← Тафсир

Тафсир · id 20643

تفسير ابن بدران = جواهر الأفكار ومعادن الأسرار المستخرجة من كلام العزيز الجبار

ابن بدران

Полный текст (526 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

جواهر الأفكار ومعادن الأسرار المستخرجة من كلام العزيز الجبار تأليف العلامة الشيخ عبد القادر بن أحمد بدران تحقيق زهير الشاويش

стр. 2

الطبعَة الأولى عَن النّسخَة المخطُوطَة الوَحَيدَة ١٤٢٠ هـ - ١٩٩١ م جمَيُع الحُقوق مَحفوظَة يُمَنع طبْع هَذا الكِتَاب أو جُزء مِنهُ بأيّ مِن طُرق الطّبعَ والتّصْوير وَالنّقل وَالترجمَة وَالتسجِيل المَرئي وَالمسمُوع وَالحاسوُب وَغيرهَا مِن الحقوق إلّا بإذْنٍ خَطيّ مِنْ المكتب الإسلامي المكتب الإسلامي بَيروت: صَ. بَ: ٣٧٧١/ ١١ - هَاتف: ٤٥٦٢٨٠ (٠٥) دمَشق: صَ. بَ: ١٣٠٧٩ - هَاتف: ١١١٦٣٧ عَمّان: صَ. بَ: ١٨٢٠٦٥ - هَاتف: ٤٦٥٦٦٠٥

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مُقَدَّمَة تَفْسير بَدْرَان إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: فإن كتاب الله عز شأنه، وجل علوه وقدره، وعظم وشرف مقداره وحكمه، أنزله على سيدنا محمد ﷺ وحيًا يتلا، وكان- وما يزال- سبيل الهداية لجميع الناس. واليوم شرفني الله بخدمة كتابه الكريم، بتقديم الموجود من تفسير لعالم سلفي معاصر، ومحقق جليل: الشيخ عبد القادر بن أحمد بدران وتفسيره هذا! وإن لم يكتمل، فقد جمع فيما فسر مهمات مسائل التفسير التي يحتاجها الناس- هذه الأيام- فقد فسر الفاتحة، ووصل إلى الآية ١٨٩ من سورة البقرة. وسوف يحتاج الناس كل الناس، إلى تفاسير كثيرة متتابعة، يهيئ الله لها من يلهمهم من أهل العلم من يخدم كتابه العزيز. لأن القرآن هو كتاب الله الخاتم للوحي، حتى أبد الأبد، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. * * *

стр. 4

وتفسير بدران هذا جاء مطالع القرن الهجري الماضي، بعد أن بلغت الطباعة اتساعًا في طبع الكثير من التفاسير. فتنبه إلى ما في أكثرها من سقطات أحدثت حرجًا عند عامة الناس. بعد أن كانت (وهي مخطوطة) لا يكاد يطلع عليها إلا أهل العلم، وخاصة الخاصة. فقام بجمع تفسيره ملاحظًا فيه أمورًا أهمها: الأول: تصحيح ما وجده في التفاسير المتداولة، سواء منها التفسير بالمأثور، أو التفسير بالرأي، بشكل لطيف أصاب فيه الكثير من مواطن الإشكالات، وصحح الكثير أيضًا من مواطن التجاوزات. الثاني: رفع ما كان معتقدًا عند العامة مما يشبه العصمة عن بعض التفاسير التي تداخل فيها التأويل الصوفي، والمتناقل عن مصادر التشييع، والتوسع في الإسرائيليات، وما تناقله المفسرون عن بعضهم بعضًا مع المنقول عن سلفنا الصالح من الصحابة الكرام، والتابعين الملتزمين بالنقل الصحيح المعتمد ما أمكنهم ذلك. الثالث: المزج بين العلوم الكونية (حيث وصلت إليه في عصره) مع ما أشار إليه القرآن الكريم .. من غير إلزام بما فهمه بعض المفسرين المتأخرين من الذين انبهروا بما سمعوا من علوم تأثروا بها بعدما سمي- بقيام- النهضة الحديثة، واختراع الآلة البخارية، واستخدام الكهرباء، وما إليها من كشوفات حديثة- والتي ما زالت تتجدد. فكان الشيخ بدران وسطًا بين الأبعاد المختلفة، من غير الغلو في حشو المعلومات العلمية وشبه العلمية، مكتفيًا بشروح مبسطة. ومنهج المؤلف هذا هو الأقرب إلى ما كان عليه علماء السلف، ومن تبعهم من أهل العلم المحققين- مثل شيخ الإسلام ابن تيمية. الذي فسر الكثير من آيات القرآن الكريم، وبعض سوره، وحل ما وصل إليه من مواضع أشكلت على الناس، وبعضها مما هو موجود في التفاسير المتداولة في عصره، ولكنه لم يكتب تفسيرًا كاملًا مع ما بلغه من العلم الواسع. وذلك من ابن تيمية مبني على أن القرآن الكريم يحتاج إلى تفسيرات دائمة لتسد حاجات الخلق في كل زمان.

стр. 5

وفي تتبعي لما فسره الشيخ بدران، وجدت أنه سار على درب الشيخ جمال الدين القاسمي، وتجنب الكثير مما شعر أن شيخه انفرد فيه. وهذا التفسير بلغ فيه مؤلفه إلى تفسير الآية (١٨٩) من سورة البقرة ثم انقطع الذي عندنا، ونسأل الله أن نجد ما تبقى منه- إن كان موجودًا-. وإنني أنهيت إعداد الموجود للطبع منذ سنوات، منذ سنة ١٣٨١ الموافق لسنة ١٩٦١، وأعلنت عن ذلك في عدد من فهارس المكتب، وأشعته بين أهل العلم في بلدنا وغيرها، بانتظار أن أعثر على باقي الكتاب .. ولكن أخفقت في المساعي التي بذلتها، ولم أجد عند أحد من أهل العلم خبرًا يفيدنا في ذلك. ولهذا قدمته للطباعة، بما تيسّر لي من جهد وممارسة، أرجو أن يكون مني مقبولًا عند الله، ولمن ساعدني من الأخوة في قسم التصحيح في المكتب الإسلامي ببيروت. وكان ذلك بعد أن شرفني الله بفضله حفظ عدد كبير من مخطوطات المصاحف، والمجموعات العديدة من التفاسير، وتحقيق أو الإشراف أو المشاركة بالطبع على إصدار عدد منها مثل: "زاد المسير" تفسير الإمام ابن الجوزي، بالتعاون مع الشيخين عبد القادر، وشعيب الأرناؤوط، و"مختصر تفسير المنار" للسيد محمد رشيد رضا، و"قرة العينين على تفسير الجلالين"، و "الناسخ والمنسوخ من كتاب الله " لهبة الله المقري، و "قبضة البيان في ناسخ ومنسوخ القرآن" للشيخ جمال الدين البذوري، مع الشيخ محمد كنعان، و"التفسير العصري القديم" للشيخ عبد الفتاح الإمام، و"البرهان على سلامة القرآن" للعلامة الشيخ سعدي ياسين، و"الفلم القرآني" للأستاذ الجليل عبد الرحمن الباني، و"لمحات في علوم القرآن" للدكتور محمد الصباغ، و"علوم القرآن" و"مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية" للدكتور عدنان زرزور، و"التجويد وعلوم القرآن" للأستاذ عبد البديع صقر، و "فوائد قرآنية" للشيخ عبد الرحمن بن سعدي، و "تفسير جزء عم" و"تبارك" للأستاذ أحمد مظهر العظمة، و"إقامة الدليل والبرهان حول تعليم القرآن" للعلامة محمد بن عبد العزيز المانع، و "تحفة الأريب بما في القرآن من الغريب" لأبي حيان الأندلسي للدكتور

стр. 6

سمير المجذوب، و"الدستور القرآني والسنة النبوية في شؤون الحياة" و"اليهود في القرآن"، و "القرآن والمبشرون" للأستاذ محمد عزة دروزة، و "مفاهيم قرآنية" للأستاذ فاروق الدسوقي، و"قصص القرآن" للأستاذ موفق سليمة، و"ما دل عليه القرآن" للآلوسي، و"الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في المال والاقتصاد والتعامل المادي والخلقي" للدكتور محمود محمد بابللي، و"آية وحديث" للدكتور علي شاكر، و"ابن تيمية وجهوده في التفسير" للدكتور إبراهيم خليل بركة، و"الإعجاز التشريعي في القرآن والسنة" للدكتور علي محيي الدين القره داغي، و "الإنسان في القرآن الكريم" للدكتور الشيخ محمد الصباغ، و" تأملات قرآنية" للدكتور موسى إبراهيم الإبراهيم، و"تفسير سفيان بن عيينة" للدكتور أحمد صالح محايري، و"تفسير سورة الرعد" و"فصلت" للدكتور محمد صالح علي مصطفى، و "تنوير المقباس من تفسير ابن عباسً"، و"روائع البيان في علوم القرآن" للدكتور صابر أبو سليمان، و "الفاصلة في القرآن" للدكتور الشيخ محمد الحسناوي، و "المختصر في علم التجويد" للشيخ عبد القادر قويدر العربيلي، و "دعاء ختم القرآن" المنسوب لابن تيمية، وكتاب "أحكام من القرآن" للأستاذ عبد الجبار الراوي، و"القرآن أو الطوفان" للشيخ محمد علي قطب، و"القرآن الكريم وبدعية ترجمة ألفاظه ومعانيه وتفسيره" للشيخ عثمان صافي، و"مجالس التفسير" للدكتور محمد علي الضناوي وغير ذلك. منهج الشيخ بدران مجملًا: أوضح أن الخلاف بين الصحابة والتابعين في تفسير القرآن ما كان إلا من خلاف التنوع، وليس من خلاف التضاد في غالبه. في حين أصبح الخلاف فيما بعد في كتب التفسير المتأخرة متناقضًا في كثير من قضاياه. الأمر الذي جعله يلتزم في التفسير بالمأثور في كل القضايا التي لا تعرف إلا بالدليل، أو من لغة القرآن .. والأخذ بالرأي في أكثر ما وصل إليه فيما يتعلق بما يفهم من السنن الكونية وتطور الحياة. وتعرّض إلى ما دخل التفاسير من آراء الفرق التي أدخلت معتقداتها

стр. 7

بتفصيلات وتوسعات ما أنزل الله بها من سلطان، ولا دليل عليها عندهم، مثل المعتزلة، والمتشيعة، والقرامطة، والصوفية، - فيما بعد-. ووصل إلى أن يفسر القرآن بالقرآن، متبعًا ما أجمل في مكان، إلى ما فصّل في مكان آخر .. ثم التفسير بالسنة الشارحة للقرآن، والمبينة له. ثم بأقوال الصحابة ﵃ أجمعين، وأخيرًا بالرجوع إلى أقوال التابعين وإلى من بعدهم بحذر واضح فيما نقل عنهم. وأخيرًا يكاد أن يحرِّم التفسير بالرأي، تبعًا لمن سبقه من علماء السلف الصالح، لما وجد في الآراء من بعد عن روح الشريعة. وطبعًا استعان باختلاف القراءات لفهم المعنى، إذا وافقت رسم مصحف سيدنا عثمان بن عفان ﵁. وأحيانًا وإن خالفت ذلك مما يعتبر من قراءات الصحابة الشاذة .. لأنها عنده أوجه للمعنى المراد، ودالة على استقامته. وهو في كل ذلك يحاول- ما أمكنه- أن يكون تفسيره، بما وجد في أقوال الأقدمين، موافقًا بينه وبين المعقول المقبول. وخصوصًا فيما يختص بعلم التاريخ، وأخبار الأمم الماضية، وما نقل من الإسرائيليات، وعلم الغيب، وما ألحق به من السحر والخزعبلات، وما طال من القصص والأخبار والحكايات فلم يسترسل فيها. والتفسير عند الشيخ بدران كما هو واضح في ثنايا الكلام يعتمد على اللغة أولًا، لأن المقصود في التفسير الإيضاح والكشف والإفهام والتبيين، وهو الدلالة على مراد الله بما ينفع البشر والابتعاد عن التأول. والتأول ينقسم إلى قسمين يشمل كل واحد منهما الكثير من المعاني. فالقسم الأول: هو التأويل المنطبق على ما ورد، وهذا لا يكاد يختلف عن التفسير بالمأثور في جوهره.

стр. 8

والقسم الثاني: هو الذي يباين معاني القرآن الكريم، وهو مردود مرفوض، والشيخ بدران نزّه كتابه عنه. والتأويل له شروط كثيرة حتى يقبل، ولكن أكثر الذين فسّروا القرآن بالآراء لم يلتزموها، ونجد الشيخ بدران يحط عليهم في هذا التفسير، وانظر إليه في الصفحة ٨٨ يقول عن الرعد والبرق والصواعق: (وأما الرعد والبرق، فليس في هذه الآية إشارة إلى أن منشأهما من أي شيء، غاية الأمر أنهما وقعا في تركيب التشبيه، فكان من اللازم أن نلوي عنان البحث عن الكلام عليهما؛ وعن الصواعق أيضًا، بل كان من اللائق أن لا نفسر شيئًا من ألفاظها، لأن أحدًا يعلم اللغة العربية لا يجهلها؛ غير أن المفسرين استطردوا هنا في ذكر أسبابها بحسب ما لاح لهم، فلزمنا أن نذكر منها شيئًا، وإن كان سيأتي في كتابنا هذا أكثر مما ذكرناه، فنقول: تكلم الناس قديمًا وحديثًا على السبب الذي فيه البرق والرعد، والصواعق كلامًا كثيرًا، وأطالوا في الأدلة وأخذ كل متأخر ينقض قول من تقدمه إلى يومنا. وسيجيء قوم ينقضون جميع ما ذكره القوم من الأدلة، ويظهر لهم غير ما نحن عليه اليوم، وما ذلك إلا لأن علام الغيوب هو المظهر لما في الكائنات، ولا يمكن لمخلوق أن يطلع على حقيقة الموجودات، وأن يعلمها علمًا يقينيًا لا يقبل النقض بحال من الأحوال، ويعلم ما قلناه مسلمًا به، من يطالع كتب الحكماء، فإنه يرى كثرة اختلافهم في أسباب الأمور المشهودة، واستدراك المتأخر منهم على المتقدم، ونقض أدلته وزعمه أن السبب غير ما ذكره مَنْ سلف، أو أن السبب المذكور غير تام السببية، وغير ذلك مما يدل على أن أقوالهم رجم بالغيب). ثم يقول في الصفحة ٨٩: (وأما البرق، فروى ابن جرير عن علي بن أبي طالب- ﵁ أنه قال: "إنه مخاريق الملائكة").

стр. 9

مع أن التفصيلات التي يوردها بعضهم معتمدين على حديث، أو مشاهد من ظواهر الكون، ليس بالضرورة هو الصحيح فقط. وأورد أقوالًا أخرى متباينة وختم ذلك بقوله: (وهذا يشبه ما ذكره أهل عصرنا: من أن سببَ البرقِ الكهربائيةُ السارية في السحاب، ونحن بحسب ما عرفناه اليوم، يمكن أن يكون هدا القول صحيحًا، اللهم إلا أن يأتي بعدنا أو في زمننا قوم يكتشفون خلاف هذا، فإن هذه الفنون سائرة إلى الأمام). ويلاحظ هنا أنه روى ما ثبت عنده من المأثور، ورجع إلى ما شاهده من مخترعات مبنية على المكتشف من العلم، وأخبر أثر ذلك لما يأتي به العلم من مكتشفات .. وقد صدق في ذلك. * * * وفعلًا فإن ما يذكره العلماء- اليوم- ونحن في مطالع القرن الخامس عشر الهجري، وأواخر القرن العشرين الميلادي يناقض تقريبًا كل ما ذكره العلماء مطلع هذا القرن أيام كتابة الشيخ بدران تفسيره. وفي الصفحة ١٠٩ وجد ما أحدث الناس في عبادة الأوثان فعرج عليها ببيان مفيد. وانتهزت أنا ذلك وعلقت على ما نشاهد في المسلمين وغيرهم من ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله. * * * وقد توسّع في بعض الأماكن كما فعل في الصفحة ١٩١ في نقض أقوال اليهود. ولكثرة نقوله من كتب التفسير السابقة، سواء منها المأثور أو التفاسير المؤولة، فإنه قد نقل أمورًا لعلها محل نظر، لو قدر له معاودة الكتابة لحذفها أو غيرها. وقد وضعت عند بعضها أو في الحواشي كلمات تدل على وجهة نظري،

стр. 10

من غير أن أغيِّر كلمة واحدة مما قاله المؤلف، كما هي عادتي ومنهجي. وإن في الحواشي والتعليقات سعة لكل رأي. وقد رجعنا إلى المواطن التي نقل عنها من المطبوع من تلك التفاسير، ووجدنا بعض الخلاف في شيء كثير منها. ولعل سببه أنه اختصر ما نقله، أو أنه كان ينقل عن نسخ مخطوطة، أو ذات طبعات غير متقنة. ويقول في الصفحة ٣٦٦ وفيها تاريخ تفسيره واسم الذي اختاره، ومن ذلك يعلم بأن تفسيره هذا من أواخر ما كتبه ﵀ فقد قال: (يقول الفقير عبد القادر بن أحمد بن مصطفى بدران: إلى هنا انتهى بنا المجال على سبيل الاختصار، في تفسير الجزء الأول من كتاب الله تعالى، مع العجز والتقصير، وكنت ابتدأت به من قبل بسنين تعد بالسبع أو الثمان، فكتبت منه قطعة ثم منعتني عنه موانع، وصرفتني عنه أمور، منها اشتغالي بتهذيب تأريخ الإمام أبي القاسم علي بن عساكر، الذي يربو تهذيبه عن الثلاثة عشر مجلدًا، ومنها بعض مؤلفات اقتضت الضرورة تقديمها، ومنها أشغال تشغل القلب وتعلّه، ليس هنا مواضع ذكرها، ثم لما فرغت من "تهذيب تاريخ ابن عساكر"، صرفت العناية نحو إتمامه، حتى وقع الفراغ منه يوم الجمعة الحادي عشر من شهر شوال سنة خمس وثلاثين وثلاثمئة بعد الألف، أيام كانت نار الحرب مشتعلة في جميع أقطار المعمور (١)، وغلاء ما يحتاجه الإنسان يفوق التصور، والأكدار تصب صبًا، وريح التقلبات يعلو على النكباء، فالله حسبنا ونعم الوكيل، وقد خطر لي أن أسمي الكتاب كله "جواهر الأفكار، ومعادن الأسرار، المستخرجة من كلام العزيز الجبار" أسأله تعالى الإعانة على إتمامه بفضله وكرمه). * * *

стр. 11

وعند تفسيره الجوع والخوف من الآية: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ قال في الصفحة ٤٠٠: (ففي الآية سر عجيب، يظهر هذا السر في كل زمان، ولا سيما في زماننا، فإن الأمة الإسلامية لا زالت تتخلف عن الجهاد، وعن إعداد العدة له، فلم تسابق أعداءها في الفنون الحربية، وفي المخترعات التي اخترعوها لهلاكها، حتى كثر غزو الأعداء لها في عقر دارها، فأخذوا ينقصون أرضها من أطرافها، تارة بالحيل والدسائس، وإثارة الفتن، وتفريق الكلمة؛ وتارة بالتهويل والإرهاب، وتارة بالحرب في عقر الديار، حتى أمسى معظم بلاد المسلمين في أيدي الأعداء، والمسلمون معانقون للبله، مخلدون للسكون كالأرقاء، فطمع العدو بهم، ونظر إليهم نظر الاحتقار، وتألب بأجمعه على كيدهم، حتى غزاهم في عقر دارهم في البقية الباقية لهم من البلاد. وفي أثناء كتابتي لهذه الأسطر، وقبلها بثلاث سنين (١)، اشتعلت نيران الحرب من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق، ومن الجنوب إلى الشمال، وما ذلك إلا للقضاء على البقية الباقية من البلاد بأيدي المسلمين، فابتلوا بـ ﴿الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾، فلم يكن لهم ملجأ إلا الصبر على الجهاد، نسأله تعالى حسن العاقبة). * * * وقد استدل على وجوب الاجتهاد في موضع لا يظن أنه محل ذلك، فقال في الصفحة ٣٨٤: (وقد ذكر كثير من المفسرين هنا أحكام استقبال القبلة، وخلاف الأئمة في ذلك، وإيراد الأدلة ونقضها، مما محله كتب الفروع والخلاف؛ وإننا لا نتعرض في كتابنا لهذا، ولكننا نذكر الأحكام المستنبطة من الآيات خاصة. وحيث كان الأمر كذلك نقول:

стр. 12

إن قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ يوجب الاستقبال، وقد ثبت عقلًا أنه لا سبيل إلى الاستقبال إلى الجهات إلا بالاجتهاد، وثبت بالعقل: أن ما لا يتم الوجوب إلا به فهو واجب، لزم القطع بوجوب الاجتهاد، والاجتهاد لا بد وأن يكون مبنيًا على الظن، فكانت الآية دالة على التكليف بالظن، فثبت بهذا أن التكليف بالظن واقع في الجملة، ودلت الآية أيضًا على وجوب تعلم أدلة القبلة). وفي الصفحة ٨٤ وعند تفسيره الآية الكريمة: (﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾. قال: هذا خبر من الله جل ثناؤه عن المنافقين، أنهم باشترائهم الضلالة بالهدى لم يكونوا للهدى والحق مهتدين؛ بل هم ﴿صُمٌّ﴾ عن السماع النافع الموصل إليهما، فلا يسمعون بها لغلبة خذلان الله عليهم، ﴿بُكْمٌ﴾ عن النطق بهما، فلا ينطقون بهما لأن قلوبهم مختوم عليها، فلا ينبعث منها خير تقذفه إلى الألسنة؛ والبكم: الخرس، وهو جمع أبكم. ﴿عُمْيٌ﴾ عن أن يبصروهما فيعقلوهما، لأن الله قد طبع على قلوبهم بنفاقهم فلا يهتدون. وقد سبق لي أثناء الكلام على تفسير هذه الآية في الدرس، أن قلت: إن السمع والبصر ينقسمان إلى قسمين: الأول: سمع وبصر طبيعيان موجودان من أصل الخلقة والفطرة، وهذان يشئرك فيهما جميع الحيوانات إلا النادر. والثاني: سمع وبصر موهوبان من الله تعالى، وبهما يطلع صاحبهما على أسرار الكون واستجلاء الحقائق، ولهما مَعين، وهو الفكر المستنير بنور من الله تعالى، المستمد من حكمة آثار الكون وعجائبه بواسطة البصر، ومن كلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بواسطة السمع. فإذا اهتدت النفس الناطقة، بسبب هذه الثلاثة، انطلق اللسان بالحق، وأنبأ عن تفجر ينابيع الحكمة في القلب، وإلا أصبح اللسان أبكم عن النطق بتلك

стр. 13

المواهب، والأعين عميًا عن رؤية الآثار الإلهية في الكون، والآذان صمًّا عن سماع كلام الأنبياء، وحكمة الحكماء. فالمنافقون وإن وُهبوا القسم الأول، فإنهم لم يوهبوا القسم الثاني). أقول: ومن هنا نرى نقاشه عقلي منطقي مقنع. * * * وختامًا أرجو الله سبحانه أن يغفر لي وللشيخ بدران وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. غرة شوال المبارك ١٤١٩ الموافق لـ ١٨/ ١/ ١٩٩٩ زهَير الشّاويش

стр. 14

ترجَمة المؤَلف الشَيخ عَبد القَادر بن أحمد بَدرَان الدّومي الدّمَشِقي ﵀ إن الشيخ عبد القادر من أكبر دعاة السلفية في مطلع القرن الرابع عشر الهجري في بلاد الشام. وهو عبد القادر بن أحمد بن مصطفى بن عبد الرحيم بن محمد بن عبد الرحيم المشهور كأسلافه بـ (ابن بدران) السعدي الدومي (الدوماني) الدمشقي. وكان ينسب نفسه إلى (الأثر) فيقول: الأثري، وأحيانًا إلى مذهب الإمام أحمد فيقول: (الحنبلي). والحق في هاتين النسبتين تجاوز قد يغفل عنه بعضهم، وذلك لأن الانتساب إلى (الأثر) بمعنى أنه يتبع للأثر والاقتداء بالرسول ﷺ مباشرة، ليقابل به المقلدة أتباع المذاهب. وهذا في الحق هو الذي كان عليه أئمة المذاهب، المتبعة أمثال أبي حنيفة، ومالك، والشافعي وأحمد. وداود الظاهري والعشرات وغيرهم. فكلهم اتبع الأثر الذي وصل إليه. وغالب من يسمي نفسه بـ (الأثري) لا يكاد يعرف من الأحاديث ما كان عليه الرسول ﵌، إلا بتقليد من سبقه من أهل العلم. ونسبته إلى (الحنبلي) فهي متأخرة، فقد نشأ متفقهًا على مذهب الإمام الشافعي، رغم وجود المذهب الحنبلي في بلدته، دُوْمًا وبعض القرى وبقايا عوائل في دمشق ..

стр. 15

وعندما انتقل عن مذهب الشافعية، كان قد بلغ درجة الاجتهاد، ويفتي بما وصل إليه علمه. وانتسابه إلى دوما لأنها بلدة أهله وأسلافه. والدمشقي لأنه أقام بها أكثر حياته. وكانت ولادته ١٢٦٥ هـ. وكان- ﵀ غير مقلد في زمن بلغ فيه التقليد أوجّه، أواخر الدولة العثمانية (الحنفية). والتي كانت منذ تولت بلاد الشام مدة أربعمئة سنة تلزم الناس بتقليد المذهب الحنفي بالترغيب وأحيانًا بالترهيب. ولكنه خرج عن تقليده مذهب الإمام الشافعي إلى طريقة السلف الصالح في التفكير والدعوة والمعتقد، حاملًا سيف الدفاع عن ذلك، وقد تعرض للأذى من المقلدة، مما أدى إلى خروجه من بلدته دوما إلى دمشق. وكان أحيانًا ينتسب للمذهب الحنبلي على اعتبار أنه مذهب متبع، والقريب من عقائد السلف .. مع أنه لم يكن من أهل الالتزام بهذا المذهب أيضًا. ولكن القول: إنه حنبلي يبعد عنه الكثير من مسائلة الحكومة، أو يتخذ ذلك درأ أمام خصومه من المشايخ .. مع أن بعضهم من حنابلة زمانه، ومنهم بعض مشايخه ومشايخي أيضًا. بل وفيه أيضًا تقرب للدولة العربية السعودية، وكانت تربطه بها صلات طيبة، وكان بعض العلماء فيها يحبذون الانتساب والالتزام بمذهب الإمام أحمد ﵀. مع اهتمامه بالدليل، والترجيح بين أقوال المذهب الواحد، فضلًا عن المذاهب الأخرى. وكان بحق حامل لواء الفقه المقارن في دمشق وضواحيها، مع المشاركة الموسعة في الأدب ومختلف الثقافات السائدة مطلع القرن الرابع عشر الهجري الذي ظهر في آثاره بالمؤلفات والمقالات في الصحف والمجلات، ورسائل الردود التي سادت عصره بينه وبين المخالفين له ولمنهجه. وقد اشترك معه في بعضها أستاذنا العلامة الشيخ محمد بهجة البيطار وجماعة من أهل العلم أمثال المشايخ: كامل القصاب، وتوفيق البزرة، وعبد الفتاح الإمام وغيرهم.

стр. 16

وله في التفسير كتابنا هذا: "جواهر الأفكار ومعادن الأسرار المستخرجة من كلام العزيز الجبار". والذي وصل إلينا منه هذا المطبوع، ويشمل الفاتحة وسورة البقرة حتى الآية ١٨٩، وله- ﵀ المؤلفات الكثيرة. وأختم هذه الترجمة بما ترجم له أستاذنا الشيخ البيطار- ﵀ من مقدمة كتابنا "منادمة الأطلال في تاريخ ووصف مساجد ومدارس دمشق" فقد قال عنه:

стр. 17

ترجَمة الشَيخ عَبْد القَادِر بَدرَان رَحِمهُ الله تعَالى المتَوفى سَنَة ١٣٤٦ ه ـ كنا أيام الطلب والتحصيل على علَّامة الشام الشيخ محمد جمال الدين القاسمي نقرأ العلوم العربية والدينية والعقلية في فصل الخريف والشتاء في داره، أو في السُّدة الغربية من جامع السنانية، وفي فصلي الربيع والصيف في غرفة عالية من مدرسة عبد الله باشا العظم. وكنا نرى العلَّامة الجليل الشيخ عبد القادر بدران عنده بعض الطلبة يقرؤون عليه، إذ كان مقامه طعامًا ومنامًا وتدريسًا في غرفة كبيرة من المدرسة المذكورة، وكان يقرأ درسًا عامًا في جامع بني أمية، يميل فيه إلى التجديد والفلسفة، وكانت صلته بالسيد القاسمي حسنة، وكان له ولشيخنا القاسمي أمل كبير، وسعي عظيم في تجديد النهضة الدينية العلمية في هذه الديار، فقد أشبها رحمهما الله تعالى أئمة السلف تعليمًا للخواص، وإرشادًا للعوام، وتأليفًا للكتب النافعة، وزهدًا في حطام الدنيا الزائلة، وقد ترك القاسمي أكثر من مئة مصنف، كثير منها جدير بأن يكون لنا منار هدى في سبيل إصلاحنا الديني، ورائد رشاد في سيرنا الاجتماعي. ولما تمّ إصلاح المدرسة السميساطية، في عهد الحكومة العربية- (وهي خلف الجامع الأموي) وطلبوا لها مناهج الكليات الإسلامية، ونظم دروسها كنظام الأزهر، ومدرسة القضاء الشرعي في مصر، وشعبة الإلهيات في كلية دار الفنون في الأستانة. سر الشيخان القاسمي وبدران، عليهما الرحمة والرضوان، آملين أن تقتفي أثر هذه الكليات في التربية والتعليم، وأن تعنى بتخريج رجال يستطيعون أن ينشروا الدعوة الإسلامية بعقل وعلم،

стр. 18

ويدافعوا عنها بالتي هي أحسن. وتكون حينئذ قد سدَّت فراغًا في بناء الإصلاح الإسلامي، وحفظت شيئًا من مقام دمشق الديني والاجتماعي، ولكن الذين عهد إليهم بها، قد تنازعوا أمرهم بينهم، فمنهم من كان يرى وجوب السعي في جعلها مدرسة نظامية جامعة بين الدروس الدينية والعلوم الكونية على وجه يزيد الطالب في دينه بصيرة ونورًا، ويجعله أهلًا للدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، وتكون تلك الكلية روضة علوم وفنون زاهرة، تخرّج لنا من تلاميذها زهرات ناضرة، تزدان بها معاهد الإفتاء والقضاء، والوعظ والخطابة والتدريس، وتستعيد بهم سيرتها الأولى. ومنهم من كان يرى الاكتفاء ببعض الدروس العربية والشرعية ولا يقيم للعلوم الكونية وزنًا، ولا يرفع بها رأسًا، وهذا خطأ لا يحتمل الصواب، لأن الذي أبرز الصحيفتين الدينية والكونية، وأقام كلا منهما مشيرًا إليه، ودالًّا عليه هو الله جلَّت حكمته، جعل الأولى منهما وحيًا معجزًا، والثانية خلقًا معجزًا. وعلى هذه الطريقة الأولى السلفية الجامعة نشأ الأستاذ بدران وهاكم البيان: درس على جدّه الشيخ مصطفى وعلى مشاهير علماء الشام كالشيخ سليم العطار، والشيخ الطنطاوي، والشيخ علاء الدين عابدين، واتصل بالأمير الكبير عبد القادر الجزائري، وعين مصححًا ومحررًا بمطبعة الولاية وجريدتها، ثم صار مدرسًا، وكتب في صحف دمشق. وقد أفصح في طليعة كتابه "المدخل إلى مذهب الإمام أحمد ابن حنبل" عن عقيدته السلفية فقال: وجعلت عقيدتي كتاب الله، أكِلُ علم صفاته إليه، بلا تجسيم ولا تأويل، ولا تشبيه ولا تعطيل. وجعل شغله كتاب الله تدريسًا وتفسيرًا، وسنة نبيه المختار قراءة أيضًا وشرحًا وتحريرًا (قال): ثم إني زججت نفسي في بحار الأصول والفروع والبحث

стр. 19

عن الأدلة حتى لا أكون منقادًا لكل قائد- فوجدت كلا منهم قدَّس الله أسرارهم، وجعل في عليين منازلهم- قد اجتهد في طلب الحق. فهذا يدل على إنصافه وإخلاصه ﵀، وعلَّل دخوله في المذهب الحنبلي من بعد أن كان شافعيًا بأن هذا الإمام الأخير أوسعهم معرفة بحديث رسول الله ﵌ كما يعلم ذلك من اطَّلع على مسنده المشهور (حتى كأنه ظهر في القرن الأول لشدة اتباعه للقرآن والسنة) (١) ثم وصف الإمام أحمد ومذهبه، وورعه وتقواه، ومسائله وفتاواه، بما هو جدير به، ونعى على أسراء الوهم والخيالات الفاسدة، الذين يطعنون في أهل الاتباع، لا الابتداع، وينفّرون الناس منهم، وهم يردِّدون بألسنتهم: وكل خير في اتباع من سلف ... وكل شر في ابتداع من خلف اللهم إياك نعبد وإياك نستعين، فألهمنا رشدنا، واجمع كلمتنا على الحق، وألّف بين قلوبنا، وأيدنا بروح من عندك واهدنا إلى سواء السبيل. وإنك لتجد في مقدمة "المدخل" - الذي اشتمل على أصول الفقه وأصول الدين وفن الجدل، وطبع في مصر (٢) وتجد في خاتمته أيضًا نبذة من ترجمة المؤلف وطرفًا من أخباره وآثاره، وذكر طائفة من مؤلفاته. (قال) فيما ترجم به نفسه تحدثًا بالنعمة: ثم منَّ الله عليَّ فحبَّب إليَّ الاطلاع على كتب التفسير والحديث وشروحها، وأمهات كتب المذاهب الأربعة وعلى مصنفات شيخ الإسلام (ابن تيمية) وتلميذه الحافظ ابن القيم وعلى كتب الحنابلة، فما هو إلا أن فتح الله بصيرتي وهداني للبحث عن الحق من غير تحزب لمذهب دون مذهب، فرأيت أن مذهب الحنابلة

стр. 20

أشد تمسكًا بمنطوق الكتاب العزيز والسنة المطهَّرة ومفهومهما، فكنت حنبليًا من ذلك الوقت. قلت: وكان لي شرف ضيافة الأستاذ المترجم ليلة مع صديقه الرَّحالة الجليل الأستاذ الشيخ خليل الخالدي المقدسي، فأخذ الأستاذ بدران يسأله عما رأى من نفائس الكتب الإسلامية الخطية في ديار المغرب لا سيما الأندلس، والأستاذ الخالدي يجيبه من حفظه بلا تلعثم ولا تريث كأنما كان يملي من كتاب، وقد كنت معجبًا بالسؤال والجواب غاية الإعجاب، وأسفت أسفًا شديدًا أني لم أسجل عندي تلك الذخائر والمفاخر الخالدة للعرب والمسلمين. وهذه هي أسماء مؤلفات الفقيد المترجم التي نقلناها من آخر كتاب المدخل المطبوع: ألف المؤلفات النافعة التي تشهد له بالفضل وسعة الاطلاع، غير أن بعضها لم يكمل؛ ووجهه فيما يظهر ما أصيب به من داء الفالج في آخر عمره حتى خدرت يمناه عن الكتابة واستعان عليها باليسرى، فمنها كتاب "جواهر الأفكار ومعادن الأسرار في التفسير" لم يكمل (١)، وكتاب شرح سُنَن النسائي لم يكمل، وشرح العمدة سماه مورد الأفهام من سلسبيل عمدة الأحكام جزءان، وشرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد، وشرح الأربعين حديثًا المنذرية في جزء، وشرح الشهاب القصاعي في الحديث في جزء، وشرح النونية لابن القيِّم في التوحيد، وشرح روضة الأصول لشيخ المذهب موفق الدين في مجلدين، وله كتاب المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل في الأصلين والجدل وبعض أسماء الكتب المشهورة لمشاهير الأصحاب، وحاشية على شرح المنتهى جزءان بلغ فيها إلى باب السَّلم وحاشية على شرح الزاد، وحاشية على أخصر المختصرات (٢) وتعليق على مختصر الإفادات، وكلا الكتابين للشيخ بدر الدين البلباني، ودرة الغواص في حكم الزكاة بالرَّصاص، وحاشية على رسالة الشيخ

стр. 21

الموفق في ذم الموسوسين، وشرحان على منظومتي الفرائض، وله كتاب طبقات الحنابلة لم يكمل، وكتاب سبيل الرشاد إلى حقيقة الوعظ والإرشاد جزءان، وتهذيب (١) تاريخ دمشق للحافظ ابن عساكر في ثلاثة عشر مجلدًا اعتني فيه بتخريج أحاديثه، وكتاب الآثار الدمشقية والمعاهد العلمية في جزء (٢)، وإيضاح المعالم من شرح الألفية لابن الناظم جزءان، ولخَّص الفرائد السنية في الفوائد النحوية للشيخ أحمد المنيني الدمشقي في رسالة سماها آداب المطالعة، وله شرح الكافي في العروض والقوافي جزء لطيف (٣) والعقود الدرية في الفتوى الكونية في مجلَّد، والعقود المرجانية في جيد الأسئلة القازانية كبرى وصغرى في مجلد، وتلخيص كتاب (الدارس في المدارس) للنعيمي، ورسالتان في أعمال الربعين المجيب والمقنطَر، وديوان خطب منبرية، وديوان شعر اسمه: تسلية الكئيب عن ذكرى الحبيب (٤). يسَّر الله تعالى ما لم يتم منها، وطبع ما لم يطبع ليعمَّ نفعها، بمنه وكرمه. وقد قال- ﵀ فيما يختص عمله في أحد كتبه، مما له علاقة بترجمته ما ينطبق على عمله في التفسير قال: وقد نجز بحمد الله تعالى ما ألهمناه من الكلام على هذا الكتاب، وما

стр. 22

قاسيناه من التعب في فتح مقفله وحل معضله. ولقد اقتحمت بحره الزاخر وخضت لجته ولا سابق لي جعل لطرقه منارًا، ولا شارح له من قبل يكشف عن خرائده أستارًا. بل كان من الحور المقصورات في الخيام والدرة التي لم تجعل على طرف التمام منذ تأليفه إلى أن شرعت في الكلام عليه واستضأت بنجوم ما لدي من كتب هذا الفن. وبينما أنا كذلك إذ بصرت بمختصر هذا الكتاب للعلامة الفقيه الأصولي سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصري ثم البغدادي وشرحه له، فكنت كثيرًا ما استضئ بنبراس هذا الشرح وأفكر فيه وفي مقاصده، وأشاركه في الكتب التي استمد شرحه منها، فربما وافقته في كثير من العبارات كما وافق غيره فيها، وأكثر النظر في المستصفى للإمام الغزالي لأن جُل ما في الروضة مأخوذ منه، وأراجع كتاب التمهيد للإمام أبي الخطاب وذلك عندما ينقل المصنف عنه. وأما بقية كتب الأصول كشرح مختصر التحرير للعلامة الفتوحي، وشروح مختصر ابن الحاجب، وشرح الإسنوي على منهاج البيضاوي، وأصول الحنفية والشافعية، وكتاب الواضح للإمام أبي الوفاء علي بن عقيل البغدادي فقد كانت مراجعتي بها قليلة، لأن الموفق رحمه الله تعالى سلك طريق صاحب المستصفى ولم يسلك طرق هؤلاء، فلذلك لم ترجع مراجعة تلك الكتب بكثير فائدة بالنسبة إلى حل عقد عباراته، وما يذكره من الدليل والتعليل، وأما بالنسبة إلى القواعد فإن تلك الكتب بحر زاخر ومطر مدرار. فرحم الله الجميع منهم. ثم إني مارست هذا الكتاب منفردًا عن كثرة المواد، والخل الصادق المواد. مع ترادف بلايا ومحن وحسد حتى على الوجود في هذا الكون، واندراس العلم وقبض العلماء، وارتفاع راية الجهل والتضليل، وهضم حقوق الحق. فطالما كنت أتوقف في الجملة من كلام الشيخ أيامًا وأستعين بالله تعالى. ولا يخفى علو مكانة هذا الفن ولطف مداركه وصعوبة معتركه، فإنه فن

стр. 23

أولي الجد والاجتهاد، وخلاصة طرق أقوام هم نجوم الهدى وأئمة الاقتداء، وعلماء المنقول والمعقول، وروضة الناظر وجنة المناظر، ومنتهى السول، والورد المستصفى وتنقيح مسالك المجتهدين من أئمة الدين، ومحصول الحاصل، وعدة المستعد لاستنباط الأحكام من الكتاب السنة، والمقترح الذي يحوم حوله كل مقترح، ونهاية الجدل ولباب القياس. وإنني كنت أيام الطلب صحبته منذ البداية ونزهت الطرف في حدائقه الغناء، ونادمته منادمة العاشق لمعشوقه، والتقطت فرائده من أفواه الشيوخ الذي كان الزمن سمح ببقائهم، ولم يكن يومئذ أحد من الطلبة يذكر هذا الفن أو يتكلم به بشفتيه، زاعمين أنه يفتح باب الاجتهاد وذلك الباب قد أوصد منذ قرون متطاولة، حتى كنت أسمع من كثير ممن يدعي العلم يقول: ما ضر الأمة إلا فن الأصول، لأنه يعلم الناظر فيه الأخذ بالدليل. فكنت لا أعبأ بالواشي ولا أميل إلى اللاحي مهما كانت رتبته، فشرعت بقراءة شرح الورقات، وشرح شرحها للعبادي، وحصول المأمول من فن الأصول، ثم بشرح جمع الجوامع للمحلي، مع مطالعة حواشيه وشرحه للعراقي، وبشرح المنهاج للبيضاوي، وبشرح العضد على مختصر ابن الحاجب، وبمطالعة شروحه، وبالتوضيح شرح التنقيح، وحاشيته التلويح، وبشرح المرآة مع مطالعة حواشيها، هذا مع ما كنت أشتغل به من الفنون التي هي مواد هذا الفن، ولا يخفى مكانها ومواد الكتاب والسنة. وإني بحمد الله تعالى لم أقرأ على الشيوخ إلا مدة لا تزيد عن خمس سنين مع الإشراف على فنون المعقول، ومنها الهيئة وفن المواقيت، وغير ذلك، ولا أذكر هذا تبجحًا وافتخارًا وإنما أذكره شكرًا لله على ما أنعم وفتح علي به، فله الحمد حمدًا يدوم على الدوام وأساله تعالى أنه كما عودني لطفه وإحسانه الجزيل فيما مضى أن يديم ذلك علي فيما بقي، وأن يعينني على نشر العلم ويجعل بيني وبين القواطع سدًا مسدودًا ويمنع عني مراوغة الأعداء وكيد الحساد، ومكر أعداء العلم وأهله، فإنه لا مال لي ولا بنون، إلا معونته ورزقه الذي

стр. 24

تفضل به علي كفافًا. هذا وما كان في هذا الكتاب وغيره مما ألفته من صواب فمن الله تعالى، وما كان من خطأ فمني فإني عاجز مقصر. وقد نجزت كتابة هذا الشرح ضحوة يوم الخميس الثامن عشر من ربيع الثاني سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة بعد الألف من هجرة الموصوف بالقرآن الكريم سيدنا ونبينا محمد ﷺ . وأنا الفقير الضعيف العاجز عبد القادر بن أحمد بن مصطفى بن عبد الرحيم بن محمد بن عبد الرحيم بن محمد المعروف بابن بدران عامله الله تعالى باللطف والعفو والإحسان. وحسبنا الله ونعم الوكيل نعم المولى ونعم المصير. وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. والحمد لله رب العالمين. * * * وقد يسر الله لنا هذه الطبعة الأولى للتفسير بتاريخ غرة شوال المبارك ١٤١٩ الموافق لـ ١٨/ ١٩٩٩/١ والحمد لله رب العالمين زهير الشَاويش

стр. 25

مطلع التفسير وقد كتب الآيات بالحبر الأحمر، ويلاحظ أنني قدمت طلب الإذن للطباعة في دمشق في ٢٢/ ٤/ ٦١ وتوقيع مدير المطبوعات الصديق الأستاذ أحمد قدامه ﵀، وقد استدركت آية ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾

стр. 26

القسم الأول من المجلد الأول ويلاحظ أنه اعتمد تسميته "جواهر الأفكار، ومعادن الأسرار، المستخرجة من كلام العزيز الجبار" بدلًا مما كان سماه من قبل "معارج الأفكار الي فهم آيات الفرقان"

стр. 27

القسم الأخير من التفسير ويلاحظ الاضطراب في خط المؤلف بعد الشلل الذي أصابه رحمه الله

стр. 28

جَوَاهِرُ الأفكَار وَمَعَادِنُ الأسْرَار المُسْتخرجَة مِنْ كَلَام العَزيز الجَبَّار تَفْسِير بَدْرَان

стр. 29

تَفسْير سُوَرة الفَاتِحَة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ آمين. لا يخفى على أحد ممن له أدنى إلمام بعلم العربية، أن "الباء" من ﴿بسم﴾ حرف جر، متعلقة بمحذوف، وأن الكلام على البسملة امتلأت به بطون المؤلفات، فلا نشتغل بنقله، لكننا نقول: قدر علماء البلاغة هذا المحذوف متأخرًا، وهو مما يعول عليه، ويناسب ما لأجله كان نزول القرآن، لأنه نزل لدحض حجج المخالفين، وإبطال عبادة ما سوى الله تعالى، وكان المشركون يبتدئون في جميع أفعالهم باسم آلهتهم، فيقولون حينما يشرعون في أمر: باسم اللات، وباسم العزى، وكان كل عابدِ شيء مما سوى الله تعالى، يبتدئ باسم إلهه الذي يعبده بزعمه، وكان التقديم منهم لمجرد الاهتمام الناشئ من قصد التبرك والتعظيم. ولم يكن قصدهم به الاختصاص، لأنهم لم يكونوا ينفون التبرك به تعالي، لأنهم كانوا يقرون به بدليل: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]. وأخبر تعالى عنهم بأنهم يقولون عن أصنامهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. بل كانوا يتبركون به أيضًا، فأرشد بالبسملة الموحَّدَة، إلى أنَّه يجب عليه أن يقصد بعبارته قطع شركة الأصنام، بل قطع شركة كل ما سوى الله

стр. 30

تعالى، كيلا يتوهم منه تجويز الابتداء باسم سوى اسم الله تعالى. وعلى هذا فيكون في الكلام قصر إفراد، والمقصود من الابتداء، الفعل الذي يبدأ به، فإن المشرك لمَّا كان يبتدئ في أفعاله المخصوصة باسم آلهته، وجب على الموحد أن يبتدئ في أفعاله المخصوصة باسم الله تعالى، ردًا على المشرك، وإظهارًا للتوحيد الذي هو المقصود من بعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وإنزال الكتب، وليس هذا المعنى مقصودًا على ما تقدم من الرد على المشركين، ولكنَّه عام لغيرهم أيضًا، ممن استند إلى الأسباب. وذلك أن الله لمَّا أظهر حكمة التسبيب، وأرى الخلق أن بعض الأشياء مستفادة من أشياء أخر، مرتبة عليها ومتقدمة عليها، حتى صارت كأنها أسبابها، كما يُرَى أن النبات لا يكون إلا بالمطر، وأن البذار مثلًا لا ينبت إلا بالماء، إذا كانت الأرض التي هو فيها مساعدة على إنباته، وقف بعض الناس عند أول سبب فلم ير ما قبله، ومنهم من وقف عند سبب السبب، كالذي يعتقد: أن منشأ الأشياء الكونية من الأثير، وأنه هو السبب الفاعل لما نشاهده، ومنهم من وقف عند أسباب بحسب ما انتهى إليه عقله. فلا جرم، طوى الحق تعالى تلك الأسباب، وأظهر بتقديم الجار والمجرور من البسملة، أن كل شيء ظهر في الوجود، إنما كان باسمه ... (١) إن أمثال هذه المعاني نلحظها ولا نلقي لها بالًا، وربما يغرب عن خاطرنا المقصود منها، فلا بد لنا من تقريرها بما يقرب من معنى ما تقدم، لترسخ في النفس فنقول: إن كثيرًا منا من يقول: عملت هذا العمل باسم فلان، يقصد بذلك التباعد عنه والانسلاخ من عمله، ويقول: بنيت هذه الدار باسم الأمير فلان، أو باسم كذا وكذا، فإذا كان العمل خالصًا لله تعالى، وجب على العامل أن يقول عند الابتداء به: بسم الله، فكأنه يقول: إنما عملي هذا هو بأمر الله، وهو خالص له، وليس

стр. 31

لي منه شيء، طارحًا الرياء والافتخار به، لأنني عبد مملوك له تعالى، فلا أعمل شيئًا لنفسي، وهل أنا ونفسي إلا ملك له تعالى، وليست القدرة التي أنشات بها هذا العمل، إلا منه تعالى، ولولا أنه تفضل عليّ بها، لما كنت قادرًا على فعل شيء، ولا على صدوره، ولست أستمد القوَّة إلا منه، ولا أرجو الإحسان إلا منه، فلفظ "الاسم" مراد هنا. و"الاسم" من السمو، لأن التسمية تنويه بالمسمَّى، أي الارتفاع، ورفع الصوت به، ومعناه: رفع المسمَّى عن حضيض الخفاء إلى منصة الظهور، ليتجلى لأعين البصائر، وإعلاء قدره حيث جُعل معتدًا به، ونصب علامة بإزائه أي: بجانبه. فالتسمية: وضع اللفظ بإزاء المعنى، ويليق بقول من قال: إن الاسم مأخوذ من السمة، وهي العلامة، أي: ينطبق على هذا المعنى، ولسنا الآن بصدد بيان الاشتقاق. ولفظ الجلالة مختص بالمعبود بحق، لم يطلق على غيره، قالوا: هو مشتق من "أَله إلهة"، بمعنى: عبد عبادة، أو: من "أَله" إذا تحير، لأن العقول تتحير في معرفته، أو: من "ألهت إلى فلان" إذا سكنت إليه، لأن القلوب تطمئن بذكره، والأرواح تسكن إلى معرفته، وقال بعضهم: هو علم لذاته المخصوصة، لأنه يوصف ولا يوصف به، ولأنه لا بد له من اسم تجري عليه صفاته، ولا يصلح له مما يطلق عليه سواه، وترجيح أحد القولين على الآخر محل مناقشات تكفل بها من كتب على البيضاوي و"الكشاف" (١) فلا نطيل بها، لعلمنا أن كل أحد يعلم من لفظ "الله" أنه علم على الذات، التي لا يسع العقل إنكار وجودها، المستحقة لجميع المحامد، المتصفة بالأسماء الحسنى والصفات العليا. و﴿الرحمن الرحيم﴾ اسمان بنيا للمبالغة، فوزن الأول فعلان: كغضبان وعطشان، وهذا الباب يأتي للصفات العارضة، ألا ترى أن الغضب والعطش صفات تعرض وتزول، ووزن الثاني فعيل: كعليم وجميل وحليم، وهو يدل على المعاني الثابتة؛ ألا ترى أن الحلم صفة ثابتة، وكذا العليم، وهما من جملة

стр. 32

الأخلاق والسجايا: فلفظ ﴿الرحمن﴾، لما كان يدل على من تصدر منه آثار الرحمة بالفعل، التي هي إفاضة النعم والإحسان، اختلج في قلب السامع، أن هذا الوزن للصفات العارضة التي ربما لا تدوم، أردفه بقوله: ﴿الرحيم﴾، الدال على الصفات الثابتة، إشارة إلى أنه تعالى مفيض لجميع النعم، سواء كانت عارضة، أو ثابتة، فالوصف الثاني دال على منشأ هذه الرحمة والإحسان، وعلى أن هذه الصفة ثابتة واجبة، فليس الثاني تأكيدًا للأول، بل هو كذكر الدليل بعد المدلول؛ والرحمة معناها في اللغة: العطف والحنو، وليس هذا المعنى مقصودًا هنا، وإنما المقصود غايته، فالرحمة مجاز عن إنعام الله على عباده، لأن الملك إذا عطف على رعيته ورَّق لهم، أصابهم بمعروفه وإنعامه كما أنه إذا أدركته الفظاظة والقسوة، عنف بهم ومنعهم خيره ومعروفه. و﴿الحمد﴾ هو القول الدال على كون المحمود مختصًا بفضيلة معينة، وهي فضيلة الإنعام والإحسان، ويقال في حده: هو النعت بالجميل على الجميل، اختياريًا كان، أو مبدأ له على وجه يشعر ذلك، بتوجيهه إلى المنعوت، فالحمد أخص من المدح، وهو أعم منه، لأنه عبارة عن القول الدال على كون الممدوح مختصًا بنوع من أنواع الفضائل، ولأن المدح قد يكون قبل الإحسان، وقد يكون بعده، والحمد لا يكون إلا بعد الإحسان، ويفرَّق بين الشكر والحمد، بأن الحمد يعم ما إذا وصل الإنعام إليك أو إلى غيرك، وأما الشكر فهو مختص بالإنعام الواصل إليك، ومن هنا تعلم وجه اختيار الحمد هنا، لأنه يدل على أن المحمود فاعل مختار، وعلى أن القائل، مقر بأنَّ إلَه العالم، ليس موجبًا بالذات كما يقوله قدماء الفلاسفة، بل هو فاعل مختار، وهذا المعنى لا يدل عليه لفظ المدح، لأنه يكون للفاعل المختار ولغيره، وأما الشكر؛ فكما علمت من أنه مختص بالإنعام الواصل إليك، والحمد ثناء عليه تعالى، بسبب كل إنعام صدر منه ووصل إلى غيره، ولا شك أنّه أفضل، لأن التقدير كان العبد يقول: يا الله أنت مستحق للحمد العظيم، سواء أعطيتني أم لم تعطني، فإنعامك واصل إلى كل العالمين. و"الـ" في الحمد، يجوز أن يكون للاختصاص اللائق، لأن الحمد لا يليق إلا به تعالى؛ لغاية جلاله؛ وكثرة فضله وإحسانه، وأنْ يكون للملك لأنه تعالى

стр. 33

مالك للكل، فوجب أن يملك منهم كونهم مشتغلين بحمده، وأن تكون للقدرة، والاستيلاء، على حد قولك: "البلد للسلطان"، والله له القدرة، لأنه واجب لذاته، وما سواه ممكن لذاته، والواجب لذاته مستول على الممكن لذاته، فالحمد بمعنى: أن الحمد لا يليق إلا به، وبمعنى: أنه هو المستولي على الكل، والمستعلي على الكل. ثم لما أثبت له الحمد، لاستحقاقه لجميع المحامد، لاتصاف ذاته بجميع الكمالات، أشار إلى أنه يستحقه أيضًا من جهة كونه ربًا مالكًا، فقال: ﴿رب العالمين﴾، مشيرًا به إلى ابتداء الخلق تنبيهًا على الاستدلال، بالمصنوع على الصانع، وبالبداءة على الإعادة، فالرب بمعنى: المالك، كما يقال: رب الدار لمالكها، ويكون بمعنى التربية، ويصح إرادة المعنيين هنا؛ فيكون معناه: المالك الذي يسوس من يملكه، ويربيه، ويدبره، والمربي، إما أن يربي شيئًا ليربح عليه بسبب تربيته، وإما أن يربيه ليربح المربي، وتربية جميع الخلق من القسم الأول، فهم يربون غيرهم ليربحوا عليه، إما ثوابًا أو ثناءً، والله تعالى يربي العالمين، ليربحوا عليه لا ليربح عليهم، فهو تعالى يربي، ويحسن، يربي العالمين لا لغرض نفسه، بل لغرضهم، يربيهم ولا تنقص تربيتهم شيئًا من خزائنه، وإذا ألحوا عليه في الطلب أحبهم، يعطي قبل السؤال ولا ينقطع إحسانه. و﴿العالمين﴾ جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله، سواء كان متحيزًا قابلًا للقسمة، كالجسم، سواء كان علويًا، كالأفلاك والكواكب، وغيرها من العلويات، كالعرش والكرسي. أو سفليًا كالهواء والأرض والماء والنبات والمعادن والحيوانات، على كثرة أقسامها، وتباين أنواعها. أو غير قابل للقسمة، كالجزء الذي لا يتجز، وهو الجوهر الفرد. وسواء كان ممكنًا صفة للمتحيزات، كالأعراض من الألوان والطعوم والروائح، أو ممكنًا ليس متحيزًا ولا صفة لمتحيز، كالأرواح، وهي إما سفلية خيرة كصالحي الجن، أو شريرة كالمردة والشياطين، وإما علوية، كالملائكة، ولا يحقق بعض هذا المقام إلا من برع في فن طبقات الأرض، وفي فنون أحوال الجو والفلك والنبات، فإن هذه الفنون يضطر المفسر إليها، وكل من كان أكثر إحاطة بها كان أكثر إحاطة ووقوفًا

стр. 34

على تفسير رب العالمين، وإذا تأملت في أحوال عجائب النبات والمعادن والحيوان، وآثار حكمة الرحمن في خلق الإنسان، قضى صريح عقلك بأن أسباب تربية الله كثيرة، ودلائل رحمته لائحة ظاهرة، وعند ذلك يظهر لك قطرة من معنى الحمد لله رب العالمين، وأن المراد بالعالمين ما سوى الله، ولكنه جُمِعَ جمْع مذكر سالمًا على سبيل التغليب، لأن العرب لا يطلقون هذا اللفظ، إلا على الجمل التي تتمايز أفرادها، ويكون لها صفات تقرّبها من العاقل الذي جعلت له هذا الجمع، وقد نبه تعالى الحامد بقوله: ﴿رب العالمين﴾، على أنه يملك عبادًا غيره. ولما كانت مرتبة الربوبية، لا تُستجمع الصلاحَ إلَّا بالرحمة، أتبع ذلك بصفتي: الرحمن الرحيم، ترغيبًا في لزوم حمده، وذلك لأنه ربما يختلج في خاطر البعض أن لفظ "الرب"، يفهم منه الجبروت والقهر، فأراد تعالى أن يذكرهم برحمته وإحسانه، فذكر هذين الاسمين الشريفين، ليبين له أن ربوبيته تعالى لهم، ربوبية رحمة وإحسان، وليعرفهم أن هذه الصفة، هي التي ربما يرجع إليها معنى الصفات، وما ذلك إلا لتتعلق القلوب به، وتقبل على ما فيه اكتساب مرضاته بانشراح واطمئنان. فإن قال قائل: كيف يتأتى الوصف بصفة ﴿الرحمن الرحيم﴾ مع ما شرعه الله من العقوبات في الدنيا، ومع ما أعده لخلقه من العذاب في الآخرة لمن يتعدى حدوده، وينتهك محارمه، أجيب بأن هذا وإن سمي قهرًا ظاهرًا، فإنه في الحقيقة تربية للناس، وزجرٌ لهم عن الوقوع فيما يخرج عن حدود الشريعة الإلهية، وفي الانحراف عنها شقاؤهم وبلاؤهم، وفي الوقوف عندها سعادتهم ونعيمهم، فهو في حقيقته وغايته، رحمة لمن تأمله ببصيرته، فهو تعالى مُرَبٍّ رؤوف، يربي عبده بالترغيب فيما ينفعه، والإحسان إليه إذا قام به، وربما لجأ إلى الترهيب والعقوبة، إذا اقتضت ذلك الحال، وهذا من تمام معنى ﴿الرحمن الرحيم﴾. ولما كان الرب المنعوت بالرحمة قد لا يكون مالكًا، وكانت الربوبية لا تتم إلا بالملك المفيد للعزة، المقرون بالهيبة، المشعر بالبطش والقهر المنتج لنفوذ الأمر أتبع ذلك بقوله: ﴿مالك يوم الدين﴾ ترهيبًا من سطوة مجده، و "اليوم" ما يتم فيه مقدار أمر ظاهر، ومنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، فإن المراد

стр. 35

بالأيام ليس ما يفهم من أن اليوم من طلوع الشمس إلى غروبها، كما نصت عليه التوراة التي بأيدي اليهود اليوم، لأنه قبل خلق السماوات لم تكن شمس ولا نهار ولا ليل، ولكن المراد بها الأطوار التي تقلبت على السماوات والأرض، واليوم الذي يتم به أمر ظاهر، من أنها كانت موجًا مكفوفًا، ثم صار الكل رتقًا، ثم فتق كل منها عن الأخرى، فانفصلت الأرض، ثم بردت بعد أن كانت ملتهبة، ثم تكونت فيها الجبال والوهاد والسهول والأبحر، ثم صارت صالحة لسكنى الحيوان، فانتهاء كل طور من هذه الأطوار يسمى: يومًا، و ﴿يوم الدين﴾ هو: مقدار ما يتم به جزاء العباد وحسابهم، و ﴿الدين﴾ يطلق على الجزاء والمكافأة، وعلى الطاعة وعلى الإخضاع وعلى السياسة، ومعناها هنا: مالك يوم البعث والجزاء، يوم يخضع الخلق خضوعًا كاملًا لعزته وعظمته، يوم يفرق بين المحسن والمسيء، والمطيع والعاصي، والموافق والمخالف، وذلك لا يظهر إلا يوم الجزاء. واعلم أن من سلّط الظالم على المظلوم، ثم لا ينتقم منه، فإن ذلك لا يكون إلا لعجز أو لجهل، أو لرضاء منه بذلك الظلم، وهذه الصفات الثلاث محال على الله تعالى، فوجب أن ينتقم للمظلومين من الظالمين، ولما لم يحصل هذا الانتقام في دار الدنيا، علم أنه لا بد من حصوله في الآخرة، وهذا هو المراد بقوله: ﴿مالك يوم الدين﴾ وخص بالذكر لامتيازه عن غيره من سائر الأيام، لأن الجزاء على الأعمال، وإن كان يقع في الدنيا، لكنه ربما لم يظهر لأربابه إلا للبعض دون الآخر، وأما يوم الجزاء فإنه يظهر ظهورًا تامًا لعموم الخلق، فمن ثم سمي ذلك اليوم يوم الجزاء دون غيره، والأولى أن يجعل الجزاء عامًا لما في الدنيا والآخرة، بمعنى أنه تعالى مالك ليوم الجزاء المطلق، فلا جزاء في الدنيا ولا في الآخرة، إلا وهو مالك له، إن شاء صرفه عن المجازى، وإن شاء أوصله إليه. وهذه الأوصاف التي أجريت على الله (١) تعالى من كونه ربًا مالكًا للعالمين، لا يخرج منهم شيء من ملكوته وربوبيته، ومن كونه منعمًا بالنعم كلها، الظاهرة

стр. 36

والباطنة، والجلائل والدقائق، ومن كونه مالكًا للأمر كله في العاقبة يوم الثواب والعقاب، بعد الدلالة على اختصاص الحمد به، وأنه به حقيق في قوله: ﴿الحمد لله﴾، دليل على أن من كانت هذه صفاته، لم يكن أحد أحق منه بالحمد والثناء عليه بما هو أهله. ولما استجمع الأمر استحقاقًا بالحمد، وتحبيبًا بصفة الرحمة، والترغيب بها، وترهيبًا بمالكيته يوم الدين، قال عادلًا عن أسلوب الغيبة إلى الخطاب، مقدمًا للوسيلة على طلب الحاجة، لأنه أجدر بالإجابة: ﴿إياك نعبد واياك نستعين﴾ وذلك أنه لما ذكر الحقيق بالحمد، وأجرى عليه تلك الصفات العظام، تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن، حقيق بالثناء، وغاية الخضوع والاستعانة في المهمات، فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات، فقيل: إياك يا من هذه صفاته، نخص بالعبادة والاستعانة، لا نعبد غيرك، ولا نستعينه، ليكون الخطاب أدل على أن العبادة له، لذلك التميز الذي لا تحق العبادة إلا به، فهذه نكتة أرباب المعاني، وأشار إليها في "الكشاف". وللعدول عن الغيبة إلى الخطاب، نكتة تدق عن فهم أرباب المعاني، وهي: أنه أتى بالكاف إشارة إلى مقام الإحسان الذي أشار إليه النبي ﷺ بقوله، لما سئل عن الإحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم [تكن] تراه فإنه يراك" رواه البخاري عن أبي هريرة، ومسلم عن عمر بن الخطاب، ومعناه: أن يعبد المؤمن ربه في الدنيا على وجه الحضور والمراقبة، كأنه يراه بقلبه، وينظر إليه في حال عبادته، فإذا تحقق هذا المقام صح له أن يخاطبه بخطاب الحضور، فيقول: ﴿إياك نعبد واياك نستعين﴾، ويكون جزاؤه وراء ذلك، النظر إلى وجه الله تعالى عيانًا في الآخرة. وأما الذين اتخذوا دونه حجب الوسائط، ورأوا سواه حين العبادة، وتمسكوا بأناس بجعلونهم أربابًا من دون الله، فيقولون: إن فلانًا يتصرف في ربع المعمور، وفلانًا يتصرف في بلدة، وفلانًا أُعطي قوة التصرف حيًا وميتًا، إلى غير ذلك من أحوالهم، فإن الران (١) يتراكم على قلوبهم حتى يحجبهم عن

стр. 37

معرفة الله، ومراقبته في الدنيا، وأنى تصح المعرفة والمراقبة لمن يعتقد التصرف في الكون لغير الله تعالى؟ أم كيف يحصل التجلي، لمن يعتقد أن ثَمَّةَ ضارًا ونافعًا، ورازقًا ومتصفًا بصفات الكمال غير الله تعالى؟ أم كيف يتجاسر بالكذب على الله تعالى فيقول: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ من جعل من دونه أولياء اغتصب صفات الله فجعلها لهم، إن هؤلاء قد خاطبهم تعالى بقوله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤]. إن العبد إذا عبد الله كأنه يراه ولا يرى سواه، بأن استحضر قربه، وأنه بين يديه، أوجب ذلك له الخشية والخوف، والهيبة والتعظيم، والنصح في العبادة، وبذل الجهد في تحسينها، وإتمامها، وإكمالها، فإذا لم يتيسر للمؤمن هذا المقام، فليجعل نفسه في المقام الذي هو أدنى منه، وهو ما أشار إليه ﷺ بقوله: "فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، وذلك أن الأمور في عالم الحس ثلاثة: معاصي، وطاعات، ومباحات المعايش، والسالك إذا علم أن الله يراه في جميع حالاته، فإذا همَّ بمعصية وتذكر رؤية الله له كف ورجع عنها بحصول البرهان الإحساني عنده، وذلك هو البرهان الذي رآه يوسف ﵇، وإذا كان في طاعة، وقام عنده البرهان بأن الله يراه، انجذب سره إلى الخضوع والخشوع، وإخلاص العمل. اللهم إلا أن يكون زنديقًا جاحدًا للربوبية جحدًا حقيقيًا كالزنادقة والدهريين. أو يكون من أرباب الوسائط الذين لا يعرفون الله، إلا معرفة تقليدية مشوبة بإقامة ما لا يحصى من الأرباب. وإذا كان في مباحات المعايش استحيا أن يعطيها جهده، ثم هو ينسى ما أوجبه عليه خالقه ﵎، ألا ترى أن العبد إذا فكر في مواطن الآخرة، من موت، وقبر، وحشر وغير ذلك، وعلم أنه معروض على الله تعالى في ذلك ومواطنه، تهيأ لذلك العرض بزينة أهل الآخرة ما استطاع، وإذا علم أن سره موضع نظر الله وجب عليه تصفيته لمولاه، وإصلاحه وتصفيته مما يكره الله أن يراه، وينظر إليه في قلوب أوليائه، فيزيل الصفات المهلكات ويطهره منها, ويتصف بالمحمودات حتى يجعل سره كالمرآة المجلوة.

стр. 38

وأين هذه الدقائق ممن تركوا هذه الأذواق واستعانوا بغير الله، وشبهوه بخلقه فقالوا: إنا نرى السلاطين والأمراء لا نصل إلى خيرهم وبرهم إلا بواسطة الشفعاء، فكذلك الله لا يوصل إلى خلقه إلا بواسطة من ندعوهم. وهذا القياس فاسد، لأن من ذكروا من السلاطين والأمراء لا يسمعون نداء الداعين، ولا يعرفون المحق من المبطل، ولا المحتاج من غيره، إلا بواسطة مبلغ لهم، والله بخلاف ذلك فإنه يسمع السرّ وأخفى، و ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾ [غافر: ١٩] ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، فأتوا بسلطان هذه صفته، ولم تجعلوا له واسطة؛ وأتوا بميت يسمع نداءكم أينما كنتم، ثم هو يقدر على إنقاذكم مما ألم بكم من حزن وسقم، فيا لندمكم يوم تبلى السرائر، ويا لخجلتكم يوم العرض على رب العالمين، مالك يوم الدين، ويا لكذبكم حينما تقفون بين يديه، ثم تقولون: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. ما أبعدكم عن مقام المشاهدة حيث يعمل العبد على مقتضى مشاهدته لله تعالى بقلبه، وهو أن يتنور القلب بالإيمان وتنفذ البصيرة بالعرفان، حتى يصير الغيب كالعيان، ويصح قول الصادق ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بكاف الخطاب، ولم يحم حول قلبه حلول ولا اتحاد، فالعبادة نوع من الخضوع بلغ نهايته، فوصل العابد به إلى مقام الإحسان، فاستشعر قلبه عظمة للمعبود لا يعرف منشأها، واعتقد أن فوق قدرته سلطة لا يدرك ماهيتها وكنيتها، ولا يعرف منها إلا أنها محيطة به وهي فوق إدراكه. والعبادة شرعت في كل الشرائع السماوية لتذكر بهذا الشعور، الذي هو منشأ التعظيم والخضوع المُؤثر في تقويم أخلاق القائم بها، وتهذيب نفسه، فكل عبادة خالية من هذا المعنى ليست بعبادة. ولما كان هذا المعنى لا يتهيأ للعبد إلا بمعونته تعالى، ناسب أن يطلب ذلك من حضرة مولاه فيقول: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، مقرًا بالعجز واستشعار الافتقار والاعتصام بحوله وقوته، وتقديم المفعول للتعظيم والاهتمام به، والدلالة على الحصر، وأطلقت الاستعانة فلم تتقيد بالمفعول الثاني، كأن يقال: وإياك نستعين على كذا، لتتناول كل مستعان فيه، لأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب

стр. 39

مصالحه، ودفع مضاره، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول، ومن ترك الاستعانة بالله واستعان بغيره، وكله الله إلى من استعان به، فصار مخذولًا. والاستعانة طلب المعونة التي هي سد العجز، والمساعدة على إتمام العمل الذي يعجز عنه المستعين بنفسه، ولذلك كان أهل الإيمان الكامل لا يطلبون ذلك إلا من القادر عليه كما أرشدهم الله إلى ذلك في كتابه المنزل على نبيه، ولكن أهل المقت أبوا أن يسمعوا لله تعالى، ومالوا إلى قوم من الموتى حسًا ومعنى، كالذين في قبورهم، أو معنى فقط كالأحياء الذين لا يقدرون على دفع الضر عن أنفسهم، فجعلوهم حجبًا ووسائط بينهم وبين الله تعالى، فاستعانوا بهم، وطلبوا منهم المساعدة على إتمام أعمال هم عاجزون عن إتمامها، فوكلهم الله إلى من يدعونه، وأبعدهم عن جناب القرب إليه. نعم إنه قال: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، ولكنه ليس من جنس ما يفعله هؤلاء، لأن معنى هذه الآية أن نقوم بالأعمال جهدنا، ونبذل في إتقانها جهد المستطاع، جملة وفرادى، ويساعد بعضنا بعضًا، ثم نفوض الأمر فيما وراء كسبنا إلى حضرة القادر على كل شيء، ونلجأ إليه وحده ونطلب منه المعونة المتممة للعمل، والموصلة لثمرته. إذ لا يقدر علي الأسباب الممنوحة لكل البشر على السواء إلا هو تعالى، وأما الميت فأي معونة له للحي، وأيّ تصرف له مع الله تعالى، وأي معونة موصلة لثمرة الأعمال من حي سوى الله تعالى، فالعارف يحقق هذا المقام، ويعلم أن هذه الجملة ترشدنا إلى أن نعمل الأعمال النافعة، ونجتهد في إتقانها قدر وسعنا، لأن طلب المعونة لا يكون إلا على عمل قد بذل فيه المرء غاية جهده، فلم يوفّه حقه، أو يخاف من أن لا يحصل له النجاح به، فيطلب المعونة على إتمامه وإكماله، وهذا عدا عما أفاده الحصر من تخصيص الاستعانة به تعالى كما تقدم. وأيضًا فيه تحرير العبد من رق الشيوخ الدجالين، والرؤساء الروحيين، الذين يزخرفون الأقوال، ويتقلبون في أنواع الخداع ليجعلوا البسطاء أرقَّاء لهم، فكأنه

стр. 40

تعالى يقول: إن المؤمن من لم تتوجه رغباته إلا إلى خالقه، فهو مع جناب الحق عبد خاضع، ومع الناس حر خالص. ولما ابتدأ في هذه السورة بأسماء الذات، ثم دل عليها بأسماء الأفعال، ثم رقي إلى الصفات، ثم رجع إلى الذات إيماءً إلى أنه الأول والآخر، ثم ندب إلى اعتقاد العجز والاستشعار بالافتقار، والاعتصام بحوله وقوته اقتضى ذلك توجيه الرغبات إليه بالسؤال، فقال: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ قال علّامة خوارزم في "الكشاف": معنى طلب الهداية وهم مهتدون، طلب زيادة الهدى بمنح الألطاف، كقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧] ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] وعن علي وأُبيّ ﵄: (ثبتنا) (١)، وصيغة الأمر والدعاء واحدة، لأن كل واحد منهما طلب، وإنما يتفاوتان في الرتبة، انتهى. وكلامه كلام مدقق، أخذ بمعصم البَلاغة، فانقادت إليه لكنّها لم تكشف له الحجاب عن جميل محيّاها، وإن شئت التمتع بنظرة من ذلك الجمال الباهر، فقل: إن آخر كل سورة له مناسبة وتعلق بأول السورة التي بعدها، وآخر سورة الناس التي هي آخر القرآن في الترتيب، له مناسبة بسورة الفاتحة التي هي أوله. ولما طلب الله تعالى من عبده في سورة الناس الاستعاذة من شر الوسواس الذي يوسوس في صدور الناس، ثم عمم ذلك الموسوس، فقال: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ وقف العبد وقفة المنتبه، وعلم أن له أعداء من الجن والناس، لا يريدون منه أن يكون منفصلًا عنهم تاركًا لسبيلهم، فإذا رأوه على الصراط المستقيم، احتالوا كل لحظة في رجوعه عنه، وجدّوا في جذبه إلى طريق المغضوب عليهم والضالين، فهو ملعبة للأهواء، وللنفس الأمارة بالسوء، وأراد الخلاص من هذا الأمر الملم به، فلم يجد مرشدًا حقيقيًا إلا مَنْ أمره
следующие страницы →