والباطنة، والجلائل والدقائق، ومن كونه مالكًا للأمر كله في العاقبة يوم الثواب والعقاب، بعد الدلالة على اختصاص الحمد به، وأنه به حقيق في قوله: ﴿الحمد لله﴾، دليل على أن من كانت هذه صفاته، لم يكن أحد أحق منه بالحمد والثناء عليه بما هو أهله.
ولما استجمع الأمر استحقاقًا بالحمد، وتحبيبًا بصفة الرحمة، والترغيب بها، وترهيبًا بمالكيته يوم الدين، قال عادلًا عن أسلوب الغيبة إلى الخطاب، مقدمًا للوسيلة على طلب الحاجة، لأنه أجدر بالإجابة: ﴿إياك نعبد واياك نستعين﴾ وذلك أنه لما ذكر الحقيق بالحمد، وأجرى عليه تلك الصفات العظام، تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن، حقيق بالثناء، وغاية الخضوع والاستعانة في المهمات، فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات، فقيل: إياك يا من هذه صفاته، نخص بالعبادة والاستعانة، لا نعبد غيرك، ولا نستعينه، ليكون الخطاب أدل على أن العبادة له، لذلك التميز الذي لا تحق العبادة إلا به، فهذه نكتة أرباب المعاني، وأشار إليها في "الكشاف".
وللعدول عن الغيبة إلى الخطاب، نكتة تدق عن فهم أرباب المعاني، وهي: أنه أتى بالكاف إشارة إلى مقام الإحسان الذي أشار إليه النبي ﷺ بقوله، لما سئل عن الإحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم [تكن] تراه فإنه يراك" رواه البخاري عن أبي هريرة، ومسلم عن عمر بن الخطاب، ومعناه: أن يعبد المؤمن ربه في الدنيا على وجه الحضور والمراقبة، كأنه يراه بقلبه، وينظر إليه في حال عبادته، فإذا تحقق هذا المقام صح له أن يخاطبه بخطاب الحضور، فيقول: ﴿إياك نعبد واياك نستعين﴾، ويكون جزاؤه وراء ذلك، النظر إلى وجه الله تعالى عيانًا في الآخرة.
وأما الذين اتخذوا دونه حجب الوسائط، ورأوا سواه حين العبادة، وتمسكوا بأناس بجعلونهم أربابًا من دون الله، فيقولون: إن فلانًا يتصرف في ربع المعمور، وفلانًا يتصرف في بلدة، وفلانًا أُعطي قوة التصرف حيًا وميتًا، إلى غير ذلك من أحوالهم، فإن الران (١) يتراكم على قلوبهم حتى يحجبهم عن
стр. 37
معرفة الله، ومراقبته في الدنيا، وأنى تصح المعرفة والمراقبة لمن يعتقد التصرف في الكون لغير الله تعالى؟ أم كيف يحصل التجلي، لمن يعتقد أن ثَمَّةَ ضارًا ونافعًا، ورازقًا ومتصفًا بصفات الكمال غير الله تعالى؟ أم كيف يتجاسر بالكذب على الله تعالى فيقول: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ من جعل من دونه أولياء اغتصب صفات الله فجعلها لهم، إن هؤلاء قد خاطبهم تعالى بقوله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤].
إن العبد إذا عبد الله كأنه يراه ولا يرى سواه، بأن استحضر قربه، وأنه بين يديه، أوجب ذلك له الخشية والخوف، والهيبة والتعظيم، والنصح في العبادة، وبذل الجهد في تحسينها، وإتمامها، وإكمالها، فإذا لم يتيسر للمؤمن هذا المقام، فليجعل نفسه في المقام الذي هو أدنى منه، وهو ما أشار إليه ﷺ بقوله: "فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، وذلك أن الأمور في عالم الحس ثلاثة: معاصي، وطاعات، ومباحات المعايش، والسالك إذا علم أن الله يراه في جميع حالاته، فإذا همَّ بمعصية وتذكر رؤية الله له كف ورجع عنها بحصول البرهان الإحساني عنده، وذلك هو البرهان الذي رآه يوسف ﵇، وإذا كان في طاعة، وقام عنده البرهان بأن الله يراه، انجذب سره إلى الخضوع والخشوع، وإخلاص العمل. اللهم إلا أن يكون زنديقًا جاحدًا للربوبية جحدًا حقيقيًا كالزنادقة والدهريين. أو يكون من أرباب الوسائط الذين لا يعرفون الله، إلا معرفة تقليدية مشوبة بإقامة ما لا يحصى من الأرباب.
وإذا كان في مباحات المعايش استحيا أن يعطيها جهده، ثم هو ينسى ما أوجبه عليه خالقه ﵎، ألا ترى أن العبد إذا فكر في مواطن الآخرة، من موت، وقبر، وحشر وغير ذلك، وعلم أنه معروض على الله تعالى في ذلك ومواطنه، تهيأ لذلك العرض بزينة أهل الآخرة ما استطاع، وإذا علم أن سره موضع نظر الله وجب عليه تصفيته لمولاه، وإصلاحه وتصفيته مما يكره الله أن يراه، وينظر إليه في قلوب أوليائه، فيزيل الصفات المهلكات ويطهره منها, ويتصف بالمحمودات حتى يجعل سره كالمرآة المجلوة.
стр. 38
وأين هذه الدقائق ممن تركوا هذه الأذواق واستعانوا بغير الله، وشبهوه بخلقه فقالوا: إنا نرى السلاطين والأمراء لا نصل إلى خيرهم وبرهم إلا بواسطة الشفعاء، فكذلك الله لا يوصل إلى خلقه إلا بواسطة من ندعوهم. وهذا القياس فاسد، لأن من ذكروا من السلاطين والأمراء لا يسمعون نداء الداعين، ولا يعرفون المحق من المبطل، ولا المحتاج من غيره، إلا بواسطة مبلغ لهم، والله بخلاف ذلك فإنه يسمع السرّ وأخفى، و ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾ [غافر: ١٩] ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، فأتوا بسلطان هذه صفته، ولم تجعلوا له واسطة؛ وأتوا بميت يسمع نداءكم أينما كنتم، ثم هو يقدر على إنقاذكم مما ألم بكم من حزن وسقم، فيا لندمكم يوم تبلى السرائر، ويا لخجلتكم يوم العرض على رب العالمين، مالك يوم الدين، ويا لكذبكم حينما تقفون بين يديه، ثم تقولون: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
ما أبعدكم عن مقام المشاهدة حيث يعمل العبد على مقتضى مشاهدته لله تعالى بقلبه، وهو أن يتنور القلب بالإيمان وتنفذ البصيرة بالعرفان، حتى يصير الغيب كالعيان، ويصح قول الصادق ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بكاف الخطاب، ولم يحم حول قلبه حلول ولا اتحاد، فالعبادة نوع من الخضوع بلغ نهايته، فوصل العابد به إلى مقام الإحسان، فاستشعر قلبه عظمة للمعبود لا يعرف منشأها، واعتقد أن فوق قدرته سلطة لا يدرك ماهيتها وكنيتها، ولا يعرف منها إلا أنها محيطة به وهي فوق إدراكه.
والعبادة شرعت في كل الشرائع السماوية لتذكر بهذا الشعور، الذي هو منشأ التعظيم والخضوع المُؤثر في تقويم أخلاق القائم بها، وتهذيب نفسه، فكل عبادة خالية من هذا المعنى ليست بعبادة.
ولما كان هذا المعنى لا يتهيأ للعبد إلا بمعونته تعالى، ناسب أن يطلب ذلك من حضرة مولاه فيقول: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، مقرًا بالعجز واستشعار الافتقار والاعتصام بحوله وقوته، وتقديم المفعول للتعظيم والاهتمام به، والدلالة على الحصر، وأطلقت الاستعانة فلم تتقيد بالمفعول الثاني، كأن يقال: وإياك نستعين على كذا، لتتناول كل مستعان فيه، لأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب
стр. 39
مصالحه، ودفع مضاره، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول، ومن ترك الاستعانة بالله واستعان بغيره، وكله الله إلى من استعان به، فصار مخذولًا.
والاستعانة طلب المعونة التي هي سد العجز، والمساعدة على إتمام العمل الذي يعجز عنه المستعين بنفسه، ولذلك كان أهل الإيمان الكامل لا يطلبون ذلك إلا من القادر عليه كما أرشدهم الله إلى ذلك في كتابه المنزل على نبيه، ولكن أهل المقت أبوا أن يسمعوا لله تعالى، ومالوا إلى قوم من الموتى حسًا ومعنى، كالذين في قبورهم، أو معنى فقط كالأحياء الذين لا يقدرون على دفع الضر عن أنفسهم، فجعلوهم حجبًا ووسائط بينهم وبين الله تعالى، فاستعانوا بهم، وطلبوا منهم المساعدة على إتمام أعمال هم عاجزون عن إتمامها، فوكلهم الله إلى من يدعونه، وأبعدهم عن جناب القرب إليه.
نعم إنه قال: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، ولكنه ليس من جنس ما يفعله هؤلاء، لأن معنى هذه الآية أن نقوم بالأعمال جهدنا، ونبذل في إتقانها جهد المستطاع، جملة وفرادى، ويساعد بعضنا بعضًا، ثم نفوض الأمر فيما وراء كسبنا إلى حضرة القادر على كل شيء، ونلجأ إليه وحده ونطلب منه المعونة المتممة للعمل، والموصلة لثمرته. إذ لا يقدر علي الأسباب الممنوحة لكل البشر على السواء إلا هو تعالى، وأما الميت فأي معونة له للحي، وأيّ تصرف له مع الله تعالى، وأي معونة موصلة لثمرة الأعمال من حي سوى الله تعالى، فالعارف يحقق هذا المقام، ويعلم أن هذه الجملة ترشدنا إلى أن نعمل الأعمال النافعة، ونجتهد في إتقانها قدر وسعنا، لأن طلب المعونة لا يكون إلا على عمل قد بذل فيه المرء غاية جهده، فلم يوفّه حقه، أو يخاف من أن لا يحصل له النجاح به، فيطلب المعونة على إتمامه وإكماله، وهذا عدا عما أفاده الحصر من تخصيص الاستعانة به تعالى كما تقدم.
وأيضًا فيه تحرير العبد من رق الشيوخ الدجالين، والرؤساء الروحيين، الذين يزخرفون الأقوال، ويتقلبون في أنواع الخداع ليجعلوا البسطاء أرقَّاء لهم، فكأنه
стр. 40
تعالى يقول: إن المؤمن من لم تتوجه رغباته إلا إلى خالقه، فهو مع جناب الحق عبد خاضع، ومع الناس حر خالص.
ولما ابتدأ في هذه السورة بأسماء الذات، ثم دل عليها بأسماء الأفعال، ثم رقي إلى الصفات، ثم رجع إلى الذات إيماءً إلى أنه الأول والآخر، ثم ندب إلى اعتقاد العجز والاستشعار بالافتقار، والاعتصام بحوله وقوته اقتضى ذلك توجيه الرغبات إليه بالسؤال، فقال: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ قال علّامة خوارزم في "الكشاف": معنى طلب الهداية وهم مهتدون، طلب زيادة الهدى بمنح الألطاف، كقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧] ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] وعن علي وأُبيّ ﵄: (ثبتنا) (١)، وصيغة الأمر والدعاء واحدة، لأن كل واحد منهما طلب، وإنما يتفاوتان في الرتبة، انتهى.
وكلامه كلام مدقق، أخذ بمعصم البَلاغة، فانقادت إليه لكنّها لم تكشف له الحجاب عن جميل محيّاها، وإن شئت التمتع بنظرة من ذلك الجمال الباهر، فقل: إن آخر كل سورة له مناسبة وتعلق بأول السورة التي بعدها، وآخر سورة الناس التي هي آخر القرآن في الترتيب، له مناسبة بسورة الفاتحة التي هي أوله.
ولما طلب الله تعالى من عبده في سورة الناس الاستعاذة من شر الوسواس الذي يوسوس في صدور الناس، ثم عمم ذلك الموسوس، فقال: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ وقف العبد وقفة المنتبه، وعلم أن له أعداء من الجن والناس، لا يريدون منه أن يكون منفصلًا عنهم تاركًا لسبيلهم، فإذا رأوه على الصراط المستقيم، احتالوا كل لحظة في رجوعه عنه، وجدّوا في جذبه إلى طريق المغضوب عليهم والضالين، فهو ملعبة للأهواء، وللنفس الأمارة بالسوء، وأراد الخلاص من هذا الأمر الملم به، فلم يجد مرشدًا حقيقيًا إلا مَنْ أمره
стр. 41
بالاستعاذة به، والالتجاء إليه، فسأله عن كيفية التخلص قائلًا: يا من أفاض الإحسان على سائر الموجودات، إليك ألتجئ في عبادتي للتخلص ممن يريد صرفي عنها، وبك أستعين عليه. فأجاب تعالى طلبه، وقال له: قل في أكثر أحيانك: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾.
فكأنه يقول: إني كلما سلكت طريقًا من شأنه أن يوصلنا إلى رضاك، فوسوس لي الوسواس الخناس في العدول عنه، وزين لي غيره، فإنى ألتجئ إليك لتهديني إلى صراطك المستقيم، وحينئذ لا حاجة إلى أن يقال: إن من خصَّ الحمد بالله تعالى، وأجرى عليه الصفات المشتملة على أحوال المبدأ والمعاد وما بينهما، وحصر العبادة والاستعانة فيه كان مهتديًا، فكيف يطلب الهداية، والهدى مرجع الضال إلى ما ضل عنه.
و﴿الصراط﴾: الطريق الخطر السلوك لتشعبه، وكثرة الصادّين عنه، ولذا وصفه بـ ﴿المستقيم﴾، أي المستوي، وهو طريق الحق، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى]، وهذا تفسير للمستقيم، وقال لنبيه المصطفى ﷺ : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
ولما كان السائر على صراط الله لابد وأن يتحمل المشاق العظيمة، وتتسلط عليه أعداء الحق بنسبة النقائص إليه زورًا وبهتانًا، كما جرى ذلك للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما يعلمه من اطلع على تاريخ حياتهم، وعلى سيرة النبي ﷺ ، وكما جرى للصحابة والعلماء الذين صدعوا بالحق، وكان من جملة الهداية إلى الطريق المستقيم إرشاد الخلق إلى الحق، وكان فيه من المشاق ما يعلمه من اطلع على سيرتهم لا جرم وصف الله تعالى الصراط المستقيم بقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ليتأسى طالب الهداية بهم، إذا حصل له من أعدائه الضرر والرمي بالزور والبهتان، فيقول إذا أصيب بشيء: لي أسوة بالذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فيذهب عنه ما يجده من الوحشة والقلق، ويصبح نشيطًا منشرح الصدر، غير متوان عن قصده.
стр. 42
ثم إن بعض الحكماء جعل الهداية أربعة أقسام:
أولها: هداية الوجدان والإلهام الفطري، وهذه تكون للأطفال فإنهم عندما يولدون، يهديهم الله إلى الشعور بألم الحاجة إلى الغذاء، فيصرخ طالبًا الثدي بفطرته، فإذا وصل إليه امتصه والتقمه.
والثانية: هداية الحواس والمشاعر، هما من متممات الهداية الأولى في الحياة الحيوانية، وهذه يشترك فيها الإنسان والحيوان الأعجم، إلا أنها تكون للحيوانات العجم كاملة بالنسبة لاستعداده بزمن قليل، وتكون للإنسان بالتدريج في زمن غير قصير، وما ذلك إلا لأنه مستعد للوصول إلى الكمالات فلا يقف عند حد، فلذلك تزداد فيه كلما ازداد عقلًا وإدراكًا، إلا أن عقله أكثر نموًا منها، ولذلك كثيرًا ما يغلط الحس.
والثالثة: هداية العقل، وهي للإنسان، لأنه ما خلق ليعيش منفردًا، بل خلق ليعيش مجتمعًا، ولم يعط من الإلهام والوجدان ما يكفي مع الحس الظاهر لهذه الحياة الاجتماعية، كما أُعطي النحل والنمل، فكان كل واحد مؤديًا وظيفة العمل للجميع، ووظيفة العمل للواحد، كما هو مشاهد، فمن ثم أعطى الله الإنسان هداية هي أعلى من هداية الحس والإلهام، ألا وهي العقل المصحح لغلط الحواس والمشاعر، فإذا أدركت الحواس شيئًا وأخطات في إدراكها له، قام العقل حاكمًا بفساد ذلك الإدراك.
والرابعة: هداية الدين، وهي المهيمنة على الكل، لأن العقل قد يغلط أيضًا، وربما يهوي في دركات الزلل، لتسلط القوة الشهوانية عليه، وحكم العادة عليه أيضًا، فإذا وقعت المشاعر في مزالق الزلل، وصار العقل رفيقًا للحظوظ استنبط لها أنواع الحيل، واسترسل في ذلك استرسالًا يمنع الإنسان من أن يعيش سعيدًا، لأن هذه الحظوظ والأهواء ليس لها حدّ تقف عنده، ولا يمكن صاحبها أن يعيش منفردًا، فتستطيل يده بالتعدي على مال غيره وعلى نفسه، فتحصل المدافعة والمجادلة، والمواثبة، والحروب، والسلب والنهب، حتى يكاد الجنس
стр. 43
البشري يفني بعضه بعضًا، ولا تغني عنهم هدايات الوجدان والحواس شيئًا، فاحتاجوا إلى هداية ترشدهم في ظلمات أهوائهم إذا غلبت على عقولهم، وتبين لهم حدود أعمالهم ليقفوا عندها، ويكفوا أيديهم عما وراءها. ثم إن مما أُودع في غرائز الإنسان، الشعور بسلطة غيبية متسلطة على الأكوان، ينسب إليها كل ما لا يعرف له سببًا، لأنها هي الواهبة كل موجود ما به قوام وجوده، وبأن له حياة وراء هذه الحياة المحدودة، فهل يستطيع أن يصل بتلك الهدايات الثلاث إلى تحديد ما يجب عليه لصاحب تلك السلطة الذي خلقه وسواه، ووهبه هذه الهدايات وغيرها، وما فيه سعادته من تلك الحياة الثانية؟ كلا إنه في أشد الحاجة إلى هذه الهداية الرابعة التي هي الدين؛ وقد منحه الله تعالى إياها.
وبقي بعد هذا هداية خامسة، وهي الإعانة والتوفيق، والسير في طريق مع الهداية الرابعة التي هي الدلالة، وهي بمنزلة إيقاف الإِنسان على رأس الطريقين: المهلك والمنجي، مع بيان ما يؤدي كل منهما إليه.
ولما كان العبد محتاجًا إلى تلك المعونة في كل وقت، احتاج أن يطلبها دائمًا من حضرة مفيضها، قائلًا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ وتقدم أن المقصود من الصراط الأول، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والشهداء، والصديقين، وهذا الصراط وإن كان معناه مجملًا في الفاتحة، فهو مفسر في القرآن لمن تدبر معناه، بأن نتتبع تاريخ الأمم السابقة وننظر في أحوالها، فنعلم أسباب سعادتها فنتمسك بها، ونعلم أسباب شقاوتها، ودمارها، وفنائها، فنتباعد عنها لئلا يصيبنا ما أصابهم، وإلى هذا المعنى الإشارة بأن النبي ﷺ لما مر على ديار قوم ثمود أسرع وقال: "لا تمروا على هؤلاء القوم إلا وأنتم باكون" فليس الأمر بالبكاء للحزن عليهم، ولكن مخافة أن نسلك مسالكهم فيصيبنا ما أصابهم.
وحذف المنعَمَ به لحكمة بينها بقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤, والنحل: ١٨].
وإذا نظرنا إلى تفصيل هذا المجمل في أوائل سورة "البقرة"، تبين لنا أن الذين أنعم الله عليهم، هم: المتقون الموصوفون بالصفات المعلومة، وأن ﴿المغضوب
стр. 44
عليهم﴾ هم المشار إليهم بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١) الآيتين، وأن ﴿الضالين﴾ هم المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٢) الآيات؛ وذلك لأنهم ضلوا الطريق، فلا يعرفون كيف يسيرون، والمغضوب عليهم ساروا على الطريق المعوج، وهم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨ و ١٧١]، لم تنفعهم هداية الحواس شيئًا، ولم يريدوا هداية الدين، فخرجوا عن الحق مع العلم به، ورفضوا اتباعه ولم يتقبلوه انصرافًا عن الدليل، وساروا بسير الأسلاف وإن كانوا على غير هدى، فعمهم الله بآثار غضبه التي هي العقوبة والانتقام.
وأما الضالون فكانوا مع هؤلاء، ومع هؤلاء، أي: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النساء: ١٤٣].
وفي الآية إشارة إلى أن طريق المنعم عليهم واحد، منذ أرسل الله الرسل، إلى يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]: وأن طريق غيرهم متشعب متعدد كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وقيل: ﴿المغضوب عليهم﴾، هم: الذين ظهرت منهم المراغمة، وتعمد المخالفة الموجب للغضب من الأعلى، والبغض من الأدنى، و ﴿الضالين﴾: الذين وُجّهوا وجهة هدى، فراغوا عنها من غير تعمد لذلك.
وقول: "آمين" مأخوذة من الأمين، مدلولها أن المدعوّ مأمون منه أن يرد من دعاه، لأنه لا يعجزه شيء ولا يمنعه، وهي لا تصلح إلا لله، لأن ما دونه لا ينفك عن عجز أو منع.
стр. 45
تَفسير سُوَرة البقَرَة
روى المفسرون عن ابن عباس ﵄، أن هذه السورة نزلت بالمدينة، وهي أول ما نزل بها، ولا ينافي هذا ما قيل من أن قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ (١) الآية نزلت بمكة، لأننا نقول على تسليم هذا القيل: نعم، إنها نزلت بمكة، ولكن في حجة الوداع، وكان النبي ﷺ مقيمًا بالمدينة، غاية الأمر أنها نزلت في إحدى أسفاره؛ ومئل ذلك لا تحصل به المنافاة، وحصولها إنما يكون لو قيل: إنها نزلت بمكة قبل الهجرة، ومما يؤكد أنها مدنية اشتمالها على أوصاف المنافقين، وهم لم يظهروا إلا في المدينة، وبيان هؤلاء يظهر مما يأتي:
وهو أن النبي ﷺ ، لما أتى المدينة صار الكفار معه ثلاثة أقسام:
قسم صالحهم ووادعهم على أن لا يحاربوه، ولا يظاهروا عليه، ولا يوالوا عليه عدوه، وهم على كفرهم آمنون على دمائهم، وأموالهم.
وقسم حاربوه، ونصبوا له العداوة.
وقسم تاركوه، فلم يصالحوه، ولم يحاربوه، بل انتظروا ما يؤول إليه أمره وأمر أعدائه، ئم من هؤلاء من كان يحب ظهوره وانتصاره في الباطن، ومنهم من كان يحب ظهور عدوه عليه، وانتصاره، ومنهم من دخل معه في الظاهر وهو مع عدوه في الباطن، ليأمن الفريقين، وهؤلاء هم المنافقون الذين ذكر الله أوصافهم في أوائل هذه السورة، وهذا من جملة الأدلة على أن هذه السورة مدنية.
﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾.
стр. 46
ذهب المتكلمون في التفسير في كلامهم على ﴿آلم﴾ وأمثالها من فواتح السور مذهبين:
أَوَّلهما وأَوْلاهما: أن هذا علم مستور، وسر محجوب، استأثر الله تعالى بعلمه، فلا حظَّ للبشر من الوصول إلى حقيقته، إلّا أن يقولوا: الله أعلم بمراده بذلك، وإلى هذا أشار أبو بكر الصديق ﵁ بقوله:
"لله في كل كتاب سر، وسره في القرآن أوائل السور"، ونُقِل قريب من هذا عن علي كرم الله وجهه.
وأنت إذا رأيت ما بقي من التوراة والإنجيل، مما يغلب على الظن أنه غير مبدل وجدت فيهما رموزًا، منها ما أشير به إلى ما سيأتي بعد نزولهما، كالإعلام بنبوة النبي ﷺ ، ومنها ما استغلق معناه على أفهام أهله، فلا التفات لاعتراض بعض ما يدعي أتباعهما على القرآن، لأنهم إن قالوا ذلك قابلناهم بالمثل، أو نجيبهم بما قاله أهل المذهب الثاني، وهذا القول مروي عن أكابر الصحابة والتابعين.
وقد قال ابن عباس ﵁: "إن الحروف المذكورة في فواتح السور، عجزت العلماء عن إدراكها"، ويمكن أن يكون المروي عنه خلافَ هذا - من قوله: "الألف آلآء الله، واللام لطفه، والميم ملكه" - شيءٌ ابتدعه بعض القصاصين الكذابين ونسبه إليه، لأن ابن عباس لم يفسر القرآن في صحيفة، وإنما نقله عنه جماعة ممن كانوا ملازمين له، منهم الثقات كمجاهد وأضرابه؛ ومنهم غير الثقات كما أوضحناه في المقدمة (١).
فإن قال قائل: إن هذا المذهب يبطله العقل والنقل، لأنه لا يجوز أن يرد في كتاب الله ما لا يكون مفهومًا للخلق، فمن النقل قوله تعالي: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤] وقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]، والمحتج بذلك هم المتكلمون، قالوا: أمرهم في
стр. 47
الآية الأولى أن يتدبروا القرآن، ولو كان غير مفهوم لما أمرهم بتدبره، لأنه حينئذ تكليف بما لا يطاق؛ والآية الثانية تنفي كون القرآن غير مفهوم، لأنه لو كان كذلك لبطل كون الرسول منذرًا به، وإذا كان بلسان عربي مبين وجب أن يكون مفهومًا؛ ومما استدلَّ به المتكلمون من الأدلة العقلية قولهم: لو ورد شيءٌ في القرآن لا سبيل إلى العلم به، لكانت المخاطبة به تجري مجرى مخاطبة العربي باللغة الزنجية؛ ولما لم يجز ذلك فكذا هذا، وأيضًا إنما المقصود من الكلام إفهام المخاطب، فلو لم يكن الكلام مفهومًا لكانت المخاطبة عبثًا وسفهًا، وذلك لا يليق بالحكيم، وأيضًا فإن التحدي وقع بالقرآن وما لا يكون معلومًا لا يجوز وقوع التحدي به.
قلنا في الجواب: لا ينكر أحد أن الأفعال التي كلفنا الله بها قسمان:
أحدهما: ما عرفنا وجه الحكمة فيها على الجملة، كالصلاة التي هي تواضع محض، وتضرع للخالق؛ والزكاة التي هي سعي في دفع حاجة الفقير؛ والصوم الذي هو سعي في كسر الشهوة، وتذكر الجوع والعطش، ليتعلم الغني ما يقاسيه الفقير منهما.
وثانيهما: ما لا نعرف وجه الحكمة فيه، كأفعال الحج، فإن عقولنا لا تعرف وجه الحكمة في رمي الجمرات؛ والسعي بين الصفا والمروة؛ والطواف حول الكعبة؛ والوقوف على عرفات؛ وتقبيل الحجر الأسود.
فإذا كان هذا في الأفعال، وكان المقصود من أولاهما: أن فاعلهما لا يدل على انقياده بفعله، لاحتمال أنّه السنة، أتى بما أتى به لمعرفته وجه المصلحة فيه، ومثل هذا لا يكون دليلًا على الإخلاص بالعبودية، وكان المقصود من ثانيهما: دلالة الفاعل على كمال انقياده، ونهاية تسليمه، لأنه لما لم يعرف فيه وجه مصلحة ألبتة، لم يكن إتيانه به إلا لمحض الانقياد والتسليم، فلِمَ لا يجوز أن يأتي مثل ذلك في الأقوال، وهو أن يأمرنا الله تارة أن نتكلم بما نقف على معناه، وتارة بما لا نقف على معناه، ويكون المقصود من ذلك ظهور الانقياد والتسليم من المأمور للآمر؟
وفيه فائدة أخرى، وهي أن الإنسان إذا وقف على المعنى وأحاط به، سقط وقعه عن القلب، واذا لم يقف على المقصود مع قطعه بأن المتكلم بذلك أحكم
стр. 48
الحاكمين، بقي قلبه ملتفتًا إليه أبدًا، ومتفكرًا فيه أبدًا، وباب التكليف هو إشغال السر بذكر الله، والتفكر في كلامه، فلا يبعد أن يعلم الله، أن في بقاء العبد ملتفت الذهن، مشتغل الخاطر بذلك أبدًا، مصلحة عظيمة له، فيتعبده بذلك تحصيلًا لهذه المصلحة.
وثاني المذهبين: أن المراد بهذه الفواتح معلوم، ثم إنك تجد في تعيينهم لذلك المعلوم اختلافًا كثيرًا، وأقرب ما قالوه إلى القبول قولان:
أحدهما: أنها أسماء للسور، وهو قول النحاة، وقد أفرد لها سيبويه في كتابه بابًا في حد ما لا ينصرف، ولكن هؤلاء لم يقصدوا إلا البحث عن الإعراب، ولم يلتفتوا إلى جانب المعنى، ويرجع هذا القول القهقرى عند اعتراضك عليه، إذا وجدنا السور الكثيرة اتفقت في آلم وحم، فالاشتباه حاصل فيها، والمقصود من اسم العلم إزالة الاشتباه، وأيضًا لو كانت هذه الألفاظ أسماءً للسور، لوجب أن يعلم ذلك بالتواتر، لأن هذه الأسماء ليست على قوانين أسماء العرب، والأمور العجيبة تتوفر الدواعي على نقلها، لا سيما فيما لا يتعلق بإخفائه رغبة أو رهبة، ولو توفرت الدواعي على نقلها لصار ذلك معلومًا بالتواتر، وارتفع الخلاف فيه، فلما لم يكن الأمر كذلك، علمنا أنها ليست من أسماء السور، وأيضًا لو كانت أسماء لهذه السور، لوجب اشتهار هذه السور بها، لا بسائر الأسماء، لكنها إنما اشتهرت بسائر الأسماء، كقولهم سورة البقرة، وسورة آل عمران.
وثانيهما: ما ذكره المبرد، وجمع عظيم من المحققين: أن الله تعالى إنما ذكرها احتجاجًا على الكفار، وذلك أن الرسول لما تحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن، أو بعشر سور، أو بسورة واحدة، فعجزوا عنه، أنزلت هذه الحروف تنبيهًا على أن القرآن ليس إلا من هذه الحروف، وأنتم قادرون عليها وعارفون بقوانين الفصاحة، فكان يجب أن تأتوا بمثل هذا القرآن، فلما عجزتم عنه دل ذلك على أنه من عند الله لا من البشر.
وقوله: ﴿ذلك الكتاب﴾ ينحى في اسم الإشارة هنا طريقان:
أولها: ما تقدمت الإشارة إليه في سورة الفاتحة، وبيانه أنهم لما قالوا في الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخرها، صاروا كأنهم في حيرة وشوق
стр. 49
إلى بيانه وإيضاحه، وتوجهت رغبات السالكين في ذلك إليه تعالى، فبين لهم تعالى في أوائل السورة التي تليها، أن الهدى المسؤول عنه هو ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، ثم وصفه بأوصافه اللائقة به وبأنه ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، ثم ندد بالمرتابين، وبأنه ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، فكأنه قال: ذلك الصراط المستقيم الذي تطلبونه، هو هذا الكتاب.
وثانيهما: أن اسم الإشارة، راجع إلى ما نزل من القرآن، قبل نزول هذه السورة، وقد يسمَّى بعض القرآن قرآنًا مجازًا، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وقال تعالى حاكيًا عن الجن: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١)﴾ [الجن: ١] وهم لم يسمعوا إلا بعضه، والأقرب في إعراب هذه الجملة، أن يجعل ﴿ذا﴾ مبتدأ خبره ﴿الْكِتَابُ﴾، أي: ذلك الكتاب المنزل هو الكتاب الكامل، أو "الكتاب" صفته، والخبر ما بعده.
و حقيقة الريبة: قلق النفس واضطرابها، ومنه حديث الحسن بن علي مرفوعًا: "دع ما يريبك إلى ما لا يُريبك" (١)، ثم أطلق الريب على الشك لأنه يقلق النفس، ويزيل الطمأنينة، والمعنى: أن العاقل إذا تأمل براهينه السّاطعة، وآياته الواضحة، لا يبقى عنده ريب في أنه من عند الله تعالى، وأنه بالغ حد الإعجاز، وليس الأمر ههنا على سبيل الفرض، بل هو على سبيل القطع واليقين، فإن العرب مع بلوغهم النهاية في الفصاحة، عجزوا عن معارضة أقصر سورة من القرآن، وذلك يشهد بأنه بلغت هذه الحجة في الظهور، إلى حيث لا يجوز للعاقل أن يرتاب فيه، فالمقصود نفي الريب عنه في حد ذاته، لا نفي أن أحدًا لا يرتاب فيه، وهذا كقولك: إن العسل لا ريب في أنه حلو، فهو في حد ذاته حلو بلا ريب، ولكن قد يأتي صاحب فم مريض فيجده مرًّا، فتكون الآفة من الفم لا من العسل.
ثم إن قراءة نصب ريب التي هي المشهورة، توجب ارتفاع الريب بالكلية، لأن هذا التركيب يدل على نفي الماهية، ونفي الماهية يقتضي نفي كل فرد من أفرادها، لأنه لو ثبت فرد من أفراد الماهية لثبتت الماهية، وذلك يناقض نفي الماهية، والدليل
стр. 50
على أن المقصود نفي الريب في حد ذاته، لا على أن المقصود نفي أن أحدًا لا يرتاب فيه، ما سيأتي من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ (١) الآية، فإنه ما أبعد بها الريب عنهم، بل عرفهم الطريق الذي إذا سلكوه انزاح عنهم الريب، وهو أن يجتهدوا في معارضة أقصر سورة منه، ويبذلوا فيها غاية جهدهم، حتى إذا عجزوا عن المعارضة، تحقق لهم أن ليس ثم مجال للشبهة، ولا مدخل للريبة.
والوقف الصحيح على ﴿فيه﴾، فهي خبر لا النافية للجنس، و ﴿هدى﴾ خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو هدى، أي: أن الكتاب نفسه هدى، كما وصفه تعالى بذلك في مواضع من أنه نور وهدى، على طريقة التشبيه البليغ، ووضع المصدر الذي هو ﴿هدى﴾ موضع الوصف الذي هو هادٍ، وأتى به منكرًا، إشارة إلى أنه هديً عظيم لا يُكتنه كنهه، ولا تحيط العبارة به، والهدى هو: الدلالة مطلقًا سواء أوصلت إلى المطلوب أم لم تصل إليه، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]، ومعناه: دللناهم على طريق النجاة، فلم يتبعوه.
والتقوى: الخشية، وقد فسر الله المتقين بأوصافهم التي وصفهم بها في هذه الآية، فلا حاجة لذكر أوصاف لهم غيرها، لأنه ليس بعد بيان الله بيان.
وبهذه الآية أيضًا يفرق بين أولياء الرحمن، وأولياء الشيطان، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [يونس: ٦٢] ثم بيَّن مجمل وصفهم بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس: ٦٣] وأجمل وصفهم أيضًا مع الحصر، بقوله: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] ومن المعلوم أن النفي إذا جاء بعده الاستثناء أفاد الحصر، فيكون المعنى: ليس أولياؤه إلا المتقين، ثم بيّن ذلك المجمل هنا بقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] فدل أنه لا يكون العبد وليًا حتى يتصف بهذه الصفات، فإن حاد عنها، كان من أولياء الشيطان لا من أولياء الرحمن.
وجازف بعض المدعين للولاية في زمننا، فقال: هذا وصف للولاية العامة، وفقها ولاية أعلى خاصة. فقلنا له: إن أردت التفاوت في درجات الإيمان
стр. 51
بالغيب، وبما بعده، وبعبارة أخصر، إن أردت التفاوت في درجات التقوى، فهذا صحيح، لأن التقوى لها درجات بعضها أعلى من بعض، قال تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] وإن أردت غير ذلك من أنواع الزندقة، ككون الولي هو من يتصرف في الكون كيف شاء، وأنه أعلى مقامًا من الأنبياء والرسل، وأنه يشارك الله في أفعاله المنفرد بها، فقد خالفت صريح الكتاب العزيز، وافتريت على الله وعلى رسله وأنبيائه، وأتيت بصفة لا يوجد أحد في الكون متصف بها، فأنكرت الولاية من حيث هي، لأن وجود شخص بأوصاف مستحيلة مستحيل، وسجلت على نفسك بالكذب لأنك تدعي الولاية، ولم تتصف بشروطها التي وصفت، وكذلك ادعيت الولاية لبعض من تعتقدها فيهم عندك، ثم إنك نفيتها عنهم بشروطك التي اشترطتها، فما أشد انسلاخك عن العلم، وغرقك في بحر الجهل، فارتد مبهوتًا.
وفي قوله: ﴿هدى للمتقين﴾ إشارة إلى أنهم المهتدون به، والمنتفعون بنصبه، وإن كانت دلالته عامة لكل ناظر فيه من أفراد البشر، كما قال تعالى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ (١)، فالناظرون فيه، منهم من يكون على قلبه غطاء التعامي المورث عن الآباء والأجداد، أو يكون منطمس البصيرة، لا يفقه الحق ولا يمكنه أن يرجع إليه، فهؤلاء لا يهتدون به، وإن كان هو في الحقيقة هدىً، ومنهم من منّ الله عليه بصقال العقل، فاستعمله في تدبر الآيات، والدلائل، والنظر في المعجزات، وتعرف النبوات، فجعل هذا الكتاب إمامًا له، وهاديًا في كل طريق يريد سلوكه، وكلما أشكل عليه أمر في سيره رجع إليه، فاقتبس من أنواره، فكان له كالغذاء الصالح لحفظ الصحة.
فالدواء المذكور، كما أنه يحفظ صحة الجسم، كذلك الهداية والعرفان المستفادان من القرآن، كل منهما صالح لحفظ صحة الروح، وكما أن الدواء المذكور لا يجلب نفعًا إلا إذا كانت الصحة حاصلة، كذلك هدى القرآن، لا ينفع إلا إذا كانت العقول سليمة، وأما العقول المريضة، فإن دواء الصحة لا ينفعها، وإلى هذا السر أشار تعالى بقوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ
стр. 52
وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢].
ولما كان المراد بالمتقين هم الذين جبلوا على التقوى من أصل الخلقة، وأنهم هم الذين يهتدون به ولا يرتابون بيّن أوصافهم، بقوله:
﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾.
أي يصدقون بالأمر الغائب الذي لا ينفع في الإيمان غيره، وهو قسمان:
قسم لا دليل عليه، وهو المعني بقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] وقسم نصب عليه دليل، كالصانع وصفاته، واليوم الآخر وأحواله، فيصدقون بكلا القسمين مما لا يدركه الحس، ولا تقتضيه بديهة العقل، لأن الله ورسوله أخبرا بذلك، تصديقًا حقيقيًا ليس كتصديق المنافقين الذين يقولون بأفواههم ما ليس بقلوبهم. وقوله:
﴿ويقيمون الصلاة﴾ يديمون فعلها من غير خلل في أركانها وشروطها، وهذا كقولهم فلان قيم بأرزاق الجند، ولا يوصف بذلك إلا إذا أعطى الحقوق من غير بخس، وفيه إشارة إلى أن الحقيق بالمدح، من راعى حدودها الظاهرة من الفرائض والسنن، وحقوقها الباطنة من الخشوع والإقبال على الله تعالى، لا المصلون الذين هم عن صلاتهم ساهون، ولذلك ذكر في سياق المدح: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٦٢]، وفي معرض الذم: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ [الماعون: ٤، ٥].
ولما ذكر وصلة الخلق بالخالق، وكانت النفقة مع أنها أعظم دعائم الدين صلة بين الخلائق، أَتبَعَها بها تنبيهًا بـ ﴿مِن﴾ التي للتبعيض، على النهي عن الإسراف، وعلى طيب النفقة، لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وآمرًا بالورع وزاجرًا عما فيه شبهة فقال:
﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ أي: ومما مكناهم من الانتفاع به على عظمة
стр. 53
خزائننا، وهو لنا دونهم، ينفقون في مرضاتنا، مما هو لازم لهم، من الزكاة، والحج، والجهاد، والنفقات الواجبة، ومما يتطوعون به من الصدقات وغيرها؛ والمراد من هذه الأفعال، إيجاد حقائقها على الدوام، لأن المضارع، وهو قوله: ﴿ينفقون﴾ هنا، قد لا يلاحظ به زمان معين، من حال أو استقبال، فيدل إذ ذاك على الاستمرار، قاله: "أبو حيان" في تفسيره في سورة الحج. وعمم بعض المفسرين في قوله: ﴿ومما رزقناهم﴾ فجعله شاملًا لجميع النعم الظاهرة، كالمال، والباطنة كالعلم، والجاه وحسن الأخلاق، فقال: ومما خصصناهم به من أنواع المعرفة، يفيضون على غيرهم. وهو معنى حسن وتعميم لطيف.
ولما وصفهم بإيمان جملة، أشار إلى بعض تفصيله على وجه يدخل فيه أهل الكتاب دخولًا أوليًا فقال:
﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.
الإيمان إذا عدي بالباء كان معناه التصديق، وهنا يراد به التصديق مع المعرفة، لأنه خرج مخرج المدح، والمصدق مع الشك، ولا يؤمَنُ أن يكون كاذبًا، فهو إلى الذم أقرب، والآية متصلة بما قبلها اتصال الصفات بعضها ببعض، والصفات إذا تكررت جاز توسط العاطف بينها، قال الشاعر:
إلى الملك القَرْمِ وابنِ الهمام ... وليثِ الكتيبة في المزدَحَمْ (١)
فعطف الصفات بالواو، والمعنى: أن المتقين هم الجامعون بين تلك الصفات، وعلى هذا، فهذه الآية بيان للإجمال الواقع في قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، لأن الايمان بالكتب المنزلة، يندرج تحت الإيمان بالغيب، وأيضًا فإن الإيمان بما أُنزل إلى النبي ﷺ ، وبما أنزل من قبله، مشترك بين المؤمنين قاطبة، فلا وجه لقول بعض المفسرين: أراد بالذين يؤمنون مؤمني أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام وأصحابه، ومما يُبْعِدُ، أَنَّا لا نعلم أن هذه الآية
стр. 54
نزلت قبل إيمان ابن سلَّام، أو بعده، لأن غاية ما نعلمه أن نزول الآية، وإسلام ابن سلام، كل منهما مدني، ولكن لا نعلم السابق منهما حتى يصح لنا ذلك القول، على أن ألفاظ القرآن في مثل هذا تحمل على العموم.
والمعنى: أن هؤلاء هم الجامعون بين الإيمان بما يدركه العقل جملة، والإتيان بما يصدقه من العبادات البدنية والمالية؛ وبين الإيمان بما لا طريق إليه غير السمع.
والضمير في ﴿إليك﴾ للنبي ﷺ ، وعنى به القرآن بأسره، والشريعة عن آخرها، وعبر عنه بلفظ الماضي، وإن كان بعضه يومئذ مترقبًا نزوله، تغليبًا للموجود على ما لم يوجد، فجعله كله كأنه قد نزل وانتهى نزوله، لتحقق وقوعه، وأراد بـ ﴿ما أنزل من قبلك﴾، التوراة والإنجيل، وغيرهما من الكتب السالفة، فإن الاعتقاد بأنها منزلة من عند الله تعالى فرض عين، والإيمان بها إجمالًا كذلك، وأما الإيمان بما أُنزل على النبي ﷺ ، فإنه يفترض علينا الإيمان به تفصيلًا لا إجمالًا، وفي هذه الآية الإشارة إلى معنى لطيف، وهو الإشارة إلى أن اليهود، لم يؤمنوا بنزول التوراة من عِند الله، نزولًا حقيقيًا، لأن أكثرهم يقول: إن الله ألهم البشر الذين هم أنبياء بني إسرائيل، بما تكلموا به، وجعلهم واسطة لإنفاذ مقاصده، من غير أن يجردهم من صفاتهم الذاتية، ومن غير أن يخرجوا عن النفوذ الإلهي، وأنهم لم يزالوا حين ذلك الإلهام، في حالة حسنة من الشعور والوجدان، فجمعت أقوالهم من بعدهم في أسفار.
وبهذا الاعتبار قيل: إن الله أوحى بهذه الأسفار، وقال بعضهم: إن للوحي بالتوراة ثلاثة طرق.
أولها: بتبليغ الأنبياء لأفكار الله بصفة نواب عنه نيابة مطلقة.
الثاني: بالتخاطب المتبادل بين الله والإنسان.
الثالث: بأن ينطق الكاتب بما عنده مهما رأى ذلك بالروح الإلهي.
وأما النصارى فإنهم يقولون: إن كلمة "إنجيل" مأخوذة عن اللغة اليونانية، ومعناها: بشارة مفرحة، ويدعون أن طريقة وصول هذه البشارة للبشر ما استنتجوه من اعتقادهم، من أن الله الآب، وكلمته الأزلية، وروح القدس، هم ثلاثة في واحد، وواحد في ثلاثة، ذات واحدة في ثلاثة أقانيم، وهذا الإله ليس منفصلًا عن
стр. 55
كائناته، بل إنه أعلن ذاته للبشر بطرق مختلفة، بواسطة كلمته التي كون بها العالم، ثم إن تلك الكلمة عندهم صارت جسدًا، وحلت في العالم، وذلك الجسد هو ابنه الذي جعله وارثًا لكل شيء، قالوا: وهذه هي كلمته المنزلة، وهي ليست كتابًا أو غيره من الجماد، بل كيان حي، ذو وجدان وحياة تجسد وتأنس، وحل بينهم مدة قصيرة، ثم إن أفعاله وأقواله دونت في الأناجيل، التي هي بين أيدي النصارى اليوم، وهذا الاعتبار لما كان المسيح كلمة الله على زعمهم، كانت جميع أقواله وأفعاله موحى بها، حتى نفس أقواله غير المنطوق بها، فليس الإنجيل على رأيهم كتاب منزل من الله تعالى، وإنما هو نفس كلام عيسى، ونفس حكاية أحواله، فهو منزل عندهم منزلة الأحاديث، فينكرون أن يكون الإنجيل، أو أي كتاب آخر، نزل على عيسى، لأنه هو نفسه كان الكلمة، فلم تكن الكلمة عنده، وهو كان نفسه إعلان الله، فكيف يصح القول بأن كتابًا ما، أو غيره من وسائط الإعلان، أُنزل عليه؟
وخلاصة القول عندهم، أن هذه الكلمة لم تنقطع بعد صعوده إلى السماء، بل هي باقية مستمرة تؤخذ بواسطة الروح القدس وإلهامه، فأعمال بولس وبطرس ويعقوب ويوحنا، وغيرهم، وأقوالهم، هي جزء من إعلان الله بالمسيح.
هذا ما علمناه من رأي الفريقين مما هم عليه الآن، ولكن ويا للأسف إن هذه الكلمة نزلت إلى الأرض، فتسلط عليها أناس ضعاف فصلبوها بزعمهم، ولم تقدر على خلاص نفسها، واستجارت فلم تجد مجيرًا، بل بقيت تحت قهر قوم، لو عادَوا مثل عنترة لأبادهم عن آخرهم، فوا رحمتاه كيف رأى الآب ابنه مصلوبًا وهو ساكت لا يتحرك، وقلبه يتفطر على ولده، حيث لم يكن له حيلة في خلاصه، فما أفظع هذه المقولة، وما أجمد ذهن معتقدها (١).
وأنت علمت مما تقدم أن أهل الكتابين، لم يعتقدوا نزولهما من عند الله
стр. 56
نزولًا حقيقيًا، فلذلك اشترط الله علينا في كتابه، : أن نؤمن بأن الله تعالى أنزل على الأنبياء كتبًا فيها شرائعه وأحكامه، وأن ذلك التنزيل صحيح، وأنه أنزل هذا الكتاب على محمد ﷺ ، نزولًا حقيقيًا، والمؤمن من صدق بجميع ما فيه، تصديقًا تفصيليًا، لأنه هو الذي يجب علينا العمل بما أمر به، والتباعد عما نهى عنه فيه.
ولما كان الإيمان بالبعث من الدين بمكان عظيم، بينه بالتقديم، إظهارًا لمزيد الاهتمام، فقال: ﴿وبالآخرة﴾ التي هي دار الجزاء، ومحل التجلي وكشف الغطاء، ونتيجة الأمر، ﴿هم يوقنون﴾، أي: يعلمون ذلك علمًا صافيًا من شوائب الشك والشبهة، مقترنًا بالاستدلال.
ولما كان الإيقان لا يكون إلا بعد الشك، لم يوصف به الباري تعالى، وكذلك لم توصف به العلوم الضرورية، وفي الآية تعريض بكل من لم يؤمن بالمعاد، الذي وصفه تعالى بقوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وإشارة إلى أن كل من لم يوقن به لا يكون مؤمنًا.
ولما أخبر تعالى عن أفعال المتقين الظاهرة، من أنهم هم الذين يقيمون الصلاة، ويحافظون على خشوعها، ومعانيها، فيتحلون لأجلها بكل خير، ويتخلون عن كل شر، حتى تصير صلاتهم تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، وينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله، والأعمال الباطنة من الإيمان بالغيب وبما أنزل على الأنبياء، وباليوم الآخر، وبما يكون فيه من ثواب وعقاب وحساب، أخبر بثمرة تلك الأعمال فقال:
﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾.
أي: أن الموصوفين بتلك الصفات، يستحقون الوصف بأنهم متمكنون من الهدى، ومستقرون عليه، ومستمسكون به، فشبهت حالهم بحال من اعتلى على الشيء وتمكن منه، تمكنًا جعله في قبضته، فهم متمكنون من هدى عظيم، مُنحوه وأُعطوه من ربهم الذي هو خالقهم، ومثله لا يحصل إلا باستفراغ الفكر، وإدامة النظر في حجج القرآن وبراهينه، والمواظبة على محاسبة النفس في العمل، وأتى بـ ﴿هدى﴾ منكرًا، ليفيد نوعًا مبهمًا لا يقدر قدره، قال "عون بن عبد الله": "الهدى
стр. 57
من الله كثير، ولا يبصره إلا بصير، ولا يعمل به إلا يسير، ألا ترى أن نجوم السماء يبصرها البصراء، ولا يهتدي بها إلا العلماء؟ ".
ولما لم يكن الهدى دالًا على الفلاح بدلالة الالتزام، عطف عليه قوله: ﴿وأولئك هم المفلحون﴾، أي: أن أصحاب تلك الرتبة هم أهل الظفر بالمطلوب، كأنهم هم الذين انفتحت لهم وجوه الظفر، ولم تستغلق عليهم، وفي تكرير ﴿أولئك﴾، إشارة إلى أنه كما يثبت لهم الأثرة، وهي التقدم بالهدى، فهي ثابتة لهم بالفلاح، فجعلت كل واحدة من الأثرتين في تميزهم بها عن غيرهم، بالمثابة التي لو انفردت كفت مميزة على حياتها، وأنت خبير بأن أرباب تلك المرتبة، الموصوفين بالصفات المتقدمة اتصافًا كاملًا، هم المخصوصون بالفلاح، ولا يختص بذلك، إلا أولو النباهة والذكاء، الذين ينفون عن كتاب الله انتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، وتحريف الضالين، وهؤلاء لا يخلو منهم زمان، ولا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله، كما أخبرت بذلك الأحاديث الصحيحة، وأتباعهم هم المفلحون أيضًا، لأن السائر بسير المفلح مفلح، وهؤلاء هم الأبدال.
وقد روى ابن ماجه عن أبي عنبة الخولاني- بالنون بعد العين-، وكان قد صلى إلى القبلتين مع رسول الله ﷺ ، أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسًا يستعملهم في طاعته" (١) ومعناه: لا يزال الله يوجد في أهل هذا الدين ولدًا ينبته إنباتًا كما قال: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧)﴾ [نوح: ١٧]، وهذا الولد يستعمل أهل الدين في طاعته، أي: في طاعة الدين، والدّين إنما هو الإيمان بالغيب، وفعل ما عطف عليه في هذه الآية، وحكى "ابن مفلح" في كتابه "الآداب الشرعية الكبرى" عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، أنه قال في شرح "لا يزال الله يغرس" إلى آخره، هم: أصحاب الحديث. ونص أحمد على أن لله أبدالًا في الأرض، وقال أيضًا عنهم: إن لم يكونوا، يعني: الأبدال، هؤلاء
стр. 58
الناس، يعني: أصحاب الحديث، فلا أدري مَنْ من الناس. انتهى.
وأنت إذا نصرت الحق، علمت أن هؤلاء الأبدال حقيقة، لا كما يقوله المبطلون، من أن الأبدال هم الذين يتصرفون في الكون أحياء وأمواتًا، وأن لهم رئيسًا يقال له: القطب، وأنهم يجتمعون كل سنة في غار حراء أو غيره، فيكون القطب في الصدر، وقدامه الأوتاد، ووراءه الأبدال والنجباء، وتأتي الأموات لذلك الديوان، ثم إن القطب يتلقى الأمر مباشرة عن الله تعالى، ثم يلقيه إلى الأوتاد، فتلقيه الأوتاد إلى الأبدال، ثم يصدعون بما أمروا به، فهم يديرون رحى الكون، ويبصرون ما كان وما سيكون، ويرون كل شيء في مشارق الأرض ومغاربها، حتى إنهم يعلمون بزعمهم ما تخفي الصدور، وما تضمره الأنفس، وليت شعري، أي عاقل يتجاسر على أن يجعل القطب، أعلى مقامًا من النبي ﷺ ، ثم لا يكتفي بذلك، حتى يجعل أولئك القوم الذين لا وجود لهم متصفين بهذه الصفات، إلا في مخيلة هذا المبطل، شركاء لله تعالى في الألوهية.
ثم هو يعترض على النصارى بالتثليث، فكأن لسان حاله يقول: لا يجوز أن يكون الله ثالث ثلاثة فقط، بل هو على زعمه ثاني اثنين، وخامس أربعة الذين هم الأوتاد، والواحد بعد الأربعين الذين هم الأبدال، والواحد بعد الستين والثلاثمئة الذين هم الأنجاب، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، وأيضًا فقد أخبر القرآن أن سيدنا محمدًا رسول الله ﷺ هو خاتم النبيين، وأن الوحي انقطع من بعده، وهؤلاء يقولون: إن القطب يوحى إليه مباشرة، ومشافهة عن الله تعالى، وأنه ثاني اثنين لواجب الوجود، وأن قومه شركاء مع الله تعالى، فاليهود والنصارى أسعد حالًا من هؤلاء، فأي فرق بين قولهم هذا وبين قول اليهود: إن كاتبهم ينطق بما عنده مهما رأى ذلك بالروح الإلهي، وبين قول النصارى: إن عيسى هو الكلمة، وأنها لم تنقطع بعد صعوده إلى السماء، بل هي باقية مستمرة تؤخذ بواسطة الروح القدس، وإن أفعال بولس وجماعته وأقوالهم، هي جزء من إعلان الله بالمسيح، وهؤلاء جعلوا مقالتهم هذه تمهيدأ لمعتقدات اليهود والنصارى، فوصفوا القطب بما وصفت النصارى به عيسى، ووصفوا قومه بما وصفت به اليهود أحبارهم، وبما وصفت به النصارى بولس وجماعته، وزادوا عليهم بالتمهيد لمذهب عبادة الأوثان، وإذا طالبتهم بالدليل قالوا:
стр. 59
إن علومنا لدنية ذوقية، وكذلك النصارى إذا طالبتهم بالدليل العقلي قالوا: إن معرفة اللاهوت ذوقية، لا يعرفها إلا من ذاقها، فمصيبة الفريقين واحدة.
وإلى بيان حال هذه الفرق أشار تعالى بقوله:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾.
أي: إن الذين ثبتوا قلبًا ولسانًا على معتقداتهم الباطلة، فكفروا بالله تعالى، وحكم بكفرهم حكمًا مؤبدًا، إنذارك إياهم في هذا الكتاب، وفي هذا الوقت وعدمه فيه، وفيما بعده سواء، وكذلك إنذار هذا الكتاب لهم، في كل وقت، وعدمه سواء، لأنهم إما لا يصدقون بأنه كتاب منزل من الله تعالى، وما أنهم يحرفونه عن مواضعه، ويتلاعبون به، حتى يجعلوه تابعًا لما ذهبوا إليه، ولا يجعلونه متبوعًا كما هو شأن الممقوتين، وإذا ناداهم إلى التمسك به، قالوا: لا نترك ما ألفينا عليه آباءنا لندائك، وهل أنت إلا تابع لنحلتنا، وخادم لمقالاتنا، وما ذلك إلا لأن الله تعالى ختم بجلاله ختمًا مستعليًا على قلوبهم، وعلى سمعهم، فهي لا تعي حق الوعي، ولا تسمع حق السمع، لأن الختم على الشيء يمنع الدخول إليه، والخروج منه.
وأفرد السمع، لأن التفاوت فيه نادر، وشركه في الختم مع القلب لأن أحدًا لا يسمع إلا ما عقل، وجعل على أبصارهم غشاوة عظيمة، فهم لا ينظرون بالتأمل، ولما وصفهم بذلك أخبر عن عاقبتهم بقوله: ﴿ولهم عذاب عظيم﴾، ومن هنا تعلم أن التعريف بالذي، والذين، من بين سائر الموصولات، كتعريف ذي باللام، في كونه للعهد تارة، وللجنس أخرى، سواء جعلت من المعرف باللام كما ذهب إليه شرذمة من النحاة، أو لا، كما عليه المحققون، وعليه فإن التعريف هنا للجنس، فهو متناول كل من صمم على كفره تصميمًا لا يرعوي بعده، سواء كان المتصف بذلك في زمن نزول القرآن، أو كان بعده، حتى آخر الأمر، لأن القرآن يبقى حكمه إلى آخر الدوران، ودل على تناوله للمُصِرّين قوله: ﴿سواء عليهم﴾ الآية، ومعناها: أن الذين كفروا مستو عندهم الإنذار وعدمه، فالقائل بأن التعريف
стр. 60
للعهد، وأن المراد به ناس بأعيانهم، كأبي جهل وأبي لهب، والوليد بن المغيرة، وأضرابهم، قول لا حظ له في شيء من التحقيق، بل هو قول من لا يرى أن القرآن عام لجميع الأزمان.
والكفر في اللغة الستر، وأصله الفتح، ومنه قيل للزارع: كافر، لأنه يستر الحب في الأرض، قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد: ٢٠] وسمي الليل كافرًا لأنه يستر المبصرات بظلمته، قال الشاعر (١):
"في ليلة كَفَرَ النجومَ غَمَامُها"
أي: ستر النجومَ غمامُها، والمتكلمون استصعبوا حد الكفر، والذي انتهى إليه كلامهم: أن جميع ما ينقل عن النبي ﷺ ، أنه ذهب إليه، أو قال به، فإما أن يعرف صحة ذلك النقل بالضرورة، والا بالاستدلال، أو بخبر الواحد.
فإن كان الأول: فإن من صدق الرسول في جميع ما جاء به، فهو مؤمن، ومن لم يصدقه في ذلك، فإما أن لا يصدقه في جميع ما أتى به، وإما أن لا يصدقه في البعض دون البعض، وعلى كل فهو كافر؛ إذ الكفر عدم تصديق الرسول في شيء مما علم بالضرورة مجيؤه به، كمن أنكر وجود الصانع أو أنكر كونه واحدًا في ذاته، وفي صفاته، وفي أفعاله، أو جعل له شريكًا في أفعاله، أو ادعى حلوله في الأجسام، أو أنكر نبوة النبي ﷺ ، أو أنه خاتم الأنبياء، أو أنكر صحة القرآن الكريم.
وإن كان الثاني: وهو الذي عرف بالاستدلال بأنه من دين النبي ﷺ ، مثل كونه تعالى خالقًا لأفعال العباد أم لا، وكونه مرئيًا أو لا، وكونه عالمًا للعلم أو لذاته وغير ذلك مما لم ينقل فيه النص على أحد القولين عن النبي ﷺ ، بل كان ترجيح أحدهما على الآخر بالاستدلال (٢) فإن مثل هذا لمّا لم يكن إنكاره، ولا الإقرار به داخلًا في ماهية الإيمان، لم يكن موجبًا للكفر، لأنه لو كان داخلًا في
стр. 61
ماهية الإيمان، لكان الواجب على الرسول ﷺ ، أن لا يحكم بإيمان أحد إلا بعد أن يعرف الحق في تلك المسألة، ولو كان الأمر كذلك، لاشتهر قوله في تلك المسألة بين جميع الأمة، ولنقل ذلك على سبيل التواتر، فلما لم ينقل ذلك دل على أنه ﵊ لم يوقف الإيمان عليها، وإذا كان لم يوقف الإيمان عليها، وجب أن لا تكون معرفتها من الإيمان، ولا إنكارها موجبًا للكفر.
وإن كان الثالث: وهو الذي لا سبيل إلى معرفته إلا بأخبار الآحاد وروايتهم، فظاهر أنه لا يمكن توقف الكفر والإيمان عليه، وهذا هو الذي اطمأن إليه الفخر الرازي، وقال: "إنه هو القول الحق"، وأنت خبير بأن ما جاء به الرسول: اعتقاد، وقول، وعمل، وأن كل فرد من أفراد ما علم أنه من الدين بالضرورة، لا يتم إلا إذا أقرّ به المكلف إقرارًا شاملًا للثلاثة؛ فالإيمان بوجود الله تعالى، لا بد من أن يعتقده المكلف بقلبه، وإلا كان منافقًا، ولا بد أن تكون أقواله وأفعاله، أقوال وأفعال من يصدق بوجود الله تعالى، وإلا كان مستهزئًا، وكذلك الصلاة، إذا لم يعتقد المكلف بها وجوبها، كان ممن أخبر تعالى عنهم بقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٧] وإذا اعتقد وجوبها، ولم يصرح به، ولم يفعلها، اختل شطران من الإيمان بها، وحينئذ لا محيص عن قول السلف: الإيمان قول وفعل، ويزيد وينقص، قال الله: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١] إلى غير ذلكم من الآيات، الدالة نصًا وتصريحًا على أن الإيمان يزيد وينقص.
وقال "ابن أبي مليكة": أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ ، كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبرائيل، وميكائيل.
و﴿سواء﴾ اسم بمعنى: الاستواء، جرت على ما اتصف بها، كما تجري المصادر على ما اتصف بها، كأنه قيل: إن الذين كفروا مستو عليهم إنذارك وعدمه، وهذا بناء على أن ﴿سواء﴾ خبر ﴿إن﴾، وقوله: ﴿أأنذرتهم أم لم تنذرهم﴾، في
стр. 62
موضع رفع على الفاعلية، ويصح أن يكون ﴿أأنذرتهم﴾ في موضع رفع على الابتداء، و ﴿سواء﴾ خبرًا مقدمًا، بمعنى: سواء عليهم إنذارك وعدمه، والجملة خبر لـ ﴿إن﴾، وصح جعل الفعل هنا مبتدأ، لأن الفعل أريد به الحدث المدلول عليه ضمنًا على الاتساع، فصار كالاسم في الإضافة والإسناد إليه كقوله تعالى: ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] وقول بعض العرب: "تسمع بالمُعَيدي خير من أن تراه" (١)، والهمزة هنا للتسوية، وضابطها: أنها الداخلة على جملة يصح حلول المصدر محلها، والإنذار هو: التخويف من عقاب الله بالزجر عن المعاصي، وجعل الرازي هذه الآية دليلًا على صحة تكليف ما لا يطاق، وقرر وجه الدليل بقوله: إنه تعالى كلف هؤلاء الذين أخبر عنهم أنهم لا يؤمنون، بالإيمان ألبتة والإيمان يعتبر فيه تصديق الله تعالى في كل ما أخبر عنه، ومما أخبر عنه أنهم لا يؤمنون قط، فقد صاروا مكلفين بأن يؤمنوا بأنهم لا يؤمنون قط، وهذا تكليف بين النفي والإثبات.
وقال أيضًا: إنه تعالى عاب على الكفار، أنهم حاولوا فعل شيء على خلاف ما أخبر الله عنه في قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الفتح: ١٥]، فثبت أن القصد إلى تكوين ما أخبر الله عن عدم تكوينه، قصد لتبديل كلام الله، وذلك منهي عنه، ثم ههنا أخبر الله عنهم بأنهم لا يؤمنون ألبتة، فمحاولة الإيمان منهم، تكون قصدًا إلى تبديل كلام الله، وذلك منهي عنه، وترك محاولة الإيمان يكون أيضًا مخالفة لأمر الله فيكون الذم حاصلًا، على الترك والفعل، قال: وهذا الكلام هو الهادم لأصول الاعتزال.
والحق: أن التكليف بالممتنع لذاته، وإن جاز عقلًا من حيث إن الأحكام لا تستدعي غرضًا غير الامتثال، لكنه غير واقع للاستقراء، والإخبار بوقوع الشيء أو عدمه، لا ينفي القدرة عليه، كإخباره سبحانه وتعالى عما يفعله هو أو العبد باختياره.
وفائدة الإنذار، بعد العلم بأنه لا ينجع، إنما هو إلزام الحَجة، وحيازة الرسول فضل الإبلاغ، ولهذا قال ﴿سواء عليهم﴾، ولم يقل: سواء عليك، كما
стр. 63
قال لعبدة الأصنام: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣)﴾ [الأعراف: ١٩٣].
ثم إنه تعالى، لما بين شأن الذين كفروا، أردف البيان ببيان السبب الذي لأجله لم يؤمنوا، وهو الختم، وأصله الطبع، والخاتم هو الطابع، يقال منه: ختمت الكتاب إذا طبعته، واستعماله في الأوعية، والظروف، والغلف، ولما كانت القلوب بمعنى الأوعية لما أودعت من العلوم، وبمعنى الظروف لما جعل فيها من المعارف بالأمور، كان الختم عليها وعلى الأسماع التي بها تدرك المسموعات، ومن قبلها يتوصل إلى معرفة حقائق الأشياء من المغيبات، نظير الختم على الأوعية والظروف.
واختلف المفسرون في صفة ذلك الختم على أقوال كثيرة، الحق فيها ما صح من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "إن المؤمن إذا أذنب ذنبًا، كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر، صُقل قلبه، فإن زاد زادت حتى يغلف قلبه، فذلك الران الذي قال جل ثناؤه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤] ورواه الترمذي (١) وقال: حديث حسن صحيح، ولفظه: "إن العبد إذا أخطأ خطيئة، نُكتت في قلبه نُكتة سوداء، فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه وهو الران الذي ذكر الله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فأخبر ﷺ ، أن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلفتها، وإذا أغلفتها أتاها حينئذ الختم من قبل الله ، والطبع، فلا يكون للإيمان إليها مسلك، ولا للكفر منها مخلص، فذلك هو الطبع والختم الذي ذكره الله تعالى، نظير الطبع والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف، التي لا يوصل إلى ما فيها إلا بفض ذلك عنها، ثم حلها، فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وصف الله أنه ختم على قلوبهم إلا بعد فض الخاتم، وحل الرباط عنها، وإلى هذا المعنى ركن أبو جعفر الطبري في تفسيره وقال: إنه الحق في ذلك.
стр. 64
وقوله: ﴿وعلى أبصارهم غشاوة﴾ ابتداء كلام، والغشاوة في كلام العرب الغطاء، قال الحارث بن خالد بن العاص:
هَوِيتُكَ إِذ عَينِي عليها غِشاوةٌ ... فلمّا انْجَلَتْ قَطَّعْتُ نَفْسِي أَلُومُها (١)
والمعنى: أن أبصارهم، لأنها لا تجتلي آيات الله المعروضة، ودلائله المنصوبة كما تجتليه أعين المعتبرين المستبصرين، كأنما غطي عليها، وحجبت وحيل بينها وبين الإدراك.
والعذاب مثل "النَّكال" وزنًا ومعنى، لأنك تقول: أعذبت عن الشيء إذا أمسكت عنه، كما تقول: نَكَل عنه، ومنه العذب لأنه يقمع العطش ويردعه، ثم اتسع فيه فسمي كل ألم فادح عذابًا، وإن لم يكن نكالًا، أي: عقابًا يرتدع به الجاني عن المعاودة.
و الفرق بين ﴿العظيم﴾ والكبير ، أن العظيم نقيض الحقير، والكبير نقيض الصغير، فكان العظيم فوق الكبير، كما أن الحقير دون الصغير، ومعنى التنكير، أن على أبصارهم غشاوة، هي نوع من الأغطية غير ما يتعارفه الناس، وهو غطاء التعامي عن آيات الله، ولهم من بين الآلام العظام نوع عظيم لا يعلم كنهه إلا الله.
ولما وصف الله سبحانه في مفتتح السورة، الذين أخلصوا دينهم لله، ووافقت فيه قلوبهم ألسنتهم، وواطأ سرهم علنهم، وفعلهم قولهم، وثنَّى بالذين محضوا الكفر ظاهرًا وباطنًا، قلوبًا وألسنة، ثلَّث بالذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وأبطنوا خلاف ما أظهروا، وهم الذين قال فيهم ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النساء: ١٤٣]، وسماهم المنافقين، وكانوا أخبث الكفرة، وأبغضهم إليه، وأمقتهم عنده، لأنهم خلطوا بالكفر تمويهًا وتدليسًا، وبالشرك استهزاءً وخداعًا، فوصف حال الذين كفروا في آيتين، وحال الذين نافقوا في ثلاث عشرة
стр. 65
آية، نعى عليهم فيها خبثهم، ومكرهم، وفضحهم وسفههم، واستجهلهم واستهزأ بهم، وتهكم بفعلهم، وسجل بطغيانهم وعمههم، ودعاهم صمًا بكمًا عميًا وضرب لهم الأمثال الشنيعة فقال:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾.
أجمع أهل التأويل، على أن هذه الآية نزلت في قوم من أهل النفاق، وأن هذه صفتهم، وقد مرت الإشارة إلى هذا في مفتتح تفسير هذه السورة، ومما ذكر إجمالًا هناك، ما يليق بنا هنا أن نشير إلى شيء من تفصيله، وهو أن الله تعالى لما جمع لرسوله أمره في المدينة التي هي دار هجرته، وجعل كلمته هي العليا وكلمة مخالفيه هي السفلى، فأعز الله المسلمين، فقهروا من كان بها من أهل الشرك من عبدة الأوثان، وأذلوا من كان بها من أهل الكتاب الذين لم يذعنوا لما جاء به ﷺ ، أظهر أحبار يهود المدينة لرسول الله ﷺ الضغائن؛ وأبدوا له العداوة حسدًا وبغيًا، إلا نفرًا منهم هداهم الله للإسلام فأسلموا، ووافقهم سرًا على معاداة النبي ﷺ ، [قوم من المنافقين] (١) كانوا قد عتوا في شركهم وجاهليتهم، وظاهروهم على ذلك خفاء غير جهار، حذرًا من القتل على أنفسهم، والسباء من رسول الله ﷺ وأصحابه وركونًا إلى اليهود لما هم عليه من الشرك، وسوء البصيرة بالإسلام، فكان منهم ما قص الله علينا من قصصهم في هذه الآيات، تبكيتًا لهم ولمن كان على شاكلتهم، معاديًا لهذا الدين القويم باطنًا، ومدعيًا للتمسك به ظاهرًا.
وجوّز أهل المعاني في ﴿من﴾ أن تكون موصوفة، فيكون المعنى: ومن الناس ناس يقولون آمنا، وعليه فاللام في الناس للجنس، أتى بها للتنبيه على أن الصفات المذكورة تنافي الإنسانية، فينبغي أن يجهل كون المتصف بها من الناس، ويتعجب منه، وأن تكون موصولة، واللام للعهد، كقوله: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ [التوبة: ٦١]، ولكن هذا يعترض بأن يقال: كيف يجعلون بعضًا من الذين كفروا
стр. 66
المحدث عنهم بالختم على قلوبهم، والمنافقون غير من أخبر عنهم فيما تقدم بالختم، ويجاب بأن الكفر جمع الماحضين المصرّين، والمنافقين المصممين معًا، وجعلهم جنسًا واحدًا، وكون المنافقين نوعًا من نوعي هذا الجنس، مغايرًا للنوع الآخر، بزيادة زادوها على الكفر الجامع بينهما من الخديعة والاستهزاء، لا يخرجهم من أن يكونوا بعضًا من الجنس، كما أشار إلى هذه المعاني صاحب الكشاف، فإن الأجناس، إنما تنوعت لمغايرات وقعت بين بعضها البعض، وتلك المغايرات إنما تأتي بالنوعية ولا تأبى الدخول تحت الجنسية، وقوله تعالى حكاية عنهم: ﴿آمنا﴾ أي: صدقنا ﴿بالله وباليوم الآخر﴾، أي: بالبعث يوم القيامة الذي هو يوم لا يوم بعده سواه، فادعوا أنهم حازوا الإيمان من جانبيه، وأحاطوا بقطريه، فقال تعالى تكذيبًا لهم: ﴿وما هم بمؤمنين﴾ لأنهم يبدون بأفواههم خلافًا لما في ضمائر قلوبهم، وضد ما في عزائم نفوسهم، فهم غير مصدقين فيما يزعمون أنهم به مصدقون.
وقد يلوح لفكر المتامل لهذه الآية إشكال، وهو: أن الأخبار عن المنافقين، وكانوا مشركين ويهود، فأما المشركون فهم غير مؤمنين بالله واليوم الآخر، فقوله: ﴿وما هم بمؤمنين﴾ منطبق عليهم، وأما اليهود فقد كانوا يؤمنون بالله، وهم أهل كتاب، فكيف نفى عنهم الإيمان، وعند الاطلاع على نحلة اليهود، يتلاشى هذا الإشكال، لأن الإيمان بالله يجب أن يكون على حقيقته، وعلى وفق ما جاء عن رسله، واليهود ليسوا كذلك، لأن فرقة منهم تزعم أن العُزَير ابن الله، وجميعهم يعتقد أن الله جسم، وكذلك اعتقادهم باليوم الآخر، ليس على ما جاءت به الرسل، وكل من كان إيمانه على غير ما جاءت به الرسل فليس بمؤمن، ومَن راجع التوراة التي بأيديهم اليوم، ورأى هذياناتهم ومفترياتهم جزم بذلك، وسيمر بك في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، ما يتبين به حقيقة ما هم عليه من الكفر، وعدم الإيمان بالله تعالى، كقولهم كل يوم في صلاتهم ما معنَاه بالعربية: أنّه لا يظهر أن الملك لله، إلا إذا صارت الدولة لليهود، الذين هم أمته وصفوته، فأما ما دامت الدولة لغير اليهود، فإن الله خامل الذكر عند الأمم، وأنه مطعون في ملكه، مشكوك في قدرته. وكقولهم بالعبرانية ما معناه بالعربية: انتبه لِمَ تنام يا رب؟ استيقظ من رقدتك، ومنه
стр. 67
أيضًا: أن الله ندم على خلق البشر في الأرض، وشق عليه، إلى غير ذلك مما هو مصرح به في توراتهم، فأي إيمان لهم بالله وباليوم الآخر، مع وجود هذه الكفريات.
ويندرج في هذا القسم من يقول بأنه مؤمن بالله ثم ينتحل الزندقة والإلحاد، ويدعي الحلول، وأنه تعالى حال في جميع الأشياء، أو في بعضها، أو أن له مشاركًا في أفعاله من جماد أو حي، أو ميت. كما هو زعم كثير من الفرق المنتمية إلى الإسلام في زمننا هذا، بل ضرر هؤلاء على الدين أشد من ضرر غيرهم عليه، لأنهم يتلبسون به، ويدعون الزهد والتقى والصلاح، ثم يبثون مقاصدهم لأولي العقول السقيمة، فيأخذونها على أنها من الأسرار الربانية المفاضة عليهم من عالم القدس، فهؤلاء أعظم ضررًا من المنافقين.
ثم إنه تعالى بيَّن علة عقول أولئك الذين نعتهم وخفة حلومهم، بأنهم يخادعون من لا يخادَعُ، ولو كان عندهم نوع من الشعور، أو شيء من الإدراك لما فعلوا ذلك، فقال:
﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾.
والخديعة: إظهار ما يوهم السلامة والسداد، وإبطان ما يقتضي الإضرار بالغير، والتخلص منه، فهو بمنزلة النفاق في الكفر، والرياء في الأفعال الحسنة، ولما كان هؤلاء لا يعرفون الله تعالى حق معرفته، ولا يعلمون بأنه عالم بخائنة الأعين، وما تخفي الصدور، قادهم الجهل إلى تشبيهه تعالى بخلقه، فظنوا أن الخداع يروج عليه كما يروج على المخلوقين، فكذب ظنهم تعالى بقوله: ﴿وما يخدعون إلا أنفسهم﴾، وفضحهم وأبان ما استكن في نفوسهم، بأن ما يظهرونه بألسنتهم من القول والتصديق، خلاف الذي في قلوبهم من الشك والتكذيب ليدرؤوا عن أنفسهم، بما أظهروا بلسانهم حكم الله ، اللازم من كان بمثل حالهم من التكذيب، لو لم يظهر بلسانه ما أظهر من التصديق والإقرار من القتل والسباء، فذلك معنى خداع المنافق ربه، وأهل الإيمان بالله تعالى، وهذا أولى من قول من قال: إن الله ذكر نفسه في قوله: ﴿يخادعون الله﴾، وأراد به رسوله على عادته في تفخيم أمره، وتعظيم شأنه، قال:
стр. 68
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠]، وهذا المعنى ليس بكثير البعد عن معنى الآية، لأنهم لما خادعوا النبي ﷺ ، كانوا كالمخادعين لله تعالى، ولكن ما ذكرناه أقرب إلى المرام، ومن قول من قال أيضًا: إن صورة حالهم مع الله حيث يظهرون الإيمان، وهم كافرون، صورة من يخادع، وصورة صنيع الله معهم حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم، وهم عنده في عداد الكفرة صورة صنيع المخادع، وكذلك صورة صنيع المؤمنين معهم، حيث امتثلوا أمر الله فيهم، فأجروا أحكامه عليهم.
وقد أبدى أبو جعفر الطبري سؤالًا فقال: إن قال قائل: وكيف يكون المنافق لله وللمؤمنين مخادعًا، وهو لا يظهر بلسانه خلاف ما هو له معتقد إلا تقية؟ وأجاب بما حاصله: أن العرب لا تمتنع من أن تسمي مثل هذا خداعًا، ولما كان المنافقون يظهرون ذلك، ليتخلصوا من القتل والسباء في العاجل، وطمعوا في أموال الغنائم، وهم لغير ما أظهروا مستبطنون، كان فعلهم هذا خداعأ لأنفسهم في الحقيقة، لأنهم يظهرون لما يفعلون من ذلك بها، أنه يعطيها أمنيتها، ويسقيها كأس سرورها، وهم يوردونها به حياض عطبها، ويجرعونها به كؤوس عذابها، ويزيدونها من غضب الله، وأليم عقابه ما لا قبل لها به، فذلك خديعتهم أنفسهم، ظنًا منهم مع إساءتهم إليها في أمر معادها، أنهم إليها محسنون، كما قال تعالى:
﴿وما يخدعون إلا أنفسهم ولا يشعرون﴾ إعلامًا منه عباده المؤمنين، أن المنافقين بإساءتهم إلى أنفسهم، وإسخاطهم ربهم بكفرهم، وشركهم وتكذيبهم، غير شاعرين، ولا دارين، ولكنهم على عمياء من أمرهم مقيمون، ومن هنا تعلم أن المفاعلة أتت على بابها، من كونها بين اثنين، والمعنى: أن المنافق يخادع الله، ويكذبه بلسانه، على ما قد تقدم وصفه، والله تعالى يجري عليه أحكام الدنيا فيوصله إلى مقصده من النجاة، من القتل والسباء، ولكنه يخذله عن حسن البصيرة بما فيه نجاة نفسه، في أجل معاده، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ
стр. 69
نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ﴾ (١) الآية.
وقوله: ﴿وما يخدعون إلا أنفسهم﴾، معناه: أن المنافقين خادعوا الله والمؤمنين فلم يخدعوهم، بل كان الخداع لأنفسهم دون غيرها، لأن من خادع العالم بخداعه، لا يكون خداعه إلا لنفسه، وهذا كقولك: فلان يضار فلانًا، وما يضار إلا نفسه، أي: دائرة الضرار راجعة إليه، وغير متخطية إياه، ويصح أن يكون المعنى: وهم في ذلك يخدعون أنفسهم حيث يمنونها الأباطيل، ويكذبونها فيما يحدثونها به، وأنفسهم كانت تمنيهم وتحدثهم بالأماني، ونفس الشيء ذاته، والشعور: علم الشيء على حس، والمعنى: أن لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس، وهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حس له.
ثم بين سبحانه أن سبب الغفلة عن هذا الظاهر، كون آلة إدراكهم شغلها المرض عن إدراك ما ينفعها، فهي لا تجنح إلا لما يؤذيها، فقال:
﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾.
أي: إن في قلوبهم مرضًا من أصل الخلقة، يوهن قوى الإيمان التي فيها، كذا حكاه "البقاعي" في كتابه "نظم الدرر"، والذي لاح لي، أن ذلك المرض وإن كان مرضًا حقيقيًا متصلًا بهم من أصل الخلقة، وهو الذي سبَّب لهم سوء الاعتقاد والكفر، إلا أنه لما كان ذلك متأصلًا في نفوسهم، وجاءهم الكتاب العزيز بالبينات والهدى، ودين الحق، وقفوا حائرين بين أحد أمرين، إما أن يتبعوا ذلك الهدى ويطيعوا النبي ﷺ ، فيسلموا من عذابي الدنيا والآخرة، وإما أن يجاهروا بالعصيان والامتناع، فيحصل لهم المقت دنيا وأُخرى، فمنعهم مرض قلوبهم من اتباع الخطة الأولى، ولضعفهم لم يستطيعوا المجاهرة بالثانية، فمزجوا بينهما، ولبسوا ثوب الخداع، فأظهروا الإيمان بالله وبرسوله، وأبطنوا الكفر، وارتقبوا حلول السوء بالنبي ﷺ ، ولما رأوا أنه هو الغالب، وأن أمره لا يزال في ازدياد، وشأنه لم يزل في اعتلاء، امتلأت صدورهم حسدًا وحقدًا، وغلت صدورهم على رسول الله ﷺ ،
стр. 70
والمؤمنين، غلًا وحنقًا، و ﴿بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨]، فأثر ذلك في أوهامهم فامتلكها، وسرى إلى قلوبهم فأثر فيها، والحسود المبغض، كلما ازدادت نعمة المحسود ازداد حسرة، وقلقًا ومرضًا، فازداد مرض قلوبهم الطبيعي لذلك، زيادة ترتقي كلما علا شأن الإسلام، وسرى نوره في الأقطار، وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى: ﴿فزادهم الله مرضًا﴾ بإظهار الله هذا الدين على جميع الأديان، وتفضل الله على نبيه حتى أظهره على الدين كله.
كانوا يعللون أنفسهم، ويداوون مرض قلوبهم، بما يتحدثون به في نواديهم، بأن ريح الإسلام تهب حينًا، ثم تسكن، ولواءه يخفق أيامًا ثم يقر، فأكذب الله أمانيهم، فرجعوا بصفقة المغبون، وقطع آمالهم، فضعفت قلوبهم حين ملكها اليأس، عندما أنزل الله على رسوله النصر، وأظهر دين الحق، واعتراها مرض لا يزال في ازدياد وعذاب أليم، من الحسرة، واتقاد نيران الحسد في الدنيا، وعذاب أليم يوم تجد كل نفس ما أحضرت، يوم ينكشف الغطاء، وتزدلف الجنة للمتقين، غير بعيد، ولشبه هذا المعنى، يرمي قول "ابن عباس": ﴿في قلوبهم مرض﴾، المرض: النفاق، وقول جمع من الصحابة: في قلوبهم شك، وقد لاح لك مما قدمناه، أنا حملنا المرض في الآية على حقيقته، وهو الموافق لبلاغة القرآن الكريم، ولا مانع من أن يحمل المرض على معناه المجازي، فتجعله استعارة لبعض أعراض القلب، كسوء الاعتقاد والغل والحسد، والميل إلى المعاصي، والعزم عليها، واستشعار الجبن، والضعف، وغير ذلك مما هو فساد وآفة، شبهه بالمرض، كما استعيرت الصحة والسلامة في ضد هذه المذكورات.
والمراد به هنا ما في قلوبهم من سوء الاعتقاد والكفر، أو من الغل والحسد والبغضاء، وإذا تأملت هذا المعنى وجدته مندرجًا في المعنى الذي قبله، لأن ذلك نتيجة هذا، أو تقول: إن في هذا بيان السبب، وفي ذاك بيان ما تسبب عنه.
وقوله جل شأنه: ﴿فزادهم الله مرضًا﴾، معناه: على مرضهم، وزادهم من الأسباب التي أنتجت له ذلك المرض، فزادهم غمًا على غمهم، وزادهم من نظير ما في قلوبهم من الشك والحيرة.
و﴿الأليم﴾ الموجع، على حد قول الشاعر:
стр. 71
وخيل قد دلفت لها بخيلٍ ... تحيةُ بينهم ضَرْبٌ وَجيعُ (١)
ومعناه: ولهم عذاب مؤلم، فصرف مؤلم إلى أليم.
قال الضحاك: وكل شيء في القرآن من الأليم فهو الموجع.
وقوله: ﴿بما كانوا يكذبون﴾، رمز إلى قبح الكذب وسماجته، وتخيل أن العذاب الأليم لاحق بهم من أجل كذبهم، في قولهم: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، وهذا المعنى يناسب قراءة "يَكْذبون" بفتح المثناة التحتية، وسكون الكاف، وهي قراءة معظم أهل الكوفة، وقرأ معظم أهل المدينة والحجاز والبصرة "يُكَذبون" بضم المثناة التحتية، وفتح الكاف، وكأنهم رأوا أن الله تعالى أوجب للمنافقين العذاب الأليم، بتكذيبهم نبيهم محمدًا ﷺ ، وليس هذا المعنى بجيد لما جرت سنة الله به في كتابه، أن يفتتح ذكر محاسن أفعال قوم، ثم يختم ذلك بالوعد على ما افتتح به ذكره من أفعالهم، ويفتتح ذكر مساوئ أفعال آخرين، ثم يختم ذلك بالوعيد على ما ابتدأ به ذكره من أفعالهم، وهنا أخبر الله عن المنافقين في أول الخبر عنهم في هذه السورة، بأنهم يقولون: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ [البقرة: ٨]، وما كان قولهم هذا إلا خداعًا وكذبًا، فالواجب إعادة قوله: ﴿بما كانوا يكذبون﴾ إلى هذا،
стр. 72
وأن يقرأ "يَكذبون" بفتح الياء، ليكون الوعيد منه لهم، على ما افتتح به الخبر عنهم من قبيح أعمالهم، وذميم أخلاقهم، دون ما لم يجر له ذكر من أفعالهم، ولك أن تأخذ هذه القاعدة وتسير بها في تفسير كل ما رأيته من هذا النمط، ليتضح لك دقائق الختام من ملاءمته للبدء، كان جعل "يُكذبون" بضم الياء، من "كَذَّب" بتشديد الذال المعجمة، على معنى الدلالة على قوة الكذب، وعظمه، كما يدل بين المشدد والياء، على كمال ظهور الشيء واتضاحه كأنه قيل: يكذبون كذبًا عظيمًا، أو جعل "يكذبون" بمعنى الكثرة، في الفاعل، كقولهم: "مَوَّت الإبل"، بتشديد الواو، استقام المعنى، وعاد التكذيب إلى كذبهم الذي كذبوه في أول الخبر.
ولما أخبر تعالى عن بواطنهم، أتبعه من وصف الظاهر ما يدل على الباطن، فبين أنهم إذا نهوا عن الفساد العام ادعوا الصلاح العام فقال:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١)﴾.
والمعطوف بالواو هنا، يصح أن يكون معطوفًا على "يكذبون"، ويكون المعنى: ﴿ولهم عداب أليم بما كانوا يكذبون﴾، وبالذي ﴿إذا قيل لهم لا تفسدوا﴾، ومعناه: أن العذاب الأليم الذي وُعدوا به، مسبب عن كذبهم، وعن فسادهم في الأرض، لما في تينك الخصلتين من القبح الواجب على كل عاقل أن يحترز عنه، والصناعة النحوية لا تمنعك من عطفه على ﴿آمنا﴾، ويكون المعنى: ومن الناس ناس إذا قيل لهم لا تفسدوا، وعلى هذا الوجه تكون الآيات على نمط تعديد قبائحهم، وإفادتها اتصافهم بكل من تلك الأوصاف استقلالًا، وقصدًا، ودلالتها على أن لحوق العذاب الأليم بسبب كذبهم الذي هو أدنى أحوالهم في كفرهم ونفاقهم، فما ظنك بسائرها، ولطافة هذا المعنى لم ترتق إلى درجة حسن المعنى الأول، ولا إلى لطافته، حيث إنه لم يجعل المفسدين في الأرض مشاركين لمن قبلهم في العذاب الأليم، بخلاف المعنى الثاني، فإنه جعلهم مشتركين فيه.
والفساد: خروج الشيء عن حال استقامته، وعن كونه منتفعًا به، ونقيضه الصلاح، وهو: الحصول على الحالة المستقيمة النافعة، والفساد في الأرض: العمل فيها بما نهى الله عنه، وتضييع ما أمر الله بحفظه، كما قال الله تعالى
стр. 73
حكاية عن الملائكة أنهم قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠] كأنهم يقولون: أتجعل في الأرض من يعصيك ويخالف أمرك، ألا ترى أن الكاذب ينتج كذبه غش الناس وخداعهم، والذي لم يقف عند حدود الله كيف يغتصب مال هذا، ويتوصل بالزور والبهتان إلى ضرر هذا، والحاكم بغير ما أنزل الله، كيف يوقع الناس في تضييع الحقوق، وإعطاء المال لغير مالكه، يتصرف فيه مع حرمان المالك عنه، إلى غير ذلك من الموبقات التي من جملتها إثارة الحروب والفتن، وانتفاء الاستقامة عن أحوال الناس، والزروع والمنافع الدينية والدنيوية، فكذلك صفة أهل النفاق بمعصيتهم في الأرض ربهم، وركوبهم فيها ما نهى الله عن ركوبه، وتضييعهم فرائضه، وشكهم في دين الله الذي لا يقبل عملًا من أحد إلا بالتصديق به، والإيقان بحقيقته، وكذبهم المؤمنين بدعواهم، غير ما هم عليه مقيمون من الشك والريب، وبمظاهرتهم أهل التكذيب بالله وكتبه ورسله، على أولياء الله، إذا وجدوا إلى ذلك سبيلًا، فذلك إفساد المنافقين في أرض الله، وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها، فلم يسقط الله عنهم عقوبته، ولا خفف عنهم أليم ما أعد من عقابه لأهل معصيته، بحسبانهم أنهم فيما أتوا من معاصي الله مصلحون، بل أوجب لهم الدرك الأسفل من ناره، والأليم من عذابه.
وردّ عليهم إفكهم بقوله:
﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾.
فأتى بـ ﴿ألا﴾ الدالة على التنبيه، على أن ما بعدها محقق، وهي مركبة. من الهمزة التي للاستفهام، و "لا" النافية، وهمزة الاستفهام إذا دخلت على النفي أفادت التحقيق، ومن أجل ذلك لا تكاد تقع الجملة بعدها، إلا مصدرة بنحو ما يتلقى به القسم، فرد الله ما ادعوه من الانتظام في سلك المصلحين أبلغ رد، وأدلّه على سخط عظيم، و ﴿ألا﴾ ملغيّة جاءت من جهة الاستئناف، ومن جهة ما في ﴿ألا﴾، و "إنّ"، من معنى التأكيد، ومن جانب تعريف الخبر، وتوسيط ضمير الفصل بين اسم إن وخبرها.
стр. 74
ثم ختم الرد بقوله: ﴿ولكن لا يشعرون﴾ أي: لم يحصل لهم شعور بأنهم كذلك، لأنهم يظنون أن الذي هم عليه من إبطان الكفر صلاح، فالشعور ذاهب عنهم، والتفريق بين الرشاد والغي ليس من شأنهم، ولا من شأن من كان على شاكلتهم، في كل زمان ومكان.
والآية وإن كان ظاهرها التنديد بأفعال المنافقين، الذين كانوا في زمن النبي ﷺ ، فإنها شاملة لكل من حذا حذوهم وسلك طريقهم، وقد أشار "سلمان الفارسي" إلى هذا المعنى فيما روي عنه من قوله: "لم يجيء هؤلاء الموصوفون بهذه الصفات بعد" ومعناه: أن أصحاب هذه الصفة لم ينقرضوا، بل كلما ذهب فوج منهم خلفه فوج آخر، وإذا تأملت سبيل الوجود، وسنة الله في خلقه، وجدت هؤلاء في كل زمان، ولم تتأخر الأمم ويأتيها الفساد إلا من جهتهم، ثم إن المصلحين إذا فاتحوهم بالنصيحة قالوا: إنما نحن مصلحون، وهم لعدم شعورهم يعتقدون الفساد إصلاحًا، والغيّ نجاحًا، فإذا قبّح لهم أحد ما كانوا عليه لبعده من الصواب، وجره إلى الفساد والفتنة، أو بضرهم بالطريق المستقيم، وأنه في اتباع ذوي العقول، وفي الدخول في عدادهم، قابلوا النصيحة بالتسفيه والتجهيل، فما أشد ضررهم على الأمة، وما أعظم ما يجرونه إليهم من الضرر وتخريب البلاد.
ولما بيّن حالهم إذا أمروا بالصلاح العام، بين أنهم إذا دُعوا إلى الصلاح الخاص، الذي هو قبل كل صلاح، حملتهم الجلافة على النفور وعدم الانقياد، فسموا سفهاء فقال:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾.
والمعنى: أنه إذا قيل لهم: ﴿آمنوا﴾ ظاهرًا وباطنًا، ﴿كما آمن الناس، قالوا: أنؤمن كما آمن السفهاء﴾ الذين استدرجهم إلى ما دخلوا فيه، بعد ترك ما كان عليه آباؤهم، كان ذلك منهم لخفة نشات عن ضعف عقولهم، فحصر سبحانه السفه فيهم، حيث قال: ﴿ألا إنهم هم السفهاء﴾ لا غيرهم، لجمودهم على
стр. 75
رأيهم، مع أن بطلانه أظهر من الشمس ليس فيه لبس، ولكن ليس لهم علم أصلًا بذلك، ولا بغيره، ولا يمكن أن يكون لهم علم، لأن جهلهم مركب، وهو أسوأ الجهل، والعلم: ما أُخذ بعلامة أو أمارة نصبت عليه، ولما كان الفساد يكفي في معرفته، والصد عنه، أدنى تأمل، والسفه لا يكفي في إدراكه والنهي عنه إلا رزانة العلم، ختمت كل آية بما يناسب ذلك من الشعور والعلم، ولما كان العام جزءًا من الخاص، قدم عليه.
فقوله: ﴿كما آمن الناس﴾، "ما" مصدرية، والمراد بـ ﴿الناس﴾ الكاملون في الإنسانية، وهم الجامعون لما يعد من خواص الإنسان وفضائله، فهم لذلك يستحقون أن يحصر فيهم الجنس كأنهم الجنس كله، فهذا الحصر بالنظر إلى كمالهم، وإذا لوحظ أن غير المؤمنين كالبهائم، في فقد التمييز بين الحق والباطل، بل أدنى مرتبة منها، فلا يندرجون في الناس، بل كان منحصرًا في المؤمنين إيمانًا حقيقيًا، الآخذين بأساليب الإصلاح وطرقه الحقيقية، الناجحين في جميع مساعيهم بمساعدة العناية الربانية، كان هذا حصرًا بالنظر إلى نقصان من عداهم، وقصورهم عن رتبة الإنسانية، ومعنى الإنكار في ﴿أنؤمن﴾، أن ذلك لا يكون أصلًا.
و﴿السفهاء﴾: جمع سفيه، وهو الجاهل الضعيف الرأي، القليل المعرفة بمواضع المنافع والمضار، وإنما نسبوا المؤمنين إلى السفه، وإلى ركاكة العقل وخفته، لأنهم بجهلهم وإخلالهم بالنظر، وبإنصاف أنفسهم، اعتقدوا أن ما هم فيه هو الحق، وأن ما عداه باطل، ومن ركب متن الباطل كان سفيهًا، ولأن المنافقين كانوا في رياسة وبسطة في قومهم، وكانوا في يسار، وكان أكثر المؤمنين فقراء، وفيهم الموالي، فدعوهم سفهاء تحقيرًا لشأنهم.
لقد قص الله علينا نبأ المنافقين في هاته الآيات ليعلّمنا العلم الاجتماعي، ويرشدنا إلى مسالك البشر، ويرشدنا إلى أن الاعتماد على النفس من السبل الناجحة الموصلة إلى المطلوب، وأن الركون إلى العادة التي كان عليها الآباء هي العثرة العظيمة في سبيل السير، وأن المصلح لا بد له من أن يخلع لباس اتباع العادات، ولا يبالي باستهزاء أعداء الإصلاح، ولا بما يوقعونه في سبيله من