← Тафсир

Тафсир · id 20643

تفسير ابن بدران = جواهر الأفكار ومعادن الأسرار المستخرجة من كلام العزيز الجبار

ابن بدران

Полный текст (526 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

فيهما، فكان صرف هذه المعرفة إلى أمر النبوة أولى، [و] بأن المعجزات لا تدل أول دلالتها إلا على صدق محمد ﵇، فأما أمر القبلة، فذلك إنما يثبت لأنه أحد ما جاء به محمد ﵇، فكان صرف المعرفة إلى أمر النبوة أولى. وأنت خبير بأن الحمل على هذا الوجه أولى، لأنه يتضمن الوجه الأول وزيادة، لأنهم إذا كانوا يعرفون الرسول بجميع نعوته، معرفة لا يشكون فيها، نتج عن ذلك معرفة تحويل القبلة بأنه حق، لأن الرسول لا يأتي إلا بالحق. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ﴾ أي: من أهل الكتاب، وإنما قال: ﴿فَرِيقًا﴾ ليخرج من آمن منهم، وليبقى الكلام متناولًا للمصرين على الكفر والعناد، ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ والحق المكتوم هنا: نعت الرسول، قاله قتادة ومجاهد؛ وهذا بناء على القول الثاني، أو التوجه إلى الكعبة، أو أنها القبلة، بناء على القول الأول، و"يكتمونه"، يخفونه ولا يعلنونه، ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنه حق وأنهم آثمون في كتمانه. فهم ثلاثة أصناف: عارف ثابت؛ وعارف منكر - وهو أردؤهم - وكاتم لا حق به. وقوله: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ معناه: يا محمد إن الحق ما أعلمك به ربك وأتاك من عنده ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ أي: من الشاكّين فيه وهذا الكلام الذي تخرجه العرب مخرج الأمر أو النهي للمخاطب به، والمراد به غيره. ولما بيّن أن أحدًا من هؤلاء الفرق لا يتبع قبلة الآخر، وتضمن ذلك أن لكل منهم قبلة، وقرر أن ذلك من أهل الكتاب على وجه العناد، أثبت ما تضمنه الكلام السابق على وجه أعم منه، وسبب عنه النتيجة فقال: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٤٨]. فقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ يحتمل أن يكون المعنى: ﴿وَلِكُلٍّ﴾ أهل ملة ﴿وِجْهَةٌ﴾، فحذف أهل الملة واكتفى بدلالة الكلام عليه، وبه قال ابن جريج وابن زيد، وابن عباس، والسدي، وتبعهم جماعة من المفسرين.

стр. 387

ويحتمل أن المعنى: ﴿وَلِكُلٍّ﴾ ناحية وجَّهك إليها ربك يا محمَّد قبلة، الله ﴿مُوَلِّيهَا﴾ عباده، وروى ابن جرير معنى هذا عن قتادة، ومسالك المفسرين من المتأخرين تحوم حول الأوّل. وقيل: المراد: ﴿لِكُلٍّ﴾ قوم من المسلمين ﴿وِجْهَةٌ﴾، أي: جهة [إلى] (١) الكعبة يصلي إليها، جنوبية، أو شمالية، أو شرقية، أو غربية، وهذا القول حسن لوجهين: أولهما: قوله تعالى: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ يعني: الله ﴿مُوَلِّيهَا﴾، وتولية الله لم تحصل إلا في الكعبة، لا في غيرها. وثانيهما: أن الله عقبه بقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ والظاهر أن المراد من هذه ﴿الْخَيْرَاتِ﴾، ما لكل أحد من جهة، والجهات الموصوفة بالخيرية ليست إلا جهات الكعبة. وعندي (٢): أنَّه يجوز أن يكون المعنى على أعم من القبلة وغيرها، فيكون نظم الكلام: ﴿وَلِكُلٍّ﴾ من المذكورين وغيرهما ﴿وِجْهَةٌ﴾، أي: مقصد يقصده، ويوجه وجهه إليه، ويقبل بقلبه عليه، ﴿هُوَ﴾ تعالى مُوَلِّي تلك الجهة، والمولِّي لها مائل إليها بوجهه، مستقبل وتابع لها، لأن المادة تدور على الميل بكل ترتيب، وفيه إشعار باختلاف جبلات أهل الملل، وإقامة كل طائفة منهم بما جبلت عليه، وهذا المعنى ينطبق على الآيات السابقة، إذ علم ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾، وإعراضهم عنه ﴿وِجْهَةٌ﴾ وقصد لهم، وكونهم لو أتاهم ﴿بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا﴾ قبلته وكونهم ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، ولكنهم لا يظهرون ذلك كذلك. ولما كانت الوجهة مختلفة، وكان منها الخير وغير الخير؛ قال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ أي: فاجعلوا أنتم مقصدكم أنواع الخير من القبلة وغيرها، وتسابقوا في قصدكم إليها، أي: كونوا في المبادرة إلى أفعال الخير كمن يسابق خصمًا، فهو يجتهد في سبقه. ثم حثهم على ذلك، وحذرهم من تركه على وجه التعليل، فقال: ﴿أَيْنَ مَا

стр. 388

تَكُونُوا﴾ أي: من الجهات التي استبقتم إليها، الحسية والمعنوية، ﴿يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ يوم الجزاء، الموافق والمخالف فلا تعجزونه، ثم علل ذلك بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ففي هذه الآية حث المؤمنين على طاعته، والتزود في الدنيا للآخرة، وبها أيضًا وعد لأهل الطاعة ووعيد لأهل المعصية. ولما عظم تعالى في شأن القبلة انتشار أقوالهم في تنويع شغبهم وجدالهم، وكانوا أهل علم وكتاب، وقد مرت لهم دهور وهم موسومون بأنهم على صواب، فاشرأب لذلك النفاق، ودارت رحى الباطل والشقاق وقامت سوق الفسوق فيما هنالك على ساق؛ كان الحال مقتضيًا لمزيد تأكيد في أمرها، تعظيمًا لشأنها، وتوهية لشبه السفهاء، قال تعالى ثانيًا معبرًا بعبارة مشعرة بإمامته ﷺ ، وانتظار المصلين له: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)﴾. حام المفسرون حول الحكمة في هذا التكرار في هذه الآية، وفيما قبلها، وغاصوا بحر معانيها لاستخراج تلك الدرة اليتيمة، وقد ذكر في الدخول عليها قريبًا ما منه يعلم ذلك. وقيل: إنه لما كان للمصلي ثلاث أحوال؛ لأنه إما أن يكون في المسجد الحرام نفسه؛ أو يكون في مكة خارجًا عنه؛ أو يكون خارجًا عن البلد موجودًا في قطر من أقطار الأرض. فالآية الأولى لبيان حكم الأول، والثانية للثاني، والثالثة للثالث. وقيل: إنما أعاد الله ذلك ثلاث مرات، لأن كل مرة تعلق بها فائدة زائدة؛ وهي في الآية الأولى: بيان أن أهل الكتاب يعلمون نبوة محمد ﷺ ، وأن هذه القبلة حق لأنها قبلة إبراهيم ﵇، وهو الذي بني الكعبة ودعى لأهلها.

стр. 389

وفي الثانية: بيان أنه تعالى يشهد أن ذلك حق، وشهادة الله بكونه حقًا مغاير لعلم أهل الكتاب بكونه حقًا. وفي الثالثة: بيان أنه إنما فعل ذلك لئلا يكون للناس عليكم حجة، فلما اختلفت الفوائد حسنت الإعادة ليترتب على كل معاد فائدة لم تكن في غيره. وقيل: إنه تعالى لما قال في الآية الأولى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ ربما خطر ببال جاهل، أنه فعل ذلك إرضاء لنبيه، فكرر تعالى ما بعدها من الآيتين، فكأنه يقول في الأولى المكررة: نحن ما حولناك إلى هذه القبلة بمجرد رضاك، بل لأجل أن هذا التحويل، هو الحق الذي لا محيد عنه، فاستقبلها ليس لأجل الهوى والميل. وكأنه يقول في الثانية: دوموا على هذه القبلة في جميع الأزمنة والأوقات، ولا تولوا، فيصير ذلك التولي سببًا للطعن في دينكم، بمعنى: أنها لن تنسخ في المستقبل. ومحصل ذلك: أن كل آية من الآيات المكررات قرنت بفائدة لم تكن في التي قبلها، ولما كانت هذه الواقعة أول وقائع النسخ، حسن الإطناب فيها والتكرار، لأجل التأكيد والتقرير، وإزالة الشبهة وإيضاح البينات. فقوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ معناه: ومن أي بلد خرجت للسفر ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إذا صليت، ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: هذا المأمور به ﴿لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، قرئ بالتاء وبالياء، ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ من بقاع الأرض للصلاة، ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، فذلك حتم لا فتور عنه ولا رخصة، إلا ما استثني في الأحاديث من صلاتي النفل والخوف. ثم بيّن أن ذلك الحكم غير مختص به ﷺ ، بل هذا الفرض عليه وعلى أمته فقال: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ أيتها الأمة، من جميع أقطار الأرض الدانية والقاصية، ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، نحوه للصلاة، ففيه إشعار بلحظ صحة صلواتهم

стр. 390

فرادى، وفي بيوتهم، وفي المساجد، وفي الأبنية والصحراء، لا يختص ذلك بموضع دون موضع، إلا لعلة تمنع إيقاع الصلاة توجد في ذلك الموضع. ولما كان ربما يظن، أن الرجوع إلى القبلة الأولى يزيل الكلام، بيّن سبحانه أن الأمر بخلاف ذلك، فقال: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ﴾ أي: لأحد منهم ﴿عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾، بأن يقولوا: النبي المبشر به يستقبل بيت إبراهيم ﵇، ثم لا ينحرف عنه، وهذا لم يفعل ذلك؛ أو يقولوا: ما جاء بشيء جديد، وإنما هو تبع لنا في قبلتنا، يعني: التي كان عليها، وهي استقباله بيت المقدس، ولما كانت الحجة كلامًا ينشأ عن مقدمات يقينية مركبة تركيبًا صحيحًا، وقع الاستثناء باعتبار تلبس المستثنى بجزء المعنى الذي نفي عن المستثنى منه بدلالة التضمن، فهو قريب من الاستخدام، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: الناس ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾، فإنهم لعنادهم ولَدَدِهم (١) لا يرجعون إلى الحق الذي يعرفونه، بل يكون لهم عليكم مجرد كلام هو مادة الحجة، لا حجة بما دلّ عليه، وصفهم بالظلم الذي هو وضع الشيء في غير محله، وبكون الاستثناء على هذا منقطعًا، بمعنى: ﴿لِئَلَّا﴾ يحتج أحد ﴿عَلَيْكُمْ﴾، لكن ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ يقولون، أو يظهرون فجورًا ولددًا في ذلك، كلامًا يسمونه حجة. ويمكن أن يكون المراد بالـ ﴿حُجَّةٌ﴾، ما هو أعم من الدليل القطعي والظني، فيكون الاستثناء متصلًا، وحاصله: إن أريد بالحجة الدليل الصحيح، فالاستثناء منقطع، لأنهم ليس لهم دليل صحيح؛ وإن أريد بها الاحتجاج والخصومة، فالاستثناء متصل، والاتصال هو الذي نختاره. ولما نفى عن أهل هذه القبلة بالثبات عليها كل سبيل، تسبب عنه قوله: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾ في هذا الأمر ولا في غيره، فإني أرد عنكم كيدهم، وأوهن أمرهم، ﴿وَاخْشَوْنِي﴾ فلا تخالفوا أمري، ولا تخالفوا ما رأيته مصلحة لكم، ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ وإرادتي اهتداءكم، أمرتم بذلك. فـ "لام" ﴿وَلِأُتِمَّ﴾،

стр. 391

متعلقة بمحذوف، أو هو معطوف على علة مقدرة، فكأنه قال: ﴿وَاخْشَوْنِي﴾ لأوفقكم ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ بهذا الدين المفيد لعز الدارين ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، ففي كلمة "لعل" إبهام يشعر بتصنيفهم صنفين: مهتد بالثبات على السنة، ومتغير فيه بوجه من وجوه بدعة، وذلك بناء على القاعدة المعروفة، من أنه: كل ما كان للخلق تردد، فهو من الحق تقسيم وإبهام في تعيين ذلك التقسيم والتصنيف، ففيه إعلام القوم بالاهتداء الدائم بما تفهمه صيغة الدوام، وإشعار بانقطاع قوم عن ذلك التمادي، بما يفهمه ما هو للخلق بموضع [الترجي] (١)، وفي طيه إشعار باستبدادهم بالأمر بعد وفاة النبي ﷺ ، وانقسامهم فيه بين ثابت عليه، دائم الاهتداء فيه، ومتغير عنه، كما ظهر فيما كان من ثبات من ثبت بعده، وردة من ارتد. ثم إن قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٥١]. إما أن يتعلق بما قبله، أي: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ في الآخرة بالثواب، كما أتممتها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول، أو هو متعلق بما بعده، أي كما ذكرتكم بإرسال الرسول، وقوله: ﴿رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ وارد مورد الامتنان، أي: تعرفون من صفاته العلى، وهممه الحاملة على اتباعه، والتيمن برأيه، ما لا يعرفه غيركم، ولتكونوا أهل شرف كامل، حيث إن الرسول ﴿مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾ فتجعلوها عوضًا من تناشدكم الأشعار، وتُغْنيكم عن إعمال الفكر في تكسب العلم والحكمة، كما كان الأوائل يجهدون أفكارهم في ذلك، ثم لا يصلون إلى معرفة الحق، فتلاوة الآيات تغنيكم عن التعب في ترتيب المقدمات، والاستدلال لها للتوصل إلى النتيجة، وأخذ الأمور بالشواهد، وتولى الله ورسوله تعليمهم، ليكون شرف المتعلم بحسب علاء من علمه، ففضل علماء هذه الأمة على سائر العلماء،

стр. 392

كفضل النبي ﷺ على معلميهم ممن سواه، ولكن هذا الفضل إنما هو لمن أخذ علمه من الآيات البينات، ومن كلام معلمه، وهو الرسول الأعظم، لا لمن سار وراء معلم آخر تقليدًا له بما لا يعلم معناه، ولا يعرف من أين أخذه، فهو كالدابة التي يقودها صاحبها، لا تعلم ما يقصد، ولا إلى أي وجهة هي سائرة. وقوله: ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾ معناه: يطهركم في أقوالكم وأفعالكم، وينميكم بإنعاش قلوبكم، لتشرق بالمعاني الصالحة، والأخلاق الطاهرة، الموجبة للفوز الدائم، والنجاة من شباك المبتدعين، وأهواء الضالين، فكما تتنامى الأجساد بماء المزن والغذاء، تتنامى القلوب بالكتاب العزيز والحكمة، ومتى نمت النفس وزكت قويت على ما شأن قواها أن تناله. وقوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ﴾ أي: يعلمكم الفقه فيه، والفهم لمعانيه، فإن لم يفقه معناه، واستنباط الأحكام منه، لا تنمو نفسه، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ دقائق الإشارات الشافية لأمراض القلوب المانعة من اتباع الهوى، فـ ﴿الْحِكْمَةَ﴾ المأخوذة من الرسول، هي الغاية الجامعة لكل كتاب وحكمة بما يعلمه الأولون والآخرون، ولذلك كان ﷺ يتكلم في علوم الأولين، بكلمات يعجز فيها إدراك الخلق: الأطباء، والفلاسفة. ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ أي: من الاستنباط من الكتاب، من المعارف بما يدريكم به من الأقوال والأفعال، ويسلككم به من طرق الخير الكاشفة لظلام الظلم، الجالية لمرائي الأفكار، المنفذة لبصائر الاعتبار. ولما كان ذلك من أعظم النعم، كلف الله عباده عليه بأمرين: الذكر والشكر، فقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾. فالذكر يكون باللسان وبالقلب وبالجوارح، أمرهم بذكر القلب، بالتفكر في الدلائل الدالة على ذاته وصفاته، والتفكر في الجواب عن الشبه القادحة في تلك الدلائل، وأن يتفكروا في الدلائل الدالة على التكاليف من غير استرواح إلى طريق

стр. 393

حاطب ليل (١) وأن يتفكروا في أسرار المخلوقات، فيعلموا ما في طيها من الدلائل الدالة على الوحدانية، وما في طيها أيضًا من المنافع الدنيوية على ما تضمنه فن المواليد الثلاثة، النبات، والحيوان، والمعدن. وما ينتج عن ذلك من الأمور المسهلة لمنافع الخلق، كما نشاهد اليوم من المخترعات التي تدهش العقول، وأمرهم بذكر الجوارح، وهي: أن تكون مستغرقة في الأعمال التي أمروا بها، وخالية عن الأعمال التي نهوا عنها وأمرهم بذكر اللسان، وهو تلاوة القرآن والأذكار التي رويت عن رسول الله ﷺ ، وجاء الكتاب العزيز بها لا غير، فإنكم إن ذكرتموني كذلك ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ بالرحمة، وبإجابة النداء في الدعاء، والإحسان، والثناء، والنعمة، والمعونة والهداية، وعند النبلاء فأرفعه عنكم ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾، فإنكم إن فعلتم ذلك سلبت عنكم نعمتي، وفيه إشارة إلى أنه لما كان للعرب ولع بذكر آبائهم ووقائعهم وأيامهم، وذلك علمهم وكتابهم، عوضهم الله عن ذلك كتاب الله وحكمته، فقص عليهم أحسن القصص، وعلمهم طرق الهداية. ولما علم من هذه الآيات إعضال ما بينهم وبين السفهاء، وأمرهم بالدواء المنجح، من الإعراض عنهم والإقبال على ذكره وشكره، أتبع ذلك بالإشارة إلى أن الأمر يصل إلى أشد مما توهموه، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣]. خص الصبر والصلاة بالذكر، لما فيهما من المعونة على العبادات؛ أما الصبر فهو: قهر النفس على احتمال المكاره في ذات الله تعالى، وتوطينها على تحمل المشاق وتجنب الجزع، ومن حمل نفسه قلبه على هذا التذليل، سهل عليه فعل الطاعات، وتحمل مشاق العبادات، وتجنب المحظورات. وأما الاستعانة بالصلاة، فلأنها تفعل على طريق الخضوع والتذلل للمعبود، والإخلاص له، ويجب أن يوفر همه وقلبه عليها، وعلى ما يأتي فيها من قراءة، فيتدبر الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، ومن سلك هذه الطريقة في الصلاة،

стр. 394

فقد ذلّل نفسه لاحتمال المشقة فيما عداها من العبادات، ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ يعني: في النصر لهم، فكأنه ضمن لهم إذ هم استعانوا على طاعته ﴿بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾، أن يزيدهم توفيقًا وتسديدًا وإلطافًا. ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٥٤]. وجه تعلق هذه الآية بما قبلها، كأنه قيل: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ في إقامة ديني، فإن احتجتم في تلك الإقامة إلى مجاهدة عدوي بأموالكم وأبدانكم، ففعلتم ذلك، فَتَلِفَتْ نفوسكم، فلا تحسبوا أنكم ضيعتم أنفسكم، بل اعلموا أن قتلاكم ﴿أَحْيَاءٌ﴾ عندي. قيل: إن هذه الآية نزلت في قتلى بدر. وقيل: إن الكفار والمنافقين قالوا: إن الناس يقتلون أنفسهم طلبًا لمرضاة محمد من غير فائدة، فنزلت. والصحيح عندي: أن هذه الآية مرتبطة بما قبلها، وبينهما التناسب الذي ذكرنا، فإن صح سبب نزولها فهو عارض لا أصلي. وهذه الآية تدل على أن الشهداء ﴿أَحْيَاءٌ﴾ حياة لا شعور لنا بها، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أي: أنها ليست مما يُشعر به بالمشاعر الظاهرة من الحياة الجسمانية، وإنما هي أمر روحاني لا يدرك بالعقل بل بالوحي. وقوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ يشير إلى أن حياة الشهداء عند ربهم أكمل من

стр. 395

حياتهم في هذه الدنيا، وأتم وأطيب، وإن كانت أجسادهم متلاشية، ولحومهم متمزقة، وأوصالهم متفرقة، فإن الحياة الدنيوية محفوفة بالكدر، محاطة بالتنغيص، مسجونة الأرواح في سجنها؛ فإذا خلصت من ذلك السجن، أفضى بها الخروج إلى روح وريحان وصفاء لا كدر معه، وكيف يشوبها كدر وهم ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠]، فما حياتهم في الدنيا بالنسبة إلى تلك الحياة، إلا كحياتهم في بطون أمهاتهم بالنسبة إلى خروجهم إلى الدنيا، ولكننا في الدنيا لا نشعر بتلك الحياة كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ وأي شعور لنا بما لم نحط به علمًا؟ وقال في "روح البيان": حياة الشهداء حياة برزخية يتنعمون بها، لأنهم أجسام لطيفة كالملائكة، فإنهم موجودون أحياء. وقال الفناري في تفسير سورة الفاتحة: كل نعيم يتنعم به الصديقون والشهداء والصالحون في البرزخ خيالي، وكل عذاب كذلك. انتهى. ولكن ما ذكرناه أتم وأصفى، ومن الناس من لم ينتبه للسر المودع في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ فقال: معنى كونهم ﴿أَحْيَاءٌ﴾، أنكم لا تطلقوا اسم الموت على من ﴿يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ولكن قولوا: هم ﴿أَحْيَاءٌ﴾، فجعل المنهي عنه إطلاق اسم الموت عليهم. وقيل: يجوز أن يجمع الله من أجزاء الشهيد جملة فيحييها، ويوصل إليها النعيم، وإن كانت في حجم الذرة، وقيل: ﴿أَحْيَاءٌ﴾ بإحيائه وبقائه وثبوت الأجر. وقيل: هذه الحياة بقاء أرواحهم دون أجسادهم، وقال أكثر المفسرين: إنهم في الوقت أحياء، كأن الله أحياهم لإيصال الثواب إليهم، واختار هذا القول الفخر الرازي. ولما كان البشر من شأنه أن لا يخلص من الشوائب إلا بعد معاناة شديدة، تصفيه منها كما يصفى الذهب بالنار الشديدة، قال تعالى معلمًا لنا التربية بما حصل به التصفية، عطفًا على ما أرشد إليه من مناصبة الكفار ومقارعة أهل دار البوار:

стр. 396

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾. أي: ولنصيبنكم كذلك، إصابة تشبه فعل المختبر لأحوالكم، هل تصبرون وتثبتون على ما أنتم عليه من الطاعة، وتسلمون لأمر الله وحكمه أم لا؟ وقال الحرالّي: الصبر الأول، أي: المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ إنما هو عن الكسل وعلى العمل، والصبر الثاني في ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ إنما هو على مصائب الدنيا، فلذلك انتظم بهذه الآيات آية ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾، وتجاوز الأمور يؤخذ بها من لم يجاهد في سبيل الله، ضعفًا عن صبر النفس عن كره القتال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] فمن لم يحمله الصبر الأول على الجهاد، أخذ بأمور هي بلايا في باطنه، تجاوزها الخطاب فانعطف عليها، ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾، وهو حذر النفس من أمور ظاهرة تضرها؛ ﴿وَالْجُوعِ﴾ وهو غلبة الحاجة إلى الغذاء على النفس، حتى تترامى لأجله فيما لا تتأمل عاقبته، فإذا كان على غير غلبة مع حاجة، فهو "الغرث"، فلذلك في الجوع بلاء ما، والغرث عادة جارية. انتهى. أي: وهو بفتحتين من باب "فرح" قال في "تاج العروس": هو أيسر الجوع، وقيل شدته. وقال أيضًا: الجوع فراغ الجسم عما به قوامه، كفراغ النفس عن الأمنة التي بها قوامها فأفقدها القوامان في ذات نفسها بالخوف، وفي بدنها بالجوع، لما لم تصبر على كره الجهاد، وقد كان ذلك لأهل الصبر عليه، أهون من الصبر على الخوف والجوع. وإنما كان أول نائلهم من هذا الابتلاء الخوف، حيث خافوا الأعداء على أنفسهم فجاءهم إلى مواطنهم، من لم يمش إلى طبيبه ليستريح، جاء الطبيب لهلاكه، وشتان بين خوف المغازي للعدو في عقره، وبين خوف المحصر في أهله، وكذلك شتان بين أرزاق المجاهد وتزويده، و ﴿خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] في سبيله لجهاده، وبين جوع المتخلف في عياله، هذا كلامه.

стр. 397

ففي الآية سر عجيب، يظهر هذا السر في كل زمان، ولا سيما في زماننا، فإن الأمة الإِسلامية لا زالت تتخلف عن الجهاد، وعن إعداد العدة له، فلم تسابق أعداءها في الفنون الحربية، وفي المخترعات التي اخترعوها لهلاكها، حتى أكثر غزو الأعداء لها في عقر دارها، فأخذوا ينقصون أرضها من أطرافها، تارة بالحيل والدسائس، وإثارة الفتن، وتفريق الكلمة؛ وتارة بالتهويل والإرهاب، وتارة بالحرب في عقر الديار، حتى أمسى معظم بلاد المسلمين في أيدي الأعداء، والمسلمون معانقون للبله، مخلدون للسكون كالأرقاء، فطمع العدو بهم، ونظر إليهم نظر الاحتقار، وتألب بأجمعه على كيدهم، حتى غزاهم في عقر دارهم في البقية الباقية لهم من البلاد؛ وفي أثناء كتابتي لهذه الأسطر، وقبلها بثلاث سنين، اشتعلت نيران الحرب من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق، ومن الجنوب إلى الشمال، وما ذلك إلا للقضاء على البقية الباقية من البلاد بأيدي المسلمين، فابتلوا بـ ﴿الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾، فلم يكن لهم ملجأ إلا الصبر على الجهاد، نسأله تعالى حسن العاقبة (١). وأتى بقوله ﴿بِشَيْءٍ﴾ منكراً منوناً تنوين تقليل، وعطف عليه ما بعده كذلك، حثاً على الشكر، بالإشارة إلى أن كل ما أصاب منها، ففي قدرة الله ما هو أعظم منه، فعدم الإصابة به نعمة، فإذا لاحظ السامع هذا، أخلص حالة البلاء لله، ورجع إلى بابه أكثر من إخلاصه حالة إقبال الدنيا عليه. ولما كان الجوع قد يكون عن رياضة، بيّن أنه عن حاجة بقوله: ﴿وَنَقْصٍ﴾ وهو التقاصر عن الكفاف من الأموال، أي: النعم التي كانت منها أغذيتهم، وقال ابن جرير الطبري: قوله ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾، يعني: ﴿مِنَ الْخَوْفِ﴾ من العدو، وبـ ﴿وَالْجُوعِ﴾ يعني: القحط. يقول: لنختبرنكم بشيء من خوف ينالكم من عدوكم وسَنَة تصيبكم ينالكم فيها مجاعة وشدة، وتَعَذَّرُ المطالب عليكم، فتنقص لذلك

стр. 398

أموالكم، وحروب تكون بينكم وبين أعدائكم من الكفار فينقص لها عددكم، وموت ذراريكم وأولادكم، وجدوب تحدث فتنقص لها ثماركم، كل ذلك امتحان مني لكم، واختبار مني لكم، فيتبين صادقوكم في إيمانهم من كاذبيهم فيه، ويعرف أهل البصائر في دينهم منكم، من أهل النفاق فيه، والشك والارتياب، كل ذلك خطاب منه تعالى لنبيه وأصحابه. انتهى. أي: ولأمته، فكأن ابن جرير تكلم عن الحالة التي نحن عليها من عام اثنين وثلاثين وثلاثمئة وألف، إلى عام كتابتنا في تفسير هذه الآية، في العشرين من شعبان من سنة خمس وثلاثين. فإننا ابتلينا بجميع ذلك، وارتفعت الأسعار من الواحد إلى ما فوق العشرة، وأظهر أكثر الناس ما في دخائلهم من النفاق والغش والفجور، وعبد التجار الدرهم والدينار علنًا، واحتكروا كل ما من شأنه أن يكون قوتًا أو ملبوسًا، وعقدوا النية على ضرر الأمة، وضرر الوطن والدولة، وكل ما يلوذ بالحكومة، وقد أخرجت الحكومة بدلًا عن النقود قراطيس، وسمتها بوسام خاص بها، أظهرتها للتداول بها، لتقوم بها أودها، وتستغني عن أموال الأعداء، فاتخذها التجار تجارة، وتلاعبوا بها أيما تلاعب، وأنقصوها عن أثمانها نقصًا فاحشًا، فأضروا بذلك بالمجاهدين وبعيالهم وبأولادهم، بل وبالأمة أجمع، وظهروا بمظهر لم يظهر به المنافقون الذين كانوا في زمن النبي ﷺ بعشرة، وأكثروا من الإرهاب، واختلاق الأباطيل ما لم يكن يظن ظهوره، ويعجز القلم عن شرحه، وأظهر الباعة منهم من السفه والتعدي، ونقص الكيل والميزان، وإطالة اللسان، وكشف نقاب الحياء، ما لم يظهر في أمة من الأمم، ومن فساد الأخلاق ما لم يكن مثله في الجاهلية الأولى، فحسبنا الله ونعم الوكيل عليهم (١) ويرحم الله الربيع حيث قال في تفسير هذه الآية: قد كان ذلك، وسيكون ما هو أشد من ذلك انتهى.

стр. 399

ثم قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ الآية، فكأنه تعالى يقول لنبيه: يا محمد بشر الصابرين على امتحاني بما أمتحنهم (١) به، والحافظين أنفسهم عن التقدم على نهيي عما أنهاهم عنه، والآخذين أنفسهم بأداء ما أكلفهم من فرائضي، مع ابتلائي إياهم بما أبتليهم (٢) به، القائلين إذا أصابتهم مصيبة: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ فأمره الله تعالى ذكره، بأن يخص - بالبشارة على ما يمتحنهم به من الشدائد - أهلَ الصبر الذين وصف الله صفتهم، وأصل التبشير: إخبار الرجل [الرجلَ] (٣) الخبرَ، يسره أو يسوءه، لم يسبقه به إليه غيره. وقوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ جواب سؤال مقدر، وهو عندي أرجح من أن يكون نعتًا للصابرين، أو منصوبًا على المدح، فكأنه قيل: من الصابرون؟ فقال: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ الآية، أي: الذين يعلمون أن جميع ما بهم من نعمة فمني، فيقرون بعبوديتي، ويوحدونني بالربوبية، ويصدقون بالمعاد والرجوع إلي، فيستسلمون لقضائي، ويرجون ثوابي ويخافون عقابي، ويقولون - عند امتحاني إياهم في بعض محني، وابتلائي إياهم بما وعدتهم أن أبتليهم (٢) به، ﴿مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ، وَنَقْصٍ .. مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾، وغير ذلك من المصائب التي أنا ممتحنهم بها -: إنا مماليك ربنا ومعبودنا أحياءً، ونحن عبيده (٤)، وإنا إليه بعد مماتنا صائرون. تسليمًا لقضائي، ورضًا بأحكامي. وقوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ﴾ الآية، معناه: هؤلاء الصابرون - الذين وصفهم ونعتهم - ﴿عَلَيْهِمْ﴾، لهم ﴿صَلَوَاتٌ﴾، يعني: مغفرة، وإقبال عليهم بعطفه، إخراجًا لهم من حال ظلمة إلى رفعة نور، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الأحزاب: ٤٣].

стр. 400

وقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ يعني ﴿و﴾ لهم مع المغفرة - التي بها صفح عن ذنوبهم، وإخراج لهم من الظلمات إلى النور- ﴿رَحْمَةٌ﴾ من الله ورأفة، ومعنى الصلاة والرحمة متقارب، وإنما جمع بينهما عليهم رأفة بعد رأفة، ورحمة أيّ رحمة. ثم أخبر تعالى- مع الذي ذكر أنه معطيهم على اصطبارهم على محنه، تسليمًا منهم لقضائه من المغفرة والرحمة - أنهم ﴿هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ المصيبون طريق الحق، والقائلون ما يرضي الله عنهم، والفاعلون ما استوجبوا به من الله الجزيل من الثواب. قال ابن عباس: أخبر الله أن المؤمن إذا أسلم الأمر إلى الله، ورجع واسترجع عند المصيبة، كتب له ثلاث خصال من الخير: الصلاة من الله، والرحمة، وتحقيق سبيل الهدى. وقال عمر بن الخطاب في ختم هذه الآية: نعم العدلان، ونعمت العلاوة، فالعدلان: الصلاة والرحمة، والعلاوة: الهداية. واعلم أن الأحسن في قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ أن يفسر بالصبر مطلقًا بلا تقييد، ليكون المعنى: ﴿وَبَشِّرِ﴾ كل من صبر صبرًا محمودًا شرعًا، لأن حقيقة الصبر، تعارض العقل والشهوة في شيء، فلذلك كان له أسماء يرجع معانيها إلى الصبر: فإن كان عن شهوة الفرج والبطن سمي: عفة. وإن كان عند المصيبة سمي: صبرًا. وضده: الجزع. وإن كان في الغنى سمي: ضبط النفس. وضده: البطر. وإن كان في الحرب سمي: شجاعة. وضده: الجبن. وإن كان في نائبة مضجرة سمي: سعة صدر. وضده: الضجر. وإن كان في إخفاء كلام، سمي: كتمانًا. وضده: الإعلان. وإن كان في فضول الدنيا سمي: زهدًا. وضده: الحرص.

стр. 401

وإن كان على يسير من المال سمي: قناعة. وضده: الشره. وقد جمع الله في كتابه أقسام ذلك، وسمى جميعها صبرًا، فقال: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ﴾ أي: المصيبة. ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾، أي: الفقر. ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧] أي: المحاربة. قال القفال: ليس الصبر أن لا يجد الإنسان ألم المكروه، ولا أن لا يكره ذلك، إنما هو حمل النفس على ترك إظهار الجزع، وإن ظهر دمع عين، أو تغير لون، ولو ظهر منه أول، ما لا يعد معه صابرًا، ثم صبر، لم يعد ذلك سلوانًا. هذا وقد دلت هذه الآية، على أن كل هذه المحن من الله تعالى، خلافًا لما يقوله الثنوية: الذين ينسبون الأمراض وغيرها إلى شيء آخر. وخلافًا لقول المنجمين: الذين ينسبونها إلى سعادة الكواكب ونحوسها. وقال أبو بكر الرازي: اشتملت الآية على حكمين، فرض ونفل. أما الفرض: فهو التسليم لأمر الله، والرضا بقضائه، والصبر على أداء فرائضه، لا يصرف عنها مصائب الدنيا. وأما النفل: فإظهار القول: بـ ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، فإن في إظهاره فوائد جزيلة، منها: أن غيره يقتدي به إذا سمعه، ومنها: غيظ الكفار، وعلمهم بجده واجتهاده في دين الله، والثبات عليه وعلى طاعته، انتهى. وفي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ التي هي أداة البعد، إشارة إلى علو مقام المشار إليهم، وعزَّ مرامهم، ولذا عبر عن هدايتهم بالجملة الإسمية على وجه يفهم الحصر، والصلاة: الإنعام بما يقتضي التشريف، والرحمة: الإنعام بما يقتضي العطف والتحنن، والله الموفق.

стр. 402

ولما فرغ ما قصه الله تعالى مما أراد من أحوال الطاعنين في القبلة، التي هي (قيام للناس) (١)، وما استتبع ذلك مما يضطر إليه في إقامة الدين من جدالهم وجلادهم، وختم ذلك بالهدى، شرع في ذكر ما كان البيت به قيامًا للناس من المشاعر القائدة إلى كل خير، الحامية عن كل ضير، التي جعلت مواقفها أنموذجًا لقيام الناس إلى المحشر، ولا سيما والحج أخو الجهاد في المشقة، والنزوح عن الوطن، فقال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾. فهو كالتعليل لاستحقاق البيت أن يكون قبلة، وأيضًا فإن التكليف على ثلاثة أقسام: أولها: ما يحكم العقل بحسنه في أول الأمر، وقد ذكره تعالى بقوله: اذكروني ﴿أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة] فإن كل عاقل يعلم أن ذكر المنعم بالمدح والثناء والمواظبة على شكره، أمر مستحسن في العقول. وثانيها: ما يحكم العقل بقبحه في أول الأمر، إلا أنه بسبب ورود الشرع به يسلم حسنه، وذلك مثل إنزال الآلام والفقر والمحن، فإن ذلك كالمستقبح في العقول، لأن الله تعالى لا ينتفع به، ويتألم العبد منه، فكان ذلك كالمستقبح، إلا أن الشرع لما ورد به وبين الحكمة فيه، وهي الابتلاء والامتحان، وهذا هو المشار إليه بقوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ [البقرة: ١٥٥]، فحينئذ يعتقد المسلم حسنه، وكونه حكمًا وصوابًا. وثالثها: الأمر الذي لا يهتدي لا إلى حسنه ولا إلى قبحه، بل يراه كالعبث الخالي عن المنفعة والمضرة، وهو مثل الحج من السعي بين الصفا والمروة وغيره.

стр. 403

فذكر الله تعالى هذا القسم عقيب القسمين الأولين، ليكون قد نبه على جميع أقسام تكاليفه، وذاكرًا لكلها على سبيل الاستيفاء والاستقصاء. هذا وقد روي في سبب نزول هذه الآية ، ما أخرجه البخاري ومسلم والترمذي، عن عاصم الأحول، قال: "سألت أنس بن سيرين عن الصفا والمروة، فقال: كانا من شعار الجاهلية، فلما كان الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ الآية (١)، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وروى الحاكم وصححه وابن مردويه عن عائشة قالت: "نزلت هذه الآية في الأنصار، كانوا في الجاهلية إذا أحرموا، لا يحل لهم أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما قدمنا المدينة ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾. ورواه الطبراني في "الأوسط" عن ابن عباس بنحوه، ورواه عنه بنحوه أيضًا ابن جرير وابن أبي داود في "المصاحف"، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، ورواه ابن جرير عن ابن عمر. و﴿الصَّفَا﴾ جمع صفاة وهي: الصخرة الملساء، وهو لفظ مفرد، وتثنيته صفوان، وجمعه: أصفاء وصفياء وصفيا. و﴿الْمَرْوَةَ﴾ هي: الحصاة الصغيرة، يجمع قليلها مروات، وكثيرها المرو، مثل تمرة وتمرات وتمر. والمراد من ﴿الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ الجبلان المعروفان. وقوله: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ يعني: من معالم الله التي جعلها لعباده معلمًا ومشعرًا يعبدونه عندها، إما بالدعاء وإما بالذكر، وإما بأداء ما فرض عليهم من العمل عندها. والحج: القصد. والاعتمار: الزيارة، ثم غلبا على قصد البيت وزيارته للنسكين المعروفين.

стр. 404

وأصل الـ ﴿جُنَاحَ﴾: الميل إلى الإثم، ثم أطلق على الإثم، يقال: جنح إلى كذا جنوحًا، مال، و ﴿تَطَوَّعَ﴾ تفعّل من الطوع، وهو الانقياد. فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ معناه: أن الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله، أي: من معالمه، فالكلام على حذف مضاف، لأن الجبلين ذاتهما ليسا من شعائر الله، وإذا فسرنا الشعائر بمواضع العبادة، لا نحتاج إلى تقدير مضاف، إذ المعنى حينئذ أن الصفا والمروة من مواضع عبادة الله. ولما كان الطواف بينهما ليس عبادة مستقلة، إنما يكون عبادة إذا كان بعض حج أو عمرة، بين تعالى ذلك بقوله: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ﴾ أي: أثم ﴿عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ أي: يدور بهما، ويسعى بينهما. ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ أي: من تطوع بالحج والعمرة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ﴾ له على تطوعه له بما تطوع به من ذلك ابتغاء وجهه، فمجازيه به ﴿عَلِيمٌ﴾ بما قصد وأراد بتطوعه بما تطوع منه. هذا ولنذكر الأحكام التي تستنبط من هذه الآية فنقول: أولها: إن ظاهر قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ يشير إلى أن الطواف، أي: السعي بين الصفا والمروة سنّة، وإلى هذا ذهب جماعة من السلف، فقد روى ابن جرير عن ابن جريج عن عطاء قال: "لو أن حاجًا أفاض بعد ما رمى جمرة العقبة، فطاف بالبيت ولم يسع، فأصابها - يعني امرأته - لم يكن عليه شيء، لا حج ولا عمرة، من أجل قول الله في مصحف ابن مسعود: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ". قال: ابن جريج: فعاودته بعد ذلك فقلت له: إنه ترك سنة النبي ﷺ ، فقال: "ألا تسمعه يقول: فمن تطوع خيرًا" فأبى أن يجعل عليه شيئًا. وقال أنس: الطواف بينهما تطوع، وكان ابن عباس يذهب إلى هذا ويقرأ: فلا جناح عليه أن لا يطوف بينهما. وقال بذلك مجاهد، وعبد الله بن الزبير.

стр. 405

والقول بأنه سنة، رواية عن الإمام أحمد، نقلها العلامة محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي، في كتابه المسمى "بالفروع" فقال في عدّ أركان الحج: السعي ركن وعنه، أي: الإمام أحمد، يجبره دم، وعنه سنة. وقال إمام الحنابلة في زمنه القاضي أبو يعلى ابن الفراء في كتابه "التعليق الكبير": السعي ركن في الحج، لا ينوب عنه الدم، في أصح الروايتين، وفيه رواية أخرى، يعني: للإمام أحمد، ليس بركن، وقال أبو حنيفة: يجب بتركه دم. انتهى. واستدل أصحاب القول الأول، بما رواه الإمام أحمد في "المسند" بسنده إلى حبيبة بنت أبي تَجْرَاة (١)، إحدى نساء بني عبد الدار، قالت: نظرت إلى رسول الله ﷺ ، وهو يسعى بين الصفا والمروة، فرأيته يسعى، وإن مئزره ليدور من شدة السعي، حتى لأقول: إني لأرى ركبتيه، وسمعته يقول: "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي" (٢). ورواه الشافعي أيضًا، وصححه الدارقطني. وبما رواه الإمام أحمد عن صفية بنت شيبة، أن امرأة أخبرتها أنها سمعت النبي ﷺ بين الصفا والمروة يقول: "كتب عليكم السعي فاسعوا". قلت: المرأة المجهولة هنا حبيبة المتقدمة كما صرح به الشافعي في مسنده. وحجتهم أن قوله: "اسعوا" أمر، والأمر للوجوب. واستدل أصحاب القول بان السعي سنة بهذه الآية، فقال: إنها تقتضي أن

стр. 406

السعي يكون بعد الفراغ من الحج، لأن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ﴾ ثم قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ فلو كان السعي ركنًا لما أثبت له الحج والعمرة قبل وجوده. وأجاب القائلون بالركن: بأن هذا لا يدل على ما قاله، لأن من قال: من صلى فليقرأ فيها بفاتحة الكتاب، أو فليقرأ فيها من القرآن، لا يدل على أن الصلاة تخلو من القرآن. وأقول: الفرق بين الآية والمثال، كالصبح ظاهر، لأن الآية ليس فيها تلك الظرفية المذكورة في المثال، ولولاها ما ظهر المعنى الذي أراده المدافع، ألا ترى أنه لو قيل: من صلى فليقرأ بفاتحة الكتاب، يدل على أن القراءة تطلب خارج الصلاة، ولا يتعين المعنى الذي أراده، وقولهم: الأمر للوجوب ليس على إطلاقه، فإن القائل بذلك قال: إن الأمر إما أن يكون مجردًا أو مقترنًا، فإن كان مقترنًا بقرينة تدل على أن المراد به الوجوب أو الندب أو الإباحة، حمل على ما دلت عليه القرينة، وإن كان مجردًا عن قرينة، فهو يقتضي الوجوب، وهذا عند أئمة الفقهاء الأربعة، وبعض المتكلمين كأبي الحسين البصري والجبائي، وقال أبو هاشم المعتزلي وجماعة من المتكلمين: هو لمطلق رجحان الفعل، أي: للقدر المشترك بين الوجوب والندب، وقيل: إنه للإباحة، وقيل: بالوقف. وبعد: فحديث حبيبة، مداره كما قاله أبو بكر ابن المنذر على عبد الله بن مؤمل، وقد قال الإمام أحمد: أحاديثه مناكير. وقال يحيى بن معين مرة عنه: هو ضعيف، ومرة: ليس به بأس، ولم يخرج هذا الحديث أحد من أهل الكتب الستة، وفي إسناده اختلاف، وحديث صفية رواه الدارقطني، وفي سنده منصور ابن عبد الرحمن، قال أبو حاتم: لا يحتج به. وقال يحيى بن معين: هو ثقة، وهو غير مخرج في السنن أيضًا، لكن قال الحافظ شمس الدين محمد بن عبد الهادي، في كتابه "تنقيح التحقيق": قال شيخنا - يعني شيخ الإسلام تقي الدين أحمد ابن تيمية -: هو حديث صحيح الإسناد، ومنصور بن

стр. 407

عبد الرحمن ثقة، مخرج له في الصحيحين، وليس هذا بمنصور الغُدَاني (١)، هذا ما قاله ابن عبد الهادي. وأيًا ما كان، فلا يعارض الآية، ولا يدل على الركنية. وعندي: أن الآية تدل على أن السعي تطوع في الحج، لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ولقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ فلو كان السعي ركنًا لتوعد الله على تركه، كما هو عادة الكتاب العزيز، والحق: أن يترك حكم القرآن على ظاهره، ولا يعدل به إلى التأويل، ليوافق قولًا قاله قوم، على أننا لو سلمنا صحة الحديث، فإن الآية تكون قرينة على صرف قوله ﷺ : "اسعوا ... " الذي هو أمر عن الوجوب، فضلًا عن الركنية، والحق أحق أن يتبع. والحكم الثاني: المستنبط من هذه الآية، أن العقل وحده لا يدرك جميع ما هو حسن أو قبيح إلا بواسطة الشرع، ألا ترى أن أفعال الحج يراها العقل كالعبث الخالي عن المنفعة والمضرة، ومنها السعي وقد دلت الآية على أن من فعلها، كان الله له شاكرًا لما يفعله الساعي، عالمًا به، فيجزيه أحسن الجزاء، على فعله، وهذا هو المقصود من النفع شرعًا. والحكم الثالث: أن قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ﴾ يدل على أن السعي ليس عبادة تامة في نفسه، وإنما يصير عبادة إذا صار بعضًا من أبعاض الحج، ولهذا السر بيّن الله الموضع الذي يصير فيه السعي عبادة. والحكم الرابع: أن قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ﴾ يدل على أن طاعة العبد مقبولة عند الله تعالى، وواقعة موقع القبول في أقصى الدرجات. ودل قوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ على أن العمل لا بد من الإخلاص فيه، فإن الله عليم بفعل العبد، إن أخلص العمل له أثابه عليه، وإلا وكله لمن عمل له من الأغيار. والحكم الخامس: دلت الآية على أن الطواف إنما يكون بالصفا والمروة، فمن سعى بينهما من غير صعود عليهما لم يُعدَّ طائفًا، ودلت الآية أيضًا على مطلق

стр. 408

الطواف، لا على كيفية ولا عدد، غير أن الأحاديث الصحيحة هي التي تعين ذلك، ولها محل تذكر فيه، وليس هنا محل استقصائها (١). ولما تقدم أن بعض أهل الكتاب يكتمون ما يعلمون من هذا الحق، وختم ما أتبعه له بصفتي الشكر والعلم، ترغيبًا وترهيبًا بأنه يشكر من فعل ما شرعه له، ويعلم من أخفاه، وإن دق فعله، وبالغ في كتمانه، انعطف الكلام إلى تبكيت المنافقين منهم والمصارحين، ولعنهم على كتمانهم ما يعلمونه من الحق، إذ كانت هذه كلها في الحقيقة قصصهم، والخروج إلى غيرها، إنما هو استطراد على الأسلوب الحكيم المبين، لأن هذا الكتاب هدى. وكان السياق مرشدًا إلى أن التقدير بعد قوله ﴿شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾، ومن أحدث شرًا فإن الله عليم قدير، فوصل به استئناف قوله على وجه يعمهم وغيرهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾. فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ بيان لجزائهم، وبقوله: ﴿مَا أَنْزَلْنَا﴾ انتظمت هذه الآية في ختمها لهذا الخطاب، بما مضى في أوله من قوله: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢] فكانت البداية خاصة، وكان الختم عامًا، ليكون ما في كتاب الله أمرًا، على نحو ما كان أمر محمد ﷺ ، ومن تقدمه من الرسل خلقًا، لينطبق الأمر على الخلق بدءًا وختمًا انطباقًا واحدًا، فعم كل كلام من الأولين (٢) والآخرين، قاله الحرالّي. فقوله: وكان الختم عامًا، هو ما يدل عليه سياق الكلام، من أن الآية تتناول كل من كتم شيئًا من الدين؛ وهو أولى مما يقوله كثير من المفسرين، من أنها نزلت في اليهود خاصة، ومن أنها نزلت في اليهود والنصارى، وذلك لأن اللفظ عام، والعارض الموجود، وهو نزوله عند سبب معين، لا يقتضي الخصوص، لأن

стр. 409

العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولأن جماعة من الصحابة حملوا هذا اللفظ على العموم، فقد أخرج البخاري وابن ماجه، والحاكم وابن سعد، وعبد بن حميد وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي هريرة قال: "لولا آيتان من كتاب الله، ما حدثت حديثًا بعد أن قال الناس: أكثر أبو هريرة"، وفي لفظ: "ما حدثت أحدًا بشيء أبدًا"، ثم تلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ الآية. وقال ابن جرير: وهذه الآية، وإن كانت نزلت في خاص من الناس، فإنها معني بها كل كاتم علمًا فرض الله بيانه للناس، وذلك نظير الخبر الذي روي عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: "من سئل عن علم يعلمه فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار" انتهى. قلت: والحديث أخرجه أبو يعلى والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس، بلفظ: "من سُئل عن علم فكتمه، جاء يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار" (١). ورواه أيضًا الترمذي وابن ماجه، وعبد بن حميد والحاكم، عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظه، إلا أنه قال: "من سُئل عن علم عنده". ورواه ابن ماجه عن أنس بنحوه، والطبراني عن ابن مسعود مرفوعًا. وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ أريد بـ ﴿الْبَيِّنَاتِ﴾ التي لا يحتاج سامعها المجرد عن الهوى في فهمها إلى شيء معها، و ﴿وَالْهُدَى﴾ هو: الذي من شأنه أن يقود من أحسه (٢) إلى صراط مستقيم، ولما كان المراد الترهيب من الكتمان في وقت ما ولو قَلّ، أثبت الجارَّ فقال: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ﴾ أي: الذين هم في أدنى طبقات المخاطبين، وفيه تبكيت عظيم لبني إسرائيل، فإنهم من أعظم المقصودين بذلك، لكتمانهم ما عندهم.

стр. 410

وقوله: ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ إشارة إلى أن ما بينه الله في الكتاب لا يحل كتمه، لما ذكر من أن الكتاب هو ما احتوى على الأحكام والحدود، بخلاف ما يختص بالفرقان، أو يعلو إلى رتبة القرآن، ولما كان المضارع دالًا على التجديد المستمر، وكان الإصرار المتصل بالموت دالًا على سوء الجبلة، أسقط فاء السبب إشارة إلى استحقاقهم للخزي في نفس الأمر، من غير نظر إلى سبب، فقال: ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: البغضاء البعداء ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ أي: يطردهم ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ أي: كل من يصح منه لعن. وقد دلت هذه الآية بظاهرها على استحقاق اللعنة على من كتم ما أنزل الله، وإن لم يسأل عنه، بل يجب التعليم والتبيين، وإن لم يسألوا ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]. وقال الرازي: قوله تعالى: ﴿مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ يعم كل ما أنزله على الأنبياء كتابًا ووحيًا، دون أدلة العقول، وقوله تعالى: ﴿وَالْهُدَى﴾ يدخل فيه الدلائل العقلية والنقلية، قال: واعلم أن الكتاب لما دل على أن خبر الواحد، والإجماع، والقياس حجة، فكل ما يدل عليه أحد هذه الأمور، فقد دل عليه الكتاب، فكان كتمانه داخلًا تحت الآية، فثبت أنه تعالى توعد على كتمان الدلائل السمعية والعقلية، وجمع بين الأمرين في الوعيد، فهذه الآية تدل على أن من أمكنه بيان أصول الدين بالدلائل العقلية لمن كان محتاجًا إليها، ثم تركها، أو كتم شيئًا من أحكام الشرع مع شدة الحاجة إليه، فقد لحقه الوعيد العظيم. انتهى. قلت: وخصوصًا في زمننا هذا، فإن أولي المعارف من أهله، كادوا لا يعرفون إلا الأدلة العقلية، أشد مما كان عليه القوم أيام الرازي والغزالي، فلذلك كانت معرفة العلوم العقلية على نمط مصطلح أهل هذا الزمن، وترتيب الأدلة على مقتضاها من ألزم ما يحتاجه صاحب العلم، والمدرس والمؤلف. وقال ابن حزم رحمه الله تعالى: الحظ لمن آثر العلم، وعرف فضله، أن

стр. 411

يستعمله جهده، ويقرنه بقدر طاقته، ويحققه ما أمكنه، بل لو أمكنه أن يهتف به على قوارع طرق المارة، ويدعو إليه في شوارع السابلة، وينادي عليه في مجامع السيارة، بل لو تيسر له أن يهب المال لطلابه، ويجري الأجور لمقتبسيه، ويعظم الأجعال للباحثين عنه، ويسني مراتب أهله، صابرًا في ذلك على المشقة والأذى، لكان ذلك حظًا جزيلًا، وعملًا جيدًا، وسعدًا كريمًا، وإحياء للعلم، وإلا فقد درس وطمس، ولم يبق منه إلا آثار لطيفة، وأعلام دائرة، انتهى كلامه. ولما بيّن تعالى عظيم الوعيد في ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٧٤]، كان يجوز أن يتوهم أن الوعيد يلحقهم على كل حال، فبيّن تعالى أنهم إذا ﴿تَابُوا﴾ تغير حكمهم، ودخلوا في أهل الوعد، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾. فقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ استثناء متصل، والتوبة عبارة عن الندم على فعل القبيح، لا لغرض سواه، لأن من ترك ردّ الوديعة، ثم ندم عليه؛ لأن الناس ذموه، أو لأن الحاكم ردّ شهادته، لم يكن تائبًا، وكذلك لو عزم على رد كل وديعة، والقيام بكل واجب، لكي تقبل شهادته، أو يمدح بالثناء عليه، لم يكن تائبًا، وهذا معنى الإخلاص في التوبة. ثم بيّن تعالى: أنه لا بد له بعد التوبة من إصلاح ما أفسده، مثلًا لو أفسد على غيره دينه بإيراد شبهة عليه، يلزمه إزالة تلك الشبهة. ثم بيّن ثالثًا: أنه بعد ذلك يجب عليه فعل ضد الكتمان، وهو البيان لما كانوا كتموه فظهرت توبتهم بالإقلاع، وهو المراد بقوله: ﴿وَبَيَّنُوا﴾ فدلت هذه الآية على أن التوبة، لا تحصل إلا بترك كل ما لا ينبغي، وبفعل كل ما ينبغي. وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارة إلى من جمع هذه الأوصاف من التوبة والإصلاح والتبيين، ﴿أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أقبل توبتهم فأحفظهم. ولما كان من شأن الإنسان معاودة الذنوب لصفة النسيان، ختم الآية بما دلّ

стр. 412

على أن التقدير: فإني أحب التوابين، فقال: ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ﴾ أي: مرة بعد مرة، لمن كرّ على الذنب، ثم راجع، كرّة إثر كرّة ﴿الرَّحِيمُ﴾ لمن فعل ما يرضيني، وختم تعالى هذه الآية بهذين الاسمين الشريفين، ترغيبًا في التوبة، وإشعارًا بأن هاتين الصفتين هما له، فمن رجع إليه عطف عليه ورحمه، وأنه يقبل توبة التائبين بعد التفريط العظيم منهم. ولما لعن تعالى الكاتمين، واستثنى التائبين، ذكر المصرِّين معبرًا عن كتمانهم بالكفر، لتعم العبارة كل كافر فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾. ظاهر هذه الآية العموم في حق كل من كان كذلك؛ وهو المشار إليه بقول أبي العالية وقتادة والسدي؛ كما رواه عنهم عبد بن حميد؛ وإليه ذهب ابن جرير فقال: يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إن الذين جحدوا نبوة محمد ﷺ وكذبوا به من اليهود والنصارى، وسائر أهل الملل والمشركين من عبدة الأوثان، ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾، يعني: ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ﴾ على جحودهم ذلك، وتكذيبهم محمدًا ﷺ ، ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ﴾، أي: أبعدهم الله وأسحقهم من رحمته، ولعنتهم الملائكة أجمعون. وقال قتادة: يعني بقوله: ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ المؤمنين؛ وبه قال الربيع؛ وقال أبو العالية: هذه اللعنة تكون يوم القيامة، حيث يقف الكافر على رؤوس الأشهاد، فيلعنه الكل. ثم قال ابن جرير: والصواب: أن لعن جميع الناس إياهم، هو قولهم: لعن الله الظالم أو الظالمين، فإن كل أحد من بني آدم لا يمنع من قيل ذلك، كائنًا من كان، ومن أي ملة كان، فيدخل بذلك في لعنته كل كافر، كائنًا من كان. انتهى. وبهذا يتحصل الجواب عما عساه يقال: وكيف تكون اللعنة على من مات

стр. 413

كافرًا بمحمد ﷺ ، من جميع الأمم، وأكثرهم ممن لا يؤمن به ولا يصدقه؟ وأما قول قتادة المخصص للناس بالمؤمنين؛ - (وقول الزمخشري متابعًا له، حيث قال: فإن قلت: ما معنى قوله ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾؟ وفي الناس المسلم والكافر، قلت: أريد بالناس من يعتد بلعنه، وهم المؤمنون. انتهى) - فهو قول ظاهر التنزيل بخلافه، ولا برهان على حقيقته من خبر ولا نظر، فإن كان ظن أن المعني به المؤمنين، من أجل أن الكفار لا يلعنون أنفسهم ولا أوليائهم، فإن الله قد أخبر أنهم يلعنونهم في الآخرة، ومعلوم منهم أنهم يلعنون الظَلَمة، وداخل في الظلمة كل كافر بظلمه نفسه، وجحوده نعمة ربه، ومخالفته أمره. وذكر تعالى لعنته لهم أولًا، ثم ثنى بالملائكة لما في النفوس من عظم شأنهم، وعلو منزلتهم وطهارتهم، ثم ثلث بالناس لأنهم من جنسهم، فهو شاق عليهم، لأن مفاجأة المماثل من يدعي المماثلة بالمكروه، أشق، بخلاف صدور ذلك من الأعلى. وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: في اللعنة، لا يخفف عنهم العذاب لاستعلاء اللعن عليهم، وإحاطته بهم. وهم لا ﴿يُنْظَرُونَ﴾، أي: لا يمهلون، ولا يؤجلون، فالفعل مشتق من الإنظار؛ أو لا ينتظرون ليعتذروا، أو لا ينظر إليهم نظر رحمة، وفي الآية دليل على أنه لا يجوز لعن كافر معين، لأن حاله عند الوفاة لا تُعلم، فلعله يموت على الإسلام، وقد شرط الله في هذه الآية إطلاق اللعنة على من مات على الكفر. ولما أفاض تعالى عليهم ما أفاض من بحار الحِجاج، وقرر ما أراد من شرائع الإسلام، وأرشد هذا السياق المذكور فيه ثواب المطيع، وعقاب العاصي، إلى أن التقدير فـ ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ لا شريك له يدافعه عما يريد، لا إله إلا هو المنتقم من أعدائه، العظيم في كبريائه، عطف عليه مكررًا الزاجر لكل منافق وفاجر، ومذكرًا بالعاطف لكل موافق مؤالف، قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾.

стр. 414

بيّن بقوله ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، أن الوحدة معتبرة في نفس الأمر في الإله الحق، فلا يصح أصلًا أن يكون منقسمًا بالنوع، ولا بالشخص، ولا بالوصف، ولا بالفعل، ولا بغير ذلك بوجه من الوجوه، وإليه هذا الإشارة بإعادة لفظ الإله، وأنه هو الواحد الذي لا ينقسم بوجه من الوجوه، لا بمجانسة ولا بغيرها؛ وهو مع ذلك ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، فهذا تقرير للوحدانية بنفي غيره وإثباته، فلا يصح بوجه، ولا يمكن في عقل أن يصلح للألوهية غيره أصلًا، فلا يستحق العبادة إلا هو، لأنه ﴿الرَّحْمَنُ﴾، أي: العام الرحمة بالنعم الدنيوية الزائلة لأوليائه وأعدائه ﴿الرَّحِيمُ﴾، أي: المخصص بالنعم الباقية لأوليائه، فثبت للتفرد بالألوهية، أنه حائز لجميع العظمة، وبيده مجامع الكبرياء والقهر، وبوصفي (١) الرحمة، أنه مفيض لجلائل النعم ودقائقها، فكل ما سواه إما نعمة، أو منعم عليه، فهو المخشي سطوته، المرجى رحمته، أن يعترض عليه في شيء من ذلك. قال البرهان البقاعي، في كتابه "نظم الدرر": ولا يبعد عندي، وإنْ بَعُدَ المدى، أن تكون الواو في قول ﴿وَإِلَهُكُمْ﴾، عاطفة على قوله في أوائل السورة، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، قبل قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ فإن التوحيد هو المقصود بالذات، وعنه تنشأ جميع العبادات، فلما قال أولًا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ أتبعه في قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ إلى آخره، بوصف هو دليل استحقاقه للعبادة، فلما قام الدليل قال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ إعلامًا بأنه لا شريك له في العبادة، كما أنه قد تبين أنه لا شريك له في الخلق، ثم أتبعه بما يليق بذلك المقام، مما تقدم التنبيه عليه؛ ثم رجع إليه قائلًا ثانيًا: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] إلى آخرها، فأعاد الدليل على وجه أبين من الأول وأبسط، فلما تقرر على وجه لا مطعن فيه أمر الوحدانية والإعادة، كان الأنسب ما أولاه من الآيات السابقة، لما ذكر فيها من غير ذلك من المهمات؛ إلى أن صار إلى ذكر الكاتمين والتائبين والمصرّين، وذكر ما أعد لكل من الجزاء،

стр. 415

فأتبع ذلك هذه الآية عاطفًا لها على ما ذكرته، على وجه أصرح مما تقدم في إثبات التوحيد، بيانًا لما هو الحق، وإشارة إلى أنه تعالى ليس كملوك الدنيا، الذين قد يحول بينهم وبين إثابة بعض الطائعين، وعقوبة بعض العاصين، بعض أتباعهم، فإنه واحد لا كفؤ له، بل ولا مداني، فلا مانع لنفوذ أمره؛ ولا يستنكر تجويز هذا العطف، لأنه جرت عادة البلغاء، أن أحدهم إذا أراد إقامة الحجة على شيء، لأمر يرتبه عليه، أن يبدأ بدليل كاف، ثم يتبعه تقريب الثمرات المجتناة منه، ثم يعود إلى تأكيده على وجه آخر، لتأنس به النفوس، وتُسَرّ به القلوب. وربما كان الدليل طويل الذيول، كثير الشُّعب، فيشرح كل ما يحتاج إليه من ذيوله، وما يستتبعه من شعبه، فإذا استوفى ذلك، ورأى أن الخصم لم يصل إلى غاية الإذعان، أعاد له الدليل على وجه آخر عاطفًا له على الوجوه الأُول، تذكيرًا بما ليس بمستنكر، ذلك في مجاري عاداتهم، ومباني خطاباتهم. انتهى. وهو تدقيق بديع، واستنباط حسن، وهنا إشارة ألطف، أبداها صاحب كتاب "مفتاح الباب المقفل" حاصلها: أنه لما كان مضمون الكتاب دعوة الخلق إلى الحق، والتعريف بحق الحق على الخلق، وإظهار مزايا المصطفين من الملائكة والأنبياء والرسل، ومن سار بسيرهم، واقتدى بهم، وإقامة الحجة بذلك على من دونهم في إلزامهم اتباعهم، وكان الضار للخلق إنما هو الشتات، كان النافع لهم إنما هو الوحدة، فلما أظهر لهم تعالى مرجعهم إلى أبوة آدم في جمع الذرية، ووحدة أبوة ابراهيم في جمع الإسلام، ووحدة أحمدية محمد ﷺ ، في جمع الدين، فاتضح لهم عيب الشتات والتفرق، وتحقق لهم شاهد النفع في الجمع إلى وحدات، كان ذلك آية على أعظم الانتفاع بالرجوع إلى وحدة الإلهية في أمر الحق، وفي إفهام ذلك وحدات ما بطن في ظاهر الوحدات الظاهرة، من وحدة الروح، ووحدة النفس والعقل، فقال تعالى عطفًا على ما ظهر بناؤه من الوحدات الظاهرة، وما أفاده إفهامها من الوحدات الباطنة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ فإذا قبح الشتات مع وحدة الأب الوالد فكيف به مع وحدة أب الدين، فكيف به مع وحدة النبي المكمل، فكيف به مع وحدة الإله الذي هو الرحمن الرحيم. هذا ولما اطلع

стр. 416

البقاعي على هذه الإشارة، وزين بها كتابه، وأطال بها، أقدم على ما ذكره سابقًا من العطف، وانفتح له ذلك الباب المقفل. ثم اعلم أن الحق تعالى واحد باعتبارين: أحدهما: أنه ليست ذاته مركبة من [اجتماع] (١) أمور كثيرة. والثاني: أنه ليس في الوجود ما يشاركه في كونه واجب الوجود، وفي كونه مبدأ (٢) لوجود جميع الممكنات. وإنما خص تعالى هذا الموضع بذكر ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾، لأن ذكر الإلهية والفردانية يفيد القهر والعلو، فعقبهما بذكر هذه المبالغة في الرحمة، ترويحًا للقلوب عن هيبة الإلهية، وعزة الفردانية، وإشعارًا بأن رحمته سبقت غضبه، وأنه ما خلق الخلق إلا للرحمة والإحسان. ولما حكم تعالى بالفردانية والوحدانية، ذكر ثمانية أنواع من الدلائل التي يمكن أن يستدل بها على وجوده تعالى أولًا، وعلى توحيده وبراءته عن الأضداد والأنداد ثانيًا، فقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا

стр. 417

﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ هذا الاستدلال إنما هو استدلال بالأثر على المؤثر، وبالصنعة على الصانع، فأرشدنا تعالى للاستدلال بهذا الخلق الغريب، والبناء العجيب، وعرفنا طريق النظر، وفيما ننظر، فبدأ أولًا بذكر العالم العلوي فقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ وخلقها: إيجادها واختراعها، أو: خلقها وتركيب أجرامها، وائتلاف أجزائها، من قولهم خلق فلان حسن، أي: خلقته وشكله؛ ثم ثنى بالعالم السفلي فقال: ﴿وَالْأَرْضِ﴾؛ ثم ثلث بما بينهما، فأرشدت الآية إلى النظر في عدة علوم: أحدها: علم الهيئة الذي يبحث في العلويات، من حيث تشريحها وسير شموسها وأقمارها ونجومها وحركاتها، وما يتصل بذلك مما هو من متعلقات هذا الفن. وثانيها: فن المواليد الثلاثة، وفن طبقات الأرض، ففي تلك الطبقات تكون المعادن بأنواعها من الجامد والسائل والمنطرق، وغير ذلك، وهذا من المواليد أحدها. وفي قوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يشير إلى فن النبات بأنواعه، كالزراعة وخواص النبات، وما يتولد منه من الأدوية والصباغ، والفواكه والثمرات، والحبوب المغذية وغير المغذية، والبزور؛ فقد شمل فن الصيدلة إذا انضم إليه المعادن؛ وفن العطارة؛ وفنونًا أخرى لا تخفى على الناظر. وثالثها: فن الحيوان بأجمعه، المشار إليه بقوله: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ إذ الدابة في الأصل كل ما يدب على الأرض، فتشمل سائر الحيوانات. ورابعها: علم الأحوال الجوية، المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ﴾ الآية. فهذه الفنون، وما ينضم إليها مما هو تتمات لها، كالهندسة والحساب، المتعلقين بفن الهيئة، وما يتوصل به إلى غيرها، كلها دلائل على أنه

стр. 418

تعالى ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة: ١٦٣]، ولكن ليست هذه الدلائل إلا ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، فأولئك هم الذين يطرحون التعصب جانبًا، ويدأبون على إدراك الحقيقة، ثم إذا جعلوا المذكورات دلائل تدلهم على الهدى والصراط المستقيم، أوصلتهم إلى النتيجة الصحيحة، وهي: أن الخالق لها، هو الإله الذي ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾. وأدرج تعالى في غضون ذلك فن الاجتماع البشري، المعبر عنه بعلم العمران، أو سياسة المدينة أو المدنية، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ فأرشد تعالى إلى أن هذا من جملة الدلائل الدالة على وجوده، وإفراده بالوحدانية، كما سنشرحه أثناء الكلام على هذه الآية. فقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ أي: في النظر في تركيب أجرامها، وائتلاف أجزائها، وإبداعها ذلك الإبداع الغريب، ﴿لَآيَاتٍ﴾، فالآية تدل على أنه لا بد من الاستدلال على وجود الصانع بالدلائل العقلية، وأن التقليد ليس طريقًا البتة إلى تحصيل هذا الغرض، وكم فى القرآن من آيات تدل على ذلك، وتشير إليه. وقد حكى ابن الخطيب في تفسيره "مفاتيح الغيب": أن عمر بن الخيام، كان يقرأ كتاب "المجسطي" على عمر الأبهري، فقال له بعض الفقهاء يومًا: ما الذي تقرؤه؟ فقال: أفسر آية من القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾ [ق: ٦] فأنا أفسر كيفية بنيانها، قال ابن الخطيب: ولقد صدق الأبهري فيما قال، فإن كل من كان أكثر توغلًا في بحار مخلوقات الله تعالى، كان أكثر علمًا بجلال الله وعظمته. انتهى. فأما ترتيبها فمما وقفت فيه العقول حيرى، فبذل المتقدمون جهدهم، حتى حصروا الأفلاك في سبع على عدد النجوم السيارة، وأثبتوا بالطرق العلمية أن كل أسفل يكسف الأعلى من تلك الكواكب، وبتلك الطريقة عرفوا الأعلى من

стр. 419

الأسفل، والمتأخرون المنتصرون لمذهب (فيثاغورث) خالفوا في سير الشمس ودورانها، فجعلوها مركزًا تدور عليه الكوكب، وجعلوا الأرض دائرة حول الشمس كبقية الكواكب. وادعى بعض المتأخرين منهم، أنه اكتشف كوكبًا ثامنًا للسيارات، وسماه "نبتون" باسم مكتشفه. والذي يلوح لي: أن هذا الكوكب هو الذي يعبر عنه الأقدمون بفلك الثوابت، وهو كثير الذكر في كتب الهيئة، وقد بقي عليهم فلك آخر، لم يكتشفوه، وهو فلك الأفلاك، والفلك الأعظم والأطلس، وقالوا: إنه محيط بجميع الأجسام، وليس وراءه شيء، لا خلاء ولا ملا؛ ولقد سبق القرآن الكريم إلى ذكر هذين الكوكبين، فقوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] يشير إلى الثامن؛ وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه] يشير إلى التاسع. وحيث إن العقول وقفت حيرى دون الاطلاع على حقيقة تلك الأفلاك، وما تضمنته من السيارات وغيرها، واختلفت آراء أقوام ادعوا أنهم حازوا القدح المعلى في معرفة الأفلاك، فقوم قالوا: بأن هذه السيارات سائرة في فضاء غير متناه؛ وقوم قالوا: إن لها أفلاكًا مركوزة هي في ثخنها، دلّ ذلك على أن لها خالقًا صانعًا مختارًا لا تدرك كنه حكمته، ولا يمكن الاطلاع على حقيقة ما أودعه في كونه، وأن من رام معرفة تلك الحقيقة، تاه في ديجور الأوهام، ويمكن أن يأتي زمان ترتقي فيه الأرصاد إلى اكتشاف ما هو أعلى من نبتون، فسبحان من حبرت حكمته العقول. ومن جملة الحيرة في هذا المكان، ما قاله ابن سينا في "الشفا": من أنه لم يتبين لي إلى الآن، أن كرة الثوابت كرة واحدة، أو كرات منطبق بعضها على بعض. وقال غيره: إن الذي ذكره الرئيس في كرة الثوابت، قائم في جميع الكرات،

стр. 420

فلا يمكن الجزم بوحدة الكرة المتحركة بالحركة اليومية، فلعلها كرات كثيرة مختلفة في مقادير حركاتها بمقدار قليل جدًا، لا تفي بضبط ذلك التفاوت أعمارنا، وبعضهم أثبت كرة بين كرة الثوابت والفلك الأعظم، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء، فهذا الذي علموه، والذي سيعلمونه، هو مما شاء ، ولقد نُقل لنا أن أحد فلاسفة الفرنجة في زمننا، كتب في مجلة [من] المجلات الفرنسوية ما معناه: نحن لا نحتاج اليوم مطلقًا لمعجزات وخوارق وعادات، تثبت لنا وجود الخالق، وتحثنا على العبادة، والإخبات لله، فإن هذا الكون البديع الذي لا نهاية له من وجهتيه، هو بالنسبة لنا المعجزة الخالدة التي تصلح لإيقاظ عاطفة الدين في أفئدتنا أكثر من المعجزات السابقة، وأطال في هذا المعنى. فانظر كيف تنطبق هذه الآية التى نحن بصدد تفسيرها على مطلوب روح كل عصر تمام الانطباق، وتتفق على ما تنشده العقول الصحيحة كمال الاتفاق، وهذا بحث طويل لا يهتدي إلى نتيجته إلا العقول المفاض عليها هداية الله تعالى. فالأرض والبحار والهواء وكل ما تحت السماوات، بالإضافة إلى السماوات، كقطرة في بحر، قال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨)﴾ [النازعات] ولهذا قلّ أن تجيء سورة في القرآن، إلا وفيها ذكر السماوات، إما إخبارًا عن عظمتها وسعتها، وإما إقسامًا بها، وإما دعاء إلى النظر فيها، وإما إرشادًا للعباد أن يستدلوا بها على عظمة بانيها ورافعها، وإما استدلالًا منه سبحانه بخلقها، على ما أخبر به من المعاد والقيامة، وإما استدلالًا منه بربوبيته لها على وحدانيته، وأنه هو الذي لا إله إلا هو، وإما استدلالًا منه بحسنها واستوائها والتئام أجزائها، وعدم الفطور فيها على تمام حكمته وقدرته، وكذلك ما فيها من الكواكب، والشمس والقمر، والعجائب التي تتقاصر عقول البشر عن قليلها، فكم من قسم في القرآن بها، كقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ - ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ - ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ - ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ - ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ - ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ - و ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ - ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ وهي الكواكب التي تكون خُنّسًا عند طلوعها،

стр. 421

جواري في مجراها ومسيرها، كُنّسًا عند غروبها، فأقسم بها في أحوالها الثلاثة، ولم يقسم في كتابه بشيء من مخلوقاته، أكثر من السماء والنجوم والشمس والقمر، وهو سبحانه يقسم بما يقسم به من مخلوقاته، لتضمنه الآيات والعجائب الدالة عليه. وكل ما كان أعظم آية، وأبلغ في الدلالة، كان إقسامه به أكثر من غيره، ولهذا يعظم سبحانه هذا القسم كقوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾ [الواقعة] والأظهر: أن المراد مواقع هذه النجوم التي هي في السماء، فإنه تعالى لم يطلق لفظ النجوم في كتابه العزيز إلا عليها، فلقد تعرف تعالى إلى خلقه بأنواع التعرفات، ونصب لهم الدلالات، وأوضح لهم الآيات البينات، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢]. ثم إنه تعالى بعد أن نبهنا إلى عظم خلق السماوات، نبهنا إلى عظم خلق الأرض، فإن من تأمل - في شكلها من الاستدارة، وفي حيزها من كونها واقعة في مركز العالم، على ما ذهب إليه الأكثر، حتى انبعث منها بوقوع الشمس عليها مخروط ظلي في مقابلة الشمس، متى وقع القمر فيه انخسف، ومن انكشاف بعضها عن كرة الماء لمكان الاستقرار عليها، وفي اختلاف أوضاع بقاعها بالنسبة إلى السماء، حتى اختلف مرور الشمس وسائر الكوكب، بسمت رؤوس قطان البلدان، وتباينت الفصول والأمزجة والأخلاق، وتغايرت الطوالع والمطالع بحسب تغاير الآفاق، ومن سائر أعراضها ومنافعها التي تقرر طرف منها في تفسير قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ [البقرة: ٢٢]- علم افتقارها إلى مدبر قدير وعليم خبير، واحد في ملكه، يفعل ما يشاء ويختار، هذا إذا نظر إليها نظرًا سطحيًا، وأما إذا نظرنا إلى ذلك نظرًا حقيقيًا، ورأينا ما أودع في جوفها من أنواع المعادن التي يفنى الزمان ولا تفنى عجائبها، فإننا نزداد معرفة بعجائب قدرة الله تعالى، فانظر إلى تولد الأحجار الفحمية في جوفها، التي عم نفعها العالم في صنائعه، وسفنه البرية والبحرية،

стр. 422

وإلى الأبخرة المنبعثة من جوفها المسماة بالغازات، وإلى اشتعالها واستخراج الأضواء منها. ولهذا قال علماء الهيئة الذين بحثوا في الأرض على ما يتبين لهم: إن جميع المواد الداخلة في تركيب الأرض، كانت ابتداء على حالة غازات، أو أبخرة بتأثير الحرارة الشديدة التي سلطها الله تعالى عليها، وحينئذ يتخيل أن الأرض، كانت في ابتداء أمرها مادة غازية، ومتى علم أن الجواهر الصلبة التي تستحيل إلى غازات، تشغل حجمًا قدر حجمها الذي تبقى عليه ألفًا وثمانمئة مرة، نتج من ذلك أن هذه الكتلة الغازية كانت ذات حجم عظيم، وتخيلنا الفرق الذي بين حجم أرضنا هذه، وكتلتها الغازية الأولوية، وحيث إن الكتلة الغازية التي كانت تتكون منها الأرض ذات حرارة مرتفعة جدًا، كانت تضيء في الفراغ كما تضيء الشمس الآن، وكما تضيء النجوم الثابتة والسيارة ليلًا، وهذه الكتلة الغازية المضطرمة، لما دارت حول الشمس على مقتضى قوانين الجذب العام الفلكي، كانت منقادة إلى القوانين المؤثرة في بقية الجواهر المادية، فكانت تبرد وتترك جزءًا من حركتها لطبقات الفراغ الباردة جدًا، التي بين الأفلاك، فبسبب هذا التبريد المستمر، مع طول الزمن الذي لا يمكن تعيين مدته، ولو على وجه التقريب، صارت الأرض سائلة بعد أن كانت غازية، فتناقص حجمها تناقصًا عظيمًا، وقد تقرر في علم رفع الأثقال، أن الجسم السائل المتحرك حركة رحوية، يكتسب شكلًا كرويًا، فبهذه الكيفية اكتسبت الأرض الشكل الكروي المميز لها، ولأغلب الأجسام السماوية، وليست الأرض منقادة لحركة دحوية فقط، بل لها حركة دوران على محورها أيضًا، يتكون منها تعاقب الليل والنهار، وقد ثبت في العلم المذكور، وثبت بالتجارب، أن الكتلة السائلة المتحركة، تنفتح نحو خط الاستواء، وتتفرطح نحو قطبها بسبب اختلاف القوة المركزية الطاردة، وبسبب هذه الظاهرة، لما كانت الأرض سائلة انتفخت نحو خط الاستواء، وتفرطحت نحو القطبين، فاستحالت من الشكل الكروي إلى شكل كرة مفرطحة نحو قطبها، واعلم ان انتفاخ الأرض نحو خط الاستواء، وتفرطحها نحو القطبين، دليل على أن الأرض كانت سائلة ابتداء، فإن الكرة الصلبة التي من العاج لا يتغير شكلها إذا دارت على محورها قرونًا، ومتى كانت

стр. 423

سائلة، أو شبه العجين، انتفخت نحو وسطها، أو تفرطحت نحو طرفي محورها. إذا علمت هذا، فاعلم أنه إذا تأمل العاقل في هذه اللطائف والعجائب، وافتقارها إلى هذه التدابير، اضطر قطعًا أن يعتقد بإثبات وجود الصانع الحكيم، المقتدر العليم، الذي جعل الأرض دائرة لاختصاصها من المخصص لها بالمنافع التي تصدر منها، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. واعلم: أنه تعالى ذكر أمر السماوات والأرض في كتابه في عدة مواضع، ولا شك أن إكثار الله تعالى من ذكرهما، يدل على عظم شأنهما، وعلى أن له فيهما أسرارًا عظيمة، وحكمًا بالغة لا تصل إليها أفهام الخلق ولا عقولهم. وكان الشيخ ضياء الدين عمر ﵀ يقول: إن لله تعالى في كل جوهر فرد، أنواعًا غير متناهية من الدلائل الدالة على القدرة والحكمة والرحمة، وذلك لأن كل جوهر يمكن وقوعه في أحياز غير متناهية على البدل ويمكن أيضًا اتصافه بصفات غير متناهية على البدل، وكل واحد من تلك الأحوال المقدرة، فإنه بتقدير الوقوع يدل على الافتقار إلى وجود الصانع الحكيم، والله أعلم. ولما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ذكر ما ينشأ عنهما، فقال: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ فـ ﴿اخْتِلَافِ﴾: افتعال من الخلف، وهو ما يقع من افتراق بعد اجتماع في أمر من الأمور، وقدم ﴿اللَّيْلِ﴾ لأنه الأقدم والأصل ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس: ٣٧] فالآية من الاحتباك، ذكر الخلق أولًا دليلًا على حذفه ثانيًا والاختلاف ثانيًا بناء على حذفه أولًا، وإنما أردف تعالى ذكر اختلاف الليل والنهار، لما ذكره من خلق السماوات والأرض، لأنه لما كان تقابل بينهما من جهة العلو والسفل، لاجرم نظم بهما اختلاف الأفقين اللذين فيهما ظهور مختلفي الليل والنهار، ليتريع اعتبارهم بين اعتبار الأعلى والأسفل، والمشرق والمغرب، فتقع شواهد

стр. 424

الإحاطة بهم عليهم في توحيد ربهم، وإرجاع ذلك إليه، دون أن يعزى ذلك إلى شيء من دونه، مما هو داخل في حصر موجود هذه الإحاطة، من المحيط الأعلى والمحيط الأسفل، والمحيط بالجوانب كلها، من ملبس الآفاق من الليل والنهار، خطاب إجمال يناسب مورد السورة، التي موضوعها إجمالات ما يتفسر فيها، وفي سائر القرآن من حيث إنها فسطاطه (١) وسنامه (٢). ثم اعلم أن النهار عبارة عن مدة كون الشمس فوق الأفق، وفي الفجر زيادة ما بين طلوع الفجر الصادق، إلى غروب جرم الشمس، وأما الليل فعبارة عن مدة خفاء الشمس تحت الأفق، أو بنقصان الزيادة المذكورة، وذلك أن الشمس إذا غابت ارتفع رأس مخروط ظل الأرض إلى فوق، فوقع الإبصار داخله إلى أن يظهر الضلع المستنير منه من جانب الأفق الشرقي، فيكون أول الفجر الكاذب إن كان الضوء مرتفعًا عن الأفق بعد، وأول الفجر الصادق إذا قرب من الأفق جدًا وانبسط النور، حتى إذا غاب رأس المخروط تحت الأفق، طلع مركز جرم الشمس في مقابله فظهر أن الليل والنهار كيف يختلفان، أي يتعاقبان مجيئًا وذهابًا. وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ [الفرقان: ٦٢] والمراد بقوله تعالى: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ ظلامًا وضياءً، أو طولًا وقصرًا، لأن زيادة أحدهما تستلزم نقصان الآخر، ضرورة كون مجموعهما أربعًا وعشرين ساعة، أو كيف يختلفان في الأمكنة، فإن نهار كل بقعة ليل بقعة تقابلها، ضرورة كروية الأرض، أو كيف يختلفان باختلاف البلدان، فإن البلد كلما ازداد عرضًا عن خط الاستواء، وهو الموضع المحاذي لمنطقة الفلك الأعظم، المسماة معدل النهار، ازداد نهاره في الصيف طولًا، وفي الشتاء قصرًا، وبالعكس

стр. 425

في الليل. وقد يرتقي طول النهار بحسب تزايد ارتفاع القطب، إلى حيث يعيد اليوم بليلته نهارًا كله، ثم إلى أكثر من ذلك، إلى حيث يكون نصف السنة نهارًا، ونصفه الآخر ليلًا، وذلك إذا صار قطب الفلك الأعظم محاذيًا لسمت الرأس، وكون الليل والنهار في أنفسهما آيتين على وجود الصانع ووحدانيته ظاهر، وكذا من جهة ارتباطهما بحركة النير الأعظم، وكذا من جهة انتظام أحوال العباد بهما بسبب طلب المعاش في الأيام، والنوم والراحة في الليالي. ومن جهة ثانية، لينظر العاقل كيف جعل الله الليل سكنًا ولباسًا، يغشى العالم فتسكن فيه الحركات، وتأوي الحيوانات إلى بيوتها، والطير إلى أوكارها، وتستجم فيه النفوس، وتستريح من كد السعي والتعب، حتى إذا أخذت منه النفوس راحتها وسباتها، وتطلعت إلى معاشها وتصرفها، جاء ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: ٩٦] بالنهار، يقدم جيشه بشير الصباح، فهزم تلك الظلمة ومزقها كل ممزق، وكشفها عن العالم فإذا هم مبصرون، فانتشر الحيوان، وتصرف في معاشه ومصالحه، وخرجت الطيور من أوكارها، فيا له من معاد ونشأة، دالان على قدرة الله سبحانه، وعلى المعاد الأكبر وتكرره، ودوام مشاهدة النفوس له، بحيث صار عادة ومألفًا منعها من الاعتبار به، والاستدلال به على النشأة الثانية، وإحياء الخلق بعد موتهم، ولا ضعف في قدرة القادر التام القدرة، ولا قصور في حكمته ولا في علمه يوجب تخلف ذلك، ولكن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وهذا أيضًا من آياته الباهرة، أن يعمي عن هذه الآيات الواضحة البينة من شاء من خلقه، فلا يهتدي بها، ولا يبصرها لمن هو واقف في الماء إلى حلقه، وهو يستغيث من العطش، وينكر وجود الماء، وبهذا وأمثاله يعرف الله ، ويحمد ويشكر. ولما ذكر تعالى ما أنشأه عن سير الكواكب في ساحة الفَلك - بفتح الفاء-، أتبعه سير الفُلك - بضم الفاء - في باحة البحر فقال: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾. ويقال من وجه آخر: لما ذكر الله تعالى جملة الخلق وجملة الاختلاف في
следующие страницы →