ولما حكى تعالى عن إبراهيم أنه بالغ في وصيته بنيه بالدين والإِسلام، ذكر عقيبه أن يعقوب وصى بنيه بمثل ذلك، تأكيدًا للحجة على اليهود والنصارى، ومبالغة في البيان، فقال:
﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣ - ١٣٤].
﴿أَمْ﴾ هنا منقطعة متضمنة معنى "بل"، ومعنى الهمزة فيها الإنكار، أي: بل ما ﴿كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾، والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أي: ما ﴿كُنْتُمْ﴾ حاضرين يعقوب ﴿إِذْ﴾ حضره ﴿الْمَوْتُ﴾، أي: حين احتضر، والخطاب للمؤمنين بمعنى: ما شاهدتم ذلك، وإنما حصل لكم العلم به من طريق الوحي. وقيل: الخطاب لليهود، وهو قول السدي، واختاره ابن جرير وغيره، وهو الأولى عندي، وذلك لأنهم كانوا يقولون: ما مات نبي إلا على اليهودية، إلا أنهم لو شهدوا وسمعوا ما قاله لبنيه وما قالوه، لظهر لهم حرصه على ملة الإِسلام، ولما ادعوا عليه اليهودية، فالآية منافية لقولهم، فكيف يقال لهم: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾؟ ولكن الوجه أن ﴿أَمْ﴾ متصلة على أن يقدر قبلها محذوف، كأنه قيل: أَتَدَّعون على الأنبياء اليهودية، ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾، يعني: أن أوائلكم من بني إسرائيل كانوا مشاهدين له، إذ أراد بنيه على التوحيد وملة الإِسلام، وقد علمتم ذلك، فما لكم تَدَّعون على الأنبياء ما هم منه برءاء، هذا ما قاله الزمخشري هنا، وحاصله: أنه جعل ﴿أَمْ﴾ متصلة، وأنه حذف قبلها ما يعادلها، واعترض عليه، وهذا بأنه لم يُجِزْ أَحَدٌ حَذْفَ هذه الجملة، ولا يحفظ ذلك لا في شعر ولا في غيره.
وهذا الاعتراض قاله أبو حيان في "البحر"، والقاضي عماد الدين الكندي في تفسيره المسمى بـ: "الكفيل" وزاد: أن "أم" المتصلة لا بد أن تقدر بـ "أيهما" أو "أيهم"، لأن المستفهم بها يجهل أحد الشيئين، فيريد تعيينه، وهذا مستحيل في
стр. 352
حق البارئ؛ ورده الدماميني في "شرح المغني" بأنه ما ادعاه من أن حذف المعطوف عليه هنا شاذ غير مقيس، لم أقف عليه إلا من جهته. وقد خرج جماعة على ذلك قوله تعالى: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ [البقرة: ٦٠] أي فضرب فانفجرت، ولم يتعقبه أحد من الأئمة فيما علمت، وقال ابن مالك في "التسهيل": ويغني عن المعطوف عليه المعطوف بالواو كثيرًا وبالفاء قليلًا، ولم يذكر وقوع ذلك مع "أم"، وقد نقل ابن هشام في "المغني" كلام الزمخشري، ولم يناقشه فيه بل أقره.
وقوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ أي: أي شيء ﴿تَعْبُدُونَ﴾، ولفظ ﴿مَا﴾ عام في كل شيء، ولو قيل: "من تعبدون" لم يعن إلا أولي العلم وحدهم، ويجوز أن يقال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ سؤال عن صفة المعبود، وهذه الوصية وهذا السؤال يدلان على أن شفقة الأنبياء على أولادهم كانت في باب الدين، وهمتهم مصروفة إليه دون غيره.
وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ يريد من بعد موتي، ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ عطف بيان لـ ﴿آبَائِكَ﴾، وجعل إسماعيل، وهو عمه من جملة آبائه لأن العم أب، والخالة أم، لانخراطهما في سلك واحد، وهو والإخوة لا تفاوت بينهما.
وقوله: ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾: بدل من ﴿إِلَهَ آبَائِكَ﴾، أو هو منصوب على الاختصاص، ومعناه: نريد بـ ﴿إِلَهَ آبَائِكَ﴾ إلهًا واحدًا، ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾، أي: منقادون خاضعون بالعبودية والطاعة.
تنبيه: حكى الرازي صاحب "المنتخب" أن هذه الآية تمسك بها فريقان:
إحداهما: المقلدون، قالوا: إن أبناء يعقوب اكتفوا بالتقليد، وهو لم ينكره عليهم، فدل أن التقليد كافٍ.
وثانيهما: التعلمية: قالوا: لا طريق إلى معرِفَة الله إلا بتعليم الرسول
стр. 353
والإمام، فإنهم لم يقولوا نعبد الإله الذي دل عليه العقل، بل قالوا: لا نعبد إلا الذي أنت تعبده، وآباؤك تعبده، وهذا يدل على أن طريق المعرفة التعلم.
وما ذهبوا إليه لا دليل عليه، لأن الآية لم تتضمن إلا الإقرار بعبادة الله، وهو لا يدل على أن ذلك ناشئ عن تقليد ولا تعليم، ولا أنه أيضًا ناشئ عن استدلال بالعقل، فبطل تمسكهم بالآية، وإنما لم تتعرض الآية للاستدلال العقلي لأنها لم تجئ في معرض ذلك، لأنه إنما سألهم عما يعبدونه من بعد موته؟ فأحالوه على معبوده ومعبود آبائه، وهو الله تعالى، فكان ذلك أخصر في القول من شرح صفاته تعالى، وأقرب إلى سكون نفس يعقوب، فكأنهم قالوا: لسنا نجري إلا على طريقتك.
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ﴾ إشارة إلى الأمة المذكورة التي هي إبراهيم، وما عطف عليه، وبنوهم الموحدون والمعنى: أن أحدًا لا ينفعه كسب غيره متقدمًا كان أو متأخرًا، فكما أن أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا، فكذلك أنتم لا ينفعكم إلَّا ما اكتسبتم، وذلك أنهم افتخروا بأوائلهم، وقد شايعهم في هذه الأمة أناس اتكلوا على الأنساب، وعملوا بأكثر ما حرمه الكتاب، وأبناء العلماء تركوا العلم وادعوا أن ولد العالم لا يكون إلا عالمًا، كأنهم يقولون بالتناسخ، ويزعم بعضهم أن أرواح آبائهم تمدهم وتلهمهم العلم إلهامًا بدون تعلم، وما أقبح هذه الدعوى وما أفظعها.
وقوله تعالى: ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ يدل على أن كسب كل واحد مختص به، ولا ينتفع به غيره، وهذا يدل على بطلان التقليد، كما قاله الرازي، إذ لو كان التقليد جائزًا لكان كسب المتبوع نافعًا للتابع، فكأنه قال: إني ما ذكرت حكاية أحوالهم طالبًا منكم أن تقلدوهم، ولكن لتنبهوا على ما يلزمكم، فتستدلوا وتعلموا أن ما كان عليه إبراهيم، وما عطف عليه من الملة هو الحق، وفي الآية رد على اليهود لأنهم يقولون: بأن صلاح آبائهم ينفعهم، ويقولون: إنهم يعذبون في النار لكفر آبائهم باتخاذ العجل.
ولما بين تعالى بالدلائل التي تقدمت صحة دين الإِسلام، حكى بعدها أنواعًا من شبه المخالفين الطاعنين في الإِسلام فقال:
стр. 354
﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
أي: أن اليهود ﴿وَقَالُوا﴾ لمحمد ﷺ ، ولأصحابه من المؤمنين: ﴿كُونُوا﴾ يهودًا. . ﴿تَهْتَدُوا﴾. وقالت النصارى: ﴿كُونُوا. . نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾، أي: تصيبوا طريق الحق، وهذا معنى قول ابن عباس، فيما رواه عنه ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، أن عبد الله بن صوريا الأعور قال لرسول الله ولأصحابه: ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتبعنا يا محمد تهتد، وقالت النصارى: مثل ذلك. فأنزل الله تعالى هذه الآية، فاحتج الله تعالى لنبيه بأبلغ حجة وأوجزها، وأكملها، وعلمها نبيه فقال: يا محمد قل للقائلين لك ولأصحابك هذا القول: تعالوا نتبع ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ التي أجمع جميعنا على الشهادة لها بأنها دين الله الذي ارتضاه واجتباه وأمر به، فإن دينه كان الحنيفية المسلمة، وندع سائر الملل التي نختلف فيها، فينكرها بعضنا ويقر بها بعضنا، فإن ذلك - على اختلافه - لا سبيل لنا إلى الاجتماع عليه، كما لنا السبيل إلى الاجتماع على ملة إبراهيم.
وهذه الدعوى التي ادعاها أولئك لم تزل دعواهم إلى يومنا هذا، وإلى ما بعده، ولكن اليهود لما لم يكن لهم شوكة، وكانت عادتهم البخل والشح لم يظهروها، وأما النصارى فإنهم يجاهرون بها، ويرسلون المبشرين لأجلها إلى الأقطار ويصحبونهم بالأموال الطائلة، ويفتحون المدارس في بلاد المسلمين لاتساع تلك الدعوى وبثها، ويؤلفون الكتب في الرد على القرآن وتزييفه على زعمهم، وفي الرد على الدين الإِسلامي، ويأخذون الخرافات التي حشاها جهلة المؤلفين في كتبهم، وينسبونها إلى الدين الإِسلامي طعنًا فيه، ويأتون من حشو أدمغتهم بالخرافات التي ليست من دين الإِسلام في شيء، فيقولون لهم: إن النصارى لم ترتق إلا بدينها، فلذلك عظمت دولهم، واهتدوا إلى الاختراعات العجيبة، وأما أنتم معاشر المسلمين، فإن دينكم هو الذي أخركم وجعلكم أحط الأمم قدرًا، وأعظمها فقرًا، فيروج ذلك على عباد الأوهام.
وأما من يدخل مدارسهم فيكون على ثلاثة أقسام:
стр. 355
قسم منهم وهو القليل يتمسك بدينه الإِسلامى، لكنه يكون متهاونًا بالعبادات وبالتكاليف.
وقسم منهم ينسلخ من الأديان كلها ويأخذ بالزندقة والإلحاد، ويعتقد أن الطبيعة هي الفعال المطلق، وأن لا إله في الوجود.
وقسم يميل إلى النصرانية ميلًا لا اتباعًا، فيكون مذبذبًا بين النطق بكلمة التوحيد، وبين الزندقة والنصرانية.
والذي نشهد الله عليه: أنه ما أضل مَنْ ضل إلا جهلةُ المؤلفين والمدرسين، وبعض أهل العلم الذين يلقون إلى العامة الخرافات التي لم يأت بها قرآن، ولا صح منها شيء عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابه، ولا عن التابعين لهم بإحسان، وإنما هي دسائس من الوثنين والنصارى واليهود، والزنادقة، وأهل التناسخ من القرامطة، ومن كان على شاكلتهم وخصوصًا القرامطة، فإنهم كانت لهم دولة، وكان لهم دعاة يلبسون دعوتهم لباس الفلسفة، ويبرزونها في صورة التصوف، ومن دعاتهم من كان واسع التخيل إما بطبعه، وإما باستعمال ما يعين على ذلك، كالحشيشة وأمثالها، فتجرؤوا على تفسير كتاب الله تعالى حتى أخرجوه عن موضوعه، وظهروا بمظهر الفقر والإرشاد، فراج مظهرهم على العوام، وعلى المغفلين من أهل العلم، فقلدوهم في ذلك وشرحوا أقوالهم، وزينوا بها مؤلفاتهم على زعمهم، وراموا اللحاق بمقامات زينها لهم الداعون، فماتوا ولم يصلوا إليها، لأنها خيال في خيال، لا حقيقة لها، حتى جرهم ذلك إلى القول بالاتحاد وطرح التكاليف الشرعية، وقالوا: إن العارف إذا وصل إلى مقام المعرفة سقط عنه التكليف، وما التكليف إلا حجاب بين العبد وبين ربه، وأن الله سبحانه حالٌّ في الأشخاص كلها وفي جميع الموجدات، فأنت هو، وهو أنت، فمن المكلف؟ ، هل تكلف ذاتُه ذاتَه؟ وهذا هو مقام المعرفة عندهم، لهذا المذهب في زمننا رواج عظيم، حتى عند المغفلين من أعاظم العلماء، فإذا كان النصارى كفروا بالتثليث فهؤلاء جعلوا آلهة لا يحصيها إلا الله تعالى، هؤلاء أولى بأن يقال لهم: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥]، قال الديريني الشهير بالدميري في "التيسير":
стр. 356
وقل حنيفًا مائلًا منعدلًا ... عن كل غي لم يزل معتدلا
أخذ ما قاله الزمخشري في "الكشاف": الحنيف: المائل عن كل دين باطل إلى دين الحق. وقال القفال: الحنيف لقب لمن دان بالإِسلام كسائر ألقاب الديانات، وأصله من إبراهيم ﵇.
وتضمنت هذه الآية معنى لطيفًا، وذلك كأنه سبحانه قال: إن كان المعول في الدين على الاستدلال والنظر، فقد قدمنا الدلائل، وإن كان المعول على التقليد، فالرجوع إلى دين إبراهيم وترك اليهودية والنصرانية أولى، وقوله ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ تعريض بهم وإيذان ببطل دعواهم اتباع إبراهيم، مع إشراكهم بقولهم: عزير ابن الله والمسيح ابن الله.
وقرأ الجمهور ﴿مِلَّةَ﴾ بالنصب، بإضمار فعل إما على المفعول، أي، بل نتبع ﴿مِلَّةَ﴾، وإما على الإغراء، أي: الزموا ﴿مِلَّةَ﴾، وقُرئ "مِلّةُ" بالرفع، على معنى أي: بل الهدى ملة، فتكون "ملة" خبرًا لمبتدأ محذوف، و ﴿حَنِيفًا﴾ حال من المضاف إليه، أو من المضاف، على جعل الـ ﴿مِلَّةَ﴾ بمعنى الدين، وعلى التقديرين فالحال لازمة.
ولما أجابهم تعالى بالجواب الجدلي أولًا، ذكر بعده جوابًا برهانيًا، فقال:
﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦].
وبيانه: أن الطريق إلى معرفة نبوة الأنبياء ظهور المعجزة عليهم، ولما ظهر المعجز على يد محمد ﷺ ، وجب الاعتراف بنبوته، والإيمان برسالته، فإن تخصيص البعض بالقبول، وتخصيص البعض بالرد يوجب المناقضة في الدليل، وأنه ممتنع عقلًا، فهذا هو الرد من قوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا﴾ الآية، ومعنى الإيمان المذكور هنا: هو أن نؤمن بأن كل واحد من تلك الشرائع، كان حقًا في زمن أتى به، لا أننا نؤمن بكل واحدة منها إذ هي منسوخة، واختلف في المخاطب بتلك
стр. 357
الآية، فقيل: إنه خطاب للنبي ﷺ ولأمته، وهذا قول الحسن، وجوز الزمخشري أن يكون خطابًا للكافرين، أي: قولوا لتكونوا على الحق، وإلا فأنتم على الباطل.
وفي قوله: ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ تعميم بعد تخصيص، وقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ معناه: لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى، أو المعنى: لا نقول: إنهم يتفرقون في أصول الديانات، و ﴿أَحَدٍ﴾ في معنى الجماعة، ولذلك صح دخول ﴿بَيْنَ﴾ عليه، إذ هو اسم عام تحته أفراد، وأما الأسباط فقال الخليل: السِّبْط في بني إسرائيل كالقبيلة في العرب، انتهى.
و﴿الْأَسْبَاطِ﴾ الحفدة، وهم حفدة يعقوب ﵇، وذراري أبنائه الاثني عشر.
وأنت إذا تأملت هذه الآية والتي قبلها، وجدتهما يشيران إشارة من ألطف الإشارات، ويلفتان إلى معنى من أدق المعاني، ويلوحان إلى أن النصارى واليهود وأمثالهما يدعون إلى دينهما، فلا تطعهما في دعواهما، واتبع دين الفطرة والاستدلال الذي هو دين إبراهيم ﵇، حيث استدل بالمصنوعات على الصانع، وذلك مما فطر كل كامل العقل عليه، فأفرد الحق تعالى بالوحدانية، وذلك دين لا يتغير بتغير الأزمان، ولا يختلف بتبدل الأمم واختلاف ألسنتها، ومجيء أمة بعد أمة، وهو الإيمان بالله تعالى إيمانًا خاليًا مما دسه المبتدعون، وتقوله المتقولون، والإيمان لما أنزله من الكتب إجمالًا، وبسائر أنبيائه ورسله الذين أوحى إليهم وأرسلهم إلى الأمم كلهم فإن الإيمان ببعضهم دون البعض، يوقع العالم في الشقاق المؤدي إلى انفراط المدنية الحقة، ويجر من آمن بالبعض إلى التعصب لمن آمن به، حتى يزعم أنه ليس على وجه البسيطة ناس غيره يستحق من الله الوحي إليه.
ولما كانت هذه الأمة أكمل الأمم دينًا بشهادة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] وأن الدين الذي هذا شأنه ينهض بصاحبه إلى الارتقاء في الفكر
стр. 358
والعمل، لا جرم أمر الله المؤمنين بقوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الآية، يدعوهم بها إلى أن يكونوا في مقدمة الأمم في إصلاح النوع الإنساني كله، الذي لم تبعث به أمة من الأمم قبلهم، بدليل قوله ﷺ : "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة" (١). فكل نبي من الأنبياء كان يبعث إلى إصلاح أمته، ونبينا بعث لإصلاح جميع الأمم، ولا يمكن ذلك الإصلاح إلا بالدين الفطري الأصلي، والتسليم لنبوة سائر أنبياء الله تعالى، من أي أمة كانوا، وفي أي زمان وجدوا.
وهذا المعنى كان نصب أعين الصحابة رضوان الله عليهم، فلذلك جدوا بما كانوا يجدون فيه، ولأجله كان انتهاء سائر الأديان إلى هذا الدين، كما ورد في الحديث: "لو كان موسى حيًا لما وسعه إلا اتباعي" (٢)، وهذا سر ما ورد من أنه ﷺ ، صلى بالأنبياء إمامًا ليلة المعراج، ولذلك كان هذا الدين هو النقطة الجامعة لكل الأمم على السواء، لأن مبناه الإيمان بالله، وهو بلا شك إله السماوات والأرض وما بينهما، والإيمان بسائر رسله الذين أرسلهم إلى الأمم، وعدم التعصب لنبي دون نبي، فأي عذر بعد هذا لهندي أو لصيني أو لإفريقي أو لأوربي، وغيرهم في عدم اتباعهم هذا الحق المبين، والبرهان الطاهر الظاهر، وأي حجة لهم في تعصب كل منهم لتصديق نبي دون نبي.
واعلم: أن من يلاحظ حالة الحياة الاجتماعية العمومية اليوم، ويحصل له إلمام باشتباك المصالح التجارية ببعضها، ويعلم مقدار تأثير الروابط الاقتصادية بين الأمم في وجود الاتفاق، والاتحاد بينها، يعلم تبعًا لذلك: أن ذلك التقرب سيكسر من شَرَه التعصبات الدينية الذميمة، ويمحو من بينهم تلك الأحقاد الاعتقادية الموروثة، ولا يمكن للإنسان أن يتخيل نقطة جامعة يرضى بها الكل على السواء، إلا بتصديق كل أمة بأنبياء جاراتها وبكتابها المنزل عليها، فما أبدع الإشارة بقوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الآية.
стр. 359
ولو أن العقلاء رجعوا إلى كتب الله المنزلة قبل القرآن، وجردوا وحيها الإلهي مما افتراه عليه أكثر الأمم من الخرافات وخلطوه به من أفكارهم مما لا ينطبق عليه، لوصلوا إلى الدين الفطري، النقي من الشوائب ولمّا كان الدين الإِسلامي الخالي من الخرافات، ومن تقولات الملحدين والمخدوعين بهذه المثابة صَحَّ أن يكون هو الناسخ لجميع الأديان قبله، وأنه لا ناسخ له على ممر الزمان، وأنه لا يأتي زمان إلا ويغرس الله تعالى فيه غرسًا ينفون عنه تقول الضالين، وإلحاد الملحدين، ولن تزال طائفة من أهله قائمة على الحق لا يضرها من خذلها، ولا من افترى عليها، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك.
ولما بين تعالى الطريق الواضح في الدين، وهو أن يعترف الإنسان بنبوة من قامت الدلالة على نبوته، وأن يحترز في ذلك عن المناقضة، رغّبهم بمثل هذا الإيمان، فقال:
﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧].
هذا من باب التبكيت لأن دين الحق واحد لا مثل له، وهو دين الإسلام ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، فلا يوجد إذن دين آخر يماثل دين الإِسلام في كونه حقًا، حتى إن آمنوا بذلك الدين المماثل له كانوا مهتدين، فقيل: ﴿فَإِنْ آمَنُوا﴾ فأتى بـ (إن) التي هي للشك على سبيل الفرض والتقدير، أي: ﴿فَإِنْ﴾ حصلوا دينًا آخر مثل دينكم، مساويًا له في الصحة والسداد، ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾، وفيه أن دينهم الذي هم عليه وكل دين سواه مغاير لدين الإِسلام، غير مماثل له، لأنه حق وهدى، وما سواه باطل وضلال، ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عما يقولون لهم، ولم ينصفوا فما ﴿هُمْ﴾ إلا ﴿فِي شِقَاقٍ﴾ أي: في مناوأة ومعاندة لا غير، وليسوا من طلب الحق في شيء، ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾، ضمان من الله لإظهار رسوله عليهم، وقد أنجز تعالى له الوعد في المواطن كلها، وأتى بالسين إشعارًا بأن ذلك كائن لا محالة، وإن تأخر إلى حين.
стр. 360
وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ وعيد لهم، أي: يسمع ما ينطقون به، ويعلم ما يضمرون من الحسد والغل، وهو معاقبهم عليه، ويصح أنه وعد لرسول الله ﷺ ، والمعنى: أن الله يسمع ما تدعو به ويعلم نيتك، وما تريده من إظهار دين الحق، وهو مستجيب لك وموصلك إلى مرادك.
ولما ذكر تعالى الجواب الثاني، وهو أن ذكر ما يدل على صحة هذا الدين، ذكر بعده ما يدل على أن دلائل ذلك الدين واضحة، فقال:
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٨].
الصبغة: الدين. وهو الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فإنها حِلية الإنسان، كما أن الصبغة حلية المصبوغ، والعرب تسمي ديانة الشخص لشيء واتصافه به: صبغة، قال بعض شعراء ملوكهم (١):
وكل أناس لهم صبغة ... وصبغة همدان خير الصبغ
صبغنا على ذاك (٢) أبناءنا ... فأكرم بصبغتنا في الصبغ
وقال الراغب: الصبغة إشارة إلى ما أوجده في الناس من بدائه العقول التي ميزنا بها عن البهائم، ورشحنا بها لمعرفته ومعرفة طلب الحق، هو المشار إليه بالفطرة، وسمي ذلك بالصبغة من حيث إن قوى الإنسان إذا اعتبرت جرت مجرى الصبغة في المصبوغ، فكأنه تعالى قال: إن دين الله الذي ألزمكم التمسك به، فالنفع به سيظهر دينًا ودنيا، كظهور حسن الصبغة.
والمعنى: أن الله يصبغ عباده بالإيمان، ويطهرهم به من أوساخ الكفر، فلا صبغة أحسن من صبغته، و ﴿صِبْغَةَ﴾ منصوب انتصاب المصدر المؤكد عن قوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ وقيل: عن قوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. وقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ
стр. 361
﴿عَابِدُونَ﴾ أي: خاضعون مستكينون له، غير مستكبرين عن اتباع أمره، والإقرار برسالة رسله، كما استكبرت الأمم غيرنا.
ولما كان ما تقدم مقام احتجاج بين المسلمين وأهل الكتاب، قال تعالى:
﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ [البقرة: ١٣٩].
أي: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لمعاشر اليهود والنصارى، الذين قالوا لك ولأصحابك: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾، وزعموا أن دينهم خير من دينكم، وكتابهم خير من كتابكم، لأنه كان قبل كتابكم، وزعموا أنهم من أجل ذلك أولى بالله منكم: ﴿أَتُحَاجُّونَنَا﴾؟ أتجادلوننا وتخاصموننا ﴿فِي﴾ شأن ﴿اللَّهِ﴾؟ وترون أنكم أولى بالله منا ﴿وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ بيده الخيرات، وإليه الثواب والعقاب، والجزاء على الأعمال: الحسنات منها والسيئات، فتزعمون أنكم أولى بالله منّا من أجل أن نبيكم كان وجوده قبل نبينا، وكتابكم قبل كتابنا، وربكم وربنا واحد، وإن لكل فريق منا عمل واكتسب من صالح الأعمال وسيئها ويجازى فيثاب أو يعاقب، لا على الأنساب، وقِدَمِ الدين والكتاب، وما جدالكم هذا إلا تعصب للقومية والجنسية.
ثمَّ قال: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ أي: موحدون، نخلصه بالإيمان، فلا تستبعدوا أن يؤهل أهل إخلاصه لكرامته بالنبوة.
ولما ذكر ، الاستفهام بقوله: ﴿أَتُحَاجُّونَنَا﴾ معاشر اليهود والنصارى؟ أردفه باستفهام آخر فقال:
﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٠].
كأنه قال: ﴿أَتُحَاجُّونَنَا. . أَمْ تَقُولُونَ﴾؟ وهذا على قراءة ﴿تَقُولُونَ﴾ بالتاء، وهي قراءة ابن عامر وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وقرأ الباقون بالياء
стр. 362
على أنه إخبار عن اليهود والنصارى، فعلى الأول يحتمل أن تكون ﴿أَمْ﴾ متصلة، وتقديره: بأي الحجتين تتعلقون في أمرنا؟ أبالتوحيد؟ فنحن موحدون، أم باتباع دين الأنبياء؟ فنحن متبعون، وأن تكون منقطعة بمعنى بل أتقولون؟ ! والهمزة للإنكار أيضًا، وعلى الثاني تكون منقطعة لانقطاع معناه، بمعنى الانقطاع إلى حجاج آخر غير الأول، كأنه قيل: أ ﴿تَقُولُونَ إِنَّ﴾ الأنبياء كانوا قبل نزول التوراة ﴿هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾؟ ولما كان قولهم هذا باطلًا، أورد الله هذا الكلام في معرض الاستفهام على سبيل الإنكار، والغرض منه الزجر والتوبيخ، وأن يقرر الله في نفوسهم، أنهم يعلمون أنهم كانوا كاذبين فيما يقولون.
وقوله: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ معناه: إن الله أعلم، وخبره أصدق، وقد أخبر في التوراة والإنجيل، وفي الفرقان على لسان نبيه محمد ﷺ : أنهم كانوا مسلمين مبرئين عن اليهودية والنصرانية، فأخبر تعالى بنقيض ما ادعوه، فإن قالوا ذلك عن ظن، فقد بان لهم خطؤهم، وإن قالوا ذلك عن جحود وعناد، فما أجهلهم وأشقاهم، فإن فائدة الكلام: إما التنبيه، وإما التجهيل.
وقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ إما أن يتعلق ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ بـ ﴿أَظْلَمَ﴾، فالمعنى: لو كان إبراهيم وبنوه، هودًا أو نصارى، ثم إن الله كتم هذه الشهادة، لم يكن أحد ممن يكتم شهادة أظلم منه، لأن الظلم من الأعدل أشنع، وإما أن يتعلق بـ ﴿كَتَمَ﴾، فالمعنى: لا أحد أظلم ممن عنده شهادة ثم لم يقمها عند الله، وكتمها وأخفاها منه، وإما أن يتعلق بـ ﴿شَهَادَةً﴾، كقولك: عندي شهادة من فلان، ومثله ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ١]، فالمعنى: ليس أحد أظلم ممن كتم شهادة عنده جاءته من الله، وفيه إشارة إلى أن المؤمنين لا يكتمون ما عندهم من الحق، وشهدوا لإبراهيم بالحنيفية، وتعريض بأن أهل الكتاب قد كتموا شهادات الله، فأنكروا نبوة محمد ﷺ ، وحنيفية إبراهيم، وغير ذلك من تحريفهم.
стр. 363
وقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ كلام جامع لكل وعيد، ومن تصور أنه تعالى عالم بسره وإعلانه ولا تخفى عليه خافية، وأنه من وراء مجازاته، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، لا تمضي عليه طرفة عين إلا وهو حذر خائف، ألا ترى أن أحدنا لو كان عليه رقيب من جهة سلطان يعد عليه الأنفاس، لكان دائم الحذر والوجل، مع أن ذلك الرقيب لا يعرف إلا الظاهر، فكيف بالرب الرقيب الذي يعلم السر وأخفى، إذا هدد وأوعد بهذا الجنس من القول؟
ولما حاج تعالى اليهود والنصارى في هؤلاء الأنبياء عقب ذلك الحجاج بقوله:
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
لتكون هذه الآية وعظًا لهم وزجرًا، حتى لا يتكلوا على فضل الآباء، فكل واحد يؤخذ بعمله، وإعلامًا لهم، بأنه متى لا يستنكر أن يكون فرضكم عين فرضهم، لاختلاف المصالح، لم يستنكر أن تختلف المصالح، فينقلكم محمد ﷺ ، من ملة إلى ملة.
وتدل الآية على أن كل إنسان مسؤول عن عمله، ولا عذر له في ترك الحق، إن توهم أنه متمسك بطريقة من تقدم، لأنهم أصابوا أو أخطؤوا، لا يضر هؤلاء ولا ينفعهم، لئلا يتوهم أن طريقة الدين التقليد.
وفي الآية زجر عظيم لمن جعل التقليد مذهبه، وسار مع قول مقلده كيفما كان، ثم إن أتاه الحق وظهر له الدليل أعرض عنه جانبًا، وراغ عنه، وأخذ يؤوله حسبما يريد، ويختار له هواه، ويسلك مسالك أولئك المعاندين، الذين قلدوا أحبارهم ورهبانهم فيما ابتدعوه لهم من الدين، ورتبوه لهم من المفتريات، ولما جاءهم الحق الذي لا مرية فيه وهو القرآن الكريم، أعرضوا عنه اتباعًا لقول أحبارهم ورهبانهم، كما أضل هؤلاء من سار سيرهم واتبع طريقتهم، فأعرض عن كتاب الله وسنة نبيه، وحرفه وبدله وساقه نحو هواه،
стр. 364
﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] وتكرير هذه الآية يدل، والله أعلم، على أنه متى اختلفت الأوقات والأحوال والمواطن، لم يكن التكرار عبثًا فكأنه تعالى قال: ما هذا إلا شر، فوصف هؤلاء الأنبياء فيما أنتم عليه من الدين، لا يسوغ التقليد في هذا الجنس، فعليكم بترك الكلام على إبراهيم وما عطف عليه من تلك الأمة، فلها ما كسبت، وانظروا فيما دعاكم إليه محمد ﷺ ، فإن ذلك أنفع لكم وأعود عليكم بكل خير، ولا تسألون إلا عن عملكم، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].
يقول الفقير عبد القادر بن أحمد بن مصطفى بدران:
إلى هنا انتهى بنا المجال على سبيل الاختصار، في تفسير الجزء الأول من كتاب الله تعالى، مع العجز والتقصير، وكنت ابتدأت به من قبل بسنين تعد بالسبع أو الثمان، فكتبت منه قطعة ثم منعتني عنه موانع، وصرفتني عنه أمور، منها اشتغالي بتهذيب تأريخ الإمام أبي القاسم علي ابن عساكر، الذي يربو تهذيبه عن الثلاثة عشر مجلدًا، ومنها بعض مؤلفات اقتضت الضرورة تقديمها، ومنها أشغال تشغل القلب وتعلّه، ليس هنا مواضع ذكرها، ثم لما فرغت من "تهذيب تأريخ ابن عساكر"، صرفت العناية نحو إتمامه حتى وقع الفراغ منه يوم الجمعة الحادي عشر من شهر شوال سنة خمس وثلاثين وثلاثمئة بعد الألف، أيام كانت نار الحرب مشتعلة في جميع أقطار المعمور، وغلاء ما يحتاجه الإنسان يفوق التصور، والأكدار تصب صبًا، وريح التقلبات يعلو على النكباء، فالله حسبنا ونعم الوكيل، وقد خطر لي أن أسمي الكتاب كله "جواهر الأفكار، ومعادن الأسرار، المستخرجة من كلام العزيز الجبار" أسأله تعالى الإعانة على إتمامه بفضله وكرمه.
يتلوه تفسير الجزء الثاني: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ الآية.
стр. 365
تفسير بدران الجزء الثاني من جواهر الأفكار ومعادن الأسرار المستخرجة من كلام العزيز الجبار
تأليف العبد الفقير لمولاه المنان عبد القادر بن أحمد بن مصطفى المدعو بابن بدران عفا الله عنه
стр. 366
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى.
أما بعد:
فأقول: لما بيّن الشبهة الأولى، التي ذكرها اليهود والنصارى طعنًا في دين الإِسلام، بيّن الشبهة الثانية، وذلك أنه لما كان ادعاؤهم أن أسلافهم على دينهم، لئلا تنتقض دعواهم، أن الجنة خاصة بهم، مع كونه فضولًا (١) لا سند له يثبت به شيء، محاولة لعدم جواز النسخ، وكان إبطال الله لقولهم، وعيبهم بما أحدثوا في دينهم، وتقريعهم به، ملزومًا لأن يكونوا أباحوا لأنفسهم منه ما منعوا خالقهم، وهو لا يُسأل عما يفعل، كانوا أسفه الناس. فعقبه بالتصريح بعيبهم، والتعجيب منهم في إنكارهم لنسخ القِبلة، وخفتهم بالاعتراض على ربهم، فقال واصلًا له بما قبله على وجه أعم:
﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢].
لأنهم إذا لم يكونوا يعلمون حقيقة ذلك، فلم يتبعوهم، فلا أقل من أن يكفوا عن غيّهم، فكيف وهم عالمون بأنه الحق؟
وسبب نزول هذه الآية، ما أخرجه البخاري في الصحيح، عن البراء بن عازب، قال:
لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، وكان رسول الله ﷺ يحب أن يتوجه نحو الكعبة، فأنزل الله:
стр. 367
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤]. فقال السفهاء من الناس - وهم اليهود -: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
قال في "الكشاف": فإن قلت: أيُّ فائدة في الإخبار بقولهم قبل وقوعه؟ قلت: فائدته أن مفاجأة المكروه أشد، والعلم به قبل وقوعه أبعد من الاضطراب إذا وقع، لما يتضمنه من توطين النفس، وأن الجواب العتيد قبل الحاجة إليه أقطع للخصم، وأردّ لشغبه، وقبل الرمي يراش السهم، انتهى.
وعلى هذا المنوال جرى علماء الجدل في مناظرة الخصم، حيث يقولون له: فإن قلت كذا، أو: إن الذي تعارضه بكذا، سيقول كذا، فجوابه كيت وكيت. وهي نكته بديعة أحسن ما يستدل على صحتها بهذه الآية.
و﴿السُّفَهَاءُ﴾: جمع سفيه، وهو الذي يعمل لغير دليل، إما بأن لا يلتفت إلى دليل، فلا يتوقف إلى أن يلوح له، بل يتبع هواه، أو يرى غير الدليل دليلًا، ويطلقُ لفظ السفيه على من لا يميز بين ما له وما عليه، ويعدل عن طريق منافعه إلى ما يضره، ولفظ ﴿السُّفَهَاءُ﴾ هنا عام شامل لأهل الكتاب ولغيرهم، كما يدل عليه قوله: ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ فيعم كل من قال ذلك، لأن الأعداء مجبولون على القدح والطعن، فإذا وجدوا مجالًا لم يتركوا مقالًا البتة.
وقولهم: ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾ أي: ما صرفهم ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ أكثر المفسرين على أن القبلة المذكورة هي: بيت المقدس، أي: ما صرفهم إلى الكعبة عن بيت المقدس، والقبلة ما يجعل قبالة الوجه، وقيل: إنهم قالوا: حينما ترك التوجه إلى الكعبة في الصلاة، وتحول إلى بيت المقدس، وفي ذلك إشارة، إلى أنه لما انقطعت حججهم، ألقوا هذه الشبهة إلى من اختدعوه من المنافقين، ولم يقدروا أن يواجهوا بها أحدًا ممن خالط الإيمان بشاشة قلبه، كما قالوا فيما تقدم: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ ونحوه، علمًا منهم بأن المحاج لهم عن المؤمنين من له الحجة البالغة، ولذلك جاء جوابهم استئنافًا لجواب من يقول: فما نقول لهم إذا
стр. 368
قالوا ذلك؟ فكأنه قال: الجواب: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾، أي: بلاد المشرق والمغرب والأرض كلها، ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ من أهلها ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وهو ما توجبه الحكمة والمصلحة من توجيههم تارة إلى بيت المقدس، وأخرى إلى الكعبة.
قال صاحب "البحر": قد أكثر المفسرون وغيرهم الكلام، في الحكمة التي كان لأجلها تحويل القبلة، بأشياء لا يقوم على صحتها دليل، وعللوا ذلك بعلل لم يشر إليها الشرع، قال: ومن طلب للوصفيات تعاليل، فأحرى بأن يقلَّ صوابه، ويكثر خطؤه.
وأما ما نص الشرع على حكمته، أو أشار، أو قاد إليه النظر الصحيح، فهو الذي لا معدل عنه، ولا استفادة إلا منه، انتهى.
وقد لاح لي احتمال في حكمة استقبال الكعبة على وجه الخطور بالبال، وهو أنه: لما كان مطلع شمس النبوة المحمدية من مكة، وكان هناك مبدأ الشريعة الأحمدية، ومشرق أنوارها، لا جرم أمر الله المؤمنين بالتوجه إلى تلك الجهة في أعظم عباداتهم، وهي الصلاة، ليكونوا متذكرين تلك النعمة فلا ينسونها، ويحمدون الله عليها بقولهم في افتتاحها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وليظلوا متذكرين أن هذا الدين المبين، من هناك نشأته، ومن تلك البقاع مبدؤه، فيزدادون حبًا لمن أتى به، على وجه يقتدون به في أفعاله وأقواله، والله أعلم.
ولما بين استقامة القبلة التي وجههم إليها، عرف أنها وسط لا جور فيها، فأتبع ذلك قوله:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
الكاف للتشبيه، و"ذا" اسم إشارة، والمشار إليه ما تضمنه قوله: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. أي: ومثل ذلك الجعل العجيب ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ شبه جعلهم أمة وسطًا، بجعلهم على الصراط المستقيم؛ أي: ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، مثل ذلك
стр. 369
الجعل العجيب الذي فيه اختصاصكم بالهداية, لأنه قال: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، فلا تقع الهداية إلا لمن شاء الله.
ويصح أن يكون المعنى: كما خصصناكم بالتوفيق لقبلة إبراهيم وملته، بذلك على من سواكم من أهل الملل، وكذلك خصصانكم ففضلناكم على غيركم من أهل الأديان، بأن ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، والـ ﴿أُمَّةً﴾ هي القرن من الناس، والصنف منهم ومن غيرهم، و "الوسط" العدل.
فقد أخرج الإمام أحمد والترمذي والنسائي والحاكم، وصححه عن أبي سعيد الخدري، أن النبي ﷺ قال في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾: ﴿عَدْلًا﴾ (١). ورواه ابن جرير عن أبي هريرة؛ ورواه الإمام أحمد والبخاري والترمذي، عن أبي سعيد مرفوعًا في حديث طويل، ورواه سعيد بن منصور، وابن ماجه والبيهقي في كتابه "البعث والنشور". وحيث صح هذا التفسير عن النبي ﷺ ، فلا يعدل عنه إلى غيره.
واحتج جمهور المعتزلة بهذه الآية، على أن إجماع الأمة حجة، قالوا: أخبر الله عن عدالة هذه الأمة وعن خيرتهم، فلو أقدموا على شيء وجب أن يكون قولهم حجة، والكلام على هذه المسألة مستوفى في فن أصول الفقه، وسمي العدل وسطًا لأنه لا يميل إلى أحد الخصمين؛ والعدل هو المعتدل الذي لا يميل إلى أحد الطرفين.
وقوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ الآية، معناه ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً﴾ عدولًا ﴿شُهَدَاءَ﴾ لأنبيائي ورسلي على أممها بالبلاغ، أنها قد بلغت ما أمرت ببلاغه من رسالاتي إلى أممها، ﴿وَيَكُونَ﴾ رسولي محمدًا ﴿شَهِيدًا﴾ عليكم بإيمانكم به، وبما جاءكم به من عندي، ويدل لهذا ما أخرجه الإمام أحمد،
стр. 370
وعبد بن حميد، والبخاري والترمذي والنسائي والبيهقي في "الأسماء والصفات" وغيرهم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "يدعى نوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم. فيدعى قومه، فيقال لهم: هل بلّغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد. فيقال لنوح: هل من يشهد لك؟ - وفي لفظ الترمذي - فيقال: من شهودك؟ فيقول: محمد وأمته، فيؤتى بكم تشهدون أنه قد بلغ. فذلك قول الله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ". قال: "والوسط، العدل". وفي رواية: "فتشهدون له بالبلاغ، وأشهد عليكم" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ورواه أحمد والنسائي وابن ماجه والبيهقي، عن أبي سعيد بلفظ: "يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، وأكثر من ذلك، فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلغكم هذا؟ فيقولون: لا. فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم. فيقال له: من يشهد لك. فيقول: محمد وأمته. فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم، فيقال: وما علمكم؟ فيقولون: جاء نبينا فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا" (١). فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ﴾ الآية.
وقد ورد أن الشهادة تكون في الدنيا كما تكون في الآخرة، فقد أخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وأبو داود الطيالسي، عن أنس قال: مروا بجنازة فأثني عليها خيرًا، فقال النبي ﷺ : "وجبت" كررها ثلاثًا، ومروا بجنازة فأثني عليها بِشَرّ، فقال: "وجبت" وكررها ثلاثًا؛ فسأله عمر، فقال: "من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًا وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض" (٢) قالها ثلاثًا. ورواه الحاكم وصححه، وزاد في آخره، ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ الآية.
أخرج أحمد وابن ماجه والطبراني والحاكم في "الكنى"، والدارقطني في
стр. 371
"الأفراد"، والحاكم في "المستدرك"، والبيهقي في "سننه"، عن أبي زهير الثقفي مرفوعًا: "يوشك أن تعلموا خياركم من شراركم" قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: "بالثناء الحسن، والثناء السيئ، أنتم شهداء الله في الأرض" (١).
وأخرج مسلم وأبو داود، عن أبي الدرداء مرفوعًا: "لا يكون اللعانون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة" والأحاديث في هذا المعنى ليس هنا محل استيعابها.
وحاصل ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ أنهم يتحملون الشهادة في الدنيا، لأنهم أثبتوا الحق، عرفوا عنده من القابل ومن الرادّ، ثم يشهدون بذلك يوم القيامة، كما أن الشاهد على العقود يعرف ما الذي تم وما الذين لم يتم، ثم يشهد به، ثم يشهد بذلك عند الحاكم، وأنهم يشهدون في الدنيا على نحو ما تقدم في حديث أنس. ومن ذلك أن شهادة المتميزين منهم بالعلم، الواصلين إلى رتبة الاجتهاد للحكم، تجعله حكمًا مجمعًا عليه، مبينًا الحق للناس، ويؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ لأن الإجماع لا ينعقد إلا بمستند من الكتاب والسنة، فيكون الرسول الجائي بهما شهيدًا عليهم، يعني: مؤديًا ومبينًا لمواقع الإجماع.
وقوله تعالى: ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي عدولًا، يشير إلى أن إجماع الفاسقين والمبتدعين لا يعد إجماعًا، ولا يعتبر في الإجماع إلا العدل العارف بما جاء به الرسول.
ولما أعلم تعالى بما سيقول السفهاء، وأوحى إلى نبيه ما يكون الجواب لهم، وبيّن سر تحويل القبلة، بيّن علة التوجه إلى قبلتين، فقال:
﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣].
стр. 372
فقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا﴾ معناه: ما شرعنا وما حكمنا القبلة التي كنت عليها، أي: كنت معتقدًا لاستقبالها؛ فقوله: ﴿الَّتِي﴾ وما بعده، ليس صفة للقبلة، وإنما هو ثاني مفعولي "جعل"، يريد ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ﴾ الجهة ﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾، الآية. وإلى هذا جنح "الزمخشري"، وتبعه "الرازي"، ولم يرضه صاحب "البحر". فجعل ﴿الْقِبْلَةَ﴾ المفعول الثاني، و ﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ المفعول الأول؛ و ﴿جَعَلْ﴾ بمعنى صيّر، وعلل ذلك بأن التصيير هو الانتقال من حال إلى حال، فالمتلبس بالحالة الأولى هو المفعول الأول، والمتلبس بالحالة الثانية هو المفعول الثاني؛ والمعنى على هذا التقدير:
﴿وَمَا جَعَلْنَا﴾ الكعبة ﴿الَّتِي﴾ كانت قبلة لك أولًا، ثم صرفت عنها إلى بيت المقدس قبلتك الآن، ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾.
وهنا إعرابات مختلفة، يختلف التفسير باختلافها، فلا محل للإطالة بها، وأيًّا ما كان فالكلام يقتضي وجهين:
أولهما: أن يكون بيانًا للحكمة في جعل الكعبة قبلة؛ وذلك لأنه ﵊ كان يصلي بمكة إلى الكعبة، ثم أمر بالصلاة إلى بيت المقدس بعد الهجرة، تأليفًا لليهود، ثم حول إلى الكعبة فيكون المعنى: وما رددناك إلى الكعبة إلا امتحانًا للناس وابتلاءً.
وثانيهما: أن يكون بيانًا (١) للحكمة في جعل بيت المقدس قبلة، فيكون المعنى: أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة، وأن استقبالك بيت المقدس كان أمرًا عارضًا لغرض، وهو امتحان الناس، ليظهر ﴿مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾، ومن لا يتبعه وينفر عنه.
ولذلك قال: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ أي: يرتد، فيدبر بعد إقباله منتكسًا ﴿عَلَى عَقِبَيْهِ﴾، علمًا متعلقًا بموجود تقوم به الحجة في مجاري عاداتكم، وقال الحرالّي: لنجعل عَلَمًا ظاهرًا على الصادق وغيره،
стр. 373
ليشمل العلم به من علم الغيب قبل كونه، وبعد كونه، ومن لا يعلم الغيب إلا عن علم بما ينبئ عنه نون الاستتباع، فهذا وجهه ووجه ما يرد من نحوه في القرآن والسنة، انتهى.
وأراد بنون الاستتباع: نون "نعلم" لأنها للمتكلم، و "من يستتبعه"، أي: من يكون معه، وقوله: "ووجه ما يرد إلخ"، أي: من مثل قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾ [ق: ١٦، الواقعة ٨٥] وكل ما أتى فيه بالنون الدالة على المتكلم وعلى غيره، وهذا جواب عما يقال: كيف؟ يقال: لنعلم، ولم يزل عالمًا بذلك؟
وحاصل الجواب: أن معنى ﴿لِنَعْلَمَ﴾، لنجعل علامة، مجاراة لكم على عادتكم، لأنكم لا تعلمون الشيء إلَّا بعلامة تدل عليه، وهو معنى حسن؛ وأجاب الزمخشري عنه بقوله: معناه لنعلمه علمًا يتعلق به الجزاء، وهو أن يعلمه موجودًا حاصلًا. انتهى.
ومعناه: أن الفعل قبل وجوده يستحيل أن يعلمه الله موجودًا، فقوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾، معناه: إلا لنعلمه موجودًا: وهذا التأويل مبني على أن علم الله بأن الشيء سيوجد، هل هو علم بوجوده إذا وجد؟ فيه خلاف مشهور عند المتكلمين محله كتب الكلام.
وهنا قول آخر، وهو: إنما قيل: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾، وهو بذلك عالم قبل كونه، وفي كل حال، على وجه الترفيق بعباده، واستمالتهم إلى طاعته، على حد قوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] وقد علم أنه "على هدى" وأنهم على ﴿ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾؛ ولكنه رفق بهم في الخطاب، فلم يقل: أنا على ﴿هَدَى﴾، وأنتم على ﴿ضَلَالٍ﴾، وكذلك قوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ والمعنى: إلا لتعلموا أنتم إذ كنتم جهالًا به، قبل كونه، فأضاف العلم إلى نفسه رفقًا بخطابهم، وهو معنى حسن.
هذا وقد تظاهرت الأخبار بأنه لما حُوّلت القبلة من بيت المقدس إلى
стр. 374
الكعبة، ارتد فيما ذكر رجال ممن كان قد أسلم، وأظهر كثير من المنافقين من أجل ذلك نفاقهم، وقالوا: ما بال محمد، يحولنا مرة إلى ها هنا ومرة إلى ها هنا؟ وقال المسلمون، فيمن مضى من إخوانهم المسلمين، وهم يصلون إلى بيت المقدس: بطلت أعمالنا وأعمالهم وضاعت. وقال المشركون: تحير محمد في دينه، وقال قائلون: لقد اشتاق الرجل إلى بلد أبيه ومولده، فكان ذلك فتنة للناس، وتمحيصًا للمؤمنين.
وعندي أن من جملة الحكمة في ذلك التحويل، تعليمنا قاعدة عظيمة من قواعد السياسة؛ وهي أن الأمير إذا أراد أن يختبر رعيته، أمرهم اليوم بأمر هو أمرهم قبل بخلافه، ولا سيما إذا كان الثاني مخالفًا لعادتهم ومألوفهم، يمتحنهم بذلك، ليعلم المطيع منهم، ومن كان مضمرًا للمخالفة. فقوله تعالى: ﴿لِنَعْلَمَ﴾ لم يرد حقيقة العلم لنفسه، وإنما أراد به التنزل في الخطاب، ليعلمنا أن السياسة في مبدئها تكون بالمساواة، فنزل سبحانه - تعليمًا لنا - نفسه منزلة المخاطبين، في كونهم لا يعلمون الأشياء إلا بعد كونها، لا أن المقصود أن هذا الشيء كان غائبًا عنه، ثم فعل ذلك ليعلمه، تعالى الله عن ذلك. وهذا يشير إلى المساواة تنزيلًا لا حقيقة، وفي هذا من الحكمة والنفع لنا، ما لا يعلمه إلا من أوتي فهمًا في كتاب الله تعالى، وفقهًا فيه، ألا ترى أنه تعالى لما أشار إلى هذا، انتقل إلى بيان شدة التحويل، على من أخلد إلى العادة بغلبة القوة الحيوانية البهيمية، ولم يتمرن في الانقياد للأوامر الإلهية على خلع وذل النفس، فقال: ﴿وَإِنْ كَانَتْ﴾ أي: الجعلة المشار إليها بقولنا: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ﴾ ﴿لَكَبِيرَةً﴾ أي: ثقيلة شاقة جدًا، لأن مفارقة الإلف بعد طمأنينة النفس إليه، أمر شاق جدًا.
ثم استنثى من أيده بروح منه وسكينة فقال: ﴿إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ أي: جعل الهداية في قلوبهم، فانقادوا لما هداهم إليه بنصب الأدلة؛ أي: إلا الثابتين الصادقين في اتباع الرسول، الذين لطف الله بهم، وكانوا أهلًا للطفه، ولما كان قبولهم لهذا الأمر، وثباتهم عند تغير الأحكام، إنما كان عن إيمان وعلم محيط، جعل الله أعمالهم وتوجههم إلى القبلة الأولى من الإيمان، فقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ
стр. 375
لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: المصرح به في قولكم: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ المشار إلى صدق الدعوى فيه، بقولكم: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ [البقرة: ١٣٩]، في شيء من الأشياء، لا في صلاتكم إلى القبلة الأولى، ولا في تمييز الصادق منكم من المنافق، بالامتحان بتغيير الأحكام من القبلة وغيرها، ولا في اختصاصكم به سبحانه، دون أهل الكتاب الجاحدين لآياته، الناكبين عن مرضاته، الناكثين لعهوده.
ولما نزه تعالى نفسه المقدسة عن هذه الإضاعة، علل ذلك بما هو أعم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ﴾ كلهم ﴿لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أي: راحم لمن يشاء ممن توصل إليه بعمل صالح، رأفة منه به.
وفرق القفال بين الرأفة والرحمة، فجعل الرأفة مبالغة في رحمة خاصة، وهي: دفع المكروه وإزالة الضرر، والرحمة: اسم جامع يدخل فيه هذا المعنى، ويدخل فيه الإفضال والإنعام، ولذلك فرق تعالى بينهما فقال: ﴿لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. فالرحيم أعمّ وأشمل من الرؤوف؛ والمعنى: إن الذين آمنتم به رؤوف رحيم، فكيف يضيع إيمانكم، وهو أيضًا باتصافه بهاتين الصفتين، لا ينقلكم من شرع إلى آخر، إلا والثاني أصلح لكم، وأنفع لكم في الدين والدنيا.
وقيل: عنى بالإيمان في هذا الموضع الصلاة، وذلك أنه لما حولت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، قال المسلمون: ليت شعري عن إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس، هل تقبل الله منا ومنهم أو لا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: صلاتكم، فسمى الصلاة إيمانًا؛ وهو قول: ابن عباس، والبراء بن عازب، وجماعة من التابعين. واعتمده البخاري في صحيحه، والترمذي في سننه.
ولما أشعر الكلام السابق أهل البلاغة بإحداث أمر في القبلة، فتوقعوا الخبر عن ذلك، وبين رأفته ورحمته بالناس عمومًا، بيّن ذلك برسوله، بأن تحويله إلى الكعبة رأفة منه به، ورحمة له، مع ما تقدم من فوائده فقال تعالى:
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ
стр. 376
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾.
في هذه الآية المصدرة بـ ﴿قَدْ نَرَى﴾ نبأ إسماع لمن يرتقب أمرًا أو خبرًا، يفيد ذلك النبأ مع المستقبل ندرة الوقوع، ففيه إعلام بأن النبي ﷺ ، لما انطوى ضميره على إرادة التوجه للكعبة، التي هي قيام للناس، حين كان هو رسولًا لكافة الناس، وكان على ملة أبيه إبراهيم، يكتفي بعلم الله به عن مسألته، لأن الدعاء للطالبين قضاء حاجة، وللمكتفين بعلم الله عبادة، أجاب الله: ﴿تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ على قلة وقوع ذلك منه، على ما تشعر به ﴿قَدْ﴾ بالتقليل، للتقلب وللرؤية للسماء، فيه إعلام بما جعله من اختصاص السماء بوجه الداعي، كما اختص غيب القلوب بوجهة المصلي، فالمصلي يرجع إلى غيب قلبه، ولا يرفع طرفه إلى السماء: "لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء في الصلاة، أو لتخطفن أبصارهم" (١) والداعي يتوجه إلى السماء، انتهى ملخصًا من كلام الحرالّي.
وفي الحديث عن البراء بن عازب، قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة صلى نحو بيت المقدس ستة أو سبعة عشر شهرًا، وكان يحب أن يوجه إلى الكعبة، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية. وكان يحب ذلك. . الحديث، رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح. ورواه سفيان الثوري، انتهى.
ورواه ابن ماجه أيضًا عن البراء، ولفظه: قال البراء: صلينا مع رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس ثمانية عشر شهرًا، وصرفت القبلة إلى الكعبة بعد دخوله المدينة بشهرين، وكان رسول الله ﷺ إذا صلى إلى بيت المقدس أكثر تقلب وجهه في السماء، وعلم الله من قلب نبيه أنه يهوى الكعبة، فصعد جبريل، فجعل رسول الله ﷺ يتبعه بصره، وهو يصعد بين السماء والأرض، ينظر ما يأتيه به، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية. . الحديث.
стр. 377
وهذا الحديث رواه الترمذي وإسحاق وابن ماجه، عن أبي إسحاق، عن البراء. وأبو إسحاق معدود في المدلسين، لكن قال الحافظ ابن حجر العسقلاني، في كتاب "الإيمان" من شرحه على البخاري، قد جاء سماع أبي إسحاق عن البراء في غير هذا الحديث، فلا ضعف فيه من تدليس أبي إسحاق. انتهى.
قلت: وإلى هذه النكتة أشار الترمذي إلى حسن هذا الحديث وصحته، ورواية ابن ماجه حكم عليها الحافظ بالشذوذ، وبيانه أن قوله: صلينا مع رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس، إلى آخره. يدل على أنه صرفت القبلة إلى الكعبة بعد دخوله المدينة بثمانية عشر شهرًا؛ وقوله: وصرفت القبلة إلى الكعبة بعد دخوله إلى المدينة بشهرين، يدل على خلاف ما أفادته الجملة الأولى، وذلك لأن صلاة البراء مع رسول الله ﷺ ؛ كانت بعد دخول رسول الله المدينة، إلا أن يقال: أراد بقوله: صلينا، الإشارة إلى صلاة الصحابة مطلقًا، ولو بمكة، وهذا مبني على أنه ﷺ ، وجه إلى بيت المقدس وهو بمكة، وكان على ذلك بعد دخوله المدينة بشهرين، ثم صرفت القبلة إلى الكعبة، وهذا خلاف المشهور بين الجمهور، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: كان قدومه ﷺ المدينة في شهر ربيع الأول بلا خلاف، وكان التحويل في نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح، وبه جزم الجمهور.
وبالجملة فهذه رواية شاذة مخالفة للروايات المشهورة في حديث البراء، فليس منها الجملة الثانية أصلًا. وقد حكم الحافظ على هذه الجملة بالشذوذ، وقال: هما من طريق أبي بكر بن عياش، وهو سيئ الحفظ، وقد اضطرب فيه، والجملة الأولى جاءت في بعضها على الشك بين ستة عشر أو سبعة عشر، وفي بعضها الجزم بسبعة عشر، وحديث الترمذي أخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
فقوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى﴾ مضارع بمعنى الماضي. وقد ذكر بعض النحاة: أنا ﴿قَدْ﴾ مما يصرف المضارع إلى الماضي في بعض المواضع، والتقلب: التحول والتصرف.
ويعني بقوله: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ نحو السماء وقبلها، والمعنى: قد رأينا تحول
стр. 378
وجهك، وتصرف نظرك في جهة السماء، ترغب نزول الوحي آمرًا لك بالتوجه في صلاتك إلى الكعبة، فقد أجبناك إلى ما ترغب فيه، وإنما كان يرغب ذلك لأن الكعبة قبلة إبراهيم أبيه، والتوجه إليها في الصلاة أدعى للعرب إلى الإيمان، لأنها مفخرتهم ومزارهم ومطافهم، ولمخالفة اليهود، وأيضًا فإنه أحب أن يحصل هذا الشرف للمسجد الذي في بلدته ومنشئه، لا في مسجد آخر، ليعلم أمته كيف تكون محبة الوطن، وأن كل فرد منهم ينبغي أن يفكر فيما يعود على محل تربيته ومنشئه بالخير والعمران، ويرغب في ذلك، كما يشير إلى هذا الآيات الحاثة على حسن الجوار، والأحاديث المرغبة فيه، وفي حسن المعاملة للأصحاب والخلان، وغالبًا يكونون من موضع المنشأ.
وفي قوله تعالى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ إذن في ذلك، ودرجه في جملة محاسن هذه الشريعة الغراء، فمن يرغب في ضرر وطنه، فهو من المخدوعين الذين لم يعلموا أسرار ما جاء به محمد ﷺ .
وقوله تعالى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ معناه: فلنعطينك ولنمكننك من استقبال ﴿قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾، تحبها وتميل إليها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها ووافقت مشيئة الله تعالى وحكمته، فلذلك قال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: الكعبة، قال الماوردي: كل موضع ذكر فيه المسجد الحرام، فالمراد الحرم، إلا هذا فالمراد به الكعبة. انتهى.
و﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ﴾، منصوب على الظرفية، أي: اجعل تولية الوجه تلقاء المسجد، أي: في جهته وسمته، لأن استقبال عين القبلة فيه حرج عظيم على البعيد، وذكر ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ دون الكعبة، دليل على أن الواجب مراعاة الجهة دون العين؛ قال أبو العالية: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ﴾ تلقاءه؛ وبه قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع والبراء، كما رواه عنهم ابن جرير وأبو داود في ناسخه، والبيهقي وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم وغيرهم، وقال ابن جرير: الشطر النحو والقصد والتلقاء، كما قال الهذلي:
стр. 379
إنَّ العَسِيرَ بها داءٌ مُخامِرُها ... فَشَطْرَها نَظَرُ العَيْنَيْنِ مَحْسُورُ (١)
يعني بقوله: شطرها، نحوها. وكما قال الراجز:
تَعْدُو بنا شَطْرَ جَمْعٍ وهيَ عَاقِدَةٌ ... قد كاربَ العَقْدُ من إيفادها الحَقَبا (٢)
وقال الشاعر أيضًا:
ألا من مبلغ عنا رسولًا ... وما تغني الرسالة شطر عمرو (٣)
أي: نحوه. وتقول العرب: هؤلاء القوم يشاطروننا، إذا كانت بيوتهم تقابل بيوتهم، وقال على شطره قبله.
ومن هنا نشأ اختلاف العلماء في المسألة؛ فذهب الحنفية والحنابلة والشافعي في أحد قوليه: إلى أن المصلي إن كان معاينًا للكعبة، ففرضه الصلاة إلى عينها، وهذا مما لا خلاف فيه؛ حتى قال الإمام أبو الوفاء ابن عقيل البغدادي من الحنابلة: إن خرج بعضه عن مسامتة الكعبة لم تصح صلاته، وإن كان بعيدًا عنها، ففرضه التوجه إلى الجهة، واستدل مالك في "الموطأ": على أن الفرض للبعيد الجهة، بما رواه عن نافع، أن ابن عمر قال: ما بين المشرق والمغرب قبلة إذا تُوجّه قِبَلَ البيت، وروي هذا عن عثمان وعلي وابن عباس، وما رواه مالك موقوفًا، رواه ابن ماجه عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: "ما بين المشرق والمغرب قبلة"، ورواه الترمذي وصححه. وقال ابن عبد البر: إنما تضيق القبلة على أهل المسجد الحرام، وهي لأهل مكة أوسع، ثم لأهل الحرم أوسع ثم لأهل الآفاق أوسع. انتهى (٤).
وبنوا على هذا أنه إن انحرف عن القبلة يسيرًا لم يُعد، ولكن يتحرى الوسط، وقال الشافعي في الرواية الثانية: الفرض إصابة العين.
وأجاب الأولون بأن الحديث: "ما بين المشرق والمغرب قبلة"، وبأنه لو
стр. 380
كان الفرض إصابة العين، لما صحت صلاة أهل الصف الطويل على خط مستو، ولا صلاة اثنين متباعدين يستقبلان قبلة واحدة، فإنه لا يجوز أن يتوجه إلى الكعبة مع طول الصف إلا بقدرها، فإن قيل: مع البعد يتسع المحاذي، قلنا: إنما يتسع مع تقوس الصف، أما مع استوائه فلا (١).
وشطر البيت نحوه وقبله، وأيضًا فشطر الشيء ما يقسمه نصفين؛ فكان المسجد الحرام إذا أخذ منه خط مستقيم إلى آخر نصف الكرة، وخط آخر إلى آخر نصفها الآخر فقد قسمها نصفين، كما يقسم الدائرة قطرها نصفين، ولا يلزم منه تساوي المقسومين في المقدار، ولا يفهم من كلام العرب الشطر بمعنى العين.
هذا وذهب ابن جرير الطبري إلى [أنْ] من ولّى وجهه شطر المسجد الحرام، هو المصيب القبلة، وإنما على من توجه إليه النيةُ بقلبه أنه إليه متوجه. انتهى، فكأنه جمع بين الأقوال، وهو جمع حسن.
قال أبو حيان في "البحر": واستدل مالك من قوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ على أن المصلي ينظر أمامه لا إلى موضع سجوده، خلافًا للثوري والشافعي والحسن بن حي: في أنه يستحب أن ينظر إلى موضع سجوده، وخلافًا لشريك القاضي: في أنه ينظر القائم إلى موضع سجوده، وفي الركوع إلى موضع قدميه، وفي السجود إلى موضع أنفه، وفي القعود إلى موضع حجره. انتهى.
قلت: والنظر إلى موضع سجوده هو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد، خلافًا لمالك كما علمته سابقًا، وما ذكره مالك حسن ظاهر من الآية.
ولما بشر تعالى نبيه بالتحويل أولًا، بقوله: ﴿قَدْ نَرَى﴾ الآية، وأوقع المبشر به ثانيًا بقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أشار إلى بشارة ثالثة بتكثير
стр. 381
أمته، ونشرهم في أقطار الأرض، فجمعهم إليه بقوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ من جهات الأرض ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ أي: في وقت صلاتكم، وهذا وإن كان عامًّا في الأشخاص والأحوال، إلا أن القرائن خصصته بالصلاة.
وقد ذكر كثير من المفسرين هنا أحكام استقبال القبلة، وخلاف الأئمة في ذلك، وإيراد الأدلة ونقضها، مما محله كتب الفروع والخلاف؛ وإننا لا نتعرض في كتابنا لهذا، ولكننا نذكر الأحكام المستنبطة من الآيات خاصة.
وحيث كان الأمر كذلك نقول: إن قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ يوجب الاستقبال، وقد ثبت عقلًا أنه لا سبيل إلى الاستقبال إلى الجهات إلا بالاجتهاد، وثبت بالعقل أن ما لا يتم الوجوب إلا به فهو واجب، لزم القطع بوجوب الاجتهاد، والاجتهاد لا بد وأن يكون مبنيًا على الظن، فكانت الآية دالة على التكليف بالظن، فثبت بهذا أن التكليف بالظن واقع في الجملة، ودلت الآية أيضًا على وجوب تعلم أدلة القبلة، وتلك الأدلة مذكورة في كتب أعمال الأسطرلاب والربع المقنطر والربع المجيب، والأعمال الهندسية، وأقرب الكل الآلة المعروفة ببيت الإبرة، فإنها كيفما وضعت انجذب طرف إبرتها إلى القطب الجنوبي والآخر إلى القطب الشمالي، فيحصل من ذلك معرفة الجهات الأربع، هذا إذا كانت غير معروفة بالخطأ، وهذه الطريقة يدركها العالم والجاهل، كما أن الساعة المعروفة في زمننا تعلم منها الأوقات، ويستوي الناس في معرفتها، ولشهرتها وكثرة إصابتها، أغنت عن أخذ الارتفاع بالربعين والأسطرلاب.
وهناك قاعدة للعالم بفن الميقات ، وهي أن يؤخذ الجزء الذي يسامت رؤوس أهل مكة، من فلك البروج، وهو (زيح) من الجوزاء، و (كج، ح) من السرطان، فيضع ذلك الجزء على خط وسط السماء في الأسطرلاب المعمول لعرض البلد، ويعلم على المرى علامة، ثم يدير العنكبوت إلى ناحية المغرب إن كان البلد شرقيًا عن مكة، بقدر ما بين الطولين من أجزاء الحجرة، ثم ينظر أين وقع ذلك الجزء من مقنطرات الارتفاع، فما كان فهو الارتفاع الذي عنده يسامت هذا الجزء رؤوس أهل مكة، ثم يرصد مسامتة الشمس ذلك الجزء، فإذا انتهى
стр. 382
ارتفاع الشمس إلى ذلك الارتفاع، فقد سامتت الشمس رؤوس أهل مكة، فينصب العامل مقياسًا، ويخط على ظل المقياس خطًا من مركز العمود إلى طرف الظل، فذلك الخط خط الظل، فيبنى عليه المحراب.
ثم إن قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ الآية، أمر لأمة محمد ﷺ ، لما تقدم أمره بذلك، أراد أن يبين أن حكمه وحكم أمته في ذلك واحد، مع مزيد عموم في الأماكن، لئلا يتوهم أن هذه القبلة مختصة بأهل المدينة، فبين أنهم في أيما حلُّوا من بقاع الأرض، وجب عليهم أن يستقبلوا شطر المسجد، ولما كان ﷺ هو المتشوق لأمر التحويل، بدا بأمره، ثم أتبع أمر أمته ثانيًا، لأنهم تبع له في ذلك، ولئلا يتوهم أن ذلك مما اختص به ﷺ ، ولما حرر ذلك وقرره، بيّن أن العائبين لدينه بذلك، من أهل الكتاب عالمون بحقية هذا التحويل، وأنه من أعلام نبوته، فقال: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ من اليهود والنصارى، ولم يصفهم هنا بالسفه لإثبات العلم في قوله: ﴿لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾ أي: هذا التحويل ﴿الْحَقُّ﴾، أي: ليس بعده في أمر القبلة حق آخر يرفعه أصلًا ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾، أضاف الرب إليهم تنبيهًا على أنه يجب اتباع الحق الذي هو مستقر، ممن هو معتن بإصلاحهم.
والمعنى: أن هؤلاء الأحبار والعلماء من أهل الكتاب، يعلمون أن التوجه نحو المسجد الحرام، هو الحق الذي فرض الله على إبراهيم وذريته، وسائر عباده بعده.
ثم إنه سبحانه جعل في سياق مُهَدِّدٍ لهم (١) مُرَجِّ له ﷺ ولأتباعه تسلية لهم، وتثبيتًا وتقوية لعزائمهم، وتمكينًا حيث ختم الآية بقوله:
وما الله بغافل عما تعملون قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي، بالتاء على الخطاب، فيحتمل أن يراد به المؤمنون، لقوله: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، ويحتمل أن يراد به أهل الكتاب، فيكون من باب الالتفات، ووجهه أن في خطابهم، بأن الله لا يغفل عن أعمالهم، تحريكًا لهم بأن يعملوا بما علموا من
стр. 383
الحق، لأن المواجهة بالشيء تقتضي شدة الإنكار، وعظم الشيء الذي ينكره، ومن قرأ بالياء، وهم الباقون، فالظاهر أنه عائد على أهل الكتاب، لمجيء ذلك في نسق واحد من الغيبة، وعلى كلتا القراءتين فهو إعلام بأن الله تعالى لا يهمل أعمال العباد، ويغفل عنها، وهو متضمن الوعيد.
ولما بين تعالى في الآية الأولى، أن الذين أوتوا الكتاب يعلمون أن هذه القبلة حق، بيّن بعد ذلك أن صفتهم لا تتغير في الاستمرار على المعاندة، فقال:
﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)﴾.
وهذا الكلام إنما هو تسلية للرسول ﷺ ، عن قبول أهل الكتاب الحق، بأنهم قد انتهوا في العناد، وإظهار المعاداة إلى رتبة لو جئتهم فيها بجميع المعجزات، التي تقتضي كل معجزة منها قبول الحق، ما تبعوك ولا سلكوا طريقك، وإذا كانوا لا يتبعونك مع مجيئك لهم بجميع المعجزات، فأحرى لهم أن لا يتبعوك إذا جئتهم بمعجزة واحدة.
والمعنى: ﴿بِكُلِّ آيَةٍ﴾ تدل على أن توجهك إلى الكعبة هو الحق، وأطلق ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، فقال جماعة: المراد جميع أهل الكتاب من اليهود والنصارى، علمائهم وعامتهم، والأولى أن يكون المراد بهم علماؤهم، الذين أخبر الله عنهم في الآية المتقدمة بقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ويدل على هذا الإيتاء المفهوم من ﴿أُوتُوا﴾، لأنه لا يكون حقيقة إلا للعلماء الذين يفهمونه ويبلغونه للعوام، فهم لهم تبع.
ودلت الآية على أن إعراضهم عن قبول هذا الدين، لم يكن لشبهة تزول بإيراد الحجة، بل هو محض المكابرة والعناد والحسد، وذلك لا يزول بإيراد الدلائل.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ حسم لأطماعهم إذا كانوا حاجوا في
стр. 384
ذلك وقالوا: لو ثبت على قبلتنا لَكُنّا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره، وطمعوا في رجوعه إلى قبلتهم.
وقوله: ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ يعني: أنهم مع اتفاقهم على مخالفتك، مختلفون في شأن القبلة، لا يرجى اتفاقهم، كما لا ترجى موافقتهم لك، وذلك أن اليهود تستقبل بيت المقدس، والنصارى مطلع الشمس، فأخبر عن تصلب كل حزب فيما هو فيه، وثباته عليه، فالمحق منهم لا يزل عن مذهبه لتمسكه بالبرهان، والمبطل لا يقلع عن باطله، لشدة شكيمته في عناده، خلا من أمن أهل الكتاب، فقوله: ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ أي: ما تبعوا ذلك.
وأشارت الآية: إلى أنهم وإن لم يؤمنوا بك، فإن كل طائفة منهم لا تتبع دين الطائفة الأخرى، فاليهودي لا يتنصر، والنصراني لا يتهود، فكل منهم إذا ترك دينه، إما أن ينتقل عنه إلى الإِسلام، وإما إلى الزندقة وطرح الأديان بالكلية، كما جرى منهم سابقًا، ونشاهده الآن في زمننا.
ثم لما كان دينهم قد نسخ، أعلم سبحانه بأن ثباتهم على قبلتهم مع ذلك مجرد هوى، فقال منفرًا للأمة عنهم، بخطاب الرأس، ليكون ذلك أدعى لقبول الأتباع:
﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ الآية، خصه بالنهي دون غيره، لما ذكرنا، ولأن كل من أنعم الله عليه أكثر، كان صدور الذنب منه أقبح، فكان أولى بالتخصيص، ولأن مزيد الحب يقتضي التخصيص بمزيد التحذير؛ وعلى كل، فهذا الكلام وارد على سبيل الفرض والتقدير، بمعنى: ﴿وَلَئِنِ﴾ اتبعتهم مثلًا بعد وضوح البرهان وحقيقة الأمر، ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، المرتكبين الظلم الفاحش.
وفي ذلك لطف للسامعين، وزيادة تحذير واستفظاع لحال من يترك الدليل بعد إنارته، ويتبع الهوى، وفي ذلك أيضًا تهييج وإلهاب للسامعين من المؤمنين على الثبات.
وقد دلت الآية: على أنه لا ينبغي لأحد من الأمة، مخالطة أهل الكتاب
стр. 385
واتباع أهوائهم وزيهم، والاقتداء بهم فيما كان هوى، وعلى أن توجه الوعيد على العلماء أشد من توجهه على غيرهم, لأن قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ يدل على ذلك.
ولما ختم الخطاب بالإشارة - بقوله: ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾ - إلى علمهم بحقية هذا التحويل تلويحًا، كما فتحه بالإعلام به تصريحًا، كرّر على تأكيد الإعلام بما هم عليه في أمرها من التحقق، إشارة [إلى] (١) ما يبطنونه من العناد الموجب للتمادي في الفساد، فقال مضمرًا له على وجه يصلح أن يكون للنبي- ﷺ ، معظمًا لهذه المعرفة بإسناد الإيتاء إليه:
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
قيل: ضمير ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ راجع إلى البيت الحرام، أي: يعرفون بأنه القبلة ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ وهو قول قتادة والربيع وابن عباس والسدي وابن زيد وابن جريج، ولم يذكر ابن جرير غيره. وذلك أن في الآية السابقة قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ثم قال: هنا يعرفونه، أي: ذلك الحق، ثم قال: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾.
وقيل: ضمير ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ عائد إلى رسول الله ﷺ ، أي: يعرفونه معرفة جلية، يميزون بينه وبين غيره، كما يعرفون أبناءهم، لا تشتبه عليهم أبناؤهم وأبناء غيرهم، وهذا قول ابن عباس؛ واختاره الزجاج والرازي، ورجحه التبريزي، وبدأ به في "الكشاف"، وجعل القائلون بذلك الآية من باب الالتفات، ورجحه الرازي بأن الضمير إنما يرجع إلى مذكور سابق، وأقرب المذكورات العلم المراد به النبوة في قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ فكأنه تعالى قال: إنهم يعرفون ذلك العلم الذي هو نبوتك، كما يعرفون أبناءهم، وبأن الله ما أخبر في القرآن أن أمر تحويل القبلة مذكور في التوراة والإنجيل، بل أخبر أن نبوة محمد ﷺ مذكورة
стр. 386
فيهما، فكان صرف هذه المعرفة إلى أمر النبوة أولى، [و] بأن المعجزات لا تدل أول دلالتها إلا على صدق محمد ﵇، فأما أمر القبلة، فذلك إنما يثبت لأنه أحد ما جاء به محمد ﵇، فكان صرف المعرفة إلى أمر النبوة أولى.
وأنت خبير بأن الحمل على هذا الوجه أولى، لأنه يتضمن الوجه الأول وزيادة، لأنهم إذا كانوا يعرفون الرسول بجميع نعوته، معرفة لا يشكون فيها، نتج عن ذلك معرفة تحويل القبلة بأنه حق، لأن الرسول لا يأتي إلا بالحق.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ﴾ أي: من أهل الكتاب، وإنما قال: ﴿فَرِيقًا﴾ ليخرج من آمن منهم، وليبقى الكلام متناولًا للمصرين على الكفر والعناد، ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ والحق المكتوم هنا: نعت الرسول، قاله قتادة ومجاهد؛ وهذا بناء على القول الثاني، أو التوجه إلى الكعبة، أو أنها القبلة، بناء على القول الأول، و"يكتمونه"، يخفونه ولا يعلنونه، ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنه حق وأنهم آثمون في كتمانه.
فهم ثلاثة أصناف: عارف ثابت؛ وعارف منكر - وهو أردؤهم - وكاتم لا حق به.
وقوله: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ معناه: يا محمد إن الحق ما أعلمك به ربك وأتاك من عنده ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ أي: من الشاكّين فيه وهذا الكلام الذي تخرجه العرب مخرج الأمر أو النهي للمخاطب به، والمراد به غيره.
ولما بيّن أن أحدًا من هؤلاء الفرق لا يتبع قبلة الآخر، وتضمن ذلك أن لكل منهم قبلة، وقرر أن ذلك من أهل الكتاب على وجه العناد، أثبت ما تضمنه الكلام السابق على وجه أعم منه، وسبب عنه النتيجة فقال:
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٤٨].
فقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ يحتمل أن يكون المعنى: ﴿وَلِكُلٍّ﴾ أهل ملة ﴿وِجْهَةٌ﴾، فحذف أهل الملة واكتفى بدلالة الكلام عليه، وبه قال ابن جريج وابن زيد، وابن عباس، والسدي، وتبعهم جماعة من المفسرين.
стр. 387
ويحتمل أن المعنى: ﴿وَلِكُلٍّ﴾ ناحية وجَّهك إليها ربك يا محمَّد قبلة، الله ﴿مُوَلِّيهَا﴾ عباده، وروى ابن جرير معنى هذا عن قتادة، ومسالك المفسرين من المتأخرين تحوم حول الأوّل. وقيل: المراد: ﴿لِكُلٍّ﴾ قوم من المسلمين ﴿وِجْهَةٌ﴾، أي: جهة [إلى] (١) الكعبة يصلي إليها، جنوبية، أو شمالية، أو شرقية، أو غربية، وهذا القول حسن لوجهين:
أولهما: قوله تعالى: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ يعني: الله ﴿مُوَلِّيهَا﴾، وتولية الله لم تحصل إلا في الكعبة، لا في غيرها.
وثانيهما: أن الله عقبه بقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ والظاهر أن المراد من هذه ﴿الْخَيْرَاتِ﴾، ما لكل أحد من جهة، والجهات الموصوفة بالخيرية ليست إلا جهات الكعبة.
وعندي (٢): أنَّه يجوز أن يكون المعنى على أعم من القبلة وغيرها، فيكون نظم الكلام: ﴿وَلِكُلٍّ﴾ من المذكورين وغيرهما ﴿وِجْهَةٌ﴾، أي: مقصد يقصده، ويوجه وجهه إليه، ويقبل بقلبه عليه، ﴿هُوَ﴾ تعالى مُوَلِّي تلك الجهة، والمولِّي لها مائل إليها بوجهه، مستقبل وتابع لها، لأن المادة تدور على الميل بكل ترتيب، وفيه إشعار باختلاف جبلات أهل الملل، وإقامة كل طائفة منهم بما جبلت عليه، وهذا المعنى ينطبق على الآيات السابقة، إذ علم ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾، وإعراضهم عنه ﴿وِجْهَةٌ﴾ وقصد لهم، وكونهم لو أتاهم ﴿بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا﴾ قبلته وكونهم ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، ولكنهم لا يظهرون ذلك كذلك.
ولما كانت الوجهة مختلفة، وكان منها الخير وغير الخير؛ قال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ أي: فاجعلوا أنتم مقصدكم أنواع الخير من القبلة وغيرها، وتسابقوا في قصدكم إليها، أي: كونوا في المبادرة إلى أفعال الخير كمن يسابق خصمًا، فهو يجتهد في سبقه.
ثم حثهم على ذلك، وحذرهم من تركه على وجه التعليل، فقال: ﴿أَيْنَ مَا
стр. 388
تَكُونُوا﴾ أي: من الجهات التي استبقتم إليها، الحسية والمعنوية، ﴿يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ يوم الجزاء، الموافق والمخالف فلا تعجزونه، ثم علل ذلك بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ففي هذه الآية حث المؤمنين على طاعته، والتزود في الدنيا للآخرة، وبها أيضًا وعد لأهل الطاعة ووعيد لأهل المعصية.
ولما عظم تعالى في شأن القبلة انتشار أقوالهم في تنويع شغبهم وجدالهم، وكانوا أهل علم وكتاب، وقد مرت لهم دهور وهم موسومون بأنهم على صواب، فاشرأب لذلك النفاق، ودارت رحى الباطل والشقاق وقامت سوق الفسوق فيما هنالك على ساق؛ كان الحال مقتضيًا لمزيد تأكيد في أمرها، تعظيمًا لشأنها، وتوهية لشبه السفهاء، قال تعالى ثانيًا معبرًا بعبارة مشعرة بإمامته ﷺ ، وانتظار المصلين له:
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)﴾.
حام المفسرون حول الحكمة في هذا التكرار في هذه الآية، وفيما قبلها، وغاصوا بحر معانيها لاستخراج تلك الدرة اليتيمة، وقد ذكر في الدخول عليها قريبًا ما منه يعلم ذلك.
وقيل: إنه لما كان للمصلي ثلاث أحوال؛ لأنه إما أن يكون في المسجد الحرام نفسه؛ أو يكون في مكة خارجًا عنه؛ أو يكون خارجًا عن البلد موجودًا في قطر من أقطار الأرض.
فالآية الأولى لبيان حكم الأول، والثانية للثاني، والثالثة للثالث.
وقيل: إنما أعاد الله ذلك ثلاث مرات، لأن كل مرة تعلق بها فائدة زائدة؛ وهي في الآية الأولى: بيان أن أهل الكتاب يعلمون نبوة محمد ﷺ ، وأن هذه القبلة حق لأنها قبلة إبراهيم ﵇، وهو الذي بني الكعبة ودعى لأهلها.
стр. 389
وفي الثانية: بيان أنه تعالى يشهد أن ذلك حق، وشهادة الله بكونه حقًا مغاير لعلم أهل الكتاب بكونه حقًا.
وفي الثالثة: بيان أنه إنما فعل ذلك لئلا يكون للناس عليكم حجة، فلما اختلفت الفوائد حسنت الإعادة ليترتب على كل معاد فائدة لم تكن في غيره.
وقيل: إنه تعالى لما قال في الآية الأولى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ ربما خطر ببال جاهل، أنه فعل ذلك إرضاء لنبيه، فكرر تعالى ما بعدها من الآيتين، فكأنه يقول في الأولى المكررة: نحن ما حولناك إلى هذه القبلة بمجرد رضاك، بل لأجل أن هذا التحويل، هو الحق الذي لا محيد عنه، فاستقبلها ليس لأجل الهوى والميل.
وكأنه يقول في الثانية: دوموا على هذه القبلة في جميع الأزمنة والأوقات، ولا تولوا، فيصير ذلك التولي سببًا للطعن في دينكم، بمعنى: أنها لن تنسخ في المستقبل.
ومحصل ذلك: أن كل آية من الآيات المكررات قرنت بفائدة لم تكن في التي قبلها، ولما كانت هذه الواقعة أول وقائع النسخ، حسن الإطناب فيها والتكرار، لأجل التأكيد والتقرير، وإزالة الشبهة وإيضاح البينات.
فقوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ معناه: ومن أي بلد خرجت للسفر ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إذا صليت، ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: هذا المأمور به ﴿لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، قرئ بالتاء وبالياء، ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ من بقاع الأرض للصلاة، ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، فذلك حتم لا فتور عنه ولا رخصة، إلا ما استثني في الأحاديث من صلاتي النفل والخوف.
ثم بيّن أن ذلك الحكم غير مختص به ﷺ ، بل هذا الفرض عليه وعلى أمته فقال: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ أيتها الأمة، من جميع أقطار الأرض الدانية والقاصية، ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، نحوه للصلاة، ففيه إشعار بلحظ صحة صلواتهم
стр. 390
فرادى، وفي بيوتهم، وفي المساجد، وفي الأبنية والصحراء، لا يختص ذلك بموضع دون موضع، إلا لعلة تمنع إيقاع الصلاة توجد في ذلك الموضع.
ولما كان ربما يظن، أن الرجوع إلى القبلة الأولى يزيل الكلام، بيّن سبحانه أن الأمر بخلاف ذلك، فقال: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ﴾ أي: لأحد منهم ﴿عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾، بأن يقولوا: النبي المبشر به يستقبل بيت إبراهيم ﵇، ثم لا ينحرف عنه، وهذا لم يفعل ذلك؛ أو يقولوا: ما جاء بشيء جديد، وإنما هو تبع لنا في قبلتنا، يعني: التي كان عليها، وهي استقباله بيت المقدس، ولما كانت الحجة كلامًا ينشأ عن مقدمات يقينية مركبة تركيبًا صحيحًا، وقع الاستثناء باعتبار تلبس المستثنى بجزء المعنى الذي نفي عن المستثنى منه بدلالة التضمن، فهو قريب من الاستخدام، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: الناس ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾، فإنهم لعنادهم ولَدَدِهم (١) لا يرجعون إلى الحق الذي يعرفونه، بل يكون لهم عليكم مجرد كلام هو مادة الحجة، لا حجة بما دلّ عليه، وصفهم بالظلم الذي هو وضع الشيء في غير محله، وبكون الاستثناء على هذا منقطعًا، بمعنى: ﴿لِئَلَّا﴾ يحتج أحد ﴿عَلَيْكُمْ﴾، لكن ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ يقولون، أو يظهرون فجورًا ولددًا في ذلك، كلامًا يسمونه حجة.
ويمكن أن يكون المراد بالـ ﴿حُجَّةٌ﴾، ما هو أعم من الدليل القطعي والظني، فيكون الاستثناء متصلًا، وحاصله: إن أريد بالحجة الدليل الصحيح، فالاستثناء منقطع، لأنهم ليس لهم دليل صحيح؛ وإن أريد بها الاحتجاج والخصومة، فالاستثناء متصل، والاتصال هو الذي نختاره.
ولما نفى عن أهل هذه القبلة بالثبات عليها كل سبيل، تسبب عنه قوله: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾ في هذا الأمر ولا في غيره، فإني أرد عنكم كيدهم، وأوهن أمرهم، ﴿وَاخْشَوْنِي﴾ فلا تخالفوا أمري، ولا تخالفوا ما رأيته مصلحة لكم، ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ وإرادتي اهتداءكم، أمرتم بذلك. فـ "لام" ﴿وَلِأُتِمَّ﴾،