← Тафсир

Тафсир · id 20643

تفسير ابن بدران = جواهر الأفكار ومعادن الأسرار المستخرجة من كلام العزيز الجبار

ابن بدران

Полный текст (526 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ويتفرقوا شيعًا، ويتحزبوا أحزابًا و ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢]، يطعن كل حزب في الآخر، ويؤول القرآن على مقتضى رأيه انتصارًا لمقالته، فتكفر كل طائفة منهم الأخرى، أو تفسقها، أو تبدعها، وما الحق، إلا ما جاء به صريح القرآن الكريم، ونطق به الصادق الأمين، وقد ورد افتراق هذه الأمة إلى اثنتين وسبعين فرقة، كما افترق أهل الكتاب على ذلك من قبل، وبين أن الفرقة الناجية، هي فرقة الجماعة الناجية، هي على ما كان عليه السلف، وإن كانت رجلًا واحدًا كما روي ذلك عن ابن مسعود ﵁ (١)، وقد أوضحنا ذلك في كتاب "الأجوبة النجدية"، وسيمر بك كثير من هذا في هذا الكتاب. ولما اشترك جميع هذه الفرق في الظلم، وزاد الجهلة منع حزب الله من عمارة المسجد الحرام، بما يرضيه من القول والفعل، فازدادوا بذلك ظلمًا آخر، وكان من منع مسجدًا واحدًا- لكونه مسجدًا- مانعًا لجميع المساجد، قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. اختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية، فقيل: إنها نزلت في "نطوس ابن إسبسيانوس" الرومي الذي خرب بيت المقدس، ولم يزل خرابًا إلى أن عُمّر في زمن عمر بن الخطاب، وقيل: نزلت في الروم الذين أعانوا "بخنتصر" على تخريب بيت المقدس، حين قتلت بنو إسرائيل يحيى بن زكريا، وقيل: نزلت في بختنصر ذاته، واختار ابن جرير أنها نزلت في النصارى، وذلك أنهم هم الذين سعوا في خراب بيت المقدس.

стр. 317

وعندي: أن هذه الأقوال كلها سرت من اليهود، أما كونها نزلت في النصارى أو بختنصر، فذلك غلط كما صرح به أبو بكر الرازي في كتابه "أحكام القرآن"، لأنه لا خلاف بين أهل العلم بالسير أن عهد بختنصر كان قبل مولد المسيح ﵇ بدهر طويل، والنصارى كانوا بعد المسيح، فكيف يكونون مع بختنصر في تخريب بيت المقدس، وأيضًا فإن النصارى يعتقدون تعظيم بيت المقدس مثل اعتقاد اليهود وأكثر، فكيف أعانوا على تخريبه، ومن هذا يعلم الخطأ في بقية الأقوال. وأقول: الأولى في تفسير هذه الآية والله أعلم: أنه لما غير اليهود والنصارى الذين ذكرهم الله تعالى في الآية السابقة، وبدلوا دينهم، سعوا في منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، على سبيل التوحيد الحقيقي، الذي هو إفراد الحق بالوحدانية، وأبدلتها النصارى بجعلها مواضع للصور والصلبان. وأخرجتها اليهود عن حقيقتها التي وضعت لها أيام سيدنا موسى والأنبياء من بعده ﵈. وشاركهم المشركون فجعلوا الكعبة البيت الحرام محلًا لأصنامهم، وصدوا النبي ﷺ عنه، ومنعوه في مبدأ الأمر عن إظهار دينه به. أنزل تعالى هذه الآية مبينًا قبيح أفعالهم وأفعال من كان على شاكلتهم. والذي يقوي هذا التفسير أن ظاهر الآية العموم في كل مانع، وفي كل مسجد، والعموم وإن كان سبب نزوله خاصًا، فالعبرة به لا بخصوص السبب، وذلك بناء على صحة السبب والقطع به، كيف وأسباب النزول لم يصح منها إلا النزر اليسير، وسنوضح هذا بعد الكلام على تفسير الآية. فقوله تعالى: ﴿ومن أظلم﴾ مورد الاستفهام ومعناه: النفي، أي: لا أحد أظلم ممن منع، وقد تكرر هذا اللفظ في القرآن، وهذا أول موارده، وقوله: ﴿ممن منع مساجد الله﴾ "من" في [قوله ﴿ممن منع﴾] (١) في موصولة بمعنى: الذي، وجوز أبو البقاء. أن تكون نكرة موصوفة، و ﴿أن يذكر﴾ ثاني مفعولي

стр. 318

﴿منع﴾ أو مفعولًا لأجله، بمعنى منعها كراهية أن يذكر فيها اسم الله، وهو حكم عام لجنس مساجد الله، وأن مانعها من ذكر الله مفرط في الظلم، وكنى بذكر الله عما يقع في المساجد من الصلوات والتقربات إلى الله تعالى، بالأفعال القلبية والقالبية، من تلاوة كتبه، وحركات الجسم من القيام والركوع، والسجود والقعود، الذي تعبد به، وإنما ذكر تعلق المنع بذكر اسم الله، تنبيهًا على أنهم منعوا من أيسر الأشياء، وهو التلفظ باسم الله، فمنعهم لما سواه أولى. قال ابن عطية: وهذه الآية تتناول كل من منع من مسجد إلى يوم القيامة، أو خرب مدينة إسلام، لأنها مساجد وإن لم تكن موقوفة، إذ الأرض كلها مسجد لما في الصحيح، "وجعلت في الأرض مسجدًا وطهورًا" (١). وقوله: ﴿وسعى في خرابها﴾ معناه إما حقيقة بأن خربها واستبدل بها الدور والمساكن والخانات، كما جرى ذلك في زمننا وفي الأزمنة السابقة عليه، من أن المتولين على المساجد والمدارس تحيلوا لاختلاس أوقافها، بحيل أسندوها إلى الشرع، وسموها بالمرصد والكدك والحكر، وأسماء ما أنزل الله بها من سلطان، ثم لما ذهبت الأوقاف وضعوا أيديهم على المساجد، وعلى المدارس ومساجدها فخربوها، وابتنوا مكانها دورًا للسكنى، وحوانيت وخانات، ومنازل للأجرة، فهل الخراب إلَّا مثل هذا؟ وإما مجازًا بانقطاع الذكر فيها ومنع قاصديها منها، إذ ذاك يؤول بها إلى الخراب، فجعل المنع خرابًا، كما جعل التعاهد بالذكر والصلاة عمارة، وذلك مجاز. وقال: ﴿ومن أظلم﴾ ليعلم أن قبح الاعتقاد يورث تخريب المساجد، كما أن حسن الاعتقاد يورث عمارة المساجد، ومن هذا النوع ما اصطلح عليه حكام زمننا والذي قبله، من منع الإمام إذا كان أهلًا للإمامة، وتولية الجاهل بدلًا منه، وتوجيه التدريس المشروط في مسجد ومدرسة للجاهل، ومنع العالم، فإذا تولى

стр. 319

الجاهل أو من هو قريب منه التدريس، حفظ كلمات فألقاها في درسه، وساعده من كان من شيعته أيامًا، ثم يترك التدريس، فالمولي لأمثال هؤلاء، يصدق عليه أنه ساع في خراب المساجد. ثم ذكر تعالى ما رتبه عليه فعلهم من الخوف في المسجد الذي سعوا في خرابه، والخزي في الدنيا والآخرة، ضد ما رتبه لمن أحسن، فقال: ﴿أولئك﴾ المانعون ﴿ما كان لهم أن يدخلوها﴾، أي: ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله ﴿إلا خائفين﴾، على حال التهيب وارتعاد الفرائص، أي: ما كان الحق والواجب إلا ذلك، وما كان أمنهم فيها إلا بسبب كثرة المساعد على ما ارتكبوه من الظلم والتمالؤ على الباطل، وسنزيل ذلك، ففيه بشارة المؤمنين وأهل الحق بعلو كلمة الإسلام والحق، وقهر من عاداه. ويجوز أن يكون المعنى: ﴿أولئك ما كان﴾ ينبغي ﴿لهم أن﴾ يدخلوا مساجد الله، ﴿إلا﴾ وهم خائفون من الله، وَجِلون من عقابه، فكيف لهم أن يتلبسوا بمنعها من ذكر الله والسعي في تخريبها، إذ هي ﴿بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٦، ٣٧] وما هذه سبيله ينبغي أن يعظم ذكر الله فيه، ويسعى في عمارته، ولا يدخله الإنسان إلا وجلًا خائفًا، إذ هو بيت الله، أمر بالمثول فيه بين يديه للعبادة، ففي ذلك تقبيح عظيم على ما وقع منه، إذ كان ينبغي أن يقع ضده، وهو التبجيل والتعظيم. ومما يؤيد هذا المعنى وقوع ﴿كان﴾ في قوله: ﴿ما كان لهم﴾ ولو كان المعنى أنهم يدخلونها خائفين، لقيل: أولئك ما يدخلونها إلا خائفين، وإلى هذا جنح أبو حيان في تفسيره "البحر". ثم بين تعالى الجزاء المناسب لهم، في قوله: ﴿لهم في الدنيا خزي﴾ الآية، أما الخزي في الدنيا فهو الهوان والإذلال لهم، وهو مناسب للوصف الأول لأن فيه إهمال المساجد بعدم ذكر الله وتعطيلها من ذلك، فَجُوْزوا على ذلك بالإذلال والهوان، وأما العذاب العظيم في الآخرة فهو العذاب بالنار، وهو إتلاف لهياكلهم

стр. 320

وصورهم، وتخريب لها بعد تخريب ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦]، وهو مناسب للوصف الثاني، وهو سعيهم في تخريب المساجد، فجوزوا على ذلك بتخريب صورهم، وتمزيقها بالعذاب. ومن غريب التفسير هنا، ما رواه ابن جرير عن السدي بأن خزيهم في الدنيا: أنه إذا قام "المهدي" وفتحت القسطنطينية، قتلهم. وغرابته أن القسطنطينية فتحها المرحوم السلطان "محمد الفاتح" المشهور من بني عثمان، فإن كان هو المهدي فلا إشكال، وإن لم يكن هو فأين ما زعمه السدي؟ وقد كشفنا حقيقة هذا المنتظر في كتابنا "الأجوبة النجدية"، وكتابنا الثاني "الأجوبة القازانية". ومن غريبه أيضًا ما ذكره القشيري: من أن الإشارة في هذه الآية إلى ظلم من خرب أوطان المعرفة بالمنى والعلاقات، وهي قلوب العارفين وأوطان العبادة، بالشهوات وهي نفوس العباد، وأوطان المحبة بالحظوظ، والمساكنات وهي أرواح الواجدين، وأوطان المشاهدات، بالالتفات إلى القربات وهي أسرار الموحدين، لهم في الدنيا خزي، ذل الحجاب، وفي الآخرة عذاب لاقتناعهم بالدرجات انتهى. قال أبو حيان: وهو تفسير عجيب، ينبو عنه لفظ القرآن، وكذا أكثر ما يقوله هؤلاء القوم، انتهى. ولقد رأينا تفاسير عدة على هذا النمط، وأكثرها أخرج القرآن عن موضوعه، وعندي أن هذا سرى لأهلها من الباطنية، ومن تأمل كتبهم، علم أن المورد متشابه، ولم يقصد الباطنية بذلك إلا هدم القرآن والشرع، وكثيرًا ما ينحو هذا المنحى "الحسن بن محمد بن حسين القمي النيسابوري" في كتابه "غرائب القرآن، ورغائب الفرقان" الذي اختصر به تفسير فخر الدين الرازي، ونحن لا نظن به إلا خيرًا، ولكن الواجب عدم التقليد والاستضاءة بمصباح علام الغيوب، واجتناب دسائس الباطنية غاية الاجتناب، ولا يقدر على ذلك إلا من عرف مسالكهم، وطالع الكثير من كتبهم، وفرق بين التصوف الحقيقي وبين الممزوج بكلام أهل الإلحاد.

стр. 321

ومن الغريب أيضًا: ما ذكره في "الدر المنثور" وغيره عن قتادة والسدي أنهما قالًا: ليس في الأرض نصراني يدخل بيت المقدس إلا خائفًا، وهذا مردود، لأن بيت المقدس بقي أكثر من مئة سنة في أيدي النصارى بحيث لم يتمكن أحد من المسلمين من الدخول فيه إلا خائفًا، إلى أن استخلصه الملك "صلاح الدين يوسف بن أيوب" كما هو مذكور في تاريخه وغيره. وقال بعض المعاصرين لنا من المصريين في تفسير له ﴿أولئك ما كان لهم﴾ الآية، خبر بمعنى الأمر أي: أذلوهم بالجهاد، فلا يدخلها منهم أحد إلا خائفًا، انتهى. وهو معنى حسن، وأشار إليه "الرازي"، وعليه يؤخذ من الآية النهي عن تمكين الكفار، والتخلية بينهم وبين المساجد. وتدل الآية على تحريم ما يفعله بعض الناس من الحيل لاختلاس أوقاف المساجد والمدارس، وجعلها دورًا وحوانيت وخانات، ويدعون أنهم فعلوا ذلك بوجه شرعي، وينسبون جواز ذلك لمذهب إمام المحدثين والفقهاء أحمد بن محمد ابن حنبل، ﵁، ومذهبه بريء من تلك الضلالات، وإنما ذلك افتراء عليه من المفتين والقضاة على مذهبه، وهذه كتب مذهبه الصحيحة، فمن ادعى صحة ذلك فليحاكمنا إليها ولكن ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ [النور: ٤٠]. ويدل قوله تعالى: ﴿أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين﴾ أن الكافر لا يحل له دخول المسجد، لكن عندي في هذه الدلالة نظر، لأن أول الآية يخص من ﴿منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وسعى في خرابها﴾ فيجب أن يخص تحريم الدخول بمن كانت هذه صفته مطلقًا، سواء كان كافرًا أو غير كافر، وعليه فمن اغتصب مسجدًا أو مسجد مدرسة، وجعله دارًا أو غيرها، أو تحيل لاغتصاب وقف مسجد بأي حيلة كانت، لا يجوز له دخول ذلك، ويمنع منه وإن نزع الحاكم ذلك من يده وأعاده لأصله كان قد فعل قربة إلى الله تعالى.

стр. 322

وفي الآية إشارة إلى أن الله تعالى أجرى سنته، أن من لم يقم حرمة مساجده، شرده منها وأحوجه لدخولها تحت رقبة وذمة من أعدائه، كما قد شهدت مشاهدة بصائر أهل التبصرة، فكل طائفة ساء عملها في مسجدها شردت منه، ودخلت في بضع الأخرى خائفة، كذلك حتى تكون العاقبة للمتقين. ولما أفهمت الآية أنه حصل لأولي الإيمان منع من عمارة بيت الله بذكره، وكان الله تعالى قد من على هذه الأمة بأن جعل الأرض كلها لها مسجدًا، سلى المؤمنين بأنهم أينما صلوا بقصد عبادتهم لقيهم ثوابه، لأنه لا تختص به جهة دون جهة لأن ملكه للكل على حد سواء، فكان كأنه قيل: فأقيموا الصلاة التي هي أعظم ذكر الله حيثما كنتم، فإنها لله، كما أن المسجد الذي منعتموه لله، عَطَفَ عليه قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. اختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية اختلافًا كثيرًا على عادتهم في هذه الآية وغيرها، وأكثر ما يذكرونه في أسباب النزول متعارض، وضعيف الإسناد، فلا ينبغي أن يقبل منه إلا ما صح، وقد صنف الواحدي وغيره في ذلك كتبًا لا يعول على ما ذكروه فيها إلا على الصحيح منه. وقال أبو حيان في "البحر"، وعن عامر بن ربيعة: أن ذلك جرى مع رسول الله ﷺ ، في السفر، ولو صح ذلك لم يعدل إلى سواه، انتهى. أقول هذا السبب مروي بسند صحيح، فقد أخرج البخاري والبيهقي وابن أبي شيبة عن جابر بن عبدالله، قال: "رأيت رسول الله ﷺ ، يصلي على راحلته قِبَل المشرق، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل واستقبل القبلة وصلى". وأخرج مسلم والترمذي والنسائي وابن أبي شيبة، والطبراني والبيهقي وعبد ابن حميد، عن ابن عمر، قال: "كان النبي ﷺ يصلي على راحلته تطوعًا أينما توجهت به" ثم قرأ ابن عمر ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾، وقال ابن عمر: في هذا أنزلت هذه الآية.

стр. 323

وأخرج الدارقطني، والحاكم وصححه، وابن أبي حاتم وابن جرير، عن ابن عمر، قال: "أنزلت ﴿أينما تولوا فثم وجه الله﴾، أن تصلي حيثما توجهت بك راحلتك في التطوع". وأخرج البخاري والبيهقي عن جابر قال: "رأيت رسول الله ﷺ في غزوة أنمار يصلي على راحلته متوجهًا قبل المشرق تطوعًا"، وفي الباب عن أبي داود الطيالسي وابن ماجه، وكذا روى الإمام أحمد نحو ما تقدم. وروى الترمذي وابن أبي شيبة في جامعه عن عامر بن ربيعة، قال: "كنا مع النبي ﷺ في سفر في ليلة مظلمة، فلم ندر أين القبلة فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي ﷺ ، فنزلت: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾، قال الترمذي: هذا حديث غريب، وفي سنده أشعث السمان وهو يضعف في الحديث، انتهى. فالأحاديث الأولى هي الصحيحة بما هو بمعنى ما تقدم، ومنه يعلم أن الآية مخصوصة بصلاة النافلة، وليست بمنسوخة، وفي معنى النافلة ما إذا جهلت القبلة ولم يعلم مكانها وصلى المصلي بالاجتهاد، فالآية جاءت مجيء العموم، والمراد الخاص، وذلك أن قوله: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾، يحتمل: أينما ﴿تولوا﴾ في حال سيركم في أسفاركم في صلاة التطوع، وفي حال محاربتكم عدوكم في تطوعكم ومكتوبتكم، ﴿فثم وجه الله﴾، ويحتمل: ﴿فأينما تولوا﴾ من أرض الله، فتكونوا بها، ﴿فثم﴾ قبلة ﴿الله﴾ التي توجهون وجوهكم إليها، لأن الكعبة ممكن لكم التوجه إليها منها، ويحتمل: ﴿فأينما تولوا﴾ وجوهكم في دعائكم فهنالك وجهي استجيب لكم دعاءكم، لكن هذا الاحتمال الأخير بعيد عن معنى الآية، إذ لا إشارة إلى الدعاء هنا. فقوله تعالى: ﴿ولله المشرق والمغرب﴾ معناه: بلاد المشرق والمغرب، والأرض كلها لله هو مالكها ومتوليها، وذلك لما كان المشرق موضع الشروق وهو مطلع الأنوار، والمغرب هو موضع أُفولها، وكان هذان الأفقان مدارًا لجميع الكواكب، عبر بهما عن جميع الجهات لتحول الأفلاك حال الدوران إلى كل منها،

стр. 324

فلذلك تسبب عن ذكرهما قوله: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ أي: فأي مكان أوقعتم فيه التولية للصلاة إلى القبلة التي أمرتم بالتولية إليها، ﴿فثم﴾، أي: فذلك الموضع ﴿وجه الله﴾، أي: جهته التي وجهكم إليها، أو مكان استقباله والتوجه إليه، وما يستقبلكم من جلاله وجماله، ويتوجه إليكم من بره وأفضاله، فإن نسبة جميع الأماكن والجهات في القرب والبعد إليه سواء. وقال بعض المفسرين كما نقله أبو حيان: هذه الآية ليست في الصلاة، بل هي خطاب للذين يخربون المساجد، أي: أينما تَوَلَّوا هاربين عني فإني ألحظهم، ويقوي هذا التفسير قراءة الحسن، "فأينما يُولوا" بياء الغائب، انتهى. قلت: وهو تفسير غير بعيد، وذكره الفخر الرازي في تفسيره، ولم يعزه لأحد، وقال: وفي ذلك تحذير من المعاصي وزجر عن ارتكابها. وقوله: ﴿إن الله واسع عليم﴾ نظير قوله: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣)﴾ [الرحمن: ٣٣] فعلى هذا يكون المراد منه سعة العلم، وهو نظير: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]. ولمّا أخبر عن سعة فضله مبثوثًا في واسع ملكه، بما وقفت العقول عن منتهى علمه، علله بما صغر ذلك في جنبه، فقال: ﴿إن الله واسع﴾، أي: محيط بما لا تدركه الأوهام، فلا يقع شيء إلا في ملكه، ﴿عليم﴾ فلا يخفى عليه فعل فاعل أينما كان، وكيفما كان، فهو يعطي المتوجه إليه على قدر نيته بحسب بلوغ إحاطته، وشمول علمه وقدرته. ولما أفاد ما تقدم وصفه تعالى بتمام القدرة، واتساع الملك والفضل، وشمول العلم، كان من المحال افتقاره إلى شيء، ولد أو غيره، فذم أهل الأديان الباطلة كلهم بافترائهم في الولد: اليهود في عزير، والنصارى في "المسيح"، وعبدة الأوثان في "الملائكة".

стр. 325

فقال مُعَجِّبًا ممن اجترأ على نسبة ذلك إليه مع معرفة ما تقدم، عاطفًا على ما سبق من دعاويهم: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. أي: ومن دعاويهم الباطلة، أنهم ﴿وقالوا اتخذ الله﴾ الذي له الكمال كله ﴿ولدًا﴾، وقال ﴿ولدًا﴾: الصالح للذكر والأنثى لينظم بذلك مقالات الجميع، ولما كان العطف على مقالات أهل الكتاب، ربما أوهم اختصاص الذم بهم، حذفت واو العطف في قراءة ابن عامر على طريق الاستئناف في جواب "من" كأنه قال: هل انقطع حبل افترائهم؟ إشارة إلى ذم كل من قال بذلك، وذلك إشارة إلى شدة التباسها بما قبلها، كما قال أبو علي الفارسي. وبغير واو هي في مصاحف أهل الشام، انتهى. لأن جميع المتحزبين على أهل الإسلام مانعون لهم من إحياء المساجد بالذكر، لشغلهم لهم بالعدواة عن لزومها، والحاصل: أنه إن عطف كان انصباب الكلام إلى أهل الكتاب، وكان غيرهم تبعًا لهم للمساواة في المقالة، وإذا حذفت الواو انصب إلى الكل انصبابًا واحدًا. ثم اعلم: أن ادعاء الولد لله كان شائعًا في جميع الأمم، ولم تزل له آثار إلى يومنا هذا، وأقدم القائلين بذلك هم الوثنيون، فإنهم قائلون بالأب والابن وروح القدس، وعنهم أخذ النصارى التثليث، ويسمي الوثنيون ذلك "ثري مورتي" أي: ثلاث هيئات، وادعى الأقدمون النبوة في "أورقية" ملك نزاس، وفي "أفلاطون" في القرن الحادي عشر قبل الهجرة، وفي "الإسكندر" وفي "هيركول" في القرن الثاني عشر قبل الهجرة. وأما من ادعوا فيهم الألوهية والتجسد فكثيرون أيضًا، منهم "بوذا" المصلح الشهير لديانة البراهمة، ولد في القرن الحادي عشر قبل الهجرة، وزعم أتباعه فيه

стр. 326

ذلك قبلًا، وإلى الآن وهم مما يزيد على خمسمئة ألف ألف (١)، وكل عام يسلم منهم الخلق الكثير والجم الغفير، ومنهم "برهما" فإن أتباعه يدَّعون أن الخالق حل فيه، ثم في "فيشنو" ثم في "سيفا" ويصورونهم ملتصقين إشارة إلى هذا التجسد الثلاثي، ولهم من الأتباع نحو من ثلاثمئة ألف ألف، يسلم منهم الخلق الكثير في كل سنة، وتأسست هذه الديانة من قبل زمننا بأكثر من ألفي سنة، ويعتقد البوذيون أن الإله فيشنو، وهو أحد أركان التثليث عند الوثنيين من أهل الهند، تجسد مرارًا عديدة لينجي العالم من الهلاك، وفي المرة التاسعة تجسد في بوذا، وسبب هذه المزاعم الفاسدة غلو الأمم في تقديس أنبيائهم. والصينيون يقولون: إن أصل كل شيء واحد، وهذا الواحد الذي هو أصل الوجود، اضطر إلى إيجاد ثان، والأول والثاني، انبثق منهما ثالث، ومن هذه الثلاثة صدر كل شيء. والمصريون القدماء كانوا يعبدون إلهًا مثلث الأقانيم، على نمط أهل الصين، وكذلك الكلدانيون. وكان الآشوريون يقولون عن "مردوخ": أنه ابن الله البكر. وقدماء اليونان كانوا يقولون بالتثليث، ويقال إن "فيثاغورث" و "هيركليتوس" و "بلاتوا": أخذوا فلسفتهم في التثليث عن "أورفيوس"، ثم نشروها في بلادهم. فقول اليهود: عزير ابن الله، قلدوا فيه قدماء المصريين، وقول النصارى المسيح ابن الله، قلدوا فيه الوثنيين، والرومانيين القدماء، والفرس الأقدمون، كالهنود في التثليث، والثلاثة عندهم "أورمزد، ومترات، وأهرمان"، فالأول الخلاق، والثاني ابن الله المخلّص والوسيط، والثالث المهلك. والفنيقيون كانوا على هذا النمط. ومثلهم الفلنديون والإسكندنافيون والدرديون، وسكان سيبيريا القدماء،

стр. 327

المعبر عنهم بيأجوج ومأجوج (١)، والتتر الوثنيون، وسكان جزائر الأوقيانوس، وأهل المكسيك الهندوس، والهندوس الكنديون، وكل أولئك يدّعون في الابن أنه صلب كما تدعي النصارى، والكلام على استيفاء هذه المباحث طويل، وله مَحَالّ يؤخذ منها. والحاصل أن قوله تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الله ولدًا﴾، شامل لجميع الأمم الوثنية، ومنهم النصارى واليهود، ولمّا ضل كثير من الأمم بهذا الاعتقاد نزه تعالى نفسه، بقوله: ﴿سبحانه﴾ أي: تنزيهًا له عمّا نسبه إليه الكفار من اتخاذ الولد، والتجسد، والحلول، علوًا وارتفاعًا عن ذلك، وأخرج الحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي، عن طلحة بن عبيد الله قال: سألت رسول الله ﷺ ، عن تفسير سبحان الله، فقال: "هو تنزيه الله من كل سوء" ورواه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والديلمي. ثم إنه تعالى أخذ في إبطال تلك المقالة، فقال: ﴿بل له ما في السماوات والأرض﴾ أي: جميع ذلك مملوك له. ومن جملتهم من ادعوا أنّه ولد لله، والولادة تنافي الملكية، لأن الوالد لا يملك ولده، ولمّا ذكر أن الكل مملوك لله تعالى، ذكر أنَّهم كلهم ﴿قانتون﴾ له، أي: مطيعون خاضعون له، وهذه عادة المملوك أن يكون طائعًا لمالكه، ممتثلًا لما يريده منه، واستدل بنتيجة الطواعية على ثبوت الملكية، ومن كان بهذه الصفة لم يجانس الولد، إذ الولد يكون من جنس الوالد، وأتى بـ ﴿ما﴾ الموضوعة لما لا يعقل، تحقيرًا لهم وتصغيرًا لشأنهم. والمقصود من القنوت هنا، الذي بمعنى الطاعة، أنهم خاضعون لتصرفه فيهم، ويفعل بهم ما يشاء ويختار، فله الحكم المطلق كما أخبر تعالى عن السماوات، والأرض، بأنهما قالتا: ﴿أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] والمعنى: أنهم مخلصون خاشعون متواضعون، لاستسلامهم لقضائه من غير قدرة على دفاع، ولا

стр. 328

تطلع إلى نوع امتناع العاقل وغيره، كأنهم يسعون في ذلك ويبادرون إليه مبادرة اللبيب الحازم، وما أحسن قول ابن ميلق في ذلك: والعبد فهو فقير رب راوية ... بالدهر غُرَّ وبالأحوال غيرُ دَرِي قد ساقه قدر نحو القضاء ومَنْ ... يستطع رد قضاءٍ جاء عن قَدَرِ؟ ولما ذكر أنه مالك لجميع من في السماوات والأرض، ذكر الطرفين وخصهما بالبداعة، لأنهما أعظم ما نشاهده من المخلوقات، فقال: ﴿بديع السماوات والأرض﴾ أي: خالقهما على غير مثال سبق، والمعنى: أنه تعالى بارئ السماوات ومبدعها، على غير مثال سابق، وهو الذي ابتدع من ينسبونه إليه بأنه ولده بقدرته، فكيف يجوز عليه أن يكون له ولد. ولما ذكر ما دل على الاختراع، ذكر ما يدل على طواعية المخترع، وسرعة تكوينه، فقال: ﴿وإذا قضى﴾ أي: أراد ﴿أمرًا﴾ منهما أو من غيرهما، تكون ذلك الأمر، ودخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف، كما أن المأمور المطيع الذي يؤمر فيمتثل لا يتوقف، ولا يمتنع، ولا يكون منه الإباء، أكد بهذا الاستبعاد الولادة لأن من كان بهذه الصفة من القدرة، كانت حاله مباينة لحال الأجسام في توالدها. وقد اختلف المفسرون هنا اختلافًا كبيرًا في مخاطبة المعدوم، وقالوا: إن الشيء قبل وجوده يكون معدومًا، فكيف يخاطبه تعالى بـ: ﴿كن﴾ وأطالوا في ذلك، ومحصل ما قاله ابن جرير: أن قوله تعالى: ﴿وإذا قضى أمرًا﴾ عام، في كل ما قضاه الله وبرأه، وإذا كان ذلك كذلك، فأمر الله لشيء إذا أراد تكوينه موجودًا بقوله ﴿كن﴾ في حال إرادته إياه مكونًا، لا يتقدم وجوده الذي أراد إيجاده وتكوينه، إرادته إياه، ولا أمره بالكون والوجود، ولا يتأخر عنه، فغير جائز أن يكون الشيء مأمورًا بالوجود، مرادًا كذلك إلا وهو موجود، ولا أن يكون موجودًا، إلا وهو مأمور بالوجود، مرادًا كذلك، ونظير هذه الآية: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥)﴾ [الروم: ٢٥] فإن خروج القوم من قبورهم، لا يتقدم دعاء الله ولا يتأخر عنه، انتهى.

стр. 329

وهذا كما تراه بسط لما أجمل فيما تقدم، وعندي: أن السؤال غير وارد من أصله، لأن ما أراد الله وجوده إنما هو موجود في علمه تعالى، وإن كان معدومًا في الخارج، فإذا أراد الله تعالى إبراز ذلك الموجود إلى الخارج، أمره بالتكوين فتكون، وأفعاله تعالى لا تقاس على أفعال المخلوقين ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]، وقال الرازي: إن المراد من كلمة ﴿كن﴾ سرعة نفاذ قدرة الله في تكوين الأشياء، وأنه تعالى يخلق الأشياء لا بفكرة ومعاناة وتجربة، وجعل هذا مثال قول السماوات والأرض: ﴿أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، وقد مر بك هذا. ولما تقرر بما أنبأ من بديع آياته في منبث مصنوعاته، أن عظمته تقصر عنها الأوهام، وتنكص خاسئة دونها نوافذ الأفهام، عجب من الجرأة عليه بما استوى فيه حالة الجهلة من العرب بالعلماء من أهل الكتاب، تبكيتًا لهم وتنفيرًا منهم، بأنه لا حامل لهم على الرضا لأنفسهم، بالنزول من أوج العلم إلى حضيض أهل الجهل، إلا اتباع الهوى، فقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨)﴾. أي: ﴿وقال﴾ الجهلة من المشركين، ومن أهل الكتاب، ونفى عنهم العلم، لأنهم لم يعملوا به: ﴿لولا﴾ أي: هلَّا ﴿يكلمنا الله﴾، أي: يوجه كلامه لنا، قالوا ذلك على طريقة الاستكبار والعتو، ﴿أو تأتينا آية﴾، أي: هلا يكون أحد هذين: إما التكلم، وإما إتيان آية، أي: علامة على حسب اقتراحنا، عادين ما أتاهم من الآيات على ما فيها من آية القرآن التي لا توازيها آية أصلًا عدمًا، ولما كان قولهم هذا جَدِيرًا بأن لا يصدق، نبه عليه بقوله: ﴿كذلك﴾ أي: الأمر كما ذكرنا عنهم، ولما كان كأنه قيل: هل وقع مثل هذا قط؟ ! قيل: نعم وقع ما هو أعجب منه، وهو أنه ﴿قال الذين من قبلهم مثل قولهم﴾ ثم علله بقوله: ﴿تشابهت قلوبهم﴾ أي: قلوب هؤلاء، ومن قبلهم في

стр. 330

العمى، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ [الذاريات: ٥٣] وإن كانت مختلفة باعتبار العلم، وفي ذلك تسلية للنبي ﷺ ، بأنه كما تعنت عليه، تعنت على من قبله. وحاصل المعنى: أنا قد أيدنا قول محمد ﷺ ، بالمعجزات، وبينا صحة قوله بالآيات، وهي القرآن وسائر المعجزات، فكان طلب هذه الزوائد من باب التعنت، ولما كان ذلك توقع السامع الإخبار عن البيان، فكان كأنه قيل: هل قالوا ذلك جهلًا أو عنادًا؟ ! فقيل؛ بل عنادًا لأنا قد بينا الآيات في كل آية في الكتاب المبين المسموع، والكتاب الحكيم المرئي، ولما كان يقع البيان خاصًا بأهل الإيقان، قال: ﴿لقوم يوقنون﴾ وفيه بعث للشاك على تعاطي أسباب الإيقان، وهو صفاء العلم عن كدر تطرق الريب، لاجتماع شاهدي السمع والعين. ولما تضمن هذا السياق شهادة بصحة رسالته ﷺ ، وأنه ليس عليه إلا البيان، صرح بالأمرين بقوله مؤكدًا لكثرة المنكرين، فقال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩)﴾. أي: ﴿إنا أرسلناك﴾ لأن تبشر وتنذر، لا لتجبر على الإيمان، وهذا تسلية لرسول الله ﷺ ، وتسرية عنه لأنه كان يغتم ويضيق صدره، لإصرارهم وتصميمهم على الكفر، ﴿ولا﴾ نسألك ﴿عن أصحاب الجحيم﴾، ما لهم لم يؤمنوا بعد أن بذلت جهدك في دعوتهم، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] فأقبل على أمرك ولا تبال بهم، واحتقرهم، فإنهم أقل من أن يلتفت إليهم، وقيل: إن معنى ﴿ولا نسأل عن أصحاب الجحيم﴾ تعظيم ما وقع فيه الكفار من العذاب، كما إذا سألت عن إنسان واقع في بلية، فيقال لك: لا تسأل عنه، وهذا على قراءة "ولا تَسأل" بفتح التاء، ووجه التعظيم أن المسؤول يجزع أن يجري على لسانه ما هو فيه لفظاعته، فلا تسأله ولا تكلفه ما يضجره، أو أنت يا مستخبر لا تقدر على استماع خبره، لإيحائية السامع وإضجاره، فلا تسأل.

стр. 331

ولما جرت العادة بأن المبشر يسر بالبشير، أخبر تعالى أن أهل الكتاب من قسم المنذرين، فهم لا يزالون عليه غضابًا، فقال عطفًا على ما اقتضاه ما قبله: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِير﴾. الرضا هو: إقرار ما ظهر عن إرادة، والمعنى: ﴿لن ترضى عنك اليهود ولا النصارى﴾ لشيء من الأشياء، ﴿حتى تتبع ملتهم﴾ أي؛ تكون بشيرًا لهم، ولن تكون بشيرًا لهم حتى توافقهم فيما أحدثوه من أهوائهم، بأن تتبع كتابهم على ما بدلوا فيه وحرفوا، وأخفوا. كما يشير إلى هذا إضافة الملة إليهم، لا إلى صاحبها المعصوم، وهو إبراهيم ﵇، ويكون ذلك برغبة منك تامة، كما أفهمته صيغة الافتعال، لأن "اتبع" "افتعل"، ومصدره الاتباع، وهو افتعال، وتترك كتابك الناسخ لفروع كتابهم، ومفادهم أنه تعالى علق رضائهم عنه بأمر مستحيل الوقوع منه ﷺ ، وهو اتباع ملتهم، والمعلق بالمستحيل مستحيل. وهذا الخطاب وإن كان للنبي ﷺ ، لكنه في ضمنه التأديب لأمته، فإنهم يعلمون قدره عند ربه، وإنما ذلك ليتأدب به المؤمنون، فلا يوالون الكافرين، فإنهم لا يرضيهم منهم إلا اتباع دينهم، والملة هي: الدين، وإذا كان لا يرضيهم إلا ذلك، كان مستحيلًا، لأن اليهود لا يرضون إلا باتباع دينهم، والنصارى لا يرضون إلا باتباع دينهم، والوثنيون لا يرضون إلا باتباع دينهم، وكلها أديان متنافرة، ولا يمكن للشخص الواحد أن يجتمع فيه دينان متخالفان، فضلًا عن أديان. ولما كان الحال كأنهم قالوا: لن نرضى عنك وإن أبلغت في طلب رضانا، حتى تتبع ملتنا، إقناطًا منهم لرسول الله ﷺ ، عن دخولهم، فحكى الله كلامهم، ولذلك قال: ﴿قل﴾ أي: على طريق إجابتهم عن قولهم: ﴿إن هدى الله هو الهدى﴾ أي: ﴿إن هدى الله﴾ الذي هو الإسلام ﴿هو الهدى﴾ بالحق، والذي يصح أن يسمى هدى، وهو الهدى كله ليس وراءه هدى، وما تدعون إلى اتباعه ما هو بهدى إنما هو هوى، ألا ترى إلى قوله: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم﴾ يعني:

стр. 332

أقوالهم التي هي أهواء وباع، ﴿بعد الذي جاءك من العلم﴾ أي: من الدين المعلوم صحته بالبراهين الصحيحة، ﴿ما لك من الله من ولي ولا نصير﴾، أي: معين يعصمك ويذب عنك، بل الله يعصمك من الناس، إذا أقمت على الطاعة والاعتصام بحبله. ولما أفصح بمن يستحق النذارة منهم بتغيير الدين بأهوائهم، فأفهم من يستحق البشارة، تلاه بالإفصاح بالقسمين من يستحق البشارة منهم، ومن يستحق النذارة فقال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. المعنى: أن مؤمني أهل الكتاب يتلون كتابهم بغير تحريف ولا تبديل، فيؤديهم إلى الإيمان بجميع رسل الله وبالقرآن، ﴿أولئك يؤمنون به﴾ حقًا، ﴿ومن يكفر به﴾ بالتحريف والتبديل، ﴿فأولئك هم الخاسرون﴾، أي: الهالكون، حيث اشتروا الضلالة بالهدى. وبعض المفسرين جعله شاملًا للمؤمنين أيضًا، وهو عندي حسن، ويكون المعنى على ما تقدم: ﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾ يعني: القرآن، ﴿يتلونه حق تلاوته﴾، فيبينون ما أنزل الله فيه من الأحكام والآداب والمواعظ، ﴿أولئك يؤمنون به﴾ إيمانًا حقيقيًا، ﴿ومن يكفر به﴾ فيؤوِّله على مقتضى هواه ليروج به نحلته وبدعته، كما فسره الباطنية فأخرجوه عن معناه، وحرفوه وغيروه، وبدلوه كما هو مشاهد في تفاسيرهم له، واختراع معانٍ له لا يدل عليها منطوق، ولا مفهوم، ولا كناية، ولا يمكن أن تفهم منه بدلالة من الدلالات، ﴿فأولئك هم الخاسرون﴾. ولم يصل اليهود في تحريف كتابهم إلى درجة أولئك الباطنية، فإن اليهود حرفوا بعضًا من كتابهم، وهؤلاء حرفوا القرآن من أوله إلى آخره، وأسندوا بعضًا من ذلك التحريف إلى أمير المؤمنين علي ﵁، وإلى أكابر أهل البيت،

стр. 333

وهم براء من ذلك، وسيمر بك إن شاء الله تعالى، كثير من تحريفهم في هذا الكتاب، لتتبصّر وتتأمّل مفترياتهم. ويشهد لهذا الوجه من التفسير ما أخرجه عبد ابن حميد، عن قتادة قال في هذه الآية: منهم أصحاب محمد الذين آمنوا بآيات الله وصدقوا بها. وعن ابن مسعود: والله إن ﴿حق تلاوته﴾: أن يحل حلاله، ويحرم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله، ولا يحرفه عن مواضعه. وقال عمر بن الخطاب: لقد مضى بنو إسرائيل، وما يعني بما تسمعون غيركم. ولما طال المدى في استقصائه كفرهم بالنعم، ثم في بيان عوارهم، وهتك أستارهم، وختم ذلك بالترهيب بخسارهم، لتضييع أديانهم بأعمالهم، وأحوالهم وأقوالهم، أعاد ما صدر به قصتهم من التذكير بالنعم، والتحذير من حلول النقم، فقال: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾. تقدم لبني إسرائيل تذكير بهذا المعنى، والتكرار هنا مبالغة في نصحهم، وإيقاظ لحميتهم، وقوله تعالى: ﴿ولا يقبل منها عدل﴾ أي: فداء يبذل في فكاكها من غير الأعمال الصالحة، وقوله: ﴿ولا تنفعها شفاعة﴾ أي: غير مأذون فيها، ﴿ولا هم ينصرون﴾ وإن كثرت جموعهم. ولما وصل الحق تعالى بالدعوة العامة الأولى في قوله: ﴿يآَأَيُهَا اَلنَّاسُ﴾ ذكر أمر آدم، وافتتاح استخلافه، ليقع بذلك الناس كافة في طرفين، في اجتماعهم، في أب واحد، ولدين واحد، نظم بذلك وصل خطاب أهل الكتب، بذكر إبراهيم ليقع بذلك اجتماعهم أيضًا في أب واحد، وملة واحدة، اختصاصًا بتبعية الإمامة الإبراهيمية، من عموم تبعية الخلافة الآدمية، تنزيلًا للكتاب، وترفيعًا للخلق إلى علو اختصاص الحق.

стр. 334

وأيضًا لما علي سبحانه أهل الضلال، وكان جلهم من ذرية إبراهيم ﵇، وجميع طوائف الملل تعظمه، ومنهم العرب وبيته الذي بناه أكبر مفاخرهم، وأعظم مآثرهم، ذكّر الجميع ما أنعم به عليه، تذكيرًا يؤدي إلى ثبوت هذا الدين، باطلاع هذا النبي الأمي الذي لم يخالط عالمًا قط، على ما لا يعلمه، إلا خواص العلماء، وذكر البيت الذي بناه فجعله عمادًا لصلاحهم، وأمر بأن يتخذ بعض ما هناك مصلى، تعظيمًا لأمره وتفخيمًا لعلي قدره. وفي التذكير بوفائه بعد ذكر الذين وفوا بحق التلاوة، وبعد دعوة بني إسرائيل عامة إلى الوفاء بالشكر، حث على الاقتداء به، وكذا في تذكير الإسلام والتوحيد هز لجميع من يعظمه إلى اتباعه في ذلك، فقال: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾. يعني تعالى جل ثناؤه بقوله: ﴿وإذ ابتلى﴾ وإذ اختبر قال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦] يعني: اختبروهم، وكان اختبار الله تعالى إبراهيم، اختبارًا بفرائض فرضَها عليه، وأمرًا أمره به، وذلك هو الكلمات التي أوحاهنَّ إليه، وكلفه العمل بهنَّ، امتحانًا منه له، واختبارًا، وفي قوله: ﴿ربه﴾ إشعار بأن تكليف العباد هو غاية الإحسان إليهم. وأما الكلمات فقد أطال المفسرون في تعيينها، وفي مقدمتهم "جلال الدين السيوطي" في كتابه "الدر المنثور" فإنه فيه حاطب ليل. والصواب: أنه غير جائز لأحد أن يقول عن الله بالكلمات التي ابتلى بهن إبراهيم شيئًا بعينه دون شيء، إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر عن الرسول، أو إجماع من الحجة، ولم يصح في شيء من ذلك خبر عن الرسول، بنقل الواحد، ولا بنقل الجماعة التي يجب التسليم لما نقلته، وأقرب ما قيل في ذلك قول من قال: أراد بقوله بكلمات قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ وقوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥]

стр. 335

وسائر الآيات التي هي نظير ذلك، كالبيان عن الكلمات التي ذكر الله أنه ابتلى بهن إبراهيم. وفي "الكشاف": أن ابن عباس قرأ: "وإذا ابتلى إبراهيمُ ربَّه"، على جعل "إبراهيم" فاعلًا، و "رب" مفعولًا به، ونسب هذه القراءة إلى أبي حنيفة، قال: والمعنى: أنه دعاه بكلمات من الدعاء، فعل المختبر، هل يجيبه إليهن أو لا، انتهى. وقوله ﴿فأتمهن﴾ معناه: فقام بهن حق القيام، وأداهن أحسن التأدية من غير تفريط وتوان، كما قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم: ٣٧] وفَّى الأخرى لله تعالى، بمعنى: فأعطاه ما طلبه لم ينقص منه شيئًا، وفي قوله: ﴿فأتمهن﴾ بيان لأن أسنى أحوال العباد الإذعان والتسليم، لمن قامت الأدلة على صدقه، والمبادرة لأمره، دون اعتراض ولا توقف، ولا بحث عن علة، ثم لما كان كأنه قيل: فما جوزي على شكره بالإتمام؟ قيل ﴿قال﴾ له ربه، ويجوز أن يكون "قال" بيانًا لـ ﴿ابتلى﴾ كما ذكرناه آنفًا ﴿إني جاعلك للناس﴾ أي: مصيرك للناس إمامًا يؤتم به ويقتدى به، وكثير من المفسرين فسر الإمامة هنا بالنبوة وهو الصواب، وهذا الجعل يقتضي العصمة، لأن الإمام هو الذي يؤتم به، فلو صدرت المعصية منه لوجب الاقتداء به في ذلك، فيلزم أن يجب على المؤتمين به فعل المعصية، ، وذلك محال لأن كونه معصية، عبارة عن كونه ممنوعًا من فعله، وكونه واجبًا عبارة عن كونه ممنوعًا من تركه، والجمع بينهما محال. وقوله: ﴿ومن ذريتي﴾ متعلق بمحذوف، التقدير: ﴿و﴾ اجعل ﴿من ذريتي﴾ إمامًا، لأن إبراهيم فهم من قوله تعالى: ﴿إني جاعلك للناس إمامًا﴾ الاختصاص، فسأل الله أن يجعل من ذريته إمامًا، فأجابه تعالى بقوله: ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ أي: قد أجبتك وعاهدتك بأن أحسن إلى ذريتك, لكن ﴿لاينال عهدي﴾ الذي عهدته إليك بالإمامة ﴿الظالمين﴾ , منهم لأنهم نفوا أنفسهم عنك في أبوة الدين، وفي ذلك أتم ترغيب في التخلق بوفائه، لاسيما للذين دعوا قبلها

стр. 336

إلى الوفاء بالعهد، وإشارة إلى أنهم إن شكروا أبقى رفعتهم، كما أدام رفعته، كان ظلموا لم تنلهم دعوته، فضربت عليهم الذلة وما معها، ولا يجزي أحد عنهم شيئًا، ولا هم ينصرون. واختلف المفسرون في معنى العهد، فقيل: النبوة، وقيل: الإمامة، وقيل: الأمان، والصواب أنه: النبوة والإمامة في الدين. وقوله تعالى: ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ هو من الجواب الذي يزيد على السؤال، لأن إبراهيم طلب من الله وسأل: أن يجعل من ذريته إمامًا، فأجابه إلى أنه لا ينال عهده الظالمين، ودل بمفهوم الصفة على أنه ينال عهده من ليس بظالم، وكان ذلك دليلًا على انقسام ذريته إلى ظالم وغير ظالم، وحيث فسرنا الإمامة بالنبوة، استغنينا عن تقليد المفسرين هنا بما أطالوه به من شروط الإمامة، التي هي الإمارة، وإطالتهم في ذلك حتى كادوا يذكرون شروط الإمام في الصلاة. ولما كان من إمامة إبراهيم ﵇، اتباع الناس له في حج البيت الذي شرفه الله، ببنائه قال إثر ذلك ناعيًا على أهل الكتاب مخالفته، وترك دينه، وموطئًا لأمر القبلة: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾. بيّن تعالى في الآية التي قبل هذه، كيفية حال إبراهيم حين كلفه بالإمامة، ثم شرح هنا التكليف الثاني، وهو التكليف بتطهير البيت، والبيت هنا التكليف الثاني، وهو التكليف بتطهير البيت، و ﴿البيت﴾ هنا الكعبة والحرم كله، ولكن لما كانت حرمة الحرم كله معلقة بالبيت، جاز أن يعبر عنه باسم البيت، ونظيره: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] فإن المراد الحرم كله لا الكعبة نفسها، لأنه لا يذبح في الكعبة ولا في المسجد الحرام. والمعنى: ﴿وإذ جعلنا البيت﴾، أي: الحرم ﴿مثابة للناس﴾، و "جعل"

стр. 337

بمعنى "صير" فـ ﴿مثابة﴾ مفعول ثانٍ، وقيل: هي بمعنى خلق أو وضع، و "المثابة" المرجع، وتاؤها للمبالغة، لكثرة من يثوب إليه، أو لتأنيث المصدر، أو لتأنيث البقعة، ويجوز أن تكون "المثابة" بمعنى الجمع، أي: ﴿وإذ جعلنا البيت﴾ مجمعًا للناس، أي: جعلناه مجمعًا للحجاج، وقال ابن عباس: معاذًا وملجأ. والأقرب قول من قال: مرجعًا، ومعناه: يرجعون إليه بكلياتهم، كما تفرقوا عنه اشتاقوا إليه، هم أو غيرهم، آيةً على رجوعهم من الدنيا إلى ربهم، ﴿وأمنًا﴾ مصدر، جعل البيت إياه على سبيل المبالغة لكثرة ما يقع فيه من الأمن، وكان في الجاهلية معاذًا لمن استعاذ به، وكان الرجل منهم لو لقي قاتل أبيه أو أخيه فيه لم يهجه، ولم يعرض له بشيء حتى يخرج منه، وكان كما قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] قال الأصفهاني: وهذا شيء توارثه العرب من دين إسماعيل ﵇، فبقوا عليه إلى أيام النبي ﷺ ، فاليوم من أصاب في الحرم جريرة أقيم عليه الحد بالإجماع، انتهى. ويصح أن يكون على سبيل الأمر، والمعنى: أن الله تعالى أمر الناس بأن يجعلوا ذلك الموضع آمنًا من الغارة والقتل، فيكون محترمًا بحكم الله، وإنما جعل الله البيت مثابة للناس وأمنًا لما فيه من منافع الدنيا والآخرة، أما منافع الدنيا، فلأن أهل الشرق والغرب يجتمعون هناك، فيحصل هناك من التجارات وضروب المكاسب ما يعظم به النفع، وأيضًا فيحصل بسبب السفر إلى الحج عمارة الطرق والبلاد، كما جرى في زمننا من إنشاء السفن البرية من دمشق حتى المدينة، وسيتصل سيرها إلى مكة (١)، وإعمار ما كان قابلًا للعمران من تلك البقاع، وفيه أيضًا مشاهدة الأحوال المختلفة في الدنيا، واجتماع المسلمين الذي لولا الحج لم يجتمعوا، وتعارف بعضهم ببعض، وشكاية بعضهم لبعض ما أهمهم، فيقوم أولو الحمية بنصرة بعضهم بعضًا، ويقوم العارفون بتلك الحكمة بضم الشمل وجمع

стр. 338

الكلمة، لتخلص البلاد التي يستولي عليها الأعداء من أيديهم، بمعونة أهل الإيمان بعضهم لبعض، فيكون البيت هو سبب أمنهم، لأنهم ما داموا بيد الأعداء كانوا في خوف، فإذا خلصوا كانوا في أمن. فانظر إلى هذه الحكمة التي أشار إليها تعالى في هذه الآية، وقل: هنيئًا لمن يفقهها ويسلك مسالكها، ويؤدي ذلك الواجب الذي أوجبه تعالى عليه. وأما منافع الدين، فلأن من قصد البيت رغبة منه في النسك والتقرب إلى الله، وإظهار العبودية، استحق بذلك ثوابًا عظيمًا، وهو المثوبة على فعله. ولما كان التقدير: فثاب الناس إليه ائتمامًا ببانيه، وآمنوا بدعوته فيه، عطف عليه قوله: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ أخرج البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد والدارقطني والدارمي، عن أنس قال: قال عمر بن الخطاب: "وافقت ربي في ثلاثة" أو: وافقني ربي في ثلاث: قلت؛ يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: ﴿واتخدوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ وقلت: يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب. واجتمع على رسول الله نساؤه في الغيرة، فقلت لهن: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن فنزلت كذلك. وروى الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح، عن أنس أن عمر قال: يا رسول الله، لو صلينا خلف المقام، فنزلت: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾. فقوله تعالى: ﴿واتخذوا﴾ على إرادة القول، أي وقلنا: اتخذوا منه موضع صلاة تصلون فيه، وهو على وجه الاختيار والاستحباب دون الوجوب، وهذا على قراءة كسر الخاء، وهي قراءة ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي، والجمهور. وقرأ نافع وابن عامر بفتحها، جعلوه فعلًا ماضيًا فيكون المعنى كما ذكرناه آنفًا، فثاب الناس إليه فاتخذوا، ومقام إبراهيم هو المقام المعروف بهذا

стр. 339

الاسم الذي هو في المسجد الحرام، و "المصلى" موضع الصلاة، أمروا أن يصلوا عنده. وقوله تعالى: ﴿وعهدنا﴾ معناه أمرنا، أو وصينا، أو أوحينا، أو قلنا إلى إبراهيم وإسماعيل: ﴿أن طهرا بيتي﴾ عن كل رجس حسي، ومعنوي، فلا يفعل بحضرته شيء لا يليق في الشرع، وإضافة البيت إليه تعالى إضافة تشريف لا مكان محل لله تعالى، والمراد بـ ﴿الطائفين﴾ من يقصد البيت حاجًا أو معتمرًا فيطوف به، وبـ ﴿العاكفين﴾ من يقيم هناك ويجاور، وبـ ﴿الركع السجود﴾ من يصلي هناك. ولما ذكر الله تعالى أمر البيت على ما تضمنته الآية الشريفة ذكر باهتمامه بأهله، ودعائه لهم مبكتًا لمن عق إبراهيم من ذريته، فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾. ﴿رب﴾ منادى مضاف إلى الياء، ونادى إبراهيم بلفظ الرب مضافًا إليه، لما في ذلك من تلطف السؤال والنداء، بالوصف الدال على قبول السائل، وإجابة ضراعته، وأسقط ياء النداء الدالة على البعد من اللفظ إنباءً بقربه، كما هو حال أهل الصفوة، ﴿اجعل﴾ بمعنى صيِّر، و ﴿هذا البلد﴾ أي الموضع الذي جعلت فيه بيتك، وأمرتني بأن أسكنه من ذريتي، أي صيره بلدًا يأنس من يحل به أمنًا، إفصاحًا بما أفهمه، ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ﴾، وقوله: ﴿آمنًا﴾ أي ذا أمن كقولهم عيشة راضية، أي ذات رضا أو على الاتساع، لما كان يقع فيه الأمن جعله ﴿آمنًا﴾، كقولهم نهارك صائم، وليلك قائم، وأطلق تعالى قوله: ﴿آمنًا﴾ ولم يقيده بشيء، واختلف كلام المفسرين في تقييده على عادتهم، فقيل: ﴿آمنًا﴾ من الجبابرة والمتسلطين، أو من أن يعود تحريمه حلالًا، أو من أن يخلو من أهله، أو ﴿آمنًا﴾ من القتل، أو من الخسف والقذف، أو من القحط والجدب، أو من دخول الدجال، أو من أصحاب الفيل، أو معناه مأمونًا فيه ... إلى غير ذلك مما لا يخلو

стр. 340

أكثره من اعتراض عليه، فإن "عمرًا بن لحي" و "الحجاج بن يوسف" والقرامطة، دخلوا الحرم وأكثروا القتل في أهله، وكذلك إن تلك البقعة أكثر بلاد الله قحطًا وجدبًا، كما قال ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧]. وحيث اختلفت الأقوال فالمرجع إلى ما صح سنده من كلام رسول الله ﷺ ، أو من كلام أصحابه رضوان الله عليهم، فقد أخرج الإمام أحمد ومسلم والنسائي، عن جابر مرفوعًا "إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها، فلا يصاد صيدها، ولا يقلع عضاهها"، وفي رواية لمسلم عن رافع بن خديج مرفوعًا: "إن إبراهيم حرم مكة وإني أحرم ما بين لابتيها" يعني: المدينة، وقد ورد في الصحيح عنه ﷺ : "إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض" بغير تحريم منه على لسان أحد من أنبيائه ورسله، فالله تعالى جعل مكة حرمًا حين خلقها وأنشأها، ولكن بمنع من أرادها بسوء، وبدفعه عنها من الآفات والعقوبات، وعن ساكنيها ما أحل بغيرها من النقمات، فلم يزل ذلك أمرها حتى بوأها الله إبراهيم خليله، وأسكن بها أهله هاجر وولده إسماعيل، فسأل حينئذ إبراهيم ربه إيجاب فرض تحريمها على عباده على لسانه، ليكون ذلك سنَّة لمن بعده من خلقه، يستنُّون به فيها، إذ كان تعالى ذكره قد اتخذه خليلًا، وأخبره أنه جاعله للناس إمامًا يقتدى به، فأجابه ربه إلى ما مسألة، وألزم عباده حينئذٍ فرض تحريمه على لسانه، فصارت مكة - بعد أن كانت ممنوعة بمنع الله إياها، بغير إيجاب الله فرضَ الامتناع منها على عباده، ومحرمة بدفع الله عنها، بغير تحريمه إياها على لسان أحد من رسله- فرضٌ تحريمها على خلقه على لسان خليله، وواجبٌ على عباده الامتناع من استحلالها واستحلال صيدها وعضاهها بإيجابه الامتناعَ عن ذلك ببلاغ إبراهيم رسالة الله إليه، بذلك إليهم. فلذلك أضيف تحريمها إلى إبراهيم، فقال: رسول الله ﷺ : "إن الله حرم مكة"، لأن فرض تحريمها الذي ألزم الله عباده

стр. 341

على وجه العبادة له به- دون التحريم الذي لم يزل متعبَّدًا (١) لها به على وجه الكلاءة والحفظ لها قبل ذلك- كان عن مسألة إبراهيمَ ربَّه إيجاب فرض ذلك على لسانه، [وهو الذي] (٢) لزم العباد فرضه دون غيره، وإلى هذا مال ابن جرير، وأقره، وبه يندفع عن الأحاديث الواردة ما يظن أنه متناقض من قوله: "إن إبراهيم حرم مكة"، "وإن الله حرم مكة". ولما ذكر تعالى الأمن أتبعه الرزق فقال ﴿وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر﴾ وذلك أن إبراهيم لما بنى البيت في أرض مقفرة، وكان حال من يتمدن من الأماكن يحتاج فيه إلى ماء يجري، ومزرعة يمكن فيها القطان بالمدينة، دعا الله للبلد بالأمن، وبأن تجبى له الأرزاق، فإنه إذا كان البلد ذا أمن، أمكن وفود التجار إليه لطلب الربح، ولما سمع في الإمامة قوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قيد هنا من سأل له الرزق، فقال: ﴿من آمن منهم بالله واليوم الآخر﴾ والضمير في ﴿منهم﴾ عائد إلى ﴿أهله﴾، دعا لمؤمنهم بالأمن والخصب، لأن الكافر لا يدعى له بذلك، ألا ترى أن قريشًا لما طغت دعا عليها رسول الله ﷺ ، فقال: "اللهم اشدد وطأتك على مُضَر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف" (٣) وكانت مكة إذ ذاك قفرًا لا ماء فيها ولا نبات، كما قال: ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، فبارك الله فيما حولها كالطائف وغيره، وأنبت الله فيها أنواعًا من الثمر، قال البرهان البقاعي في تفسيره: قال: ﴿من الثمرات﴾ ولم يقل: من الحبوب، لما في تعاطيها من الذل المنافي للأمن، لما روي أن النبي ﷺ ، رأى سكة حرث فقال: "ما دخلت هذه بيتًا إلا ذل" (٤) انتهى. أقول: الدليل لا يفيد المدعى، لأن الحبوب كما تحتاج إلى السكة للحرث

стр. 342

كذلك الأشجار تحتاج إليها، بين الاحتياج القليل أو الكثير، فمن أين جاءه التخصيص، وأيضًا فإن الثمرات مفردة ثمرة، وحكى صاحب "البصائر" عن ابن عباس: أن الثمر أنواع المال، وقال في "القاموس": الثَمَر محركة حمل الشجر، وأنواع المال. وقرأ أبو عمرو بن العلاء: "وكان له ثُمْرٌ" وفسره بأنواع المال كذا في "الصحاح"، وقال: الأزهري في "التهذيب"، قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ [الكهف: ٣٤] ما كان في القرآن من ثمر فهو المال، فدل كلام أهل اللغة، على أن الثمر يكون في بعض الاستعمالات عامًا في ثمر الأشجار والحبوب، وصنوف المال، وساعدهم على هذا النقلُ عن سلف المفسرين، والمقام هنا مقام دعاء بالغذاء، والحبوب أهم من الثمار في الغذاء، فينبغي أن يفسر دعاء إبراهيم هنا بما هو أعم من ثمر الأشجار، ليكون شاملًا للحبوب ولأصناف المال الذي تحتاج إليه المدنية، ولا تقوم إلا به. وقوله: ﴿ومن كفر﴾ عطف على ﴿من آمن﴾، والمعنى وأَرزق من كفر، فأمتعه قليلًا، لأني أرزق البر والفاجر، قال أُبيُّ بن كعب: هو قول الرب جل ذكره، وروي عن ابن عباس: أنه من قول إبراهيم ﵇، والصواب من التأويل قول أُبيِّ ﵁. والمعنى: قال الله: يا إبراهيم قد أجبت دعوتك، ورزقت مؤمني هذا البلد وكفارهم، متاعًا لهم إلى بلوغ آجالهم، ثم أضطر كفارهم بعد ذلك إلى النار، أي: فأجعل ما أرزقه الكافر من ذلك، في حياته متاعًا يتمتع به إلى وقت مماته، ودليل صحة هذا القول أن الله تعالى إنما قال ذلك لإبراهيم، جوابًا لمسألته ما سأل من رزق الثمرات لمؤمني أهل مكة، فكان معلومًا بذلك أن الجواب، إنما هو فيما سأله إبراهيم لا في غيره، وقوله: ﴿ثم أضطره﴾ أي: أسوقه ﴿إلى عذاب النار﴾، والاضطرار الإكراه والإلجاء، أي: أدفعه إلى العذاب، وأسوقه سحبًا وجرًا على وجهه، ﴿و﴾ ساء ﴿المصير﴾، عذاب النار بعد الذي كانوا فيه من متاع الدنيا الذي متعتهم فيها، و ﴿المصير﴾ هو: الموضع الذي يصير إليه الكافر بالله في عذاب النار، وفي الآية بيان أن نعمة المؤمن في الدنيا موصولة بالنعمة في الآخرة،

стр. 343

بخلاف الكافر فإن نعمته في الدنيا تنقطع عند الموت، وتتخلص منه إلى الآخرة. ولما ذكر الله تعالى بما مهده من أمر البيت دينًا ودنيًا، أتبعه ببنائه مشيرًا إلى ما حباهم به من النعم وما قابلوه به من كفرها، باختيارهم لأن يكونوا من غير الأمة المسلمة فقال تعديدًا لوجوه النعم على العرب (١)، بأبيهم الأعظم استعطافًا إلى التوحيد: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾. جملة ﴿وإذ يرفع﴾ معطوفة على ما قبلها، و ﴿يرفع﴾ حكاية حال ماضية، و ﴿القواعد﴾ جمع قاعدة وهي الأساس والأصل لما فوقه، وهي صفة غالبة، ومعناها: الثابتة، ورفع الأساس: البناء عليها، لأنها إذا بني عليها نقلت من هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع، وتطاولت بعد التقاصر، ويجوز أن يكون المراد بالقواعد سافات البناء، لأن كل ساف قاعدة للذي يبنى عليه، ويوضع فوقه، ومعنى: رفع القواعد، رفعها بالبناء، لأنه إذا وضع سافًا فوق ساف فقد رفع السافات، ويجوز أن يكون المعنى: ﴿وإذ يرفع إبراهيم﴾ ما قعد ﴿من البيت﴾، أي: استوطأ، يعني: جعل هيئة القاعدة المستوطأة مرتفعة عالية بالبناء. وقد أطال المفسرون هنا، فذكروا ماهية هذا البيت، وقدمه وحدوثه، ومن أي شيء كان بابه، وكم مرة حجه آدم، ومن أي شيء بناه إبراهيم، ومن ساعده على البناء، وذكروا قصصًا كثيرةً واستطردوا من ذلك للكلام في البيت المعمور، وفي طول آدم والصلع الذي عرض له ولولده، وفي الحجر الأسود، وطولوا في

стр. 344

ذلك بأشياء لم يتضمنها القرآن ولا الحديث الصحيح، وبعضها يناقض بعضًا، وذلك على جري عاداتهم في نقل ما دب وما درج، ولا ينبغي أن يعتمد إلا على ما صح في كتاب الله وسنة رسوله. والصواب: أن ﴿إسماعيل﴾ ﵇ كان مشاركًا لإبراهيم في البناء، كما أخبر الله تعالى بذلك، فلا عبرة يقول من نفى مشاركة إسماعيل له. ثم وصل بهذا العمل الشريف قوله: ﴿ربنا﴾ مرادًا فيه القول، محذوفًا منه ياء النداء الدالة على البعد، أي: يقولون: ﴿ربنا تقبل منا﴾ عملنا بفضلك، ولا ترده علينا، إشعارًا بالاعتراف بالتقصير لحقارة العبد، وان اجتهد في جنب عظمة مولاه، ولما تضمن سؤال القبول المشعر، بخوف الرد، علم الناقد البصير بالتقصير علله بقوله: ﴿إنك أنت السميع﴾ لدعائنا، ﴿العليم﴾ بنياتنا وضمائرنا، وفي هذا الدعاء دليل واضح على أن بنائهما ذلك لم يكن مسكنًا يسكنانه، ولا منزلًا ينزلانه، بل هو دليل على أنهما بنياه ورفعا قواعده، لكل من أراد أن يعبد الله، تقربًا منهما إلى الله بذلك، ولذلك قال: ﴿ربنا تقبل منا﴾ ولو كانا بنياه مسكنًا لأنفسهما، لم يكن لقولهما ﴿تقبل منا﴾ وجه مفهوم، لأنه كان يكون لو كان الأمر كذلك سائلين أن يتقبل منهما، ما لا قربة فيه إليه، وليس موضعهما مسألة الله قبول ما لا قربة إليه فيه. ولما سألا القبول، سألا الزيادة عليه بقولهما: ﴿ربنا واجعلنا مسلمين لك﴾ مخلصين لك أوجهنا، من قوله تعالى: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢، والنساء: ١٢٥] أو مستسلمين، أي خاضعين مذعنين، والمعنى: زدنا إخلاصًا أو إذعانًا لك، ولم يريدا بقولهما: ﴿واجعلنا مسلمين لك﴾، حقيقة الإسلام بل أرادا والله أعلم: الدعاء بالدوام، كما في ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦] واشارة إلى أن الإسلام لما كان ظاهر الدين كان سريع الانثلام، لأجل مضايقة أمر الدنيا، وإنما يتم الإسلام بسلامة الخُلُق من يد العبد ولسانه، والإلقاء بكل ما بيده لربه، وذلك مما ينازع فيه وجوه النفس، ومتضايق الدنيا، كان هو مطلبًا لأهل

стр. 345

الصفوة في خاتمة العمر، ليكون الخروج من الدنيا عن اللقاء للحق وسلام للخلق، كما قال يوسف ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ [يوسف: ١٠١]. وقوله: ﴿ومن ذريتنا﴾ معناه: واجعل بعض ﴿ذريتنا أمة مسلمة لك﴾، وإنما خصا بذلك بعض الذرية، لأن الله قد كان أعلم إبراهيم قبل مسألته هذه، أن من ذريته من لا ينال عهده لظلمه وفجوره، فلذلك خصا بالدعوة بعض ذريتهما، وقال السدي: المراد من ذلك البعض: العرب، وهو قول باطل، لأن ذرية إبراهيم العرب وغيرهم، وأيضًا فإنه ليس كل العرب من ولد إبراهيم، ولو كان قوله صحيحًا لكان يلزم لذلك التخصيص تعميم، ليعم كل العرب، ولا عموم هنا. وقوله تعالى: ﴿أمة مسلمة لك﴾ معناه: جماعة، وخص ذريته بالدعاء، للشفقة وللحنو عليهم، ولأن في صلاح نسل الصالحين نفعًا كثيرًا لمتبعهم، إذ يكونون سببًا لصلاح من ورائهم، ودل صدر هذا الدعاء، على أن كمال سعادة العبد في أن يكون مسلمًا لأحكام الله وقضائه وقدره، وأن لا يكون ملتفت المخاطر إلى شيء سواه، ولما كان المسلم مضطرًا إلى العلم، قال: ﴿وأرنا مناسكنا﴾ أي: وبصرنا متعبداتنا في الحج، وعرفناها ﴿وتب علينا﴾ أي: أدم توبتنا ﴿إنك أنت التواب﴾ صيغة مبالغة، أي: الرجاع بعباده إلى مواطن النجاة من حضرته، بعدما سلط عليهم عدوهم بغوايته، ليعرفوا فضله عليهم، وعظيم قدرته، ثم أتبعه وصفًا هو كالتعليل له، فقال: ﴿الرحيم﴾. وقال فخر الدين الرازي، من جملة أوجه ذكرها: لمّا أُعلِم إبراهيم أن في ذريته من يكون ظالمًا عاصيًا لا جرم، سأل ههنا أن يجعل بعض ذريته أمة مسلمة، ثم طلب منه أن يوفق أولئك العصاة المذنبين للتوبة، فقال: ﴿وتب علينا﴾ أي: على المذنبين من ذريتنا، والأب المشفق على ولده، إذا أذنب ولده فاعتذر الوالد عنه، فقد يقول: أجرمت وعصيت، وأذنبت فأقبل عذري، ويكون مراده أن ولدي أذنب فأقبل عذره، لأن ولد الإنسان يجري مجرى نفسه، ثم إن الرازي قوى هذا التأويل، واستدل له، وإنما جنح إلى

стр. 346

هذا التأويل، لأن الأنبياء معصومون عن الصغائر والكبائر، ولما جوز المعتزلة وقوع الصغائر من الأنبياء، قال الزمخشري مشيًا على قاعدتهم: وتب علينا ما فرط منا من الصغائر، واستيفاء هذا البحث محله كتب الكلام، فلا نطيل به ههنا. ولما دعى ربه بالأمن لمكة، وبالرزق لأهلها، وبأن يجعل من ذريته أمة مسلمة، ختم الدعاء لهم بما فيه سعادتهم دنيا وآخرة فقال: ﴿ربنا وابعث فيهم رسولًا منهم﴾ فشمل دعاؤه لهم الأمن والخصب والهداية، فقوله: ﴿ربنا وابعث فيهم﴾، أي: في الأمة المسلمة التي من ذريتي وذرية ابني إسماعيل، ﴿رسولًا منهم﴾ ليكون أرفق بهم، وأشفق عليهم، ويكونوا هم أجدر باتباعه، والترامي في نصره، وذلك الرسول هو محمد ﷺ ، فإنه لم يبعث من ذريتهما بالكتاب غيره، فهو دعوة إبراهيم أبي العرب، وأكرم ذريته، ففي ذلك أعظم ذم لهم بعداوته، مع كونه مرسلًا لتطهيرهم بالكتاب الذي هو الهدى، وإليه الإشارة بقوله: ﴿يتلو عليهم آياتك﴾ ولذلك كان ﷺ يقول: "أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى" (١) ولمّا طلب بعثة رسول منهم، ذكر لذلك الرسول صفات فقال: ﴿يتلو﴾ أي: يقرأ عليهم آياتك، ويبلغهم ما يوحى إليه من دلائل وحدانيتك، وصدق أنبيائك ﴿ويعلمهم الكتاب﴾، أي يفهمهم، ويلقي إليهم معانيه، ﴿و﴾ يعلمهم ﴿الحكمة﴾، أي: الشريعة وبيان الأحكام، وكل أمر يشرعه لهم، فيحفظهم في سبيل معاشهم ومعادهم، من الزيغ المؤدي إلى الضلال الموجب للهلاك، وقوله ﴿ويزكيهم﴾ أي يطهر قلوبهم بما أوتيه من دقائق الحكمة، فيرتقي بصفائها ولطفها من ذروة الدين إلى محل يؤمن عليها فيه أن ترتد على أدبارها، وتحرف كتابها كما فعل من تقدمها، والتزكية: إكساب الزكاة، وهي نماء النفس بما هو لها بمنزلة الغذاء للجسم، ثم علل بقوله: ﴿إنك أنت العزيز﴾ أي: الذي يغلب كل شيء ولا يغالبه شيء، ﴿الحكيم﴾ الذي يتقن ما أراد، فلا يتأتى نقضه، ولا متصف بشيء من ذلك غيرك، وفي ذلك إظهار عظيم لشرف العلم، وطهارة الأخلاق، وأن ذلك لا

стр. 347

ينال إلا بمجاهدات لا يطيقها البشر، ولا تدرك أصلا إلا بجد تطهره العزة، وترتيب أبرمته الحكمة، هذا لمطلق ذلك، فكيف بما يصلح منه للرسالة، وفيه إشارة إلى أنه يكبت أعداء الرسل، وإن زاد عددهم، وعظم جدهم، ويحكم أمورهم، فلا يستطيع أحد نقض شيء منها. ودلت الآية على أنه سيكون في تلك الذرية الإبراهيمية الإسماعيلية جهال لا حكمة فيهم، ولا كتاب، وأن الشرك ينجسهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، وأنه تعالى يبعث فيهم رسولًا منهم يطهرهم، ويجعلهم حكماء الأرض بعد جهلهم. ولما ذكر إبراهيم ﵇ ما ذكر في الآيات السابقة، عجب الناس فقال: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠)﴾. هذه الآية توبيخ لليهود وللنصارى، ولمشركي العرب، وإنكار واستبعاد لأن يكون في العقلاء من يرغب عن الحق الواضح الذي هو ملة إبراهيم، وذلك لأن اليهود إنما يفتخرون به ويتوصلون بالوصلة التي بينهم وبينه، من نسب إسرائيل، والنصارى ليس افتخارهم إلا بعيسى، وهو منتسب من جانب الأم إلى إسرائيل، وأما قريش، فإنهم إنما نالوا كل خير في الجاهلية بالبيت الذي بناه، فصاروا لذلك يدعون إلى كتاب الله وسائر العرب وهم العدنانيون، مرجعهم إلى إسماعيل، وهم يفتخرون على القحطانيين بإسماعيل بما أعطاه الله من النبوة، فرجح عند التحقيق افتخار الكل بإبراهيم ﵇. ولما ثبت أن إبراهيم هو الذي طلب من الله بعثة هذا الرسول، وهو الذي تضرع إلى الله في تحصيل هذا المقصود، فالعجب ممن أعظم مفاخره وفضائله الانتساب إلى إبراهيم، ثم إنه لا يؤمن بالرسول الذي هو دعوته، ومطلوبه

стр. 348

بالتضرع، لا شك أن هذا مما يستحق أن يتعجب منه، فـ ﴿من﴾ من قوله تعالى: ﴿ومن يرغب﴾ اسم استفهام إنكاري، ولذلك دخلت إلا بعد، والمعنى: لا أحد ﴿يرغب عن مِلة إبراهيم﴾، التي هي دعاؤه وتضرعه إلى الله، وطلبه منه بعثة هذا الرسول ونصرته وتأييده ونشر شريعته. ولما سلم اليهود والنصارى والعرب كون إبراهيم محقًا بمقاله، وجب عليهم الاعتراف بنبوة هذا الشخص، وذلك لأن هذا الخبر المخبر عن دعاء إبراهيم بإرسال ذلك الرسول، شاع بين تلك الأمم، ولم ينكره منكر منهم، فدل على أنهم سلموه، وليس المراد بالـ ﴿ملة﴾ هذه عين ما جاء به الرسول، لأنه يرد عليه حينئذٍ أن يقال: إن ما جاء به محمد ﷺ لا يخلو، إما أن يكون عين ملة إبراهيم في الأصول، أعني: التوحيد والنبوة ورعاية مكارم الأخلاق، وفي الفروع أيضًا، أو أنها عينها في الأصول فقط؟ وأيًا ما كان فهما يختلفان في فروع الشرائع، وكيفية الأحكام. والمختار: أن الملة هنا هي الأصول التي لا تختلف بمر الأعصار، وكر الدهور، وهي الدعاء إلى توحيد الله وحده، وترك عبادة الأوثان والأصنام، ونفي التجسيم الذي تدعيه اليهود، والحلول والتثليث الذي تدعيه النصارى، وعبادة الأصنام والأوثان التي عكف عليها العرب، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]. وقوله تعالى: ﴿إلا من سفه نفسه﴾ معناه: امتهنها واحتقرها، واستخف بها، أي: فعل بها ما أدى إلى ذلك، وقال الشيخ عبد العزيز الديريني في كتابه "التيسير": سَفِة أي: ضَيَّع، قَدر جنسه ... والنفس (١) قل: تقديره في نفسه وقيل: [أي] (٢) أهلكها، وقل: جَهل ... فهو على المفعول منصوبًا حُمِلْ

стр. 349

يريد أن قوله: ﴿نَفْسَهُ﴾، اختلف في إعرابه، فقيل: مفعول به، وقال الكوفيون: منصوب على التمييز، لأنه جار مجرى الإضافة فلا تؤثر فيه الإضافة، على حد: وطبت النفس، وهذا الوجه اختاره ابن جرير في تفسيره، وهو كوفي المذهب، والأول هو الذي اختاره أبو حيان في البحر. ولما حكم تعالى بسفاهة من رغب ﴿عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾، بين السبب فقال: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾ أي: اخترناه للرسالة من دون سائر الخليقة، وعرفناه الملة التي هي جامعة للتوحيد والعدل والشرائع، والإمامة الباقية إلى قيام الساعة، فليحقق كل ذي لب وعقل أن الراغب عن ملته سفيه، وأن من خالف ما جاء به محمد ﷺ ، فهو لإبراهيم مخالف، ومن خالف إبراهيم خالف الله تعالى. ولما بين عظم منزلته في الدنيا، بين عظمها في الأخرى فقال: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قال ابن عباس: ﴿لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: الأنبياء، وقال غيره: أي: الواردين في موارد قدسه، والحالِّين مواطن أنسه. ولما حكم تعالى بسفاهة من رغب عن ملة إبراهيم بين السبب فقال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]. أي: ﴿قَالَ لَهُ رَبُّهُ﴾ أخلص لي العبادة واخضع لي بالطاعة، قال مجيبًا لربه: خضعت بالطاعة، وأخلصت العبادة لمالك جميع الخلائق ومدبرها دون غيره، وكان ذلك من بعد ما امتحنه بالكواكب (١)، والشمس، والقمر، ثم قال: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ [الأنعام: ٧٨ - ٧٩] وفي الآية التفات، إذ لو جرى على الكلام السابق لكان: إذ قلنا له أسلم. ثم ذكر تعالى نوعًا آخر من الأمور المستحسنة التي حكاها عن إبراهيم، فقال:

стр. 350

﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]. أي: ﴿وَوَصَّى بِهَا﴾ أي: بهذه الكلمة، أعني بقوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿بَنِيهِ﴾ عهد إليهم بذلك، وأمرهم به، ﴿وَ﴾ وصى بها من بعده ﴿يَعْقُوبُ﴾ بنيه أيضًا، وقال المهدوي: ضمير ﴿بِهَا﴾ عائد على ال ﴿مِلَّةِ﴾، وهذا القول أجمع من عوده على الكلمة، إذ الكلمة بعض الملة، ومعلوم أنه لا يوصي إلَّا بما كان أجمع للفلاح والفوز في الآخرة، والأول مختار ابن جرير. والوصية هي: المتقدم في الشيء النافع المحمود عاقبته. وقوله: ﴿يَابَنِي﴾ على إضمار القول عند البصريين، أي: قالا: ﴿يَابَنِي﴾، فيكون القول محذوفًا. وعند الكوفيين، يتعلق بـ ﴿وَصَّى﴾ لما فيه من معنى القول: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ أي: أعطاكم الدين الذي هو صفوة الإيمان، وهو دين الإِسلام، ووفقكم للأخذ به، ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ﴾ أي: فلا يكن موتكم إلا على حال كونكم ثابتين على الإِسلام، فالنهي في الحقيقة عن كونهم على خلاف حال الإِسلام، إذا ماتوا، فإن موتهم على غير حال الإِسلام موت لا خير فيه، وليس هو موت السعداء، وأدخل الألف واللام في ﴿الدِّينَ﴾، لأن الذين خوطبوا بتلك الوصية كانوا عارفين له ومتدينين به، ومعنى: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ لا تفارقون هذا الدين أيام حياتكم لأنكم لا تدرون متى تأتيكم مناياكم حتى تموتوا عليه. وقد اشتملت هذه الجملة على لطائف منها الوصية، ولا تكون إلا عند خوف الموت، ففي ذلك ما كان عليه إبراهيم من الاهتمام بأمر الدين حتى ﴿وَصَّى بِهِ. . بَنِيهِ﴾، ومنها اختصاصه بنيه، ولا يختصهم إلَّا بما فيه سلامة عاقبتهم، ومنها أنه عمم بنيه ولم يخص أحدًا منهم، ومنها إطلاق الوصية، ولم يقيدها بزمان ولا مكان، ثم ختمها بأبلغ الزجر أن يموتوا غير مسلمين ثم التوطئة لهذا النهي والزجر بأن الله هو الذي اختار لكم دين الإِسلام.

стр. 351

ولما حكى تعالى عن إبراهيم أنه بالغ في وصيته بنيه بالدين والإِسلام، ذكر عقيبه أن يعقوب وصى بنيه بمثل ذلك، تأكيدًا للحجة على اليهود والنصارى، ومبالغة في البيان، فقال: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣ - ١٣٤]. ﴿أَمْ﴾ هنا منقطعة متضمنة معنى "بل"، ومعنى الهمزة فيها الإنكار، أي: بل ما ﴿كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾، والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أي: ما ﴿كُنْتُمْ﴾ حاضرين يعقوب ﴿إِذْ﴾ حضره ﴿الْمَوْتُ﴾، أي: حين احتضر، والخطاب للمؤمنين بمعنى: ما شاهدتم ذلك، وإنما حصل لكم العلم به من طريق الوحي. وقيل: الخطاب لليهود، وهو قول السدي، واختاره ابن جرير وغيره، وهو الأولى عندي، وذلك لأنهم كانوا يقولون: ما مات نبي إلا على اليهودية، إلا أنهم لو شهدوا وسمعوا ما قاله لبنيه وما قالوه، لظهر لهم حرصه على ملة الإِسلام، ولما ادعوا عليه اليهودية، فالآية منافية لقولهم، فكيف يقال لهم: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾؟ ولكن الوجه أن ﴿أَمْ﴾ متصلة على أن يقدر قبلها محذوف، كأنه قيل: أَتَدَّعون على الأنبياء اليهودية، ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾، يعني: أن أوائلكم من بني إسرائيل كانوا مشاهدين له، إذ أراد بنيه على التوحيد وملة الإِسلام، وقد علمتم ذلك، فما لكم تَدَّعون على الأنبياء ما هم منه برءاء، هذا ما قاله الزمخشري هنا، وحاصله: أنه جعل ﴿أَمْ﴾ متصلة، وأنه حذف قبلها ما يعادلها، واعترض عليه، وهذا بأنه لم يُجِزْ أَحَدٌ حَذْفَ هذه الجملة، ولا يحفظ ذلك لا في شعر ولا في غيره. وهذا الاعتراض قاله أبو حيان في "البحر"، والقاضي عماد الدين الكندي في تفسيره المسمى بـ: "الكفيل" وزاد: أن "أم" المتصلة لا بد أن تقدر بـ "أيهما" أو "أيهم"، لأن المستفهم بها يجهل أحد الشيئين، فيريد تعيينه، وهذا مستحيل في

стр. 352

حق البارئ؛ ورده الدماميني في "شرح المغني" بأنه ما ادعاه من أن حذف المعطوف عليه هنا شاذ غير مقيس، لم أقف عليه إلا من جهته. وقد خرج جماعة على ذلك قوله تعالى: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ [البقرة: ٦٠] أي فضرب فانفجرت، ولم يتعقبه أحد من الأئمة فيما علمت، وقال ابن مالك في "التسهيل": ويغني عن المعطوف عليه المعطوف بالواو كثيرًا وبالفاء قليلًا، ولم يذكر وقوع ذلك مع "أم"، وقد نقل ابن هشام في "المغني" كلام الزمخشري، ولم يناقشه فيه بل أقره. وقوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ أي: أي شيء ﴿تَعْبُدُونَ﴾، ولفظ ﴿مَا﴾ عام في كل شيء، ولو قيل: "من تعبدون" لم يعن إلا أولي العلم وحدهم، ويجوز أن يقال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ سؤال عن صفة المعبود، وهذه الوصية وهذا السؤال يدلان على أن شفقة الأنبياء على أولادهم كانت في باب الدين، وهمتهم مصروفة إليه دون غيره. وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ يريد من بعد موتي، ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ عطف بيان لـ ﴿آبَائِكَ﴾، وجعل إسماعيل، وهو عمه من جملة آبائه لأن العم أب، والخالة أم، لانخراطهما في سلك واحد، وهو والإخوة لا تفاوت بينهما. وقوله: ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾: بدل من ﴿إِلَهَ آبَائِكَ﴾، أو هو منصوب على الاختصاص، ومعناه: نريد بـ ﴿إِلَهَ آبَائِكَ﴾ إلهًا واحدًا، ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾، أي: منقادون خاضعون بالعبودية والطاعة. تنبيه: حكى الرازي صاحب "المنتخب" أن هذه الآية تمسك بها فريقان: إحداهما: المقلدون، قالوا: إن أبناء يعقوب اكتفوا بالتقليد، وهو لم ينكره عليهم، فدل أن التقليد كافٍ. وثانيهما: التعلمية: قالوا: لا طريق إلى معرِفَة الله إلا بتعليم الرسول

стр. 353

والإمام، فإنهم لم يقولوا نعبد الإله الذي دل عليه العقل، بل قالوا: لا نعبد إلا الذي أنت تعبده، وآباؤك تعبده، وهذا يدل على أن طريق المعرفة التعلم. وما ذهبوا إليه لا دليل عليه، لأن الآية لم تتضمن إلا الإقرار بعبادة الله، وهو لا يدل على أن ذلك ناشئ عن تقليد ولا تعليم، ولا أنه أيضًا ناشئ عن استدلال بالعقل، فبطل تمسكهم بالآية، وإنما لم تتعرض الآية للاستدلال العقلي لأنها لم تجئ في معرض ذلك، لأنه إنما سألهم عما يعبدونه من بعد موته؟ فأحالوه على معبوده ومعبود آبائه، وهو الله تعالى، فكان ذلك أخصر في القول من شرح صفاته تعالى، وأقرب إلى سكون نفس يعقوب، فكأنهم قالوا: لسنا نجري إلا على طريقتك. وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ﴾ إشارة إلى الأمة المذكورة التي هي إبراهيم، وما عطف عليه، وبنوهم الموحدون والمعنى: أن أحدًا لا ينفعه كسب غيره متقدمًا كان أو متأخرًا، فكما أن أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا، فكذلك أنتم لا ينفعكم إلَّا ما اكتسبتم، وذلك أنهم افتخروا بأوائلهم، وقد شايعهم في هذه الأمة أناس اتكلوا على الأنساب، وعملوا بأكثر ما حرمه الكتاب، وأبناء العلماء تركوا العلم وادعوا أن ولد العالم لا يكون إلا عالمًا، كأنهم يقولون بالتناسخ، ويزعم بعضهم أن أرواح آبائهم تمدهم وتلهمهم العلم إلهامًا بدون تعلم، وما أقبح هذه الدعوى وما أفظعها. وقوله تعالى: ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ يدل على أن كسب كل واحد مختص به، ولا ينتفع به غيره، وهذا يدل على بطلان التقليد، كما قاله الرازي، إذ لو كان التقليد جائزًا لكان كسب المتبوع نافعًا للتابع، فكأنه قال: إني ما ذكرت حكاية أحوالهم طالبًا منكم أن تقلدوهم، ولكن لتنبهوا على ما يلزمكم، فتستدلوا وتعلموا أن ما كان عليه إبراهيم، وما عطف عليه من الملة هو الحق، وفي الآية رد على اليهود لأنهم يقولون: بأن صلاح آبائهم ينفعهم، ويقولون: إنهم يعذبون في النار لكفر آبائهم باتخاذ العجل. ولما بين تعالى بالدلائل التي تقدمت صحة دين الإِسلام، حكى بعدها أنواعًا من شبه المخالفين الطاعنين في الإِسلام فقال:

стр. 354

﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. أي: أن اليهود ﴿وَقَالُوا﴾ لمحمد ﷺ ، ولأصحابه من المؤمنين: ﴿كُونُوا﴾ يهودًا. . ﴿تَهْتَدُوا﴾. وقالت النصارى: ﴿كُونُوا. . نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾، أي: تصيبوا طريق الحق، وهذا معنى قول ابن عباس، فيما رواه عنه ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، أن عبد الله بن صوريا الأعور قال لرسول الله ولأصحابه: ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتبعنا يا محمد تهتد، وقالت النصارى: مثل ذلك. فأنزل الله تعالى هذه الآية، فاحتج الله تعالى لنبيه بأبلغ حجة وأوجزها، وأكملها، وعلمها نبيه فقال: يا محمد قل للقائلين لك ولأصحابك هذا القول: تعالوا نتبع ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ التي أجمع جميعنا على الشهادة لها بأنها دين الله الذي ارتضاه واجتباه وأمر به، فإن دينه كان الحنيفية المسلمة، وندع سائر الملل التي نختلف فيها، فينكرها بعضنا ويقر بها بعضنا، فإن ذلك - على اختلافه - لا سبيل لنا إلى الاجتماع عليه، كما لنا السبيل إلى الاجتماع على ملة إبراهيم. وهذه الدعوى التي ادعاها أولئك لم تزل دعواهم إلى يومنا هذا، وإلى ما بعده، ولكن اليهود لما لم يكن لهم شوكة، وكانت عادتهم البخل والشح لم يظهروها، وأما النصارى فإنهم يجاهرون بها، ويرسلون المبشرين لأجلها إلى الأقطار ويصحبونهم بالأموال الطائلة، ويفتحون المدارس في بلاد المسلمين لاتساع تلك الدعوى وبثها، ويؤلفون الكتب في الرد على القرآن وتزييفه على زعمهم، وفي الرد على الدين الإِسلامي، ويأخذون الخرافات التي حشاها جهلة المؤلفين في كتبهم، وينسبونها إلى الدين الإِسلامي طعنًا فيه، ويأتون من حشو أدمغتهم بالخرافات التي ليست من دين الإِسلام في شيء، فيقولون لهم: إن النصارى لم ترتق إلا بدينها، فلذلك عظمت دولهم، واهتدوا إلى الاختراعات العجيبة، وأما أنتم معاشر المسلمين، فإن دينكم هو الذي أخركم وجعلكم أحط الأمم قدرًا، وأعظمها فقرًا، فيروج ذلك على عباد الأوهام. وأما من يدخل مدارسهم فيكون على ثلاثة أقسام:

стр. 355

قسم منهم وهو القليل يتمسك بدينه الإِسلامى، لكنه يكون متهاونًا بالعبادات وبالتكاليف. وقسم منهم ينسلخ من الأديان كلها ويأخذ بالزندقة والإلحاد، ويعتقد أن الطبيعة هي الفعال المطلق، وأن لا إله في الوجود. وقسم يميل إلى النصرانية ميلًا لا اتباعًا، فيكون مذبذبًا بين النطق بكلمة التوحيد، وبين الزندقة والنصرانية. والذي نشهد الله عليه: أنه ما أضل مَنْ ضل إلا جهلةُ المؤلفين والمدرسين، وبعض أهل العلم الذين يلقون إلى العامة الخرافات التي لم يأت بها قرآن، ولا صح منها شيء عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابه، ولا عن التابعين لهم بإحسان، وإنما هي دسائس من الوثنين والنصارى واليهود، والزنادقة، وأهل التناسخ من القرامطة، ومن كان على شاكلتهم وخصوصًا القرامطة، فإنهم كانت لهم دولة، وكان لهم دعاة يلبسون دعوتهم لباس الفلسفة، ويبرزونها في صورة التصوف، ومن دعاتهم من كان واسع التخيل إما بطبعه، وإما باستعمال ما يعين على ذلك، كالحشيشة وأمثالها، فتجرؤوا على تفسير كتاب الله تعالى حتى أخرجوه عن موضوعه، وظهروا بمظهر الفقر والإرشاد، فراج مظهرهم على العوام، وعلى المغفلين من أهل العلم، فقلدوهم في ذلك وشرحوا أقوالهم، وزينوا بها مؤلفاتهم على زعمهم، وراموا اللحاق بمقامات زينها لهم الداعون، فماتوا ولم يصلوا إليها، لأنها خيال في خيال، لا حقيقة لها، حتى جرهم ذلك إلى القول بالاتحاد وطرح التكاليف الشرعية، وقالوا: إن العارف إذا وصل إلى مقام المعرفة سقط عنه التكليف، وما التكليف إلا حجاب بين العبد وبين ربه، وأن الله سبحانه حالٌّ في الأشخاص كلها وفي جميع الموجدات، فأنت هو، وهو أنت، فمن المكلف؟ ، هل تكلف ذاتُه ذاتَه؟ وهذا هو مقام المعرفة عندهم، لهذا المذهب في زمننا رواج عظيم، حتى عند المغفلين من أعاظم العلماء، فإذا كان النصارى كفروا بالتثليث فهؤلاء جعلوا آلهة لا يحصيها إلا الله تعالى، هؤلاء أولى بأن يقال لهم: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥]، قال الديريني الشهير بالدميري في "التيسير":
следующие страницы →