كل من ربي على عادة سيئة، لا بد أن ينزع إلى عادته مهما طال فراقها، ودنيء الأصل مهما هذبته، لا بد أن يقابل النعمة بالكفران، والحسنة بالسيئة.
فلذلك كان من شأنهم ما أخبر عنه تعالى بقوله: ﴿واذ قلتم﴾، أي بعد هذه النعم كلها: ﴿ياموسى﴾، منادين له باسمه من غير تعظيم، ﴿لن نصبر﴾ صبرًا طويلًا ﴿على طعام واحد﴾، أرادوا ما رزقوا في التيه من المن والسلوى، وجعلوهما طعامًا واحدًا، وإن كانا اثنين، باعتبار أن ذلك الطَّعام لا يتبدل وإن كان متعددًا، وإن كان شريفًا لا تعب فيه. أو أن المعنى كأنهم قالوا: إن المن والسلوى ضرب واحد لأنهما من طعام أهل التلذذ والترف، ونحن قوم فلاحة أهل زراعات، فما يزيد إلَّا ما ألفناه من الأشياء المتفاوتة كالحبوب والبقول، فلذلك قالوا: ﴿فادع لنا ربك يخرج لنا﴾، يظهر لنا، ويوجد ﴿مما تنبت الأرض من بقلها﴾ وهو ما تنبته الأرض من الخضر، والمراد به: أطايب البقول التي يأكلها النَّاس، ﴿وقثائها وفومها﴾ وهو الحنطة في قول أكثر المفسرين، وهو المناسب لما هنا، لأنهم أرادوا مع هذه الأشياء الخبز، وقيل: هو الثوم، وهو الموجود في نسخة من التوراة مترجمة إلى العربيَّة في القرن الثامن، وهو للعدس والبصل أوفق، وقرأ ابن مسعود: وثومها وعدسها وبصلها.
ثم كأنه قيل: إن هذا العجب منهم، فما قال لهم موسى ﵇؟ فقيل: ﴿قال﴾ منكرًا عليهم: ﴿أتستبدلون﴾؟ أي: أتأخذون ﴿الذي هو أدنى﴾ في المنزلة والطعم، ﴿بالذي هو خير﴾، أي: بدله، فالباء للبدل، ثم كأنه قيل: فهل أجابهم إلى سؤالهم؟ فقيل (١): نعم، قال: ﴿اهبطوا مصرًا﴾ من الأمصار، فـ ﴿إن﴾ فيه ﴿لكم ما سألتم﴾، وينقطع عنكم المن والسلوى، و "المصر" هو: البلد الجامع لما يتعاون عليه من أمور الدُّنيا، التي تجمع هذه المطالب التي طلبوها، لأنَّ ما دون الأمصار لا يكون فيها، إلَّا بعضها، والهبوط هنا بمعنى النزول، يقال: هبط فلان الوادي، إذا نزل به، وهبط منه إذا خرج، والمعنى: انحدروا من التيه إلى مصرٍ من الأمصار.
стр. 212
ولما نظم سبحانه بنبأ موسى ﵇، ما كان من نبئهم من يوشع بعده، نظم في هذه الآية بخطاب موسى ما كان منهم بعد يوشع، إلى آخر اختلال أمرهم، وانقلاب أحوالهم من جنس المظاهرة لنبيهم، وإلى حال الاعتداء والقتل لأنبيِائهم ﵈.
وفي جملته إشعار بأن ذلك لم يكن منهم، إلَّا لأجل إيثار الدُّنيا ورياستها وما لها على الآخرة، إيثارًا للعاجلة على الآجلة. وفي طيه أشد التحذير لهذه الأمة في اتباعهم لسنن أهل الكتاب في مثل أحوالهم، ولذلك انتظم بها الآية الجامعة، وابتدأ بذكر الذين آمنوا من هذه الأمة، ثم استوفى الملل التي لها صحة على ما يذكر آنفًا إن شاء الله، ولما كان التقدير: ففعلوا ما أمروا به من هبوط المصر، فكان ما وعد به، عَطَفَ عليه، قوله: ﴿وضربت عليهم الذلة﴾، ملازمة لهم محيطة بهم، من جميع الجوانب، كما يحيط البيت من الشعر المضروب على الإنسان به. والذلة: اسم الذل، وهو صغار في النَّفس عن قهر وغلبة. ﴿وضربت﴾ عليكم ﴿المسكنة﴾، وهي: ظهور معنى الذل أو التذلل على ظاهر الهيئة والصورة، سكونًا وانكفاف حراك، فسلط الله عليهم العدو، فاستأصل منهم من شاء الله، ومن بقي منهم أخذ بأنواع من الهوان، ﴿وباؤوا﴾ أي: رجعوا، وصاروا أحقاء بغضب من الله، لجرأتهم على هذا المقام الأعظم المرة بعد المرة، والكرة بعد الكرة.
قال "الحرالِّي": وفيه تهديد لهذه الأمة بما غلب على أهل الدُّنيا منهم، من مثل أحوالهم، باستبدال الأدنى في المعنى من الحرام [و] المتشابه، بالأعلى من الطَّيِّب، والأطيب المأخوذ عفوًا واقتناعًا.
ولما كان الغضب إنَّما يكون على من راغم الجليل في معصيته، ووقعت منهم المراغمة في معصيتهم واعتدائهم، ذكر فعلهم فقال: ﴿ذلك﴾ أي: ما تقدم من ضرب الذلة والمسكنة عليهم، وإحلاله غضبه بهم، بسبب "أنهم" كانوا أي جبلَّةً وطبعًا ﴿يكفرون﴾، أي: مجددين مستمرين في الكفر ﴿بآيات الله﴾، فالكفر: تغطية الشيء وستره، وآيات الله حججه وأعلامه وأدلته، على توحيده
стр. 213
وصدق رسله، ومعنى الكلام: أنا فعلنا بهم ذلك، من أجل أنهم كانوا يجحدون حجج الله على توحيده وتصديق رسله، ويدفعون حقيتها، ويكذبون بها.
ويعني بقوله: ﴿ويقتلون النبيين بغير الحق﴾: يقتلون رسل الله الذين ابتعثهم لإنباء ما أرسلهم به عنه لمن أرسلوا إليه، وكان قتلهم لهم وهم يعتقدون أنهم معتدون عليهم، وأن قتلهم لهم كان بغير حق، وما ذلك إلا لأن الأنبياء نصحوهم ودعوهم إلى ما ينفعهم فقتلوهم، ولو سئلوا وأنصفوا من أنفسهم، لم يذكروا وجهًا يستحقون به القتل عندهم، ثم علل هذه الجرأة بقوله: ﴿ذلك﴾، أي: الأمر الكبير من الكفر والقتل، ﴿بما عصوا﴾ أي: بسبب ارتكابهم أنواع المعاصي، واعتدائهم حدود الله في كل شيء، وبما ارتكبوه من الاعتداء، وهو مجاوزة الحدود على سبيل التجدد والاستمرار، فإن من فعل ذلك مرد عليه، ومرن فاجترأ على العظائم.
ولما أنهى ، نبأ أحوال بني إسرائيل، وذكر نهايته، مما بين إعلاء تكرمتهم بالخطاب الأوَّل، إلى أدنى الغضب على من كفر منهم بهذا النبأ الآخر، الذي أخبرنا بالإعراض عنهم في مقابلة الإقبال الأوَّل، وكانوا هم أول أهل كتاب، أشعر تعالى بهذا الختم أنهم صاروا قدوة لجميع من بعدهم، وأن جميع من بعدهم يكون لهم تبعًا فيما أصابهم من جميع أهل الملل الأربعة، فقال:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾.
اختلف المفسرون في بيان المراد من قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا﴾، وسبب اختلافهم قوله تعالى في آخر الآية: ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ﴿البقرة: ١٢٦﴾ فروي عن ابن عباس: أن المراد بهم من آمن قبل مبعث النَّبي ﷺ ، وقال سفيان الثوري، ما معناه: أنَّه تعالى ذكر في أول السورة طريقة المنافقين، ثم طريقة اليهود، فالمراد من قوله تعالى: هم الذين يؤمنون باللسان دون القلب، وهم: المنافقون، فذكر المنافقين، ثم اليهود، ثم النصارى، ثم الصابئين، فكأنه قال: هؤلاء المبطلون كل من أتى منهم بالإيمان الحقيقي، صار
стр. 214
من المؤمنين عند الله. وقال المتكلمون: المراد منَّ ﴿الذين آمنوا﴾ هم: المؤمنون بمحمد ﷺ في الحقيقة، وهو عائد إلى الماضي، ثم قوله: ﴿من آمن بالله﴾ يقتضي المستقبل، فالمراد الذين آمنوا في الماضي وثبتوا على ذلك واستمروا عليه في المستقبل، انتهى.
والذي أراه الصواب من القول في هذه الجملة [من الآية]: أن المراد من ﴿الذين آمنوا﴾، من آمن مطلقًا، سواء كان الإيمان ظاهرًا وباطنًا، أم ظاهرًا فقط، ثم إنَّه تعالى فصل في آخر هذه الآية، فأخبر أن من آمن منهم إيمانًا حقيقيًا، له أجر إيمانه عند ربهم، ومن لا، فلا، ويشهد لهذا التأويل قوله: ﴿منهم﴾ الدّالة على التبعيض، وهذا التأويل يضم إليه جميع الأقوال التي مضت عن المفسرين. و ﴿الذين هادوا﴾ معناه: تهودوا، يقال: هاد يهود وتهود، إذا دخل في اليهودية، وهو هائد والجمع هود. والنصارى قيل: سموا بذلك لأنهم نصروا المسيح، وقيل نسبة إلى قرية الناصرة. وأمَّا الصابئون فإن هذا اللفظ مأخوذٌ من صبأ، إذ خرج من الدين، والسياق يقتضي أن يكون المراد من الصابئين، كل أمة لم تتقيد بدين اليهود، أو النصارى أو المسلمين، سواء كانت من المجوس، أو من عباد الأوثان والملائكة والجن، أم من غيرهم.
وقد روى ابن جرير عن مجاهد أنَّه قال: الصابئون ليسوا يهودًا ولا نصارى، ولا دين لهم. وفي "الملل والنحل" للشهرستاني يقال: صبا الرجل إذا مال وزاغ، فبحكم ميل هؤلاء عن سنن الحق، وزيغهم عن نهج الأنبياء، قيل لهم: الصابئة، وقد يقال: صبا الرجل إذا عشق وهوى، وهم يقولون: الصبوة هي الانحلال عن قيد الرجال، ومدار مذهبهم على التعصب للروحانيين، انتهى.
إذا عرفت ذلك علمت أن قبسًا من هذا المذهب، سار بين أصناف البشر، فكثير منهم من يتعصب للأرواح، سواء كانت مفارقة لأجسادها، أو هي روح صرفة، فهؤلاء المذكورون في هذه الآية ﴿من آمن﴾ منهم، أي: داوم على الإيمان، إن كان مؤمنًا حقًا، أو جمع إلى الإيمان بلسانه الإيمان بقلبه، أو دخل في الإيمان إن كان كافرًا، وكان إيمانه ﴿بالله واليوم الآخر﴾،
стр. 215
فدخل في الإيمان بالله، الإيمان بما أوجبه، أعني: الإيمان برسله، ودخل في الإيمان باليوم الآخر جميع أحكام الآخرة. ثم عطف عليه قوله: ﴿وعمل صالحًا﴾، أي وصدق ما ادعاه من الإيمان باتباع شرع الرسول الذي في زمانه، بالأعمال الظاهرة، ولم يفرق بين أحد من الرسل، ولا أخل بشيء من اعتقاد ما جاءت به الكتب من الصلاح، فهؤلاء ﴿لهم أجرهم﴾ الذي وعدوه على إيمانهم وعملهم ﴿عند ربهم﴾، متيقن جاري مجرى الحاصل، ﴿ولا خوف عليهم﴾ في حال الثواب في الآخرة، ﴿ولا هم يحزنون﴾، يومئذٍ، وذلك يوجب أن يكون نعيمهم دائمًا، لأنهم لو جوزوا كونه منقطعًا لاعتراهم الحزن العظيم.
ثم إنَّه تعالى، بعد أن أدخل هذه الآية أثناء قصة بني إسرائيل- لما لها من المناسبة في هذا الموضع، ولما بها من ترويح نفس القارئ لطول قصتهم، وهذا باب من البلاغة عجيب، لأنَّ القصة الطويلة إذا سردت سردًا ولم يتخللها معنى غريب، ملّ سامعها، بخلاف ما إذا تخللها بيان غرائب موضوعها - لا جرم رجع إلى قصصهم على أحسن وجه، مبينًا أن هؤلاء أغلظ النَّاس أكبادًا، وأكثرهم جرأة وعنادًا لا يرعوون لرهبة، ولا يثبتون لرغبة - أو يقال: لما قرر الله ، المذعن كائنًا من كان، تلاه بما لليهود من الجلافة الداعية إلى النفور عن خلال السعادة التي هي ثمرة العلم، وما له فسبحانه من التطول عليهم بإكراههم على ردهم إليه- فقال:
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤)﴾.
يقول تعالى مخاطبًا بني إسرائيل: ﴿و﴾ اذكروا ﴿إذ أخذنا ميثاقكم﴾، أي: ميثاق اَبائكم بالعمل على ما في التوراة، ﴿ورفعنا فوقكم الطور﴾ حتَّى قبلتم، وأعطيتم الميثاق.
стр. 216
وهذه الآية تقتضي أن القوم لما نزلت التوراة على موسى ﵇، امتنعوا عن قبولها، وعن العمل بما فيها من التكاليف وادعوا أن موسى ﵇ افتراها من تلقاء نفسه، فجعل الله تعالى رفع الطور فوقهم، علامة على أنَّها من عند الله تعالى، ولما كان الجبل قد صار فوقهم كالظلة، وصار عامًا لهم- بحيث إنَّه إذا وقع عليهم لم يفلت منهم إنسان كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧١]- أسقط حرف الجر هنا، فقال: ﴿فوقكم﴾، ولم يقل: من فوقكم ﴿الطور﴾، ترهيبًا لكم لتقبلوا الميثاق الذي هو سبب سعادتكم، وقلنا لكم وهو مطل فوقكم: ﴿خذوا ما آتيناكم﴾ من الكتاب ﴿بقوة﴾ وبجد وعزيمة، ﴿واذكروا مافيه﴾، واحفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه، ولا تغفلوا عنه ﴿لعلكم تتقون﴾، رجاء منكم أن تكونوا متقين، أو إرادة أن تكونوا من المتقين، ولما كان التقدير فأخذتم ذلك، وأوثقتم العهد به، خوفًا من أن ندفنكم بالجبل، عطف عليه بـ ﴿ثم﴾ المشيرة للبعد، إشارة إلى أنَّه كان من حقكم البعد عن التولي، فقال: ﴿ثم توليتم﴾، أي: أعرضتم عن الأخذ به ﴿من بعد ذلك﴾، وذلك أن النفوس إذا توطنت على أمر الله فرأت محاسنه، رجعت بذلك إلى نحو من الفطرة الأولى، ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، ثم لم ترجع عنه إلَّا لمنازعة من الهوى شديدة، ولما كان توليهم لم يستغرق زمن البعد، أدخل الجار، فقال: ﴿من بعد ذلك﴾، أي: من بعد التأكيد على الوفاء به، ولولا تسبب عن توليكم أنَّه ﴿لولا فضل الله عليكم ورحمته﴾ بالعفو والتوبة، والإكرام بالهداية، والنصر على الأعداء، ﴿لكنتم من الخاسرين﴾ بالعقوبة.
ودل قوله تعالى: ﴿خذوا ما آتيناكم بقوة، واذكروا ما فيه﴾ على أن الإيمان في الجملة ليس بمنجٍ، وليس المنجي إلَّا الإيمان بجميع ما أخذ عليهم به الميثاق، وهو جميع ما أتاهم في التوراة إيمانًا مصحوبًا بالقوة، يعني: بالاعتقاد الجازم بوجود الله والعمل بما في كتابهم عملًا خالصًا لله. وكان من جملة ما كلفوا به الإيمان بنبوة عيسى، ومحمد ﵉.
стр. 217
فكذلك لا يكون الإيمان منجيًا لهذه الأمة إلَّا بالعمل بما في كتاب الله وشرعه، عملًا خالصًا لله تعالى (١).
فلذلك ذكر الله تعالى هذه الآية تقريعًا لليهود، وإرشادًا لهذه الأمة أن لا يقتدوا بأولئك.
ثم إن ﴿الطور﴾ اسم للجبل المعهود الذي وقعت المناجاة عليه، ومن الملاحدة من أنكر هذه القضية، وقال: لا يمكن وقوف الثقيل في الهواء بلا عماد، ثم اعترض عليهم بوقوف الأرض أو حركتها وهي في الفضاء، فقالوا: إنَّما كانت كذلك لأنَّها بطبعها طالبة للمركز، فلا جرم وقفت به. وهذا منهم إنكار لقدرة الله تعالى، الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها، وهو تعالى قادر على جميع الممكنات، ووقوف الثقيل من جملة الممكنات فوجب أن يكون الله قادرًا عليه.
وقوله: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: ٢]، إشارة إلى الجاذبية لأنها لا ترى، فالأفلاك كلها المستقر منها والمتحرك إنَّما حصَّل وظيفته بالجاذبية المخلوقة لله تعالى، والقوم إن أنكروا وجودها عدوًا جاهلين، وإن أثبتوها قيل لهم: إذا كان خالق الأكوان هو المتصرف في الجاذبية التي تجذب تلك الكرات العظيمة، فكيف يعجزه أن يسلط جزءًا منها على رفع جبل، هو ذرة بالنسبة إلى جبل عظيم من الأجرام العلوية.
وقد يقول البعض: إن هذا خطاب لمن كان بين ظهراني رسول الله ﷺ ، من أهل الكتاب في أيامه، وهم لم يفعلوا شيئًا مما ذكر، فكيف يخاطبون بذلك؟ فيقال له: هذا وإن كان خبرًا من أسلافهم، لكنَّه خرج مخرج الخبر عنهم، على نحو ما كانت تفعله العرب، من أن القبيلة كانت تخاطب القبيلة عند الفخار أو غيره، بما مضى من فعل أسلاف المخاطِب، بأسلاف المخاطَب، فتضيف فعل أسلاف المخاطب إلى نفسها فتقول: فعلنا بكم، وفعلنا بكم.
стр. 218
ولما بين أنهم ضيعوا أمرًا واحدًا من أوامره، واستخفوا به، وهو تحريم السبت، عذبهم بعذاب لم يعذب به أحد من العالمين فقال:
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾.
يقول تعالى: ﴿ولقد علمتم الذين اعتدوا﴾، أي: تعمدوا العدوان ﴿منكم في السبت﴾، بأن استحلوه وتركوا ما حللهم فيه من التجرد للعبادة وتعظيمه، واشتغلوا بالصيد. وسبب ذلك: أن الله أمرهم بيوم الجمعة فأبوا إلَّا السبت، فألزمهم الله إياه، وجعله لهم محنة، وحرم عليهم فيه العمل، فابتلاهم بالسمك، فما كان يبقى حوت في البحر إلَّا أخرج خرطومه يوم السبت، فإذا مضى تفرقت، كما قال تعالى: ﴿تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٣]، فحفروا حياضًا عند البحر وشرعوا إليها الجداول، فكانت الحيتان تدخلها فيصطادونها يوم الأحد، فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم، ثم إنهم كانوا يصطادون على تهيب وخوف من العقوبة، فلما طال زمن عفوه عنهم، وحلمه سبحانه، فتجاهروا بالمعصية، كان أمرهم على ما ذكره تعالى بقوله: ﴿فقلنا لهم: كونوا قردة خاسئين﴾، أي: كونوا جامعين بين القردية والخسوء، وهو: الصغار والطرد، ﴿فجعلناها﴾ أي: تلك المسخة ﴿نكالًا﴾ أي: عبرة، تنكل, أي: تمنع من اعتبر بها، وقيدًا مانعًا ﴿لما بين يديها﴾ من المعاصي من أهل عالمها الشاهدين لها، ﴿وما خلفها﴾ ممن جاء بعدهم من الأمم والقرون، لأنَّ قصتهم ذكرت في كتب الأولين فاعتبروا بها، واعتبر بها من بلغتهم من الآخرين، ﴿وموعظة للمتقين﴾ الذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي قومهم، ولكل متقٍ من غيرهم، وقد أشعر هذا أن التقوى عصمة من كل محذور، وأن النقم تقع في غيرهم وَعظًا لهم، هذا وقوله تعالى: ﴿كونوا قردة خاسئين﴾ ليس بأمر لهم لأنهم لم يكونوا قادرين على أن يقلبوا أنفسهم على صورة القردة، بل المراد
стр. 219
منه سرعة التكوين، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل] والمعنى: أنَّه تعالى لم يعجزه ما أراد إنزاله من العقوبة بهؤلاء، بل لما قال ﴿لهم كونوا قردة خاسئين﴾ صاروا كذلك, أي لما أراد بهم ذلك صاروا كما أراد.
وقد اختلف المفسرون في معنى ﴿كونوا قردة﴾، فروى عن مجاهد: أنهم لم يصيروا قردة حقيقة؛ ولكن الله مسخ قلوبهم، بمعنى: أنَّه طبع وختم عليها. والأولى إبقاء الآية على ظاهرها، ولا يستبعد ذلك عقلًا لأن بنيَّة الإنسان عرضة للتبدل، فقد يكون السمين هزيلًا وبالعكس، ولما كانت الأجزاء متبدلة تبدلًا ظاهرًا، علم أن الإنسان أمر وراء هذا الهيكل المحسوس، وهو موجود مجرد، فلا امتناع في بقائه مع تطرق التبدل إلى هيكله، وهذا هو المسخ بذاته على ما تشير إليه هذه الآية، وليس المراد من المسخ هنا ما يدعيه القائلون بالتناسخ، من أن النفوس الناقصة التي بقي شيء من كمالاتها بالقوة تتردد في الأبدان الإنسانية، وتنتقل من بدن إلى آخر، حتَّى تبلغ النهاية فيما هو كمالها من علومها وأخلاقها، ويسمى هذا عندهم: نسخًا. وقالوا: ربَّما تنازلت إلى الأبدان الحيوانية، فتنتقل من البدن الإنساني إلى بدن حيواني يناسبه في الأوصاف، كبدن الأسد للشجاع، والأرنب للجبان، ويسمى مسخًا، وربما تنازلت إلى الأجسام النباتية، ويسمى رسخًا، أو إلى الجمادية كالمعادن ويسمى فسخًا، ويدعون أن هذه التنازلات المذكورة هي مراتب العقوبات، وإليها الإشارة بما ورد من الدركات الضيقة في جهنم، ولنا عودة إلى هذا الموضوع في المحالِّ المناسبة له إن شاء الله تعالى.
ولما بين تعالى قساوة بني إسرائيل في حقوقه عامة، أتبعه بيان قساوتهم في مصالح أنفسهم، لينتج أنهم أسفه النَّاس فقال:
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨) قَالُوا ادْعُ لَنَا
стр. 220
رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾.
قال البقاعي في كتابه "نظم الدرر": لم أر قصة البقرة في التوراة، فلعله مما أخفوه لبعض نجاستهم كما أشير إليه بقوله تعالى: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: ٩١] والذي رأيت فيها مما يشبه ذلك ويمكن أن يكون مسببًا عنه، أنَّه قال في السَّفر الخامس منها ما نصه، فذكر ما يأتي، وأقول: وأنا أيضًا اطلعت على ما ذكر في هذا السَّفر في نسخة التوراة التي بيدي حين الكتابة، وقابلته على ما ذكره البقاعي، فوجدت فيه اختلافًا يسيرًا في التعريب دون المعنى، ولكني أوردت ما نقله هو لأنَّ تعريبه أتقن (١) قال؛ فإذا وجدتم قتيلًا في الأرض التي يعطيكم الله ربكم، مطروحًا لا يعرف قاتله، يخرج أشياخكم وقضاتكم، ويذرعون ما بين القتيل والقرية، فأي قرية كانت قريبة من القتيل يأخذ أشياخ تلك القرية عجلًا لم يعمل به عمل، ولم يحرث فيه حرث، يذبحون العجل في ذلك الوادي، ويتقدم الأحبار بنو الَّلاوي الذين اختارهم الله بكم أن يخدموا ويباركوا اسم الرب، وعن قولهم يقضي كل قضاء، ويضرب كل مضروب، وجميع أشياخ تلك القرية القريبة من القتيل، يغسلون أيديهم فوق العجل المذبوح في الوادي، ويحلفون ويقولون ما سفكت أيدينا هذا الدم، وما رأينا من قتله، فأغفر يارب لآل
стр. 221
إسرائيل شعبك الذي خلصت، ولا تؤاخذ شعبك بالدم الزكي، ويغفر لهم على الدم، وأنتم فافحصوا عن الدم، واقضوا بالحق، وأبعدوا عنكم الإثم، واعملوا الحسنات بين يدي الله ربكم، انتهى.
وهو كما ترى يشبه أن يكون فرع الأصل المذكور في القرآن العظيم، والذي تشير إليه في هذه القصة ما حكي عن ابن عباس، ونسبه الرَّازي إلى سائر المفسرين: أن رجلًا في بني إسرائيل قتل رجلًا، فاتصل خبره بموسى ﵇، فاجتهد في أن يعرف القاتل، فلم يظهر له، فقال له بنو إسرائيل: سل ربك حتَّى يبينه، فسأل ربه، فكان من أمره ما قصه الله علينا، وهو قوله ﴿وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ لتعرفوا بها أمر القتيل الذي أعياكم أمره، والتاء في ﴿بقرة﴾ ليست للتأنيث الحقيقي، بل هي التاء الدّالة على وحدة الجنس، فتقع على الذكر والأنثى.
ولما كان من حقهم المبادرة إلى الامتثال، والشكر على أن أجاب الله سؤالهم ولكنهم لم يفعلوا، بيّن فظاظتهم على طريق الاستئناف معظمًا لها، بقوله حكاية عنهم: ﴿قالوا أتتخذنا هزوًا﴾، أتجعلنا مكان هزؤ، أو أهل هزؤ، والهزؤ اللعب والسخرية، يقولون لموسى: إنك سخرت ولعبت بنا، ولا ينبغي أن يكون من أنبياء الله فيما أخبرت عن الله من أمر ونهي، هزؤ أو لعب. فطنوا بموسى أنَّه في أمره إياهم من أمر الله تعالى بذبح البقرة عند تدارئهم في القتيل إليه، أنَّه هازئ لاعب، ولم يكن لهم أن يظنوا ذلك بنبي الله، وهو يخبرهم أن الله هو الذي أمرهم بذبح البقرة، وحذفت الفاء من قوله ﴿أتتخذنا هزوًا﴾، وهو جواب، لاستغناء ما قبله من الكلام عنه.
﴿قال أعوذ بالله﴾ أي: اعتصم بالله من ﴿أن أكون من الجاهلين﴾، لأنَّ الهزؤ في مثل هذا من باب الجهل والسفه.
﴿قالوا﴾ تماديًا في الغلظة: ﴿ادع لنا ربك﴾، وهذا منهم في غاية الجفاء، حيث خصصوا موسى بالإضافة إلى الرب، ولم يقولوا: ربنا ﴿يبين﴾ أي: يبالغ
стр. 222
في البيان، لأنَّ صيغة التفعيل تقتضي المبالغة ﴿لنا ما هي﴾ تلك البقرة؟
﴿قال إنَّه يقول﴾، ولما كانوا يتعنتون أكد بقوله: ﴿أنَّها بقرة لا فارض﴾ أي: ليست مسنة فرضت سنها أي: قطعتها، وبلغت آخرها، ﴿ولا بكر﴾، أي: وليست فتية صغيرة، بل هي ﴿عوان﴾ أي: نَصَفٌ ﴿بين ذلك﴾ أي: بين الفارض والبكر، ﴿فافعلوا ما تؤمرون﴾ فإن الإعتراض على من يجب التسليم له كفر.
ولما قال لهم موسى ﵇، ذلك لم يفعلوا، بل سألوا بيان اللون بعد بيان السنن.
فـ ﴿قالوا ادع لنا ربك﴾، عادوا إلى جفائهم، ﴿يبين لنا ما لونها﴾ بعد بيان سنها فقال لهم مؤكدًا لكلامه أيضًا ﴿قال إنَّه يقول: إنَّها بقرة صفراء﴾، وأكد شدة صفرتها بالعدول عن فاقعة إلى ﴿فاقع لونها﴾، أي: خالص في صفرته، والفقوع في الصفرة نظير النصوع في البياض، ﴿تسر الناظرين﴾، أي تبهج نفوسهم. قال وهب: إذا نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشَّمس يخرج من جلدها، والسرور لذة في القلب عند حصول نفع أو توقعه.
﴿قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي﴾، ثم عللوا تكريرهم ذلك بقولهم: ﴿إن البقر تشابه علينا﴾، أي: إن البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير، فاشتبه علينا أيها نذبح، ﴿وإنا أن شاء الله لمهتدون﴾ إلى البقرة المراد ذبحها، وإلى ما خفي علينا من أمر القاتل.
﴿قال إنَّه يقول أنَّها بقرة لا ذلول﴾، أي: لم تذلل لقلب الأرض بالحرث، وإثارة الأرض، ﴿ولا تسقي الحرث﴾، أي: وليست من النواضح التي يسنى عليها لسقي الحروث، ﴿مسلمة﴾ من العيوب، أو معفاة من العمل، سلمها أهلها منه، ﴿لا شية فيها﴾ أي: لا علامة فيها تخالف لونها بل هي صفراء كلها.
﴿قالوا الآن جئت بالحق﴾ أي: بحقيقة وصف البقرة، وما بقي إشكال في أمرها، ﴿فذبحوها﴾، أي فحصلوا البقرة الجامعة لهذه الأوصاف كلها فذبحوها،
стр. 223
﴿وما كادوا يفعلون﴾، أي: قاربوا قبل هذه المراجعة الأخيرة الفعل، وهذا بيان الاستثقال لاستقصائهم واستبطاء لهم، وأنهم لتطويلهم المفرط وكثرة. استكشافهم، ما كادوا يذبحونها، وما كادت تنتهي سؤالاتهم، وما كاد ينقطع خيط إسهابهم فيها وتعمقهم.
ولما قسمت القصة شطرين تنبيهًا على النعمتين، نعمة العفو عن التوقف عن الأمر، ونعمة البيان للقائل بالأمر الخارق للعادة، وتنبيهًا على أن لهم بذلك تقريعين:
أحدهما: بإساءة الأدب في نسبة الاستهزاء لسيدنا موسى ﵇، والتوقف عن الامتثال. والثَّاني: على القتل وما تبعه، ولو رتبت القصة ترتيبها في الوجود، لم يحصل ذلك، وقدم الشطر الأنسب لقصة السبت، ثم أتبعه الآخر، وذلك أنَّه لما وجب عليهم السبت، أخذوا يقترحون ويسألون إياه حتَّى شدّد عليهم كما فعلوا في أمر البقرة.
والشطر الثَّاني هو قوله تعالى: ﴿وإذ قتلتم نفسًا﴾، أسند الفعل إلى الكل، والقاتل واحد لأنَّ ذلك عادة العرب، لأنَّ عادة القبيلة المدافعة عن أحدهم، ﴿فادّارَأتم﴾، فاختلفتم واختصمتم في شأنها، لأنَّ المتخاصمون، يدرأ بعضهم بعضًا, أي: يدفعه ويزحمه، ويصح أن يراد بـ "ادّارأتم" توافقتم، بمعنى: طرح قتلها بعضكم على بعض، فدفع المطروح عليه الطارح، فكأن لهم بذلك ثلاثة آثام: إثم الكبيرة، وإثم الإصرار، وإثم الافتراء بالدفع، قال الكلبي: وذلك قبل نزول القسامة في التوراة.
ولما كان فعلهم في المداراة فعل غافل عن إحاطة علم الخالق سبحانه، قال يحكي حالهم إذ ذاك: ﴿والله مخرج ما كنتم تكتمون﴾، أي مظهر لا محالة ما كتمتم من أمر القتل ألا يتركه مكتومًا.
ثم بيّن لهم تعالى سر عظمته وكبريائه، وغفلتهم عن إحاطة علمه تعالى، فقال: ﴿فقلنا اضربوه﴾، أي اضربوا النَّفس التي قتلتموها ﴿ببعضها﴾، أي ببعض البقرة، وذكر النَّفس على إرادة الشخص بها. قال أبو علي الفارسي في كتاب
стр. 224
"الحجة": قلنا اضربوا المقتول ببعض البقرة، فضربوه به فحيي، يعني: والدليل على هذا المحذوف قوله تعالى ﴿كذلك﴾ أي مثل هذا الإحياء العظيم على هذه الهيئة الغريبة، ﴿يحيي الله الموتى﴾ مثل هذا الإحياء الذي عوين وشوهد.
وهذه المعجزة الخارقة للعادة، هي مثل ما جرى لنبينا ﷺ ، فيما رواه البُخاريّ ومسلم، عن أنس والإمام أحمد عن ابن عباس، والدارمي والبيهقي عن جابر أن النَّبي ﷺ ، لما افتتح خيبر واطمأن النَّاس، أهدت زينب بنت الحارث لصفية زوج النَّبي ﷺ ، شاة مَصلية وقد سألت: أي عضو الشَّاة أحب إلى رسول الله، فقيل لها: الذراع فأكثرت فيها السم، ثم سمت سائر الشَّاة، فدخل رسول الله ﷺ ، على صفية ومعه بشر بن البراء بن معرور (بمهملات) فقدمت إليه الشَّاة المصلية، فتناول رسول الله ﷺ الكتف، وفي لفظ الذراع، وانتهس منها فلاكها، وتناول بشر عظمًا فانتهس منه، قال ابن إسحاق: فأمَّا بشر فساغها، وأمَّا رسول الله ﷺ فلفظها، وقال ابن شهاب الزهري: فلما استرط رسول الله، استرط بشر ما في فيه، فقال رسول الله ﷺ : "ارفعوا ما في أيديكم فإن كتف هذه الشَّاة يخبرني أني نعيت فيها". قال بشر بن البراء: والذي أكرمكم لقد وجدت ذلك في أكلتي، فما منعني أن ألفظها إلَّا أني أعظمت أن أبغضك في طعامك، فلما استقر ما في فيك لم أكن أرغب بنفسي عن نفسك، ورجوت أن لا أكون استرطتها، فلم يقم بشر من مكانه حتَّى عاد لونه كالطيلسان، يعني: أصفر شديد الصفرة، قال ابن حجر في "فتح الباري": وماطله وجعه، واحتجم رسول الله وبقي ثلاث سنين، حتَّى كان وجعه الذي توفي فيه؛ وقال ابن القيِّم في "زاد المعاد": إن النبي ﷺ ، لما انتهس من ذراع الشاة أخبره الذراع بأنه مسموم فلفظ الأكلة، انتهى.
ولما كان حصول المعصية من بني إسرائيل بعد رؤية هذا الأمر الخارق مستبعد التصور فضلًا عن الوقوع أشار إليه بقوله:
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)﴾.
стр. 225
جعل تعالى وصف قلوبهم بالقسوة والغلظة، مثلًا لنبوّها وتباعدها عن الاعتبار، وأن المواعظ لا تؤثر فيها وقوله: ﴿من بعد ذلك﴾، إشارة إلى إحياء القتيل، أو إلى جميع ما تقدم من الآيات المعدودة، فهي في قسوتها مثل الحجارة التي هي أبعد الأشياء عن حال القلوب، فإن القلب أحيى حي، والحجر أجمد جامد، ولم يشبهها بالحديد لما فيه من المنافع، ولأنَّه قد يلين، ولما كانت القلوب بالنظر إلى حياتها ألين ليّن، وبالنظر إلى ثباتها على حالة أصلب شيء، كانت بحيث تحير الناظر في أمرها، هل هي في القسوة ﴿كالحجارة أو أشد قسوة﴾ لأنَّها لا تلين للذي حقه أن يلينها، والحجر يلين لما حقه أن يلين، وكل وصف للحي يشابه ما دونه يكون أقبح في الحي مما دونه، من حيث إن الحي مهيّأ لضد تلك المشابهة بالإدراك، ولما كان لقلوبهم فضل على الحجارة في شدة القسوة، قال تقريرًا لقوله: ﴿أو أشدّ قسوة وإن من الحجارة لما يتفجرُ منه الأنهار﴾، أي: من الحجارة ﴿وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء﴾، أي: وإن من الحجارة ما فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الكثير الغزير، ومنها ما ينشق انشقاقًا بالطول أو بالعرض فينبع منه أيضًا، ﴿وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾، أي: ينتقل من مكانه من أعلى الجبل إلى أسفله، لأمر الملك الأعلى له بذلك، وقلوب هؤلاء وهم بنو إسرائيل ومن كان على شاكلتهم، لا تنقاد لشيء من الأوامر، فجعل الأمر في حق القلوب لما فيها من العقل، كالإرادة في حق الحجارة لما فيها من الجمادية، وفي ذلك تذكير لهم بالحجارة المتهافتة من الطور عند تجلي الرب.
ولما كان التقدير: وما أعمالكم مما يرضي الله، عطف عليه قوله: ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾، فانتظروا عذابًا مثل عذاب أصحاب السبت، والمعنى: وما الله بغافل يا معشر المكذبين بآياته، والجاحدين نبوة رسوله ﷺ ، والمتقولين عليه الأباطيل، من بني إسرائيل وأحبار اليهود، عما تعملون من أعمالكم الخبيثة، وأفعالكم الرديئة، ولكنها يحصيها عليكم فيجازيكم بها في الآخرة، أو يعاقبكم بها في الدُّنيا.
هذا وفي الآية إشارات: أولها: أن التشديد في السؤال والتعنت فيه موجب
стр. 226
للتشديد في التكليف، ولهذا نهانا الله عنه بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] ويبين تعالى عاقبة التشديد في السؤال، والتعنت في هذه الآية، بما هو غني عن الإيضاح.
ثانيها: يبين تعالى في هذه الآية أن من الحجارة ما يتردى من الموضع العالي الذي يكون فيه، فينزل إلى أسفل، وهؤلاء الكفار مصرون على العناد والتكبر، فلا يهبطون من علو تكبرهم وعنادهم إلى الخضوع والانقياد، فالحجارة أحسن حالًا منهم، وكذلك من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار، وأن منها لما يتشقق فيخرج منه الماء المحيي للأرض، والمخرج منها أنواع النبات والثمرات، وقلوب هؤلاء قد طبع الله عليها بكفرهم، فلا تتفجر منها ينابيع الهداية، ولا تخرج منها الحكمة التي تحيي النفوس، كما يحيي الماء الأرض، فلا يزالون هم ومن كان على شاكلتهم، في عمى وضلال وغي لا يرجى زواله، فنعوذ بالله كان الخذلان.
ثالثها: حكى الرَّازي عن الحكماء المتقدمين (١): أن الأنهار إنَّما تتولد عن أبخرة تجتمع في باطن الأرض، فإن كان ظاهر الأرض رخوًا انشقت تلك الأرض وانفصلت، وإن كان ظهر الأرض صلبًا حجريًا اجتمعت تلك الأبخرة، ولا يزال يتصل تواليها بسوابقها حتَّى تكثر كثرة عظيمة، فيعرض حينئذ من كثرتها وتواتر مدها، أن تنشق الأرض وتسيل تلك المياه أودية وأنهارًا، انتهى.
وسيمر بك تحقيق هذا البحث في أماكنه إن شاء الله تعالى.
ولما ذكر تعالى، ما كان من قبيح من سلف من بني إسرائيل قبل نزول الكتاب العزيز، شرح من هنا قبائح أفعال اليهود الذين كانوا وقت نزول القرآن العظيم، وذلك لمقاصد، منها الدلالة بها على صحة نبوة محمَّد ﷺ ، لكونه كان أميًا لا علم له بشيء منها إلَّا بطريق الوحي؛ ومنها تعديد النعم على أسلافهم،
стр. 227
ومقابلتهم كل نعمة منها بالكفران، ومنها تحذير أهل الكتاب الموجودين حين نزول القرآن من نزول العذاب عليهم، كما نزل بأسلافهم من قبل ومنها الاحتجاج على المشركين من العرب المنكرين للحشر والنشر، وهو المراد من قوله تعالى: ﴿كذلك يحيي الله الموتى﴾ وقد كان النبي ﷺ ، يضيق صدره بسبب عناد أولئك القوم وتمردهم، مع شدة حرصه على الدعاء إلى الحق، وقبولهم الإيمان منه، فقص الله أخبار بني إسرائيل في العناد العظيم مع مشاهدة الآيات الباهرة، تسلية لرسوله فيما يظهر من أهل الكتاب في زمنه، من قلة القبول والاستجابة، فقال تعالى:
﴿*أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾.
الخطاب لرسول الله ﷺ والمؤمنين، والطمع: تعلق البال بالشيء من غير تقدم سبب له، ﴿أن يؤمنوا﴾ هؤلاء الذين بين أظهركم، وقد سمعتم ما اتفق لأسلافهم من الجفاء والغلظة، والخلف منهم راضون بذلك، ولو لم يكونوا راضين به لآمنوا بمجرد هذا الإخبار عن هذه القصص من هذا النبي الأميّ، الذي يحصل التحقيق بأنه لا معلم له بها حالة كونهم معترفين ﴿لكم﴾، والحال أنه ﴿قد كان فريق﴾، أي: ناس يقصدون الفرقة والشتات ﴿منهم يسمعون كلام الله﴾ وهو ما يتلونه من التوراة ﴿ثم يحرفونه﴾، أي يزيلونه عن وجهه برده على حرفه، ووصف الفريق بما ذكر من الأوصاف تأكيد لعظيم تهمكهم (١) في العصيان، بأنهم كانوا بعد ما وصف من أحوالهم الخبيثة فرقًا في الكفر والعدوان، والتبري من جلباب الحياء.
وقوله: ﴿من بعد ما عقلوه﴾، معناه: من بعد ما فهموه وضبطوه بعقولهم، ولم تبق لهم شبهة في صحته ﴿وهم يعلمون﴾ أنهم كاذبون مفترون، والمعنى: إن
стр. 228
كَفَرَ هؤلاء وحرفوا، فلهم سابقة في ذلك، ومعنى التحريف هنا: تبديل المعنى، وتأويله وتغييره، وأصله من انحراف الشيء عن جهته، وهو ميله عنها إلى غيرها فكذلك قوله: ﴿يحرفونه﴾، أي: يميلونه عن وجهه ومعناه الذي هو معناه، إلى غيره، كما قاله الإمام ابن جرير الطبري، فأخبر الله جل ثناؤه أنهم فعلوا ما فعلوا من ذلك، على علم منهم بتأويل ما حرفوا، وأنَّه بخلاف ما حرفوه إليه، فقال: ﴿يحرفونه من بعد ما عقلوه﴾، يعني: من بعد ما عقلوا تأويله، وهم يعلمون أنهم في تحريفهم ما حرفوا من ذلك مبطلون كاذبون، وذلك إخبار من الله تعالى عن إقدامهم على البهت، ومناصبتهم العداوة له ولرسوله موسى ﵇، وأن بقاياهم- من مناصبتهم العداوة لله ولرسوله محمَّد ﷺ ، بغيًا وحسدًا- على مثل الذي كان عليه أوائلهم من ذلك، في عصر موسى ﵇.
وحكى ابن اسحاق، عن بعض أهل العلم، وهو قول الرَّبيع بن أنس: أن الله تعالى إنَّما عنى بقوله: ﴿يحرفونه﴾، من سمع كلامه تعالى من بني إسرائيل مثل ما سمعه موسى ﵇ منه، ثم حرف ذلك وبدل من بعد سماعه وعلمه به، وفهمه إياه، وذلك أن الله تعالى إنما أخبر أن التحريف كان من فريق منهم، كانوا يسمعون كلام الله استعظامًا من الله، لما كانوا يأتون من البهتان، بعد توكيد الحجة عليهم والبرهان، وإيذانًا منه تعالى عباده المؤمنين، قَطْعَ أطماعهم من إيمان بقايا نسلهم بما أتاهم به محمَّد ﷺ ، من الحق والنور والهدى، فقال: ﴿أفتطمعون﴾ إلى آخر الآية. هذا ما اختاره الطبري من تفسير هذه الآية.
والذي أختاره: أن المراد بقوله تعالى ﴿كلام الله﴾: هو التوراة وسائر الأمر والنهي، لأنك تقول: قرأت كلام الله وتريد به القرآن، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] والمراد به: القرآن العظيم، إلى غير ذلك من الآيات الدّالة على ذلك، وإن صح أن بني إسرائيل قالوا لموسى: قد حيل بيننا وبين رؤية الله، فأسمعنا كلامه حين يكلمك، فحصل لهم السماع، ثم حرف فريق منهم معنى ما سمع، كان هذا أيضًا داخلًا فيما اخترناه، وجعل كلام الله عامًا هنا، أولى من حصره في هذه القضية على ما اختاره الطبري،
стр. 229
لأنَّ الآيات الآتية في هذا المعنى تدل على أنهم كانوا يحرفون كلام الله مطلقًا، سواء كان في أسفار موسى ﵇، أو في غيرها.
ودل ظاهر قوله تعالى، ﴿ثم يحرفونه﴾ باعتبار الضمير العائد إلى كلام الله، أن التحريف كان للفظ، لأنَّ كلام الله إذا كان باقيًا على جهته وغيروا تأويله، فإنَّما يكونون مغيرين لمعناه، لا لنفس الكلام المسموع، والتحريف هنا مطلق لا يدل على أنهم حرفوا أي نوع، هل هو صفة محمَّد ﷺ ، أو غيرها، فينبغي أن يحمل على جنس التحريف، وإذا حمل على الجنس ارتفع الوثوق بجميع الأنواع، لأنَّ كل نوع يتطرق الظن إليه بأنه ربَّما يكون من المحرف. ولما كان سلف أولئك القوم يتعمدون التحريف، وكان المقلدة من خلفهم لا يقبلون إلَّا قولهم، ويأخذونه على علاته، ولا يلتفتون إلى قول الحق ولو أضاء لهم الدليل السبيل، وظهرت الحجة ظهور الشّمس في الضحى، كان ذلك سببًا لليأس من إيمان مقلديهم. وهذا كقولك للرجل: كيف تفلح، وأستاذك فلان؟ أي: وأنت عنه تأخذ ولا تأخذ عن غيره، وهذا معنى ما نقله الرَّازي عن القفال، وهو حسن، وأنت جبير بأن المسبب يدور مع السبب وجودًا وعدمًا، فكأن المعنى: أن إيمان أولئك المقلدة لأسلافهم من المحرفين، لا مطمع فيه ما داموا في الجمود في التقليد لهم، فإذا ارتقوا عما هم فيه من الجمود، إلى درجة التحقيق، واستضاؤوا بضياء البرهان، رجي إيمانهم، كما حصل لعبد الله بن سلام وأضرابه، ولذلك كان مما امتن الله به على أفاضل علماء هذه الأمة، أنهم يدورون مع الحق كيفما دار، ويميلون معه حيثما مال، فلا يجمدون على قول متقدم لمجرد تقدمه، ولا يغترون بما يقول من هو مشهور بين النَّاس، بل يقولون: الرجال تعرف بالحق، وليس الحق يعرف بالرجال.
وهنا يجدر بنا أن نلم بمسألة جديرة بالاهتمام، مُعِينَة على بيان مواضع كثيرة من تفسير آي الكتاب، وهي أننا نذكر محصل فصل حكاه الحكيم السموأل بن يهوذا الذي كان يهوديًا فأسلم، في كتابه "بذل المجهود في إقناع اليهود" وهذا الكتاب ينقل فيه عبارة التوراة بالعبرانية وينقلها إلى العربيَّة، ويناقش اليهود بها، وذلك الفصل
стр. 230
الذي ننقل محصله الآن، وسمه بـ "ذكر السبب في تبديل التوراة"، فقال: إن علماء اليهود، وأحبارهم يعلمون أن هذه التوراة التي بأيديهم لا يعتقد أحد منهم أنَّها المنزلة على موسى ألبتة، لأنَّ موسى وإن التوراة عن بني إسرائيل، ولم يبثها فيهم، وإنَّما سلمها إلى عشيرته أولاد "ليوي"، وكان بنو هارون قضاة اليهود وحكامهم، لأنَّ الإمامة وخدمة القرابين وبيت المقدس كانت موقوفة عليهم، ولم يبذل موسى من التوراة لبني إسرائيل إلَّا سورة واحدة، يقال لها "هاأزينو" لتكون شاهدًا على بني إسرائيل، وكانت مشتملة على ذم طبائعهم، وأنهم يخالفون شرائع التوراة، وأن السخط يأتيهم بعد ذلك وتخرب ديارهم، ويشتتون في البلاد، وفي هذه السور يقول: "كي لوتشا خاخ مفي زرعون"، تفسيره: لأنَّ هذه السورة لا تنسى من أفواه أولادهم، وهذا يدل على أن غيرها من السور ينسى، ثم إن بقية التوراة بقيت عند أولاد هارون إلى أن جاء "عزرا"، فأخرج لهم هذا الكتاب الموجود بأيديهم اليوم، ولهذا يعظمونه غاية التعظيم، وزعموا أن النور لا يزال يظهر على قبره الذي عند البطائح بالعراق, لأنَّه عمل لهم كتابًا يحفظ لهم دينهم، ومن قرأ فصول ذلك الكتاب الذي بأيديهم علم يقينًا، أن الذي جمعه رجل فارغ جاهل الصفات الإلهية، فلذلك نسب إلى الله تعالى صفات التجسيم والندامة على ماضي أفعاله، والإقلاع عن مثلها، وغير ذلك مما يستحيل على الله ، وحاشى أن يأتي بمثله كتاب منزل.
ثم قال في "بذل المجهود" بعد هذا: ولا ينبغي للعاقل أن يستبعد اصطلاح كافّة هذه الطائفة على المحال، واتفاقهم على فنونهم من الكفر والضلال، فإن الدولة إذا انقرضت من أمة باستيلاء غيرها عليها، وأخذها بلادها، انطمست حقائق سالف أخبارها، واندرس قديم آثارها، وتعذر الوقوف عليهما، لأنَّ الدولة إنَّما يكون زوالها من أمة بتتابع الغارات والمضايقات، وإخراب البلاد وإحراق بعضها، فلا تزال هذه الفتن متتابعة إلى أن تستحيل علومها جهلًا، وآثارها قلًا، وكلما كانت الأمة أقدم، واختلفت عليها الدول المتناولة لها بالإذلال، كان حظها من اندراس الآثار أكثر، وهذه الطائفة أعظم الطوائف حظًا مما ذكرنا، لأنهم من أقدم الأمم عهدًا، ولكثرة الأمم التي استولت عليها، مثل الكسدانيين والبابليين،
стр. 231
والفرس، واليونان، والنصارى، والمسلمين، وما من هذه الأمم إلَّا من قصدهم أشد القصد، وطلب استئصالهم وبالغ في إحراق بلادهم وإخرابها، وإحراق كتبهم إلَّا المسلمين، فإن الإسلام صادف اليهود تحت ذمة الفرس، ولم يبق لهم قبله مدينة ولا جيش إلَّا العرب المتهودة بخيبر، وأشد ما كان على اليهود من ذلك، ما أصابهم من ملوكهم العصاة، مثل: "أحاب، وأحزيا وأمصيا ويهورام ويربعام بن نباط" وغيرهم من الملوك الإسرائيليين الذين قتلوا الأنبياء، وبالغوا في تطلبهم ليقتلوهم، وعبدوا الأصنام، وأحضروا من البلاد سدنتها لتعظيمها وتعليم رسوم عبادتها، وابتنوا لها البيع والهياكل، وعكف على عبادتها الملوك ومعظم بني إسرائيل، وتركوا أحكام التوراة والشرع مدة طويلة، وأعصارًا متصلة.
فإذا كان هذا من تواتر الآفات عليهم من قبل ملوكهم، ومن أنفسهم فما ظنك بالآفات المتفننة التي تواترت عليهم من استيلاء الأمم فيما بعد عليهم، وقتلهم أئمتهم، وإحراقهم كتبهم، ومنعهم إياهم عن القيام بشرائعهم، فإن الفرس كثيرًا ما منعوهم من الختان، وكثيرًا ما منعوهم عن الصَّلاة، لمعرفتهم بأن معظم صلاة هذه الطائفة دعاء على الأمم بالبوار، وعلى البلاد بالخراب، سوى بلادهم التي هي أرض كنعان، فلما رأت اليهود الجد في الفرس في منعهم من الصَّلاة، اخترعوا أدعية يدَّعون أنَّها (١) فصولًا من صلاتهم سموها الخزانة، وصاغو لها ألحانًا عديدة، وصاروا يجتمعون في أوقات صلاتهم على تلحينها وتلاوتها، والفرق بين هذه الخزانة وبين صلاتهم الأصلية، أن الصَّلاة بلا لحن، وأن المصلي يتلو الصَّلاة وحده ولا يجهر معه غيره، وأمَّا الخَزّان فيشترك جماعة بالجهر بالخزانة، ويعاونونه وينوحون أحيانًا على أنفسهم.
ومن العجب أن دول الإسلام يقرون أهل الذمة على أديانهم، وبذلك صارت الصَّلاة مباحة لهم، ومع ذلك فإن الخزانة صارت عند اليهود من السنن المستحبة في الأعياد والمواسم والأفراح، يجعلونها عوضًا عن الصَّلاة، ويستغنون بها عنها، من غير ضرورة تبعثهم على ذلك.
стр. 232
هذا كلامه، وهذا من جملة التحريف الذي حرفوه، ومن تأمل هذا الكلام وجده مطابقًا لما حكاه، وشرحه الإمام علي بن حزم في المجلد الأوَّل من كتابه المسمى بـ "الفصل في الملل والأهواء والنحل" مع أن ابن حزم كان في القرن الرابع، وصاحب "بذل المجهود" كان في القرن السابع.
ولما كان الكلام في الآية السابقة مرشدًا إلى [أن] (١) التقدير: فهم لجرأتهم على الله إذا سمعوا كتابكم حرفوه، وإذا حدّثوا عباد الله لا يكادون يصدقون، عطف عليه قوله:
﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧)﴾.
روى ابن جرير عن ابن عباس في تفسير الآية: أن نفرًا من اليهود في زمن النبي ﷺ ، كانوا إذ لقوا أصحاب محمَّد ﷺ ، قالوا: آمنًا بالذي آمنتم به، ونشهد أن صاحبكم صادق، وأن قوله حق، ونجده بنعته وصفته في كتابنا، ثم إذا خلا بعضهم إلى بعض، قال الرؤساء: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من نعته وصفته في كتابه، ليحاجوكم به، فإن المخالف إذا اعترف بصحة التوراة واعترف بشهادة التوراة على نبوة محمد ﷺ ، فلا حجة أقوى من ذلك، فلا جرم كان بعضهم يمنع بعضًا من الاعتراف بذلك عند محمَّد ﷺ وأصحابه.
فقوله تعالى: ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا﴾، معناه: آمنوا بمحمد ﷺ قالوا نفاقًا منهم: آمنًا بأنكم على الحق، وأن محمدًا هو الرسول المبشر به، ﴿وإذا خلا بعضهم﴾ الذين لم ينافقوا ﴿إلى بعض﴾، وهم الذين كانوا ينافقون، ﴿قالوا﴾ عاتبين عليهم: ﴿أتحدثونهم بما فتح الله عليكم﴾، الفتح: توسعة الضيق حسًا ومعنى، والمعنى: بما فتح الله عليكم من العلم القديم الذي أتاكم على ألسنة رسلكم في التوراة وأسفار الأنبياء، ويطلق الفتح في كلام العرب على النصر،
стр. 233
والقضاء، والحكم، ومنه: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]، أي: احكم، والمعنى على هذا: أتحدثونهم بما حكم الله به عليكم وقضاه فيكم، ومن حكمه ما أخذ به ميثاقكم من الإيمان بمحمد ﷺ ، ومن قضائه فيهم أن جعل فيهم القردة والخنازير، وغير ذلك من قضائه وأحكامه فيهم. وكل ذلك كان لرسول الله ﷺ وللمؤمنين به حجة على المكذبين به من اليهود، المقرين بحكم التوراة وغير ذلك.
وأنت إذا تأملت سابق هذه الآية ولاحقها، علمت أن معنى: ﴿بما فتح الله عليكم﴾ من بعث محمَّد ﷺ إلى خلقه، وإخبارهم المؤمنين بنعته وصفاته، وزمن خروجه، لأنَّ الله تعالى قص علينا في أول هذه الآية ما كانوا يظهرون من قولهم للمؤمنين: آمنًا بمحمد ﷺ ، وبما جاء به، ثم يتلاومون فيما بينهم إذا خلوا على ما كانوا يخبرونهم بما هو حجة للمسلمين عليهم عند ربهم، والمحاجة فيما ألزم الله به من أتباع الرسل، تصح أن توصف بأنها محاجة فيه لأنها محاجة في دينه.
وقوله: ﴿أفلا تعقلون﴾ راجع إلى الذين خلوا، والمعنى: أنَّه عندما خلا بعضهم ببعض قالوا لهم: أتحدثونهم بما يرجع وباله عليكم، وتصيرون محجوجين به، أفلا تعقلون أن ذلك لا يليق بما أنتم عليه. وقيل: إن معنى قوله تعالى: ﴿أفلا تعقلون﴾، راجع للمؤمنين المخاطبين بقوله تعالى: ﴿أفتطمعون﴾، والمعنى: أفلا يكون لكم عقل ليردكم ذلك عن تعليق الأمل بإيمانهم. وهذا الوجه وإن كان قريب المعنى لكن الذي قبله أظهر.
ولما كان ظن الذين قالوا: ﴿أتحدثونهم﴾، الآية، ظاهر الفساد, لأنَّه لو لم يكن علمه من قبل الله تعالى لم يقدر أن يعبر بعبارة تعجز الخلائق عن مماثلتها، وبخهم الله بقوله: ﴿أولا يعلمون﴾، أي: ألا يعلمون أن علم المؤمنين لذلك لم يكن إلَّا عن الله لما قام عليه من دليل، ﴿أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون﴾، أي: يخفون من قولهم لأصحابهم، ومن غيره، ﴿وما يعلنون﴾ أي يظهرون ذلك فيخبر به أولياؤه، ومن جملة ما يعلنون وما يظهرون، إسراراهم الكفر وإعلانهم الإيمان.
стр. 234
ومن الأحكام التي تستنبط من هذا الآية: أن الحِجَاج والنظر كان طريقة الصحابة والمؤمنين، وأن ذلك كان ظاهرًا عند اليهود، حتَّى قال بعضهم لبعض ما قالوا، وأن الحجة قد تكون إلزامية، لأنهم لما اعترفوا بصحة التوراة باشتمالها على ما يدل على نبوة محمَّد ﷺ ، لا جرم لزمهم الاعتراف بالنبوة، ولو منعوا إحدى تينك المقدمتين لما تمت الدلالة، وأن الآتي بالمعصية مع العلم بكونها معصية يكون أعظم جرمًا ووزرًا.
ولما ذكر هذا الفريق الذي هو أعلاهم كفرًا، وأعتاهم أمرًا عطف عليه قسمًا أعتى منه، وأفظ، لأنَّ العالم يرجى لفته عن رأيه، أو تخجيله بالحِجَاج، بخلاف المقلد العاتي الكثيف الجافي، فقال:
﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾.
هذه الآية والآيات السالفة، قسمت اليهود إلى أربع فرق:
أولاها: الفرقة الضَّالة المضلة، وهم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه.
والفرقة الثَّانية: المنافقون.
والفرقة الثَّالثة: الذين يجادلون المنافقين.
والفرقة الرابعة: هم المذكورون في هذه الآية بقوله تعالى: ﴿ومنهم أميون﴾، أي: ومنهم عامة أميون، لا معرفة عندهم بقراءة ولا كتابة، وطريقهم التقليد وقبول ما يقال لهم.
فبين تعالى: أن الذين يمتنعون عن قبول الإيمان ليس سبب ذلك الامتناع واحدًا، بل لكل قسم منهم سبب آخر، كذا قاله الفخر، وقال: ومن تأمل ما ذكره الله تعالى في هذه الآية من شرح فرق اليهود، وجد ذلك بعينه في فرق هذه الأمة، فإن فيهم من يعاند الحق ويسعى في إضلال الغير، وفيهم من يكون
стр. 235
متوسطًا، وفيهم من يكون عاميًا محضًا مقلدًا، وهذا كلامه.
أقول: وفيهم من يكون مجادلًا للمنافق، والذي فسرنا الأميّ به، من أنَّه الذي لا يحسن القراءة ولا الكتابة، هو المعروف من كلام العرب والمستفيض فيما بينهم، وكأن الأمي نسبة إلى أمه، لأنَّ الكتاب كان في الرجال دون النساء، فنسب من لا يكتب ولا يخط من الرجال إلى أمه في جهله بالكتاب دون أبيه، ويجوز أن يراد بالأمي المعنى الأعم وهو: من لا يحسن الكتابة، ومن يحسنها ولكنه غليظ الطبع، بعيد عن الفهم، قال في القاموس: والأمي: العيي الجلف الجافي القليل الكلام، انتهى.
وقد وصف تعالى أولئك بقوله: ﴿لا يعلمون الكتاب﴾، أي: لا يعرفون التوراة ليطالعوها ويتحققوا ما في تضاعيفها من دلائل النبوة فيؤمنوا، أو أنهم لا يعرفون إلَّا القراءة الخالية عن التدبر والفهم، المقرونة بالتمني، ولذا قال ﴿إلَّا أماني﴾، جمع "أمنية"، وهي تقدير الوقوع فيما يترامى إليه الأمل، والمعنى: إذا كانت الأماني مما يصح وصفه بالعلم فهي لهم، لا غيرها من جميع أنواعه، وقيل: الأماني بمعنى الأكاذيب، والمعنى عليه: لا يعلمون الكتاب إلَّا أماني، أي: أكاذيب مختلقة سمعوها من علمائهم فتقبلوها على التقليد، وهذا يساعده إخبار الله تعالى عنهم بأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه, أي: أن أسلافهم حرفوا الكلام، ومزجوا شرحها بالأكاذيب والتمويه والتضليل، وهؤلاء أخذوا ذلك منهم من غير تمحيص ولا نظر، يساعده قوله تعالى: ﴿وإن هم إلَّا يظنون﴾، أي: ما هم إلَّا قوم قصارى أمرهم التقليد والظن، من غير أن يصلوا إلى رتبة العلم، فأنى يرجى منهم الإيمان المؤسس على قواعد اليقين، وفي الإتيان بـ ﴿إن﴾ التي معناها النفي، والاستثناء بـ ﴿إلَّا﴾ تأكيد لنفي العلم عنهم.
ولما ذم الله تعالى من لا يعلم، عُلم أن المعارف كسبية لا ضرورية.
ويؤخذ من أحكام هذه الآية: أن الاكتفاء بالظن في أصول الدين غير جائز، وأن التقليد لا يعد علمًا, لأنَّه أخذ قول الغير بلا دليل، ومثل هذا لا يليق أن
стр. 236
يكون متصفًا بالعلم أصلًا، لأنَّ هذه طريقة العوام، وأن المُضلَّ وإن كان مذمومًا، فالمغتر بإضلال المضِل أيضًا مذموم, لأنَّه تعالى ذمهم وإن كانوا بهذه الصفة.
ولما أثبت لهذا الفريق القطع على الله بما لا علم لهم به، وكان هذا معلوم الذم محتوم الإئم، سبب عنه الذم والإثم بطريق الأولى لفريق هو أردؤهم وأضرهم لعباد الله، وأعداهم فقال: ﴿فويل﴾، والويل جماع الشر كله, أي: ما يجمع الشر كله كائن ﴿للذين يكتبون﴾ منهم، أو من غيرهم، ﴿الكتاب﴾ الذين يعلمون أنَّه من عندهم لا من عند الله تعالى، أو يكتبون التأويلات الزائفة ﴿بأيديهم﴾ تأكيد لدفع توهم المجاز كقولك: كتبته بيميني.
ثم أشار إلى قبح هذا الكذب وبعد رتبته في الخبث بـ ﴿ثم﴾ المفيدة للتراخي، فقال: ﴿ثم يقولون﴾، أي: لما كتبوه كذبًا وبهتانًا ﴿هذا من عند الله﴾.
ثم بين بالعلة الحاملة لهم على ذلك خساستهم وتراميهم إلى النجاسة، ودناءتهم، فقال: ﴿ليشتروا به﴾، أي: بذلك الكذب الذي صنعوه ﴿ثمنًا قليلًا﴾، ثم سبب عنه قوله: ﴿فويل لهم مما كتبت أيديهم﴾ من ذلك الكذب على الله، ﴿وويل لهم مما يكسبون﴾، أي: يجددون كسبه مما اشتروه به، والمراد مما يكسبون من الخبث، ولكنه حذفه لوضوح الدلالة عليه بقرينة ما تقدم.
وفي هذه الآية بيان لما شرف به كتابنا من أنَّه لإعجازه، لا يقدر أحد أن يأتي من عنده بما يدسه فيه، فيلبس به، فله تعالى الحمد والمنة.
وأشارت الآية إلى أن كسبهم هذا في غاية الرداءة لأنهم ضلوا عن الدين، وأضلوا، وباعوا آخرتهم بدنياهم، فذنبهم أعظم من ذنب غيرهم، فإن المعلوم أن الكذب على الغير مم يضر بعظم إثمه، فكيف بمن يكذب على الله ويضم إلى الكذب الإضلال، ويضم إليهما حب الدُّنيا والإحتيال في تحصيلها، ويضم إليها أنَّه مهد طريقًا في الإضلال باقيًا على وجه الدهر، فلذلك عظم الله تعالى ما فعلوه.
стр. 237
وفي هذه الآية دليل على أن أخذ المال على الباطل، وإن كان بالتراضي فإنَّه محرم، لأنَّ الذي كانوا يعطونه من المال كان على محبة ورضًا، ومع ذلك فقد نبه تعالى على تحريمه.
ولما أرشد الكلام إلى أن التقدير فحرفوا كثيرًا في كتاب الله، وزادوا ونقصوا، عطفوا عليه ما بين به جرأتهم وجفاءهم، وعدم اكتراثهم بما يرتكبونه من الجرائم التي هم أعلم النَّاس بأن بعضها موجب للخلود في النَّار، فقال تعالى:
﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠)﴾.
هذا القول على كل حال جهل منهم، ولكن يحتمل أن هؤلاء القوم كانوا على مذهب من سَلَف من الفلاسفة القائلين: "بأن الأرواح وإن صارت مكدرة بأفعال الأشباح، إلَّا أنَّها بعد المفارقة ورجوع العناصر إلى أصلها تصير إلى حظائر القدس، ولا يزاحمها شيء من نتائج الأعمال، إلَّا أيامًا معدودة بقدر فطام الأرواح عن لبان التمتعات الحيوانية، ثم تتخلص من العذاب وترجع إلى حسن المآب".
وعلى هذا يكون الرد في الآية على كل فريق انتحل هذه النحلة، واتبع هذه البدعة، وذلك ما قاله تعالى رادًا على فريق منهم: ﴿وقالوا لن تمسنا النَّار إلَّا أيامًا معدودة﴾ أي: منقضية، لأنَّ كل معدود منقض، وإنَّما الذي لا انقضاء له هو الذي يعسر عده، ولما ادعوا ذلك كان كأنه قيل: فبماذا نرد عليهم؟ فقال: قل منكرًا لقولهم: ﴿أَتخدتم﴾ في ذلك ﴿عند الله عهدًا فلن يخلف الله عهده﴾ أم لم يكن ذلك ﴿أم تقولون على الله ما لا تعلمون﴾ ومعنى الإنكار في الاستفهام: أنَّه ليس واحد من الأمرين واقعًا لا أنتم اتخدتم عهدًا ولا أنتم قلتم ذلك جهلًا، بل قلتموه وأنتم تعلمون خلافه.
وفي حديث أبي هريرة عند البخاري والدارمي أن النبي ﷺ قال يوم خيبر لليهود: "من أهل النَّار؟ " فقالوا: نكون فيها يسيرًا ثم تخلفونا، فقال لهم: "اخسؤوا فيها، والله لا نخلفكم فيها أبدًا".
стр. 238
ولما انتفى في الآية الأمران، علم أن الكائن غير ما ادعوه، فصرح به في قوله:
﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١)﴾.
فكذب تعالى القائلين من اليهود: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾، وأخبر: أنَّه تعالى يعذب من أشرك به، وكفر به وبرسله، وأحاطت به ذنوبه، ويجعله مخلدًا في النَّار، فقوله تعالى: ﴿بلى﴾، إثبات لما نفوه من مساس النَّار لهم، فإن ﴿بلى﴾، و "بل" حرفا استدراك، ومعناها نفي الخبر الماضي، وإثبات الخبر المستقبل, أي: بلى تمسكم النَّار وتخلدون فيها، بدليل قوله: ﴿هم فيها خالدون﴾.
وقوله: ﴿من كسب سيئة﴾، فسر قتادة ومجاهد السيئة هنا بالشرك بالله تعالى، وبذلك قال غيرهما من المفسرين، فجعلوا السيئة في هذه الآية من الخاص، وقالوا: هي وإن كان لفظها يدل على العموم، لكن لما قضى الله على أهلها بالخلود في النَّار، وكان الخلود بها لأهل الكفر بالله دون أهل الإيمان به، لتظاهر الإخبار عن النبي ﷺ ، بأن أهل الإيمان لا يخلدون فيها، وأن الخلود في النَّار لأهل الكفر، كان هذا قرينة على التخصيص، وإلى هذا جنح الطبري: وذهب غيره إلى إبقاء السيئة على عمومها وتناولها جميع المعاصي، ولكن لما كان من الجنائز أن يظن أن كل سيئة صغرت أو كبرت، فحالها سواء في أن فاعلها يخلد في النَّار، أردفها بقوله: ﴿وأحاطت به خطيئته﴾، ليدل على أن الذي يستحق به الخلود هو الذي تكون سيئته قد أحاطت به، ومعلوم أن لفظ الإحاطة حقيقة في إحاطة جسم بجسم آخر، كإحاطة السور بالبلد، والكوز بالماء، وذلك ههنا ممتنع، فيحمل حينئذٍ على ما إذا كانت السيئة كبيرة، لأنَّها تحيط بثواب الطاعات، فتكون كالستارة لها، وإذا أحاطت بها كانت مستولية على تلك الطاعات ومحيطة بها، فكأنه تعالى قال: بلى من كسب كبيرة وأحاطت كبيرته بطاعته، فأولئك أصحاب النَّار هم فيها خالدون.
стр. 239
وجنح إلى هذا كثيرون منهم الزمخشري وفخر الدين الرَّازي، وهو الذي نختاره، قال في الكشاف: سأل رجل الحسن البصري عن الخطيئة، فقال: سبحان الله ألا أراك ذا لحية، وما تدري ما الخطيئة؟ انظر في المصحف فكل آية نهى الله فيه عنها، وأخبرك أنَّه من عمل بها أدخله النَّار فهى الخطيئة. انتهى.
فإن قيل: هذه الآية وردت بحق اليهود، قلنا العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولبعض المفسرين والمتكلمين مسارح في هذا المقام طويلة جدًا حاصلها أن هنا ثلاثة مذاهب:
أولها: إثبات الخلود في النَّار لأهل الكبائر الذين ماتوا ولم يتوبوا منها، وهو قول جمهور المعتزلة والخوارج، ومنهم من أثبت وعيدًا منقطعًا، وهو قول بشر المريسي والخالدي.
وثانيها: القطع بأنه لا وعيد لهم، وهو قول شاذ ينسب إلى مقاتل بن سليمان المفسر.
وثالثها: القطع بأنه يعفو عن بعض العصاة، ويعذب ببعض المعاصي، مع التوقف في حق كل أحد على التعيين، أنَّه هل يعفو عنه أم لا، والقطع بأنه تعالى إذا عذب أحدًا منهم مدة، فإنَّه لا يعذبه إلى الأبد، بل يقطع عذابه، وهذا قول أكثر الصحابة والتابعين، وهو قول جمهور العلماء، وأكثر الإمامية، ولكل من هذه الفرق [أدلة] (١) يطول بيانها، ومحلها كتب الكلام، وقد ذكر الرَّازي منها جملًا.
ولما كان من فضله تعالى، أنَّه لا يذكر في القرآن آية في الوعيد إلَّا ويذكر بجنبها آية الوعد، قال:
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)﴾.
يعني بـ ﴿الذين آمنوا﴾: الذين صدقوا بما جاء به محمَّد ﷺ ، بألسنتهم،
стр. 240
﴿وعملوا الصالحات﴾، أطاعوا الله فأقاموا حدوده، وأدوا فرائضه، واجتنبوا محارمه، فبينوا أن قلوبهم مطمئنة بالإيمان، ﴿أولئك﴾ الذين علت مراتبهم وشرفت مناقبهم ﴿أصحاب الجنَّة هم فيها خالدون﴾، مقيمون فيها أبدًا، وترك الفاء من ﴿أولئك﴾ هنا ليدل على أن سبب سعادتهم إنَّما هو الرحمة المفاضة عليهم منه تعالى، لا بسبب أعمالهم.
ثم شرع سبحانه يقيم الدليل على أن اليهود ممن أحاطت به خطيئته فقال:
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾.
فقوله تعالى ﴿وإذ أخذنا﴾، معناه: اذكروا ما تعلمون في كتابكم مِن حال من أصاب سيئة محيطة، واذكروا إذ أخذنا ميثاقكم، فالمقام هنا مقام إضمار، ولكنّه أظهر لطول الفصل بذكر وصف يعمهم وعيرهم، فقال: ﴿ميثاق بني إسرائيل﴾، وهذا على تقدير حذف ما تعلقت به ﴿إذ﴾، ويجوز أن يكون معطوفًا على ﴿نعمتي﴾ في قوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠ - ٤٧] لأنَّ الكل في مخاطبتهم وبيان أمورهم.
ولما كان الدين، إنَّما هو الأدب بين الخالق والخلق، ذكر المعاهد عليه من ذلك مرتبًا له على الحق فالأحق، فقال: ذاكرًا له بصيغة الخبر، مريدًا به النَّهي والأمر، وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي, لأنَّه كأنه سورع إلى الامتثال والانتهاء، فهو يخبر عنه ودل على إرادة ذلك بعطف: ﴿وقولوا للناس حسنًا﴾ عليه، و ﴿الميثاق﴾ وزنه مفعال، مأخوذٌ من التوثق باليمين ونحوها من الأمور التي تؤكد القول، فكأنه تعالى يقول: إنَّه ما من شريعة، إلَّا وقد [أخذنا] على أهلها الميثاق بأن لا يعبدوا إلَّا الله المنعم الحقيقي الذي له الأمر كله، وأنتم معشر بني إسرائيل، قد أخذ عليكم هذا الميثاق بذاته، فلم نقضتم الميثاق وغيرتم وبدلتم وعبدتم الأشخاص؟
стр. 241
ثم بيّن بقية ما أمرهم به، إعلامًا بأن الشرع إنَّما هو معرفة الخالق ومعرفة ما يجب له، ثم معرفة حقوق الخلق على بعضهم بعضًا فقال: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ أي: وأحسنوا، أو تحسنون بالوالدين إحسانًا عظيمًا، وإنَّما قدم الإحسان بالوالدين على ما بعده وعطفه على قوله: ﴿لَّا تعبدون إلَّا الله﴾، لأنَّ الوالدين في المرتبة الثَّانية، حيث جعلهما الله سبحانه السبب في نعمة الإيجاد الأوَّل، والمباشرين للتربية، واسمهما مشتق من الولادة لأنهما السبب أيضًا في استبقاء ما يتوقع ذهابه، بظهور صورة منه تخلف صورة نوعه، ولذلك أكد الوصيَّة بهما وكررها في كتابه العزيز فقالها: ﴿وبالوالدين إحسانًا﴾، فأطلق الوالدين ولم يقيدهما بكونهما مؤمنين، ولا بكونهما كافرين، ومن المعلوم في فن الأصول أن الحكم إذا ترتب على وصف أشعر بعلية ذلك الوصف، فالاَية دالة على أن الأمر بتعظيم الوالدين لمحض كونهما والدين، وهذا يقتضي العموم.
ثم إنَّه تعالى بين في قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء]، السبب الذي من أجله كان وجوب التعظيم، وبالغ في المنع من إيذائهما بقوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء] ثم قص علينا قصة إبراهيم ﵇ وكيف كان يتلطف في دعوة أبيه من الكفر إلى الإيمان، في قوله: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)﴾ [مريم] إلى محال من الكتاب الكريم جاءت في هذا الصدد، ثم إن أباه كان يؤذيه ويجيبه بالأجوبة الغليظة، وهو يتحمل ذلك ولا يعامله إلَّا بالإحسان، ولم يقص الله علينا قصته إلَّا لأجل أن نفتدي به كما أرشدنا إلى ذلك بقوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] ومن الإحسان إليهما أن لا يؤذيهما ألبتة، وأن يوصل إليهما من المنافع قدر ما يحتاجون إليه، وأن يدعوهما إلى الإيمان، إن كانا كافرين وهو مؤمن ويأمرهما بالمعروف على سبيل الرفق إن كانا فاسقين.
стр. 242
وقد قرن الله تعالى عقوق الوالدين بالشرك فيما رويناه (١) من طريق البُخاريّ ومسلم والترمذي، عن أبي بكرة ﵁، أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر، ثلاثًا" قلنا: بلى يا رسول الله، قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين"، وكان متكئًا فجلس، فقال: "ألا وقول الزور، وشهادة الزور"، فما زال يكررها حتَّى قلنا ليته سكت.
ومن طريق البُخاريّ عن عبد الله بن عمرو، مرفوعًا: "الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النَّفس، واليمين المغموس".
ولما كان حق ذي القربى كالتابع لحق الوالدين، لأنَّ الإنسان إنَّما يتصل به أقرباؤه بواسطة اتصالهم بالوالدين، والاتصال بالوالدين مقدم على الاتصال بذي القربى لا جرم قد ذكر الوالدين، ثم عطف عليهما قوله ﴿وذي القربى﴾ ولا يخفى في هذا من القواعد التي يحتاج إليها العمران وذلك لأنَّ القرابة مظنة الاتحاد والألفة والرعاية والنصرة فلو لم يحصل شيء من ذلك لكان ذلك أشق على القلب وأبلغ في الإيحاش والضرر وكلما كان أقوى كان دفعه أوجب، فلهذا وجبت رعاية حقوق الأقارب.
ويدل لهذا المعنى، حديث الصحيحين عن أنس بن مالك أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : "من سره أن يبسط عليه" وفي رواية "له في رزقه، وينسأ في أثره فليصل رحمه" ورواه البُخاريّ والترمذي، عن أبي هريرة بلفظ: "من سره أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره، فليصل رحمه" فبين ﷺ : أن صلة الرحم تكون سببًا من جملة أسباب بسط الرزق, أي: كثرته ووسعه، وسببًا في إنساء الأثر أي: تأخير الأجل.
وبيانه: أن الله تعالى ربط الأسباب بمسبباتها في هذا العالم، ولا يمكن
стр. 243
التوصل إلى المسببات إلَّا بأسباب التعاون والتعاضد، وحصول ذلك مشروط بارتباط القلب بالخالق أولًا ثم بحسن السياسة مع الوالدين، واكتساب رضائهما، ثم بحسن السياسة مع ذوي القربى، لأنَّ الارتباط معهما يسهل أسباب المعاش ويحصل به التعاون والتعاضد على التجارة والزراعة والصناعة، وليس إخلاص قريبك لك كإخلاص البعيد عنك لأنَّ قريبك إذا كان مخلصًا لك ربَّما قدمك على نفسه لما بينكما من عطف القرابة، ووداد الألفة والمحبة، بخلاف البعيد عنك، وإذا حصل التعاون والتعاضد والإحسان من القريب انبسط الرزق، ورأى الواصل لرحمه وأقاربه بركة في حياته ونوع هناء بها، فيكون كأنه في أجله، وشتان بين من ينقضي عمره في كدر، وبين من هو في يسر وبسطة عيش.
وأيضًا فإن الاشتغال بمقاومة الأقارب يضيع الأوقات فيما لا نفع فيه، وذلك كناية عن قصر العمر، ومسالمتهم ووصلتهم تجعل الأوقات متفرغة للأعمال العائدة على الواصل بالنفع، وهذا كناية عن التأخير في الأجل، من هنا انتزع ابن خلدون قوله في "مقدمة تاريخه": إن صلة الرحم طبيعي في البشر إلَّا في الأقل، ومن صلتها النعرة على ذوي القربى وأهل الأرحام أن ينالهم ضيم أو تصيبهم هلكة، فإن القريب يجد في نفسه غضاضة من ظلم قريبه أو العداء عليه، ويود لو يحول بينه وبين ما يصله من المعاطب والمهالك، نزعة طبيعية في البشر مذ كانوا، فإذا كان النسب المتواصل بين المتناصرين قريبًا جدًا بحيث حصل به الاتحاد والالتحام، كانت تلك الوصلة ظاهرة فاستدعت ذلك بمجردها ووضوحها، وإذا بعد النسب بعض الشيء فربما تنوسي بعضها، ويبقى منها شهرة فتحمل على النصرة لذوي نسبه بالأمر المشهور منه فرارًا من الغضاضة التي يتوهمها في نفسه من ظلم من هو منسوب إليه بوجه.
ومن هذا الباب الولاء والحلف، إذ نعرة (١) كل أحد على أهل ولائه وحلفه للألفة التي تلحق النَّفس من اهتضام جارها، أو قريبها، أو نسيبها بوجه من
стр. 244
وجوه النسب، وذلك لأجل اللحمة الحاصلة من الولاء، مثل لحمة النسب أو قريبًا منها ومن هذا تفهم معنى قوله ﷺ : "تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم" (١) بمعنى: أن النسب إنَّما فائدته هذا الالتحام الذي يوجب صلة الأرحام حتَّى تقع المناصرة والنعرة، وما فوق ذلك مستغنى عنه، إذ النسب أمر وهمي لا حقيقة له، ونفعه إنَّما هو في هذه الوصلة والالتحام.
فإذا كان ظاهرًا واضحًا حمل النفوس على طبيعتها من النعرة كما قلناه، وإذا كان إنَّما يستفاد من الخبر البعيد ضعف فيه الوهم، وذهبت فائدته وصار الشغل به مجانًا ومن أعمال اللهو المنهي عنه، ومن هذا الاعتبار معنى قولهم: النسب علم لا ينفع، وجهالة لا تضر، بمعنى: أن النسب إذا خرج عن الموضوع وصار من قبيل العلوم، ذهبت فائدة الوهم فيه عن النَّفس، وانتفت النفرة التي تحمل عليها المعصية، فلا منفعة فيه حينئذٍ، هذا كلام ذلك العالم العمراني.
ولما كانت الشفقة على الضعيف من مقتضى الكمالات الإنسانية، والقسوة عليه من مقتضى التوحش، عطف تعالى على قوله: ﴿وذي القربى﴾، قوله: ﴿واليتامى والمساكين﴾، فأوصى باليتامى لضعفهم، وبالمساكين لكسرهم، وأيضًا فإن اليتيم كالتالي لرعاية حقوق الأقارب، وذلك لأنَّه لصغره لا ينتفع به، وليتمه وخلوه عمن يقوم به يحتاج إلى من ينفعه، والإنسان قَلَّما يرغب في صحبة مثل هذا، وإذا كان هذا التكليف شاقًا على النَّفس لا جرم، كانت درجته عظيمة في الدين، وأخر المساكين عن اليتامى في الذكر، لأنَّ المسكين قد يكون بحيث ينتفع به في الاستخدام، فكان الميل إلى مخالطته أكثر من الميل إلى مخالطة اليتامى، ولأن المسكين أيضًا يمكنه الاشتغال بتعهد نفسه ومصالح معيشته، واليتيم ليس كذلك.
وقد حض النبي ﷺ ، على السعي على المسكين واليتيم، فأخرج البُخاريّ ومسلم، والإمام أحمد والترمذي والنَّسائي، عن أبي هريرة ﵁، أنَّه
стр. 245
قال: قال رسول الله ﷺ : "الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله .. " قال: وأحسبه قال: "كالقائم لا يفتر، وكالصائم لا يفطر"، وفي لفظ: "كالذي يصوم النهار".
وأخرج مسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "أنا وكافل اليتيم - له أو: لغيره- أنا وهو كهاتين في الجنَّة". وأشار الراوي بالسبابة والوسطى.
ولمَّا لم يكن وسع النَّاس عامة بالإحسان بالفعل ممكنًا، أمر بجعل ذلك بالقول، فقال: ﴿وقولوا للناس حسنًا﴾ أي: حَسَنًا بالتحريك، وبها قرئ، ويجوز أن حسْنًا بسكون السين، بمعنى: وقولوا للناس قولًا هو حُسنٌ في نفسه، على حد قولك: زيد عَدْلٌ, أي: لإفراط حسنه صار كأنه هو الحسن. وقال سفيان الثوري: في معنى: ﴿وقولوا للناس حسنًا﴾، مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر، وقال عطاء بن أبي رباح: من لقيت من النَّاس فقل له حسنًا من القول.
والذي يلوح من سر الآية التفصيل، واعتبار كل مقام بحسبه، فإن كان القول للدعوة إلى الإمام فليكن بالرفق واللين، كما قال الله تعالى لموسى وهارون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] وقال لمحمد ﷺ : ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وإن كان لدعوة الفساق ونحوهم للطاعة، فليكن بحسن القول كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [المؤمنون: ٩٦].
ومن المعلوم: أنَّه إذا أمكن التوصل إلى الغرض باللطيف من القول لم يعدل عنه إلى غيره، وما دخل الرفق في شيء إلَّا زانه، وما دخل الخَرَق في شيء إلَّا شانه، فثبت أن جميع آداب الدين والدنيا داخلة تحت قوله تعالى: ﴿وقولوا للناس حسنًا﴾ وأنت إذا تأملتها حق تأملها أرشدتك إلى قواعد العمران، وإلى المدنية الصحيحة، لأنَّ القائم بأمر ما لا يقدر على القيام به بنفسه، ولابد له من معونة أبناء جنسه، فإذا قام به بفظاظة وغليظ القلب واستبداد، تربص به قومه السوء،
стр. 246
وتحينوا الفرص للإيقاع به، وإذا قام به الحسنى واختبار طباع قومه، وساسهم بالقول الحسن، ولم يدع ممكنًا في اتحادهم، وتأليف قلوبهم إلَّا سلكه، التفوا حوله، وقالوا بقوله، وانتظموا في سلك إرادته، وأوصلوه إلى غايته، فإن للكلام مغناطيسًا في خاصية الجذب إذا أحسن المتكلم استعماله، وخاصية التنفير إذا رُتب على غير مقتضاه.
وإلى هذا يشير الأثر المشهور: "إن من الشعر لحكمة، وإن من البيان لسحرًا" ولا تخفاك تلك الروعة التي تأخذك حينما تسمع المواعظ والزواجر من كلام علام الغيوب، وترى منها تأثير الجاذبية التي تكاد تجذبك إلى الملأ الأعلى وإلى مقام القدس، وتهدي لك روحًا لم تكد تخطر من قبل في خيالك، وانظر نفسك إذا مر على أذنك كلام لم يلائم طبيعتك، ولمن يتفق مع مشربك، كيف يحصل لك ذلك الانقباض وتلك النفرة التي ربَّما لم تكن تعهدها من نفسك، فيا لله ما أكثر معاني قوله تعالى: ﴿وقولوا للناس حسنًا﴾ وما أبهرها للعقول.
ولما أمر الله تعالى بني إسرائيل بما إن امتثلوه، اجتمعت كلمتهم، ذكر أعظم جامع على الله من الأعمال فقال: ﴿وأقيموا الصَّلاة﴾ ثم ذكر ما به تمام الجمع ودوامه، فقال: ﴿وآتوا الزكاة﴾ ولما كان الإعراض عن هذه المحاسن في غاية البعد، ولا سيما إذا كانت بعهد، ولا سيما إذا كان العهد من الله، أشار إلى ذلك بأداة التراخي فقال: ﴿ثم توليتم﴾، سالكًا هذا اللفظ مسلك الالتفات, أي: توليتم عن الميثاق ورفضتموه ﴿إلَّا قليلًا منكم﴾، إلَّا من عصمه الله منكم فوفى الله بعهده وميثاقه، و ﴿أنتم معرضون﴾، وأنتم قوم عادتكم الإعراض عن المواثيق وعادتكم التولية، ومعنى الإعراض التولي، وهذا الخطاب لبني إسرائيل الذين وجدوا حين نزول القرآن، وبعد نزوله، فكأنه تعالى يقول: إن سلفكم أمروا بهذه المأمورات، فتولى أكثرهم عنها وأعرضوا، وأنتم تابعون لهم في التولي والإعراض، فحق عليكم ما حق على سلفكم من كلمة العذاب.
وقص تعالى على المؤمنين هذه القصة، تحذيرًا لهم من أن يسلكوا ما سلكه بنو إسرائيل، فيصيبهم ما أصابهم.
стр. 247
ولما كان أكبر الكبائر بعد الشرك: القتل، تلاه بالتذكير بما أخذ عليهم من العهدْ، وقرن به الإخراج من الديار، لأنَّ المال عديل الروح والمنزل أعظم المال، وهو للجسد كالجسد للروح، فقال:
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤)﴾.
هذه الآية خطاب لأسلاف اليهود، وتقريع لمن خلفهم من بعدهم، وزجر للمؤمنين من أن يفعلوا ذلك.
وقوله: ﴿لا تسفكون دمائكم﴾، يصح حمله على الحقيقة وعلى المجاز، فأمَّا حمله على الحقيقة فيكون على معنى: لا تفعلون القتل بأنفسكم لشدة تصيبكم، وحنق يلحقكم، وإلى هذا يشير ما أخرجه البخاري ومسلم والترمذي بتقديم وتأخير، والنَّسائي، عن أبي هريرة ﵁، أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : "من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تحسى سمًا فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا" فقوله: تردى معناه: رمى بنفسه من الجبل أو غيره، وقوله يتوجأ يها مهموزًا معناه: يضرب بها نفسه.
وأخرج البُخاريّ عنه، أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : "الذي يخنق نفسه يخنقها في النَّار، والذي يطعن نفسه يطعن نفسه في النَّار، والذي يقتحم يقتحم النَّار".
وأخرج مسلم عن جندب بن عبد الله مرفوعًا: "أن رجلًا كان ممن كان قبلكم خرجت بوجهه قُرحة، فلما آذته انتزع سهمًا من كنانته فنكأها فلم يرقأ الدم حتَّى مات، قال ربكم: قد حرمت عليه الجنَّة" قوله: "فلم يرقأ" معناه: لم يجف، ولم يسكن جريانه. والكِنانة بكسر الكاف جعبة النشاب، ونكأها بالهمز نخسها وفجرها. وفي البات أحاديث في دواوين المحدثين ليس هنا محل استقصائها.
стр. 248
وأمَّا حمله على المجاز فمعناه: لا تقتلوا أنفسكم بارتكابكم ما يوجب ذلك، كالارتداد والزنى بعد الإحصان، والمحاربة وقتل النَّفس بغير حق، ونحو ذلك مما يزيل عصمة الدماء.
أو معناه: لا يفعل ذلك بعضكم ببعض، على جعل غير الرجل نفسه إذا اتصل به أصلًا أو دينًا، وهذا المعنى اختاره الزمخشري ويشهد له قوله ﷺ : "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض" (١).
وقد يظن في بادئ الأمر أن هذا النَّهي لا فائدة فيه، ولكن متى تأمل الاحتمالات المتقدمة تلاشى ذلك الظن، وعلم من أولها أنَّه نهى عما يعتقده فلاسفة الهند من البراهمة وغيرهم، من أنهم يقدرون في قتل النَّفس التخلص من عالم الفساد الذي هو عالم العناصر، واللحوق بعالم النور والصلاح الذي هو عالم الروح.
ولا يخفى ما في هذا النَّهي من انتظام أمر العمران، وما في ضده من الخضوع للذل المؤدي إلى خراب الدُّنيا، وجعل أصحاب هذا الفكر خاضعين لسلطة الغير عليهم، ثم إذا انتقلوا بقتل أنفسهم إلى عالم النور الذي يتوهمونه وصلوا إلى عالم الظلمة، فيتألمون به أبد الآباد، ولما كانوا في هذيان وضلال، ردهم تعالى إلى الحق في هذه الآية والتي قبلها.
وفي قوله تعالى: ﴿لا تسفكون دماءكم، ولا تخرجون أنفسكم من دياركم﴾ سر آخر، وهو أنَّه أشار بالكاف والميم الدالين على الجمع، إلى أنَّه متى كانت الملة واحدة كان جميع المتبعين لها كرجل واحد، قال ﵊: "إنَّما المؤمنون في تراحمهم وتعاطفهم بينهم بمنزلة الجسد الواحد إذا اشتكى بعضه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" (٢). وقوله: ﴿ولا تخرجون أنفسكم من
стр. 249
دِيَارِكُمْ﴾، يشارك ما قبله في معانيه، فيكون معناه: لا تفسدوا فيكون الإفساد مسببًا لإخراجكم من دياركم، أو: لا يخرج بعضكم بعضًا من دياره، أو لا تسيئوا جوار من جاوركم فتلجئوهم إلى الخروج من دياركم، أو: لا تخرجوا أنفسكم يعني: إخوانكم، لأنكم كنفس واحدة حيث كنتم ملة واحدة.
(ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ عليها، وإقرارها بذلك الميثاق وإن كان مأخوذًا على أسلافهم لكنهم لما وصلهم بواسطة التوارة، وأذعنوا لصدقه، صاروا مشاركين لِمَنْ أخذ الميثاق عليهم في زمن موسى ﵇، ومعنى هذا الميثاق مذكور في التوراة، في السفر الثاني منها، كما ذكر أمر المناجاة وحضورهم عند الجبل، ولشهرة التوراة اليوم استغنينا عن نقل هذا السفر هنا.
ثم إنه تعالى بين مخالفتهم لما أخذ عليهم من الميثاق مع شهادتهم به فقال:
﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾
الكلام خارج مخرج الاستبعاد لما أسند إليهم من القتل، والإجلاء والعدوان، بعد أخذ الميثاق منهم وإقرارهم وشهادتهم، والإشارة بهؤلاء إلى أنهم الحقيرون المقدور عليهم، المجهولون الذين لا يعرف لهم اسم ينادون به، المرجؤون الأن.
و﴿أَنْتُمْ﴾ هنا مبتدأ خبره ﴿هَؤُلَاءِ﴾، ثم استأنف البيان عن هذه الجملة فقال: ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾، ولا تلتفتون إلى هذا العهد الوثيق، ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُم﴾ أي: ناسًا مساكين من أسفالكم، فهم جديرون منكم بالإحسان لا بالإخراج من ديارهم.
стр. 250
روى أبو العالية: أن بني إسرائيل كانوا إذا استضعفوا قومًا أخرجوهم من ديارهم، ولما كان من المستبعد جدًّا بعد الاستبعاد الأول أن يقعوا في ذلك على طريق العدوان، استأنف ذلك بقوله: ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ أي: تتعاونون وتتناصرون ﴿عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ﴾، وهو أسوأ لاعتدائه في قول أو فعل أو حال، ويقال للكذوب: أثوم لاعتدائه بالقول على غيره، وقيل: الإثم هو الَّذي تنفر منه النفس ولا يطمئن له القلب، وهذا القول أولى لأنَّ النبي- ﷺ فسر الإثم بقوله: "والإثم ما حاك في القلب، وكرهت أن يطلع عليه الناس" (١).
على أن القولين عند التحقيق يرجعان لمعنى واحد، لأنَّ الاعتداء والكذب لا يطمئن لهما القلب، ويخشى صاحبهما من اطلاع الناس على حاله وانكشافه لهم، ﴿وَالْعُدْوَانِ﴾ هو تجاوز الحد في الظلم، ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ﴾ أي: هؤلاء الذين تعاونتم أو عاونتم عليهم ﴿أُسَارَى﴾ جمع أسرى، وهو جمع أسير، وأصله المشدود بالأسر، وهو "القد" وهو ما يقد أي: يقطع من السير، ﴿تُفَادُوهُمْ﴾ أي: تخلصوهم بالمال، مأخوذ من الفداء، وهو الفكاك بعِوَض، وتفادوهم من المفاداة وهي الاستواء في العوضين، ثم أكد تحريم الإخراج بزيادة لفظ "هو" والجملة الاسمية في قوله: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ﴾ مأخوذ من التحريم، وهو تكرار الحرمة بكسر الحاء، وهي المنع من الشيء لدناءته، والحُرمة بالضم المنع من الشيء لعلوه، ولما كان المتقدم أربعة أشياء: قتل النفس، والإخراج من الديار، والتظاهر بالإثم والعدوان، والمفاداة، وكلها محرمة، خصص الإخراج من الديار بقوله: ﴿إِخْرَاجُهُمْ﴾، لأنَّه أعظم إخوانه، لأنَّ الإخراج من الديار فيه من معرة الجلاء، والنفي ما لا ينقطع شره إلا بالموت، بخلاف القتل فإنه وإن كان فيه هدم البنية لكنه ينقطع به الشر دفعة واحدة، وبخلاف المفاداة فإنها من جريرة الإخراج من الديار والتظاهر، لأنَّه لولا الإخراج من الديار والتظاهر عليهم ما وقعوا في قيد الأسر.
ثم إنه تعالى أنكر عليهم التفرقة بين الأحكام، فقال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ﴾ أي: التوراة وهو الموجب للمفاداة، ﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾، وهو المحرم