عنه جميع ما نسب إليه، وما ذلك إلا أن المبتدعة أرادوا أن يروجوا مذاهبهم بنسبتها إليه، وقد أخرج ابن عساكر (١) في تاريخه، في ترجمة [بُشَير] بن كعب العدوي البصري، أنه أتى ابن عباس، فجعل يحدثه، ويقول: قال رسول الله ﷺ ، وابن عباس لا يلقي إليه مسمعه، ولا ينظر إليه، فقال له: يا ابن عباس ما لي أراك لا تصغي لحديثي، فقال له: كنا إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسول الله ﷺ ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذننا، فلما ركب الناس الصعبة والذلول، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف. فمثل ابن عباس، لا يصدق عنه تلك المفتريات التي افتراها عليه القُصاص وأرباب الجهالة. وأما قوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا﴾ [البقرة: ٣٨] فهو خطاب لآدم وحواء، وأتى بضمير الجمع لأنه أقامهما مقام الذرية، ولما كانا أصل الذرية، جعل الهبوط لهما ولذريتهما، بدليل قوله تعالى: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه: ١٢٣] ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ [البقرة] وما هو إلا حكم يعم الناس. واختلف الناس في معنى الهبوط هنا، فمن قال: إن جنة آدم كانت في السماء، فسره بالنزول من العلو إلى الأسفل، ومن قال: إنها كانت في الأرض، فسره بالتحول من موضع إلى غيره، كقوله: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ [البقرة: ٦١]. وقوله: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ معناه: ما عليه الناس من التعادي والتباغى،

стр. 179

وتضليل بعضهم لبعض، وليست هذه هي العداوة، المأمور بها في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] لأن هذا مأمور به، وذلك غير داخل في الأمر، بل المراد اهبطوا وسيكون حالكم أن بعضكم لبعض عدو، ولأن عالم التضاد والتنافس، ليس كعالم الأنوار الذي لا تعاند فيه ولا تمانع، ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ أي: استقرار، أو موضع استقرار حالتي الحياة والموت، ﴿وَمَتَاعٌ﴾ أي: تمتع بالعيش؛ ﴿إِلَى حِينٍ﴾ هو يوم القيامة، أو حين انقضاء آجالكم، والحين: المدة سواء كانت طويلة أو قصيرة، وفي لفظ المتاع إشعار بانقطاع الإمتاع بما في هذه الدنيا، ونقص ما به الانتفاع عما كانا فيه، لأن المتاع أطلق في لسان العرب على الجيفة، التي هي متاع المضطر، وأرزاق سباع الحيوان وكلابها، فكذلك الدنيا هي جيفة متع بها أهل الاضطرار بالهبوط من الجنة وجعلها حظ من لا خلاق له في الآخرة، وهذا منزع الحكماء والصوفية من هذه الآية، وقال كثير من المفسرين: ولكم في الأرض منازل ومساكن تستقرون فيها، وتستمتعون بها، وبما جعلت لكم فيها من المعاش والرياش، والدين والملاذ، وبما أعطيتكم على ظهرها أيام حياتكم ومن بعد وفاتكم، لأرماسكم وأجداثكم، تدفنون فيها، وتبلغون باستمتاعكم بها إلى أن أبدلكم بها غيرها. وهذا منزع علماء العمران من هذه الآية، ولكل من الفريقين ملحظ، فالأول نظر إلى المحاكمة ما بين نعيم الجنة ونعيم الدنيا، فحق له أن يقول ما قال، والثاني نظر إلى محض الوجود في الدنيا، فقال ما قال، وكلا القولين تشهد لهما الآيات البينات. وأما الحكمة في إهباط آدم إلى الدنيا، فقد أطال الحكماء في بيانها، ولنلخص أقواها وأقربها إلى العقل والنقل فنقول: إنما أهبطه ليظهر له مقابلة الضد بالضد، فجعله أولًا في دار النعيم، ثم نقله إلى دار النصب، والهموم، والأوصاب، ليعرف قدر الجنة إذا عاد إليها، وأردف وجوده في الدنيا بالتكاليف للابتلاء والاختبار، ليجعل المطيع كالسبيكة إذا أدخلت محل التخليص، فترجع صافية لا دنس فيها، ولا شيء مما يخالط معدنها بها، فمن ثم جعل في ولد آدم

стр. 180

الأنبياء والرسل، والأصفياء، وأيضًا لما كان آدم مخلوقًا من ماء وطين، وكان هذان العنصران أصل المعادن، وهي منوعة إلى أنواع شتى، منها العالي في جوهره، ومنها السافل، وكانت الجنة لا تتفق مع عموم عناصر المعادن، لا جرم، جعل آدم بها أولًا ليعلمه أن ليس يستحقها إلا من كان عنصره على مثل عنصره، وأن ذريته سَتَصِلُ إلى أنواع المعادن الكامنة به، فمنها ما تقبله هذه الدار، ومنها ما لا تقبله، فأخرجه إلى الدنيا، وأنشأ منه ذريته فخرجوا على أنحاء شتى، وابتلاهم بالتكاليف ليمتاز أهل دار النعيم، من أهل دار الجحيم، وليتأهل كل فرد منهم إلى قابليته، كما يدل على هذا قوله ﷺ : "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" (١) وقوله: "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فَقُهوا" (٢) وأيضًا فإنه تعالى وصف نفسه بصفاته العليا، وأسمائه الحسنى التي منها التواب، والغفار، والمنتقم، والجبار، ولا بد من جريان هذه الصفات، ولو بقي آدم وذريته في الجنة لما ظهر أثر كثير منها، فكان من الحكمة إهباطه إلى الأرض، وتكليفه هو وذريته بالتكاليف، ليظهر دور كل اسم من أسمائه تعالى، فيغفر لمن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، إلى غير ذلك من مظاهر أثر الأسماء والصفات، ولما كان هذا التدبير والتصرف الإلهي، تارة يكون شهودًا ومحله الجنة، وتارة يكون غيبًا ومحله دار التكليف، وكان الإيمان بالغيب أظهر للعبودية، والإذعان لتصرفات الربوبية، لا جرم جعل آدم وذريته في الأرض ليعلو قدر المطيع منهم بالإيمان بالغيب، وهو الإيمان النافع بخلاف إيمان الشهادة فإنه غير نافع، ولذلك كان الإيمان في الآخرة عند معاينة الجنة والنار لا يفيد شيئًا، ولهذا صدر هذه السورة بقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ ثم ذكر بعد كثير من الآيات، إهباط آدم إلى الأرض، فكأنه يشير إلى الحكمة من إهباطه، قبل ذكر قصته، وأنت إذا تأملت من أول السورة إلى هنا، لاح لك الدليل على جميع ما ذكرناه، وعلمت الأصناف التي يمكن لجواهرها أن تكون عامرة للجنة، والتي لا

стр. 181

يمكن لجواهرها أن تكون كذلك. اللهم فقهنا في الدين وألهمنا أسرار كتابك المنزل. ومن حكمة الإهباط أيضًا، إقامة الحجة على الملائكة القائلين: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾، حيث عمموا في المقال، فأهبطه إلى الأرض ليكون من ذريته الأنبياء والرسل، والعباد المخلصون، وسلط إبليس، فلم يكن له بهم يد، وليميز أيضًا بين العدو الألد الذي هو إبليس، وبين صفيه، ليبين أن صفيه المطيع له لا يثنيه عنه وسوسة، ولا مداخلة عدو، وأن المتلبس يظهر عداوته بأدنى أمر ونهي. هذا ولما تسبب عن جزاء آدم ﵇ بالإهباط الذي هو كفارة له، أنه ألهم الدعاء بما رُحم به، عبر عن ذلك بقوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾. ومن الحكمة في نهي آدم عن الأكل من الشجرة، ثم إقدامه على الأكل منها، التعليم والإرشاد، لأن الذنب يوجب لصاحبه التيقظ والتحرز من مصائد عدوه ومكامنه، ومن أين يدخل عليه اللصوص والقطاع ومكامنهم، ومن أين يخرجون عليه وفي أي وقت يخرجون، فهو قد استعد لهم وتأهب، وعرف بماذا يستدفع شرهم وكيدهم، فلو أنه مر عليهم على غرة وطمأنينة، لم يأمن أن يظفروا به ويجتاحوه جملة، وأيضًا فإن القلب يكون ذاهلًا عن عدوه، معرضًا عنه مشتغلًا ببعض مهماته، فإذا أصابه سهم من عدوه، استجمع له قوته وحاسته وحميته، وطلب بثأره إن كان قلبه حرًا كريمًا كالرجل الشجاع إذا جرح فإنه لا يقوم له شيء، بل تراه بعدها هائجًا طالبًا مقدامًا، والقلب الجبان المهين إذا جرح كالرجل الضعيف المهين إذا جرح، ولّى هاربًا والجراحات في أكتافه، وكذلك الأسد إذا جرح فإنه لا يطاق، فلا خير فيمن لا مروءة له، يطلب أخذ ثأره من أعدى عدوه، فلا شيء أشفى للقلب من أخذه بثأره من عدوه، ولا عدو أعدى له من الشيطان، فإن كان قلبه من قلوب الرجال المتسابقين في حلبة المجد، جد في أخذ الثأر، وغاظ عدوه كل الغيظ، وأضناه، فآدم لما علم بتسلط عدوه عليه، وكيده له،

стр. 182

غاظه بالالتجاء إلى الله تعالى، وقطع عليه طريق مداخلته بينه وبين مولاه، فقبله وأقبل عليه، فتلقى من ربه كلمات استقبلها بالأخذ والقبول، والعمل بها حين علمها، ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ فرجع عليه بالرحمة والقبول، وأخذت بيده محنته إلى الاصطفاء والاجتباء، والتوبة والهداية، ورفعة المنزلة، ولولا تلك المحنة التي جرت عليه، وهي إخراجه من الجنة وتوابع ذلك، لما وصل إلى ما وصل إليه، فكم بين حالته الأولى وحالته الثانية في نهايته. ثم إن للمفسرين مذاهب شتى في الكلمات التى تلقاها آدم، وأحسن ما يقال: تفسير القرآن بالقرآن، وهو: أن الله أخبر عن آدم وحواء بأنهما: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف] وهو قول قتادة وأبي العالية، ومجاهد، وما سوى هذا القول ليس بمدفوع، ولكنه قول لا شاهد عليه من حجة يجب التسليم لها، فيجوز لنا إضافته إلى آدم، وأنه مما تلقاه من ربه عند إنابته إليه من ذنبه، كما أشار إلى ذلك ابن جرير الطبري. وهذه القصة تعريف منه تعالى جميع المخاطبين بكتابه، كيفية التوبة إليه من الذنوب، وتنبيه للمخاطبين، بقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] على موضع التوبة مما هم عليه من الكفر بالله وأن خلاصهم مما هم عليه مقيمون من الضلالة، نظير خلاص أبيهم آدم من خطيئته، مع تذكيره إياهم بالسالف إليهم من النعم التي خص بها أباهم آدم وغيره من آبائهم، و ﴿التَّوَّابُ﴾ هو: البليغ التوبة المكرر لها. ولما كان قد جعل على نفسه أن يتفضل على المحسن قال: ﴿الرَّحِيمُ﴾، أي: لمن أحسن الرجوع إليه، وأَهَّله لقُربه. ثم إنهم لما أُعلموا بالعداوة اللازمة، كان كأنه قيل: فما وجه الخلاص منها؟ فقيل: اتباع شرعنا، والشروع بالتوبة والرحمة فإننا:

стр. 183

﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾. لما كان الهبوط المذكور في الآية المتقدمة، يحتمل أن يكون من مكان من الجنة إلى أدنى منه، ولم يخرجوا منها، كرره هنا للتأكيد لشؤم المعصية، وتبشيعًا لها، وأتى بلفظ ﴿جَمِيعًا﴾ ليدل على معنى: لا يتخلف منكم أحد، سواء كان ذلك في آن واحد، أو على التعاقب، وأيضًا كرره لما نيط به من زيادة قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾، أي وعَهِدنا إليهم عند الهبوط إلى دار التكليف، أنا نأتيهم بالهدى ليؤديهم إلى الجنة مرة أخرى، واعدين من اتبع، متوعدين من امتنع، فقلنا: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ برسول أبعثه إليكم، وكتاب أنزله عليكم، ﴿فَمَنْ تَبِعَ﴾ أدنى اتباع يُعتد به، وسعى أثر علم الهدى، ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من شيء آت، فإن الخوف اضطراب النفس من توقع فعل ضار، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على شيء فات، لأنهم ينجون من النار ويدخلون الجنة، والحزن: توجع القلب لأجل نازح قد كان في الوصلة به روح، والقرب منه راحة، وهو معنى قول الصحاح، الحزن خلاف السرور، وفي الآية إشارات: أولاها: أن في قوله ﴿جَمِيعًا﴾ إشعارًا بكثرة ذرية الخلقين من آدم وإبليس. وكثرة الأحداث في أمر الديانة من الثقلين، كما وقع من أن كل فئة انتحلت نحلة وابتدعت بدعة. ثانيها: أن الهدى الذي هو البيان، لا يستلزم الاهتداء، بل لا بد أن يكون مشفوعًا بالاتباع، كما أن القول لا يفيد شيئًا ما لم يكون مقرونًا بالعمل. ثالثها: أنه قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ فأضاف الهدى إلى نفسه، إشارة إلى أن كل ما هو في صورة هدى، ولم يكن مأخذه من الوحي المنزل على الأنبياء لا يسمى هدى، ولا ينفي عن صاحبه الخوف والحزن يوم القيامة، وإذا كان من طريق العقل، فشرطه أن يوافق ما أتت به الرسل، ومن ثم قال العارف "عمر السهروردي" في كتابه "رشف النصائح الإيمانية": العقل حجة الله الباطنة، والقرآن حجته الظاهرة. وحكى الرازي عن القاضي: أنه استدل بهذه الآية على إبطال التقليد، لأن المقلد لا يكون متبعًا للهدى، انتهى.

стр. 184

وبيانه: أن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾، أي: الهدى المنسوب إليَّ، ولا نزاع في أن المقلد تابع لمن قلده لا يدري سوى هداه، ولا يعرف سوى طريقه فهو كالأعمى الذي يسيره قائده كيفما شاء. ولما وعد الله متبع الهدى بالأمن من العذاب والحزن، عقبه بذكر من أعدّ له العذاب الدائم فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هم: الذين لم ينظروا في بديع صنع الله تعالى فيستدلوا به على وجود بارئهم، ولم يروا الآيات التي جعلها الله علمًا على غيب عهده، وهي جميع ما تدركه الحواس من السماء والأرض وما بينهما، لأن الحق تعالى أظهر الكون كتابة دالة على أمره، وجعل في العقل نورًا يقرأ به كتابه، فمن لا نور له فهو من أصحاب النار، أوجد تعالى الأشياء وخصائصها، وعلم الإنسان ما لم يعلم، من خصائص المعادن والنبات والحيوان، وعلمه أسرارها وعجائبها، ونبهه إلى سير النجوم وحركاتها، وأنار له (١) بها طريق الهدى، فمن عمي عنها رجع من النور إلى الظلمة، فكفر بالله وجحد وجوده، ونسب الفعل إلى الطبيعة، ومن تبع ذلك الهدى ازداد علمًا بتلك الآيات، ومعرفة بوجودها فاهتدى، ضل الأولون ولو تدبروا لازدادوا إيمانا بالخالق، و ﴿وَكَذَّبُوا﴾ بآيات الله تعالى فنسبوها إلى الطبيعة كما ينسب عباد الشمس الفعل إليها، فجمعوا بالكفر والتكذيب بين أفكار القلوب والألسنة، فـ ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، في الدنيا وفي الآخرة، أما في الدنيا فهم في الغم والحزن واليأس، وفيما يحرق بواطنهم، لكنهم لم يحسوا بذلك لاشتغالهم بما يمنعهم عن الإحساس، فإذا ماتوا صار ذلك الغيب شهادة. ولما أقام سبحانه دلائل التوحيد والنبوة والمعاد أولًا، وعقبها بذكر الإنعامات العامة داعيًا للناس عامة، لا سيما بني إسماعيل الذين هم قوم الداعي، وكان أحق من دعي بعد الأقارب وأولاه بالتقديم، أهل الدين والعلم، كانوا على

стр. 185

حق فزاغوا عنه، ولا سيما إن كانت لهم قرابة، لأنهم جديرون بالمبادرة إلى الإجابة بأدنى بيان، وأيسر تذكير، فإن رجعوا اقتدى بهم الجاهل فسهل أمره، وانحسم سره، وإن لم يرجعوا طال جدالهم، فبان للجاهل ضلالهم، فكان جديرًا بالرجوع والكف عن غيه، والنزوع، وعرفت من تمادي الكلام معهم الأحكام، وبان الحلال من الحرام. فلذلك لما فرغ من دعوة العرب الجامعة لغيرهم باختصار، وختم، بأن وعد باتباع الهدى، وتوعد، شرع سبحانه يحض العلماء من المنافقين بالذكر، وهم من كان أظهر الإسلام من أهل الكتاب، على وجه استلزم عموم المصارحين منهم بالكفر، إذ كانوا من أعظم من خص بإتيان ما أشير إليه من الهدى والبيان، بما فيه الشفاء، وكان كتابهم المشتمل على الهدى، من أعظم الكتب وأشهرها وأجمعها، فقص عليهم ما مثله يلين الحديد، ويخشع الجلاميد، فقال تعالى مذكرًا لهم بنعمه الخاصة بهم: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾. وقد نظم هذه المناسبة في نظم الدرر من يناسب الآيات والسور، وأنت إذا تأملت القرآن الكريم، ورأيته يخاطب المشركين واليهود والنصارى، وكل من اتخذ معبودًا غير الله تعالى، ويخاطب المؤمنين بوجه خاص، تجلى لك البرهان بعموم رسالة من أنزل عليه، فكن لهذا السر حافظًا، وأمعن النظر فيه تزداد إيمانًا وهدى. و﴿إِسْرَائِيلَ﴾: هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، ﵈، فكأنه تعالى يقول: يا بني يعقوب الذي شرفته وشرفت بنيه من أجله، ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، واذكروا: مأخوذ من الذكر بالكسر والضم وهما بمعنى واحد عند كثير من النحويين، وكلاهما يكون باللسان وبالقلب، وفرق الكسائي بينهما فقال: ما كان بكسر الذال فهو الذكر باللسان، وما كان بالضم فهو الذكر بالقلب، والذي بالقلب ضده: النسيان، والذي باللسان ضده: الصمت. وقد أمرهم تعالى أن لا يتركوا شكر النعمة، وأن يعتدوا بها ويستعظموها، وأن

стр. 186

يستحضروا منها ما سبقه النسيان، ويطيعوا من أعطاهم إياها، وأراد بالنعمة هنا: ما أنعم به على آبائهم، مما عدده في الآيات الآتية, ومن غير هذه السورة، وما أنعم به عليهم من إدراك بعثة محمد ﷺ ، المبشر به في التوراة والإنجيل، والنعمة هي: أن ينال الشخص ما يوافقه ظاهرًا من أهله وحشمه، أو ظاهرًا وباطنًا، والباطنة نعمة التوحيد، والعلم والمعرفة، والعقل وجودة الرأي. وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾، أي: أوفوا بما عاهدتموني عليه من أنكم تؤمنون بي، وتطيعونني فيما آمركم به، ﴿أُوفِ﴾ لكم بما عاهدتكم عليه من حسن الثواب على حسناتكم. ولعل أحدًا يفكر في أن ما هنا يعارض قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤ , النحل: ١٨] فيقول: إذا كانت النعم منه تعالى غير متناهية، فكيف أمرهم تعالى بذكرها، والذكر لا يكون إلا لشيء محصور؟ فنقول له: إن النعم غير متناهية بأفرادها لا بأجناسها، والنعمة جنسها واحد، وهو: نيل الشخص ما يوافقه ظاهرًا وباطنًا، والمأمور به أن يتذكروا كل ما كان خيرًا ناله أسلافهم أو وصل إليهم، ويعتقدوا بأنه صار من فضل الله تعالى. ولعل المراد من العهد هنا، عهد الله ووصيته الذي أخذه على بني إسرائيل في التوراة، أن يبينوا للناس أمر محمد ﷺ ، الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، أنه نبي الله، وأن يؤمنوا به وبما جاء به من عند الله تعالى، وهذا القول هو الصواب، لأن التوراة قد نسخت بنبوة محمد ﷺ ، ولم يبق شيء منها، يطالبهم الله بالوفاء به، وبالعمل بما فيه، إلا هذا الأصل العظيم، وقد أخذ تعالى عهدهم وميثاقهم بأن يؤمنوا به، فإذا وفوا بهذا العهد أنجز لهم ما وعدهم عليه بتصديقه واتباعه، بوضع ما كان عليهم من الإصر والأغلال التي كانت في أعناقهم، بذنوبهم التي كانت من إحداثهم، وهذا معنى ما روي عن ابن عباس في هذا الموضع، والآيات القرآنية تدل عليه, كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ويدل عليه أيضًا الآية التي بعد هذه. وقوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ معناه: وإياي فاخشوني واتقوني لا غيري، أيها المضيعون عهدي من بني إسرائيل،

стр. 187

والمكذبون رسولي الذي أخذت ميثاقكم فيما أنزلت من الكتب على أنبيائي أن تؤمنوا به وتتبعوه، [و] أن أُحل بكم من عقوبتي، إن لم تنيبوا وتتوبوا إليَّ باتباعه، والإقرار بما أنزلت إليه، ما أحللت بمن خالف أمري، وكذب رسلي من أسلافكم. وقد أطال في حجاجهم، جريًا على قانون النظر في جدال العالم الجاحد، وخطاب المنكر المعاند. وفي قوله تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾. تقرير لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، وقد أمروا بتجديد الإيمان بالقرآن، لما فيه من الإخبار بأمور من المغيبات التي لم تكن في كتابهم، كتأصيل أمور الآخرة التي استوفاها القرآن، لأنه خاتم ليس وراءه كتاب ينتظر فيه بيان، وقد أبقى الله لكل كتاب قبله بقية، أحيل فيها على ما بعده ليتنامى البيان إلى غاية ما أنزل به القرآن، حين لم يعهد إليهم إلا في أصله على الجملة. وفي قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾، معنى دقيق في تبكيتهم، وأمر جليل من تعنيفهم، وذلك أن لفظ ﴿أَوَّلَ﴾ ليس المراد به معناه الحقيقي المتبادر إلى الذهن، فإن العرب كثيرًا ما تطلق الأول ولا تريد حقيقته، بل تريد المبالغة في السبق، ومعناه هنا: ولا تكونوا أول من كفر به، أو: أول فريق أو فوج كافر به، أو: لا يكن كل واحد منكم أول كافر به، وهذا تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أول من يؤمن به، لمعرفتهم به وبصفته، ولأنهم كانوا المبشرين بزمانه، والمستفتحين على الذين كفروا به، وكانوا يعدون أنفسهم من أتباعه، أول الناس كلهم، فلما بعث كان أمرهم بصحته في غاية اللجاجة، فكان عملهم في كفرهم، وإن تأخر عمل من يسابق شخصًا إلى شيء، وأيضًا إنه لم يمنعهم من الإيمان به

стр. 188

جهل بالنظر، ولا عدم اطلاع على ما أتى به أنبياؤهم من البشارة به، بل إنما كان ذلك لمجرد الحسد للعرب أن يكون منهم نبي، المستلزم لحسد هذا النبي بعينه، لأن الحكم على الأعم، يستلزم الحكم على الأخص بما هو أفراد الأعم، فصارت رتبة كفرهم قبل رتبة كفر العرب، فكان أهل الكتاب أول كافر به، لا يمكن أن يقع كفرهم إلا على هذا الوجه، الذي هو أقبح الوجوه. فالمعنى: لا تكفروا به فإنه إن وقع منكم كفر به، كان أول كفر، لأن رتبته أول رتب الكفر الواقع ممن سواكم، فكنتم أول كافر فوقعتم في أقبح وجوه الكفر، ولذا أفرد ولم يقل كافرين، كما أشار إلى ذلك في "نظم الدرر". وقرأت في كتاب "بذل المجهود في إقناع اليهود" (١) للحكيم السموأل بن يهوذا، فصولًا بها جمل من التوراة تلزم اليهود بالإقرار بنبوة محمد ﷺ ، وقد ذكرها بالعبرانية ونقلها إلى العربية، فقال: ذكر الآيات والعلامات التي في التوراة الدالة على نبوة محمد ﷺ ، : إنهم لا يقدرون أن يجحدوا هذه الآية من الجزء الثاني من السفر الخامس من التوراة، وهي ما معناه بالعربية: نبيًا أقيم لهم من وسط إخوتهم، مثلك به فليؤمنوا، وإنما أشار بهذا إلى أنهم يؤمنون بمحمد ﷺ ، فإن قالوا: إنه قال من وسط إخوتهم، وليس من عادة كتابنا أنه يعني بقوله: "إخوتكم" إلا بني إسرائيل، قلنا: بلى قد جاء في التوراة، إخوتكم بني العيص، وذلك في الجزء الأول من السفر الخامس "أحيحيم بني عيسى ووهيوشيم بسيعير" تفسيره: أنتم عابرون في تخوم إخوتكم بني العيص، المقيمون في سيعير، إياكم أن تطمعوا في شيء من أرضهم، فإذا كان بنو العيص إخوة لبني إسرائيل، لأن العيص ولد إسحاق، فكذلك بنو إسماعيل، إخوة لجميع ولد إبراهيم، فإن قالوا: إن هذا القول إنما أشير به إلى شموئيل النبي، لأنه قال من وسط إخوتهم مثلك، وشموئيل إنما كان مثل موسى، لأنه من أولاد "ليوي" يعنون: من السبط الذي كان منه موسى، قلنا لهم: فإن كنتم صادقين فأي حاجة بكم إلى أن يوصيكم

стр. 189

بشموئيل، وأنتم تقولون: إنه لم يأت بزيادة ولا نسخ، هل أشفق من أن لا تقبلوه، لأنه إنما أرسل ليقوي أيديكم على أهل فلسطين، وليردكم إلى شرع التوراة؟ ومن هذه صفته، فأنتم أسبق الناس إلى الإيمان به، فليس خوفه من تكذيبكم إلا لمن ينسخ مذهبكم، ويغير أوضاع ديانتكم، فالوصية بالإيمان به مما لا يستغني مثلكم عنه، ولذلك لم يكن بموسى حاجة إلى أن يوصيكم بالإيمان بنبوة "أرميا" و "أشعيا" وغيرهما من الأنبياء، وهذا دليل على أن التوراة أمرتكم بهذا الفصل، بالإيمان بالمصطفى وأتباعه. ثم قال: في "بذل المجهود" تحت عنوان الإشارة إلى ذكر محمد ﷺ ، في التوراة ما حاصله: قال في الجزء الثالث من السفر الأول من التوراة مخاطبًا لإبراهيم الخليل: وأما إسماعيل فقد قبلت دعاءك، فإني قد باركت فيه، وأثمره وأكثره جدًا جدًا، ثم قال في الجزء الثالث من السفر الأول عن التوراة مخاطبًا لإبراهيم ﵇: "وليشماعيل شمعيتخا هِنِّي براخْتى أوثو وهِفْريتي أوثو وهِرْ بيتي أوثو بمادماد" فهذه الكلمة: "بمادماد" إذا عددنا حساب حروفها بالجمل (١) بلغت اثنين وتسعين، وذلك عدد حروف اسم محمد، وإنما جعل ملغزًا في هذا الموضع لئلا تبدله اليهود، وتسقطه من التوراة، كما صنعوا في غيره. فإن قيل: إن كثيرًا من الكلمات في التوراة إذا أخذت حسابها بالجمل بلغت هذا العدد، وهذا دليل على أن عدد هذه الكلمة حصل اتفاقًا لا قصدًا. قلنا: لا نسلم ذلك لأن هذه الكلمة جاءت في معرض الشرف لإسماعيل ﵇، والوعد من الله تعالى لإبراهيم بما يكون من شرف إسماعيل، وليس في التوراة آية ثانية بهذا الصدد حتى يكون لها أسوة بها، وأيضًا ليس في التوراة كلمة معناها جدًا جدًا تساوي أعداد حروفها اسم محمد في العدد الحسابي، فليس بعجيب أن تتضمن الإشارة إلى شرف أولاد إسماعيل، وعظم قدرهم، ورفعة بيتهم.

стр. 190

وأيضًا فإن التوراة ناطقة بالإشارة إلى محمد ﷺ ، ففي الفصل العشرين من السفر الخامس ما معناه بالعربية: أن الله تجلى من طور سيناء، وأشرق نوره من سيعير، وطلع في فاران، واليهود يعلمون أن سيناء هو جبل الطور، وأن سيعير هو من جبال الشراة، الذي كان فيه بنو العيص الذين آمنوا بالمسيح، لكنهم لا يعلمون أن فاران هو جبل مكة، وهذا جحود منهم حيث إن التوراة صرحت بتفسيره، حيث قالت ما معناه: وأقام، يعني إسماعيل، في برية فاران، ذلك قولها: "وييسب بمذبار فاران" وإذا كانت التوراة فيما سبق أشارت إلى نبوة تنزل على جبل فاران، لزم أن تلك النبوة تنزل على ولد إسماعيل، لأنهم سكان ذلك الجبل، وقد علم الناس قاطبة أن المشار إليه بالنبوة من ولد إسماعيل، هو محمد ﷺ ، وأنه بعث من مكة التي كان فيها مقام إبراهيم وإسماعيل، فيدل ذلك على أن جبال فاران هي جبال مكة، وأن التوراة أشارت في هذا الموضع إلى نبوة المصطفى ﷺ ، وبشرت به، إلا أن اليهود لجهلهم وضلالهم، لا يحسنون (١) الجمع بين هاتين العبارتين من الآيتين، بل يسلمون المقدمتين، ويجحدون النتيجة، وقد شهدت عليهم التوراة بأنهم شعب عادم الرأي، وليس فيهم فطانة فإنها قالت: "كي بمو أو باذ عيصوث هيّمَا وأين باهَيم تبونا". وإذا تاملت قوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾ [التين] تجدها تشير إلى الآية السابقة من التوراة، لأن سيعير كانت محل أشجار التين، والمسجد الأقصى هو مسجد الزيتون، وطور سينين معلوم أنه الذي كلم موسى، والبلد الأمين هو فاران، فحقق ذلك. ولما نهى الله اليهود عن الكفر بالآيات نهاهم عن الحامل عليه، فقال: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا﴾، أي: لا تستبدلوا ﴿بِآيَاتِي﴾ التي تعلمونها في الأمر باتباع هذا النبي الكريم ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ وهو رئاسة قومكم وما تأخذونه من الملوك وغيرهم، وأشار

стр. 191

تعالى بقوله: ﴿قَلِيلًا﴾ إلى أن الفاني بأجمعه، قليل بالنسبة إلى اليسير الباقي، ﴿وَإِيَّايَ﴾ خاصة ﴿فَاتَّقُونِ﴾، أي: اجعلوا لكم وقاية من إنزال غضبي، فالتقوى نتيجة الرهبة، كما أن هذه الأفعال نتيجة ما في الرهبة. ثم قال تعالى ينهاهم عن تبديل كتابهم المنزل على نبيهم، فقال: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾. فقوله: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ﴾، أمر بترك الكفر والضلال، وقوله: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾، أمر بترك الإغواء والإضلال، فالمناسبة بين الآيتين ظاهرة، ولا يخفى أن إضلال الغير ليس له إلا طريقان: أحدهما: أن يكون قد سمع دلائل الحق، وهذا هو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾. ثانيهما: أن يكون بحيث لم يسمع شيئًا من دلائل الحق، فإضلاله إنما يكون بإخفاء تلك الدلائل عنه، ومنعه من الوصول إليها، وهذا هو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾، والمعنى: ولا تكتبوا في التوراة ما ليس منها، فيختلط الحق المنزل بالباطل، الذي كتبتم، حتى لا يميز بين حقها وباطلكم، فالباء حينئذ صلة. وإن جعلتها للاستعانة، كان المعنى: ولا تجعلوا الحق ملتبسًا مشتبهًا بباطلكم الذي تكتبونه، وكتمانهم الحق أن يقولوا: لا نجد في التوراة صفة محمد ﷺ أو لا نجد حكم كذا، أو يمحوا ذلك ويكتبوه على خلاف ما هو عليه، وأنتم في حال علمكم أنكم لابسون كاتمون، وهو أقبح لهم، لأن الجهل بالقبيح ربما عذر راكبه. وهذا الخطاب وإن كان واردًا في بني إسرائيل، فهو تنبيه لسائر الخلق، وتحذير من مثله، فصار الخطاب وإن كان خاصًا في الصورة، لكنه عام في المعنى، وأنت ترى كثيرًا من الذين يروجون مقاصدهم يؤولون الأدلة، ويحيلونها إلى وجه بعيد، ويكتمون الحق ويسترونه بالباطل، حتى إذا كانت الأدلة لهم، قاموا في تأييدها ونصرتها، وإن كانت عليهم حرفوها وبدلوها، ونبذوها وراء ظهورهم، فكتموا الحق تارة، وَلبسوه بالباطل تارة ثانية.

стр. 192

ولما فرغ سبحانه من أمر أهل الكتاب بالإيمان بالله، والنبي والكتاب الذي هو من الهدى الآتي إليهم، المشار إلى ذلك كله بالإيفاء بالعهد عطف بقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾. أي: حافظوا معاشر اليهود على صلاة المسلمين، وزكاتهم واركعوا مع الراكعين منهم، لأن اليهود لا ركوع في صلاتهم، ولك أن تجعل الركوع هنا بمعنى الخضوع لله بالطاعة، فيكون هذا من الله لمن ذكر من أحبار بني إسرائيل ومنافقيها بالإنابة والتوبة إليه، وبإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والدخول مع المسلمين في الإسلام، والخضوع له بالطاعة، وأما الزكاة فمعناها: التطهير، لأنها تطهير لما بقي من مال الرجل، وتخليص له من أن تكون فيه مظلمة لأهل السهمان. ولما أمر علماءهم بما تركوا من معالي الأخلاق، من الإيمان والشرائع، بعد أمرهم بذكر ما خصهم به من النعم، ونهاهم عما ارتكبوا من سفسافها من كفر النعم، ونقض العهود وما تبع ذلك، وكانوا يأمرون غيرهم بما يزعمون أنه تزكية، وينهون عما يدعون أنه تردية، أنكر عليهم ترغيبًا فيما ندبهم إليه، وحثهم عليه، وتوبيخًا على تركه بقوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾. فالهمزة للتقرير مع التوبيخ والتعجب من حالهم ، و"الأمر" هو: الإلزام بالحكم، و "البر" هو: التوسع في أفعال الخير، وكل طاعة لله تعالى تسمى برًا والمعنى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ﴾ بطاعة الله وتتركون ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ تعصيه، فهلا تأمرونها بما تأمرون به الناس من طاعة ربكم، وقد عيرهم بذلك، وقبح إليهم قبيح ما أتوا به، ومعنى نسيانهم في هذا الموضع، نظير النسيان الذي قال الله جل ثناؤه: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، بمعنى: تركوا طاعة الله فتركهم الله. وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾، تبكيت، مثل قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾،

стр. 193

والمعنى: وأنتم تدرسون وتقرؤون التوراة، وفيها الوعيد على الخيانة وترك البر، ومخالفة القول العمل، ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ يعني: أفلا تفطنون لقبح ما أقدمتم عليه، حتى يصدكم استقباحه عن ارتكابه، وكأنكم في ذلك مسلوبو العقول، لأن ما أتيتكم به تأباه العقول، وتدفعه. وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ , أعظم منبه على أن من حكم التوراة اتباعه ﷺ ، ومشير إلى أن المعصية من العالم، أقبح منها إذا صدرت من غيره، وذلك أن من وعظ الناس وأظهر علمه للخلق، ثم لم يتعظ صار ذلك الوعظ سببًا لرغبة الناس في المعصية، لأن الناس يقولون: إنه مع هذا العلم لولا أنه مطلع على أنه لا أصل لهذه التخويفات، لما أقدم على المعصية، فيكون هذا داعيًا لهم إلى التهاون بالدين، والجرأة، على المعصية. فإذا كان غرض الواعظ الزجر عن المعصية، ثم أتى بفعل يوجب الجرأة عليها، كان قد جمع بين متناقضين، وذلك لا يليق بأفعال العقلاء. وأنت خبير بأنه ما قاد الأمة في الأزمان المتأخرة إلى الانحطاط، إلا اتباع علمائهم خطة بني إسرائيل، فتراهم إذا لاح لهم نفع دنيوي تحيلوا له بكل حيلة، ونسوا ما هو مسطور في الكتاب العزيز، وفي سنة الرسول ﷺ ، وإذا لم يكن لهم من أمر نفع دنيوي أقاموا النكير، واحتجوا بالآيات وبالسنن، وأظهروا أنفسهم في مصاف الزاهدين المتقين. ثم إنه تعالى لما أنكر على بني إسرائيل اتباع الهوى، أرشدهم إلى دوائه بأعظم أخلاق النفس، وأجل أعمال البدن، فقال عاطفًا على ما مضى من الأوامر: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾. أي: ﴿وَاسْتَعِينُوا﴾ على إظهار الحق، والانقياد له ﴿بِالصَّبْرِ﴾ على كل ما كرهته نفوسكم من طاعة الله، وترك معاصيه. وأصل الصبر: منع النفس محابها وكفها عن هواها، فهو ضياء للقلوب تبصر به ما يخفيه عنها الجزع من الخروج عن

стр. 194

العادة، فيما تنزع إليه الأنفس، ﴿وَ﴾ استعينوا بـ ﴿الصَّلَاةِ﴾ التي هي تواضع للخالق، واشتغال بذكر الله تعالى، فهى الموصلة إلى المقام الأعلى، فإن قيل: كيف أمر بني إسرائيل بالصلاة وهم ينكرونها، ومن أنكر شيئًا لا يكاد يقال له: استعن به، قلنا: الجواب من وجهين: أحدهما: أن المعنى، كان الله يقول لهم: اتركوا الجحود والإباء، عن الإيمان بمحمد ﷺ ، ﴿وَاسْتَعِينُوا﴾ على ذلك الترك ﴿بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾، فإنكم تفلحون حينئذ، فيكون الأمر بالاستعانة أمرًا بالإيمان ضمنًا. والثاني: أنا لا نسلم إنكارهم لأصل الصلاة، وإنما حصل الاختلاف في الكيفية، فإن صلاة اليهود واقعة على كيفية ثانية، وإذا كان متعلق الأمر هو الماهية التي هي التواضع للخالق، والاشتغال بذكره الذي هو القدر المشترك، زال الإشكال. ولهذا يقال: لما أمرهم تعالى بالإيمان، وبترك الإضلال، وبالتزام الشرائع وهي الصلاة والزكاة، وكان ذلك شاقًا عليهم لما فيه من ترك الرياسات، والإعراض عن المال والجاه، لا جرم عالج هذا المرض، فقال: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا﴾ أي: الصلاة، ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ لشاقة ثقيلة ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾، لأنهم يتوقعون ما ادخره الله تعالى للصابرين على متاعبها فتهون عليهم، كما أشار تعالى إلى ذلك بقوله: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ أي: يتوقعون لقاء ثوابه، ونيل ما عنده، ولذلك فسر ﴿يَظُنُّونَ﴾: بـ: "يتيقنون". وأما من لم يوقن بالجزاء، ولم يرج الثواب، كانت عليه مشقة خالصة، فثقلت عليه كالمنافقين والمرائين بأعمالهم، ومثله من وعد على بعض الأعمال والصنائع أجرة زائدة على مقدار عمله، فتراه يزاول العمل برغبة ونشاط وانشراح صدر، ومضاحكة لحاضريه، كأنه يستلذ مزاولته، بخلاف حال عامل يتسخره بعض الظلمة. وخصت الصلاة بالكبر دون الصبر، لأن الصبر صغار للنفس، والصلاة وجهة للحق، والله هو العلي الكبير، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ فعبر بالظن عن

стр. 195

العلم، تهويلًا للأمر وتنبيهًا على أنه يكفي العاقل في الحث على ملازمة الطاعة، ظن لقاء الملك المطاع المرجو المخوف، فكيف والأمر متيقن لا مراء فيه، ولا تطرق للريب إليه؟ ! ويجوز أن يراد ظن الموت في كل لحظة، فإنه إذا كان على ذكر من الإنسان أوجب له السعادة، والمراد من الرجوع إلى الله تعالى، الرجوع إلى حيث لا يكون لهم مالك سواه، وأن لا يملك لهم أحد نفعًا ولا ضرًا غيره، كما كانوا كذلك في أول الخلق، فجعل مصيرهم إلى مثل ما كانوا عليه، أولًا رجوعًا إلى الله، من حيث كانوا في سائر أيام حياتهم قد يملك غيره الحكم عليهم، ويملك أن يضرهم وينفعهم، وإن كان تعالى مالكًا لهم في جميع أحوالهم. ولما كان الغالب على أكثر الناس الجمود، كرر النداء لهم مبالغة في اللطف بهم إثر التوجيه والتخويف، فقال: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)﴾. أي: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، الذي أكرمته وأكرمت ذريته من بعده بأنواع الكرامة، ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾، ثم فخم أمر تلك النعمة بقوله: ﴿الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، بإنزال الكتب، وإرسال الرسل، ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾ فزدتكم من حظوة جانب القرب والرفعة، فيما يقبل الزيادة والنقصان منه ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، وهم: من كان قد برز إلى الوجود في ذلك الزمان بالتخصيص بذلك دونهم، ولا يدخل في هذا من لم يكن برز إلى الوجود في ذلك الزمان، وكذلك كل تفضيل يقع في الكتاب والسنة، وذلك لأن العالم من شمله الوجود، لا ما أحاط به العلم بعد، لأن ذلك لم يرفع علم وجوده في الشهود، وفيه إشعار بأنهم كما فضلوا هم على عالمي زمانهم فليس ذلك بمقصور عليهم، بل كذلك يفضل المسلمون في زمان نبوتهم على بني إسرائيل، وعلى جميع الموجودين في زمانهم. وهذا أولى من قول العلامة صاحب الكشاف: ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: على الجم الغفير من الناس، كقوله تعالى: ﴿بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١)﴾ [الأنبياء: ٧١]، يقال: رأيت عالمًا من الناس، ويراد الكثرة، ثم إنه من المعلوم أن جميع ما

стр. 196

خاطب الله به بني إسرائيل تنبيه للمسلمين، لأن الفضيلة بالنبي قد لحقتهم، وجميع أقاصيص الأنبياء، تنبيه وإرشاد، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]. وحيث انتهى الخطاب إلى تذكر ظاهرة النعمة، بعد التذكير بباطن الفضيلة، لم يبق وراء ذلك إلا التهديد بوعيد الآخرة، عطفًا على تهديد يقتضيه الإفهام، بتغيير ما بقي عليهم من النعمة في الدنيا، فكأن مفهوم الخطاب: فاحذروا أن يصيبكم مثل ما أصاب المؤاخذين في الدنيا، فقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾. أمرهم بأن يتقوا، وهو من وقيت الشيء أقيه، إذا صنته، وسترته عن الأذى، والمتقَى إنما هو الجزاء الواقع في يوم القيامة، وإنما حذفه وأقام اليوم مقامه تفخيمًا له، وتنبيهًا على أن عقابه لا يدفع، كما يدفع ما في غيره بأنواع الحيل، وذلك اليوم هو من العظمة بحيث ﴿لَا تَجْزِي﴾، أي: تقضي وتغني فيه ﴿نَفْسٌ﴾، أيُّ نفس كانت، ﴿عَنْ نَفْسٍ﴾، كذلك من الجزاء، ولا تقضي عنها ﴿شَيْئًا﴾ من الحقوق، ولما كان الإجزاء قد يكون بنفس كون المجزى موجودًا، وهو بحيث يخشى أن يسعى في النكال بنوع حيلة، فتتحرك القلوب لإجابته، وفك أسره، فيحمل ذلك مَنْ أسره على إطلاقه، وقد يحتال بالفعل إلى التوصل إلى فكه في خفية، بسرقته أو فتح سجنه، أو نحو ذلك، وكانت وجوه الإجزاء المشهور ثلاثة، عطفها على الإجزاء الأعم منها، ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا﴾ أي النفس الأولى أو الثانية ﴿شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ تبذله غير الأعمال الصالحة. والعدل في كلام العرب: الفدية، وقال قتادة: لو جاءت بكل شيء لم يقبل منها.

стр. 197

ولما كان عدم النصرة للجمع يستلزم عمومها للمفرد بطريق الأولى، جمع فقال: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾، أي: لا يتجدد لهم نصر يومًا ما ممن ينقذهم قهرًا كائنًا ما كان، فلا ينصرهم ناصر، كما لا يشفع لهم شافع، ولا يقبل منهم عدل ولا فدية. بطلت هنالك المحاباة واضمحلت الرشى والشفاعات، وارتفع من القوم التعاون والتناصر، وصار الحكم إلى العدل الجبار، الذي لا ينفع لديه الشفعاء والنصراء، فيجزي بالسيئة مثلها، وبالحسنة أمثالها. والنصر يراد به المعونة، ويراد به الإغاثة والانتقام، فقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾، يحتمل هذه الوجوه، هذا وقد أورد صاحب الكشاف اعتراضًا، وأجاب عنه على مقتضى مسالكه (١) فقال: فإن قلت: هل في الآية دليل على أن الشفاعة لا تقبل للعصاة؟ قلت: نعم، لأنه نفى أن تقضي نفس عن نفس حقًا أخلت به من فعل أو ترك، ثم نفى أن يقبل منها شفاعة شفيع، فعلم أنها لا تقبل للعصاة. وأجاب المخالفون لمسالكه بأن الضمير في قوله تعالى: ﴿مِنْهَا﴾، إما أن يجعل راجعًا للنفس الأولى، أو الثانية، فإن جعل راجعًا إلى النفس الثانية، وهي العاصية، كان معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾، أنها إن جاءت بشفاعة شفيع لا يقبل منها، وحينئذ لا دليل في الآية على إنكار الشفاعة للعصاة، غاية الأمر أن الشفيع الذي تأتي به النفس العاصية لا يقبل منها، وإن جعل الضمير عائدًا على النفس الأولى، ثم السؤال، إذ المعنى حينئذ إما أن يقال: إن الدليل إذا طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال، أو يقال بأن الآيات القرآنية تدل على أن للحساب مواطن، فبعضها لا تقبل فيه شفاعة أصلًا، وبعضها تكون الشفاعة فيه مقبولة، فتحمل الآيات على المواطن، وعلى أن العاصي أحق بالشفاعة من غيره. ولما قدم تعالى ذكر نعمه على بني إسرائيل إجمالًا، بين بعد ذلك أقسام تلك النعم على سبيل التفصيل، ليكون أبلغ في التذكير، وأعظم في الحجة فقال:

стр. 198

﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)﴾. أي: واذكروا ﴿إِذْ نَجَّيْنَاكُمْ﴾ وهو من التنجية، وهي: تكرار النجاة، أي: خلصناكم المرة بعد المرة. ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ من أهله، وأوليائه وأتباعه، الذين عزموا على إهلاككم، وأصل السوم من: سام السلعه إذا طلبها، فكأنه هنا بمعنى يبغونكم، ويقال: سامه خسفًا: إذا أولاه ظلمًا، و ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ أشده وأفظعه، كأنه قبحه بالإضافة إلى سائره، ثم بينه بقوله: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾، فكانوا يقتلون الصبيان ويتركون النساء أحياء، سواء الكبار منهن والصغار في ذلك، ويدل على هذا التفسير: أن الله تعالى أمر أم موسى أن ترضعه، فإذا خافت عليه تلقيه في التابوت، ثم تلقيه في اليم، ولو لم يكن آل فرعون لم يقتلوا سوى الأطفال لما أمرَ الله أم موسى بذلك، ثم قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ﴾، أي: وفي الذي فعلنا بكم من إنجائنا إياكم مما كنتم فيه من عذاب آل فرعون إياكم على ما وصفت ﴿بَلَاءٌ﴾ لكم ﴿مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾، والبلاء: النعمة، أي: نعمة من ربكم عظيمة. ولما كان ما فعل بهم في البحر إهلاكًا للرجال، وإبقاءً للنساء، طبق ما فعلوا ببني إسرائيل عقبه به، فقال: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)﴾. أي: واذكروا ﴿إِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾، فصلنا بين بعضه وبعض، حتى صارت فيه مسالك لكم، وتلك المسالك كانت اثنتي عشرة على عدد الأسباط، وقوله ﴿بِكُمُ﴾ معناه: بسببكم، عقب إخراجنا لكم من أسر القبط، فأنجيناكم، وهو مأخُوذٌ من الإنجاء الذي هو الإسراع في الرفعة عن الهلاك، إلى نجوة الفوز، ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ في البحر ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ إسراعه إليهم في انطباقه عليهم. وقد ذكر المفسرون هنا حكايات مختلفة، وقصصًا متباينة، ولنذكر منها ما نطق به الكتاب العزيز، وذلك أن الله تعالى أوحى إلى موسى ﵇:

стр. 199

﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ [طه: ٧٧، والشعراء: ٥٢] أي: أخرجهم ليلًا، فلما سرى بهم بلغ ذلك فرعون، فلم يتهيأ له اللحاق بهم إلى شروق الشَّمس، كما قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠)﴾ [الشعراء] فساروا في طلبهم حتَّى أدركوهم، ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ ونظر بعضهم إلى بعض، ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء] فواقعون في قبضة أعدائنا. فـ ﴿قَالَ﴾ لهم موسى: ﴿كَلَّا﴾ لا يدركوننا، وإني خرجت بأمر من ربي، وهو ﴿مَعِيَ﴾ - معية حفظ ومعونة- ﴿سَيَهْدِينِ﴾، سيدلني على طريق النجاة من الأعداء، ثم وقفوا متحيرين، البحر أمامهم والعدو من ورائهم، فأوحى الله ﴿إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾، فلما ضرب حسبما أمره الله تعالى، ﴿فَانْفَلَقَ﴾ وانشق فرقًا ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ﴾ أي: كالجبل ﴿الْعَظِيمِ﴾، ثم هبت الرِّيح فيبست الطرق، وتيسر سلوكها، فسلك كل سبط من أسباط بني إسرائيل طريقًا، فلما رأى فرعون وجنده الطرق طمع في سلوكها، فأتبعهم ودخل البحر، حتَّى إذا خرج بنو إسرائيل إلى الساحل، وصار فرعون وقومه في البحر، انضم الماء بعضه إلى بعض فغرقوا. وللمفسرين هنا حكايات منقولة عن الإسرائيليات، أضربنا عنها لأن العقل لا يسلم بأكثرها، حتَّى إنَّها مخالفة للتوراة التي هي اليوم بالأيدي، وإليك إشارة إلى بعضها لتعلم مكان الباقي، وذلك أن الفخر الرَّازي، وابن جرير الطبري، وغيرهما من المولعين بنقل الإسرائيليات، حكوا: أن فرعون لما أصبح صباح الليلة التي سار فيها بنو إسرائيل، دعا بشاة فذبحت، ثم قال: لا أفرغ من أكل كبد هذه الشَّاة حتَّى يجتمع إليّ ستمئة ألف من القبط، فعلى رواية ابن جرير: لم يفرغ من كبدها حتَّى اجتمع إليه ستمئة ألف من القبط، وقال الرَّازي: قال قتادة: اجتمع إليه ألف ألف ومئتا ألف نَفسِ، كل واحد منهم على فرس حصان. فانظر أيها العاقل المنصف إلى هذه المبالغة التي يتبرأ منها العقل، وتأمل كيف يمكن أجمع، هذا الجمع العظيم على خيولهم في مدة أكل كبد الشاة، وأنت تعلم أن أعظم ملوك الأرض اليوم الذي مِلك فرعون بالنسبة إلى ملكه جزء صغير،

стр. 200

لا يقدر على جمع ربع هذا العدد في مدة أسبوع، مع وجود السفن البخارية البرية، والبحرية، وانتظام الطرقات والأسلاك الناقلة للأخبار بالسرعة، وانظر أي برية تسع هذا الجيش، وأي طريق يمكنه السير به، وهم على أفراسهم البالغة مثل عددهم، وإذا فرضنا أن طريقًا يسعهم فانظر أين يكون أولهم، وأين يصير آخرهم. وقالوا أيضًا: إن بني إسرائيل كانوا يومئذٍ ستمئة ألف، لأنهم كانوا اثني عشر سبطًا كل سبط خمسون ألفًا، وهذا أيضًا بعيد التصديق إذا رجحنا ما قاله ابن خلدون: من أن الذي بين موسى وإسرائيل إنَّما هو أربعة آباء، على ما ذكره المحققون، وقال المسعودي: دخل إسرائيل مصر مع ولده الأسباط، وأولادهم حين أتوا إلى يوسف سبعين نفسًا (١)، وكان مقامهم إلى أن خرجوا من مصر مع موسى ﵇ إلى التيه مئتين وعشرين سنة، تتداولهم ملوك القبط من الفراعنة، ويبعد أن يتشعب النسل في أربعة أجيال إلى مثل هذا العدد، انتهى. وكذلك إذا اعتبرنا نسخة التوراة التي بأيدينا اليوم فإنَّها تقول: وأمَّا إقامة بني إسرائيل التي أقاموها في مصر، فكانت أربعمئة وثلاثين سنة، كان الأمر بعيدًا أيضًا، ولا يتشعب النسل في هذه المدة إلى مثل هذا العدد، اللَّهم إلَّا إلى المئين والآلاف، فربما يكون، وأما أن يتجاوز إلى ما بعدهما من عقود الأعداد فبعيد، واعتبر ذلك في الحاضر المشاهد والقريب المعروف، تجد هذا الزعم كاذبًا والنقل باطلًا، وكذلك نجد لقومنا من الغلو في الحكايات الإسرائيلية ما ليس عند الإسرائيلين أنفسهم. وهذه النعمة التي ذكر الله تعالى بها بني إسرائيل، من أعظم النعم الحاصلة لهم بعد الإيمان, لأنَّها نقلتهم من الاستعباد إلى فضاء الحرية، ومن حكم الأغيار إلى حكم أنفسهم، وجعلتهم ملوكًا بعد أن كانوا أرقاء، وأرجعتهم إلى أوطانهم التي نشأ بها سلفهم، وأهلك عدوهم أمام أعينهم.

стр. 201

فنسأله تعالى أن يخلص المسلمين من أسر الكفرة الأشرار، وأن لا يولي عليهم غير أهل دينهم وملتهم. ثم إنَّه تعالى ذكر الإنعام الثالث بقوله: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢)﴾. لما خرج موسى ﵇ بقومه وصار عند جبل سيناء، بعد أن حارب "عماليق" وانتصر عليه، جلس يومًا ليقضي بين النَّاس، فمكث من الصباح إلى المساء، والنّاس أمامه وقوفًا، وكان "يثرون" كاهن مدين، أحد أقارب زوجة موسى جالسًا معه، فقال له: ما بال الشعب واقفًا هذه المدة، فقال موسى: إنَّما يأتيني لأقضي بينه، فقال يثرون: إن هذا الأمر أعظم منك، لا تستطيع أن تصنعه وحدك، بل علم القوم الفرائض والشرائع، وعرفهم الطَّريق الذي يسلكونه، والعمل الذي يعملونه، وانظر إلى ذوي القدرة الأمناء الخائفين الله تعالى، المبغضين للرشوة، واجعلهم رؤساء ألوف، ورؤساء مئين، ورؤساء خمسين، ورؤساء عشرات، فيقضون للشعب كل حين، واجعلهم قضاة للشعب في الدعاوي الصغيرة، وأمَّا الدعاوي الكبيرة فتكون أنت الذي يقضي بها، فحينئذ طلب موسى ﵇. هذا ما يؤخذ من التوراة التي بأيدينا اليوم. وقال صاحب الكشاف: لما دخل بنو إسرائيل مصر بعد هلاك فرعون، ولم يكن لهم كتاب ينتهون إليه، وعد الله موسى أن ينزل عليه التوراة، وضرب له ميقاتًا، ذا القعدة وعشر ذي الحجة، انتهى. وقيل: أربعين ليلة لأنَّ الشهور غرّرها بالليالي، فالأربعون ليلة كلها داخلة في الميعاد. والأول أقرب للصواب، وكل قوم أعلم بتاريخهم من غيرهم.

стр. 202

وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى﴾، قرئ ﴿وعدنا﴾ بدون ألف، و ﴿واعدنا﴾ بالألف، فأمَّا بغير ألف، فوجهه ظاهر، لأنَّ الوعد كان من الله تعالى، وأمَّا بالألف فهو من باب المفاعلة، وهي لا تكون إلَّا بين اثنين، فيقال: إن الوعد وإن كان من الله تعالى، فقبوله كان من موسى ﵇، وقبول الوعد يشبه الوعد، لأنَّ القابل للوعد لا بد وأن يقول: أفعل ذلك، أو يقال: إن الله وعد موسى الوحي، وموسى وعد الله المجيء للميقات إلى الطور. وأعلم أن للمفسرين هنا كلامًا في اشتقاق لفظ ﴿موسى﴾ كأن البعض منهم ظن أن هذه اللفظة عربية، وهذا شأنهم في كثير من الألفاظ، والصحيح أن موسى لفظة عبرانية، ففي الإصحاح الثَّاني من سفر الخروج من التوراة: أن موسى لما فطم جاءت به مرضعته إلى ابنة فرعون، فصار لها ابنًا، ودعت اسمه موسى، وقالت: إنِّي انتشلته من الماء، فدَّل على أن هذا اللفظ مركب من كلمتين عبرانيتين الأولى "مو" وهو الماء والثانية "سى" وهو الشجر, لأنَّه وجد بين شجر الحَلفاء في الماء. فلما خرج موسى إلى الميعاد، استخلف أخاه هارون على بني إسرائيل، وقال له: إنِّي متعجل إلى ربي فـ ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ ... ﴿وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾ [الأعراف]، ثم إنهم في أيَّام مواعدة موسى اتخذوا العجل إلهًا كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ بإشراككم. وذلك أن موسى لما خرج إلى الميعاد استبطأه قومه، وكان معهم مال من أموال القبط، وكان موسى أمرهم بقذفها، فاستبقى السامري- وهو رجل من قومه- بقية من تلك الأموال من أثر الرسول، الذي هو سيدنا موسى ﵇، وذلك كما أخبر تعالى عنه بقوله: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ [طه: ٩٦] والأثر: ما بقي من رسم الشيء، فصنع منه عجلًا من الذَّهب، وجعله على نسبة هندسية، قال ابن عباس كما رواه عنه ابن جرير الطبري: كان الرِّيح يدخل من دبره ويخرج من فيه، فيسمع له صوت آه، فكان من أجل ذلك

стр. 203

له خوار, أي: صياح، فلما رآه بنو إسرائيل قالوا: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨)﴾ [طه] كما أخبر تعالى عن ذلك في سورة طه، وسيأتي تمام الكلام هناك إن شاء الله تعالى. ثم أعقب تعالى بعد بيان ما ارتكبوه بجهلهم، قوله: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾، أي: تركنا معاجلتكم بالعقوبة، ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾، أي: من بعد اتخاذكم العجل إلهًا ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، أي: لأجل أن تشكروا، فـ "لعل" معناها هنا التعليل كما قاله الأخفش والكسائي. وحملوا عليه: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ [طه]. ومن لم يثبت ذلك يحمله على الرجاء. وهذه القصة تدل على أن القوم، كانوا لا يزال فكر فرعون مؤثرًا عليهم، بادعاء الحلول، فلما رأوا ذلك العجل فَطِنوا لما كمن في طبائعهم من الحلول، فعبدوا العجل، وكذلك كل فرقة يبقى في أفكارها شيء من هذه العقيدة سرعان ما تميل إليه، وتترك الدين الخالص، وأعلم أن ما أفسد الشرائع وأخرج النَّاس عن الصراط المستقيم، إلَّا هذه القاعدة الشيطانية، ففكر في أمر الفرق والأديان والملل والنحل، واجعل هذه القاعدة أساس البحث، تجد صدق هذا القول. وفي هذه القصة تحذير عظيم من التقليد والجهل بالدلائل، فإن أولئك الأقوام، لو أنهم عرفوا الله بالدليل معرفة تامة، لما وقعوا في شبهة السامري، وكذلك في كل زمان سامري يتحيلُ لإلقاء الشبه بين المؤمنين، ويدعو إلى الحلول، فبينّ الله تعالى هذه القصة ليعتبر بها الذين يصغون لحيل المارقين الملبّسين على الأمة، وأيضًا فإن أشد النَّاس مجادلة للنبي ﷺ ، في أيامه، كانوا اليهود، وكانوا هم أشد أعدائه، فكأنه تعالى قال: إن هؤلاء إنَّما يفخرون بأسلافهم، ثم إن أسلافهم كانوا في البلادة والجهالة والعناد إلى هذا الحد، فكيف هؤلاء الأخلاف - والظلم في أصل اللغة: النقص- والمعنى: أنهم لما تركوا عبادة الخالق المحيي المميت، واشتغلوا بعبادة العجل، صاروا ناقصين في خيرات الدين والدنيا.

стр. 204

ثم ذكر الله تعالى الإنعام الرابع على بني إسرائيل فقال: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)﴾. ﴿الْفُرْقَانَ﴾ هو: الكتاب الذي فرق به بين الحق والباطل، وهو نعت للتوراة وصفة لها، فيكون الكتاب نعت للتوراة أقيم مقامها، استغناء به عن ذكر التوراة، ثم عطف عليه بالفرقان، إذ كان من نعتها، كذا نقل معناه عن ابن عباس، ويدل على صحته ذكر الكتاب، وأن معنى الفرقان: الفصل. وقوله ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، لتهتدوا على ما مر في قوله تعالى ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ثم ذكر تعالى الإنعام الخامس بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾. تأويل ذلك: واذكروا أيضًا ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ من بني إسرائيل: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، ظلمًا تستحقون به العقوبة ﴿بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ إلهًا من دون الله، فجعلتم أنفسكم متذللة لمن لا يملك لها نفعًا ولا ضرًا، ولمن هي أشرف منه، فأنزلتموها من رتبة عزها، بخضوعها لمولاها الذي لا يذل من والاه، ولا يعز من عاداه، بخضوعها لمن هو دونكم أنتم، هذا هو أسوأ الظلم، فإن المرء لا يصلح أن يتذلل لمثله، فكيف بمن دونه من حيوان، فكيف بما يشبه بالحيوان من جماد الذَّهب الذي هو من المعادن، وهو أخفض الكائنات رتبة، حين لم تبلغها حياتها أن تبدو فوق الأرض كالنبات من النجم، والشجر، ولما فيه من الانتفاع بما يكون منه الحب والثمر، الذي ينتفع به غذاء ودواء، والمعادن لا ينتفع بها إلَّا في الآلات والنقود، ومنفعتها إخراجها لا إثباتها. ثم أمرهم موسى بالمراجعة من ذنبهم، والإنابة إلى الله من ردتهم بالتوبة إليه، والتسليم لطاعته فيما أمرهم به، وأخبرهم أن توبتهم من الذنب الذي ركبوه قتلهم أنفسهم.

стр. 205

والبارئ معناه: التدقيق للشيء بحسب التهيؤ لصورته، وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، معناه: أن توبتكم بقتل أقاربكم، وإن كانوا آباء أو أبناء، عبر عنهم بالنفس لذلك، فكأنه يقول: اقتلوا أنفسكم التي أوجدها بارئكم فقادتكم إلى غيره، ولما كان ما أمرهم به أمرًا لا يكاد يسمح به عظم الرغبة فيه، فقال: ﴿ذَلِكُمْ﴾ الأمر العظيم، وهو القتل، ﴿خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ القادر على إعدامكم، كما قدر على إيجادكم، وفي التعبير بالبارئ ترغيب لهم في طاعته بالتذكير بالإحسان، وترهيب بإيقاع الهوان، فإن فعلتم ذلك فقد تاب عليكم مع عظم جرمكم، ثم علل ذلك بقوله: ﴿إنَّه﴾ أي: لأنه ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ , أي: ما زال هذا صفة له، لا لاستحقاق منكم عليه. واختلف المفسرون في تفسير القتل، فذهب أكثرهم إلى أن الذين لم يعبدوا العجل قتلوا الذين عبدوه، وفسروا ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ بالاستسلام للقتل. وفسر صاحب الكشاف اقتلوا أنفسكم بالبخع، وهو القتل غمًا، وظاهر التلاوة يشير إلى معنى القتل على حقيقته، وما يذكره القوم من كيفية، فإنما ظن وتخمين. ولمَّا استتيبوا من عبادة العجل الذي يضرب به المثل في الغباوة، وطلبوا رؤية بارئهم بالحس على ما له من صفات الكمال، ناسين جميع النعم والنقم، مسرعين في الكفر الذي هو من شأن الحائر، فكان من أمرهم ما أخبر به تعالى في قوله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾. هذه الآية تدل دلالة صريحة على أن القوم كانوا يعتقدون التجسيم في حق البارئ ، وعلى ذلك تدل التوراة التي بأيديهم اليوم. وقد ذكر الله تعالى معتقد أسلافهم وبلادتهم، في قوله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ﴾، بعدما رأيتم من الآيات وشاهدتم، من الأمور البينات: ﴿يَامُوسَى﴾، دعوه باسمه جفاء وغلظة كما يدعو

стр. 206

بعضهم بعضًا، وقولهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾، معناه: لن نصدقك، ولن نقر بما جئتنا به، ﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ عيانًا من غير خفاء، ولا نوع لبس برفع الساتر بيننا وبينه، وكشف الغطاء دوننا ودونه، حتَّى تنظر إليه أبصارنا، وقد ذكر الله بني إسرائيل اختلاف آبائهم، وسوء استقامة أسلافهم لأنبيائهم، مع كثرة معاينتهم لآيات الله، وعبره التي تختلج بأقلها الصدور، وتطمئن بالتصديق معها النفوس، وذلك مع تتابع الحجج عليهم، وسبوغ النعم من الله لديهم، وهم مع ذلك، مرَّة يسألون نبيهم أن يجعل لهم إلهًا غير الله، ومرَّة يعبدون العجل من دون الله، ومرة يقولون: لا نصدقك حتى نرى الله جهرة، إلى غير ذلك من أفعالهم التي نطق بها الكتاب العزيز، وآذوا نبيهم بها، وبين تعالى أن هؤلاء الموجودين حين نزول القرآن، لن يعدوا أن يكونوا كأسلافهم في تكذيبهم، وجحودهم نبوة من أنزل عليه هذا الكتاب، وتركهم الإقرار به، وما جاء به مع علمهم به، ومعرفتهم بحقيقة أمره. ثم بين تعالى ما حصل لهم من الجزاء بقوله: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ﴾، لما صدر منكم من الفظاعة وانتهاك الحرمة، ﴿الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ إليها، والصاعقة: كل أمر هائل رآه الشخص أو عاينه، أو أصابه، حتَّى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب، وإلى ذهاب عقل وغمور فهم، أو فقد بعض آلات الجسم، صوتًا كان أو نارًا أو زلزلة أو رجفًا، وما ذلك إلَّا بسبب تجرئهم على طلب ما لا يمكن حصوله، ولما كان إحياؤهم من ذلك في هذه الدار، غاية البعد وخرق العادة، عبر عنه بأداة التراخي فقال: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ﴾، أي: أحييناكم ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ بالصاعقة التي أهلكتكم، وقد فعلنا بكم ذلك لتشكروني على ما أوليتكم من نعمتي عليكم، بإحيائي إياكم، لتتمكنوا من الإيمان، ومن تلافي ما صدر منكم من الجرائم. ثم ذكر تعالى الإنعام السابع بقوله: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)﴾.

стр. 207

﴿وظللنا﴾ معطوف على قوله: [﴿بَعَثْنَاكُمْ﴾] (١)، والتأويل: ﴿ثم بعثناكم من بعد موتكم ... وظللنا عليكم الغمام﴾، وعدد عليهم سائر ما أنعم به عليهم. والغمام هو: ما غم السماء، فألبسها من سحابٍ وقتام، وغير ذلك مما يسترها عن أعين الناظرين، وكل مغطى فإن العرب تسميه مغمومًا، والمعنى: فعلنا ذلك لترقية أجسامكم، وترويح أرواحكم، وذلك أن الله سخر لهم السحاب في التيه، يسير بسيرهم، ويظلهم من الشَّمس، وأنزل عليهم ﴿المن﴾، وهو الترنجبين مثل الثلج، يسقط من طلوع الفجر إلى طلوع الشَّمس، لكل إنسان صاع، ﴿والسلوى﴾: هي طير السُّماني. وهذه الخارقة، قد كان الصّحابة ﵃ في غنية عنها، لأنهم كانوا إذا احتاجوا دعا النَّبيُّ ﷺ بما عندهم من فضلات الزاد، فيدعو فيكثره الله تعالى، حتَّى يكتفوا عن آخرهم (٢)، وأيضًا فإن بني إسرائيل كانوا يومئذٍ في التيه، لما كانوا عليه من مخالفة موسى ﵇، والصحابة ﵃ لم يخالفوا النَّبيُّ ﷺ ، في ساعة من الساعات، حتَّى يحصل لهم ما حصل لقوم موسى، أو يقاسوا عليهم، هذا والذي في التوراة أن المن شيء دقيق مثل القشور، كان كالجليد على الأرض، فكان كل واحد يلتقط منه على حسب أكله، وكانوا يلتقطونه صباحًا فصباحًا، فإذا حميت الشَّمس ذاب، إلَّا يوم السبت فكان لا ينزل، وقيل لهم: ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾، أي: كلوا من مشتهيات رزقنا الذي رزقناكموه، ﴿وما ظلمونا﴾ فيه، والتقدير: فخالفوا ما أمرناهم به، وعصوا ربهم ثم رسوله إليهم، وما ظلمونا بفعلهم ذلك ومعصيتهم، أي: ما وضعوا فعلهم ذلك وعصيانهم إيانا موضع مضرة علينا، ومنقصة لنا، ولكن هم وضعوه من أنفسهم موضع مضرة عليها ومنقصة لها. وفي هذه الآية ونحوها تحذير لمن يتلى عليهم القرآن، أن ينحوا نحو ما نحاه أولئك القوم، فيصيبهم مثل ما أصابهم، لأنَّ قصص القرآن ليس القصد منها

стр. 208

مقصورًا على ذكر الأولين فقط، بل كل قصة منه إنَّما ذكرت لما يلحق هذه الأمة في أمد يومها من شبه أحوال من قص عليهم قصصه، ولذلك تجد القصة تكرر تكررًا بحسب أهميتها، حتَّى لا ينسى ولا يجهل مكان الإشارة منها. ولما بيّن تعالى نعمه عليهم بأن ظلل لهم من الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، وهو من النعم العاجلة، أتبعه بنعمه عليهم في باب الدين، حيث أمرهم بما يمحو ذنوبهم، وبين لهم طريق المخلص مما استوجبوه من العقوبة، فقال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾. أكثر المفسرين على أن القرية المذكورة هنا، هي: بيت المقدس، وقيل: هي أريحا، يقول تعالى: ﴿وإذ قلنا﴾ لبني إسرائيل ﴿ادخلوا هذه القرية﴾، وقد أمروا بدخولها بعد الخروج من التيه، ﴿فكلوا منها﴾ من هذه القرية ﴿حيث شئتم﴾ أكلًا (رغدًا﴾، وعيشًا هنيئًا واسعًا بغير حساب، ﴿وادخلوا الباب سجدًا﴾ أي: باب القرية، وقيل: هو باب القبة التى كانوا يصلون إليها، وهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى ﵇، وليكن دخولكم حالة كونكم ساجدين شكرًا لله، وتواضعًا، ﴿وقولوا حطة﴾، أي: وقولوا دخولنا ذلك سُجدًا حطة لذنوبنا، أي: ليحط الله عنا بذلك ذنوبنا وخطايانا، فإنكم إن فعلتم ذلك ﴿نغفر لكم﴾ ذنوبكم، نتغمد بالرحمة ﴿خطاياكم﴾ ونسترها عليكم، فلا نفضحكم بالعقوبة عليها، ﴿وسنزيد المحسنين﴾، أي من كان محسنًا منكم، كانت هذه الكلمة سببًا في زيادة حسناته وثوابه، ومن كان مسيئًا كانت له توبة ومغفرة. ﴿فبدل الذين ظلموا﴾، أي: غيّر الذين فعلوا ما لم يكن لهم فعله، ﴿قولًا غير الذي قيل لهم﴾، أي: بدلوا قولًا غير الذي أمروا أن يقولوه، فقالوا خلافه، وذلك هو التبديل والتغيير الذي كان منهم، وحاصله: أنهم أمروا بقولٍ معناه: التوبة والاستغفار، فخالفوه إلى قول ليس معناه معنى ما أمروا به، ولم يمتثلوا أمر الله، وليس الغرض أنهم أمروا بلفظ بعينه، وهو لفظ "الحطة" فجاؤوا بلفظ آخر، لأنهم لو جاؤوا

стр. 209

بلفظ آخر مستقل بمعنى ما أمروا به، لم يؤاخذوا به، كما لو قالوا: مكان حطة نستغفرك ونتوب إليك، أو اللَّهم اعف عنا، وما أشبه ذلك (١). ثم بيّن أنَّه خص المبدلين بالعقاب نعمة منه، فقال: ﴿فأنزلنا على الذين ظلموا﴾، زيادة في تقبيح أمرهم، وإيذانًا بأن أنزل الرجز عليهم لظلمهم، والرجز: العذاب، وأخرج ابن جرير الطبري: أنهم هلكوا بذلك الرجز، ولم يبق منهم إلَّا الأبناء، ففيهم الفضل والعبادة والخير التي توصف في بني إسرائيل، وهلك الآباء كلهم. وقوله: ﴿بما كانوا يفسقون﴾ معناه: بما كانوا يتركون طاعة الله تعالى، فيخرجون عنها إلى معصيته، وخلاف أمره. ولما بيّن تعالي نعمته عليهم بالإمكان من القرية، بالنصر على أهلها، والتمتع بمنافعها، وختمه بتعذيبهم، أتبعه التذكير بنعمته عليهم في البرية بما يبرد الأكباد، ويحيي الأجساد، مذكرًا لهم بقدرة الصانع، فقال: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)﴾. لما عطشوا في التيه، دعا لهم موسى ﵇ بالسُقيا، والمعنى: ﴿وإذ﴾ استسقانا ﴿موسى﴾، أي: سألنا أن نسقي قومه ماء، فترك ذكر المسؤول لدلالة الكلام عليه، ﴿فقلنا﴾ له: ﴿اضرب بعصاك الحجر﴾ فضربه، ﴿فانفجرت﴾، فترك ذكر الخبر عن ضرب موسى الحجر، إذ كان فيما ذكر دلالة على المراد منه، وللمفسرين في بيان الحجر أقوال كثيرة، وليس على شيء منها دليل، غاية الأمر أن الله تعالى أخبر أنَّه قال لموسى ﵇: اضرب بعصاك الحجر، ولو كان لنا حاجة في بيانه لبينه تعالى.

стр. 210

ثم إنَّه أظهر لنبيه محمَّد ﷺ معجزة أعظم من معجزة موسى ﵇، وهي نبع الماء من بين أصابعه، وذلك أن نبع الماء إنَّما يكون من الحجر من الجبال والتلال، ومن التراب، فإن نبعه من دم ولحم فليس هذا من مظانه، فبذلك حصل الفرق بين المعجزتين. وأتى بلفظ الانفجار الذي يدور معناه على انشقاق فيه سيلان وانبعاث. وقوله: ﴿منه﴾، أي: من الحجر ﴿اثنتا عشرة عينًا﴾، لكل سبط من الأسباط الاثني عشر عين، ولما توقع السامع إخبار المتكلم، هل كانت الأعين الموزعة بينهم معروفة أو ملبسة؟ قال: ﴿قد علم كل أناس مشربهم﴾، أي: مكتفاهم من الشرب المردد مع الأيَّام، ومع الحاجات، في كل وقت، لأنَّ مفعل مصدر هنا، أو اسم محل يلزمه التكرار عليه، والتردد، فجعل سبحانه سقياهم آية من آياته في عصاه. ولما كان السياق للامتنان، قال على إرادة القول: ﴿كلوا واشربوا من رزق الله﴾، مما رزقكم من الطَّعام، وهو المن والسلوى، ومن ماء العيون، وقيل: الماء تنبت منه الزروع والثمرات، فهو رزق يؤكل منه ويشرب، وقوله: ﴿ولا تعثوا﴾، العُثِيّ أشد الفساد، أي: قيل لهم: لا تتمادوا في الفساد في حال فسادكم، لأنهم كانوا متمادين فيه. ولما امتن عليهم بالنعم المارّ ذكرها، بيّن ما كان عليه القوم من الدناءة في مطالبهم فقال: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾. لما كان القوم فلاحة، نزعوا إلى أصلهم الرديء، وأعمالهم السيئة، وإلى عادتهم وديدنهم، فبطروا ما كانوا فيه من النعمة، وطلبت أنفسهم الشقاء، وهكذا

стр. 211

كل من ربي على عادة سيئة، لا بد أن ينزع إلى عادته مهما طال فراقها، ودنيء الأصل مهما هذبته، لا بد أن يقابل النعمة بالكفران، والحسنة بالسيئة. فلذلك كان من شأنهم ما أخبر عنه تعالى بقوله: ﴿واذ قلتم﴾، أي بعد هذه النعم كلها: ﴿ياموسى﴾، منادين له باسمه من غير تعظيم، ﴿لن نصبر﴾ صبرًا طويلًا ﴿على طعام واحد﴾، أرادوا ما رزقوا في التيه من المن والسلوى، وجعلوهما طعامًا واحدًا، وإن كانا اثنين، باعتبار أن ذلك الطَّعام لا يتبدل وإن كان متعددًا، وإن كان شريفًا لا تعب فيه. أو أن المعنى كأنهم قالوا: إن المن والسلوى ضرب واحد لأنهما من طعام أهل التلذذ والترف، ونحن قوم فلاحة أهل زراعات، فما يزيد إلَّا ما ألفناه من الأشياء المتفاوتة كالحبوب والبقول، فلذلك قالوا: ﴿فادع لنا ربك يخرج لنا﴾، يظهر لنا، ويوجد ﴿مما تنبت الأرض من بقلها﴾ وهو ما تنبته الأرض من الخضر، والمراد به: أطايب البقول التي يأكلها النَّاس، ﴿وقثائها وفومها﴾ وهو الحنطة في قول أكثر المفسرين، وهو المناسب لما هنا، لأنهم أرادوا مع هذه الأشياء الخبز، وقيل: هو الثوم، وهو الموجود في نسخة من التوراة مترجمة إلى العربيَّة في القرن الثامن، وهو للعدس والبصل أوفق، وقرأ ابن مسعود: وثومها وعدسها وبصلها. ثم كأنه قيل: إن هذا العجب منهم، فما قال لهم موسى ﵇؟ فقيل: ﴿قال﴾ منكرًا عليهم: ﴿أتستبدلون﴾؟ أي: أتأخذون ﴿الذي هو أدنى﴾ في المنزلة والطعم، ﴿بالذي هو خير﴾، أي: بدله، فالباء للبدل، ثم كأنه قيل: فهل أجابهم إلى سؤالهم؟ فقيل (١): نعم، قال: ﴿اهبطوا مصرًا﴾ من الأمصار، فـ ﴿إن﴾ فيه ﴿لكم ما سألتم﴾، وينقطع عنكم المن والسلوى، و "المصر" هو: البلد الجامع لما يتعاون عليه من أمور الدُّنيا، التي تجمع هذه المطالب التي طلبوها، لأنَّ ما دون الأمصار لا يكون فيها، إلَّا بعضها، والهبوط هنا بمعنى النزول، يقال: هبط فلان الوادي، إذا نزل به، وهبط منه إذا خرج، والمعنى: انحدروا من التيه إلى مصرٍ من الأمصار.

стр. 212

ولما نظم سبحانه بنبأ موسى ﵇، ما كان من نبئهم من يوشع بعده، نظم في هذه الآية بخطاب موسى ما كان منهم بعد يوشع، إلى آخر اختلال أمرهم، وانقلاب أحوالهم من جنس المظاهرة لنبيهم، وإلى حال الاعتداء والقتل لأنبيِائهم ﵈. وفي جملته إشعار بأن ذلك لم يكن منهم، إلَّا لأجل إيثار الدُّنيا ورياستها وما لها على الآخرة، إيثارًا للعاجلة على الآجلة. وفي طيه أشد التحذير لهذه الأمة في اتباعهم لسنن أهل الكتاب في مثل أحوالهم، ولذلك انتظم بها الآية الجامعة، وابتدأ بذكر الذين آمنوا من هذه الأمة، ثم استوفى الملل التي لها صحة على ما يذكر آنفًا إن شاء الله، ولما كان التقدير: ففعلوا ما أمروا به من هبوط المصر، فكان ما وعد به، عَطَفَ عليه، قوله: ﴿وضربت عليهم الذلة﴾، ملازمة لهم محيطة بهم، من جميع الجوانب، كما يحيط البيت من الشعر المضروب على الإنسان به. والذلة: اسم الذل، وهو صغار في النَّفس عن قهر وغلبة. ﴿وضربت﴾ عليكم ﴿المسكنة﴾، وهي: ظهور معنى الذل أو التذلل على ظاهر الهيئة والصورة، سكونًا وانكفاف حراك، فسلط الله عليهم العدو، فاستأصل منهم من شاء الله، ومن بقي منهم أخذ بأنواع من الهوان، ﴿وباؤوا﴾ أي: رجعوا، وصاروا أحقاء بغضب من الله، لجرأتهم على هذا المقام الأعظم المرة بعد المرة، والكرة بعد الكرة. قال "الحرالِّي": وفيه تهديد لهذه الأمة بما غلب على أهل الدُّنيا منهم، من مثل أحوالهم، باستبدال الأدنى في المعنى من الحرام [و] المتشابه، بالأعلى من الطَّيِّب، والأطيب المأخوذ عفوًا واقتناعًا. ولما كان الغضب إنَّما يكون على من راغم الجليل في معصيته، ووقعت منهم المراغمة في معصيتهم واعتدائهم، ذكر فعلهم فقال: ﴿ذلك﴾ أي: ما تقدم من ضرب الذلة والمسكنة عليهم، وإحلاله غضبه بهم، بسبب "أنهم" كانوا أي جبلَّةً وطبعًا ﴿يكفرون﴾، أي: مجددين مستمرين في الكفر ﴿بآيات الله﴾، فالكفر: تغطية الشيء وستره، وآيات الله حججه وأعلامه وأدلته، على توحيده

стр. 213

وصدق رسله، ومعنى الكلام: أنا فعلنا بهم ذلك، من أجل أنهم كانوا يجحدون حجج الله على توحيده وتصديق رسله، ويدفعون حقيتها، ويكذبون بها. ويعني بقوله: ﴿ويقتلون النبيين بغير الحق﴾: يقتلون رسل الله الذين ابتعثهم لإنباء ما أرسلهم به عنه لمن أرسلوا إليه، وكان قتلهم لهم وهم يعتقدون أنهم معتدون عليهم، وأن قتلهم لهم كان بغير حق، وما ذلك إلا لأن الأنبياء نصحوهم ودعوهم إلى ما ينفعهم فقتلوهم، ولو سئلوا وأنصفوا من أنفسهم، لم يذكروا وجهًا يستحقون به القتل عندهم، ثم علل هذه الجرأة بقوله: ﴿ذلك﴾، أي: الأمر الكبير من الكفر والقتل، ﴿بما عصوا﴾ أي: بسبب ارتكابهم أنواع المعاصي، واعتدائهم حدود الله في كل شيء، وبما ارتكبوه من الاعتداء، وهو مجاوزة الحدود على سبيل التجدد والاستمرار، فإن من فعل ذلك مرد عليه، ومرن فاجترأ على العظائم. ولما أنهى ، نبأ أحوال بني إسرائيل، وذكر نهايته، مما بين إعلاء تكرمتهم بالخطاب الأوَّل، إلى أدنى الغضب على من كفر منهم بهذا النبأ الآخر، الذي أخبرنا بالإعراض عنهم في مقابلة الإقبال الأوَّل، وكانوا هم أول أهل كتاب، أشعر تعالى بهذا الختم أنهم صاروا قدوة لجميع من بعدهم، وأن جميع من بعدهم يكون لهم تبعًا فيما أصابهم من جميع أهل الملل الأربعة، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾. اختلف المفسرون في بيان المراد من قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا﴾، وسبب اختلافهم قوله تعالى في آخر الآية: ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ﴿البقرة: ١٢٦﴾ فروي عن ابن عباس: أن المراد بهم من آمن قبل مبعث النَّبي ﷺ ، وقال سفيان الثوري، ما معناه: أنَّه تعالى ذكر في أول السورة طريقة المنافقين، ثم طريقة اليهود، فالمراد من قوله تعالى: هم الذين يؤمنون باللسان دون القلب، وهم: المنافقون، فذكر المنافقين، ثم اليهود، ثم النصارى، ثم الصابئين، فكأنه قال: هؤلاء المبطلون كل من أتى منهم بالإيمان الحقيقي، صار

стр. 214

من المؤمنين عند الله. وقال المتكلمون: المراد منَّ ﴿الذين آمنوا﴾ هم: المؤمنون بمحمد ﷺ في الحقيقة، وهو عائد إلى الماضي، ثم قوله: ﴿من آمن بالله﴾ يقتضي المستقبل، فالمراد الذين آمنوا في الماضي وثبتوا على ذلك واستمروا عليه في المستقبل، انتهى. والذي أراه الصواب من القول في هذه الجملة [من الآية]: أن المراد من ﴿الذين آمنوا﴾، من آمن مطلقًا، سواء كان الإيمان ظاهرًا وباطنًا، أم ظاهرًا فقط، ثم إنَّه تعالى فصل في آخر هذه الآية، فأخبر أن من آمن منهم إيمانًا حقيقيًا، له أجر إيمانه عند ربهم، ومن لا، فلا، ويشهد لهذا التأويل قوله: ﴿منهم﴾ الدّالة على التبعيض، وهذا التأويل يضم إليه جميع الأقوال التي مضت عن المفسرين. و ﴿الذين هادوا﴾ معناه: تهودوا، يقال: هاد يهود وتهود، إذا دخل في اليهودية، وهو هائد والجمع هود. والنصارى قيل: سموا بذلك لأنهم نصروا المسيح، وقيل نسبة إلى قرية الناصرة. وأمَّا الصابئون فإن هذا اللفظ مأخوذٌ من صبأ، إذ خرج من الدين، والسياق يقتضي أن يكون المراد من الصابئين، كل أمة لم تتقيد بدين اليهود، أو النصارى أو المسلمين، سواء كانت من المجوس، أو من عباد الأوثان والملائكة والجن، أم من غيرهم. وقد روى ابن جرير عن مجاهد أنَّه قال: الصابئون ليسوا يهودًا ولا نصارى، ولا دين لهم. وفي "الملل والنحل" للشهرستاني يقال: صبا الرجل إذا مال وزاغ، فبحكم ميل هؤلاء عن سنن الحق، وزيغهم عن نهج الأنبياء، قيل لهم: الصابئة، وقد يقال: صبا الرجل إذا عشق وهوى، وهم يقولون: الصبوة هي الانحلال عن قيد الرجال، ومدار مذهبهم على التعصب للروحانيين، انتهى. إذا عرفت ذلك علمت أن قبسًا من هذا المذهب، سار بين أصناف البشر، فكثير منهم من يتعصب للأرواح، سواء كانت مفارقة لأجسادها، أو هي روح صرفة، فهؤلاء المذكورون في هذه الآية ﴿من آمن﴾ منهم، أي: داوم على الإيمان، إن كان مؤمنًا حقًا، أو جمع إلى الإيمان بلسانه الإيمان بقلبه، أو دخل في الإيمان إن كان كافرًا، وكان إيمانه ﴿بالله واليوم الآخر﴾،

стр. 215

فدخل في الإيمان بالله، الإيمان بما أوجبه، أعني: الإيمان برسله، ودخل في الإيمان باليوم الآخر جميع أحكام الآخرة. ثم عطف عليه قوله: ﴿وعمل صالحًا﴾، أي وصدق ما ادعاه من الإيمان باتباع شرع الرسول الذي في زمانه، بالأعمال الظاهرة، ولم يفرق بين أحد من الرسل، ولا أخل بشيء من اعتقاد ما جاءت به الكتب من الصلاح، فهؤلاء ﴿لهم أجرهم﴾ الذي وعدوه على إيمانهم وعملهم ﴿عند ربهم﴾، متيقن جاري مجرى الحاصل، ﴿ولا خوف عليهم﴾ في حال الثواب في الآخرة، ﴿ولا هم يحزنون﴾، يومئذٍ، وذلك يوجب أن يكون نعيمهم دائمًا، لأنهم لو جوزوا كونه منقطعًا لاعتراهم الحزن العظيم. ثم إنَّه تعالى، بعد أن أدخل هذه الآية أثناء قصة بني إسرائيل- لما لها من المناسبة في هذا الموضع، ولما بها من ترويح نفس القارئ لطول قصتهم، وهذا باب من البلاغة عجيب، لأنَّ القصة الطويلة إذا سردت سردًا ولم يتخللها معنى غريب، ملّ سامعها، بخلاف ما إذا تخللها بيان غرائب موضوعها - لا جرم رجع إلى قصصهم على أحسن وجه، مبينًا أن هؤلاء أغلظ النَّاس أكبادًا، وأكثرهم جرأة وعنادًا لا يرعوون لرهبة، ولا يثبتون لرغبة - أو يقال: لما قرر الله ، المذعن كائنًا من كان، تلاه بما لليهود من الجلافة الداعية إلى النفور عن خلال السعادة التي هي ثمرة العلم، وما له فسبحانه من التطول عليهم بإكراههم على ردهم إليه- فقال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤)﴾. يقول تعالى مخاطبًا بني إسرائيل: ﴿و﴾ اذكروا ﴿إذ أخذنا ميثاقكم﴾، أي: ميثاق اَبائكم بالعمل على ما في التوراة، ﴿ورفعنا فوقكم الطور﴾ حتَّى قبلتم، وأعطيتم الميثاق.
следующие страницы →