قالوا: لا ينبغي عقد مجلس التحديث، وليكن المسمع على أكمل الهيئات، كما كان مالك ﵀ إذا حضر مجلس التحديث توضأ، وربما اغتسل، وتطيب، ولبس أحسن ثيابه، وعلاه الوقار والهيبة، وتمكن في جلوسه وزبر من يرفع صوته -قالوا: لا ينبغي - عندكم كذا يا إخوان، أي نعم هذه يعني احذفوها، حتى في النسخة التي معي قالوا: "لا ينبغي عقد مجلس التحديث"، وهذه: "ينبغي عقد مجلس التحديث". نعم، بدون لا. نحذف ال "لا" يا شيخ، أي نعم؛ لأنها قلبت المعنى، أفسدت المعنى - سبحان الله- قالوا: ينبغي عقد مجلس التحديث، وليكن المسمع على أكمل الهيئات، كما كان مالك ﵀ إذا حضر مجلس التحديث توضأ، وربما اغتسل، وتطيب، ولبس أحسن ثيابه، وعلاه الوقار والهيبة، وتمكن في جلوسه، وزبر من يرفع صوته.
وينبغي افتتاح ذلك بقراءة شيء من القرآن تبركا وتيمنا بتلاوته، ثم بعده التفريد الحسن التام، والصلاة على رسول الله ﷺ وليكن القارئ حسن الصوت جيد الأداء فصيح العبارة، وكلما مر بذكر النبي ﷺ قال الخطيب: ويرفع صوته بذلك، قال الخطيب: وإذا مر بصحابي ترضى عنه، وحسن أن يثني على شيخه كما كان عطاء يقول: حدثني الحبر البحر ابن عباس، وكان وكيع يقول: حدثني سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث، وينبغي ألا يذكر أحدا بلقب يكرهه، فأما لقب يتميز به فلا بأس.
نعم. هذه آداب المحدث، وسيذكر بعدها.. سيذكر بعدها آداب طالب الحديث.
وكثير منها كما ذكرت لا تتعلق بعلم الرواية فقط، أو بعلم الحديث، وإنما بعموم يعني تصلح لعموم طالب العلم، وبالنسبة للأمر الأول الذي هو لا يتصدى للحديث إلا بعد استكمال خمسين سنة، أو بعد أربعين أو نحو هذه الأمور، أو متى يقطع التحديث. هذه أمور اقترحت فيما بعد، يعني متى؟ بعد عصر الرواية، ولا أثر لها في نقد السنة، العبرة بأي شيء؟ العبرة بالضبط والإتقان، وحاجة الناس، وعلو الإسناد، ونحو ذلك.
стр. 352
فمتى كان -مثلا- بالنسبة لقطع التحديث لا سن له واضح، ابن أبي عروبة اختلط ﵀ وسنه قريب من الخمسين أو دون الخمسين، ومن العلماء من تجاوز المائة، وعقله صحيح، إذن ليست العبرة بالسن، وهذا هو الواقع، الواقع هو الذي يعني أنه لا سن محدد، لا للابتداء بالتحديث، ولا لقطع التحديث، وإنما ذلك راجع إلى طبيعة كل شخص، نعم.
هذا ما يتعلق... بالنسبة لقضية الشيخ، هذا الذي عامي كبير، لا يتعقل كثيرا من المعاني، هذا ينبئك على ما تقدم منه، مع هذا سمع منه كم من شخص؟ يقول: سمع منه مائة ألف أو يزيدون، وهذا ينبئك عن قضية التسامح في شروط الراوي بعد عصر الرواية، بعد أن دونت الكتب وضبطت، وهذا ترى التسامح يعتبر معقولا مقبولا، يعني النسبة ليس فيه شيء؛ إلا أنه عامي لا يضبط، ولكن ذكر الذهبي ﵀ مشددا على نفسه أنهم تسامحوا في الأخذ عن أناس يعني ليسوا من أهل الخير، وفي سلوكهم شيء، وهو ينص على أنه: إنما حملنا على هذا شرف الرواية، يعني يعتب على نفسه بالنسبة ... نعم هذا الذي ... .
بعض الأمور هذه ذهبت مثل عقد مجلس التحديث، هذا ذهب الآن، مجالس الإملاء ومجالس التحديث هذه كانت في السابق موجودة، ثم تنقرض، انقرضت ثم تحيا، -مثلا- العراقي قبل وقته - أظن العراقي نعم، قبل وقته كانت انقرضت، ثم أحياها العراقي، أو أحياها ابن حجر، هو أو شيخه، هو شيخه العراقي. ثم يقولون: بعد ابن حجر انقرضت، أملى ابن حجر ﵀ أكثر من ألف مجلس يملي إملا، يقول: حدثنا فلان، عن فلان ... إلى أن يصل إلى رسول الله ﷺ -أو إلى صاحب النص، ثم انقرضت الآن، لا يوجد هذا، هذا كله يعني إرشادات وتوجيهات يعني كانت في وقتهم يحتاجون إليها -رحمهم الله تعالى-.
لكن يبقى قضايا مثل.. لا تتعلق بعلم السنة فقط، مثل التهيؤ لمجلس العلم، ومثل الصلاة على النبي ﷺ كلما مر، والترضي على الصحابة، ومثل يعني اختيار قارئ حسن الصوت.
يعني ومثل الثناء على العلماء إذا مروا هذه أمور مشتركة في العلوم كلها، ولا تتعلق بالرواية فقط، ومثل كذلك ألا يحدث بحضرة من هو أولى منه سنا وسماعا، مثله الإفتا مثله ... يعني ينبغي إذا كان في حضرة من هو أعلى منه، أعلم منه، أو أكبر منه سنا، ينبغي أن يحيل إليه ما يرد إليه، أو كان في البلد شخص - مثلا - في العلم الفلاني مجيد له إذا جاء الطالب يرشده إليه، يقول: اذهب إلى الشيخ الفلاني وخذ عنه وكذا؛ لأن هذا لا يتعلق بعلم الرواية فقط. نعم. اقرأ آداب طالب الحديث.
стр. 353
النوع الثامن والعشرون: آداب طالب الحديث
النوع الثامن والعشرون، آداب طالب الحديث: ينبغي له، بل يجب عليه إخلاص النية لله فيما يحاوله من ذلك، ولا يكون قصده عرضا من الدنيا فقط، فقد ذكرنا في المهمات الزجر الشديد والتهديد الأكيد على ذلك، وليبادر إلى سماع العالم في بلده، فإذا استوعب ذلك انتقل إلى أقرب البلاد إليه، أو إلى أعلى ما يوجد من البلدان وهو الرحلة.
وقد ذكرنا في المهمات مشروعية ذلك، قال: إبراهيم بن أدهم -رحمة الله عليه-: إن الله ليدفع البلاء عن هذه الأمة برحلة أصحاب الحديث. قالوا: وينبغي له أن يستعمل ما يمكنه من فضائل الأعمال الواردة في الأحاديث، كان بشر بن الحارث الحافي يقول: يا أصحاب الحديث، أدوا زكاة الحديث من كل مائتي أحاديث خمسة أحاديث.
قال عمرو بن قيس الملاحي: إذا بلغك شيء من الخير فاعمل به، ولو مرة تكن من أهله، قال وكيع: إذا أردت فقه الحديث فاعمل به. قالوا: ولا يطول على الشيخ في السماع حتى يضجره، قال الزهري: إذا طال المجلس كان للشيطان فيه نصيب، وليفد غيره من الطلبة، ولا يكتم شيئا من العلم، فقد جاء الزجر عن ذلك.
стр. 354
قالوا: ولا يستنكف أن يكتب عمن هو دونه بالرواية والدراية، قال وكيع: ولا ينبل الرجل حتى يكتب عمن هو فوقه، ومن هو مثله، ومن هو دونه، قال ابن الصلاح: وليس بموفق من ضيع شيئا من وقته في الاستكثار من الشيوخ لمجرد الكثرة وصيتها.
قال: وليس من ذلك قول أبي حاتم الرازي: إذا كتبت فقمش، وإذا حدثت ففتش.
قال ابن الصلاح: ثم لا ينبغي لطالب الحديث أن يقتصر على مجرد سماعه وكسبه من غير فهمه ومعرفته، فيكون قد أتعب نفسه، ولم يظفر بطائل، ثم حث على سماع الكتب المفيدة من المسانيد والسنن وغيرها.
نعم، هذه توجيهات عالية جدا قيمة، جمعها ابن الصلاح -رحمه الله تعالى- ويعتبر كتابه في آداب طالب الحديث من المراجع المختصرة في آداب طالب العلم عموما، كما تلاحظ هذه الآداب لا يختص بها طلبة الحديث، وإن كان بعضها مثل الرحلة ومثل يعني الابتداء ... ، وحتى في طالب العلم الابتداء بمشايخ بلده، ثم الرحلة إلى غيرهم، ليست خاصة هذه -أيضا- بالرواية، وكذلك -أيضا- بالنسبة للعمل، العمل لا يزال يعني هذا التوجيه قائم الذي هو العمل بما ورد عن النبي ﷺ في فضائل الأعمال، ولو يعني يقولون لا ينبغي للشخص أن يكون للحديث الذي يصح عن النبي ﷺ ألا يكون له حظ من التطبيق، ولو مرة واحدة في عمر الإنسان، ينقلون هذا عن الإمام أحمد، أنه حتى في بعض الأحاديث الضعيفة، ربما عمل بها مرة واحدة خشية ثبوتها، ويعني يقولون -أيضا- يستعان بهذا على حفظ الحديث، كما ذكره وكيع.
стр. 355
وكذلك -أيضا- قضية إضجار الشيخ، هذا يذكرونه في السماع، كان طلبة الحديث يعني لرغبتهم في السنة، وأكثرهم غرباء، وربما أضجروا الشيخ، فهذا توجيه لهم بأن يرفقوا بالشيخ، وأيضا- يوجهون الشيوخ -أيضا-، يوجهون المشايخ بتحمل طلبة الحديث، ولهم نصائح كثيرة -أيضا- حول هذا، ومن يقرأ أخبار الأعمش وأخبار شعبة، اشتهر ﵀ بالصراحة وبالطرافة -أيضا-. في أخبارهما كثير من قضية الإضجار هذه، ويتبين منها رغبة طلبة الحديث في العلم، وكذلك -أيضا- رغبة الشيوخ في أداء الرواية.
فهذا الإضجار ليس خاصا بالرواية في الحقيقة، ينبغي أن يتأدب طالب العلم مع من يريد أن يستفيد منه بشكل عام بصفة عامة، ولا سيما العلم، نحن الآن نلاحظ الإنسان لو يريد من شخص أمرا دنيويا تجده أنه يريد أن يقدم معروفا، أو شيئا يتلطف في العبارة: وسعادة فلان، ويعني مثلما نعرفه من ... يعني أمور، وهو يريد منه أمرا دنيويا، فكيف إذا كان يريد شيئا قد لا يجده إلا عنده؟! فهذا يوصون به طالب العلم في عصر الرواية، وهو وصية -أيضا- طالب العلم عموما في كل زمان، وفي أي فن.
كما يوصون -أيضا- الشيخ، ومن عنده شيخ مما يفيد به الناس بالصبر على الطلبة وتحملهم، ويعني مثل هذه الأمور التي يوصى بها طالب العلم، ويوصى بها...لكي تكون الأمور خير الأمور أوسطها لكي يقتربا من بعضهما، لا يكون هناك إفراط ولا تفريط.
وهذه الأخبار كذلك -أيضا- يقول ابن الصلاح: لا ينبغي أن يكون هم طالب الحديث الإكثار فقط، وبعد الصيت، وإني عندي يعني أروي كذا الحديث الفلاني من كذا طريق، وأروي الكتاب الفلاني من كذا طريق، وأن يكون همه العمل أيضا.
стр. 356
ثم ذكروا وصية: الاعتناء بالكتب المفيدة الصحاح، اختصر هذا ابن كثير، وقد شرح ابن الصلاح الكتب التي ... أو فصل في الكتب التي ينبغي أن يعتني بها طالب الحديث، ومن يريد أن يطلع على هذه الآداب والأخبار ويعني ... فله كتاب الخطيب "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع".
القراءة في هذا الكتاب يعني لا يمل منها طالب العلم، يخرج من خبر إلى خبر، وفيها طرافة، وفيها يعني كأنك تعيش الجو الذي كان يعيش فيه الرواة، وكأنك بين مجالس العلم ومجالس التحديث، ومثله كذلك كتاب آداب "الإملا والاستملاء" هذا للسمعاني، وكتاب ابن جماعة "تذكرة السامع والمتكلم"، وعمدتهم في هذا ترى على كتب الخطيب.
مر بنا أن الناس بعد الخطيب عيال على كتبه، كتابه هذا لم يترك شاردة ولا واردة إلا ذكرها بالنسبة لآداب الطلب، وهو كتاب قيم جدا في بابه، وفيه من طرائف المحدثين ومن يعني أخبارهم شيء كثير جدا، يروح الإنسان به عن نفسه، ويعني يطلع به على أحوال كثير.. أحوال كثير من أحوال المحدثين، ولا سيما مثل الإمام شعبة والأعمش وسفيان بن عيينة، وعلاقة الطلبة بهم، وعلاقتهم بالطلبة، ويعني هذه الأمور مما يذكر عن الأعمش أنه يعني هو ظريف -رحمه الله تعالى- وطلابه يعرفون..، وكذلك شعبة يعرفون منه هذا، فجاءه بعض الطلبة، واتفقوا على أنه لا يقدم لهم شيئا إلا استوعبوه، أكلا أو شربا، فأتى لهم، هو فقير ﵀ فقير يعني.. وكذلك شعبة، وتجد في ترجمتيهما الثناء عليهما بالصبر والزهد والورع ...
لكن أحضر لهم طعاما فأكلوه، ثم أحضر لهم شرابا فشربوه، وهم ساكتون، فقام وأحضر لهم علف الشاة، وقال: لم يبق إلا هذا فكلوه.
стр. 357
فتجد في هذا الكتاب أخبارا يعني من طرائفه ﵀، وتصدى بعض الباحثين لجمع أخبار الأعمش في كتاب سماه "الأعمش الظريف"، لكن لا ينبغي هذا؛ لأنه في نظري- والله أعلم- وقد يكون هناك وجهات نظر أخرى؛ لأن هذه الأخبار أين موقعها؟ يعني لا ينبغي أن تجتزأ لوحدها، وإنما هي من ضمن حلقة في ... تارة جد وتارة هزل.
المهم طالب العلم يعني يعتني بمثل هذه الكتب، وهي تقربه من ذلك العصر الذي كان فيه الرواة يعني في الرحلات، وفي حضور مجالس الإملا وأخبارهم في أثناء المجلس، ونعم هذا بالنسبة ... ما أدري تسمحون بقراءة النوع التاسع والعشرين؟ نعم. اقرأه يا شيخ الإسناد العالي والنازل، ما أدري لو طولنا عليكم قليلا، نعم يا شيخ.
النوع التاسع والعشرون: معرفة الإسناد العالي والنازل
النوع التاسع والعشرون، معرفة الإسناد العالي والنازل: ولما كان الإسناد من خصائص هذه الأمة؛ وذلك أنه ليس لأمة من الأمم يمكنها أن تسند عن نبيها إسنادا متصلا غير هذه الأمة؛ ولهذا كان طلب الإسناد العالي مرغبا فيه، كما قال الإمام أحمد بن حنبل: الإسناد العالي سنة عمن سلف، وقيل ليحيى بن معين في مرض موته: ما تشتهي؟ قال: بيت خال وإسناد عال؛ ولهذا دعت رغبات كثير من الأئمة النقاد والجهابذة الحفاظ إلى الرحلة إلى أقطار البلاد طلبا لعلو الإسناد، وإن كان قد منع من جواز الرحلة بعض الجهلة من العباد، فيما حكاه الرامهرمزي في كتابه الفاصل، ثم إن علو الإسناد أبعد من الخطأ والعلة من نزوله.
وقال بعض المتكلمين: كلما طال الإسناد كان النظر في التراجم والجرح والتعديل أكثر، فيكون الأجر على قدر المشقة، وهذا لا يقابل ولا يقابل ما ذكرناه، والله أعلم.
стр. 358
وأشرف أنواع العلو ما كان قريبا إلى رسول الله ﷺ فأما العلو بقربه لإمام حافظ أو منصف، أو بتقدم السماع تلك أمور نسبية، فقد تكلم الشيخ أبو عمرو ها هنا عن الموافقة، وهي انتهاء إسناده إلى شيخ مسن -مثلا-، والبدل: وهو انتهاؤه إلى شيخ شيخه أو مثل شيخه، والمساواة: وهو أن يتساوي في إسنادك الحديث لمصنف، والمصافحة: وهي عبارة عن نزولك عنه بدرجة، حتى كأنه صافحك به، وسمعته منه. وهذه الفنون توجد كثيرا في كلام الخطيب البغدادي، ومن نحا نحوه، قد صنف الحاكم ابن عساكر في ذلك مجلدات.
وعندي أنه نوع قليل الجدوى بالنسبة إلى بقية الفنون، فأما من قال: إن العالي من الإسناد: ما صح سنده، وإن كثرت رجاله، فهذا اصطلاح خاص، وماذا يقول هذا القائل فيما إذا صح الإسنادان؟! لكن أقرب رجالا، وهذا قول محكي عن وزير نظام الملك وعن الحافظ السلفي.
وأما النزول فهو ضد العلو، وهو مفضول بالنسبة إلى العلو، اللهم إلا أن يكون رجال الإسناد النازل أجلّ من رجال العالي، وإن كان الجميع ثقات، كما قال وكيع لأصحابه: أيما أحب إليكم؟ الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، أو سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود.
فقالوا: الأول، فقال: الأعمش عن أبي..، فقال: الأعمش عن أبي وائل: شيخ عن شيخ، وسفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود، فقيه عن فقيه، وحديث يتداوله الفقهاء أحب إلينا مما يتداوله الشيوخ.
стр. 359
هذا النوع التاسع والعشرون متعلق بالإسناد العالي والإسناد النازل، وخلاصة الموضوع في هذا أن الإسناد العالي: هو الذي قل رجاله إلى النبي ﷺ بالنسبة إلى إسناد آخر لنفس الحديث، بالنسبة لإسناد آخر لنفس الحديث وليس لحديث آخر، يعني -مثلا- حديثان أو إسنادان لحديث واحد، لنفرض -مثلا- أن مسلما يروي حديثا، أو البخاري يروي حديثا، يرويه بإسناد بينه وبين النبي ﷺ أربعة، ويرويه بإسناد آخر بينه وبين النبي ﷺ خمسة أو ستة، يقال بالنسبة للأول: هذا إسناد عال، هذا هو العلو، هذا هو العلو المطلق، ويسمونه العلو المطلق، ومعناه قلة إسناد الحديث، قلة عدد رجال إسناد الحديث بالنسبة إلى إسناد آخر للحديث نفسه.
وهذا هو الذي رغب فيه العلما، ومن أجله كانت الرحلة، يعني كان الراوي يسمع من شيخ حديثا عن الشيخ، يكون الشيخ هذا موجودا، لكن في بلد آخر، فيرحل الشيخ إلى هذا الراوي ليسمع منه، ويسقط الواسطة لا يحتاج إليها، وقد جمع الخطيب -رحمه الله تعالى- كتابا سماه "الرحلة في طلب الحديث"، لكنه خصه بمن رحل في طلب حديث واحد، في طلب حديث واحد رحل من بلد إلى بلد.
وابتدأه بأخبار بعض الصحابة: جابر بن عبد الله وغيره ممن رحل في طلب حديث واحد، يعني يرحل إلى البلد، ويطرق الباب ويقول له: سمعت هذا الحديث، فيقول: نعم، فيرجع.
وأما أخبار المحدثين في الرحلة عموما فلا يمكن أن يضبطها كتاب، فإن عملهم كله قائم على الرحلة في طلب الحديث؛ ولهذا ينصون على من لم يرحل، يقولون: لم يرحل أو رحل إلى -مثلا- بلاد قريبة من بلادهم، أما سائر المحدثين في عصر الرواية، فكان عملهم هو الرحلة؛ ولهذا يقولون: الإمام أحمد ﵀ رحل إلى مكة ما فيها إشكال، لكن رحل إلى اليمن وإلى الشام، ورحل البخاري إلى ... طاف البلاد الإسلامية، ورحل مسلم إلى مصر ... ، يطوفون.
стр. 360
يقول أبو حاتم ﵀: إنني عندما ابتدأت الرحلة صرت أعد- يمشون مشيا على القدمين- كنت أعد كم قطعت، فلما بلغت ألف فرسخ تركت العدد، طال.. طالت المسافة، وصار لا يضبط العدد.
فهذه الرحلة مما تميز به المحدثون -رحمهم الله تعالى-، وكما ذكر العلماء السبب هو باختصار: أنه كلما قل رجال الإسناد كلما كان احتمال الخطأ أقل. بس، هذه فائدة الرحلة، هذه فائدة الرحلة، أنه كلما قل رجال الإسناد كلما كان احتمال الخطأ أقل.
تكلم ابن كثير -رحمه الله تعالى- على قضايا منها أن بعضهم يقول: طول الإسناد فيه منقبة، وهي أنك تنظر في عدد من الرجال فيعظم أجرك، وهذا فائدة غير مسألة ضبط الرواية التي يريدها المحدثون، هذه قضية خارجة عن يعني غرض المحدثين من الرحلة وطلب علو الإسناد.
ثم قسم ابن كثير ﵀ العلو إلى نوعين:
العلو المطلق: الذي ذكرته قبل قليل، وهو: قلة الرجال إلى النبي ﷺ .
والعلو النسبي: وهو الذي يكون بالنسبة إلى إمام حافظ مثل مالك، أو إلى مصنف، مثل: النسائي، ويقسمونه إلى أقسام: الموافقة والبدل والمساواة والمصافحة، وهذه أمور يعني مصطلحات عندهم بالنسبة للعلو إلى حافظ، أو إلى إمام أو يعني -مثلا- إلى النسائي، فهذا علو نسبي، يسمونه ليس هو قلة الرجال، ويقول ابن كثير ﵀: إن المتأخرين- في كلامه- أولعوا بهذا العلو، واعتنوا به، ويقول: إنه قليل الجدوى بالنسبة إلى بقية الفنون.
هذه كلمة ابن كثير، وهي كلمة صادقة صحيحة، ولكن ابن حجر ﵀ حينما ترجم لابن كثير أخذ عليه... يعني لم يأخذ عليه، ولكنه نبه يقول: إنه ليس على طريقة المحدثين في طلب علو الإسناد وكذا وكذا، وإنما اعتنى بالتصحيح والتضعيف والجرح والتعديل.
стр. 361
فقال السيوطي ﵀: إن ما عمله ابن كثير -يعني كأنه يقول-: هو الأولى. أما تطلب علو الإسناد، ولا سيما نحن نعرف أنه في العصور المتأخرة طلبوا علو الإسناد بأساليب يعني بأساليب، مثلما نقول: بتسامح كبير، تسامح كبير، يتسامحون، همهم فقط هو علو الإسناد.
ويقول ابن كثير ﵀: إن تطلبه هذا كثير الجدوى بالنسبة للفنون الأخرى؛ ولهذا نحن نقول الآن -لما ذهب عصر الرواية، وصار الاعتماد على مجرد الإجازات-: إن تطلب هذا يعني الاعتناء به، وصرف الوقت فيه؛ لأني رأيت بعض الإخوان يريد.. يقول: أريد أن أسافر إلى الهند، أريد أن أسافر البلد الفلاني من أجل الحصول على إجازات. نحن نقول له: هذا اشتغال عما هو أهم منه، عن -مثلا- حفظ السنة، وعن الاشتغال -مثلا- نقد السنة، الاشتغال بالتفقه في السنة؛ فلهذا يعني كل شيء له زمنه، كل شيء له وقته.
الرحلة في تلك الأوقات في عصر الرواية، تختلف عنها في زماننا الآن، ينبغي للشخص أن يرحل لطلب العلم، يعني الأمر.. لطلب العلم الذي يستفيد منه، هذا الذي يعني يتعلق بالعالي والنازل.
بعضهم.. تكلم ابن كثير عن العلو الوصفي، يعني العلو المتعلق بالوصف لا بالعدد الذي هو صحة الإسناد، وهذا لا إشكال فيه، لا أحد ينازع فيه، وهو أنه إذا كان هناك إسنادان: واحد عال، لكن ضعيف، والآخر نازل، وهو صحيح، أيهما العلو الحقيقي؟ الصحيح بلا إشكال هذا هو العلو يعني المعتبر، ولكن من جهة العلو الذي يقصده المحدثون، أيهما العالي؟ الضعيف، ولا بأس بهذا، مثلا الإمام مسلم ﵀ عرفنا أنه أخرج لرجال فيهم ضعف لمجرد العلو؛ لأن ما يروونه محفوظ من طريق الثقات، وأحب مسلم أن يعلو عن طريقهم، وهذا يفعله المحدثون كثيرا، أن يعلوا بأسانيد فيها ضعف؛ لأن الحديث الذي يروى بهذا الإسناد الذي فيه ضعف مضبوط من طرق أخرى نازلة، وهذا لا إشكال فيه.
стр. 362
ثم تكلم عن قضية يعني قضية الجلالة في الإسناد النازل، إذا كان -مثلا- الإسناد النازل فيه زيادة -مثلا- كونه فيه حافظ معروف، أو إمام معروف، أو كونه متسلسلا -مثلا- بالحفاظ الثقات، فهو بلا شك أجلّ من إسناد يعني ليس فيه ذلك، وإن كان أقل منه رجالا.
وهذا كله كما ذكرت ليس من العلو والنزول الاصطلاحي، العلو والنزول الاصطلاحي راجع إلى أي شيء إذن؟ إلى العدد إلى العدد، وأما الوصف فهو أمر خارج قضية العلو الاصطلاحي.
بقي أنواع في الحقيقة يعني لعلنا نمر عليها، أو نتمكن منه غدا -إن شاء الله تعالى- وما نستطيع أن نطيل أكثر من هذا.
ننبه الإخوان -جزاهم الله خيرا- أن يكون شرح درس اليوم بعد صلاة العشاء إضافة إلى درس غدا بعد صلاة الفجر، يكون هناك درسان -إن شاء الله-؛ لإنهاء الكتاب، وتؤجل -إن شاء الله- إلى الدرس القادم بناء على طلب الشيخ، وجزاكم الله خيرا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 363
النوع الثلاثون والحادي والثلاثون: معرفة المشهور والغريب والعزيز
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال - رحمه الله تعالى-
النوع الثلاثون: معرفة المشهور
والشهرة أمر نسبي، فقد يشتهر عند أهل الحديث، أو يتواتر ما ليس عند غيرهم بالكلية، ثم قد يكون المشهور متواترا أو مستفيضا، وهذا ما زاد نقلته على ثلاثة، وعن القاضي الماوردي أن المستفيض أكثر من المتواتر، وهذا اصطلاح منه، وقد يكون المشهور صحيحا كحديث: الأعمال بالنيات وحسنا، وقد يشتهر بين الناس أحاديث لا أصل لها، أو هي موضوعة بالكلية، وهذا كثير جدا.
ومن نظر في كتب الموضوعات لأبي الفرج بن الجوزي عرف ذلك، وقد روي عن الإمام أحمد أنه قال: أربعة أحاديث تدور بين الناس في الأسواق، لا أصل لها: "من بشرني بخروج أذاه بشرته بالجنة"، "ومن آذى ذميا فأنا خصمه يوم القيامة"، "ونحركم يوم صومكم"، "وللسائل حق وإن جاء على فرس".
النوع الحادي والثلاثون: معرفة الغريب والعزيز
أما الغرابة فقد تكون في متن، بأن يتفرد بروايته راو واحد، أو في بعضه، كما إذا زاد فيه واحد زيادة لم يقلها غيره، وقد تقدم الكلام في زيادة الثقة. وقد تكون الغرابة في الإسناد كما إذا كان أصل الحديث محفوظا من وجه آخر أو من وجوه، ولكنه بهذا الإسناد غريب، فالغريب: ما تفرد به واحد، وقد يكون ثقة، وقد يكون ضعيفا، ولكل حكمه.
فإن اشترك اثنان أو ثلاثة في رواية عن الشيخ سمي عزيزا، فإن رواه عنه جماعة سمي مشهورا كما تقدم، والله أعلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
النوع الثلاثون -كما ذكر ابن كثير-: معرفة المشهور، وهو الكلام فيه مرتبط بالذي بعده، معرفة الغريب والعزيز، وفي كلام ابن كثير عدد من الأمور تلخيصها كما يلي:
أولا: ذكر ابن كثير ﵀ تعريف المشهور، من الأمور التي ذكرها ابن كثير في كلامه تعريف المشهور، وعرفه بأنه: ما رواه.. -بأن في آخر كلامه- ما رواه جماعة، قال في آخر الكلام في آخر الكلام عن النوع الحادي والثلاثين -قال:" فإن اشترك اثنان أو ثلاثة في روايته عن الشيخ سمي عزيزا، فإن رواه عنه جماعة سمي مشهورا". وقال قبل ذلك:" ثم قد يكون المشهور متواترا أو مستفيضا، وهذا من زاد نقلته على ثلاثة".
فالآن ذكر تعريفين ﵀ للمشهور، أحدهما يفهم من تعريفه للمستفيض والمتواتر، وهو أنه ما رواه ثلاثة، وفي آخر كلامه أن المشهور هو ما رواه جماعة فوق الثلاثة.
стр. 364
وهذا التعريف يعني فقط نعلق عليه بأن نقول: ليس هذا منصوصا عن أحد من الأئمة، وإنما هذا هو تعريفه عند أهل الأصول.
وملخص الكلام عند أئمة الحديث أن الحديث باعتبار طرقه ينقسم إلى قسمين:
الغريب: وهو ما رواه شخص واحد.
والمشهور: وهو ما خرج عن حد الغرابة، فإذا خرج عن حد الغرابة فرواه اثنان فأكثر، فهذا هو المشهور، فيقول الإمام مثلا يقول مثلا مثل أبي زرعة أتى إلى راو فيقول: نظرت في حديثه فانتخبت منه الغرائب، وتركت المشاهير، انتخبت الغرائب، وتركت المشاهير. هذا الذي يظهر لي في اصطلاح الأئمة أن المشهور ما خرج عن حد الغرابة، وأن الغريب- كما مر بنا- ما رواه شخص واحد.
يبقى في كلام ابن كثير العزيز، نعلق عليه، ونقول: إن هذا العزيز ذكره الإمام ابن منده -رحمه الله تعالى-، ولكن قال: بأنه ما رواه اثنان أو ثلاثة عن شخص يجمع حديثه ... إلى آخر كلامه.
نعلق عليه فنقول حسب ما وقفت عليه منذ درست المصطلح منذ سنوات طويلة، وأنا أبحث عن نص.. عن إمام يطلق العزة فيريد بها عدد الطرق، سواء اثنان أو ثلاثة، ما وقفت -إلى الآن- على مثال للعزيز، وإنما يطلق الأئمة العزة، ويريدون بها الندرة، فيقولون فلان عزيز الحديث، أو حديثه يعز، ونحو هذه الكلمات، هذه موجودة بكثرة، ولا يريدون بها أنها قسيم للغريب والمشهور.
إذن نخلص من هذا الكلام بأمر، وهو بساطة التعريف، بساطة الاستخدام، الحديث إما غريب وإما خرج عن حد الغرابة إلى الشهرة، وتستريح، من يعني.. حتى أن تعريف الحديث مثال الحديث العزيز، مثل ابن حجر ﵀ بمثال واحد، واعترض عليه باعتراضات، وفهمه صعب عسر جدا فهمه، موجود في النزهة، ويتداول هذا المثال إلى وقتنا الحاضر، يتداول هذا المثال إلى وقتنا الحاضر، مثال واحد.
فالمقصود أن استخدام كلمة عزيز إذا يعني نحيتها يبقى عندك الشهرة والعزة.
стр. 365
الأمر الثاني في كلام الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى-: هو أنه ذكر المتواتر، أن من المشهور ما قد يتواتر، وهو قد حذف هنا كلاما لابن الصلاح نبه فيه إلى أن الحديث المتواتر استخدامه، يعني نبه إلى أن المتواتر بالمعنى المعروف الذي: ما رواه جماعة يستحيل.. عن جماعة، يستحيل تواطؤهم على الكذب، إن هذا عند أهل الأصول، وابن كثير ما نقل هذا، ولكن نبه ابن الصلاح ﵀ إلى هذا، ونبه العراقي إلى أن المحدثين في استخدامهم للمتواتر أنه بمعنى تعدد الطرق وكثرتها، وليس بالمعنى الذي يريده الأصوليون أنه لا يسأل عن عدالتهم، ولو كانوا كفارا ... إلى آخر تعريفهم للمتواتر.
فإذن المتواتر عند المحدثين ما معناه؟ معناه التتابع؛ ولهذا يقول الطحاوي ﵀: هذا الحديث أو هذا الحكم تواترت به الأحاديث، أكثر مما تواترت بالحكم الفلاني.. بالحكم الثاني، يعني يوازن بينهما. ومعروف أنه لا يوجد.. لا يمكن يوجد خبر متواتر يضاد خبرا متواترا. فإذن هو يريد بالتواتر هنا: مطلق التتابع.
стр. 366
في كلام ابن كثير أمر ثالث: وهو أنه قسم الشهرة إلى قسمين: شهرة اصطلاحية، وهي التي تقدمت، وشهرة لغوية، بمعنى أن يشتهر الحديث عند الناس، وإن لم يكن له أصل، أو حتى أحيانا لا يكون له إسناد أصلا، لا يوجد إسناد، وهذا موجود قد يشتهر عند النحاة، وقد يشتهر عند البلاغيين، وقد يشتهر عند اللغويين، ولا يكون له أصل، فهذه تسمى الشهرة اللغوية، وقال: إنه قد يشتهر، وهذا يشتهر يعني حتى تشتهر أحاديث موضوعة، ولا يكون لها أصل، وورد مثال بعدد من الأحاديث، نقل كلام الإمام أحمد، نعم في كلامه -أيضا- تقسيم الغريب، الغريب مر بنا أنه: ما تفرد بروايته راو واحد، وقسمه إلى قسمين، وقد ذكرت هذين القسمين في نوع الأفراد، فالفرد والغريب هما يعني بينهما يعني تشابه، أو لنقل: هما مترادفان، فالغرابة كما ذكر ابن كثير يقول: تكون في المتن بأن يتفرد بروايته راو واحد، أو في بعضه.. كما إذا زاد فيه واحد زيادة لم يقلها غيره، يعني لا يوجد للمتن إلا هذا الإسناد، مثل ماذا؟ مر بنا في الأفراد مثل حديث ماذا؟ ? إنما الأعمال بالنيات ? وحديث ? أن النبي ﷺ دخل مكة وعلى رأسه المظفر ? وحديث: ? السفر قطعة من العذاب ? إلى آخره.
وهناك نوع من الغرابة في الإسناد، يعني يكون المتن محفوظا من عدد من الأوجه، ولكن تقع الغرابة في إسناد واحد، وهو الذي يقولون فيه: غريب من هذا الوجه.
بقي أمر يعني مثّل ابن كثير للمشهور الصحيح بحديث: ? الأعمال بالنيات ? ونحن الآن مثلنا به لأي شيء؟ الآن مثلنا به لأي شيء؟ للغريب. كيف يكون مشهورا، وهو غريب؟ يقسمون الشهرة إلى قسمين، لكن ابن كثير يعني الأمور كلها بسبب الاختصار، يعني تداخلت عنده.
стр. 367
يقسمون الشهرة إلى شهرة مطلقة، وهو: أن يشتهر عن النبي ﷺ وإلى شهرة نسبية، وهو أن يكون غريبا عن النبي ﷺ ولكن تقع الشهرة عن أحد رواته، وعرفنا أن حديث: ? إنما الأعمال بالنيات ? مشهور عمن؟ عن يحيى بن سعيد الأنصاري في الطبقة الرابعة، حتى قيل: إنه رواه عنه مئات من يعني يبلغون المئات ممن رواه عن يحيى بن سعيد الأنصاري، هذا الكلام في النوع الثلاثين، والنوع الحادي والثلاثين. نعم. الذي بعده.
النوع الثاني والثلاثون: معرفة غريب ألفاظ الحديث
النوع الثاني والثلاثون: معرفة غريب ألفاظ الحديث، وهو من المهمات المتعلقة بفهم الحديث، والعلم والعمل به، لا بمعرفة صناعة الإسناد، وما يتعلق به قال الحاكم: أول من صنف في ذلك النضر بن شميل، وقال غيره: أبو عبيدة معمر بن المثنى، وأحسن شيء وضع في ذلك كتاب أبو عبيد القاسم بن سلام، وقد استدرك عليه ابن قتيبة أشياء، وتعقبهما الخطابي، فأورد زيادات، وقد صنف ابن الأنباري المتقدم، وسليم الرازي وغير واحد، وأجل كتاب يورد فيه مجامع ذلك كتاب "الصحاح" للجوهرى، وكتاب "النهاية" لابن الأثير -رحمهما الله-.
نعم. هذا غريب الحديث، فن لا يتعلق بنقد السنة، وإنما قد يحتاج إليه الباحث في النقد أحيانا، قد يحتاج إليه أحيانا في النقد، ولكن كما قال ابن كثير: لا غنى للمحدث عنه؛ للتفقه في المتن ومعرفة معانيه، ثم تكلم ابن كثير على أول من صنف في ذلك، وهذا أمر لا يهم، هل هو النضر بن شميل، أو أبو عبيدة معمر بن المثنى؟ ولكن الموجود الآن، وهو أهم مرجع، يعني من أهم المراجع فيه.
стр. 368
ومن أوائل ما ألف فيه كتاب أبي عبيد القاسم بن سلام، اسمه "غريب الحديث"، مطبوع في أربع مجلدات، ثم جاء بعده ابن قتيبة فاستدرك عليه ما لم يذكره بكتاب، سماه -أيضا- "غريب الحديث"، ثم الخطابي استدرك عليهما، وابن كثير سماه تعقب، وليس هو بتعقب بالمعنى الاصطلاحي، يعني ناقشهما، وإنما هو استدراك يعني يذكر ما لم يذكره أبو عبيد، وما لم يذكره ابن قتيبة.
ثم ذكر بعض المؤلفين في هذا، وأن من أجمع ما ألف كتاب "الصحاح"، كتاب الصحاح ليس كتاب غريب حديث، وإنما هو كتاب لغة، ولكنه يورد بعض الأحاديث في شرحه، أو في هذا الكتاب، كتاب "النهاية في غريب الحديث"، نعم. هو لابن الأثير، وهو متأخر. بالمناسبة، الثلاثة الكتب الأولى، لها ميزة: وهي أنها تورد الأحاديث بالإسناد على طريقة المصنفين الأوائل -رحمهم الله تعالى-، ونستفيد من هذا مزيد أسانيد، ويعني اختلاف طرق، ونستفيد منها في تصحيف النقد.
وأما كتاب ابن الأثير "النهاية"، فهو محذوف الأسانيد محذوف الأسانيد. بس فقط يورد.. فقط يورد المتون.
مما ينبه عليه في غريب الحديث بالنسبة لطالب العلم، ينتبه الناقل للغريب أو الناقل لكلمة الغريب إلى قضية، وهي أن المؤلفين في الغريب يعني كان هذا شيئا إليه يشار، هو أنهم ربما تأثروا في شرح الغريب، إما بمذهب فقهي، أو بمذهب عقائدي..، يعني -مثلا- إذا جاء -مثلا- المؤلف إلى صفة من صفات الله -تعالى- يفسرها بأي شيء؟ إذا كان متأثرا بمذهب النفي يفسرها يؤولها، لا يربطها بأي شيء؟ بالمعنى اللغوي، مثله الفقه -مثلا- في حديث: ائتوني بحجرين وروثة..، ? ائتوني بثلاثة أحجار، فأتيته بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين ورد الروثة وقال: إنها رجس ?.
стр. 369
لو أتيت إلى -مثلا- تفسير رجس هذه تجد في بعض كتب اللغة يقول: الرجس النجس، الرجس النجس، كيف فسره؛ لأن من المذاهب الفقهية من يرى أن جميع الرجيع حكمه ماذا؟ حكمه النجاسة، فبعض... وقد يعني بعض الباحثين خصص رسالته في أثر المذاهب العقائدية في كتب... أو في كتاب "غريب الحديث" الذي هو كتاب "النهاية"، فيختار طالب العلم لا يعني ينقل هكذا، ينظر يعني تفسير الحديث تفسير الغريب، على أي شيء اعتمد المفسر في تفسيره للكلمة الغريبة، فقد أثرت بعض الأمور في كتب الغريب، أو المؤلف، ولا سيما من تأخر منها. نعم يا شيخ.
النوع الثالث والثلاثون: معرفة المسلسل
النوع الثالث والثلاثون: معرفة المسلسل، وقد يكون في صفة الرواية، كما إذا قال كل منهم: سمعت، أو حدثنا، أو أخبرنا، أو نحو ذلك، أو في صفة الراوي بأن يقول حالة الرواية قولا قد قاله شيخه له، أو يفعل فعلا فعل شيخه مثله، ثم قد يتسلسل الحديث من أوله إلى آخره، وقد ينقطع بعضه من أوله، أو آخره.
وفائدة التسلسل بعده من التدليس والانقطاع، ومع هذا قلما يصح حديث بطريق مسلسل، والله أعلم.
نعم، في هذا النوع معرفة المسلسل، وفيه ثلاثة أمور ذكرها ابن كثير: أحدهما في تعريفه، وخلاصة المسلسل أنه يتسلسل إسناده بصفة ما، إما بصيغة الأداة كحدثنا، وأخبرنا، أو بأسماء الرواة كأن يتسلسل بالمحمدين، أو بنسبتهم إلى بلد، كالمصريين أو الشاميين، أو يتسلسل بحال، كما يقول الشيخ -مثلا-: حدثنا وهو آخذ بيدي، كما يقول الراوي: حدثنا فلان، وهو آخذ بيدي، والذي بعده يقول هكذا.
أو يتسلسل بصفة في الرواية كأن يقول -مثلا-: هو أول حديث سمعته منه، وكل واحد يقول: هو أول حديث سمعته منه، فيسمون هذا يسمونه المسلسل، وهناك كتب أو أجزاء ألفت في المسلسلات.
стр. 370
أشار ابن كثير إلى أن التسلسل قد يتصل من أول الإسناد إلى النبي ﷺ كما في الحديث المسلسل بقراءة سورة "الصف"، فإن كل واحد من رواته قرأ سورة الصف ابتداء من رسول الله ﷺ ثم عبد الله بن سلام، ثم يحيى بن أبي كثير، وتسلسل هذا إلى ابن كثير والذهبي وجماعة، رووه هكذا مسلسلا، وهو يقولون: إسناده من أقوى المسلسلات.
وقد ينقطع مثل المسلسل بأول حديث سمعته منه، فإن هذا ينقطع عند سفيان بن عيينة ﵀ عند سفيان بن عيينة -رحمه الله تعالى-.
ما فائدة التسلسل؟ لما اعتنى المحدثون بالتسلسل؟ قال ابن كثير: إن فائدته تعود إلى التأكد أو بعد الإسناد عن التدليس والانقطاع؛ لأن كل واحد يذكر صفة تنبؤ أنه قد لقي شيخه، وسمع منه هذا الحديث، لكنه عقب بقوله: "ومع هذا قلما يصح حديث بطريق مسلسل"؛ ولهذا يقول بعض العلماء: إن التسلسل أصله يفيد الحديث قوة، ولكنه عاد على الأحاديث بأي شيء؟ بالضعف، لماذا؟ لأنه صار هما عند بعض المتأخرين، همّ أن يحرص على أن يقع التسلسل في الإسناد، وحرصوا.. وبعضها موضوعات لا تصح، وبعضها تصح، ولكن التسلسل لا يصح؛ فلهذا يقولون يعني مع.. هذا النوع من الحديث من علوم الحديث لم يستفد منه نقد السنة شيئا، مع أن المفترض أن يفيد في تقوية الإسناد، والدلالة على اللفظ، ولكنه يعني هناك مسلسلات صحيحة، لكن لا تتعلق بالنقد، مثل كونه مسلسلا بالشامي؛ لأن هذا ما يفيد النقد شيئا، ومثل مسلسل -مثلا -بمن اسمهم بالمحمدين، هذا ما يفيد في النقد شيئا. نعم. النوع الرابع والثلاثون.
стр. 371
النوع الرابع والثلاثون: معرفة ناسخ الحديث ومنسوخه
النوع الرابع والثلاثون: معرفة ناسخ الحديث ومنسوخه، وهذا الفن ليس من خصائص هذا الكتاب، بل هو بأصول الفقه أشبه، وقد صنف الناس في ذلك كتبا كثيرة مفيدة، من أجلها كتاب الحافظ الفقيه أبي بكر الحازمي ﵀ وقد كان للشافعي ﵀ في ذلك اليد الطولى، كما وصفه به الإمام أحمد بن حنبل، الإمام أحمد بن حنبل.
ثم الناسخ قد يعرف من رسول الله ﷺ كقوله: ? كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ? ونحو ذلك، وقد يعرف ذلك بالتأريخ وعلم السيرة، وهو من أكبر العون على ذلك، كما سلكه الشافعي في حديث: ? أفطر الحاجم والمحجوم ? وذلك قبل الفتح في شأن جعفر بن أبي طالب، وقد قتل بمؤتة قبل الفتح بأشهر، وقول ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- احتجم وهو صائم ومحرم، وإنما أسلم ابن عباس مع أبيه في الفتح.
فأما قول الصحابي: هذا ناسخ لهذا، فلم يقبله كثير من الأصوليين؛ لأنه يرجع إلى نوع من الاجتهاد، وقد يخطئ فيه، وقبلوا قوله: هذا كان قبل هذا؛ لأنه ناقل، وهو ثقة مقبول الرواية.
نعم. هذا النوع معرفة ناسخ الحديث ومنسوخه قبل أن يبدأ به ابن كثير نبه إلى أنه ليس من علم الحديث، يعني ليس من علم نقد الحديث، يريد هذا، وإنما هو أشبه بأصول الفقه، وهو كما ذكره، ولكن المحدثين تعرضوا له؛ لأنه كما نعرف: المحدثون، هم أيضا.. هم أيضا فقهاء، كبار المحدثين هم أئمة في الفقه أيضا، كأحمد والبخاري وأبي داود.
стр. 372
ثم تكلم على من ألف في هذا، ومن اشتهر به الحازمي كتابه اسمه "الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار" مطبوع، والإمام الشافعي ﵀ له عناية بهذا في كتابه "اختلاف الحديث" يعتني بهذا، ثم تكلم ابن كثير ﵀ على كيف يعرف الناسخ من المنسوخ، وذكر طريقتين لمعرفة الناسخ: إحداهما أن ينص الرسول ﷺ على ذلك، فيقول: مثل حديث: ? كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزروها ? ومثل حديث النهى عن ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاث، ثم الإذن بذلك منه ﷺ وقد يعرف ذلك بالتاريخ، وهذا هو الأكثر، أكثر ما الأئمة يلجئون إلى معرفة التاريخ.
ومثّل ابن كثير بمثال الذي هو سمعتموه وهو حديث: ? أفطر الحاجم والمحجوم ? ولكن ينبغي أن نشير إلى أمر مهم، وهو أن الحكم بالنسخ أمر نقلي أو اجتهادي في غالبه، النقل هو التقدم، تقدم هذا على هذا، يعني قد يعرف بأن هذا قتل مبكرا أو يعني أن هذا وقع في مكة، وأن هذا في المدينة، أو أن إسلام فلان قبل فلان، وإلى هذا، ولكن النظر بين الحدثيين، والحكم بأن هذا ناسخ وهذا منسوخ، إنما هو أمر اجتهادي؛ ولهذا ما ذهب إليه الشافعي هنا في حديث: ? أفطر الحاجم والمحجوم ? يخالفه جماعة، منهم الإمام أحمد، حيث يقدمون حديث: ? أفطر الحاجم والمحجوم ? ولا يرون حديث ابن عباس ناسخا له. هذا يعني النسخ.
وسيأتي الكلام في النسخ -أيضا- في نوع قادم، وهو معرفة مختلف الحديث. نعم.
стр. 373
النوع الخامس والثلاثون: معرفة ضبط ألفاظ الحديث متنا وإسنادا
النوع الخامس والثلاثون: معرفة ضبط ألفاظ الحديث متنا وإسنادا، والاحتراز من التصنيف فيها، وقد وقع من ذلك شيء كثير لجماعة من الحفاظ وغيرهم ممن ترسم بصناعة الحديث، وليس منهم، وقد صنف العسكري في ذلك مجلدا كبيرا. وأكثر ما يقع ذلك لمن أخذ الصحف، ولم يكن له شيخ حافظ يوقفه على ذلك، وما ينقله كثير من الناس عن عثمان بن أبي شيبة أنه كان يصحف قراءة القرآن، فغريب جدا؛ لأن له كتابا في التفسير، وقد نقل عنه أشياء لا تصدر عن صبيان المكاتب.
وأما ما وقع لبعض المحدثين من ذلك فمنه ما يكاد اللبيب يضحك منه، كما حكي عن بعضهم أنه جمع طرق حديث: ? يا أبا عمير ما فعل النغير ? ثم أملاه في مجلسه على من حضره من الناس، فجعل يقول: يا أبا عمير ما فعل البعير، فافتضح عندهم وأرخوها عنه.
وكذلك اتفق لبعض مدرسي النظامية ببغداد أنه أول يوم إجلاسه أورد حديث: ? صلاة في إثر صلاة كتاب في عليين ? فقال "كناز في غلس"، فلم يفهم الحاضرون ما يقول، حتى أخبرهم بعضهم بأنه تصحف عليه" كتاب في عليين".
وهذا كثير جدا، وقد أورد ابن الصلاح أشياء كثيرة، وقد كان شيخنا الحافظ الكبير الجهبذ أبو الحجاج المِزّي -تغمده الله برحمته- من أبعد الناس عن هذا المقام، ومن أحسن الناس أداءً للإسناد والمتن؛ بل لم يكن على وجه الأرض -فيما نعلم- مثله في هذا الشأن أيضا.
وكان إذا تغرَّب عليه أحد برواية شيء مما يذكره بعض الشرَّاح على خلاف المشهور عنده، يقول: هذا من التصحيف الذي لم يقف صاحبه إلا على مجرد الصحف والأخذ منها
نعم، هذا النوع -الذي هو التصحيف- معناه أن تتصحّف كلمة، أن تتصحف كتابتها أو نطقها على الراوي، إما أن يتغير الضَبْط، أو أن يتغير النَقْط، أو ربما تغيَّر شكل الكلمة كاملا، وله أمثلة كثيرة جدا في السنة النبوية.
стр. 374
وسببه -كما ذكر ابن كثير ﵀ أنه بسبب الأخذ من الصُّحُف، ولكن أنبه لأمر مهم: وهو أن ابن كثير شَنَّ الغارة على من يقع منه التصحيف، ومراده بذلك الذين يكثر منهم التصحيف.
وأما التصحيف نفسه فقد وقع لأئمة كبار، ومن يطالع كتب "العلل" وغيرها يلاحظ أن بعض الأئمة ينبه على تصحيف شيوخه؛ إما في الإسناد، وإما في المتن، حتى يقع التصحيف في الإسناد أيضا، يصحِّف اسمَ راوٍ، وهذا موجود.
وذكر الإمام أحمد في كتاب "العلل" بعض التصحيفات التي وقعت لشيخه وكيع، وكذلك أيضا يقع لكبار الحفاظ، وهذا أمر -يعني- ما دام على النادر فهو أمر مستساغ، وإنما ابن كثير ﵀ هذه الأمور التي ذكرها في أشياء واضحة، وفي -يعني- ممن يكثر منهم ذلك، ولكن في المطبوع الآن عندنا "كناز في غلس"، الذي أعرفه أنا هو أنها "كنارٍ في غلس"، يعني: أنها لوضوحها و..، المهم يبدو لي أنها كذا، وقد تكون كما، نعم.. كنار في غلس، نعم، هي "كنارٍ في غلس".
وكذلك دافع ابن كثير عن عثمان بن أبي شيبة ﵀، هو حافظ مشهور، له مسند، أخو ابن أبي شيبة صاحب "المصنف"، فذاك أبو بكر، وهذا عثمان، ويقول: إن ما نقلوه عنه من تصحيف في القرآن أو السنة إنه بعيد، والله أعلم. وهو كما ذكره.
ومن يريد أن يطالع بعض الأخبار في التصحيف فهناك كتب منها: "إصلاح خطأ المحدثين" للخطابي، ومنها للدارقطني، ومنها ومن أجمعها كتاب العسكري "تصحيفات المحدثين"، وله أيضا كتاب اسمه "التصحيف والتحرير" جمع فيه أمثلة كثيرة، "التصحيف والتحرير" هذا ليس خاصا بالمحدثين، بل مَنْ صحَّفَ بالشعر، أو في النَظْم، أو في الخُطَب، أو في غير ذلك.
وذكر ابن كثير -أيضا- كلاما عن منزلة شيخه المِزّي، وأثنى عليه، وهو دائما يثني عليه دائما، وكما ذكر يقول: لا نعرف على وجه الأرض مثله.
ولا إشكال في ذلك؛ فهو في وقته ليس على وجه الأرض مثله -فيما يظهر- في فن الحديث، وبه تخرج الذهبي، وابن كثير، وابن تيمية، وجماعة كثيرون تخرجوا بالمزي -رحمه الله تعالى-. نعم.
стр. 375
النوع السادس والثلاثون: معرفة مختلف الحديث
النوع السادس والثلاثون: معرفة مختلف الحديث: وقد صنَّف فيه الشافعي فصلا طويلا من كتابه "الأم" نحوا من مجلد، وكذلك ابن قتيبة له فيه مجلد مفيد، وفيه ما هو غث، وذلك بحسب ما عنده من العلم.
والتعارض بين الحديثين قد يكون بحيث لا يمكن الجمع بينهما بوجه، كالناسخ والمنسوخ، فيُصار إلى الناسخ، ويُتْرَك المنسوخ.
وقد يكون بحيث يمكن الجمع، ولكن لا يظهر لبعض المجتهدين، فيتوقف حتى يظهر له وجه الترجيح بنوع من أقسامه، أو يهجم فيفتي بواحد منهما، أو يفتي بهذا في وقت، وبهذا في وقت، كما يفعل أحمد في الروايات عن الصحابة.
وقد كان الإمام أبو بكر ابن خزيمة يقول: ليس ثَمَّ حديثان متعارضان من كل وجه، ومن وجد شيئا من ذلك فليأتني به لأؤلف له بينهما
نعم، هذا "مختلف الأحاديث" معناه: أن تَرِدَ أحاديث ظاهرها التعارض، وهذا فن جليل من أوائل من اشتغل به، من أوائل من ألف كتابا فيه هو الإمام الشافعي ﵀ في كتابه "اختلاف الحديث"، وهو يوجد مطبوعا مع "الأم"، ويوجد أيضا، وحُقِّق.
وكما ذكر ابن كثير ﵀ أن ابن قتيبة له كتاب اسمه "مختلف الحديث"، وأنه -ابن قتيبة- من المحبين للسنّة، ومن الأدباء الذين ساروا على مذهب أهل السنة والجماعة، ويسميه ابن تيمية ﵀، أو ينقل أنه يسمى: خطيب أهل السنة، أو متكلم أهل السنة، كما أن الجاحظ متكلم أي فرقة الجاحظ؟ المعتزلة.
انتصر ابن قتيبة ﵀ بالدفاع عن السنّة، والدفاع عن عقيدة السلف.
стр. 376
ومما ألفه من كتبه المؤلفة في الحديث هذا الكتاب "مختلف الحديث"، وقدَّمه بمقدمة شَنَّ فيها الغارة على المعتزلة، وعلى موقفهم من الحديث، ثم ذكر عددا من الأحاديث المتعارضة، وصار يجيب عليها.
نعم، العلماء ﵏ قالوا: إنه -في بعض اجتهاداته في الجواب- قد يكون أخطأ في بعضها، وهذا لا يضر.
الطحاوي له كتاب سَمَّاه "مشكل الآثار"، كتاب كبير جدا من هذا الباب أيضا، يورد فيه مجموعة من الأحاديث، ويوفق بينها، وبعض توفيقاته قد لا يوافق عليها.
ثم ذكر ابن كثير -رحمه الله تعالى- أن التعارض بين الحديثين ليس على درجة واحدة؛ منه ما يمكن فيه الجمع، ومنه ما يُلْجأ إلى النسخ، ومنه ما يُلْجأ إلى الترجيح، وأنه -أيضا- محل نظر واجتهاد، وهذا -كما قال- لما يراه تعارضا حقيقيا فيُرَجِّح، ويراه بعضهم تعارضا صوريا فيَجمع.
وذكر أن ابن خزيمة ﵀ يقول: ليس ثَمَّ حديثان متعارضان من كل وجه، ومن وجد شيئا من ذلك فليأت لنؤلف له بينهما.
وهو -كما قال- اشتغل ابن خزيمة ﵀، لكن نلاحظ أن بعض الجموع قد يكون فيها نوع تكلف، فيذهب الجامع ليصحح الروايتين، وعلى طريقة المحدثين أيهما يُبدأ به: الجمع، أم النظر في الطرق؟
لا، قضية الجمع هذه ليست موجودة عندهم بالمعنى المتعارف عليه، أننا نجمع أولا، فإن لم نجد جمعا لجأنا إلى أي شيء؟ لأن قضية الجمع هذه لا تنضبط.
الآن انظر ابن خزيمة يقول: "ليس هناك حديثان في الدنيا إلا أستطيع أن أجمع بينهما".
فإذن، عند المحدثين الترجيح النظر في الأسانيد أولا، ويُسخِّرون التعارض في الأحاديث للترجيح، فهذا له مدخل في نقد السُّنّة.
فإذن، ما يُتعارف عليه، أو ما يُذكر دائما أن الأولى الجمع، ثم الترجيح، ثم النسخ وهكذا، هذا ليس على إطلاقه؛ فكل حديث يخضع لحاله، وكل تعاون بين حديثين يخضع لذلك.
стр. 377
مثال ذلك مثلا: ورد حديث في الصحيحين أن عائشة قالت -وكذلك قاله ابن عمر-: أن النبي ﷺ قال -رويا عن النبي ﷺ أنه قال: ? إن بلالا يؤذِّن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم ?.
في رواية عن عائشة، أو في بعض الطرق إلى عائشة جاء: ? إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال ?.
الآن ابن خزيمة -لما جاء إلى الجمع- أحب أن يصحح الروايتين بعد كلام له على أسانيدهما، فقال: يحتمل أن يكون ليلةً يبكّر بلال، وليلة يبكّر مَنْ؟ فقال هذا في الليلة التي يبكر فيها بلال، وقال هذا في الليلة التي يبكر فيها ابن أم مكتوم.
ثم جاء ابن حبان وجزم، لم يذكر احتمالا، وإنما قال: قال النبي ﷺ هذا في ليلة، وهذا في ليلة.
هذا الجمع على طريقة المحدثين ما يصلح، بل المحدثون يرجِّحُون ما هو في الصحيحين، وما هو في الطرق الصحيحة أن الذي يؤذن بليل مَنْ هو؟ هو بلال، وأن الذي يؤذن ابن مكتوم.
وفي الحديث تعليل ذلك؛ فإنه كان أعمى، وكان لا يؤذن حتى يُقال له: أصبحت، أصبحت.
وفي الحديث الآخر، حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: ? لا يغرنكم أذان بلال؛ فإنه يؤذن ليوقظ نائمكم ?.
يعني: المهم أنه بلا إشكال أن الذي يؤذن أولا مَنْ هو؟ هو بلال.
فمثل هذه الجموع لا تسير على طريقة المحدثين، يعني: ليس كل حديث استطعنا أن نجمعه أو نجمع بينهما انتهى أمره على طريقة المحدثين، وإنما النظر أولا عندهم من جهة النقد هو في الأسانيد أولا، ويسخِّرون التعارض هذا للنظر في الأسانيد، هذا أحببت أن أنبه عليه؛ لأنه كثيرا ما ترسخ في أذهان الباحثين. نعم.. يا شيخ، اقرأ.
стр. 378
النوع السابع والثلاثون: معرفة المزيد في متصل الأسانيد
النوع السابع والثلاثون: معرفة المزيد في متصل الأسانيد: فهو يزيد راوٍ في الإسناد رجلا لم يذكره غيره، وهذا يقع كثيرا في أحاديث متعددة، فقد صنف الحافظ الخطيب البغدادي في ذلك كتابا حافلا.
قال ابن الصلاح: وفي بعض ما ذكره ندر. ومثَّل ابن الصلاح هذا النوع بما رواه بعضهم عن عبد الله بن المبارك، عن سفيان، عن عبد الله بن يزيد بن جابر، حدثني بُسْر بن عبد الله، سمعت أبا إدريس يقول: سمعت واثلة بن الأسقع، سمعت أبا مَرثد الغَنَوي يقول: سمعت رسول الله ﷺ ? لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها ?.
ورواه آخرون عن ابن المبارك، فلم يذكروا سفيان.
وقال أبو حاتم الرازي: وَهِمَ ابن المبارك في إدخال أبا إدريس في الإسناد، وهاتان زيادتان.
نعم، هذا المزيد في متصل الأسانيد، عرّفه ابن كثير، وهو أن يزيد راوٍ بإسناد رجل لم يذكره غيره، تضيفون للتعريف أمرا لا بد منه، وهو أنه يقال: لم يذكره غيره، ويترجح حذف هذا الرجل، أو ذكره الذي يترجح، لكي يكون مزيدا ما الذي يترجّح؟ حذف هذا الزائد، ومع هذا يكون الناقص متصلا، يعني: بثلاث شروط، هذا التعريف متضمن ثلاثة شروط:
أن يزيد راوٍ في الإسناد، أو أكثر من راوٍ.
أن يزيد رجلا في الإسناد، وأن تكون الزيادة: راجحة أو مرجوحة؟ مرجوحة.
وأن يكون الإسناد الناقص: متصلا أو منقطعا؟ متصلا، فهذا يسمونه "المزيد في متصل الأسانيد".
بهذه الثلاثة شروط إذا اختل شرط لا يسمى المزيد في متصل الأسانيد، لو ترجح عندنا ذكر الرجل، وأن الذي حدثه هو المخطئ، يكون مزيدا أو لا يكون مزيدا؟ ما يكون مزيدا.
لو ترجح عندنا -مثلا- لو كان الذي حدث إسنادا منقطعا، إذًا الزائد لو رجحناه يكون مزيدا في متصل الأسانيد، أو مزيدا على إسناد منقطع؟ يكون على إسناد المنقطع.
стр. 379
فبهذه الثلاثة، والمثال المذكور الآن ينطبق هذا، انظر المثال الآن: روى بعضهم عن عبد الله بن المبارك، عن سفيان، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني بسر بن عبد الله، سمعت أبا إدريس يقول: رواه آخرون عن ابن المبارك، فلم يذكروا سفيان.
إذن ابن المبارك يرويه مباشرةً عن مَنْ؟ وهذا هو الصواب، يرويه ابن المبارك عن عبد الرحمن، وهذا هو الذي رواه الجماعة عن ابن المبارك، وقوله: رواه بعضهم. بالنسبة للتتبع ما وجدت أحدا مسمّى رواه هكذا بالزيادة، ولكن ما فُقِد من الأسانيد، وقد يكون لما وقفت عليه، يعني: يحتاج إلى بحث.
الزيادة الثانية: إذًا هذا الوهم من مَنْ؟ من بعض أصحاب مَنْ؟ ابن المبارك.
فيه زيادة ثانية في الإسناد، وهو قوله: سمعت أبا إدريس. فقد رواه الجماعة عن سفيان الثوري وجماعة، عن عبد الرحمن بن يزيد، بدون ذكر أبي إدريس، فالوهم يكون هنا من ابن المبارك.
وفيه يقول بُسر بن عبد الله: سمعت واثلة بن الأسقع، يعني: يصرح فيه بالتحديد، فهذا هو يسمى، ماذا يسمى الآن؟ هذا يسمى "المزيد فيه متصل الأسانيد"، وقد صنف فيه الخطيب كتابا حافلا سماه "المزيد"، هو أول من سماه بهذا، سماه "المزيد في متصل الأسانيد".
ماذا يقول ابن الصلاح؟ يقول: في بعض ما ذكره نظر. ما معنى: "في بعض ما ذكره نظر"؟ يعني: فيما حكم عليه بأنه مزيد نظر، لمَ في بعضه نظر؟ لأن حكم الخطيب راجع إلى أمر نقلي أو اجتهادي؟ هل منكم يُبَيّن؟
الرواة اختلفوا، بعضهم زادوا، وبعضهم نقصوا، نحتاج إلى أي شيء الآن؟ إلى الترجيح، قد يكون الخطيب رجَّح ما هو..، قد يكون، وهذا لا إشكال فيه؛ لأنه ليس كل عالم يصيب في كل اجتهاداته.
فهذه الكلمة أصلا تحصيل حاصل في بعض ما ذكره، يعني: أنه لم يُصِبْ في جميع، وهذا ليس مطلوبا منه، وإنما مطلوب أن ينظر في الطرق ويرجّح.
وهذا -يعني- الكتاب مطبوع، طُبعَ للخطيب كتب عديدة في الآونة الأخيرة، مثل ما تقدم "الفصل والوصل"، و"مدرك النقل"، و"تلخيص المتشابه"، قد يكون هذا من بينها، ولست متأكدا. نعم. تفضل يا شيخ.
стр. 380
النوع الثامن والثلاثون: معرفة الخفي في المراسيل
النوع الثامن والثلاثون: معرفة الخفي في المراسيل: وهو يعم المنقطع والمعضل أيضا، وقد صنَّف الخطيب البغدادي في ذلك كتابه المسمى بـ"التفسير لعموم المراسيل".
وهذا النوع إنما يدركه نقاد الحديث وجهابذته قديما وحديثا، فقد كان شيخنا الحافظ المزي إماما في ذلك، وعجبا من العجب، فرحمه الله، وبَلَّ بالمغفرة ثَرَاه، فإن الإسناد إذا عُرِضَ على كثير من العلماء -ممن يدرك ثقات الرجال وضعفائهم- قد يغتر بظاهره، ويرى رجاله ثقات، فيحكم بصحته، ولا يهتدي لما فيه من الانقطاع أو الإعضال أو الإرسال؛ لأنه قد لا يميز الصحابي من التابعي، والله الملهم للصواب.
ومثَّلَ هذا النوع ابن الصلاح فيما روى العوَّام بن حوشب بن عبد الله بن أبي أوفى، قال: ? كان رسول الله ﷺ إذا قال بلال: قد قامت الصلاة. نهض وكبر ?.
قال الإمام أحمد: لم يبقَ العوّام بن أبي أوفى، يعني: سيكون منقطعا بينهما، فيضعف الحديث لاحتمال أنه رواه عن رجل ضعيف عنه، والله أعلم.
نعم، هذا النوع سماه الخطيب "مبهم المراسيل"، واشتهر عند كثير من الأئمة باسم: "خفي المراسيل"، وهو أن يكون لأول مرة الإسناد متصل بسبب تعاصر الرواية، ولكن الأئمة -رحمهم الله تعالى- بإطلاعهم على الطرق، وتتبع رواية هذا عن رواية هذا، يقولون: لم يسمع فلان من فلان، فيسمونه الآن "خفي المراسيل".
стр. 381
إذن، "خفي المراسيل" هي التي يكون الإسناد ظاهرا صورته الاتصال، تبحث في وفاة هذا، وولادة هذا، وصورة الإسناد أنها متكاملة، ولكن الأئمة في جمع الطرق -ولهم في ذلك طرق كثيرة معروفة- يحكمون على أن هذا الإسناد منقطع، وأن فلانا لم يلقَ فلانا. ومثَّلَ لهم بما ذكره الإمام أحمد.
من هذا التعريف ندرك أن قوله -وهو يعم المنقطع والمعضل أيضا- هذا لا سيما كلمة المعضل، والمعضل يعني: مراده بهذا ليس مراده أن كل معضل فهو خفي، وإنما مراده أنه قد يكون من المراسيل الخفية ما هو معضل.
المعضل ما هو كما مر بنا؟ ما سقط منه كام؟ اثنان فأكثر، نعم. قد يكون الساقط اثنان، وهو من خفي المراسيل، فهذا مراده.
فمراده أنه قد يكون من خفي المراسيل ما هو معضل، فقد يكون ما هو منقطع، يعني: سقط منه واحد فقط.
النوع التاسع والثلاثون: معرفة الصحابة ﵃ أجمعين
تعريف الصحابي
النوع التاسع والثلاثون: معرفة الصحابة ﵃ أجمعين-: والصحابي من رأى رسول الله ﷺ في الحديث، لا من راوٍ، وإن لم تطل صحبته له، وإن لم يروِ عنه شيئا.
هذا قول جمهور العلماء خلفا وسلفا، وقد نص على أن مجرد الرؤية كافٍ في إطلاق الصحبة، وقد نص على أن مجرد الرؤية كاف في إطلاق صحبة البخاري وأبي زرعة، وغير واحد ممن صنف في أسماء الصحابة، كابن عبد البر، وابن منده، وأبي موسى المديني، وابن الأثير في كتابه "الغابة في معرفة الصحابة"، وهو أجمعها وأكثرها قواعد وأوسعها، أثابهم الله أجمعين.
قال ابن الصلاح: وقد شان ابن عبد البر في كتابه "الاستيعاب" ذكر ما شجر بين الصحابة مما تلقاه، ومن كتب الأخباريين وغيرهم.
وقال آخرون: لا بد في إطلاق الصحبة مع الرؤية أن يروي حديثا أو حديثين.
وعن سعيد بن المسيب: لا بد من أن يصحبه سنة أو سنتين، أو أن يغزو معه غزوة أو غزوتين.
стр. 382
وروى شعبة عاموس السبلاني، وأثنى عليه خيرا، قال: قلت لأنس بن مالك: هل بقي من أصحاب رسول ﷺ أحد غيرك؟ قال: ناس من الأعراب راعوه، فأما من صحبه فلا.
رواه مسلم بحضره أبي زرعة.
وهذا إنما نفى فيه الصحبة الخاصة، ولا ينفي ما اصطلح عليه الجمهور من أن مجرد الرؤية كافٍ في إطلاق الصحبة لشرف رسول الله ﷺ وجلالة قدره، وقدر من رآه من المسلمين، ولهذا جاء في بعض ألفاظ الحديث: ? تغزون فيقال: هل فيكم من رأى رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم. فيفتح لكم ?.
حتى ذكر من رأى رسول الله ﷺ الحديث بتمامه، وقال بعضهم في معاوية وعمر بن عبد العزيز: ليوم شهده معاوية مع رسول الله ﷺ خير من عمر بن عبد العزيز وأهل بيته.
فرع:
والصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة بما أثنى الله عليهم في كتابه العزيز، وبما نطقت به السنة النبوية في المدح لهم في جميع أخلاقهم وأفعالهم، وما بذلوا من الأموال والأرواح بين يدي رسول الله ﷺ رغبة فيما عند الله من الثواب الجزيل، والجزاء الجميل، وأن ما شجر بينهم بعده ﵊، فمنه ما وقع عن غير قصد كيوم الجمل، ومنه ما كان عن اجتهاد كيوم صفين، والاجتهاد يخطئ ويصيب، ولكن صاحبه معذور وإن أخطأ، ومأجور أيضا، وأما المصيب فله أجران اثنان.
وكان علي -رضي الله تعالى عنه وأصحابه- أقرب للحق من معاوية -رضي الله تعالى وأصحابه- ﵃ أجمعين.
وقول المعتزلة: الصحابة عدول إلا من قاتل عليا. قول باطل مرذول ومردود، وقد ثبت في صحيح البخاري عن رسول الله ﷺ أنه قال عن ابن بنته الحسن بن علي -وكان معه على المنبر-: ? إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ?.
стр. 383
وظهر مصداق ذلك في نزول الحسن لمعاوية عن الأمر بعد موت أبيه علي، واجتمعت الكلمة على معاوية، وسُمِّي عام الجماعة، وذلك سنة أربعين من الهجرة، فسمَّى الجميع مسلمين، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ ب b$tGxےح! $s غ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (١) .
فسماهم مؤمنين مع الاقتتال، ومن كان من الصحابة مع معاوية يقال: إن لم يكن في الفريقين مائة من الصحابة -والله أعلم- فجميعهم صحابة، فكلهم عدول، فهم عدول كلهم.
وأما طوائف الراوفض، وجهلهم وقلة عقلهم، ودعاويهم أن الصحابة كفروا إلا سبعة عشرة صحابيا، وسمُّوهم، فهو من الهذيان بلا دليل، إلا مجرد الرأي الفاسد عندهم، وهو متبع، وهو أقل من أن يُرد، والبرهان على خلافه أظهر وأشهر مما عُلم من امتثالهم.
وأمره بعده ﵊، وفتحهم الأقاليم والآفاق، وتبلغيهم عنه الكتاب والسنة، وهدايتهم الناس إلى طريق الجنة، ومواظبتهم على الصلوات والزكوات وأنواع القربات في سائر الأحيان والأوقات، مع الشجاعة والبراعة والكرم والإيثار، والأخلاق الجميلة التي لم تكن في أمة من الأمم المتقدمة، ولا يكون أحد بعدهم مثلهم في ذلك، فرضي الله عنهم أجمعين، ولعن من يتهم الصادق ويصدق الكاذبين. آمين يا رب العالمين.
وأفضل الصحابة، بل أفضل الخلق بعد الأنبياء ﵈ أبو بكر عبد الله بن عثمان أبي قحافة التيمي، خليفة رسول الله ﷺ وسُمِّي بالصدّيق لمبادرته إلى تصديق الرسول ﷺ قبل الناس كلهم.
قال رسول الله ﷺ ? ما دعوت أحدا للإيمان إلا كانت له كبوة، إلا أبا بكر؛ فإنه لم يتلعثم ?.
стр. 384
وقد ذكرت سيرته وفضائله ومسنده والفتاوى عنه في مجلد على حدة، ولله الحمد، ثم من بعده عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب، هذا رأي المهاجرين والأنصار حين جعل عمر الأمر من بعده شورى بين ستة، فانحصر في عثمان وعلي، واجتهد فيهما عبد الرحمن بن عوف ثلاثة أيام بلياليها، حتى سأل النساء في خدورهن، والصبيان في المكاتب، فلم يراهم يعدلون بعثمان أحدا، فقدَّمه على علي، وولاه الأمر قبله.
ولهذا قال الدارقطني: من قَدَّم عليّ على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، وصدق ﵁ وأكرم مثواه، وجعل جنة الفردوس مأواه.
والعجب أنه قد ذهب أهل الكوفة من أهل السنة إلى تقديم عليّ علَى عثمان، ويُحْكَى عن سفيان الثوري، لكن يقال: إنه رجع عنه، ونُقِلَ مثله عن وكيع بن الجراح، ونصره ابن خزيمة والخطابي، وهو ضعيف مردود بما تقدم، ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل أحد، ثم أهل بيعة الرضوان يوم الحديبية، وأما السابقون الأولون فقيل: هم من صلى إلى القبلتين، وقيل: أهل بدر وقيل: بيعة الرضوان، وقيل غير ذلك، والله أعلم فرع.
قال الشافعي: روى عن رسول الله ﷺ ورآه من المسلمين نحو من ستين ألفا.
وقال أبو زرعة الرازي: شهد حجة الوداع أربعون ألفا، وكان معه في تبوك سبعون ألفا، وقُبِضَ ﵊ عن مائة ألف وأربعة عشر ألفا من الصحابة.
نعم، هذا الكلام في معرفة الصحابة -رضوان الله عليهم- أولا عرَّفه ابن كثير ﵀ على قول الجمهور بأنه: من رأى رسول الله ﷺ في حال إسلام الراوي، وإن لم تَطُلْ صحبته له، وإن لم يروِ عنه شيئا، وهذا قول الجمهور، وهو عمل المصنفين في كتب الصحابة.
стр. 385
وقول الجمهور نقل عن بعض الأئمة -رحمة الله عليهم- مثل سعيد بن المسيب بعض الشروط، ثم عقَّبَها بأن هذه الشروط المراد بها الصحبة الخاصة، وهذا لا ينافي إثبات الصحبة العامة لكل من رأى النبي ﷺ مؤمنا به.
ثم ساحَ قلمُ ابن كثير ﵀ وجَرَى ببيان فضل الصحابة -رضوان الله عليهم-، وبيان منزلتهم، وفضلهم على الإسلام والمسلمين، وما قاموا به من جهود في نشر الإسلام، وفي تبليغه إلينا، ثم عَرَّج على ذكر بعض الطوائف الضالة، ومحل هذا الكلام أين يذكره بعض العلماء كثيرا مثل هذا الكلام؟ أخذتموه في كتب العقائد؛ لأنه -في الحقيقة- مفترق طريق، محبة صحابة رسول الله ﷺ أو بغضهم.
إما أن يوفق الشخص المسلم للسعادة، ويُوَفَّق إلى الخير، ويحب صحابة رسول الله ﷺ ويَترَضَّى عنهم، ويعتقد فيهم أن ما وقع منهم خطأ وهم مجتهدون فيه، أو وقع منه غير قصد، كما ذكر ابن كثير في قصة وقعة الجمل، فإن التحقيق في هذه الوقعة أن المعركة جرت دون قصد من كبار القواد ﵃، وإما وقع قصدا، ولكن باجتهاد منهم.
وأشار ابن الصلاح إلى أن عبد البر ساق أخبارا لا تصح فيما شَجَرَ بين الصحابة -رضوان الله عنهم-؛ لأن بعض رواة تلك الفترة إنما هم من الشيعة المحترفين، مثل لوط بن يحيى، الذين كذبهم الأئمة، ومثل سيف بن عمر وغيرهما، وقد نَبَّه العلماء على ما في أخبارهما من..، وقامت دراسات -بحمد الله تعالى- لتبرئة الصحابة، وهذا هو الواجب على المسلم.
وأما -كما ذكر ابن كثير- ما نقله عن الرافضة وغيرهم فهذا -كما ذكر- عاره وشناره ووزره وأثره -بحمد الله- لن ينال صحابة رسول الله ﷺ وإنما هو على معتقده، فهو الضارّ لنفسه، يعني: مثلا لو كنت أمام جبل، لو رأيت شخصا ينطح جبلا، لا تأبه له، لماذا؟ لأن مضّرته إنما هي على..
كناطح صخرة يوما ليوهنها
стр. 386
فلم يضرْها وأوهَى قرنه الوَعِلُ
وهذا هو الواقع، وأول ما يبدأ -انظر- أول ما يبدأون يدغدغون الأحلام بأي شيء؟ بمعاوية ﵁ أول ما يبدأون به بمعاوية، لما جرى بينه وبين علي، ومع ذلك ينطلي هذا الكلام على بعض الكتَّاب ممن ينتسبون للسنة.
وننتبه أنه ليس الغرض هو معاوية، فبعضهم يتكلم في الصحابة غير المعروفين، بأنهم -يعني- من أين أتت عدالتهم وهم غير معروفين؟
وهؤلاء لا بد من الانتباه إلى أنه ليسوا هؤلاء هم الغرض؛ لأن هؤلاء كم رووا من السنة؟ إنما رووا القليل جدا، وإنما هذه مرحلة وتهيئة للعقول للانتقال إلى مرحلة..
هذه -مع الأسف- بدأت تُطْرَح حتى في وسائل الأعلام عندنا، وكأنها أمر..، وهي مرحلة للانتقال إلى -يعني- ما هو أعظم من ذلك، إلى الصحابة المشهورين، أو رواة السنة.
ونحن نعرف أنه إذا قيل: وسائل الإعلام. فالآن تصلنا وسائل الإعلام رغما عنا، يعني: ما نستطيع حجبها كثيرا في السنوات الأخيرة، وقد انتشرت فيها هذه القضية تُطرح بين الآونة والأخرى.
وقد نبه العلماء قديما على أن الطعن في الصحابة ليس الغرض هو الصحابة، وإنما الغرض هو ما نقلوه، القرآن كيف نُقِلَ إلينا؟ إنما نُقِلَ إلينا عن طريق هؤلاء ﵃، وكذلك سنة النبي ﷺ .
فالمهم، هذا ابن كثير ﵀ سَاحَ قلمُه، وحُقَّ له ذلك في بيان فضلهم، وما هو الواجب على المسلم تجاههم. نعم..
أمور تتعلق بالصحابة
قال أحمد بن حنبل: وأكثرهم رواية ستة: أنس، وجابر، وابن عباس، وابن عمر، وأبو هريرة، وعائشة -رضي الله تعالى عنهم-.
قلت: وعبد الله بن عمرو، وأبو سعيد ابن مسعود، ولكنه توفي قديما، ولهذا لم يعده أحمد بن حنبل في العبادلة، فقال: العبادلة أربعة: عبد الله بن الزبير، وابن عباس، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله تعالى عنهم-.
стр. 387
فرع: وأول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر الصديق، وقيل: إنه أول من أسلم مطلقا، ومن الولدان علي، وقيل: إنه أول من أسلم مطلقا، ولا دليل عليه من وجه يصح، ومن الموالي زيد بن حارثة، ومن الأرقّاء بلال، ومن النساء خديجة، وقيل: إنها أول من أسلم مطلقا، وهو ظاهر السياقات في أول البعثة، وهو محكي عن ابن العباس والزهري وقتادة ومحمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي وجماعة، و... المفسر على ذلك الإجماع قال: وإنما الخلاف فيمن أسلم بعدها.
فرع: وآخر الصحابة موتا أنس بن مالك، ثم أبو الطفيل عمرو بن واثلة الليثي.
قال علي بن المديني: وكانت وفاته بمكة. فعلى هذا هو آخر من مات بها.
ويقال: آخر من مات بمكة ابن عمر، وقيل: جابر، والصحيح أن جابرا مات بالمدينة، وكان آخر من مات بها، وقيل: سهل بن سعد، وقيل: السائب بن يزيد، وبالبصرة أنس، وبالكوفة عبد الله بن أبي أوفى، وبالشام عبد الله بن بسر بحمص، وبدمشق واثلة بن الأسقع، وبمصر عبد الله بن الحارث بن جزء، وباليمامة هرماس بن زياد، وبجزيرة العرس ابن عميرة، وبإفريقيا رويفع بن ثابت، وبالبادية سلمة بن الأكوع -رضي الله تعالى عنهم.
فرع: وتُعرف صحبة الصحابة تارة بالتواتر، وتارة بأخبار مستفيضة، وتارة بشهادة غيره من الصحابة له، وتارة بروايته عن النبي ﷺ سماعا أو شهادة مع المعاصرة، فأما إذا قال المعاصر العدل: أنا صحابي.
وقد قال ابن الحاجب في مختصره: يحتمل الخلاف، يعني: لأنه يخبر عن حكم شرعي، كما لو قال في الناسخ: هذا ناسخ لهذا الاحتمال خطئه في ذلك.
أما لو قال: سمعت رسول الله ﷺ قال كذا، أو رأيته فعل كذا، أو كنا عند رسول الله ﷺ ونحو هذا، فهذا مقبول لا محالة إذا صحَّ السند إليه، وهو ممن عاصره ﵊.
стр. 388
نعم، هذا تكملة لنوع متعلق بالصحابة، وذكر فيه ابن كثير عددا من الأمور، منها ذَكَر المكثرين من الصحابة، وهم معروفون، ذكرهم الإمام، أو ذكر منهم ستة الإمام أحمد، ولم يرد بهذا الترتيب ترتيبهم في الكثرة؛ فقد ذكر أبا هريرة قبل عائشة في الأخير، مع أنه -كما هو معروف- هو أكثر الصحابة رواية ﵁.
وأضاف ابن كثير عددا من المكثرين، ثم عَرَّج على قضية مصطلح "العبادلة"، إذا قيل: العبادلة، فيراد بهم أربعة، وهم عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص.
ولا يعدون فيهم عبد الله بن مسعود؛ لأنه مات قديما، وهؤلاء عاشوا في عصر واحد، وحتى وفاتهم -يعني- متقاربة، بينهم سنوات قليلة، فهؤلاء يقال لهم: العبادلة الأربعة.
ثم تكلم على قضية أول من أسلم من الرجال، وهذه لا تدخل في علم المصطلح دخولا مباشرا، ولا أثر لها في نقل السنة.
ثم تكلم على آخر الصحابة موتا: أنس بن مالك، وهذا -يعني- إلى آخر ما ذكره، وهذا يستفيد منه الناقد أحيانا في معرفة الاتصال والانقطاع بين هذا الصحابي وبين الراوي عن -رضوان الله عليهم.
ثم ذكر ابن كثير بِمَ تُعْرَف الصحبة، وقال: بالتواتر، أو بأخبار مستفيضة، أو بشهادة غيره من الصحابة له، أو بروايته عن النبي ﷺ سماعا ومشاهدة، فهذه طرق إثبات الصحة.
فإذا صح الإسناد إلى تابعي ثقة، وقال: سمعت فلانا يحدث أنه سمع النبي ﷺ فهذا كافٍ في إثبات الصحبة، لماذا؟ لأن الصحبة، إثبات الصحبة عبارة عن تعديل، وقد مَرَّ بنا أنه يقبل في التعديل قول واحد.
هذا -يعني- الذي عليه العمل في إثبات الصحبة، ولهذا يقولون أحيانا: هذا ليس بصحابي؛ لأن الإسناد إليه لم يصح. هكذا في الكتب المؤلفة في الصحابة. نعم.
стр. 389
النوع المُوفّي أربعين: معرفة التابعين
النوع المُوفّي أربعين: معرفة التابعين: قال الخطيب البغدادي: التابعي: من صحب الصحابي.
وفي كلام الحاكم ما يقتضي إطلاق التابعي على من لقي الصحابي، وروى عنه، وإن لم يصحبه.
قلت: لم يكتفِ بمجرد رؤية الصحابي، كما اتفقوا في إطلاق اسم الصحابي على من رآه ﵊، والفرق أعظم، لشرف رؤيته ﵊.
وقد قَسَّم الحاكم طبقات التابعين إلى خمس عشرة طبقة، وذكر أن أعلاهم من روى عن العشرة، وذكر منهم سعيد بن المسيب، وقيس بن أبي حازم، وقيس بن عباد، وأبا عثمان النهدي، وأبا وائل، وأبا رجاء العطاردي، وأبا ساسان حضير بن المنذر، وغيرهم.
وعليهم في هذا الكلام دَخَلٌ كثير، وقد قيل: إنه لم يروِ عن العشرة من التابعين سوى قيس بن حازم. قاله ابن فراش، وقال أبو بكر بن أبي داود: لم يسمع من عبد الرحمن بن عوف، والله أعلم.
وأما سعيد بن المسيب فلم يدرك الصديق، قولا واحدا؛ لأنه ولد في خلافة عمر لسنتين مضتا أو بقيتا، ولهذا اختُلِفَ في سماعه من عمر.
قال الحاكم: أدرك عمر فمن بعده من العشرة، وقيل: إنه لم يسمع من أحد من العشرة سوى سعد بن أبي وقاص، وكان آخرهم وفاة، والله أعلم.
قال الحاكم: وبين هؤلاء التابعين الذين ولدوا في حياة النبي ﷺ من أبناء الصحابة كعبد الله بن أبي طلحة، وأبي أمامة أسهل بن سهل بن حنيف، وأبي إدريس الخولاني.
قلت: أما عبد الله بن أبي طلحة فلما وُلد ذهب به أخوه لأمه أنس بن مالك إلى رسول الله ﷺ فحنّكه وبرَّك عليه، وسماه عبد الله.
ومثل هذا ينبغي أن يعد من صغار الصحابة لمجرد الرؤية، وقد عدوا فيهم محمد بن أبي بكر الصديق، وإنما ولد عند الشجرة وقت الإحرام بحجة الوداع، فلم يدرك من حياته ﷺ إلا نحوا من مائة يوم، ولم يذكروا أنه أدخل عند رسول الله ﷺ ولا رآه، فعبد الله بن أبي طلحة أولى أن يُعَدّ في صغار الصحابة من محمد بن أبي بكر، والله أعلم.....
стр. 390
وقد ذكر الحاكمُ النعمانَ وسويدًا ابني مقرن من التابعين، وهما صحابيان.
وأما المخضرمون: فهم الذين أسلموا في حياة رسول الله ﷺ ولم يَرَوه.
والخضرمة: القطع، فكأنهم قُطِعُوا عن نظرائهم من الصحابة، وقد عَدَّ منهم مسلمٌ نحوًا من عشرين نفسا، منهم: أبو عمرو الشيباني، وسويد بن غفلة، وعمرو بن ميمون، وأبو عثمان النهدي، وأبو الحلال العتكي، وعبد خير بن يزيد الخيواني، وربيعة بن زرارة.
قال ابن الصلاح: وممن لم يذكره مسلم أبو مسلم الخولاني عبد الله بن ثوب.
قلت: وعبد الله بن عُكَيم، وأحمد بن قيس.
وقد اختلفوا في أفضل التابعين من هو؟ فالمشهور أنه سعيد بن المسيب. قاله أحمد بن حنبل وغيره.
وقال أهل البصرة: الحسن، وقال أهل الكوفة: علقمة والأسود، وقال بعضهم: أويس القرني، وقال أهل مكة: عطاء بن أبي رباح.
وسيدات النساء من التابعين: حفصة بنت سيرين، وعمرةُ بنت عبد الرحمن، وأم الدرداء الصغرى ﵃ أجمعين.
ومن سادات التابعين الفقهاء السبعة بالحجاز، وهم: سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وخارجة بن زيد، وعروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، والسابع سالم بن عبد الله بن عمر. وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: أبو بكر بن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
وقد عَدَّ علي بن المديني في التابعين من ليس منهم، كما أخرج آخرون منهم من هو معدود فيهم، وكذلك ذكروا في الصحابة من ليس صحابيا، كما عدوا جماعة من الصحابة فيمن ظنوه تابعيا، وذلك بحسب مبلغهم من العلم، والله الموفق للصواب.
هذا الموضوع شبيه بالموضوع الذي قبله، وهو معرفة التابعين -رضوان الله عليهم ورحمهم-، وفسروه بأن التابعي هو من لقي الصحابي، واشترطوا فيه أن يروي عن الصحابي، وأن يصحبه؛ لأن الصحبة اكتفوا فيها بمجرد الرؤية، لشرفه ﷺ ولكن تسامحوا كثيرا في هذا الشرط.