ثم بين تعالى كفر الشياطين بقوله: ﴿يعلمون الناس السحر﴾ أي: الَّذي ولدوه هم بما يزينونه من حاله ليعتقد أنَّه مؤثر بنفسه ونحو ذلك، كما أن الأنبياء وأتباعهم يعلمون الناس الحق بما يتبينونه من أمره.
واختلف المفسرون في سبب كفر الشياطين هنا فقيل: هو بتعليم السحر، وقيل: تعلمهم به، وقيل: بتكفيرهم سليمان ﵇، وظاهر الآية يقتضي أنهم إنما كفروا لأجل أنهم كانوا يعلمون الناس السحر، لأنَّ ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلّية، وتعليم ما لا يكون كفرًا لا يوجب الكفر، فصارت الآية دالة على أن تعليم السحر كفر، وعلى أن السحر أيضًا كفر.
ومن لا يسلّم بأن قاعدة ترتيب الحكم على الوصف تفيد العلية، يقول: إنهم كفروا، وهم مع ذلك يعلمون الناس السحر، فيجعل جملة ﴿يعلمون﴾ في موضع الحال من الضمير في ﴿كفروا﴾، وصاحب القول الأول يجعل الجملة بدلًا من ﴿كفروا﴾ بدل الفعل من الفعل، واختار أبو حيان في "البحر" و "النهر" أنها استئناف إخبار.
وعلى كل فكفر الشياطين لم يكن لأجل السحر، بل لأجله مقترنًا به قصد الإغواء والإضلال، لأنَّ سياق الآية يدل على أنهم إنما فعلوا ذلك إضلالًا للقوم، لينفوا نبوة سليمان ﵇، وليبدلوا ما جاء في شرعه بما لفقوه من السحر والمحال، فلا يقال: لو كان تعليم السحر كفرًا لكفرت الملائكة الذين كانوا ببابل، مع أن الملائكة معصومون.
وقوله تعالى: ﴿وما أنزل على الملكين﴾، عطف على السحر، أي: ويعلمونهم ما أنزل الله على الملكين، وظاهر العطف التغاير، فلا يكون ما أنزل على الملكين سحرًا، وقيل: هو معطوف على ﴿ما تتلوا الشياطين﴾ والمعنى: واتبعوا ما تتلوا الشياطين والذي أنزل، وظاهره أن ما علموه للناس أو ما اتبعوه هو منزل، ومن ثم قال الحرالي: فيه إنباء بأن هذا التخييل ضربان: مودع في الكون، وهو ما علمته الشياطين؛ ومنزل من غيب، وهو المتعلم من الملكين، انتهى.
стр. 282
والذي أختاره: أن موضع ﴿ما﴾ من قوله تعالى: ﴿وما أنزل﴾، جر عطفًا على ﴿ملك سليمان﴾ وتقديره: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾، ﴿و﴾ على ﴿ما أنزل على الملكين﴾، وذلك لأنَّ السحر لو كان نازلًا عليهما لكان منزله هو الله تعالى، ولا يليق به تعالى إنزال ذلك، ولا ينبغي أن يستبعد هذا، لأنَّ هذا القرآن منزل من عند الله تعالى، ومع ذلك قد ترى كثيرًا من الناس تركوا العمل به وأتوا آياته فجعلوها طلاسم وعزائم، فقالوا مثلًا: الآية الفلانية إذا كتبت مقلوبة مثلًا على عظم ميت أو غيره بدم خفاش، وقنفذ أو نحو ذلك، ودفنت في طريق قوم أو في منزلهم حصلت بينهم العدواة والبغضاء، وإذا نفر محب عن محبوبه فلتكتب له آية كذا في أشياء اخترعوها، فإن المحبين يتواصلان إلى غير ذلك مما هو مسطور في كثير من الكتب التي بأيدي الناس، وحاشى أن يكون القرآن أنزل لأمثال هذه المقاصد السافلة.
فإن قلت: ما هو الَّذي أنزل على الملكين حينيذٍ؟
قلت: هو الشرع والدين، وكيفية ترتيب الأجرام العلوية، وتشريح الأفلاك وما أوح تعالى بها من الخصائص، ويحتمل أن يكون مع ذلك فن النبات وما أودع فيها وفي المعادن من الخواص، وباقي المواليد الثلاثة وما يشملها من الطبيعي والرياضي، ثم إن الشياطين تركوا ما أنزلت هذه العلوم لأجله، واشتغلوا بأحكام فن النجوم ليتوصلوا به إلى السحر، واستعملوا المعدنيات فيما يورث التخيل، ويحل رابطة الألفة بين المرء وزوجه.
وكان الملكان يقولان للمتعلم منهما: ﴿إنما نحن فتنة﴾، أي: إنا أتينا هذه العلوم فتنة واختبارًا لكم، وتعليمًا لما ينفعكم في أمر معاشكم من معرفة الأوقات، وإظهار حكمة الباري تعالى، فلا تتركوا ما لأجله كانت هذه العلوم، وتتبعوا ما لم تنزل لأجله فتكفروا بذلك، فكانوا لا يصغون إلى النصيحة، ويتعلمون منهما الَّذي يقصدون به التفريق بين المرء وزوجه، وأمثال هذه المؤذيات.
فرد عليهم تعالى في بقية هذه الآية، فكان مثله كمثل من يتعلم فن النبات والحيوان والمعادن، ثم لا يلتفت منه إلا إلى تركيب السموم والأشياء المضرة
стр. 283
بالعقل والدماغ، وكمن يتعلم فنون الفلك من تشريح الأفلاك، ورصد كواكبها، ومعرفة فن الميقات بها، ثم يترك ذلك ويشتغل بفن أحكام النجوم ليتوصل إلى كشف المغيبات بزعمه.
وإلى استخدام روحانية الكواكب على نمط مخصوص كما جرى ذلك لأهل بابل، فإنهم توغلوا في هذا النوع حتَّى ادعوا ألوهية الكواكب، وجعلوها معبودة لهم من دون الله تعالى، وصوروا لها صورًا ورتبوا لها الأدعية وقربوا لها القربان، واخترعوا لعبادتها لباسًا مخصوصًا، وهذا كله معلوم لمن اطلع على البقية الباقية من الكتب المأخوذة عن القوم، ولهذا كثر الرد عليهم في القرآن الكريم، ونبهنا تعالى عن أن نكون مثلهم في هذه الآية الكريمة. فتأمل ما أجملناه هنا، فلعله أن يكون مرادًا من هذه الآية الكريمة، وهو تعالى الهادي.
وقوله: ﴿على الملكين﴾، قرأهما الحسن بكسر اللام، وهو مروي عن "الضحاك، وابن عباس" وأما ﴿بابل﴾، فقال في القاموس: بابل كصاحب، موضع بالعراق ينسب إليه السحر والخمر، وقال أبو معشر: الكلدانيون هم الذين كانوا ينزلون ببابل في الزمن الأول، ويقال: إن أول من سكن بابل نوح ﵇، وهو أول من عمرها وكان نزلها عقب الطوفان، فسار هو ومن خرج معه من السفينة إليها لطلب الدفء، فأقاموا بها وتناسلوا فيها، وكثروا من بعد نوح وملكوا عليهم ملوكًا وابتنوا بها مدائن، فصارت مساكنهم متصلة بدجلة والفرات إلى أن بلغوا من دجلة إلى أسفل كسكر، ومن الفرات إلى ما وراء الكوفة، وموضعهم هو الَّذي يقال له: السواد، وكانت ملوكهم تنزل بابل، وكان الكلدانيون جنودهم، فلم تزل مملكتهم قامْة إلى أن قتل "دارًا" آخر ملوكهم، ثم قتل منهم خلق كثير، فذلوا وانقطع ملكهم كذا في "معجم البلدان" لياقوت.
وقال "هشام بن محمد": إن الَّذي بنى مدينة بابل "بيوراسف الجبار" واشتق اسمها من اسم المشتري، لأنَّ بابل باللسان البابلي الأول، اسم لكوكب المشتري، وذكر في التوراة أن آدم ﵇ كان في أول أمره مقيمًا ببابل.
стр. 284
وهاروت وماروت بيان للملكين علمان لهما، وقيل بدل من الناس، وعليه فلا يكونان اسمين للملكين، وعلى الأول اقتصر صاحب الكشاف. ثم بين تعالى نصيحة الملكين بقوله: ﴿وما يعلمان من أحد﴾ فـ ﴿من﴾ جيء بها لتأكيد استغراق الجنس، لأن ﴿أحد﴾ من الألفاظ المستعملة للاستغراق في النفي العام، فزيدت هنا لتأكيد ذلك.
وقوله: ﴿حتَّى يقولا إنما نحن فتنة﴾ أي: ابتلاء واختبار من الله، وذلك كما ابتلي قوم طالوت بالنهر، ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩]. وقوله: ﴿فلا تكفر﴾، قد بينا فيما مضى ما ظهر لنا من معناه، ولنذكر هنا مسالك المفسرين: أي فلا تتعلم منا السحر معتقدًا أنَّه حق فتكفر. قال علي ﵁: كانا يعلمان تعليم إنذار لا تعليم دعاء إليه، كأنهم يقولان: لا تفعل كذا. وقال "المهدوي": إن قولهما ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ استهزاء، لأنهما إنما يقولانه لمن قد تحققا ضلاله. وقال غيره: إنما هو توكيد لقبول الشرع والتمسك به، فكانت طائفة تمتثل وأخرى تخالف. وهذه الأقوال وغيرها تحوم حول ما ذكرناه.
وقوله: ﴿فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه﴾، معطوف على شيء دل عليه أول الكلام، كأنه قال: فيأبون فيتعلمون، واختار "الزجّاج" هذا الوجه، وقال "الفراء": هو عطف على ﴿يعلمون الناس السحر ... فيتعلمون منهما﴾، والأقرب أنَّه معطوف على ﴿يعلمان﴾ المنفية لكونها موجبة في المعنى، وقوله: ﴿منهما﴾ الضمير في الظاهر عائد على الملكين، وقال "أبو مسلم": عائد على أو ﴿فتنة﴾ والكفر الَّذي هو مصدر مفهوم من قوله: ﴿فلا تكفر﴾، والتقدير: فيتعلمون من الفتنة والكفر مقدار ﴿ما يفرقون به بين المرء وزوجه﴾، والتفريق هنا تفريق الألفة والمحبة، بحيث تقع الشحناء والبغضاء فيفترقان، وتحتمل أن يكون المراد به تفريق الدين، بحيث إذا تعلم فقد كفر وصار مرتدًا، فيكون ذلك مفرقًا بينهما، والآية لا تدل على أن الَّذي يتعلمونه منهما ليس إلَّا هذا القدر، لكن ذكرت هذه الصورة تنبيهًا على سائر الصور، فإن استكانة المرء إلى زوجته وركونه
стр. 285
إليها معروف زائد على كل مودة، فنبه تعالى بذكر ذلك على أن السحر إذا أمكن به هذا الأمر على شدته فغيره به أولى.
أما قوله تعالى: ﴿وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله﴾ فإنه يدل على ذلك المعنى، لأنَّه أطلق الضرر ولم يقصره على التفريق بين المرء وزوجه، فدل ذلك على أنَّه تعالى إنما ذكره لأنَّه من أعلى مراتبه. ولما أكد تعالى استغراق هذه الجملة بضروب من التأكيد، تلاه بمعيار العموم، فقال: ﴿إلا بإذن الله﴾ لأنَّه ربما أحدث الله عنده فعلًا من أفعاله وربما لم يحدث. ولما كان هذا الَّذي تقدم وإن كان للعامل به نفع على زعمه، فضرَّه أكبر من نفعه، أتبعه قسمًا آخر ليس للعامل به شيء غير الضر، فليس الحامل على تعلمه إلا إيثار اللحاق بإبليس وحزبِه، فقال: ﴿ويتعلمون﴾، أي: من السحر ما يضرهم، لأنَّ مجرد العمل به كفر أو معصية. ثم حقق أنَّه ضرر كله لا شائبة للنفع فيه، بقوله: ﴿ولا ينفعهم﴾، لأنه لا تأثير له أصلًا، أو لأنهم يقصدون به الشر، والآية تدل على أن اجتنابه أصلح، كتعلم أحكام النجوم وأشباهه، لأنه لا يؤمن أن يجر إلى الغواية.
ثم أتبع تعالى ما يعرف أنهم ارتكبوه على علم، فقال محققًا مؤكدًا: ﴿ولقد علموا" أي: اليهود، وهذا كان لأنهم أسفه الناس، ﴿لمن اشتراه﴾ أي: آثره على ما يعلم نفعه من الإيمان، بأن استبدل ﴿ما تتلو الشياطين﴾ من كتاب الله ﴿ما له في الآخرة﴾ الباقية الباقي نفعها ﴿من خلاق﴾ أي: نصيب موافق أصلًا، والخلاق: الحظ اللائق لمن يقسم له النصيب، من الشيء، كأنه موازن به خلق نفسه وخلق جسمه.
ثم جمع لهم المذام على وجه التأكيد فقال: ﴿ولبئسما شروا﴾، أي: باعوا على وجه اللجاجة ﴿به أنفسهم﴾، إشارة إلى أنَّه مما أحاط بهم فاجتث نفوسهم من أصلها، فأوجب لهم الخلود في النار.
ثم قال، بعد إثبات العلم لهم: ﴿لو كانوا يعلمون﴾، أي: لو كان لهم قابلية لتلقي واردات الحق، إشارة إلى أن هذا لا يقدم عليه من له أدنى علم، فعلمهم الَّذي أوجب لهم الجرأة على هذا عدم، بل العدم خير منه.
стр. 286
وبهذا يتضح الجواب عن السؤال الوارد هنا، وهو أن يقال: كيف أثبت لهم العلم أولًا في قوله: ﴿ولقد علموا﴾ على سبيل التأكيد القسمي، ثم نفاه في قوله: ﴿لو كانوا يعلمون﴾ وأجاب عنه في "الكشاف" بقوله: معناه ﴿لو كانوا يعلمون﴾ بعلمهم، جعلهم حين لم يعملوا به كأنهم منسلخون عنه. وأجاب "الأخفش"، و "قطرب" بالفرق، فجعلا الذين علموا هم الذين علموا السحر ودعوا الناس إلى تعلمه، وهم الذين قال تعالى في حقهم: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾ [البقرة: ١٠١]، وأما الجهال الذين يرغبون في تعلم السحر، فهم الذين لا يعلمُون. وأجيب أيضًا بتسليم أن الكل واحد، المثبت لهم العلم والنافي عنهم، لكنهم علموا شيئًا وجهلوا شيئًا آخر، علموا أنهم ليس لهم في الآخرة خلاق، لكنهم جهلوا مقدار ما فاتهم من منافع الآخرة، وما حصل لهم من مضارها وعقوباتها.
ولما بين تعالى ما عليهم فيما ارتكبوه من المضار، أتبعد ما في الإعراض عنه من المنافع، فقال:
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾.
﴿ولو أنهم آمنوا﴾ أي: بما دعوا إليه من هذا القران، ومن اعتقاد أن الفاعل في كل شيء إنما هو الله تعالى، لا السحر، ﴿واتقوا﴾ ما يقدح في الإيمان من الوقوف مع ما كان حقًّا فنسخ من التوراة فصار باطلًا، ومن الإقدام على ما لم يكن حقًّا أصلًا من السحر، لأثيبوا خيرًا مما تركوا لأن (من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه) (١)، هكذا الجواب، ولكنه عبر عنه بما يقتضي الثبوت والدوام والشرف إلى غير ذلك مما تقصر عنه الأذهان من بلاغات القرآن، فقال: ﴿لمثوبة﴾ صيغة مفعُلة بضم العين، من الثواب، وهو الجزاء بالخير، وفي الصيغة إشعار بعلو وثبات، وشرفها [بقوله: ﴿من عند الله﴾ زادها شرفًا] (٢) بقوله: ﴿خير﴾ مع حذف المفضل عليه.
стр. 287
قال الحرالّي: وسوى بين هذه المثوبة ومضمون الرسالة في كونهما من عند الله تشريفًا لهذه المثوبة، وإلحاقًا لها بالنمط العلي من علمه وحكمته، ومضاء كلمته، انتهى.
ويجوز أن يكون قوله: ﴿ولو أنهم آمنوا﴾ تمنيًا لإيمانهم على سبيل المجاز عن إرادة الله إيمانهم واختيارهم له، كأنه قيل: وليتهم آمنوا، ثم ابتدأ ﴿لمثوبة من عند الله خير﴾، وقال الشيخ "برهان الدين البقاعي" في كتابه "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور": وهذه المثوبة عامة لما يحصل في الدنيا والأخرى من الخيرات، التي منها ما يعطيه الله لصالحي عباده، من التصرف بأسماء الله الحسنى على حسب ما تعطيه مفهوماتها من المنافع، ومن ذلك واردات الآثار، ككون الفاتحة شفاء، وآية الكرسي حرزًا من الشيطان، ونحو ذلك من منافع القرآن والأذكار والتبرك بآثار الصالحين ونحوه.
ثم أكد الخبر بقوله: ﴿لو كانوا يعلمون﴾. جواب ﴿لو﴾ محذوف، تقديره: ﴿لو كانوا يعلمون﴾ لكان تحصيل المثوبة خيرًا، يعني: سبب المثوبة وهو الإيمان والتقوى، وقيل: المعنى ﴿لو كانوا يعلمون﴾ بعلمهم، ولما انتفت ثمرة العلم الَّذي هو العمل جعل العلم منفيًا.
وقال: "علي بن أحمد بن الحسن التجيبي الحرالّي" بتشديد اللام، المغربي نزيل "حماة" في كتابه "مفتاح الباب المقفل لفهم القرآن المنزل": في قوله تعالى: ﴿لو كانوا يعلمون﴾ إشعار برتبة من العلم أعلى وأشرف من الرتبة التي كانت تصرفهم عن أخذ السحر، لأنَّ تلك الرتبة تزهد في علم ما هو شر، وهذه ترغّب في منال ما هو خير، وفيه بشرى لهذه الأمة، بما في كتابهم من قبول هذا العلم الَّذي هو علم الأسماء، ومنافع القرآن يكون لهم عوضًا من علم السيمياء الَّذي هو باب من السحر، وعساه أن يكون من نحو المنزل على الملكين.
قال ﷺ : "من اقتبس علمًا من النجوم اقتبس بابًا من السحر، زاد ما زاد" (١)
стр. 288
وحقيقة السيمياء أمر من أمر الله، أظهر آثاره في العالم الأرضي على سبيل أسماء وأرواح خبيثة، من بواطن الفتن في العلويات من النيرات والكواكب والصورة، وما أبداه منه في علوم وأعمال لا يثبت شيء منه مع اسمه تعالى، بل يشترط في صحته إخلاؤه عن اسم الله وذكره والقيام بحقه، وصرف التحنثات والوجهة إلى ما دونه، فهو لذلك كفر، موضوع فتنة لمن شاء الله أن يفتنه به، حتَّى كانت فتنة اسم السيمياء من هدى الاسم بمنزلة اسم اللات والعزى من هداية اسم الله العزيز، ولله كلية الخلق، والأمر، هدى وإضلالًا، إظهارًا لكلمته الجامعة الشاملة لمتقابلات الأرواح، قسمه إلى دارين، دار نور رحماني من اسمه العزيز الرحيم، ودار نار انتقامي من اسمه الجبار المنتقم ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤)﴾ [الروم: ١٤].
ولما جعل سبحانه من المضرة في السحر ونحوه، كان من المثوبة لمن آمن واتقى من هذه الأمة سورة الفلق والناس المعوذتان حرزًا وابطالًا، وتلقفًا لما يأفك سحر الساحرات عوضًا دائمًا باقيًا لهذه الأمة من عصا موسى، فهما عصا هذه الأمة التي تلقف ما يأفك سحر الساحرات، عوضًا دائمًا بما فيهما من التعويذ الجامع للعوذة من شر الفلق الَّذي من لمحة منه كان السحر مفرقًا، فهما عوذتان من وراء ما وراء السحر ونحوه، وذلك من مثوبة الدفع مع ما أوتوا من مثوبة النفع، ويكاد أن لا يقف مرجاة هذه الآية (١) لهذه الأمة عند غاية من منال الخيرات، ووجوه الكرامات، انتهى كلامه.
стр. 289
اسْتِنْبَاط الأحكَام مِنْ هَذِه الآيَة
دلت هذه الآية الكريمة على أمور:
أحدها: أن علوم الأوائل أنزلت على هاروت وماروت ببابل، وعلى أن الشياطين سواء كانوا من الجن، أو من الإنس، هم الذين يعلمون السحر للناس، فيصرفون تلك العلوم عن مقاصدها الأصلية، وعما وضعت له إلى ما ينتج عنها من نتائج الضرر، وقد صرحت هذه الآية بأن أهل بابل هم أول من اشتغل بتلك العلوم، وقد أنبأ بذلك آثارهم التي وجدت وتوجد إلى الآن في بطون آثار بابل، ثم تهافت عليهم أهل مصر القدماء، فأخذوا الفلسفة والسحر عنهم.
ولما كان أهل بابل أهل عبادة أصنام وأوثان، وخدمة للكواكب وتقرب إليها، كان أقباط مصر كذلك؛ لأخذهم العلوم عنهم، فعبدوا الكواكب، وتقربوا إليها وأقاموا لها التماثيل، واخترعوا لها الأدعية والعزائم، فكان حكماء اليونان وفلاسفتهم وغيرهم، يتهافتون على أهل مصر يريدون التقريب إليهم، لما كان عندهم من علوم السحر والطلسمات، والهندسة والنجوم والطب، والحساب والسيمياء والكيمياء، وكانت كهنة مصر أعظم كهان ذلك الزمان قدرًا، وأجلها بالكهانة علمًا كما ذكره "ابن أبي أصيبعة" قال:
وكانت حكماء اليونان تصفهم بذلك وتشهد لهم به، وكانوا ينحون بكهانتهم نحو النجوم، ويزعمون أنها هي التي تفيض لهم العلوم وتخبرهم بالغيوب، وهي التي تعلمهم أسرار الطوالع وصفة الطلاسم، وتدلهم على العلوم المكتومة والأسماء الجليلة المخزونة، فعملوا الطلسمات والنواميس، وولدوا الأشكال الناطقة، وصوروا الصور المتحركة، وبنوا العالي من البنيان، ورمزوا علومهم في
стр. 290
الحجارة، وعملوا من الطلسمات (١) ما نفوا به الأعداء عن بلادهم، وآثارهم ظاهرة إلى اليوم في البراري (٢) والأهرامات.
ولما خالط الإسرائيليون أهل مصر أخذوا منهم فن السحر والطلسمات، واتبعوا ذلك، وازداد اتباعهم له في عهد سليمان، فتركوا شرعهم وأنكروا النبوات اتباعًا للفلاسفة، فرد عليهم تعالى، بهذه الآية بقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] وأخبر أن معتقدهم إنما هو اعتقاد البابليين الصابئة عبدة الأوثان، وأن هذا كفر، وأن ما كان يفعله سليمان إنما هو بطريق المعجزة، لا بطريق ما ادعوه من أنَّه سخَّر الجن والريح بالسحر، لأنَّه كفر، ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢] فانظر إلى هذا الَّذي نقله العلماء عن أهل بابل ومصر، وانظر إلى تلك الآية فإنك تراها مجملة تاريخ العلوم الفلسفية، ونشأتها في أهل بابل وانتقالها إلى أقباط مصر، ثم انتقال نوع منها إلى الإسرائيليين على أبلغ وجه وأخصره.
وكان أهل بابل، ثم الأقباط، ثم فلاسفة اليونان من بعدهم، لهم مسلك في نوع من علومهم، سلكوا في بيانه مسالك الخرافات، بأن يرتبوا حكاية على ألسنة البهائم أو غيرها، يشيرون بها إلى نوع من علومهم على سبيل الرمز والإيماء، كما اخترعوا قصة "إبسال وسلامان" وأشار إليهما الشيخ الرئيس "ابن سينا"، وقصة "حي بن يقظان" التي شرحها "أبو جعفر بن الطفيل"، وكما اخترعوا "لغز قابس" إشارة إلى أن دوران الفلك وتصرفات الأمور ليس إلا على سبيل الصدفة، وكذلك اخترعوا قصة "هاروت وماروت" و"الزهرة"، ولقد رأيت كتابًا مترجمًا على اللغات سماه صاحبه "خرافات اليونان"، وفيه كثير من الأشياء التي يذكرها المفسرون في كتبهم.
ثم إن الإسرائيليين لغلظ أكبادهم، أخذوا تلك الخرافات على حقيقتها ودسوها في أول الملة الإسلامية، فأخذت عنهم على سبيل الحقيقة، وأودعها المؤلفون كتبهم بأسانيد متصلة إلى كعب ووهب وغيرهما، وجعلوها في كتب
стр. 291
تفسير كتاب الله تعالى، غير منبهين على مقاصدها، فعلق الناس بها وجعلوها من جملة الآثار، وفطن لها بعض المحققين من علماء هذه الملة، فزيفوها وبينوا المقاصد منها.
وممن صرح بأن حكاية الزهرة مع هاروت وماروت مخترعة على سبيل الخرافات، العلامة المحقق "عبد الحكيم السيالكوتي" في حاشيته على شرح المواقف، فإنه قال عند قول صاحب المواقف: "وأما الرؤيا فخيال باطل عند المتكلمين". ما لفظه: أي: تجعله إحساسًا بشيء وليس ذلك بإحساس، لانتفاء شرائطه الحقيقية أو العادية، وهذا لا ينافي كونه حكاية عن أمر ثابت في نفس الأمر، موجبًا لعلمه بعد التعبير، كالحكايات المخترعة للمعارف الحقيقية، كقصة هاروت وماروت، وسلامان، وإبسال. انتهى.
فصرح بأن هاتين الحكايتين وأمثالهما مما اخترع للمعارف الحقيقية، فظن بعض من لا إلمام له بالحقائق: أنها هي الحقيقة ذاتها، ويحتمل أن ابن عباس وغيره ممن رويت عنه تلك الحكايات - إن صحت الرواية، أنهم ذكروها على سبيل المثال، وحكاية رمز القدماء لعلومهم، فأخذها الراوون عنهم مسلمة على ظاهرها، فتفطَّنْ لِذلك، ومحِّص ما يصل إليك من العلوم، وزنه بميزان العقل تظفر بالهدى (١).
الأمر الثاني: دلت الآية على كون السحر يؤثر في أمور غريبة، كما قال تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] ودلت عليه السنة كقصة لبيد بن الأعصم مع النبي ﷺ ، وهي مروية في كتاب الطب من صحيح الإمام البخاري، ومن أنكره من القدرية فقد خالف كتاب الله وسنة نبيه، وإجماع الأمة أيضًا، إذ ما من عصر من عهد الصحابة إلى ظهور المخالفين، إلا وكان الناس يتفاوضون فيه، في أمر السحر وتأثيراته، حتَّى اختلف الفقهاء في حكم
стр. 292
الساحر، هل يجب قتله أم لا؟ فقال بعضهم بالوجوب، وقال بعضهم: هو كافر، وفصل بعضهم فقال: إذا اعترف بأنه قتل شخصًا بسحره، وبأن سحره إنما يقتل غالبًا، وجب عليه القود، ولم ينكره أحد، فكان إجماعًا، كذا قاله الآمدي.
الأمر الثالث: دلت الآية على أن السحر نوعان: منه ما يؤثر عن الشياطين، ومنه ما يتوصل إليه بسبب علوم لم تكن موضوعة له خاصة، كالذي أنزل على الملكين ببابل. وقد قسم العلماء السحر إلى أقسام:
أولها: سحر "الكلدانيين" وهم: أهل بابل، و"الكسدانيين" وهم: النبط الذين كانوا في قديم الدهر، وهم قوم يعبدون الكواكب، ويزعمون أنها هي المدبرة لهذا العالم، ومنها تصدر الخيرات والشرور، والسعادة والنحوسة، وهم الذين بعث الله إبراهيم ﵇ مبطلًا لمقالتهم ورادًا عليهم في مذاهبهم، وكان لهم في هذا النوع تآليف وآثار قد وصل إلى علماء هذه الملة منها النزر اليسير، فأخذوا منه فن أحكام النجوم، وصور الدرج، والكواكب والسيمياء والكيمياء.
وأكثر من اعتنى بتخليص ذلك وضبط قواعده "مسلمة بن أحمد المجريطي الأندلسي" في كتابه الَّذي سماه "غاية الحكيم".
ثانيها: سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية، وعلله الرئيس ابن سينا في "الشفاء"، بأن الأحوال الجسمانية تابعة للأحوال النفسانية، وذلك أن الوهم إذا تسلط على شيء أثر فيه تأثيرًا ظاهرًا.
وعندي لذلك تعليل أسمِّيه بالكهربائية النفسانية، وذلك أن الهمة إذا سلطت على شيء اهتمامًا تامًا، انفصل من صاحب تلك الهمة مغناطيس جذاب، فاتصل بالشيء التي وجهت الهمة نحوه فحصل له الجذب والانفعال، وتصرف الجاذب بالمجذوب تصرفًا قهريًا له، وهذا يشبه اتصال العاشق بالمعشوق، فإن المعشوق لما كانت كهربائيته أقوى، جذب العاشق جذب ملك وقهر، وتلك الكهربائية لا ينكر وجودها في الأجسام إلا من ليس له اطلاع على هذا الفن، وعسانا أن نوضح هذا ونثبته في مكان آخر، ومن هذا النوع ما يسمى في زمننا بالتنويم المغناطيسي الَّذي اشتهر عند كثير من الناس.
стр. 293
ثالثها: من السحر التخيلات والأخذ بالعيون، كما هو شأن المشعبذ الحاذق، فإنه يظهر عمل شيء يشغل أذهان الناظرين به، ويأخذ عيونهم إليه حتَّى إذا استغرقهم الشغل بذلك الشيء والتحديق نحوه، عمل عملًا آخر بسرعة شديدة، فيبقى ذلك العمل خفيًا لتفاوت الشيئين، أحدهما اشتغالهم بالأمر الأول، والثاني سرعة الإتيان بهذا العمل الثاني، وحينئذ يظهر لهم شيء آخر غير ما انتظروه، فيتعجبون منه جدًا، ولو أنَّه مكث ولم يتكلم بما يصرف الخواطر إلى ضد ما يريد أن يعلمه، ولم تتحرك النفوس والأوهام إلى غير ما يريد إخراجه، لفطن الناظرون لكل ما يفعله.
رابعها: الاستعانة بالأرواح الأرضية بأعمال مخصوصة يذكرها أصحاب هذه الصناعة في كتبهم، وهذا النوع هو المسمى: بالعزائم وتسخير الجن.
خامسها: الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات المركبة، على النسب الهندسية تارة، وعلى ضروب الخيلا أخرى، ومن هذا النوع ما يسمى في زمننا "بالسيموتوغرافيا"، حيث يظهر للناظر بتسلط الأشعة الكهربائية على الستار صورة البحر والجبال، والجيوش والبساتين والأنهار، والناس والدواب تغدو وتروح، ومن هذا النوع كان سحر سحرة فرعون، ويندرج فيه فن جر الأثقال، وهذا النوع لا يعد من السحر إلا من كونه مما لطف ورق، ويمكن أن يكون هذا مما أنزل على الملكين ببابل.
سادسها: الاستعانة بخواص الأدوية المبلدة المزيلة للعقل.
سابعها: تعليق القلب، وهو أن يدَّعي الساحر أنَّه قد عرف الاسم الأعظم، وأن الجنَّ يطيعونه وينقادون له في أكثر الأمور، فإذا اتفق أن كان السامع لذلك ضعيف العقل قليل التمييز، اعتقد أنَّه حق، وتعلق قلبه بذلك، وحصل في نفسه نوع من الرعب والمخافة، وإذا حصل الخوف ضعفت القوى الحساسة، فحينئذ يتمكن الساحر من أن يفعل حينئذ ما يشاء. ومن هذا النوع ما يفعله المدعون للتصوف، ويرغبون في إقبال الناس عليهم جرأ للمنافع الدنيوية، وكم رأينا مثل هؤلاء من تصرف في أموال مريده وغيرهم بتعليق قلوبهم بالوصول إلى فن الكيمياء
стр. 294
والجفر والزايرجة، وسر الوفق والحروف، وبالوصول إلى المقامات العالية، التي حرم الخواص الوصول إليها بزعمهم.
ثامنها: السعي بالنميمة من وجوه حفيفة لطيفة، وذلك شائع في الناس.
هذا وقد دلت الآية: على أن من كان عدوًا لله، أي: مخالفًا لأمره ومبغضًا لملائكته ورسله، فإن الله عدوه، أي: معامله بما يناسب فعله القبيح، وأن من ترك كتاب الله واتبع السحر، فإنه ملحق بأولئك اليهود الذين تركوا الشرع ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾، وأن من اتكل على الله وتحصن بذكره وعبادته، لا يضره مكر ماكر، ولا سحر ساحر، وأن الأمور جارية كلها بقضاء الله وقدره.
ولما كان من الحق إجراء الأمور على حكم ما أثبتها الحق لأنَّها بذلك حق، هو مثال للحق المبين، وصرفها إلى من لم يثبتها الحق في حيزه إفك وقلب عن وجهه، فهو خيال باطل، هو في باب الرأي بمنزلة السحر في الحس، فهو خيال لما صحة النسبة فيه مثال، أتبع الآيات الذامة للسحر الحقيقي، التنبيه على السحر المجازي، الَّذي خيلوا به الخير، وقصدوا به الشر، ليكون النهي عنه نهيًا عن الأول بطريق الأولى، فقال ملتفتًا (١) عن ذكرهم إلى خطاب المؤمنين، الَّذي هو أخص من ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، الأخص من ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾.
كان المسلمون يقولون: لرسول الله ﷺ ، إذا ألقى إليهم شيئًا من العلم: ﴿راعنا﴾ يا رسول الله، أي: راقبنا، وانتظرنا وتأنّ بنا حتَّى نفهمه ونحفظه. وكانت لليهود كلمة يتسابون بها عبرانية أو سريانية وهي: راعينا، فلما سمعوا بقول المؤمنين ﴿راعنا﴾ اغتنموا ذلك فرصة وخاطبوا الرسول بهذه الكلمة، وهم يعنون بها تلك المسبة، فنهى الله المؤمنون عنها وأمرهم بما هو في معناها، وهو أن
стр. 295
يقولوا: ﴿انظرنا﴾ أي: أمهلنا حتَّى نحفظ ﴿واسمعوا﴾ وأحسنوا سماع ما يكلمكم به رسول الله ﷺ ، ويلقي عليكم من المسائل، بآذان واعية، وأذهان حاضرة حتَّى لا تحتاجوا إلى الاستعادة وطلب المراعاة.
أو المعنى: ﴿اسمعوا﴾ سماع قبول وطاعة، ولا يكن سماعكم مثل سماع اليهود، حيث ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: ٩٣]. أو المعنى: ﴿اسمعوا﴾ ما أمرتم به بجد، حتَّى لا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه، تأكيدًا عليهم ترك تلك الكلمة، ﴿وللكافرين﴾ أي: لليهود الذين تهاونوا برسول الله ﷺ وسبوه، ﴿عذاب أليم﴾.
قال الأصفهاني: وهذا النهي اختص بهذا الوقت، قال الواحدي: لإجماع الأمة على جواز المخاطبة بهذا اللفظ الآن.
وللمفسرين في معنى ﴿راعنا﴾ اختلاف كثير، والأولى ما قاله ابن جرير من أن الله نهى المؤمنين أن يقولوا لنبيه ﷺ كلمة كرهها الله لهم أن يقولوها لنبيه، محافظة على تعظيمه، كما نهاهم عن رفع أصواتهم فوق صوته، وأن يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض وخلاصته: أنَّه أمرهم أن يتخيروا لخطابه من الألفاظ أحسنها، ومن المعاني أرقها، فكان من ذلك قولهم: راعنا لما فيه من احتمال معنى ارعنا نرعاك، إذ كانت المفاعلة لا تكون إلا من اثنين، ومعنى أرعنا سمعك حتَّى نفهمك وتفهم عنا، فنهى الله أصحاب نبيه أن يقولوا ذلك كذلك، وأن يفردوا مسألته بانتظارهم وإمهالهم، فيعقلوا عنه بتبجيل منهم له وتعظيم، وأن لا يسألوه ما سألوه من ذلك على وجه الجفاء والتهجم منهم له، ولا بالفظاظة والغلظة تشبيهًا منهم باليهود في خطابهم له، بقولهم له: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا﴾ [النساء: ٤٦]. ويدل على صِحة هذا المعنى قوله تعالى ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥]. فدل بذلك أن الَّذي عاتبهم عليه مما يسر اليهود والمشركين.
ولما بين تعالى حال اليهود والكفار في العَداوة والمعاندة، حذر المؤمنين منهم فقال:
стр. 296
﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾.
فنفى عن قلوبهم الودُّ والمحبة لكلِّ ما يظهر به فضل المؤمنين.
والمعنى: ﴿ما﴾ يحب الكافرون ﴿من أهل الكتاب ولا﴾ مِنَ ﴿المشركين﴾ بالله مِن عبدة الأوثان، من أي نوع كان شركهم، بغضًا فيكم وحسدًا لكم، ﴿أن ينزلَ عليكم من﴾ الخير الَّذي كان الله ينزله عليهم، لأنَّ مخالفة الأعداء من الأغراض العظيمة للمتمكنين في الأخلاق الفاضلة من ذوي الأدوات الكاملة، فتمنى المشركون، وكفرةُ أهل الكتاب أن لا ينزل الله على المؤمنين الفرقان، وما أوحاه إلى محمد من حِكمه وآياته، وإنما أحب أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى وأتباعهم من المشركين، ذلك حسدًا منهم، وبغيًا على المؤمنين، وفي هذه الآية دلالة بينة على أن الله تعالى، نهى المؤمنين عن الركون إلى أعدائهم، من أهل الكتاب والمشركين، والاستماع مِن قولهم، وقبول شيء مما يأتونهم به على وجه النصيحة لهم منهم، باطلاعه جل ثناؤه على ما يستنبطه لهم أهل الكتاب والمشركون من الضغن والحسد، وإن أظهروا بألسنتهم خلاف ما هم مستنبطون.
ولما بين سبحانه ما يودون، أتبعه التعريف بأن له التصرف التام، رضي من رضي وسخط من سخط قال: ﴿والله﴾ أي: ما يودون، والحال أن الله ﴿يختص برحمته من يشاء﴾، فيختص من شاء بنبوته ورسالته، فيرسله إلى من يشاء من خلقه، فيتفضل بالإيمان على من أحب فيهديه به، واختصاصه إياهم بها إفرادهم دون غيرهم من خلقه، وإنما جعل سبحانه رسالته إلى من أرسل إليه من خلقه، وهدايته من هدى من عباده، رحمة منه فيصيّره بها إلى رضائه ومحبته، وفوزه بها بالجنّة، واستحقاقه بها ثناؤه، وكل ذلك رحمة من الله له.
ولما كان ذلك ربما أوهم أنَّه إذا فعله لم يبق من رحمته ما يسع غير المختص، نفاه بقوله: ﴿والله ذو الفضل العظيم﴾ الَّذي لا يحصر بحد، ولا يدخل تحت عد.
стр. 297
وفي قوله: ﴿والله يختص برحمته﴾ الآية، تعريض بأهل الكتاب، أن الَّذي آتاه نبيه والمؤمنين به من أهل الهداية تفضلًا منه، وأن نعمه لا تدرك بالأماني، ولكنها مواهب منه يختص بها من يشاء من خلقه.
والآية أيضًا تشير من الوجهة العمرانية، إلى أنَّه يجب على المؤمنين أن يعتمدوا على الله، ثم على أنفسهم في أسباب معاشهم، فيسابقون أهل الكتاب والمشركين إلى العلوم النافعة لهم، وإلى فنون الصنائع التي يظهرها الله على أيدي من يشاء، آنًا فآنًا، حتَّى يبرزوا عليهم، فلا يحتاجون إلى أعدائهم، لأنهم إذا تكاسلوا احتاجوا إليهم، فاختلطوا بهم، فأفسدوا عليهم أمر معاشهم كما أفسدوا عليهم دينهم، وجعلوهم خدمة لهم، وامتلكوا بلادهم وأذلوهم واستعبدوهم، لأنَّ الله حذر المؤمنين منهم بقوله: ﴿ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم﴾ فإذا كانوا لا يريدون الخير للمؤمنين، فكيف يركنون إليهم، ومن تبصر في أحوال أولئك الأعداء تجلى له مصداق هذه الآية الكريمة عيانًا.
ثم إنه تعالى بين نوعًا ثانيًا من طعن اليهود في الإسلام ، حيث قالوا: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه، ويأمرهم بخلافه ويقول اليوم قولًا وغدًا يرجع عنه، فنزلت هذه الآية.
﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾.
للمفسرين في تفسير هذه الآية مسالك، كل واحد منهم سلك بها مسلكًا على مقتضى الفن الَّذي غلب عليه.
فالأصولي يذكر هنا قواعد الأصول من جهة النسخ وغيره، كما فعله محمد بن عمر الرازي، والنحوي يدلي بحجته، والبياني يضع فن البيان نصب عينيه، وكل صاحب فن يدندن حول فنه، وإننا نسلك في تفسيرها مسلكًا نرجو أن يكون هو الصواب، غير مقلدين لواحد يريد ترويج فنه، وإمالة كتاب الله إلى
стр. 298
مقاصده، فنذكر أولًا ما يفهم من تركيب ألفاظها، ثم نتبعه باستنباط الأحكام منها.
فنقول: أصل النسخ في اللغة: إزالة الشيء بغير بدل يعقبه، نحو نسخت الشمسُ الظِّل، ونسختِ الريحُ الأثرَ. أو نقل الشيء من غير إزالة، نحو نسختُ الكتابَ، إذا نقلته ما فيه إلى مكان آخر. والنسيئة التأخير. والمعنى ﴿ما ننسخ من آية﴾ أي: نُزِلْها بإبدال أخرى مكانها، "أو نَنْسَأها" على قراءة الهمز، أي: نؤخرها ونذهبها لا إلى بدل، ﴿أو ننسها﴾ نذهب بحفظها عن القلوب.
والمعنى: أن كل آية يُذهب بها على ما توجبه المصلحة من إزالة لفظها وحكمها معًا، أو من إزالة أحدهما إلى بدله، أو غير بدل. ﴿نأت بـ﴾ آية ﴿خير منها﴾ للعباد، أي: بآية العمل بها أكثر للثواب، ﴿أو مثلها﴾ في ذلك، فـ ﴿من﴾ في قوله تعالى: ﴿من آية﴾ للتبعيض، والمعنى: أي شيء من الآيات، وهذا النسخ عام، لما كان من شرع ما قبلنا، كنسخ استقبال بيت المقدس أو غيره، أو لم يكن. وصيغة "ننسخ" التي بوزن نفعل، تشعر بأن من تقدم ربما نسخ عنهم ما لم يعوضوا به مثلًا، ولا خيرًا، ففي طيه ترغيب للذين آمنوا بكتابهم الخاص بهم، وأن يكون لهم عند النسخ حسن قبول، فرحًا بجديد أول اغتباطًا بما هو خير من المنسوخ، ليكون حالهم عند تناسخ مقابل لحال الآبين من قبوله المستمسكين بالسابق، المتقاصرين عن خير لاحق وجدَّتِهِ.
والأصحّ في تفسير قوله تعالى: ﴿أو ننسها﴾: أن المعنى على قراءة "أو ننسأها" بالهمز، نؤخر نسخها، وعلى قراءة "أو ننسها" نتركها زمنًا ثم ننسخها، كالقبلة، ﴿نأت بخير منها أو مثلها﴾، ولما كانت الآية في بيان أغلاط اليهود، وأنهم هم الذين أنكروا النسخ عنادًا، أعرض تعالى عن خطابهم تعريضًا بغباوتهم، إلى خطاب نبيه الَّذي هو أعلم الخلق، بقوله: ﴿ألم تعلم أن الله﴾ الحائز لجميع أوصاف الكمال ﴿على كل شيء قدير﴾ فأتى بالكلام على وجه الاستفهام المتضمن، لأجل قصد اليهودية للإنكار، والتقرير المشار فيه للتوعد والتهديد،
стр. 299
فيخلق بقدرته من الأسباب ما يصير الشيء في وقتٍ مصلحةً، وفي وقت مفسدة، لحكم ومصالح دبرها لتصرم هذا العالم وتقضي هذا الكون بشمول علمه بكل ما تقدم وما تأخر، ولو أراد لجعل الأمر على سنن واحدة، والناس على قلب رجل واحد، ولكنه مالك الملك يتصرف فيه على حسب ما يريد لا رادّ لأمره، ولا مُعقب لحكمه، ولا يسوغ الاعتراض عليه بوجه.
ثم أتبع ذلك بما هو كالدليل على شمول القدرة، فقال:
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾.
أي: ﴿ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض﴾، يفعل في ذواتهما وأحوالهما ما يشاء، فهو يملك أموركم ويدبرها ويجريها على حسب ما يصلحكم، وهو أعلم بما يتعبدكم به من ناسخ ومنسوخ، فقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) إشارة إلى تفصيل الآيات، وهو بما ﴿له ملك السماوات والأرض﴾ يدبر الأمر.
ولما أتم سبحانه ما أراد من إظهار قدرته وسعة ملكه، تهيأت قلوب السامعين وصفت، فلفت الخطاب إليهم ترهيبًا في إشارة إلى ترغيب، فقال: ﴿وما لكم من دون الله من ولي﴾ يتولى أموركم ﴿ولا نصير﴾ فأقبلوا بجميع قلوبكم إليه، ولا تلتفتوا عنه، وفي ذلك تعريض بالتحذير للذين آمنوا ولم يبلغوا درجة المؤمنين، من مخالفة أمره إذا حكم عليهم بما أراد كائنًا ما كان، لئلا تلقن بواطنهم عن اليهود، نحوًا مما لقنت ظواهر ألسنتهم بأن تستمسك بسابق فرقانها، فتتثاقل عن قبول لاحقه ومكمله، فيكون ذلك تبعًا لكثرة أهل الكتاب في إبائها نسخ ما لحقه التغيير من أحكام في كتابها، وهو في الحقيقة خطاب جامع لتفصيل ما يرد من النسخ في تفاصيل الأحكام والأحوال.
стр. 300
وفي هذه الآية تكذيب لليهود الذين أنكروا نسخ أحكام التوراة، وجحدوا نبوة عيسى، وأنكروا محمدًا ﷺ ، لمجيئهما بما جاءا به من عند الله، بتغيير ما غير الله من حكم التوراة، فأخبرهم تعالى: بأنه الفعال المطلق يفعل ما يشاء، ويحكم بما يريد.
وهذا ولما كانت الآية في معرض ذم اليهود والنداء على غباوتهم بإنكارهم النسخ، وكان الله تعالى قد جعل إلى إفحامهم طريقًا مما يتداولونه في أيديهم من نص تنزيلهم، وأعماهم الله عنه عند تبديلهم، ليكون حجة عليهم موجودة في أيديهم؛ اقتضى المقام أن نبين غلطهم وخطأهم من نص كتابهم، فيقال لهم: هل كان قبل نزول التوراة شرع أم لا؟ فإن قالوا: لا؟ كذبهم السفر الأول من التوراة، حيث فيه ما تعريبه من اللغة العبرانية في الكلام على شرع نوح: سافك دم الإنسان يحكم عليه بسفك دمه، لأن الله خلق الآدمي بصورة شريفة. وكذبهم أيضًا الجزء الثالث من السفر من التوراة، الناطق: بأنه كان في شرع إبراهيم ختان المولود في اليوم الثامن من ميلاده. وهذا وأمثاله شرع، لأن الشرع لم يخرج عن كونه أمرًا ونهيًا من الله، سواء أنزل على لسان رسول، أو كتب في أسفار، أو ألواح، أو غير ذلك.
وإن أقروا بأنه قد كان شرع قلنا لهم: فما تقولون في التوراة، هل أتت بزيادة على تلك الشرائع أم لا؟ فإن قالوا: لا، قلنا: قد صارت عبثًا إذ لا زيادة فيها على ما تقدم، ولم تغن شيئًا، فلا يجوز أن تكون صادرة عن الله تعالى، فيلزمكم أن التوراة ليست من عند الله، وذلك كفر على مذهبكم، وإن كانت التوراة أتت بزيادة، فهل في تلك الزيادة تحريم ما كان مباحًا أم لا؟ فإن أنكروا ذلك، بطل قولهم من وجهين:
أحدهما: أن التوراة حرمت الصناعة يوم السبت بعد أن كانت مباحة به، وهذا هو النسخ بعينه.
والثاني: أنه لا معنى للزيادة في الشرع إلا تحريم ما تقدمت إباحته، أو إباحة ما تقدم تحريمه.
стр. 301
فإن قالوا: إن الحكيم لا يحظر، أي: لا يحرم شيئًا ثم يبيحه، قلنا: إن من أمر بشيء وضده في زمانين مختلفين، كان غير مناقض بين أوامره، وإنما يكون كذلك لو كان الأمران في وقت واحد.
فإن قالوا: إن التوراة حظرت أمورًا كانت مباحة من قبل ولم تأت بإباحة محظور، والنسخ المكروه هو إباحة المحظور، لأن من أبيح له شيء، فامتنع عنه وحظره على نفسه فليس بمخالف، وإنما المخالف من منع من شيء فأتاه لاستباحته المحظور.
فالجواب: إن من أحل ما حظره الشرع في طبقة المحرم لما أحله الشرع، إذ كل منهما قد خالف المشروع، ولم يقرأ الكلمة على معاهدها، فإذا جاز أن يأتي شرع التوراة بتحريم ما كان إبراهيم ﵇، ومن تبعه على استباحته، فجائز أن يؤتى بشريعة أخرى، بتحليل ما كان في التوراة محظورًا، وأيضًا فلا تخلو المحظورات من أن يكون تحريمها مفترضًا في كل الأزمنة، أم لا؟ فإن كان الثاني، فقد لزمتكم الحجة، وإن كان الأول فلا يخلو إما أن يكره الله ذلك المحظور لعينه، وإما أن لا يكرهه لعينه بل نهى عنه في بعض الأزمنة، فإذا كان الله نهى عن عمل الصناعات في يوم السبت لعين السبت، فينبغي أن يكون هذا التحريم على نوح وإبراهيم وآدم، لأن عين السبت كانت أيضًا موجودة في زمانهم، وهي على التحريم، وإذا كان ذلك غير محرم على إبراهيم ومن قبله، فليس النهي عنه لعينه، أعني في جميع أوقات وجود عينه.
فإذا لزمكم أن تحريم الأعمال الصناعية يوم السبت ليس بمحرم في جميع وجود أوقات السبت، فليس بممتنع أن ينسخ هذا التحريم في زمن آخر، وإذا ظهر قائم بمعجزات الرسالة وأعلام النبوة في زمن آخر بعد فترة طويلة، فجائز أن تأتي بنسخ كثير من أحكام الشريعة التي قبله، سواء حظر مباحاتها أو أباح محظوراتها.
وكيف يجوز أن يحاج بالبينة باعتراض فيما ورد به من أمر أو نهي، سواء وافق العقول البشرية، أو باينها، ولاسيما أن الخصوم قد طالما تعبدوا بِفَرائضَ مباينة للعقول، كطهارة نجاستهم برماد البقرة التي كان الإمام الهاروني يحرقها قبيل أوان الحج، ونجاسة ظاهرهم بذلك الرماد بعينه.
стр. 302
على أن الذي يروم تنزيله منزلة هذا أقرب كثيرًا إلى العقل فإن الأفعال والأوامر الإلهية منزهة عن الوقوف عند مقتضى العقول البشرية، وإذا كانت التعبدات الشرعية غير عائدة بنفع لله ، ولا دافعة عنه ضررًا لتنزيه الله سبحانه عن الانتفاع والتأذي بشيء، فما الذي يحيل أو يمنع كونه تعالى يأمرُ أُمةً بشريعة ثم ينهى أمة أخرى عنها، أو يحرم محظورًا على قوم ثم يحله لأولادهم، ثم يحظره ثانيًا على من يجيء بعد؟ وكيف يجوز للمتعبد أن يعارض الرسول في تحليله ما كان حرامًا على قوم، ويستدل بذلك على كذبه بعد أن جاءهم بالبينة وأوعب العقلاء تصديقه وتحكيمه؟ أليس هذا تحكمًا وضلالًا وعدولًا عن الحق؟ ! وإلى هذا يشير قوله تعالى: ﴿ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض﴾ الآية، فرد الأمر إلى ذاته تعالى، ولم يرد على اليهود تبكيتًا لهم ونكاية بهم.
وثم وجه آخر للرد عليهم على مقتضى أصولهم، وهو أن يقال لهم: هل أنتم اليوم على ملة موسى ﵇؟ فإن قالوا: نعم، قلنا لهم: أليس في التوراة أن من مس عظمًا، أو وطئ قبرًا أو حضر ميتًا، عند موته صار من النجاسة في حال لا مخرج له منها، إلا برماد البقرة التي كان الإمام الهاروني يحرقها؟ فلا تمكنهم المخالفة في ذلك، لأنه نص ما يتداولونه.
فنقول لهم: فهل أنتم اليوم على ذلك؟ فيقولون: لا نقدر على ذلك، فنقول لهم: كيف جعلتم لمس العظم والقبر بعد ذلك طاهرًا يصلح للصلاة وحمل التوراة، والذي في كتابكم خلافه؟ فإن قالوا: لأنا عدمنا أسباب الطهارة، وهي رماد البقرة والإمام المطهِّر المُسْتَغفِر، قلنا: فهل ترون هذا الأمر مع عجزكم عنه، مما تستغنون عنه في الطهارة أم لا؟ فإن قالوا: نعم، فقد أقروا بالنسخ لتلك الفريضة، لحال اقتضاها هذا الزمان، وإن قالوا: لا نستغني في الطهارة عن ذلك الطهور، فقد أقروا بأنهم هم الأنجاس أبدًا، ما داموا لا يقدرون على سبب الطهارة، فنقول لهم: فإذا كنتم أنجاسًا على رأيكم وأصولكم، فما بالكم تعتزلون الحائض بعد انقطاع الحيض سبعة أيام، اعتزالًا تفرطون فيه إلى حدِّ أن أحدكم لو مس ثوبه ثوب المرأة لاستنجستموه مع ثوبه؟ فإن قالوا: لأن ذلك من أحكام
стр. 303
التوراة، قلنا: أليس في التوراة أن ذلك يراد به الطهارة؟ فإن كانت الطهارة قد فاتتكم، والنجاسة التي أنتم فيها على معتقدكم لا ترتفع بالغسل، كنجاسة الحيض لما أنكم ترون أن الحائض طاهرة إذا كان من غير ملتكم، ولا تستنجسون لامسها ولا الثوب الذي تلمسه، وتخصيص هذا الأمر أعني نجاسة الحيض بطائفتكم مما ليس في التوراة، فهذا كله منكم نسخ أو تبديل، فإن قالوا: إن هذا وإن كان النص غير ناطق به فقد جاء في الفقه، قلنا لهم: فما تقولون في فقهائكم؟ هل الذين اختلفوا فيه من مسائل الخلاف والمذاهب، على كثرتها لديكم، كان ثمرة اجتهاد واستدلال [أو] (١) منقولًا بعينه؟ فهم يقولون: إن جميع ما في كتب فقهائنا نقله الفقهاء، عن الأحبار، عن الثقاة، عن السلف، عن "يهوشع بن نون"، عن "موسى الكليم"، عن الله ، فيلزمكم في هذه المسألة الواحدة التي اختلف فيها اثنان من فقهائكم، أن يكون كل واحد منهما ناقلًا مذهبه فيها نقلًا مسندًا إلى الله، وفي ذلك من الشناعة اللازمة أن يجعلوا الله قد أمر في تلك الساعة في شيء وخلافه، وهو النسخ الذي يدفعونه بعينه.
فإن قالوا: إن الخلاف غير مستبعد، لأن الأولين كانوا بعد اختلافهم في المسألة، يرجعون إلى أصل واحد، وهو المقطوع به، قلنا: إن رجوعهم بعد الاختلاف إلى الاتفاق على مذهب، إما لأن أحدهم رجع عما نقل أو طعن في نقله فيلزمه السقوط عن العدالة، ولا يجوز لكم أن تعاودوا الالتفات إلى نقله، وإما أن يكون الفقهاء اجتمعوا على نسخ أحد المذهبين أو تكون رواية أحدهما ناسخة لرواية الآخر، وما أحد من الفقهاء، إلا وقد ألغي مذهبه في مسائل كثيرة، وهذا جنون ممن لا يقر بالنسخ، ولا يرى كلام أصحاب الخلاف اجتهادًا ونظرًا، بل نقلًا محضًا.
وثم وجه آخر للرد عليهم، نقول لهم: ما تقولون في صلاتكم وصومكم، هل التي فارقكم عليها موسى ﵇؟ فإن قالوا: نعم قلنا: فهل كان موسى وأمته يقولون في صلاتهم كما تقولون: اللهم اضرب ببوق عظيم لعتقنا، واقبضنا جميعًا من أربعة أقطار الأرض إلى قدسك، سبحانك يا جامع تشتيت بني إسرائيل؟
стр. 304
أم كانوا على عهد موسى يقولون: كما تقولون كل يوم: اردد حكامنا كالأولين ومسراتنا كالابتداء وابن "يَروشليم" قرية قدسك في أيامنا، وعزنا ببنائها يا باني يروشليم؟ أم هذه فصول شاهدة بأنكم لفقتموها بعد زوال دولتكم، أما صوم إحراق بيت المقدس، وصوم حصاره، وصوم كذلينا (١) التي جعلتموها فرضًا هل كان موسى يصوم ذلك؟ أو أمر به هو أو خليفته يوشع بن نون؟ أو صوم صلب هامان؟ هل هذه الأمور مفترضة بالتوراة أم زيدت لأسباب اقتضت زيادتها في هذه الأعصار؟
فإن قالوا: وكيف يلزمنا النسخ بهذه الآي، قلنا: لأن التوراة بهذه الآية نطقت، وهي ما تفسيره بالعربية: لا تزيدوا على الأمر الذي أنا موصيكم به شيئًا، ولا تنقصوا منه شيئًا، فإن زدتم أشياء من الفرائض فقد نسختم تلك الآية.
وثم وجه آخر وهو أن يقال لهم: أليس عندكم: أن الله اختار من بني إسرائيل الأبكار ليكونوا خواص للخدمة في الأقداس؟ فيقولون: بلى، فنقول لهم: أليس عندكم أيضًا: أن موسى لما نزل من الجبل وعنده الألواح فوجد القوم عاكفين على عبادة العجل، وقف بطرف العسكر ونادى: من كان لله تعالى فليحضرني. فانضم إليه بنو ليوي، ولم ينضم إليه البكور، على أن مناداته وإن كان لفظها يقتضي العموم، فإنه لم يكن أشار بها إلا إلى البكور، إذ هم خاصة الله يومئذ دون أولاد ليوي، فقال الله لموسى: ما تفسيره بالعربية: وقد أخذت الليويين عوضًا عن كل بكر في بني إسرائيل. أفليس الله قد عزل الأبكار عن ولاية الاختصاص وأخذ أولاد ليوي عوضًا عنهم؟ ! فهم لا يقدرون على إنكار ذلك، وهذا يلزمهم منه القول بالبداء والنسخ اللذين هم ينكرانهما.
هذا وفي قوله تعالى: ﴿ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض﴾ فيه رد على القائلين بأن النسخ يلزم منه البداء، وهو ظهور الشيء بعد أن كان خفيًا، لأن
стр. 305
البداء ينافي كمال العلم، لأنه يستلزم الجهل المحض، وهو مستحيل على الله تعالى، فالبداء مستحيل على من له ملك السماوات والأرض.
وما النسخ إلا أن الله تعالى علم المصلحة في الحكم تارة فأثبته بالشرع، وعلم المفسدة فيه تارة فنفاه بالنسخ، وذلك لفوائد منها رعاية الأصلح للمكلفين تفضلًا منه تعالى، لا وجوبًا. ومنها امتحانهم بامتثالهم الأوامر والنواهي، خصوصًا في أمرهم بما كانوا منهيين عنه، ونهيهم عما كانوا مأمورين به، فإن الانقياد له أدل على الإيمان والطاعة، وقد تكلمنا على تفسير هذه الآية بأطول من هذا، وأبدينا منها حكمًا غريبة في كتابنا الموسوم بـ "الأجوبة عن المسائل القازانية" (١)، مما إيراده هنا يجعل الكلام مطولًا، فليراجعه من أحب.
بقي هنا أن يقال: إن قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] على هذه القراءة يشير إلى صدور النسيان من النبي ﷺ ، وقد أجاب عنه "ابن عطية" في تفسيره بقوله: والصحيح في هذا: أن نسيان النبي ﷺ لما أراد الله أن ينساه، ولم يرد أن يثبته قرآنًا - جائز. وأما النسيان الذي هو آفة في البشر، فالنبي ﷺ معصوم منه قبل التبليغ وبعده، ما لم يحفظه أحد من الصحابة، وأما بعد أن يُحفظ فجائز عليه ما يجوز على البشر، لأنه قد بلغ وأدى الأمانة، ومنه الحديث حين أسقط آية فلما فرغ من الصلاة قال: "أفي القوم أُبي" قال: نعم يا رسول الله، قال: "فلم لم تذكرْني" قال: خشيت أنها رفعت، فقال: "لم ترفع ولكني نسيتها" (٢).
ولما كان رسخ ما ذكره سبحانه من تمام قدرته، وعظيم مملكته، وما أظهر لذاته المقدسة من العظم بتكرار اسمه العَلَم! وإثبات أن ما سواه عَدَم، فتأهلت القلوب للوعظ، صدعها بالتأديب بالإنكار الشديد، فقال:
стр. 306
﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.
أي: أتريدون أن تردوا أمر خالقكم في النسخ، أم تريدون أن تتخذوا من دونه إلهًا لا يقدر على شيء، بأن تسألوا رسولكم أن يجعل لكم إلهًا غيره، كما سُئل موسى ذلك، فقال له قومه: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] و ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]؟ !
وعلى كل، فقد أدب الله المؤمنين وزجرهم عن أن يتعنتوا على نبيهم في زمنه، أو على شرعه من بعده، كما تعنت اليهود على نبيهم، فقد روي أن بعض المشركين حذا حذو اليهود في التعنت، فقال رهط من قريش: يا محمد اجعل لنا الصفا ذهبًا، ووسع لنا أرض مكة، وفجر الأنهار خلالها تفجيرًا، ونؤمن لك. وكان بعضهم يقول: ائتنا بكتاب من السماء جملة، كما أتى موسى بالتوراة. وكان الآخر يقول: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلًا. وسأله قوم أن يجعل لهم "ذات أنواط" كما كانت للمشركين، وهي شجرة كانوا يعبدونها ويعلقون عليها الثمرة وغيرها من المأكولات، وأسلحتهم.
[و ﴿أم﴾ هنا منقطعة، وتتقدر المنقطعة بـ "بل والهمزة"، فالمعنى: بل أتريدون، ] (١) ولفظة: "بل"، تفيد الإضراب عما قبله، ومعنى الإضراب هنا هو الانتقال من جملة إلى جملة، لا على سبيل إبطال الأولى.
واختلف في المخاطب في هذه الآية، فقال الأصم والجبائي وأبو مسلم: هو للمؤمنين، وهو الذي قدمناه كما رأيت، وعليه فالضمير في ﴿رسولكم﴾ جاء على ما في نفس الأمر، وعلى ما أقروا به من رسالته. وقال فخر الدين الرازي في تفسيره: المراد بها، اليهود، وهذا القول أصح، لأن هذه السورة من أول قوله: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ حكاية عنهم، ومحاجة معهم، ولأن الآية مدنية، ولأنه
стр. 307
جرى ذكر اليهود وما جرى ذكر غيرهم، ولأن المؤمن بالرسول لا يكاد يسأله، فإذا سأل كان متبدلًا كفرًا بالإيمان، انتهى.
وعلى هذا فتكون إضافة الرسول على حسب الأمر في نفسه، لا على إقرارهم به، وفيه إشارة إلى تأكيد النسخ، فكأن الإضافة تشير إلى أنه قد نسخ شرع موسى وعدد من الأنبياء، بشرع محمد ﷺ ، والآن هو رسولكم، فلا تتعنتوا عليه كما تعنت أسلافهم على موسى من قبل، ﴿ومن يتبدل الكفر﴾ منكم ﴿بالإيمان﴾، بأن يبقى على متمسكه الأول المنسوخ ﴿فقد ضل سواء السبيل﴾.
وعندي أن الآية في حق اليهود وكما اختاره الفخر، وأن المراد بالرسول هو محمد ﷺ ، لأنه مرسل إليهم قطعًا، وأنها في حق المؤمنين على سبيل الوعظ، والصدع، أن لا يسلكوا مسلك اليهود في التعنت وكثرة السؤال، كما قالوا: اجعل لنا ذات أنواط. وقال ابن جرير: هذه الآيات من قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ خطاب من الله للمؤمنين من أصحاب محمد ﷺ ، وعتاب منه لهم على أمر سلف منهم مما سر به اليهود، وكرهه رسول الله لهم، فكرهه الله لهم، فعاتبهم على ذلك وأعلمهم أن اليهود أهل غش لهم، وحسد وبغي، وأنهم يتمنون لهم المكاره، ويبغونهم الغوائل، ونهاهم أن ينتصحوهم، وأخبرهم أن من ارتد منهم عن دينه فاستبدل بإيمانه كفرًا فقد أخطأ قصد السبيل، انتهى.
وظاهر الآية يدل على أن السؤال لم يقع منهم، ألا ترى أنه قال: ﴿أم تريدون أن تسألوا﴾ فوبخهم على تعلق إرادتهم بالسؤال، إذ لو كان السؤال قد وقع، لكان التوبيخ عليه لا على إرادته، وكان يكون للفظ: "أتسألون رسولكم" وما أشبه ذلك، مما يؤدي معنى وقوع السؤال، لكن تظافرت النقول من المفسرين في سبب نزول هذه الآية، وإن اختلفت في التعيين، على أن هذا السؤال قد وقع.
ثم بين تعالى: أن من سأل الرسول ما سأل، مع ظهور المعجزات، ووضوح الدلائل على صدقه، كان سؤاله تعنتًا وإنكارًا، وذلك كفر، فقال: ﴿ومن يتبدل﴾ أي: ومن يأخذ الكفر بدل الإيمان، وهذا كناية عن الإعراض عن الإيمان، والإقبال على الكفر، كما في قوله تعالى: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾، أو: المعنى
стр. 308
ومن ترك الثقة بالآيات المنزلة، وشك فيها، واقترح غيرها، ﴿فقد ضل سواء السبيل﴾، أي: وسطه، أو قصده، ولما كانت الشريعة توصل سالكها إلى رضوان الله تعالى كنى عنها بـ ﴿السبيل﴾، وجعل من حاد عنها كالضال عن الطريق، وكنى عن سؤالهم نبيهم ما ليس لهم أن يسألوه بـ ﴿يتبدل الكفر بالإيمان﴾ وأخرج ذلك في سورة شرطية، وصورة الشرط لم تقع بعد تنفيرًا عن ذلك، وتبعيدًا منه، فوبخهم أولًا على تعلق إرادتهم بسؤال ما ليس لهم سؤاله، وخاطبهم بذلك ثم أدرجهم في عموم الجملة الشرطية، وأن مثل هذا ينبغي أن لا يقع، لأنه ضلال عن المنهج القويم، فصار صدر الآية إنكارًا وتوبيخًا، وعَجُزُها تكفيرًا أو ضلالًا، وما أدى إلى هذا فينبغي أن لا يتعلق به غرض، ولا طلب ولا إرادة.
تنبيه: أورد الرازي هنا سؤالًا فقال: اعلم أن السؤال الذي ذكروه، إن كان طلبًا للمعجزات فمن أين أنه كفر؟ ومعلوم أن طلب الدليل على الشيء لا يكون كفرًا، وإن كان طلبًا لوجه الحكمة المفصلة في نسخ الأحكام، فهذا أيضًا لا يكون كفرًا، لأن الملائكة طلبوا الحكمة التفصيلية في خلقه البشر، ولم يكن ذلك كفرًا. ثم أجاب بقوله: فلعل الأولى حمل الآية على أنهم طلبوا منه أن يجعل لهم إلهًا كما لهم آلهة، وإن كانوا طلبوا المعجزات، فإنهم كانوا يطلبونها على سبيل التعنت واللجاج، فلهذا كفروا بسبب هذا السؤال، انتهى.
أقول: من المعلوم أن القرآن يفسر بعضه بعضًا، وأن السؤال هنا إنما وقع سؤالًا مقيدًا بأن يكون مثل ما سُئل موسى من قبل، وما سئل موسى قد نطق به القرآن وفصله في آيات، فكانوا تارة يقولون: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] وتارة يقولون تعنتًا ولجاجًا: ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٦١] إلى غير ذلك مما هو معلوم من لجاجهم وعنادهم الذي ضلوا به سواء السبيل، فنهى الله المؤمنين عن أن يكونوا ذلك، وهذا تصريح بهذا المعنى لا حمل للآية عليه وتأويل لها.
ولما كان أكثر المثيرين لهذه الشكوك في صور أهل الإسلام، قال تعالى
стр. 309
مخاطبًا للمؤمنين وهم في غمارهم، تنفيرًا لهم عن الضلال الذي هو في نفسه أهل لأن ينفر عنه، فكيف وهو شماتة العدو، وبتخييله ودادتهم، وتحذيرًا لهم من مخالطته فقال:
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
فقوله: ﴿ود كثيرٌ﴾ هو تعليل لمعنى الكلام، وهو: فلا تتبدلوا الكفر بالإيمان بعد تعليله بالضلال، وذكر المفسرون أن المراد بذلك الكثير "كعب بن الأشرف"، وقيل: "حيي بن أخطب" وقيل غيرهما، والقرآن لم يعين أحدًا، وإنما أخبر بودادة كثير من أهل الكتاب، فينبغي أن يبقى المعنى على العموم في ذلك الكثير من غير تعيين، ولما كان المشركون عربًا عالمين بأن طبع العرب الثبات، لم يدخلهم في هذا الود، وقال: ﴿من أهل الكتاب﴾ إنباءً بأن المصافي منهم قليل، وبشر سبحانه بأن ما يودّونه من قسم المحال، بسوقه سوق المتمنى، فقال: ﴿لو يردونكم﴾ أي: بأجمعكم، ثم حقق أمر التمني في كونه محالًا مشيرًا بالإثبات الجارِّ إلى قناعتهم به، ولو في زمن يسير، فقال: ﴿من بعد إيمانكم﴾ أي: الراسخ ﴿كفارًا﴾، أي: لتكونوا مثلهم فتخلدوا معهم في النار، ﴿حسدًا﴾ على ما آتاكم الله من الخير الهادي إلى الجنة.
والحسد: قلق النفس من رؤية النعمة على الغير، وعبر عن بلوغ الحسد إلى غاية لا حيلة معها في تركه، بقوله: ﴿من عند أنفسهم﴾ أي: أنه راسخ في طبائعهم، فلا تطمعوا في صرفه بشيء، فإن أنفسهم غالبة على عقولهم، ثم زاده تأكيدًا بقوله مشيرًا بإثبات الجار إلى ذمهم: بأنهم استمروا على الضلال بعد الدعوة، لا يطلبون الحق مع القدرة على تعرفه، حتى هجم عليهم بيانه، وقهرهم عرفانه ثم لم يرجعوا إليه، وما كفاهم ضلالهم في أنفسهم حتى تمنوا إضلال غيرهم بالرجوع عنه، ﴿من بعد ما تبين لهم﴾، أي: بيانًا عظيمًا بوضوحه في نفسه
стр. 310
﴿الحق﴾، أي: من صحة رسالة محمد ﷺ ، وأنه خاتم النبيين، أُرسل إلى الناس كافة، بشهادة ما طابقه من التوراة، ثم أرشد إلى الدواء بقوله مسببًا عن الإخبار بأن ودّهم محال، وبعدم رجوعهم: ﴿فاعفوا﴾ أي: عاملوهم معاملة العافي، بأن لا تذكروا لهم شيئًا مما تظهره تلك الودادة الناشئة عن هذا الحسد من الأقوال والأفعال، ولا تأخذوا في مؤاخذتهم به، فإنهم لا يضرونكم ولا يرجعون إليكم ﴿واصفحوا﴾ أي: أظهروا لهم أنكم لم تطلعوا على شيء من ذلك، ثم حثهم على أن يكون فعلهم ذلك اعتمادًا على تفريجه سبحانه بقوله: ﴿حتى يأتي الله بأمره﴾ الذي لا أمر لأحد معه بأمره، فبشرهم بذلك بظهورهم على من أمروا بالعفو عنه، والصفح عنهم، ولما كان النصر- وهم في القلة والضعف بحال عظيم، وقوةُ عدوِّهم وكثرتُهم أعظمُ- مُسْتَبْعَدًا قال: ﴿إن الله على كل شيء قدير﴾ ففي هذا الختم بشرى للمؤمنين بتقديرهم، كما أن في الختم بالعلم بشرى بتعليمهم، وفي إفهامه نذارة للكافرين بمقابل ذلك.
ودل قوله تعالى: ﴿من بعد ما تبين لهم الحق﴾ على أن تلك الودادة ابتدأت من زمن وضوح الحق وتبيينه لهم، فليسوا من أهل الغباوة، الذين قد يغرب عنهم وضوح الحق، بل ذلك على سبيل الحسد والعناد، وهكذا دأبهم وشأنهم إلى الآن، فإن أحبارهم ورهبانهم يرسلون المبشرين إلى البلاد، وينفقون عليهم الأموال العظيمة لاستغواء بسطاء المؤمنين، وردهم عن دينهم، ويؤلفون الكتب في الرد على القرآن، وفي تزييفه بزعمهم، ويختلقون الأقوال فيرجعون بغير طائل، ولا يفيدهم سعيهم شيئًا يذكر، ولم تزدد حججهم إلا ضعفًا وتزييفًا.
وقوله: ﴿حتى يأتي﴾ أمر يدل على الأمر بالعفو والصفح عنهم، كان معنيًا بالإتيان بأمر الله، أي: فيحدث لكم من أمره فيكم ما يشاء، ويقضي فيهم ما يريد، فقضى فيهم تعالى ذكره، وأتى بأمره، لنبيه والمؤمنين به: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] فنسخ الله تعالى العفو عنهم والصفح، بفرض قتالهم على المؤمنين، حتى تصير كلمتهم وكلمة المؤمنين واحدة، أو يؤدوا الجزية عن يدٍ صَغَارًا، وبذلك قال: ابن
стр. 311
عباس وقتادة والربيع والسدي، ولقد أطال الرازي هنا بشرح الحسد وتقبيحه، ونقل قول الغزالي في "إحياء علوم الدين" فيه، وذكر أحاديث لم ينسبها إلى مخرجها، ولما كان محل ذلك كتب "الترغيب والترهيب" وكتب الوعظ كـ "الإحياء" وغيره أضربنا عنه.
ولما أمر تعالى بالعفو والصفح عن اليهود، عقبه بقوله:
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
تنبيهًا على أنه كما ألزمهم العفو والصفح لحظ الغير وصلاحه، فكذلك لحظ أنفسهم وصلاحها، القيام بالصلاة والزكاة الواجبتين، ونبه بهما على ما عداهما من الواجبات، ثم قال بعده: ﴿وما تقدموا لأنفسكم من خير﴾ والمراد به التطوعات من الصلوات والزكوات، وقوله تعالى: ﴿تجدوه عند الله﴾ معناه: تجدوا ثوابه وجزاءه عند الله، ثم قال: ﴿إن الله بما تعملون بصير﴾ أي: أنه لا يخفى عليه القليل ولا الكثير من الأعمال، وهو ترغيب من حيث يدل على أنه تعالى يجازي على القليل كما يجازي على الكثير، وتحذير من خلافه الذي هو الشر، وأما الخير فهو النفع الحسن وما يؤدي إليه، فلما كان ما يأتيه المرء من الطاعة، يؤدي به إلى المنافع العظيمة، وجب أن يوصف بذلك، وعلى هذا الوجه قال تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧].
ثم إنه تعالى ذكر النوع الرابع من تخليط اليهود، وإلقاء الشبه في قلوب المسلمين، فقال:
﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
﴿وقالوا﴾ أي: أهل الكتاب من اليهود والنصارى حسدًا منهم على المسبب
стр. 312
الذي هو الجنة، كما حسدوا على السبب، وهو إنزال ما اقتضى الإيمان الموصل إلى الرضوان، الذي به تستباح الجنة، ﴿[لن يدخل الجنة] (١) إلا من كان هودًا أو نصارى﴾، أي وقالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، فلف بين القولين ثقة بأن السامع يرد إلى كل فريق قوله، وأمْنًا من الإلباس لما علم من التعادي بين الفريقين، وتضليل كل منهما لصاحبه، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥] ولما كانوا أبعد الناس عن هذه الأماني التي تمنوا لأنفسهم، قال تعالى مشيرًا إلى بعدهم عن ذلك: ﴿تلك أمانيهم﴾ تهكمًا بهم، وجمع الأماني مع أن قولهم ﴿لن يدخل الجنة﴾ أمنية واحدة، إشارة إلى الأماني المذكورة، وهي أمنيتهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم، وأمنيتهم أن يردوهم كفارًا، وأمنيتهم أن لا يدخل الجنة غيرهم، أي: تلك الأماني الباطلة أمانيهم.
ولما كان كل مدع لغيب مفتقرًا في تصحيح دعواه إلى دليل، وكان مثل هذا لا يقنع فيه إلا بقاطع أَمَرَ أعلم الخلق، لأنه لا ينهض بإخراسهم في علمهم ولَدَدهم غيرُه، بمطالبتهم بذلك، ناقضًا لدعواهم، فقال: ﴿قل هاتوا برهانكم﴾ أي: هلموا حجتكم، على اختصاصكم بدخول الجنة، ﴿إن كنتم صادقين﴾ في دعواكم، وهذا أهدم شيء لمذهب المقلدين، وإن كل قول لا دليل فهو باطل غير ثابت، و"هات" صوت بمنزلة هاء بمعنى: أحضر، و "البرهان" هو البيان والحجة والبينة- ويقال له: الشاهد- قال:
من ادعى شيئًا بلا شاهد ... لا بد أن تبطل دعواه
ولما نادى عليهم بالكذب في قوله: ﴿إن كنتم صادقين﴾ أثبت لغيرهم بقوله: ﴿بلى﴾ ما ادعوا الاختصاص به، فـ ﴿بلى﴾ إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة، وأفادت أيضًا أنه تعالى لما نفى أن يكون لهم برهان، أثبت لمن
стр. 313
أسلم وجهه لله برهانًا، وأفادت أيضًا ترغيبهم في الإسلام، وبيانًا لمفارقة حالهم لحال من يدخل الجنة لكي يقلعوا عما هم عليه، ويعدلوا إلى هذه الطريقة، فكأنه قيل لهم: أنتم على ما أنتم لا تفوزون بالجنة، بلى إن غيرتم طريقتكم وأسلمتم وجهكم لله، وأحسنتم فلكم الجنة.
ثم بين أهل الجنة بقوله: ﴿من أسلم وجهه لله﴾ أي: من أخلص نفسه لله لا يشرك به غيره، وأتى بـ "الوجه" هنا عبارة عن الذات، لأنه أشرف ما ظهر من الإنسان، فمن أسلمه أسلم كله، كما أن الإيمان إذعان القلب الذي هو أشرف ما بطن، وإذعان جميع الأعضاء، وأيضًا قد يكنى بالوجه عن النفس، قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠)﴾ [الليل: ٢٠]؛ وأيضًا فإن أعظم العبادات السجود، وهو إنما يحصل بالوجه.
وأما قوله: ﴿وهو محسن﴾ فمعناه: لا بد وأن يكون تواضعه لله بفعل حسن لا بوجه قبيح، فإن كثيرًا من الكفار يتواضعون لله، لكن بأفعال قبيحة، ويصح أن تقول: وهو محسن في جانب الحق، بإذعان القلب، وفي جانب الخلق بإرضاء الرب، فصار يعبد الله كأنه يراه، فطابق سرّه علنه.
ولما نفوا الأجر عن غيرهم، وأثبته سبحانه للمتصف بالإسلام منهم وممن سواهم، وكان ربما قيل: إنه أعطى غيرهم لكونه الملك المطلق بغير سبب، ربط الأجر بالفاء دليلًا على أن إسلامهم هو السبب، فقال: ﴿فله﴾ خاصة ﴿أجره عند ربه﴾ إحسانًا إليه بإثبات نفعه، على حسب مأربه به في كل شريعة، ولما كان ربما ادعى أنه ما أفرد الضمير في قوله: ﴿فله أجره عند ربه﴾ إلا لأن المراد واحد بعينه، فلا يقدح ذلك في دعوى أنه لن يدخل الجنة إلا اليهود، أو النصارى، جمع فقال: ﴿ولا خوف عليهم﴾ من آتٍ، ﴿ولا هم يحزنون﴾ على شيء فات، دفعًا لضرهم.
ولما أبطل دعوى اختصاصهم بالرحمة قدحًا منهم في غيرهم، وأثبتها للمحسنين، أتبع ذلك قدح كل فريق منهم في الآخر وبيان انتفائها عنهم بإساءتهم،
стр. 314
بإبطال كل فرقة منهم دعوى الأخرى مع ما يشهد به كتاب كل من بطلان قوله، فقال:
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
قيل: المراد عامة اليهود وعامة النصارى، فهذا من الأخبار عن الأمم السالفة، وتكون "الـ" للجنس، ويكون ذلك تقريع لمن بحضرة النبي ﷺ ، ولمن بعده من الفريقين، وتسلية له إذ كذبوا بالرسل وبالكتب قبله. وقيل: المراد يهود المدينة، ونصارى نجران، حيث تماروا عند الرسول وتسابوا، وأنكرت اليهود الإنجيل ونبوة عيسى، وأنكرت النصارى التوراة ونبوة موسى، فتكون حكايةَ حالٍ و"الـ" للعهد، وإني أميل إلى صحة القول الأول، لأن الله جمعهم في الخبر الأول على العموم، ثم فصلهم في هذه الآية، وبين قول كل فريق منهم في الآخر، وكيف تُنكر كل طائفة دين الأخرى، وأنّث فعلهم في قوله: ﴿وقالت﴾ لضعف قولهم وجمع أمرهم.
فقوله: ﴿وقالت اليهود ليست النصارى على شيء﴾ أي: على شيء يصح ويعتد به، وهذه مبالغة عظيمة لأن المحال والمعدوم يقع عليه اسم الشيء، فإذا نفي إطلاق اسم الشيء عليه، فقد بولغ في ترك الاعتداد به إلى ما ليس بعده، وهذا كقولهم: أقل من لا شيء، ومعنى "ليس" مطلق النفي لمتقدم إثبات أو مقدرة.
﴿وقالت النصارى ليست اليهود على شيء﴾ ونظير هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ﴾ [المائدة: ٦٨] فإن قيل: كيف قالوا ذلك، مع أن الفريقين كانا يثبتان الصانع وصفاته وذلك قول فيه فائدة؟ ، قيل في الجواب: إنهم لما ضموا إلى ذلك القول الحسن قولًا باطلًا يحبط ثواب الأول، فكأنهم ما أتوا بذلك الحق، أو أنه يخص هذا العام بالأمور التي اختلفوا فيها،
стр. 315
وهي ما يتصل بباب النبوات، هكذا أجاب الفخر الرازي.
وعندي أن قولهم هذا كان على سبيل المبالغة، في أن كل فريق لم يعتد بما الآخر عليه، وأن نفي كل فريق ما عليه الآخر، ليس كما قاله الرازي، بل إن النصارى كانت تعتقد التثليث، وإلى الآن هم على ذلك، فقال لهم اليهود: لستم على شيء من الدين، واليهود تعتقد التجسيم، وفريق منهم يقول: "عزير" ابن الله، فنفى النصارى قولهم وطعنوا فيه.
ثم إنه تعالى عجب منهم في هذه الدعوى لما قبل التبديل والنسخ، ولما بعده، بقوله: ﴿وهم﴾ أي: والحال أنهم ﴿يتلون الكتاب﴾، أي: مع أن في كتاب كل منهم حقيقة أصل دين الآخر، ثم شبه بهم في نحو هذا القول الجهلة، الذين ليس لهم كتاب، الذين هم عندهم ضلال، وفي هذا غاية العيب لهم، لتسوية حالهم مع علمهم بحال الجهلة، في القطع في الدين بالباطل، كما سوى حالهم بهم في الحرص على الحياة في الدنيا، ومنهم عبدة الأصنام الذين منهم العرب الذين أخرجوا الرسول من بلده ومنعوه مسجد أبيه، إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، الذي هو الحقيق بهم دونهم، وساق ذلك مساق جواب سائل، كأنه قال: هذا قول العلماء بالكتاب، فما حال من لا علم له فقال: ﴿كذلك﴾ أي: مثل هذا القول البعيد عن القصد، ﴿قال الذين لا يعلمون﴾ أي: وقال الجهلة الذين لا علم عندهم ولا كتاب، كعبدة الأصنام والمعطلة وغيرهم، ﴿مثل قولهم﴾، فعاندوا وضللوا المؤمنين أهل العلم بالكتاب الخاتم، الذي لا كتاب مثله، وضللوا أهل كل دين.
ولما وقع الخلاف بين هذه الفرق تسبب عنه حكم الملك الذي لم يخلقهم سدى بينهم، فقال: ﴿فالله يحكم بينهم﴾ و "الحكم": قصر المصرف على بعض ما يتصرف فيه، وعن بعض ما تشوف إليه، وحقق أمر البعث بقوله: ﴿يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون﴾ و "الاختلاف" افتعال من الخلاف، وهو: تقابل بين رأيين فيما ينبغي انفراد الرأي فيه، وهذه الآية تشير إلى نهي هذه الأمة أن يسلكوا مسالك أهل الكتاب، ومسالك الذين لا يعلمون، فيختلفوا في هذا القرآن المجيد،
стр. 316
ويتفرقوا شيعًا، ويتحزبوا أحزابًا و ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢]، يطعن كل حزب في الآخر، ويؤول القرآن على مقتضى رأيه انتصارًا لمقالته، فتكفر كل طائفة منهم الأخرى، أو تفسقها، أو تبدعها، وما الحق، إلا ما جاء به صريح القرآن الكريم، ونطق به الصادق الأمين، وقد ورد افتراق هذه الأمة إلى اثنتين وسبعين فرقة، كما افترق أهل الكتاب على ذلك من قبل، وبين أن الفرقة الناجية، هي فرقة الجماعة الناجية، هي على ما كان عليه السلف، وإن كانت رجلًا واحدًا كما روي ذلك عن ابن مسعود ﵁ (١)، وقد أوضحنا ذلك في كتاب "الأجوبة النجدية"، وسيمر بك كثير من هذا في هذا الكتاب.
ولما اشترك جميع هذه الفرق في الظلم، وزاد الجهلة منع حزب الله من عمارة المسجد الحرام، بما يرضيه من القول والفعل، فازدادوا بذلك ظلمًا آخر، وكان من منع مسجدًا واحدًا- لكونه مسجدًا- مانعًا لجميع المساجد، قال:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
اختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية، فقيل: إنها نزلت في "نطوس ابن إسبسيانوس" الرومي الذي خرب بيت المقدس، ولم يزل خرابًا إلى أن عُمّر في زمن عمر بن الخطاب، وقيل: نزلت في الروم الذين أعانوا "بخنتصر" على تخريب بيت المقدس، حين قتلت بنو إسرائيل يحيى بن زكريا، وقيل: نزلت في بختنصر ذاته، واختار ابن جرير أنها نزلت في النصارى، وذلك أنهم هم الذين سعوا في خراب بيت المقدس.
стр. 317
وعندي: أن هذه الأقوال كلها سرت من اليهود، أما كونها نزلت في النصارى أو بختنصر، فذلك غلط كما صرح به أبو بكر الرازي في كتابه "أحكام القرآن"، لأنه لا خلاف بين أهل العلم بالسير أن عهد بختنصر كان قبل مولد المسيح ﵇ بدهر طويل، والنصارى كانوا بعد المسيح، فكيف يكونون مع بختنصر في تخريب بيت المقدس، وأيضًا فإن النصارى يعتقدون تعظيم بيت المقدس مثل اعتقاد اليهود وأكثر، فكيف أعانوا على تخريبه، ومن هذا يعلم الخطأ في بقية الأقوال.
وأقول: الأولى في تفسير هذه الآية والله أعلم: أنه لما غير اليهود والنصارى الذين ذكرهم الله تعالى في الآية السابقة، وبدلوا دينهم، سعوا في منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، على سبيل التوحيد الحقيقي، الذي هو إفراد الحق بالوحدانية، وأبدلتها النصارى بجعلها مواضع للصور والصلبان. وأخرجتها اليهود عن حقيقتها التي وضعت لها أيام سيدنا موسى والأنبياء من بعده ﵈. وشاركهم المشركون فجعلوا الكعبة البيت الحرام محلًا لأصنامهم، وصدوا النبي ﷺ عنه، ومنعوه في مبدأ الأمر عن إظهار دينه به. أنزل تعالى هذه الآية مبينًا قبيح أفعالهم وأفعال من كان على شاكلتهم.
والذي يقوي هذا التفسير أن ظاهر الآية العموم في كل مانع، وفي كل مسجد، والعموم وإن كان سبب نزوله خاصًا، فالعبرة به لا بخصوص السبب، وذلك بناء على صحة السبب والقطع به، كيف وأسباب النزول لم يصح منها إلا النزر اليسير، وسنوضح هذا بعد الكلام على تفسير الآية.
فقوله تعالى: ﴿ومن أظلم﴾ مورد الاستفهام ومعناه: النفي، أي: لا أحد أظلم ممن منع، وقد تكرر هذا اللفظ في القرآن، وهذا أول موارده، وقوله: ﴿ممن منع مساجد الله﴾ "من" في [قوله ﴿ممن منع﴾] (١) في موصولة بمعنى: الذي، وجوز أبو البقاء. أن تكون نكرة موصوفة، و ﴿أن يذكر﴾ ثاني مفعولي
стр. 318
﴿منع﴾ أو مفعولًا لأجله، بمعنى منعها كراهية أن يذكر فيها اسم الله، وهو حكم عام لجنس مساجد الله، وأن مانعها من ذكر الله مفرط في الظلم، وكنى بذكر الله عما يقع في المساجد من الصلوات والتقربات إلى الله تعالى، بالأفعال القلبية والقالبية، من تلاوة كتبه، وحركات الجسم من القيام والركوع، والسجود والقعود، الذي تعبد به، وإنما ذكر تعلق المنع بذكر اسم الله، تنبيهًا على أنهم منعوا من أيسر الأشياء، وهو التلفظ باسم الله، فمنعهم لما سواه أولى.
قال ابن عطية: وهذه الآية تتناول كل من منع من مسجد إلى يوم القيامة، أو خرب مدينة إسلام، لأنها مساجد وإن لم تكن موقوفة، إذ الأرض كلها مسجد لما في الصحيح، "وجعلت في الأرض مسجدًا وطهورًا" (١).
وقوله: ﴿وسعى في خرابها﴾ معناه إما حقيقة بأن خربها واستبدل بها الدور والمساكن والخانات، كما جرى ذلك في زمننا وفي الأزمنة السابقة عليه، من أن المتولين على المساجد والمدارس تحيلوا لاختلاس أوقافها، بحيل أسندوها إلى الشرع، وسموها بالمرصد والكدك والحكر، وأسماء ما أنزل الله بها من سلطان، ثم لما ذهبت الأوقاف وضعوا أيديهم على المساجد، وعلى المدارس ومساجدها فخربوها، وابتنوا مكانها دورًا للسكنى، وحوانيت وخانات، ومنازل للأجرة، فهل الخراب إلَّا مثل هذا؟
وإما مجازًا بانقطاع الذكر فيها ومنع قاصديها منها، إذ ذاك يؤول بها إلى الخراب، فجعل المنع خرابًا، كما جعل التعاهد بالذكر والصلاة عمارة، وذلك مجاز.
وقال: ﴿ومن أظلم﴾ ليعلم أن قبح الاعتقاد يورث تخريب المساجد، كما أن حسن الاعتقاد يورث عمارة المساجد، ومن هذا النوع ما اصطلح عليه حكام زمننا والذي قبله، من منع الإمام إذا كان أهلًا للإمامة، وتولية الجاهل بدلًا منه، وتوجيه التدريس المشروط في مسجد ومدرسة للجاهل، ومنع العالم، فإذا تولى
стр. 319
الجاهل أو من هو قريب منه التدريس، حفظ كلمات فألقاها في درسه، وساعده من كان من شيعته أيامًا، ثم يترك التدريس، فالمولي لأمثال هؤلاء، يصدق عليه أنه ساع في خراب المساجد.
ثم ذكر تعالى ما رتبه عليه فعلهم من الخوف في المسجد الذي سعوا في خرابه، والخزي في الدنيا والآخرة، ضد ما رتبه لمن أحسن، فقال: ﴿أولئك﴾ المانعون ﴿ما كان لهم أن يدخلوها﴾، أي: ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله ﴿إلا خائفين﴾، على حال التهيب وارتعاد الفرائص، أي: ما كان الحق والواجب إلا ذلك، وما كان أمنهم فيها إلا بسبب كثرة المساعد على ما ارتكبوه من الظلم والتمالؤ على الباطل، وسنزيل ذلك، ففيه بشارة المؤمنين وأهل الحق بعلو كلمة الإسلام والحق، وقهر من عاداه.
ويجوز أن يكون المعنى: ﴿أولئك ما كان﴾ ينبغي ﴿لهم أن﴾ يدخلوا مساجد الله، ﴿إلا﴾ وهم خائفون من الله، وَجِلون من عقابه، فكيف لهم أن يتلبسوا بمنعها من ذكر الله والسعي في تخريبها، إذ هي ﴿بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٦، ٣٧] وما هذه سبيله ينبغي أن يعظم ذكر الله فيه، ويسعى في عمارته، ولا يدخله الإنسان إلا وجلًا خائفًا، إذ هو بيت الله، أمر بالمثول فيه بين يديه للعبادة، ففي ذلك تقبيح عظيم على ما وقع منه، إذ كان ينبغي أن يقع ضده، وهو التبجيل والتعظيم. ومما يؤيد هذا المعنى وقوع ﴿كان﴾ في قوله: ﴿ما كان لهم﴾ ولو كان المعنى أنهم يدخلونها خائفين، لقيل: أولئك ما يدخلونها إلا خائفين، وإلى هذا جنح أبو حيان في تفسيره "البحر".
ثم بين تعالى الجزاء المناسب لهم، في قوله: ﴿لهم في الدنيا خزي﴾ الآية، أما الخزي في الدنيا فهو الهوان والإذلال لهم، وهو مناسب للوصف الأول لأن فيه إهمال المساجد بعدم ذكر الله وتعطيلها من ذلك، فَجُوْزوا على ذلك بالإذلال والهوان، وأما العذاب العظيم في الآخرة فهو العذاب بالنار، وهو إتلاف لهياكلهم
стр. 320
وصورهم، وتخريب لها بعد تخريب ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦]، وهو مناسب للوصف الثاني، وهو سعيهم في تخريب المساجد، فجوزوا على ذلك بتخريب صورهم، وتمزيقها بالعذاب.
ومن غريب التفسير هنا، ما رواه ابن جرير عن السدي بأن خزيهم في الدنيا: أنه إذا قام "المهدي" وفتحت القسطنطينية، قتلهم. وغرابته أن القسطنطينية فتحها المرحوم السلطان "محمد الفاتح" المشهور من بني عثمان، فإن كان هو المهدي فلا إشكال، وإن لم يكن هو فأين ما زعمه السدي؟ وقد كشفنا حقيقة هذا المنتظر في كتابنا "الأجوبة النجدية"، وكتابنا الثاني "الأجوبة القازانية".
ومن غريبه أيضًا ما ذكره القشيري: من أن الإشارة في هذه الآية إلى ظلم من خرب أوطان المعرفة بالمنى والعلاقات، وهي قلوب العارفين وأوطان العبادة، بالشهوات وهي نفوس العباد، وأوطان المحبة بالحظوظ، والمساكنات وهي أرواح الواجدين، وأوطان المشاهدات، بالالتفات إلى القربات وهي أسرار الموحدين، لهم في الدنيا خزي، ذل الحجاب، وفي الآخرة عذاب لاقتناعهم بالدرجات انتهى.
قال أبو حيان: وهو تفسير عجيب، ينبو عنه لفظ القرآن، وكذا أكثر ما يقوله هؤلاء القوم، انتهى.
ولقد رأينا تفاسير عدة على هذا النمط، وأكثرها أخرج القرآن عن موضوعه، وعندي أن هذا سرى لأهلها من الباطنية، ومن تأمل كتبهم، علم أن المورد متشابه، ولم يقصد الباطنية بذلك إلا هدم القرآن والشرع، وكثيرًا ما ينحو هذا المنحى "الحسن بن محمد بن حسين القمي النيسابوري" في كتابه "غرائب القرآن، ورغائب الفرقان" الذي اختصر به تفسير فخر الدين الرازي، ونحن لا نظن به إلا خيرًا، ولكن الواجب عدم التقليد والاستضاءة بمصباح علام الغيوب، واجتناب دسائس الباطنية غاية الاجتناب، ولا يقدر على ذلك إلا من عرف مسالكهم، وطالع الكثير من كتبهم، وفرق بين التصوف الحقيقي وبين الممزوج بكلام أهل الإلحاد.