وهذه ... كذلك أيضا ... هذه الأقسام التي ذكرها ابن كثير لم يعنون لها، والمقصود بها هذا، اشتراك اثنين في الاسم واسم الأب أو أكثر من اثنين، اشتراك في الاسم واسم الأب واسم الجد، اشتراك في الكنية مثل: أبي عمران الجوني مع النسبة.
وهكذا قسمة ابن كثير -رحمه الله تعالى.
والمقصود بهذا هو تمييز الرواة، الاستعانة بهذا الفن على تمييز الرواة.
وهو داخل ... ألف فيه الخطيب البغدادي كتابا، أو هو قسم من كتابه "موضح أوهام الجمع والتفريق" يعني مثلا أن بعض الأئمة يظن أن فلانا واحد وإنما هما اثنان، هذا هو الجمع.
هذا يهِم من وقع فيه، والخطيب نبه على ذلك، والباحثون الآن -يعني- لو قلت: قل باحث إلا ويقع فيه، ما يسلم منه أحد أبدا، الخلط هذا في الرواة لا يسلم منه أحد أبدا, وأنت تبحث دائما -يعني- تتعقب نفسك.
يعني بالأمس القريب: أقرأ مثلا لباحث يقول.. يترجم ليحيى بن أيوب، يحيى بن أيوب جماعة، ترجم لشخص وهو غير المراد، هناك يحيى بن أيوب المقابري البغدادي، وهناك يحيى بن أيوب الغافقي المصري، وهناك ثالث ... المقصود هو يحيى بن أيوب الغافقي المصري ولكنه ترجم لشخص آخر، جاءه أبو سلمة في إسناد وترجم لأبي سلمة بن عبد الأسد زوج أم سلمة ﵂ وإنما المقصود هو أبو سلمة بن عبد الرحمن، وهذا كثير جدا في الرواة.
أسامة بن زيد يأتي في التراجم في أسانيد فيترجم بعضهم لأسامة بن زيد الليثي، والمقصود أسامة بن زيد وَلَد زيد بن أسلم الذي مر بنا، أو العكس كذلك، كثير ما يكون ... بل يكون عقبة، وقع للعلماء، هو موضوع نخصص له في دراسة الأسانيد فصل نسميه فصل ... منهم من يسميه: تمييز الرواة، ومنهم من يسميه الاشتباه. وقد وقع للأئمة -رحمهم الله تعالى.
ويستعان بالكشف وبالتمييز بين الرواة بطرق متعددة كثيرة، وأنا أقول: إنه يعني ... حتى إن بعض الباحثين إذا مثلا.... ربما يصاب بالإحباط، كيف يقع في مثل هذه الأغلاط؟.
стр. 422
وهذا أمر يعني لا إشكال فيه، لا إشكال فيه أن يقع الباحث في مثل هذا، لماذا؟ ؛ لأنه وقع فيه الأئمة، ما رأيت شخصا إلا وقد وقع عليه تعقب فيه تعيين اسم الراوي، لكن الإشكال في أي شيء؟ في الكثرة.
إذا كثر من الباحث هذا يعتبرونه ... يعني هذا يعتبر ضعيفا، أما الندرة فهذا لا إشكال فيه، الكثرة هي التي تشكل، وتدل على أن الباحث لم يُحكم عمله، مثلا أخطأ في اسم هذا الراوي وهذا، ثم كثر وانضم إلى ذلك أخطاء أخرى، فهذا ينبئوك عن بعد ... وهذا يكثر أيضا في تحقيق المخطوطات -مع الأسف الشديد- يكثر جدا في تحقيق المخطوطات.
المحقق يتضرع ... ؛ لأن من أهم ما ينبغي أن يقوم به خدمة النص
من خدمة النص مثلا تعيين الأعلام والتعريف بهم ولكنه أحيانا يضلل القارئ؛ ولهذا أقول ما يصح التقليد أبدا في هذا الموضوع، بل لا بد أن تكشف بنفسك.
وكم من باحثين كم من كبار مشايخ كبار تورطوا في تصحيح حديث أو في تضعيفه بسبب الخطأ في تعيين اسم الراوي؛ لأنه يشترك دائما....
مثلا عبد الكريم بن أبي أمية، يقال له: ابن أبي المخارق، هذا في الغاية من الضعف، متروك الحديث، يشترك معه عبد الكريم بن أمية الجزري ثقة، ويشتركان في الشيوخ ويشتركان في التلاميذ، في بعض التلاميذ، وفي بعض الشيوخ، وهما بطبقة واحدة، ويأتيان في الأسانيد غير منسوبين، فيقال: حدثنا عبد الكريم فقط، يقوله سفيان ابن عيينة، ويقوله ابن جريح، ومثله ما تقدم، أسامة بن زيد هذا ضعيف المدني الذي هو ولده زيد بن أسلم، وأسامة بن زيد الليثي هذا لا بأس به، يعني صدوق، يعني ليس بضعيف.
وكذلك ... هذا هو الذي يشكل، إذا اشترك في الاسم اثنان: أحدهما ثقة والآخر ضعيف بس، ينبه عليه؛ لكثرة الوقوع فيه؛ ولأهميته في دراسة الأسانيد، وفي الأعلام أيضا.
كذلك مثلا: يأتي الباحث ... -وهذا مثلا قول علقمة- يأتي الباحث مباشرة ويترجم...؛ لأنه في ذهنه علقمة بن وقاص الليثي وهو غيره.
стр. 423
وهكذا في الفقهاء، وشخص يروي في اللغة نحن نعرف في اللغة، نحن نعرف في اللغة تلقى في لسان العرب: وقال الليث، وقال الليث، وقال الليث.
المتقرر عند طلبة الحديث الليث من هو؟ اثنان، أيضا يقع بينهما اشتباه، إما الليث بن سعد أو الليث بن أبي سليم، وكثير من الباحثين يخلط بينهما، وأحدهما في غاية من الثقة والآخر ضعيف، لكن الذي في اللغة هذا غيرهما، شخص ثالث.
المهم ينظر طالب العلم في هذا ولا يستعجل، يتأنى.
ولذلك للتمييز طرق يسلكها الباحثون، وربما احتاج إليها الباحث جميعا أو إلى بعضها، وربما في بعض الأحايين يتوقف كما في صيح البخاري، يقول البخاري: حدثنا أحمد، فتجد الأئمة على أربعة أقوال:
منهم من يقول: أحمد بن فلان، ومنهم من يقول: أحمد بن فلان. أو يقول: حدثنا إسحاق أو يقولون: حدثنا يعقوب وفي مشايخه عدد من هؤلاء.
فأحيانا الباحث ... يعني العلماء يقولون: هذا لا يؤثر إذا كانوا كلهم ثقات، وإنما التأثير -كما ذكر الخطيب قاعدة: إذا كانوا كلهم ضعفاء، أو كلهم ثقات هذا لا يؤثر، وإنما يؤثر إذا كان أحدهم ثقة والآخر ضعيفا، ودائما القاعدة عند العلماء: أنه إذا لم يتميز فالحكم لمن يكون الآن؟ إذا لم يتميز هل هو ثقة أو ضعيف؟ فالحكم للضعيف، دائما يغلب جانب الرد. نعم اقرأ.
стр. 424
النوع الخامس والخمسون: الأسماء المتشابهة في الرسم
النوع الخامس والخمسون: نوع يتركب من النوعين قبله، وللخطيب البغدادي فيه كتابه الذي وسمه بـ "تلخيص المتشابه في الرسم" مثاله موسى بن عَلي بفتح العين، جماعة موسى بن عُلي بضمها مصري يروي عن التابعين، ومنه المخرّمي، والمخرَمي.
ومنه ثور بن يزيد الحمصي وثور بن زيد التبلي الحجازي، وأبو عمرو الشيباني النحوي: إسحاق بن مرار، ويحيى بن أبي عمرو الشيباني.
عمرو بن زرارة النيسابوري شيخ مسلم، وعمرو بن زرارة الحددي يروي عنه أبو القاسم البغوي.
نعم هذا قول.. يقولون: إنه يتركب من الاثنين قبله.....
هذه من الأشياء التي قال ابن كثير ﵀: إن ابن الصلاح أكثر من التنويع، وبعضها يمكن ضمه إلى بعض، مر بنا مثال، وهذا مثال متركب من الذي قبله، يعني: متشابهان في ... ، يعني الاسم ... شخصان يكون لهما اسم واحد ولكن بينهما فرق من جهة الضبط، مثل: موسى بن علي جماعة، وموسى بن علي، في صورة الحرف يشتبهان، ولكن بينهما تفريق من جهة الضبط.
فهذا نوع من الذي قبله، تشابهٌ في الاسم بين اثنين، وأيضا تشابه بين اسميهما واسم والديهما في صورة الخط ومع الاختلاف في الضبط.
هذا نوع يتركب من النوع قبله، ولا إشكال ... ، كان يمكن ذكره مع أحدهما.
النوع السادس والخمسون: معرفة المتشابهين في الاسم واسم الأب والنسبة
النوع السادس والخمسون: في صنف آخر مما تقدم، ومضمونه في المتشابهين في الاسم واسم الأب ونوع النسبة، مع المفارقة في المقارنة: هذا متقدم وهذا متأخر.
مثاله: يزيد بن الأسود الخزاعي صحابي، ويزيد بن الأسود الجرشي، أدرك الجاهلية وسكن الشام وهو الذي استقى به معاوية ﵁.
وأما الأسود بن يزيد فذاك تابعي من أصحاب ابن مسعود ﵁.
الوليد بن مسلم الدمشقي تلميذ الأوزاعي وشيخ الإمام أحمد، ولهم آخر بصري تابعي.
فأما مسلم بن الوليد رباح فذاك مدني يروي عنه الداروردي، وقد وهم البخاري في تسميته له في تاريخه بالوليد بن مسلم، والله أعلم.
قلت: وقد اعتنى شيخنا الحافظ المزّي في تهذيبه في بيان ذلك، وميزت المتقدم والمتأخر من هؤلاء بيانا حسنا، وقد زدت عليه أشياء حسنة في كتابي "التكميل" ولله الحمد.
نعم هذا نوع داخل أيضا في... ليس في الذي قبله، في النوع الرابع والخمسين، ويفصله عنه أن بين الشخصين تمايزا بأن يكون هذا متقدم الطبقة وهذا متأخر الطبقة،.
ولكن قد يقع هذا أيضا فيه اشتباه، وقفت على باحث مثلا جاء إلى المسعودي صاحب "مروج الذهب" -متأخر جدا........
стр. 425
معروف في القرون المتأخرة- لكن لما أراد أن يترجم له ترجم للمسعودي الذي هو من أهل القرن الثاني أحد الرواة المعروف، عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، الذي أكثر ما يشتهر يقال له: المسعودي، فهذا بينهما خمس مائة سنة أو أكثر، ومع هذا يقع بعض الباحثين.
فهذا أشنع، إذا وقع من باحث فهو أيضا أشنع من الوقوع في الاختلاط أو ومن وقوع الاشتباه على الباحث في النوع الذي تقدم.
وتجد في "تهذيب الكمال" يقول ابن كثير يقول: إن المزي اعتنى بهذا يعني اعتنى بالذي قبله واعتنى بهذا أيضا، يذكرون ... وأحيانا يروون في تهذيب الكمال وفي تهذيب التهذيب أشخاصا ليسوا من رواة الكتب الستة، ويكتبون قبلهم تمييزا أو بعدهم، والمقصود بكلمة تمييز أنني أميزه، يقول: إنني أميزه، يقول المؤلف: أنا ذكرت هذا؛ ليس لأنه من رواة الكتب الستة؛ ولهذا ليس أمامه رمز: (جيم) مثلا (خاء) كذا.
فالمقصود من ذكره إذًا هو تميزه عن راو ورد في الكتب الستة، وربما ذكروا ثلاثة أو أربعة أو خمسة، كلهم بالتمييز، فالمقصود به لا يختلط هذا على الباحث، ويتأكد من هو الذي عنده. نعم.
стр. 426
النوع السابع والخمسون: معرفة المنسوبين إلى غير آبائهم
المنسوبون إلى أمهاتهم
النوع السابع والخمسون: معرفة المنسوبين إلى غير آبائهم وهم أقسام: أحدها المنسوبون إلى أمهاتهم، كمعاذ ومعوذ ابنا عفراء الذين أثبتا أبا جهل يوم بدر، وأمهم هذه عفراء بنت عبيد، وأبوهم الحارث بن رفاعة الأنصاري، ولهم آخر شقيق لهما عوذ يقال له: عون وقيل عود والله أعلم.
بلال بن حمامة المؤدب أبوه: رباح.
ابن أم مكتوم الأعمى المؤذن أيضا، وقد كان يؤم أحيانا عن رسول ﷺ في غيبته، قيل: اسمه عبد الله بن زائدة، وقيل: عمرو بن قيس، وقيل: غير ذلك.
عبد الله بن نسبية، وقيل: الأسبية، صحابي سهيل بن بيضاء وأخواه منها: سهل بن صفوان، واسم بيضاء: دعد، واسم أبيهم: وهب.....
شرحبيل ابن حسنة: أحد أمراء الصحابة على الشام، هي أمه.
أبو عبد الله بن المطاع الكندي، وعبد الله ابن بحينة، وهي أمه، وأبوه: مالك بن خشب الأسدي.
سعد ابن حبسة، هي أمه، وأبوه بجير بن معاوية.
ومن التابعين فمن بعدهم:محمد ابن الحنفية واسمها خولة، وأبوه: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
إسماعيل ابن علية، هي أمه، وأبوه إبراهيم بن حيوة أحد أئمة الحديث والفقه ومن كبار الصالحين.
قلت: فأما ابن علية الذي يعزو إليه كثير من الفقهاء فهو إسماعيل بن إبراهيم هذا، وقد كان مبتدعا يقول بخلق القرآن.
ابن هراسة: هو أبو إسحاق إبراهيم بن هراسة، قال الحافظ عبد الغني بن سعيد المصري: هي أمه، واسم أبيه سلمة.
ومن هؤلاء ما قد ينسب إلى جدته كيعلى ابن منية قال الزبير بن بستر: هي أم أبيه أمية.
وبشير ابن خصاصية، اسم أبيه معبد والخصاصية أم جده الثالث.
قال الشيخ أبو عمرو: ومن أحدث ذلك عهدا شيخنا أبو أحمد عبد الوهاب بن علي البغدادي يعرف بابن سكينة، وهي أم أبيه.
قلت: وكذلك شيخنا العلامة أبو العباس ابن تيمية -رحمه الله تعالى- هي أم أحد أجداده الأبعدين وهو أحمد بن عبد الحميد بن عبد السلام بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني، ومنهم من ينسب إلى جده.
نعم، هذا النوع: معرفة المنسوبين إلى غير آبائهم هذا ... ذكر ابن كثير أو تبعا لابن الصلاح: أنه على أنواع أو على أقسام: أحدها المنسوبين إلى الجماعة من الرواة والعلماء والصحابة وغيرهم، ينسبون إلى أمهاتهم.
ينسب الشخص أحيانا إلى أمه، إما لفضلها وإما لاشتهارها باسم نادر، وإما بكونه له مثلا أخ يعرف أيضا بمحمد، أو يعرف... -يعني- يشتركان في الاسم، فيميزان أو يميز بينهما في النسبة إلى الأم، هذا من أم وهذا من أم.
стр. 427
المهم ذكروا عددا من الرواة ومن العلماء الفضلاء ينسبون إلى أمهاتهم، لكن ينبهنا إسماعيل ابن علية، هي أمه، وأبوه إبراهيم وهو أحد أئمة الحديث والفقه ومن كبار الصالحين.
ثم قال: قلت فأما ابن علية الذي يعزوا إليه كثير من الفقهاء فهو إسماعيل بن إبراهيم هذا، وقد كان مبتدعا يقول بخلق القرآن.
ما الفرق بينهما إذًا؟
بعض الباحثين كأحمد شاكر، يظن أن هو واحد ولكنه قال فيه ابن كثير: وكان مبتدعا يقول بخلق القرآن؛ لأنه بدت منه هفوة، فأجاب بفتنة خلق القرآن، لكن هذا خطأ ليس هذا هو المراد، لا يمكن أن يقول فيه ابن كثير هكذا؛ لأنه تاب ﵀.
وإنما هذا مقلوب، هو إبراهيم بن إسماعيل، هذا تصححونه، المقصود إبراهيم بن إسماعيل، هذا معروف، ولده إسماعيل اسمه إبراهيم وهو من المعتزلة. نعم، معتزلي، وينسب إليه بعض الأقوال الشاذة إما في الفقه أو في العقائد، لكن هذا كأنه فيه قلب، والله أعلم.
ما أدري هل عندكم على الصواب؟ .... نعم هذا معروف ومعروف إسماعيل بن إبراهيم هذا الذي يعرف بابن علية حقيقة، يأتي في الأسانيد باسم إسماعيل ابن علية ويأتي باسم إسماعيل بن إبراهيم كثيرا.
فهذا شيخ الإمام أحمد ومن الحفاظ الكبار الثقات الذين لا يكادون يخطئون، هذا إسماعيل، وأما ولده إبراهيم فهذا هو المعتزلي الذي يقول ابن كثير إنه مبتدع. نعم يا شيخ.
من ينسب إلى جده
ومنهم من ينسب إلى جده كما قال النبي ﷺ يوم حنين وهو راكب على البغلة يركبها إلى نحر العدو وهو ينوه باسمه يقول: ? أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب ? وهو رسول الله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب.
وكأبي عبيدة بن الجراح: وهو عامر بن عبد الله بن الجراح الفهري أحد العشرة أول من لقب بأمير الأمراء بالشام وكانت ولايته بعد خالد بن الوليد ﵄.
стр. 428
مجمع بن جريد: وهو مجمع بن يزيد بن جارية بن جرير، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريد بن أبي دير، محمد بن عبد الرحمن بن أبي دير. أحمد بن حنبل: هو أحمد بن حنبل الشيباني أحد الأئمة.
أبو بكر بن أبي شيبة: هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عتمان العبسى صاحب المصنف، وكذا أخواه عثمان الحافظ، والقاسم أبو سعيد بن يونس، صاحب تاريخ مصر: هو عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن الأعلى الصدفي.
ومما ينسب إلى غير أبيه: المقداد ابن الأسود: وهو المقداد بن عمرو بن ثعلبة الكندي.
البهراني: وهو الأسود أبو عبد يغوث الزهري وكان زوج أمه وهو ربيبه فتبناه فنسب إليه.
الحسن ابن دينار: هو الحسن بن واصل، ودينار زوج أمه، وقال ابن أبي حاتم: الحسن ابن دينار بن واصل.
نعم. ابن كثير ﵁ افتتح هذا النوع بقوله: وهم أقسام أحدها، ولم يذكر الثاني ولا الثالث، لم يذكر الأقسام الأخرى بهذا العنوان.
الثاني وهو قوله: ومنهم من ينسب إلى جده الأول ينسب إلى أمه والثاني من ينسب إلى جده، جماعة من الرواة نسبوا إلى أجدادهم، مثل مثلا مثّل بالنبي ﷺ ليس من الرواة، ولكن هو ابتدأ التمثيل به تيمنا وتبركا، وكذلك أبو عبيدة بن الجراح، هو عامر بن عبد الله بن الجراح.
يعني يكون للراوي أو للصحابي جد متميز الاسم فينسبوه إليه، ويحذفون الأسماء المشهورة، مثل علي بن زيد بن جدعان، يقال له: على بن الجدعان، والجدعان هذا هو جد له بعيد.
هكذا يعرف بهذا؛ لأن أحد الأسماء مثلا اسم جده أو اسم جد جده فيه غرابة فيشتهر بهذا، والمقصود بهذا أنه إذا ورد عندك منسوبا إلى جده هذا يشكل على الباحثين عند البحث عن اسمه، كما نعرف أن كتب التراجم مرتبة على الاسم الأول، ثم الاسم الثاني، ثم الاسم الثالث، وهكذا، وربما يتعب الباحث.
стр. 429
مثل: أحمد بن عبد الله بن يونس، هذا معروف من شيوخ البخاري، كثيرا جدا ما يرد باسم أحمد بن يونس فقط.
فلو ذهبت تبحث ... ، ولكن العلماء -رحمهم الله تعالى- يقولون: أحمد بن يونس: انظره في أحمد بن عبد الله بن يونس، ولكن ربما بعض الكتب لا يوجد فيها هذا، كتب الجرح والتعديل لا يوجد فيها هذا، يوجد في الكتب المتأخرة مثل تهذيب التهذيب أن يبينوا الاسم الذي اشتهر ويحيلونك إلى الاسم الذي هو الاسم الحقيقي.
الصنف الثالث: أو القسم الثالث: هو قوله: "وممن نسب إلى غير أبيه: المقداد بن الأسود".
أحيانا ينسب الشخص إلى غير أبيه، ربما في حالات نادرة، إما أنه زوج أمه أو تربى عنده أو نحو ذلك فينسب... وهذا... يقول العلماء: إن فيه تجوز، لكنه هو لا ينسب إلى غير أبيه؛ لأنه معروف في الحديث: ? أنه ملعون من انتسب إلى غير أبيه ? لكن هذا لا يقصد به النسبة التي هي الميراث، إنما هذه النسبة تعريفية فقط. نعم.
النوع الثامن والخمسون: في النسَب التي على خلاف ظاهرها
النوع الثامن والخمسون: في النسَب التي على خلاف ظاهرها، وذلك كأبي مسعود عقبة بن عمرو البدري زعم البخاري أنه ممن شهد بدرا، وخالفه الجمهور قالوا: إنما سكن بدرا فنسب إليها.
سليمان بن طرحان التيمي لم يكن منهم، إنما نزل فيهم فنسب إليهم، وقد كان من موالي بني مرة.
أبو خالد الدالاني بكر بن همذان، نزل فيهم أيضا وإنما كان من موالي بني أسد.
إبراهيم بن يزيد الخوزي، إنما نزل شعب الخوز بمكة.
عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي وهم بطن من فزارة، نزل في جبانتهم بالكوفة، محمد بن سنان العوكي بطن من عبد القيس، وهو باهلي، ولكنه نزل عندهم بالبصرة.....
стр. 430
أحمد بن يوسف السلامي، شيخ مسلم، وهو أزدي، ولكنه نسب إلى قبيلة أمه وكذلك حفيده أبو عمرو إسماعيل بن نجيد السلمي، حفيد هذا أبو عبد الرحمن السلمي الصوفي، ومن ذلك مقسم مولى بن عباس -رضي الله تعالى عنهما- للزومة له، وإنما هو مولى لعبد الله بن الحارس بن نوفل، وخالد الحذاء، إنما قيل له ذلك لجلوسه عندهم، ويزيد الفقير؛ لأنه كان يألم من فقار ظهره.
يعني: هناك بعض الأنساب وبعض... ينسب الرواة إلى أنساب على خلاف ظاهرها، والمراد بكونها على خلاف ظاهرها، يعني أن الشخص لا ينسب إلى من ينسب إليه حقيقة، وإنما لسبب من الأسباب، قد يكون من قبيلة ولكنه نسب إلى قبيلة ثانية؛ إما أنها قبيلة أمه وتربى عندهم؛ وإما لكونه نزل فيهم أو قريبا منهم أو يتردد إليهم، فينسب لذلك.
والمقصود من هذا أنك تعرفه فيما لو ينسب إلى قبيلته الأصلية... قد ينسب إلى قبيلته الأصلية أو بلده الأصلي أو إلى ...يعني من ينسب إليه حقيقة، وقد ينسب إلى غير ما نسب إليه، أو غير ما ينتسب إليه، فلا يظن الظانّ أو الباحث أنهما اثنان وإنما هما شخص واحد
اعتنى العلماء بهذا، يقولون: فلان من بني كذا، مثلا هذا العرزمي: بطن من فزارة نزل فيهم هذا عبد الملك بن أبي سليمان، وليس هو بعرزمي وإنما نزل فيهم، كما نعرف نحن والقبائل العربية حين مصرت الأمصار ماذا فعلوا؟ كل قبيلة اختصت لها مكانا تنزل فيه، فربما شخص من خارج هذه القبيلة نزل فيهم؛ لأنه -يعني- بعد أن استقروا وعاشوا عيشة الحضارة والمدن اختلطوا فربما من نزل فيهم وهو ليس منهم فينسب إليهم.
وهذا كله ... مثل خالد الحذاء إنما قيل له ذلك لجلوسه عندهم، والحذاء من هو؟ هو الذي يشتغل بالأحذية، لكنه يجلس عند الحذائين فنسب إليه يقال له: خالد الحذاء.
ومنهم من يقول: إنه لقب بهذا؛ لأنه كان يقول كثيرا احذُ على هذا النحو، احذُ على هذا النحو، فلقب لتكراره هذه الكلمة بالحذاء.
كذلك يزيد الفقير، ليس هو بفقير، وإنما هو كان يشكو فقار ظهره فلقب بذلك، ومثله يزيد بن الضال الذي مر ... أو عبد الكريم الضال يعني هو ضال ولكن ليس من الضلالة المشهورة، ولكنه ضل في طريق مكة فلقب بالضال.
فهذه أنساب على خلاف ظاهرها. نعم.
стр. 431
النوع التاسع والخمسون: في معرفة المبهمات من أسماء الرجال والنساء
النوع التاسع والخمسون: في معرفة المبهمات من أسماء الرجال والنساء، وقد صنف في ذلك الحافظ عبد الغني بن سعيد المصري، والخطيب البغدادي وغيرهما.
وهذا إنما يستفاد من رواية أخرى من طرق الحديث، كحديث ابن عباس: ? أن رجلا قال: يا رسول الله، الحج كل عام؟ ? هو الأقرع بن حابس، كما جاء في رواية أخرى.
وحديث بن سعيد: أنهم مروا بحي قد لدغ سيدهم فرقاه رجل منهم، هو أبو سعيد نفسه، في أشباه لهذا كثيرة يطول ذكرها.
وقد اعتنى ابن الأسير في أواخر كتابه "جامع الأصول" بتحريرها، واختصر الشيخ محيي الدين النووي كتاب الخطيب في ذلك، وهو فن قليل الجدوى بالنسبة إلى معرفة الحكم من الحديث، ولكنه شيء يتحلى به كثير من المحدثين وغيرهم.
وأهم ما فيه ما رفع إبهاما في إسناد، كما إذا ورد في سند عن فلان ابن فلان أو عن أبيه أو عمه، أو أمه، فورد تسمية هذا المبهم من طريق أخرى فإذا هو ثقة أو ضعيف أو ممن ينظر في أمره، فهذا أنفع ما في هذا.
نعم، هذا النوع تعيين المبهمين في المتون أو في الأسانيد، قسمه ابن كثير إلى قسمين:... يقسمونه العلماء ﵏ إلى قسمين:
المبهم في المتن، والمبهم في الإسناد. كثيرا ما يأتي المبهم في المتن، بأن يقول: قال رجل. ولا سيما إذا كان فيه منقبة، فإن الصحابي يريد التحديت بالحديث، ولكنه لا يريد أن يزكي نفسه، فلا يقول: جئت إلى النبي وقلت له كذا، وقال لي كذا، وإنما في الغالب أن يقول: قال رجل أو جاء رجل، وهذا معروف عنهم ﵃.....
стр. 432
فاشتغل العلماء ببيان ذلك، وصنف الخطيب البغدادي كتابا في بيان ذلك، اسمه: "الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة" هذا الكتاب مطبوع، وابن كثير ﵀ عقب على هذا النوع بأنه قال: "فن قليل الجدوى بالنسبة إلى معرفة الحكم من الحديث، ولكنه شيء يتحلى به كثير من المحدثين وغيرهم ".
هذه العبارة فيها نوع قسوة، هو مفيد حتى في استنباط الحكم من الحديث، لماذا هو مفيد؟
مفيد لمعرفة: هل هذه الواقعة لواحد أو لاثنين؛ لأنه أحيانا يختلف التوجيه أو يكون اختلاف في المعنى، فيبحث المجتهد حتى من جهة الحكم في معرفة هل هذه القصة لواحد أو لاثنين أو لثلاثة؟.
مثل قصة ذي اليدين وغيرها، وهذا أمر مهم.
وكذلك يستفيد منه أيضا في دراسة الأحاديث والحكم عليها؛ لأن بعض المحدثين إذا اختلفت الأسانيد يقول: هذا يحمل على أي شيء؟ على تعدد القصة.
وقال: أحيانا الناظر في الحديث من جهة إسناده قد يتبين له أن القصة واحدة وقع فيها اختلاف في الإسناد، وهذا قول ابن كثير ﵀: "قليل الجدوى" يعني فيه ... لكن هو يستفاد منه، مثلا لو أخذت قصة المستحاضة، ورد عدد من الأسماء المستحاضات وبينهما اختلاف في الحكم، فمعرفة: هل المستحاضة واحدة أو اثنتين أو ثلاثة؟ تفيد في رد بعض ألفاظ الأحاديث إلى بعض متى عرف أن القصة واحدة لم تتكرر.
فهذه فائدته من جهة الحكم، وله فائدة من جهة الأسانيد أيضا والتعليل، كثيرا ما يعلل به المحدّثون أو كثيرا ما يستفيد منه المحدّثون والباحثون في التعليل أيضا في تصحيح الحديث وتضعيفه.
أما القسم الثاني: فلا شك في فائدته التي هي الإبهام في الإسناد، أحيانا يقولون: عن رجل، يأتي معرفا، يعرف من هو؟ لتعرف درجته، هل هو ثقة أو ضعيف؟ وقد ألف فيه العلماء أيضا ولأبي زرعة، إذا قيل: أبو زرعة، من هو؟ هو الرازي، لكن هذا أبو زرعة العراقي، متأخر ولد العراقي المعروف، يقال له: ابن العراقي له كتاب اسمه "المستفاد من معرفة المبهمات في المتن والإسناد" كتاب لخص به الكتب التي قبله، كتاب الخطيب وجمع بين المبهم في المتن والمبهم في الإسناد. نعم.
стр. 433
النوع الموفي الستين: معرفة وفيات الرواة ومواليدهم ومقدار أعمارهم
النوع الموفي الستين معرفة وفيات الرواة ومواليدهم ومقدار أعمارهم؛ ليُعرف من أدركهم ممن لم يدركهم من كذاب أو مدلس فيتحرر المتصل والمنقطع وغير ذلك.
قال سفيان الثوري: لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التأريخ، وقال حفص بن غياث: إذا اتهمتم الشيخ فحاسبوه بالسنين.
وقال الحاكم: لما قدم علينا محمد بن حاتم الكشي فحدث عن عبد بن حميد، سألته عن مولده، فذكر أنه ولد سنة ستين ومائتين، وقلت لأصحابي: إنه يزعم أنه سمع منه بعد موته بثلاث عشرة سنة.
قال ابن الصلاح: شخصان من الصحابة عاش كل منهما ستين سنة في الجاهلية وستين في الإسلام: وهما حكيم بن حزام، وحسان بن ثابت ﵄.
وحكي عن بن إسحاق أن حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام عاش كل منهما مائة وعشرون سنة.
قال الحافظ أبو نعيم: ولا يعرف هذا لغيرهم من العرب، قلت وقد عمر جماعة من العرب أكثر من هذا، وإنما أراد أن أربعة نسقا، -يعني حسان ووالده ووالد والده وجدهم، الأربعة هؤلاء عاشوا كل منهم مائة وعشرين سنة، هذا معنى قوله، إنما أراد أربعة نسقا.- قلت وقد عمر جماعة من العرب أكثر من هذا، وإنما أراد أن أربعة نسقا يعيش كل منهم مائة وعشرين سنة، لم يتفق هذا في غيرهم.....
стр. 434
وأما سليمان الفارسي فقد حكى العباسي بن يزيد البحراني بإجماع على أنه عاش مائتين وخمسين سنة، واختلفوا في من زاد على ذلك إلى ثلاث مائة وخمسين سنة، وقد أورد الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ﵀ وفيات أعيان من الناس:
رسول الله ﷺ توفي وهو ابن ثلاث وستين سنة على المشهور، يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، وأبو بكر عن ثلاثة وستين أيضا في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة، وعمر ﵁ عن ثلاثة وستين أيضا من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين.
قلت: وكان عمر أول من أرخ التاريخ الإسلامي بالهجرة النبوية من مكة إلى المدينة، كما بسطنا ذلك في سيرته وفي كتابنا: "التاريخ"، وكان أمره بذلك في سنة ست عشرة من الهجرة.
وقتل عثمان بن عفان وقد جاوز الثمانين، وقيل بلغ التسعين سنة في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين.
وعليّ: في رمضان سنة أربعين عن ثلاث وستين في قول، وطلحة والزبير قتلا يوم الجمل سنة ست وثلاثين، قال: الحاكم وسن كل منهما أربع وستون سنة.
وتوفي سعد عن ثلاث وسبعين، سنة خمس وخمسين، وكان آخر من توفي من العشرة.
وسعيد بن زيد: سنة إحدى وخمسين، وله ثلاث أو أربع وسبعون، وعبد الرحمن بن عوف: عن خمس وسبعين، سنة اثنتين وثلاثين.
وأبو عبيدة: سنة ثماني عشرة وله ثمان وخمسون ﵃ أجمعين-.
وأما العبادلة: فعبد الله بن عباس: سنة ثمان وستين، وابن عمر وابن الزبير: في سنة ثلاث وسبعين، وعبد الله بن عمرو: سنة سبع وستين.
وأما عبد الله بن مسعود فليس منهم، قاله أحمد بن حنبل، خلافا للجوهري حيث عده منهم، وقد كانت وفاته سنة إحدى وثلاثين.
قال ابن الصلاح: الثالث: أصحاب المذاهب الخمسة المتبوعة: سفيان الثوري: توفي بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة وله أربعة وستون سنة، وتوفي مالك بن أنس بالمدينة سنة تسع وسبعين ومائة وقد تجاوز الثمانين.
стр. 435
وتوفي أبو حنيفة البغدادي سنة خمسين ومائة وله سبعون سنة، وتوفي الشافعي محمد بن إدريس بمصر سنة أربعة ومائتين عن أربع وخمسين سنة.
وتوفي أحمد بن حنبل ببغداد سنة إحدى وأربعين ومائتين، عن سبع وسبعين سنة.
قلت: وقد كان أهل الشام على مذهب الأوزاعي نحوا من مائتي سنة، وكانت وفاته سنة سبع وخمسين ومائة ببيروت من ساحل الشام، وله من العمر سبعون سنة.
وكذلك إسحاق بن راهويه، فقد كان إماما متبعا، له طائفة يقلدونه ويجتهدون على مسلكه، يقال لهم: الإسحاقية، وقد كانت وفاته سنة ثمان وثلاثين ومائتين، عن سبع وسبعين سنة.
قال ابن الصلاح: الرابع: أصحاب كتب الحديث، الخمسة: البخاري: ولد سنة أربع وتسعين ومائة، ومات ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين ومائتين في قرية يقال لها: خاتلة.
ومسلم بن الحجاج: توفي سنة إحدى وستين ومائتين عن خمس وخمسين سنة.
أبو داود: سنة خمس وسبعين ومائتين.
الترمذي: بعده بأربع سنين سنة تسع وسبعين.
أبو عبد الرحمن النسائي: سنة ثلاث وثلاث مائة.
قلت: وأبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني صاحب السنن التي كمل بها الكتب الستة؟
السنن الأربعة بعد الصحيحين التي اعتنى بأطرافها الحافظ بن عساكر، وكذلك شيخنا الحافظ المزي اعتني برجالها وأطرافها، وهو كتاب التبويب في الفقه، وقد كانت وفاته سنة ثلاث وسبعين ومائتين ﵏.
قال: الخامس: سبعة من الحفاظ انتفع بتصانيفهم في أعصارنا: أبو الحسن الدارقطني: توفي سنة خمس وثمانين وثلاث مائة، عن تسع وسبعين سنة.
الحاكم أبو عبد الله النيسابوري: توفي في صفر سنة خمس وأربعة مائة وقد تجاوز الثمانين.
عبد الغني بن سعيد المصري: في صفر سنة تسع وأربعمائة بمصر، عن سبع وسبعين سنة.
стр. 436
الحافظ أبو نعيم الأصفهاني، سنة ثلاثين وأربعمائة، وله ستٍ وتسعون سنة، ومن الطبقة الأخرى: الشيخ أبو عمرو النمري، توفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة، عن خمسٍ وتسعين سنة، ثم أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، توفي بنيسابور سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، عن أربع وسبعين سنة، ثم أبو بكر أحمد بن علي "الخطيب البغدادي"، توفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة، عن إحدى وسبعين سنة.
قلت: "وقد كان ينبغي أن يذكر مع هؤلاء جماعة اشتهرت تصانيفهم بين الناس، ولا سيما عند أهل الحديث كالطبراني، وقد توفي سنة ستين وثلاثمائة، صاحب المعاجم الثلاثة وغيرها، والحافظ أبي يعلى الموصلي، توفي سنة سبع وثلاثمائة، والحافظ أبي بكرٍ البزار، توفي سنة اثنتين وتسعين ومائتين، وإمام الأمة محمد بن إسحاق بن خزيمة، توفي سنة إحدى عشرة وثلاثمائة "صاحب الصحيح"".
وكذلك أبو حاتم محمد بن حبان البستي "صاحب الصحيح" راوٍ أيضا، وكانت وفاته سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، والحافظ أبو حمد بن عدي صاحب "الكامل"، توفي سنة سبع وستين وثلاثمائة.
نعم، هذا الفن من أجل الفنون "علوم الحديث"، وله صلة بأمور متعددة، الذي هو فن الوفايات، وقد اعتنى به الأئمة -رحمهم الله تعالى- عناية كبيرة جدا، فبحثوا عن وفاة كل راو، إما على سبيل التحديد بأن يُقال: تُوفي سنة كذا. وإما على سبيل التقريب بأن يُقال: تُوفي نحو كذا، أو بعد الخمسين، أو قبل الخمسين.
والبخاري ﵀ في كتابه "الأوسط"، الذي يُقال إنه طبع باسم "التاريخ الصغير"، قسم ... يعني جعل كل عشر سنوات فصلا، ويُورد فيه بعض الرواة، إما على التحديد، وإما على التقريب، يعني ثابت أنه توفي بين والخمسين ومائة مثلًا، والستين والمائة، وفائدة ... وكذلك أيضا معرفة وفايات أصحاب الكتب المطبوعة، أصحاب المذاهب المطبوعة، وأصحاب الكتب المعروفة، والمؤلفين.
وفائدة هذا الفن أمران:
стр. 437
أولهما، أو نعم أولهما: في دراسة الأسانيد. يستفاد منه في الاتصال والانقطاع، كما نقل ابن كثير عن جماعة من الأئمة، أنهم يستعينون بالتاريخ، يعني أمران ... طيب ... نستفيد منه في أمرين يتعلقان بدراسة الأسانيد.
الأمر الأول: هو اختبار الراوي، معرفة صدقه من كذبه. الأئمة إذا جاءهم راوٍ لا يعرفونه، يحدث عن شيوخ، يسألونه متى ولد هو؟ أحيانا الشيخ... كثير من هؤلاء الذين لا يتقنون، ربما يذكر اسم ولادته، يعني: لا يكذب فيه، ثم ينظر الأئمة في وفاة شيوخه، فإذا هو لم يدركه فيعرفون أنه حينئذٍ: إما مُخلط وإما أنه كذاب، فهذا معنى قول سفيان الثوري مَثَلًا: "لما استعمل الرواة الكذب، استعملنا لهم التاريخ".
ويجازف ويروي عن فلان وفلان وفلان، فمثلًا يأتونه ويسألونه عن ولادته، ويقارن منها بوفاة شيوخه، وكثيرا ما يفتضح الرواة بهذا، كما قال الحاكم هنا: إنه يزعم أنه سمع منه بعد موته بثلاث عشرة سنة.
الأمر الآخر، وهو الأكثر أهمية بالنسبة لدراسة الرواة: أن نستفيد بمعرفة الوفايات في معرفة الاتصال والانقطاع، ولا سيما بين الصحابة والتابعين، أو بين التابعين وتابعي التابعين، فإذا جاءك راوٍ يروي عن ابن مسعود مثلًا، أول ما يعني تسلكه في معرفة هل سمع منه؟ أن تنظر في ولادته، وفي وفاة من؟ عبد الله بن مسعود، فيقولون: فلان لم يدرك فلانا؛ لأن ولادته سنة كذا، وفلان توفي أو مات سنة كذا.
стр. 438
وهذا مهم جدا، بل يعني الاتصال والانقطاع قائم عليه حقيقة، أو أحد أعمدته معرفة الوفايات، ولكن يُشكل على هذا أمر مهم، وهو أن بالنسبة للمتقدمين، يعني: الطبقات المتقدمة في الصحابة والتابعين، يقع الاختلاف كثيرا في تحديد سنة الوفاة، فليست الأمور ميسرة دائما، ليست الأمور ميسرة، حتى بعض الصحابة المشهورين اختلف في سنة وفاتهم، بل إن بعضهم أحيانا يقولون: توفي في عهد رسول الله. وبعضهم يقول: عاش إلى عهد معاوية. يعني الفارق الآن كبير جدا، فليست الأمور ميسرة دائما.
أحيانا يحتاج الباحث إلى البحث في الوفاة، هذه نفسها، وفي الوفاة نفسها، وفي الترجيح بين التواريخ التي تذكر لشخص واحد، لوفاة شخص واحد، الأمر الذي يستفيد منه أيضا في معرفة وفايات المشهورين، هو الترتيب التاريخي، نحن مثلًا نوصي طلبة العلم بالنسبة لـ...، حينما تريد أن تورد أقوال أئمة الجرح والتعديل، من طرق إيراد أقوال أئمة الجرح والتعديل: أن تذكرها مرتبة على الوفايات، حين تريد أن تنقل أقوال العلم في حديث ما، يحسن بالباحث أن -يعني- يكون منظما، أن يكون منظما إذا أراد أن ينقل أقوال الأئمة، فيُحسِن أن ينقل كلام ابن تيمية على حديث، ثم بعده ينقل كلام الإمام أحمد، أو ينقل كلام ابن عبد البر، ثم ينقل بعده كلاما لأبي حاتم أو الترمذي.
فالباحث أحيانا يكون أمامه ... إذا لم يكن يحفظ، والأحسن به أن يحفظ، الأولى به أن يحفظ تواريخ الوفايات هذه، لكن من الممكن أن يكون أمامه قائمة بوفايات الأئمة؛ ولأجل أن يرتبهم تاريخيا، حين ينقل أقوالهم في الجرح والتعديل، في الكلام على الرواة، في الكلام على الأحاديث تصحيحا وتضعيفا، أو هكذا لتعين الأحاديث في فقه الحديث أيضا كذلك، يعني يكون لديه تميز ولا...، لأنه كثيرا ما يكون لقول قد تجاوزه الأئمة، يعني: اعتمد بعضهم فيها على بعض، هذا هو المقصود.
стр. 439
هنا بعض التنبيهات على ... هو قال ابن الصلاح: أصحاب المذاهب الخمسة المتبوعة ... بدأهم بمن؟ بدأهم بسفيان الثوري.
سفيان الثوري له مذهب، عاش بعده فترة من الزمن، ويُقال: ذكرهم الذهبي في "سير أعلام النبلاء". يُقال لهم: "الثوريون". يُنسبون إلى سفيان الثوري، ثم انقرض هذا المذهب، وكذلك ذكر ابن كثير الأوزاعي، عنده أصحاب يفتون على مذهبه في الشام، وإسحاق بن راهويه، ثم انقرضت هذه ... وأبو ثور كذلك صاحب الشافعي، كان له مذهب أيضا.
فهؤلاء من العلماء ﵏ لهم مذاهب عاشت فترة من الزمن، طويلة أو قصيرة، ثم انقرضت. قول ابن الصلاح: "الكتب الخمسة". كانت الكتب خمسة في الأول المشهور المنسوخ، ثم زادوا سادسا، منهم من يزيد "الموطأ"، ومنهم من يزيد "سنن الدرامي"، واستقر العمل بعد ابن طاهر المقدسي، على إضافة "سنن ابن ماجة" -رحمه الله تعالى- سادسا للكتب الستة، واستقر العمل بعد هذا عليه، استقر العمل مثلا في "تحفة الأشراف"، في "تهذيب التهذيب"، كل العمل على الكتب الستة، يقال له الكتب الستة إلى وقتنا.
أما في السابق فكان يُقال له: "الكتب الخمسة". وحتى يعني إذا قال: الستة. ربما يعني بعضهم يجعل السادس هو "سنن الدرامي"، وبعضهم يجعله "الموطأ"، مثل "جامع الأصول"، "جامع الأصول" لابن الأثير ليس فيه سنن ابن ماجة، وإنما فيه موطأ مالك، جعل سادسها موطأ مالك، وهذا اصطلاح يعني فقط يعرفه طالب العلم.
هنا قال الشيخ أبو عمر النمري ... هذا هو ابن عبد البر، معروف بابن عبد البر، لكن هو ما ذكره بلقبه المعروف به، هذا هو ابن عبد البر صاحب "التمهيد"، وصاحب "الاستيعاب" وغيرها من الكتب. نعم أقرأ.
стр. 440
النوع الحادي والستون: معرفة الثقات والضعفاء من الرواة وغيرهم
النوع الحادي والستون: معرفة الثقات والضعفاء من الرواة وغيرهم. وهذا الفن من أهم العلوم وأعلاها وأنفعها، إذ به تعرف صحة سند الحديث من ضعفه، وقد صنف الناس بذلك قديما وحديثا كتبا كثيرة، من انفعها كتاب لابن أبي حاتم، ولابن حبان كتابان نافعان، أحدهما في الثقات والآخر في الضعفاء، وكتاب "الكامل" لابن عدي، والتواريخ المشهورة، ومن أجّلَّها "تاريخ بغداد" للحافظ أبي بكر أحمد بن علي الخطيب، و"تاريخ دمشق" للحافظ أبي القاسم بن عساكر، وتهذيب شيخنا الحافظ أبي الحجاج المذي، وميزان شيخنا الحافظ أبي عبد الله الذهبي، وقد جمعت بينهما، وزدت في تحرير الجرح والتعديل عليهما في كتاب، وسميته "التكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل"، وهو من أنفع شيء للفقيه البارع، وكذلك للمحدث.
وليس الكلام في جرح الرجال على وجه النصيحة لله ولرسوله ولكتابه وللمؤمنين بغيبة، بل يثاب بتعاطي ذلك، إذا قصد به ذلك، وقد قيل ليحيى بن سعيد القطان: "أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم، خصماؤك يوم القيامة؟ " قال: "لأن يكون هؤلاء خصمائي، أحب إلي من أن يكون رسول الله ﷺ خصمي يومئذٍ، يقول لي: لم تذب عن حديثي؟ ".....
стр. 441
وقد سمع أبو ذراب النخشبي أحمد بن حنبل، وهو يتكلم في بعض الرواة فقال له: "أتغتاب العلماء؟! " فقال له: "ويحك هذه نصيحة ليس يقال هذا غيبة". ويُقال: إن أول من تصدى للكلام في الرواة شعبة بن حجاج، وتبعه يحيى بن سعيد القطان، ثم تلامذته: أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وعامر بن فلاس وغيرهم، وقد تكلم في ذلك مالك وهشام بن عروة، وجماعة من السلف، وقد قال ﵊: ? الدين النصيحة ? وقد تكلم بعضهم في غيره فلم يعتبر؛ لما بينهما من العداوة المعلومة، وقد ذكرنا من أمثلة ذلك: كلام محمد بن إسحاق في الإمام مالك، وكذا كلام مالك فيه، وقد وسع السهيلي القول في ذلك، وكذلك كلام النسائي في أحمد بن صالح المصري، حين منعه من حضور مجلسه.
نعم، هذا الموضوع معرفة الثقات، أو هذا النوع معرفة الثقات والضعفاء من الرواة وغيرهم، هذا -يعني- من الترتيب غير المناسب في كتاب ابن الصلاح، وهذا كان حقه أن يُوضع إلى جنب النوع السابق، يعني الذي مر قبل ... يعني قبل عدة أنواع، قبل أنواع كثيرة، وهو معرفة من تُقبل روايته، معرفة من تُقبل روايته ومن ترد، يعني كأنه هناك يُقال لك ... أو كأنه يقول سؤالا: كيف نعرف جرح الراوي وتعديله؟ أو من أين نأخذ... ولا سيما بعد أن تكلم ابن الصلاح على ما في الكتب، وأنها يأتي بها أبطال أئمة الجرح والتعديل، يعني: غير مفسره؟
فيُذكر هنا أين يوجد جرح الرواة وتعديلهم، فيعني هذا هو المكان المناسب له، ثم تكلم ابن كثير ﵀ على أنواع التصنيف في هذا، منهم من ألف في الثقات، ومنهم من ألف في الضعفاء، ومنهم من ألف كتابا مختلطًا يجمع بين الثقات والضعفاء، مثل كتاب: "التاريخ الكبير"، وكتاب "الجرح والتعديل"، ومنهم من كتابه خاص بكتابٍ معين، أو بكتبٍ معينة، أو بأهل بلدٍ معين، فهذه كلها مؤلفات قُصد بها معرفة درجة كل راوٍ؛ من أجل الحكم عليه وعلى حديثه.
стр. 442
وذكر ابن كثير ﵀: أنه جمع بين كتابي شيخيه المذي "تهذيب الكمال"، والذهبي في "ميزان الاعتدال". جمع بينهما في كتاب له سماه: "التكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل".
ثم تكلم ابن كثير على قضايا تتعلق بالجرح والتعديل، منها أنه ليس بغيبة، وهذا مر بنا مر، أعاد الكلام فيه ابن كثير مرة أخرى، ومن المسائل التي تتحدث عنها: من أول من تكلم في هذا العلم؟ هو يقول: "ويُقال: إن أول من تصدى..."، وقوله: "يتصدى" هذه، تختلف عن قوله: "أول من تكلم". لأن أول من تصدى يقولون: شُعبة. ومعنى تصدى، يعني: قصد وتميز وفرغ نفسه لهذا الشيء، وتخصص به، مثلما نقول.
شعبة ومعه مالك، وبعده بقليل مالك، هما اللذان أكثرا من الخلاف بالرواة، وتابعهم الناس بعد ذلك وأصبح هذا الفن ... أو أصبح الجرح والتعديل فنا مستقلًا بذاته، وإلا فالكلام كما ذكر ابن كثير قد سبقهما.
من الصحابة من تكلم في بعض التابعين، ومن التابعين من تكلم في يعني ابن سيرين، وجماعة تكلموا في الرواة، لكنه كان على النذر اليسير، ثم ما زال يتوسع قليلًا قليلًا حتى وصل إلى شعبة، فأوسع القول فيه، وتبعه تلامذته: يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ووكيع، وجماعة ممن تكلموا في الرواة، ثم انتشر بعد ذلك وأُلِفت فيه المؤلفات.
أشار ابن كثير ﵀، إلى أن بعض الكلام في الجرح والتعديل، أحيانا يكون على وجه -يعني- الخصومة، وهذا ليس بالكثير بحمد الله تعالى، ليس بالكثير، هو قد يقع، وهذا يدلك على ... مثلما نقول: وقع عليه الصحابة رضوان الله عليهم. أنه يدلك على أنهم بشر، يعني مثلًا الآن يقول بعض الباحثين: إن الإسلام مثلًا لا يمكن تطبيقه، إن الذين طبقوه أُناس مثاليون.
هذا يدندن به؛ لأنهم ما تركوا وسيلة لحجب الإسلام عن التطبيق العملي، أو عن الناس إلا سلكوه، منهم من يسلك هذا، ومنهم من يسلك هذا، منهم من يقول أختبئ... يعني المهم.
стр. 443
فنحن نستفيد مما وقع بينهم؛ لإدراك أن هؤلاء -رضوان الله عليهم- بشر من جملة البشر، وأن الذي طبق عليهم أو أمكنهم تطبيقه، يمكن أيضا لغيرهم أن يُطبقه، وكذلك أيضا بالنسبة لما وقع بين الرواة، وبين علماء الجرح والتعديل، نعم قد يقع على سبيل... وهو نادر، وكثيرا ما يرجع بعضهم عن الكلام في صاحبه، هم بشر -رضوان الله عليهم-، ويعني لا يمكن أن يخرجوا عن هذه الصفة، يغضب الإنسان، يتكلم في الغضب، يأتيه كلمة من صاحبه فيرد عليها بأقسى منها، وربما يعني اشتد الخلاف، وكما نعرف أنه أكثر ما يقع الكلام بين الأقران، ولهذا يشتد الخلاف بين الإخوة أحيانا، وبين الأب...
يعني المهم أن هذا يقع، لكنه على سبيل الندرة، وضبطه العلماء، يسمى كلام الأقران بعضهم في بعض، هذا كلام الأقران بعضهم في بعض، يعرف العلماء أنه بسبب أمور "حزازات"، أو من أمور شخصية، ولكنه على سبيل الندرة. نعم الذي بعده.
النوع الثاني والستون: معرفة من اختلط في آخر عمره
النوع الثاني والستون: معرفة من اختلط في آخر عمره، إما لخوف أو ضررٍ، أو من مرضٍ أو عرضٍ: كعبد الله بن لهيعة، لما ذهبت كتبه اختلط في عقله، فمن سمع من هؤلاء قبل اختلاطهم قُبلت روايتهم، ومن سمع بعد ذلك، أو شك في ذلك لم تُقبل، ومن اختلط في عقله عطاء بن السائب، وأبو إسحاق السبيعي، قال الحافظ أبو يعلى الخليلي: "وإنما سمع ابن عيينة منه بعد ذلك".
وسعيد بن أبي عروبة، وكان سماع وكيع والمعافى بن عمران منه بعد اختلاطه، والمسعودي وربيعة وصالح مولى التوأمة، وحسين بن عبد الرحمن، قال: "هو النسائي".
وسفيان بن عيينة قبل موته بسنتين، قال: "ويحيى القطان وعبد الوهاب الثقفي". قال: "هو ابن المعين".
وعبد الرزاق بن همام، قال: "هو أحمد بن حنبل، اختلط بعدما عمي، فكان يُلقن فيتلقن، فمن سمع منه بعدما عمي فلا شيء".....
стр. 444
قال ابن الصلاح: "وقد زدت فيما رواه الطبراني عن إسحاق بن إبراهيم الدبري، عن عبد الرزاق أحاديث منكرة، فلعله سفل عند سماعه كان منه بعد اختلاطه". وذكر إبراهيم الحربي، وأن الدبري كان عمره حين مات عبد الرزاق ستُ، أو سبع سنين، وبادئ اختلط بآخره، وممن اختلط ممن بعد هؤلاء: أبو قلابة الرقاشي، وأبو أحمد الغطريسي، وأبو بكر بن مالك القطيعي، خرف حتى كان لا يدري ما يقرأ.
نعم هذا النوع ملحق بالجرح والتعديل، فالعلماء -رحمة الله تعالى عليهم- كما مر بنا، يذكرون حال الراوي منذ صغره إلى وفاته، هل استمر على حفظه وقوته، أو طرأ عليه من نسيان، أو طرأ عليه اختلاط؟ فصدروا مجموعة من الرواة، اصطلحوا على تسمية ما يقع منهم من تغير في العقل، بسبب الكبر أو مرض أو حادثة، اصطلحوا على تسمية بالاختلاط.
مصطلح لهم، اختلط عقله يعني: تغير عقله. ومنهم من يختلط اختلاطا شديدا، حتى كان يعني لا يدري ما يقول، أو يصدر منه أشياء يُعرف أنه لا يدري ما يقول، يعني كالمجنون، أي جُن، ومن هؤلاء مثل: عطاء بن السائب، هذا اختلط، أبو أسحاق السبيعي، اختلاطه -يعني- من الاختلاط الخفيف، مثل ابن عيينة اختلط في آخر عمره، لكنه تغير، هذا أكثره، يعني قد يطلق الاختلاط على التغير، فهو على درجات، ومنهم سعيد بن أبي عروبة، اختلط اختلاطا فاحشا، يسمونه "الاختلاط الفاحش" إذا اشتد، يعني كان لا يدري ما يقول، ومنهم مثلًا عبد الرزاق، اختلط لكنه ليس اختلاط ذهاب العقل، وأنما هو التغير، صار يُلقن فيقبل التلقين، ومنهم عارم محمد بن الفضل السدوسي، ومنهم -يعني- المختلطون.
стр. 445
الذي يهم الباحث -هو كما قلت: "الملحق بالجرح والتعديل"- الذي يهمُ هو معرفة من سمع منهم قبل الاختلاط، ومن سمع منهم بعد الاختلاط، وهو الذي اهتم به العلماء وتعبوا جدا جدا، يعني إذا قرأت كلامهم على المختلطين ومن سمع منهم، وفي أي مكان اختلط، والضابط التمييز بين سنه الذي اختلط فيه، أوقته الذي اختلط فيه وما قبله -تجد عجبا، أو ترى عجبا من جهد الأئمة -رحمهم الله تعالى- وما بذلوه.
يعني يكفي أن تقرأ ترجمة سعيد بن أبي عروبة؛ لترى الجهد الذي بذلوه في التميز بين رواياته القديمة، ورواياته الجديدة التي وقع فيها، التي حدد فيها وهو مختلط، يعني جهد عظيم جدا، ينبأك عن جلالة هؤلاء الأئمة، ومقدار الجهد الذي بذلوه، وهذا يفيدك في الاطمئنان إلى أحكامهم، وفي بيان ورعهم وإنصاتهم، نعم.
وفي كتب من أحسنها كتاب ابن الكيال، يعرف اسمه بـ"الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات"، وهو ناقص، يعني: ترك أُناسا من المختلطين، ويعني هناك من المختلطين من هو في أصله ضعيف، ثم زاده الاختلاط ضعفا، ومنهم من هو ثقة وتحول إلى ضعيف، وهم كما ذكرت على درجات، ومنهم أيضا من اختلط ولم يُحدث؛ رُزِق بأبناء صالحين وحجبوه.
وفي قصة لأحد الأئمة ذكر: أنه كان قد اختلط، فكان ابنه لا يحدث، أو لا يحدث الأب، أو لا يقرأ عليهم إلا والابن حاضر؛ من أجل أن لا يروى شيئا ليس من حديثه، المهم طرق عليه بعض المحدثين الباب، ففتحت البنت، فأرادوا أن يسمعوا منه، فكان من فقهها تعجب منها وأبو حاتم وأبو زرعة، تعجب من فقه هذه البنت، أبت عليهم أن يسمعوا من أبيها إلا وأخوها حاضر، وقالت لهم: "انتظروا حتى يعود". فكان يثني عليها وعلى فقهها بهذا الجهة.
فالمهم أن الرواة المختلطين أصناف، ويعني هذا فن واسع، يعني من الفنون التي ... أو من الجوانب التي اعتنى بها الأئمة -رحمهم الله تعالى- بالنسبة للرواة. نعم، اقرأ الذي بعده.
стр. 446
النوع الثالث والستون: معرفة الطبقات
النوع الثالث والستون: معرفة الطبقات: وذلك أمر اصطلاحي، فمن الناس من يروي الصحابة كلهم طبقة واحدة، ثم التابعون بعِدهم كذلك، ويستشهدون على هذا بقوله ﵊: ? خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ? وذكر بعد قرنه قرنيين أو ثلاثة، ومن الناس من يُقسم الصحابة إلى طبقات، وكذلك التابعين فمن بعدهم، ومنهم من يجعل كل قرنٍ أربعين سنة، ومن أجّل الكتب في هذا: طبقات محمد بن سعد كاتب الواقدي، وكذلك كتاب "التاريخ" لشيخنا العلامة أبي عبد الله الذهبي ﵀ وله كتاب "طبقات الحفاظ" مفيد أيضا جدا.
نعم هذا النوع "معرفة الطبقات"، كان حقه أن يُذكر إلى جنب أو مع الوفايات؛ لأنه متعلق بالإرسال وبالاتصال والانقطاع، وقد اعتنى العلماء -رحمهم الله تعالى- بهذا الجانب، ومن أول من ألف في هذا ابن سعد، ألف كتابه "الطبقات"، وكذلك خليفة بن الخياط، وجماعة من العلماء ألفوا كتبهم على الطبقات، ولهم اصطلاح في ذلك، منهم من يجعل الطبقة عشر سنوات، ومنهم من يوسعها فيجعلها أربعين، ومنهم من يجعلها على الصحابة وعلى التابعين، كما فعل ابن حبان، وأيضا ... ومنهم من يجعل الصحابة طبقة واحدة، ومنهم من يجعلهم على طبقات، وهذا اصطلاح لكل أمام، والمقصود الأول، المقصود من هذا كله: أن طالب العلم يستفيد منه في معرفة الاتصال والانقطاع.
هذا أهم ما يفيد في معرفة الطبقات، ثم أُلفت كتب متأخرة في الطبقات: منها كتاب" سير أعلام النبلاء" للذهبي، وأيضا كتابه "تاريخ الإسلام"، وكتابه "تذكّرة الحفاظ"، هذه كلها على تاريخ الإسلام، على الوفايات، ما في شك على السنوات، لكن "سير أعلام النبلاء" ... وكلها على السنوات، لكن بالنسبة لـ"سير أعلام النبلاء"، و"تذكّرة الُحفاظ"، يذكر الطبقة الفلانية ثم الطبقة الفلانية، ويجمعهم جامع مقدار عشرين سنة مثلا. نعم الذي بعده يا شيخنا.
النوع الرابع والستون معرفة الموالي من الرواة والعلماء....
стр. 447
النوع الرابع والستون: معرفة الموالي من الرواة والعلماء
وهو من المهمات، فربما نسب أحدهم إلى القبيلة، فيعتقد السامع أنه منهم صليبةً، وإنما هو من من مواليهم، فيميز ذلك ليعلم، وإن كان قد ورد في الحديث: ? مولى القوم من أنفسهم ? ومن ذلك أبو البختري الطائي، وهو سعيد بن فيروز، وهو مولاهم، وكذلك أبو العارية الرياحي، وكذلك الليث بن سعد الفهمي، وكذلك عبد الله بن وهب القرشي، وهو مولى لعبد الله بن صالح كاتب الليث، وهذا كثير، فأما ما يُذكر في ترجمة البخاري: أنه مولى الجعبيين، فبإسلام جده الأعلى على يد بعض الجعبيين، وكذلك حسن بن عيسى الماسرجسي، يُنسب إلى ولاء عبد الله بن المبارك، بأن أسلم على يديه وكان نصرانيا، وقد يكون بالحلف، كما يُقال في نسب الإمام مالك بن أنس مولى التميميين، وهو حنبلي أصبحُيُ صليبةً، ولكن كان جده مالك بن أبي عامر حليفا لهم، وقد كان عسيفا عند طلحة بن عبيد الله التيمي أيضا، فنُسب إليهم كذلك، وقد كان جماعة من سادات العلماء في زمن السلف من الموالى.
وقد روى مسلم في صحيحه: ? أن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه-، لمّا تلقاه نائبُ مكة أثناء الطريق في حج أو عمرة، قال له: "من استخلفت على أهل الوادي؟ " قال: ابن أبزى. قال: ومن ابن أبزى؟ قال: رجل من الموالي. فقال: "أما إني سمعت نبيكَم ﷺ يقول: "إن الله يرفع بهذا الدين أقواما، ويضع به آخرين"" ?.
وذكر الزهري أن هشام بن عبد الملك قال له: من يسود مكة؟ فقال: عطاء. قال: فأهل اليمن؟ قال: طاووس. قال: فأهل الشام؟ فقلت: مكحول. قال: فأهل مصر؟ قلت: يزيد بن أبي حبيب. قال: فأهل الجزيرة؟ فقلت: ميمون بن مهران. قال: فأهل خرسان؟ قلت: الضحاك بن مزاحم. قال: فأهل البصرة؟ فقلت: الحسن بن أبي الحسن. قال: فأهل الكوفة؟ فقلت: إبراهيم النخعي.....
стр. 448
وذكر أنه يقول له عند كل واحد: أمن العرب أم من الموالي؟ فيقول: من الموالي. فلما انتهى قال: "يا زهري، والله لتسودن الموالي على العرب، حتى يُخطب لها على المنابر والعرب تحتها". فقلت: "يا أمير المؤمنين، إنما هو أمر الله ودينه، فمن حفظ ساد، ومن ضيعه سقط".
قلت: "وسأل بعض الأعراب رجلًا من أهل البصرة فقال: من هو سيد هذه البلدة؟ قال: الحسن بن أبي الحسن البصري. قال: أمولى هو؟ قال: نعم. قال: فبم سادهم؟ قال: بحاجتهم إلى علمه، وعدم احتياجه إلى دنياهم. فقال الأعرابي: هذا لعمر أبيك هو السؤدد.
نعم هذا النوع في معرفة الموالي، من الرواة والعلماء، والموالي: هم الذين ... معروف هذا المصطلح، يعني من غير العرب؛ لأن الرسول ﷺ عربي، وبعث في أمة العرب، ثم انتشر الإسلام، ودخل فيه أٌناس من غير العرب، في عهده -صلى لله عليه وسلم- وبعد عهده، ثم هؤلاء تفقهوا في الدين، ورووا حديث رسول الله ﷺ وسادوا بذلك، وهم أكثر، أكثر من العرب بلا إشكال.
الأمم ... كانت العرب قلة، فلما دخلوا هؤلاء في دين الله، ويعني كانوا أيضا أهل كتابة وأهل حضارة، يعني انتشر فيهم العلم وسادوا بذلك.
فهذا الفصل مقصود به أن يٌقال: فلان التيمي، فلا يظن الظان مثلًا أنه تيمي صليبة، ولكن هذا ليس له كبير فائدة بالنسبة لنقل السنة، حتى أن بعض الباحثين الآن وبعض المشايخ، تجد في الكتب فلانا التيمي مولى لهم، يقول: احذف مولى لهم. أصبحت الآن لا حاجة لها، ويعني وأصله الحديث هذا: ? مولى القوم من أنفسهم ? أو ? فإن مولى القوم منهم ?.
وكذلك أيضا -يعني- ابن كثير -رحمه الله تعالى- تحدث في هذا الفصل عن شرح ... كأنه شرح لقوله -تعالى-: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١) ? لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى ?.
стр. 449
والأصل في هذا هو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (١) الأصل هو التعارف والتواصل وصلة الرحم، وأما ما عدا ذلك فهو من الجاهلية، فهؤلاء الموالي كان لهم فضل كبير على نشر الإسلام، وعلى حفظه، ويعني ... نعم هذا الفصل متعلق بهذا، الفصل الأخير أو النوع الأخير. نعم.
النوع الخامس والستون: معرفة أوطان الرواة وبلدانهم
النوع الخامس والستون: معرفة أوطان الرواة وبلدانهم: وهو مما يعتني به كثير من علماء الحديث، وربما ترتب عليه فوائد مهمة: منها معرفة شيخ الراوي، وربما اشتبه بغيره، فإذا عرفنا بلده تعين غالبا، وهذا مهم جليل، وقد كانت العرب إنما ينسبون إلى القبائل والعمائر والعشائر والبيوت، والعجم إلى شعوبها ورساتيقها وبلدانها، وبنو إسرائيل إلى أسباطها، فلما جاء الإسلام وانتشر الناس في الأقاليم، نسبوا إليها، أو إلى مدنها أو قراها، فمن كان من قرية فله الانتساب إليها بعينها، وإلى مدينتها إن شاء أو إقليمها، ومن كان من بلدة ثم انتقل منها إلى غيرها، فله الانتساب إلى أيهما شاء، والأحسن أن يذكرها، فيقول مثلًا: الشامي ثم العراقي. أو الدمشقي ثم المصري. ونحو ذلك.
وقال بعضهم: "إنما يصوغ الانتساب إلى البلد، إذا أقام فيه أربع سنين فأكثر". وفي هذا نظر والله أعلم بالصواب، وهذا آخر ما يسره الله -تعالى- من اختصار علوم الحديث، وله الحمد والمنة، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
نعم هذا الموضوع الخامس والستون: معرفة أوطان الرواة وبلدانهم. وممن اعتنى بذلك ... ، أو ذكر ابن كثير -رحمه الله تعالى- في بداية كلامه الفائدة منه، والفائدة منه: هو تمييز الرواة، يعني إذن هذا الفن داخل في تمييز الرواة، فيُقال مثلًا: البغدادي، يُقال: المكي، يُقال: المدني.
стр. 450
وكثيرا ما يُفرق المحدثون أو الأئمة، بين فلان وفلان، في أنه يأتي بالإسناد المدني، ويأتي ذاته في الإسناد الكوفي، فيفرق العلماء، ونحن نستفيد من هذا أيضا في تمييز الرواة، ومعرفة هذا من هذا، وقد يعني العلماء ألفوا ... من أجلّ ما أُلِف في هذا ... شرح ابن كثير قبل هذا، شرح ابن كثير أن العرب كانوا يُنسبون أولًا إلى قبائلهم، فيُقال: التيمي القرشي الأسدي ... إلى آخره، ثم لما جاء الإسلام ...
غير العرب يُنسبون إلى الشعوب: التركي، الفارسي مثلًا، وإلى رساتيقها وبلدانها، يعني: إلى أقاليمها والبلدان، فلما جاء الإسلام وانتشر الناس في الأقاليم، يُقال: العراقي، ويُقال: الكوفي، ونُسبوا إلى البلدان.
ومن أجّلّ ما أُلف في ذلك: كتاب "الأنساب" للسمعاني، هذا كتاب حافل، ولكنه ليس خاصا بالنسبة إلى البلدان، يعني فيه النسب إلى القبيلة، وإلى البلد، وإلى الحرفة، وإلى غير ذلك.
ثم ذكر ابن كثير قاعدة في هذا: أنه إذا كان الرجل يسكن في قرية فله أن ينتسب إليها، وله أن ينتسب إلى ما حولها من مدينة كبيرة، وله أن ينتسب إلى الإقليم أيضا، وهذا أمر شائع لا إشكال فيه، وهذا آخر ما ذكره، وهذا هو آخر الأنواع في كتاب "اختصار علوم الحديث"، وقد -يعني- علقت عليه بما يسر، والغرض منه -إن شاء الله تعالى- أن أستفيد ويستفيد منه السامع، وأسأل الله -تعالى- أن يجزي الحاضرين خيرا على حسن استماعهم، وعلى أدبهم، وعلى أسئلتهم، وأن ينفعهم بما تعلّموا، وأن يزيدهم علما، وأن لا يجعل هذا وبالًا علينا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 451
لكن هذا بالنسبة للكتاب، وهناك أسئلة ، نعم في أسئلة.
أحسن الله إليكم، وجزاكم الله خيرا.
السؤال يقول: فضيلة الشيخ، نفع الله بعلمكم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:....
س: فهل مطابقة الحديث الضعيف إلى الأمر الواقع، في أي مكان أو زمان، دليلُ على تقويته أو رفعه إلى رتبة الحسن، كحديث: ? تقاتلون اليهود على نهر بالأردن، وأنتم شرقيه وهم غربيه ? يقول الراوي: "ولا أدري ما نهر الأردن". وقد عُرِف الآن؟
ج: ليس هذا قاعدة، ليس مطابقة الحديث للأمر الواقع دليلا على صحته أو على تقويته، أو على أنه يعتقد بهذا، لا يصح هذا، وهو أمر مذلة أقدام هذا الأمر، يعني إذا تأملت فيه تجد أنه مذلة أقدام؛ لأن تفسير الحديث وتطبيقه على الواقع، ربما وقع فيه اجتهاد، ولا يكون الأمر على حقيقته، ولا أخص هذا الحديث بالكلام، وإنما هو هذا على العموم، مثل حديث مثلًا، يضربون مثالا لذلك: إن مثلًا هذا البحر ماء، وتحته نار، وتحت النار ماء، إلى سبعة أبحر.
بعض الذين يكتبون في الإعجاز العلمي، يميلون إلى تقوية الحديث؛ لأن الكشوف العلمية يعني أثبتت أن هذا الحديث واقع، وقريب من الواقع، لكن هذا لا يفيد شيئا بالنسبة لتقوية الحديث، لا يفيد شيئا لأنه قد يكون إسرائيليا، قد يكون مذكورا في بعض الكتب، قد يكون يعني كلاما موافقا، أو كلاما وافق واقعا.
فالمقصود أن موافقة الحديث بواقع أو بإعجاز ... وهذا يدخل أيضا في الإعجاز العلمي، ووُلع بعض الباحثين بجمع الأحاديث، وصار يطبقها على كشوفات علمية أو جغرافية أو نحو ذلك، وفي هذا أظنه -يعني حسب ما أرى- أنه مذلة أقدام والله أعلم.
س: يقول السائل: هل يمكن أن يُنسب الراوي إلى حرفته أو صنعته أو سكة بيته؟ وكيف تُقبل روايته؟
стр. 452
ج: يُنسب إلى صنعته، يُقال له: الحناط. حتى بعض الرواة انتقل في صنعات متعددة، فكلما انتقل قيل له الخياط، وقيل له الحداد، وقيل له الحناط، اشتغل بمثل هذه الشغلات، ومثل: البزار والبزاز، هذه شغلات كثيرة، النشائي هذا نسب إلى النابرة، يُنسب إلى النشا؛ لأنه كان يشتغل بالنشا في كوى الملابس، ويعني في صناعتها هذا النوع ... قديمة هذا معروف، ونُسِبوا إلى حرف كثيرة: السماك الزيات الحوات نُسِبوا إلى هذه الحرف، ولا صلة لها بضعف الراوي أو قوته، لا صلة لنسبته ولا لاسمه، يعني لا تلازم أو لا صلة للنسب، بين الاسم أو اللقب بدرجة الراوي. نعم.
أحسن الله إليكم، يقول:
س: كيف يُفرق بين الرواة المتفقين في الاسم، إذا وقع الاسم غير منسوب؟
ج: كما ذكرت، ما أحببت أن أطيل في مسألة وسائل تمييز الرواة، هناك وسائل عديدة يسلكها العلماء، منها: النظر في الشيوخ والتلاميذ، ومنها البحث عن طرق أخرى للحديث، ومنها -يعني- عدد من الطرق، وهي لا يغني بعضها عن بعض، وربما الباحث كما ذكرت يحتاج إليها كلها، وربما يحتاج إلى بعضها، فهناك وسائل من أهمها معرفة الراوي الشيخ، ومعرفة التلميذ،يعني بهذا يميز العلماء، ولكن هناك طرق أخرى، بعضها أدق من هذا، وبعضها يعني يحتاج إلى بحث. نعم.
أحسن الله إليكم.
س: ما معنى قول ابن كثير: "ورساتيقها"؟
ج: نعم، الآن لا يحضرني، هناك أحد يقول ما معنى الرستاق؟ لكن يبدو -والله أعلم- أنه يعني مثلما تقول جهة أو مقاطعة، ما أدري إن كان له معنى دقيق الرستاق، يمكن أن نقول يعني نوع ... ما أدري، لعله جهة أو ... مكتوب ماذا؟ يعني: مجموعة من القرى، مثلما نقول: أرياف. يعني: قرى، مجموعة من القرى تسمى ... نعم.
السؤال الأخير: أحسن الله إليكم يقول:
س: هل من وصية جامعة لطلبة الحديث خصوصا، ولطلاب العلم عموما، في نهاية هذا الدرس؟ وما هي الكتب التي تنصحون بدراستها بعد هذا الكتاب؟
стр. 453
ج: بالنسبة للكتاب الذي بعد هذا، هو أصله، كما تلاحظون أن ابن كثير -رحمه الله تعالى- يختصر، وربما بعض الأنواع هي بحاجة إلى الاختصار، ولكن ابن كثير ولا سيما مع الأخيرة، بعضها قابل للاختصار، ولكن ابن كثير يعني تركها، لم يختصر فيها كثيرا، واختصر أنواعا سابقة، وربما هي بحاجة إلى شيء من التفصيل، وربما وقع فيه بعض الكلام من الاختصار، يعني يحتاج إلى الرجوع إلى الأصل.
فبعد كتاب ابن كثير هذا، الأصل كتاب ابن الصلاح، لا إشكال في ذلك، يقرأه الطالب على هدوء، ويعني يستفيد منه، ويكون كتاب ابن كثير هذا هو الأصل، وحين يقرأ كتاب ابن الصلاح، يكون لديه معلومات أخذها من "اختصار علوم الحديث"، ويبدأ يفهم كلام ابن الصلاح، ثم بعد ذلك ينتقل إلى رحاب الكتب المطولة، التي زادت على كتاب ابن الصلاح، وليس اختصرته، مثل: "تدريب الراوي"، ومثل "الفتح المبين"، هذا يعني ...
أما بالنسبة للإرشادات، فقد أطلت عليكم البارحة واليوم، ويعني أنتم -بحمد الله- كل يوم تسمعون، ومر بنا في آداب المحدث وآداب طالب الحديث، غرر من توجيهات الحافظ ابن الصلاح وابن كثير، بالنسبة لطالب العلم، جهة تصحيح النية، ومن جهة يعني إفاده زملائه، يعني ذكروا عددا من الجوانب تتعلق بطالب العلم.
والمشايخ -بحمد الله- في افتتاح الدروس وفي نهايتها، يُصون الطلبة بأشياء عديدة، منها: عدم الاستعجال، يعني لا يستعجل الإنسان الحصيلة، ومنها عدم الانقطاع، يعني لا ينقطع في أثناء الطريق؛ لأن العلم كما يقولون: "إذا أعطيته كلك أعطاك بعضه". ويعني أنت على غرر أيضا، من أن يُعطيك بعضه، احتمال لا يعطيك إلا النذر اليسير، فهذه مواهب، والمقصود الإنسان لا ينقطع، وأيضا يبتدأ بالأخف فالأخف.
стр. 454
وأيضا من الوصايا التي في الحقيقة، أُوصي بها طلبة الحديث خصوصا، والطلبة عموما: أنه ينبغي على طالب العلم أن يبتدأ بالواضح من علمه، ويتجنب المشكلات، معروف أن لكل علم مشكلاته، كل علم له مشكلاته حتى العلوم المادية، يعني كل علم له مشكلاته، يعني له أمور صعبة، حتى كتاب الله -تعالى- فيه آيات محكمات وأُخر متشابهات، فالإنسان يبدأ بالمحكم من علمه، وهناك -بحمد الله- أمور كثيرة جدا جدا، يمكن يفنى الإنسان عمره وهو ما احتاج إلى المشكلات، يعني ما ينبغي لطالب العلم أن يبدأ مثلًا بتدريس ابن الزبير، أن يبدأ بالعنعنة بين البخاري.
هذه الأمور الصعبة التي أعيت العلماء بالتدليس في الصحيحين، بأمور عظيمة جدا كبيرة، وهو أمامه أن يتعرف على كتب الحديث، أن يتعرف على أئمته، أن يعرف بعض مصطلحاتهم، أن يُتقن كيف ينقل، أن يُتقن كيف يتتبع القول، أن يحرر القول: هل هو صواب أو خطأ؟ أن يوازن بين الروايات، يعني أمامه عمل كثير جدا قبل أن يحتاج إلى المشكلات، وقبل أن يصل إلى المشكلات، وهناك أمور أخرى، يعني لعل في هذا كفاية.
أسأل الله أن يجعل لكم بكل كلمة قلتموها، وبكل خطوة خطوتموها، وبكل جهد بذلتموه، أضعافا مضاعفة في ميزان حسناتكم، وأن يُجزيكم عنا خير الجزاء، وصلى الله وسلم على نبينا ... ، وأنتم كذلك.